Полный текст (1 296 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
بيع الخيار
ولما أنهى الكلام على بيع المرابحة وما يتعلق به انتقل يتكلم على أحكام بيع الخيار وما يتعلق به فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في مسائل الخيار
أي في بيان بيع الخيار وأحكامه وشروطه. اعلم أن الخيار ينقسم إلى قسمين: الأول خيار الشرط ويسمى خيار التروي وهو النظر والتفكير في إمضاء العقد ورده. الثاني خيار النقيصة ويسمى خيار الحكمي، وسببه ظهور عيب في
المبيع لتعلق حق الغير كالرهن والاستحقاق أو غيرهما، وحكمه الجواز قال في الرسالة: والبيع على الخيار جائز إذا ضربا لذلك أجلاً قريباً إلى ما تختبر فيه تلك السلعة أو ما تكون فيه المشهورة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " يجوز اشتراط الخيار لكل من البائعين، ولا يتعين له مدة بل بحسب ما يختبر المبيع فيه أو يتفقان عليه فيثبت لمشترطه الرد، فإن اختلفا قدم الفسخ " وما ذكره من عدم التعيين لمدة الخيار مع قوله، بل بحسب ما يختبر المبيع فيه، هذا إشارة على وجوب التعيين كما عليه جمهور أهل المذهب. قال الجزيري في الفقه: تنقسم مدة خيار الشرك بالنسبة للمبيع إلى أربعة أقسام: الأول: الخيار في بيع العقار وهو الأرض وما يتصل بها من بناء أو شجر، والخيار في هذا يمتد إلى ستة وثلاثين يوماً أو ثمانية وثلاثين يوماً على الأكثر، فإن زاد على ذلك فسد العقد، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخيار لاختيار حال المبيع أو للتروي في الثمن، وذلك فهو ثلاثة أيام.
стр. 807
الثاني: الخيار في عروض التجارة كالثياب ونحوها، والخيار في هذه من ثلاثة أيام إلى خمسة، فإن زاد عليها فسد العقد. الثالث: الدواب وفيها تفصيل؛ لأنها إما أن تكون من الدواب التي ليس من شأنها أن تركب فإن كان الخيار فيها لمعرفة رخصها وغلائها وسمنها مع معرفة ركوبها أيضاً ونحو ذلك فهو من ثلاثة أيام إلى خمسة أيضاً، وإن كان الخيار فيها لمعرفة حال ركوبها فلا يخلو إما أن يكون ذلك في البلد أو خارج البلد، فإن كان من البلد فالخيار فيها مسافة بريدين لا أكثر، وبعضهم يقول: إن الخيار في الدواب ثلاثة أيام وما يقرب من الثلاثة مطلقاً سواء كان الخيار للركوب أو لغيره، أما اليوم والبريد فهو مخصوص بالركوب. الرابع: الخيار في الرقيق وهو من ثمانية أيام إلى عشرة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويسقط بإسقاطه ومضي مدته وتصرفه اختياراً لا اعتباراً " والمعنى أنه يسقط الخيار بإسقاط من شرطه من المتابعين أم بأحد ثلاثة أمور، وهو قول أو فعل أو ترك، والترك هو عدم القول وعدم الفعل، كانقضاء مدة الخيار،
فالقول نحو أسقطت خياري أو رددته. والفعل ما أشار إليه خليل: ورضي مشتر كاتب أو زوج ولو لعبداً أو قصد تلذذاً، أو رهن أو آجر أو أسلم للصنعة، أو تسوق، أو جنى إن تعمد، أو نظر الفرج، أو عرب دابة، أو ودجها، لا إن جرد جارية، وهو رد من البائع إلا الإجارة، ولا يقبل منه أنه اختار أو رد بعده إلا ببينة اهـ.
стр. 808
قال رحمه الله تعالى: " واشتراط النقد فيه مبطل، لا التبرع به " قال الدردير عاطفاً على مفسدات بيع الخيار: وبشرط النقد، أي المتردد بين السليفة والثمينة، وإن لم ينقد بالفعل، بخلاف التطوع به بعد العقد، أي فإنه جائز كما في الحطاب، ولفظه: وفهم من قوله بشرط النقد جائز اهـ. قال في الرسالة: ولا يجوز النقد في الخيار، ولا في عدة الثلاث، ولا في المواضعة بشرط اهـ. قال ابن عرفة: شرط النقد في بيع الخيار مفسد اهـ نقله المواق.
قال رحمه الله تعالى: " والمبيع في مدته على ملك البائع، وما غاب المشتري عليه ضمنه كالتعدي في غيره " قال ابن رشد في المقدمات: والمبيع بالخيار في أمد الخيار على ملك البائع كان الخيار له أو للمبتاع أو لهما، فإن تلف فمصيبته منه، كان بيده أو بيد المبتاع، إلا أن يكون بيد المبتاع ويغيب عليه وهو مما يغاب عليه، ويدعي تلفه ولا يعرف ذلك إلا بقوله فلا يصدق في ذلك، ويكون عليه قيمة الثمن؛ لأنه يتهم أن يكون غيبه وحبسه عن صاحبه فذلك رضاً منه بالثمن. وقد روي عن مالك أن الضمان من المشتري فيما بيع على الخيار إن كان الخيار له، ومن البائع إن كان الخيار له، وهو قول ابن كنانة اهـ. وقد بسط الجزيري بيان هذه المسألة في الفقه فراجعه إن شئت. وأما عبارة ابن جزي في القوانين فهي: المسألة الرابعة المبيع في مدة الخيار على ملك البائع، فإن تلف فمصيبته منه إلا أن يقبضه المشتري فمصيبته منه إن كان مما يغاب عليه ولم تقم على تلفه بينة، وإن حدثت له علة في أمد الخيار فهي على البائع، وإن ولدت الأمة في أمد الخيار فولدها للمشتري عند ابن القاسم، وقال غيره للبائع كالغلة فهي له. ولا يجوز للمشتري اشتراط الانتفاع بالمبيع في مدة الخيار إلا بقدر الاختيار، فإنه إن لم يتم البيع بينهما كان انتفاعه باطلاً من غير شيء، كما لا يجوز للبائع اشتراط النقد فإنه إن لم يتم البيع بينهما كان سلفاً، وإن تم كان ثمناً، فإن وقع على ذلك فسخ البيع سواء تمسك بشرطه أو أسقطه. ويجوز النقد من غير شرط اهـ.
стр. 809
قال رحمه الله تعالى: " ومن ابتاع من رجلين ثوبين بالخيار فالتبسا سقط " أي سقط الخيار. ومثل التباسهما في إسقاط الخيار ضياعهما أو أحدهما، فيلزمه ثمن أحد الثوبين أو نصف أحدهما في ضياع الواحد. قال خليل: وإن اشترى أحد
ثوبين وقبضهما ليختار فادعى ضياعهما ضمن واحد بالثمن فقط، ولو سأل في إقباضهما أو ضياع واحد ضمن نصفه، وله اختيار الباقي اهـ انظر شراحه.
قال رحمه الله تعالى: " ويثبت الرد بالغبن الفاحش كالجهل بالعيب حال العقد، وله الإمساك بجميع الثمن دون الأرش إلا أن يفوت بيده أو يبذل البائع " يعني يثبت رد المبيع بالغبن الفاحش وهو الثلث فأكثر، وكذلك يثبت الرد بالجهل بالعيب حال العقد. قال ابن جزي أما عيب الرد فهو الفاحش الذي ينقص حظاً من الثمن ونقص العشر يوجب الرد عند ابن رشد، وقيل الثلث، فللمشتري في عيب الرد بالخيار بين أن يرده على بائعه أو يمسكه ولا أرش له على العيب. وليس له أن يمسكه ويرجع بقيمة العيب إلا أن يفوت في يده اهـ. قال في الرسالة: ومن ابتاع عبداً فوجد به عيباً فله أن يحبسه ولا شيء له، أو يرده ويأخذ ثمنه، إلا أن يدخله عنده عيب مفسد فله أن يرجع بقيمة العيب القديم من الثمن، أو يرده ويرد ما نقصه العيب عنده اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والتأريش أن يقوم سليماً ثم معيباً فيلزم ما نقصه العيب " قال ابن جزي: والأرش قيمة العيب. والتأريش يعرف بتقويم المبيع. وقال الصاوي فالقيمة ميزان يعرف بها نسبة النقص في الثمن. قال الدردير: فيقوم المبيع سالماً عن العيب بعشرة مثلاً، ثم يقوم معيباً بثمانية مثلاً، ويؤخذ من الثمن الذي وقع به البيع النسبة، أي نسبة ما بين القيمتين، فنسبة الثمانية للعشرة أربعة أخماس فقد نقصت قيمته معيباً الخمس، فيرجع المشتري على البائع بخمس الثمن، فإذا كان الثمن مائة مثلاً رجع عليه بعشرين، هذا فيما خرج من يده بلا عوض وذلك في غير البيع، أما لو خرج من يده بعوض كما
стр. 810
لو باعه لأجنبي فلا يرجع بالأرش وكذا إذا باعه لبائعه اهـ الدردير.
قال رحمه الله تعالى: " وتصرفه مختاراً بعد علمه كرضاه " يعني إن تصرف المشتري بالمعيب مختاراً يعد رضاً منه به. قال ابن جزي في مسقطات القيام بالعيب: أو تصرف في المبيع بعد الاطلاع على العيب كوطء الجارية، أو ركوب الدابة، ولبس الثوب، وحرث الفدان، وبنيان الدار إلى آخر ما قال من المسقطات. وقال الخرشي: وأما لبس الثوب ووطء الأمة فرضاً باتفاق اهـ باختصار.
قال رحمه الله تعالى: " وفي بقائه مضطراً روايتان " قال المواق نقلاً عن ابن يونس: اختلف قول مالك في الدابة يسافر بها ثم يجد بها عيباً في سفره، فروى أشهب: إن حمل عليها بعد علمه بعيبها لزمته. وروي عن ابن القاسم أن له ردها ولا شيء عليه في ركوبها بعد علمه، ولا عليه أن يكري غيرها ويسوقها وليركبها، فإن
وصلت بحال ردها، وإن عجفت ردها وما نقصها، أو يحبسها ويأخذ قيمة العيب. قاله ابن القاسم. وقال ابن يونس: وبه أقول. ووجهه أن المضطر في حكم المكره، ولو تعرف مكرها لم يسقط خياره فكذلك مع الاضطرار، ألا ترى أن يحل له أكل مال غيره مع الاضطرار ففي هذا أحرى اهـ. ومثله في الخرشي انظره إن شئت. قال رحمه الله تعالى: " وللشريك رد ما يخصه " يعني للشريك في شراء السلعة أن يرد ما يخصه منها على البائع ولو لم يرض البائع ولو بغير إذن صاحبه كما في الصاوي على
стр. 811
الدردير قال: وحاصله أنه لو اشترى شخصان سلعة واحدة كعبد لخدمتهما أو سلعاً متعددة كل واحد يأخذ نصفها في صفقة واحدة لا على سبيل الشركة، ثم اطلع على عيب قديم فأراد أحد الشخصين أن يرد نصيبه ولو قال البائع لا أقبل إلا جميعه بناء على تعدد العقد بتعدد متعلقه، وإلى هذا رجع مالك واختاره ابن القاسم، وكان مالك يقول أولاً إنما لهما الرد معاً أو التماسك معاً، وليس لأحدهما أن يرد دون الآخر. والقولان في المدونة. وإلى ذلك أشار ابن جزي في القوانين: إذا اشترى رجلان شيئاً في صفقة واحدة فوجدا به عيباً فأراد أحدهما الرد والآخر الإمساك، فلمن أراد الرد أن يرد وفاقاً للشافعي. وقيل ليس له الرد وفاقاً لأبي حنيفة. وهذا في غير الشريكين في التجارة. وأما الشريكان في التجارة إذا اشتريا معيباً في صفقة وأراد أحدهما الرد فلصاحبه منعه وقبول الجميع كما يأتي في الشركة، فإن كلاهما وكيل عن الآخر اهـ بحذف وإيضاح.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ودعوى عيب ظاهر لا يحدث مثله عنده يثبت له الرد إلا أن يقيم البائع بينة برضاه، فإن تعذرت أحلفه أنه لم يرض، فإن نكل ردت، فإن نكل أيضاً ثبت الرد " يعني إذا كانت الدعوى في عيب ظاهر لا يحدث مثله عند المشتري يثبت له الرد بلا يمين، إلا أن يقيم البائع بينة على رضا المشتري بالعيب، فإن لم تكن البينة بأن تعذرت أحلف البائع المشتري على عدم الرضا بالمبيع، فإن حلف ثبت له الرد، وإن نكل ردت اليمين على البائع، فإن نكل أيضاً ثبت الرد. قال العلامة الجزيري: في مثل هذه الدعوى إذا قال البائع للمشتري إنك رأيت العيب وعلمت به ورضيت من قبل العقد، وقال المشتري لم أرده ولم أعلم به
ولم أرض فالقول في هذه الحالة يكون للمشتري فله رد المبيع بدون يمين عليه إلا إذا ادعى البائع أنه أطلعه على العيب وبينه له فإن في هذه الحالة تكون اليمين على المشتري، فإن حلف كان له
стр. 812
الحق في رد المبيع، وإن امتنع عن الحلف حلف البائع أن المشتري اطلع على العيب حين البيع، ولا يكون للمشتري الحق في الرد بعد حلف البائع. ومثل ذلك ما إذا أشهد المشتري على نفسه أنه عاين المبيع وبحثه قبل العقد ولكنه لم يطلع على العيب الذي يريد رده به، وقال له البائع: بل اطلعت عليه ورأيته حين العقد. وفي هذه الحالة فعلى المشتري أن يحلف بأنه ما رآه وله رده بعد الحلف، فإن لم يرض بالحلف حلف البائع بذلك ولزم المشتري المبيع اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وإن أمكن حدوثه عنده وأنكره البائع حلف أنه لم يكن به في حال العقد، فإن نكل حلف المشتري وله الرد " يعني كما قال الخرشي أنه إذا تنازع البائع والمشتري في وجود العيب في المبيع وعدمه فقال المشتري به عيب، وقال البائع لا عيب به، فالقول في ذلك قول البائع ولا يمين عليه لأنه متمسك بالأصل وهو السلامة في الأشياء. قال خليل: أو قدمه إلخ، يعني أو كان التنازع في حدوث العيب وقدمه بعد اتفاقهما على وجوده بأن يدعي البائع أيضاً إن شهدت له الع ٨ ادة قطعاً أو رجحاناً أو شكاً، فإن شهدت العادة قطعاً أو رجحاناً للمشتري بالقدم فالقول قوله، لكن لا يمين على من قطعت العادة بصدقه من المتبايعين، وعلى من رجحت له اليمين، وإذا شكت فالقول للبائع بيمين اهـ بحذف واختصار.
قال رحمه الله تعالى: " وغير الظاهر لا يقبل إلا ببينة، فإن لم تكن حلف البائع في الظاهر على البت، والباطن على العلم " يعني أن هذه الحالة شبيهة بالتي قبلها لكن هذه لا تقبل دعوى المشتري إلا ببينة على قدم العيب الخفي وأن البائع علم به، فإن شهدت البينة بذلك فله الرد، وإلا حلف البائع في العيب الظاهر على البت، وفي الخفي على نفي العلم، ولا حق للمشتري في الرد بعد يمين البائع، بل ثبت البيع، وكان المشتري في هذه الحالة هو المدعي ولذا لزمته البينة، والبائع هو المدعي عليه ولذا لزمته اليمين لما في الحديث
стр. 813
(البينة على من المدعي واليمين على من أنكر) قال ابن رشد في المقدمات: فالعيوب تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عيب قديم يعلم قدمه عند البائع ببينة تقوم على ذلك، أو بإقرار البائع به، أو بدليل العيان وعيب يعلم حدوثه عند المشتري ببينة تعلم ذلك، أو بإقرار المشتري بحدوثه عنده، أو بدليل العيان على ذلك. وعيب مشكوك فيه يحتمل أن يكون قديماً عند البائع ويحتمل أن يكون حدث عند المشتري. فأما العيب القديم فيجب الرد به في
القيام والرجوع بقيمته في الفوات على التقسيم الذي ذكرناه. وأما الحادث فلا حجة للمبتاع فيه على البائع. وأما المشكوك فيه فليس على البائع فيه إلا اليمين، قيل على البت وهو قول ابن نافع، وهي رواية يحيى عن ابن القاسم. وقال أشهب يحلف على العلم في الظاهر والخفي. وقال ابن القاسم أيضاً يحلف في الظاهر على البت وفي الخفي على العلم، فإن نكل عن اليمين رجعت على المبتاع في الوجهين جميعاً على العلم أنه ما حدث عنده. ثم قال: وهذا في العيوب التي تكون ظاهرة في البدن. وأما ما لا يظهر من الإباق والسرقة وما أشبه ذلك فادعى المبتاع أنه كان بالعبد قديماً، فقال ابن القاسم: يحلف البائع. وقال أشهب لا يمين عليه اهـ بحذف واختصار.
قال رحمه الله تعالى: " فلو حدث آخر فله رده مع أرش الحادث والإمساك وأرش القديم إلا أن يدلس البائع فيرد بغير أرش، فإن تلف بمثل ما دلس به فهو منه وإن أمكن حدوث الثاني عنده فله الرد بالقديم ويحلف أن الثاني لم يحدث عنده ". يعني كما في القوانين. قال ابن جزي: حدوث عيب آخر عند المشتري فهو بالخيار إن رده ورد أرش العيب الحادث عنده، وإن شاء تمسك به وأخذ أرش العيب القديم. والأرش قيمة العيب. وقال الشافعي وأبو حنيفة ليس له الرد، وإنما يأخذ أرش العيب القديم اهـ وتقدم كلام صاحب الرسالة من قوله ومن ابتاع عبداً فوجد به عيباً فله أن يحبسه ولا شيء له، أو يرده ويأخذ ثمنه إلا أن يدخله عنده
стр. 814
عيب مفسد فله أن يرجع بقيمة العيب القديم من الثمن، أو يرده ويرد ما نقصه العيب عنده اهـ.
قال النفراوي وهذا التخيير ثابت للمشتري سواء كان البائع مدلساً أو غير مدلس. قال خليل: فله أخذ القديم ورده ودفع الحادث، وقوَّما بتقويم المبيع يوم ضمان المشتري، فيقوم سالماً من العيبين بعشرة مثلاً وبالقديم بثمانية، وبالحادث بستة، فإن رد دفع للبائع اثنين، وإن تماسك أخذ اثنين، وإن زاد الثمن أو نقص فبنسبة ذلك منه. والحاصل أن أرش العيب القديم ينسب إلى ثمنه سليماً من العيبين وأرش الحادث إلى ثمنه معيباً بالقديم، ومحل هذا التخيير ما لم يقبله بالحادث، وإلا نزل الحادث عند المشتري بمنزلة العدم، فيخير المبتاع بين أن يتماسك ولا شيء له في القديم، أو يرد ولا شيء عليه في الحادث كما قال خليل: إلا أن يقبله بالحادث أو يقل فكالعدم اهـ بحذف. انظر المقدمات في التدليس.
قال رحمه الله تعالى: " ثم العيب كل ما نقص الثمن أو المنفعة،
او كان علاقة، أو مخوف العاقبة. وما اختلفا فيه نظره أرباب الخبرة وزواله قبل الرد
يسقطه إلا ألا يؤمن عوده " يعني أنه لما ذكر أحكام العيوب أراد أن يبينها بأنواعها. قال ابن جزي في القوانين: المسألة الثالثة في أنواع العيوب، وهي ثلاثة: عيب ليس فيه شيء، وعيب فيه قيمة، وعيب رد، فأما الذي ليس فيه شيء فهو اليسير الذي لا ينقص من الثمن، وأما عيب القيمة فهو اليسير الذي ينقص من الثمن فيحط عن المشتري من الثمن بقدر نقص العيب، وذلك كالخرق في الثوب والصدع في حائط الدار. وقيل إنه يوجب الرد في العروض بخلاف الأصول. وأما عيب الرد فهو الفاحش الذي ينقص حظاً من الثمن، ونقص العشر يوجب الرد عند ابن رشد: وقيل الثلث. فالمشتري في عيب الرد بالخيار بين أن يرده على بائعه أو يمسكه ولا أرش له على العيب،
стр. 815
وليس له أن يمسكه ويرجع بقيمة العيب إلا أن يفوت في يده اهـ كما تقدم.
قال الدردير في أقرب المسالك: وإن حدث بالمبيع عيب متوسط كعجف وعمى وعور وعرج وشلل وتزويج رقيق وافتضاض بكر فله التماسك وأخذ القديم، والرد ودفع الحادث، يقوم صحيحاً ثم بكل، إلا أن يقبله البائع بالحادث فكالعدم، كالقليل كوعك ورمد وصداع وقطع ظفر وخفيف حمى ووطء ثيب وقطع شقة كنصفين أو كقميص إن دلس. والمخرج عن المقصود مفيت، كتقطيع غير معتاد، وكبر صغير، وهرم إلا أن يهلك بعيب التدليس أو بسماوي زمنه كموته في إباقه فالثمن. وقوله: وما اختلفا فيه نظره أرباب الخبرة، يعني إذا اختلف البائع والمشتري في كون العيب قديماً أو حادثاً فإنه ينظر فيه أهل المعرفة. قال ابن جزي يعرف حدوثه أو قدمه بالبينة أو باعتراف المحكوم عليه أو بالعيان، فإن لم يعرف بشيء من ذلك واختلف البائع والمشتري في قدمه وحدوثه نظر إليه أهل البصر ونفذ الحكم بما يقتضي قولهم، سواء كانوا مسلمين أو نصارى إذا لم يوجد غيرهم، وإلا حلف البائع على البت في الظاهر من العيوب، وعلى نفي العلم في الخفي. وقيل على نفي العلم فيهما، وله رد اليمين على المشتري، وهل يحلف على البت أو على العلم قولان اهـ. وقوله: كانوا مسلمين إلخ وعبارة الجزيري في الفقه أنه قال: ولا يشترط في شهود قدم العيب أو حدوثه الإسلام ولا العدالة، ويكفي في الشهادة بهما شاهد واحد لأنهما خبر لا شهادة، إنما يشترط فيها عدم التجريح بالكذب اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يلزمه رد غلة " يعني أنه تقدم في بيع الفاسد عند قول المصنف: ولا يلزمه رد غلة كما نقل عن الأجهوري. ونصه: واعلم أن كل من أنفق على ما اشتراه وله غلة تبتغى كالغنم والدواب والعبد، ثم رده بعيب أو استحقاق أو
فساد لا يرجع بنفقته، بخلاف ما ليس له غلة تبتغى كالنخل إذا ردت مع ثمارها فإنه يرجع بقيمة سقيها وعلاجها، وهذا كله في غير ما له عين قائمة. وأما النفقة فيما له عين قائمة
стр. 816
كالبناء والصباغ فإنه يرجع بها وله الغلة كسكنى الدار اهـ.
قال ابن جزي (فرع) من اشترى شيئاً فاستعمله ثم رد بعيب فالغلة له بالضمان، وكذلك إذا استحق من يده بعد أن استغله له اهـ. قال الدردير على أقرب المسالك: والغلة للمشتري للفسخ لا الولد، والثمر المؤثرة، والصوف التام، كشفعة واستحقاق وتغليس وفساد أي فهؤلاء الخمسة يفوزون بالغلة. قال بعضهم:
والفائزون بغلة هم خمسة ... لا يطلبون بها على الإطلاق
الرد في عيب وبيع فاسد ... وشفعة فلس مع استحقاق
فالأولان بزهوها فاز بها ... والجد في فلس ويبس الباقي
وما أنفقوا قد ضاع تحت هلاكها ... وإذا انتفت رجعوا بكالإنفاق اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (بخلاف الأولاد ومال العبد والصوف الكائن حال العقد) قال الخرشي والمعنى أن من اشترى إبلاً أو غنماً فولدت عنده ثم وجد بها عيباً فلا يردها إلا مع ولدها، ولا شيء عليه في الولادة إلا أن ينقصها ذلك فيرد معها ما نقصها. قال ابن يونس: إن كان في الولد ما يجبر النقص جبره على قول ابن القاسم. وسواء اشتراها حاملاً أو حملت عنده، خلافاً للسيوري في جعله الولد غلة اهـ. وقوله ومال العبد والصوف والكائن حال العقد، هما معطوفان على الأولاد. وتقدم أن مال الرقيق للبائع إلا بشرط. وفي الموطأ عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: " من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ". قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن المبتاع إذا اشترط مال العبد فهو له نقداً كان أو ديناً أو عرضاً يعلم أو لا يعلم. وإن كان للعبد من المال أكثر مما اشتُرِي به كان ثمنه نقداً أو ديناً أو عرضاً، وذلك أن مال العبد ليس على سيده فيه ذكاة اهـ.
وإذا رُد العبد أو الغنم بعيب فإن المشروط عند العقد من مال العبد يرد كالصوف
стр. 817
الكائن عند العقد والناشئ بعد العقد فمن الغلة يفوز بها المشتري. وتقدم الكلام في النفقة والعلاج فراجعه إن شئت.
ثم انتقل يتكلم على بيان حكم الرد في عهدة الثلاث وعهدة السنة، فقال رحمه الله تعالى: " ويحكم بالعهدتين في الرقيق إن كانت عرفاً أو اشترطت في العقد، فعهدة الثلاث من سائر العيوب، والسنة من الجنون والجذام والبرص، ويثبت خيار الرد " معنى العهدة في الأصل: العهد وهو الإلزام والالتزام، وفي
العرف تعلق ضمان المبيع بالبائع في زمن معين، وهي قسمان: عهدة سنة وهي قليلة الضمان طويلة الزمان، وعهدة ثلاث، أي ثلاثة أيام، وهي قليلة الزمان كثيرة الضمان عكس الأولى، وهما خاصتان بالرقيق بالشرط أو العادة اهـ الدردير.
قال النفراوي في الفواكه: والدليل على مشروعية العهدتين عمل أهل المدينة. وفي المدونة عن سحنون بإسناده عن عقبة بن عامر الجهني أنه قال: قال رسول الله ﷺ : " عهدة الرقيق أربعة أيام أو ثلاثة ". وفي الموطأ أن أبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل كانا يذكران في خطبتهما عهدة الرقيق في الأيام الثلاثة حين يشترى العبد أو الوليدة، وعهدة السنة. ونقل ابن عبد البر أن عمر بن عبد العزيز قضى بها، وبها قال الفقهاء السبعة، وابن شعاب. والقضاة ممن أدركنا يقضون بها وغير ذلك من الأحاديث اهـ. قال أبو محمد في الرسالة: والعهدة جائزة في الرقيق إن اشترطت أو كانت جارية بالبلد، فعهدة الثلاث الضمان فيها من البائع من كل شيء، وعهدة السنة من الجنون والجذام والبرص اهـ. قال خليل: ورد في عهدة الثلاث بكل حادث إلا أن يبيع ببراءة، ودخلت في الاستبراء، والنفقة عليه وله الأرش كالموهوب له إلا المستثنى ماله، وفي عهدة السنة بجذام وبرص وجنون بطبع أو مس جن، لا بكضربة إن شرطا، أو اعتيدا،
стр. 818
وللمشتري إسقاطهما، والمحتمل بعدهما منه أي من المشتري. ثم قال: وسقطتا بكعتق فيهما. وعبارة الدردير على أقرب المسالك: وله الرد في عهدة الثلاث بكل حادث إلا أن يستثنى عيب معين، وعلى البائع فيها النفقة وله الأرش كالموهوب إلا أن يستثنى ماله. وفي عهدة السنة بجذام أو برص أو جنون طبع أو مس جن لا بكضربة إن شرطا أو اعتيدا. وسقطتا بكعتق وبإسقاطهما زمنهما وابتداؤهما أو النهار من المستقبل لا من العقد اهـ. قال ابن جزي في القوانين: " المسألة الرابعة " في العهدتين، وهما عهدة الثلاث من جميع الأدواء التي تطرأ على الرقيق، فما كان منها داخل ثلاثة أيام فهو من البائع وعليه النفقة والكسوة فيها والغلة ليست له. وعهدة السنة من الجنون والجذام والبرص، فما حدث منها في السنة فهو من البائع وتدخل عهدة الثلاث في عهدة السنة، ويقضى بهما في كل بلد، وقيل لا يقضى بهما إلا حيث جرت العادة بهما، وتسقط العهدتان على البائع في بيع البراءة. وانفرد مالك وأهل المدينة بالحكم بالعهدتين خلافاً لسائر العلماء اهـ.
ثم ذكر المصراة. قال رحمه الله تعالى: " والتصرية عيب، فمن ابتاع مصراة جاهلاً فاحتلبها فله إمساكها، أو ردها وصاعاً من تمر أو غيره من غالب قوت البلد، لا يزاد لكثرة اللبن ولا ينقص لقلته، فإن علم تصريتها فاحتلبها ليختبرها أو
احتلبها ثانية لذلك فهو على خياره، فإن عاود سقط " يعني كأن سائلاً سأل ما التصرية وما حكمها إذا وقع؟ فقال: والتصرية عيب، وفي المدونة المصراة هي التي يترك اللبن في ضرعها ثم تباع وقد ردت لحلابها فلا يحلبوها، فهذه المصراة لأنهم تركوها حتى عظم ضرعها وحسن درها فأنفقوها بذلك، فالمشتري إذا حلبها إن رضي حلابها، وإلا ردها ورد معها مكان حلابها صاعاً من تمر أو من غالب قوت أهل البلد اهـ. قال الجزيري في الفقه على المذاهب الأربعة: مسألة المصراة هي التي أشرنا إليها في أول مبحث الرد بالعيب، وهي مأخوذة من التصرية، ومعناها جمع اللبن
стр. 819
وحبسه في ضرع الحيوان بفعل البائع ليكبر الضرع فيغتر المشتري ويشتريها ظناً منه أن عظم الضرع لسبب كثرة اللبن كثرة طبيعية، ويسمى هذا خيار التغرير الفعلي، وهو منهي عنه شرعاً فقد روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء ردها وصاعاً من تمر) متفق عليه اهـ. قال الدردير في أقرب المسالك عاطفاً على العيوب التي يرد بها المبيع: وتصرية حيوان، ويرد إن حلبه بصاع من غالب القوت، وحرم رد اللبن كغيره بدلاً عنه لا إن ردها بغير عيب التصرية أو قبل حلبها، وإن حلبت ثالثة فإن حصل الاختيار بالثانية فرضاً وإلا فله الثالثة، وحلف إن ادعى عليه الرضا ولا رد إن علم اهـ.
وحاصله أن المشتري إذا حلب المصراة أول مرة فلم يتبين له أمرها فحلبها ثانية ليختبرها فوجد لبنها ناقصاً فله ردها اتفاقاً فلو حلبها في اليوم الثالث فهو رضاً بها ولا رد له، ولا حجة عليه في الحلبة الثانية إذا بها يختبر أمرها، كذا لمالك في المدونة. وفي الموازية عن مالك له حلبها ثالثة ويردها بعد حلفه أنه لم يرض بها، ولم يصرح في الموازية بأنه حصل له الاختيار بالحلبة الثانية اهـ قاله الصاوي في الحاشية.
بيع الثمار
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق ببيع الخيار وشروطه وأحكامه انتقل يتكلم على أحكام بيع الثمار والأشجار والنبات وما يتعلق بها من الأزهار، وبيع البقولات والمقثئة وما أشبه ذلك فقال رحمه الله تعالى:
стр. 820
فَصْلٌ
فيما يتعلق بأحكام بيع الثمار
أي في بيان بيع الثمار وشروطه وما يتعلق بذلك من الأحكام. قال رحمه الله تعالى: " لا تباع الثمرة قبل زهوها إلا مع أصلها، أو على القطع، والإطلاق مبطل، كاشتراط التبقية، فزهو النخل الحمرة والصفرة، وغيرها طيب أكلة، فيباع
الجنس بطيب بعضه ولو في أصل واحد إذا كان متلاحقاً، لا بطيب مبكره، ولا شتوي بطيب صيفي " يعني أنه لا يجوز بيع الثمرة قبل زهوها إلا مع أصلها للنهي الوارد، وفي الموطأ عن مالك بإسناده " أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها. نهى البائع والمشتري " وعن أنس بن مالك " أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهى فقيل له يا رسول الله وما تزهى؟ فقال: " حين تخمر " وفي رواية: " وعن بيع السنبل حتى يشتد ويطيب ويبيض ويأمن العاهة، وعن بيع العنب حتى يسود " وكان رسول الله ﷺ يقول: (إذا منع الله الثمرة فلم يستحل أحدكم مال أخيه) وعن عمرة بنت عبد الرحمن " أن رسوا الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة " قال مالك: وبيع الثما قبل أن يبدو صلاحها من بيع الغرار اهـ. قال في الرسالة: ولا يجوز بيع ثمر أو حب لم يبد صلاحه، ويجوز بيعه إذا بدا صلاح بعضه، وإن نخلة من نخيل كثيرة. قال الشارح: إذا لم تكن باكورة. قال خليل: وبدوه في بعض حائط كاف في جنسه إن لم تبكر، وأما الباكورة إذا بدا صلاحها وحدها فلا يجوز بيع غيرها ببدو صلاحها. ويجوز بيع ثمرها وحدها اهـ النفراوي. وعبارة الجزيري أنه قال: ولا يشترط في صحة بيع الثمار على شجرة أن يظهر صلاحه في جميع الشجر، فإذا كان عنده حديقة بها أشجار مختلفة من نخل ورمان وعنب وتين ومانجو وجوافة وغير ذلك إذا كانت في حديقة واحدة وظهر صلاح ثمر نوع منها ولو في شجرة واحدة فإنه يصح أن يبيع
стр. 821
باقي ثمار ذلك النوع وإن لم يبد صلاحها، فإذا ظهر صلاح الرمان في شجرة واحدة صح له أن يبيع جميع الرمان وإن لم يبد صلاحه إذا كان لا يفرغ رمان الشجرة التي ظهر صلاحها قبل ظهور صلاح ما يجاورها. وأما إذا أثمرت شجرة مبكرة بحيث يستوي ثمرها قبل ظهور صلاح ثمر غيرها فإنه لا يجوز، وهكذا سائر الأجناس اهـ. قال ابن جزي في القوانين: ولا يجوز بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، ويستوي في ذلك العنب والتمر وجميع الفواكه والمقاثي والخضراوات وجميع البقول والزروع. وبدو الصلاح مختلف، ففي التمر أن يحمر ويصفر، وفي العنب أن يسود وتبدو فيه الحلاوة، وفي سائر الفواكه والبقول أن تطيب للأكل، وفي الزرع أن ييبس ويشتد، فإذا بدا الصلاح في صنف من ذلك جاز بيع جميع ما في البساتين منه اتفاقاً، ويجوز بيع ما يجاوره من البساتين خلافاً للشافعي، ولا يجوز بيع صنف لم يبد صلاحه ببدو صلاح صنف آخر كالبستان يكون فيه عنب ورمان فلا يجوز بيع الرمان حتى يبدو صلاحه خلافاً لبعضهم اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والورد ونحوه من النور بظهور بعضه، وله إلى آخر إبانه، والمقاثئ والمطابخ والمغيب كالجزر والفجل إذا أطعم، والموز إلى
أجل معلوم كالقصب، ويجوز جزءاً معلوماً أو حزماً، والبقل إذا أمكن جزه " يعني يجوز بيع الورد ونحوه كالزعفران وجميع ما له نور بظهور النور في بعضه. والورد نبت معروف مشموم فيه رائحة طيبة. والنور بفتح النون وهو الزهر، يقال أزهر النبات إذا ظهر نورها وانفتح. قال خليل: وبدوه في بعض حائط كاف في جنسه إن لم تبكر لا بطن ثان بأول، وهو الزهو وظهور الحلاوة والتهيؤ للنضج، وفي ذي النور بانفتاحه، والبقول بإطعامها، وهل في البطيخ الاصفرار، أو التهيؤ للتبطخ قولان. وللمشتري بطون كياسمين ومقثأة ولا يجوز بكشهر. ووجب ضرب الأجل إن استمر كالموز. ومضى بيع حب أفرك قبل يبسه بقبضه اهـ.
стр. 822
وحاصل ما نقله النفراوي عن شراح خليل في بدو الصلاح الذي يحل البيع في جميع الثمار والنباتات أنه قال: في البلح والزهو بضم الزاي والواو المشددة، وهو احمراره أو اصفراره، ويقوم مقام الزهو ظهور الحلاوة في البلح الخضاري، وأما بدوه في نحو الحب والتين والمشمش فظهور الحلاوة، وفي الموز بالتهيؤ للنضج، وفي ذي النور - بفتح النون - بانفتاحه كالورد والياسمين، وفي البقول واللفت والجزر والفجل والبصل بإطعامها واستقلال ورقها بحيث لا تفسد عند قلعها. وأما البطيخ المعروف بالعبدلاوي والقاوون فاختلف فيه على قولين: أحدهما: أن يصفر، والثاني: يكتفى بتهيئه للاصفرار. وأما البطيخ الأخضر فبدو صلاحه بتلون لبه بالسواد أو الحمرة. وأما قصب السكر فبظهور حلاوته. وأما الجوز واللوز وما شابههما فبأخذه في اليبس، وأما نحو القمح والفول والعدس ونحوها من بقية الحبوب فبدو صلاحه يبسه على المعتمد، فلو عقد عليه فريكاً فسخ إلا أن يفوت بقبضه بعد جزه. قال خليل: ومضى بيع حب أفرك قبل يبسه بقبضه. وأما الذي يطرح بطوناً ففيه تفصيل: محصله أن ما لا تتميز بطونه مما يخلف كالياسمين والمقاثي كالخيار فللمشتري جميع البطون ولو لم يشترط ذلك، لأنه لا يجوز شراء ما تطرحه المقثأة مدة نحو جمعة أو نصف شهر لعدم ضبط ذلك، وأما ما تتميز بطونه بأن تقطع البطن ثم تخلفها أخرى فحكمه أن تباع كل بطن على حدتها، ولا يكفي في حل بيع بطن بدو صلاح أخرى. قال خليل: لا بطن ثان بأول. . . هذا حكم البطون التي تأتي وتنقطع أصلاً وبقي حكم ما تستمر ثمرته زمناً طويلاً فهذا يجب عند بيعه ضرب الأجل. قال خليل: ووجب ضرب الأجل إن استمر كالموز. وأقول: الضابط الشامل لكل ما سبق أن يبلغ المعقود عليه الحالة التي ينتفع به فيها على الوجه الكامل من غير غرر ولا ضرر اهـ مع تصرف وإيضاح.
قال رحمه الله تعالى: " والقصيل حزماً أو مع الأرض أو بشرط القطع، لا على
стр. 823
التبقية، ولا الحب قبل يبسه واستغنائه عن الماء " والقصيل - كما في المصباح - هو الشعير يجذ أخضر لعلف الدواب، سمي قصيلاً لأنه يقصل وهو رطب، أو لسرعة انقصاله وهو رطب، ومعنى انقصاله أي انقطاعه. والمعنى أن القصيل يجوز بيعه حزماً، أو مع الأرض، أو بشرط القطع، ولا يجوز بيعه على التبقية، وكذا لا يجوز بيع الحب قبل يبسه، فإن وقع فسخ إلا إذغ أفرك فيمضي بقبضه بعد الحصاد. قال الدردير في أقرب المسالك: وفي الحب بيبسه، ومضى بيعه إن أفرك بقبضه. قال في المدونة: أكرهه، فإن وقع وفات فلا أرى أن يفسخ. قال الصاوي: يعني أن الحب إذا بيع قائماً مع سنبله جزافاً بعد إفراكه وقبل يبسه على التبقية، أو كان العرف ذلك فإن بيعه لا يجوز ابتداء، وإن وقع مضى بقبضه بحصاده اهـ كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: " والثمرة المؤبرة للبائع كالزرع الظاهر، وغيرهما تابع. والتأبير تشقيق الطلع وتلقيحه، وغيره ظهور الثمرة من أكمامها " قد عقد ابن جزي فصلاً في القوانين في بيع الأرض وفيها زرع، والأشجار والبساتين وفيها ثمر، ثم قال: فمن باع أصول الأشجار وفيها ثمر فإن كان مأبوراً فهو للبائع سواء شرطه أو سكت عنه، ويكون للمشتري إن اشترطه، وإن كان لم يؤبر فهو للمشتري اشترطه أو لم يشترطه. ولا يجوز أن يكون للبائع فإن أبر بعضه فالمأبور للبائع، وغير المأبور للمشتري. والإبار في الثمر هو التذكير، وكذلك في كل ما يذكر. والإبار فيما لا يذكر هو انعقاد الثمرة. وإبار الزرع خروجه من الأرض. ومن باع أرضاً وفيها زرع فإن لم يظهر فهو للمشتري شرطه أو لم يشترطه. ولا يجوز أن يشترطه البائع لأنه كالجنين في بطن الجارية، وإن كان صغيراً قد ظهر فهو لمن اشترطه منهما، وإن سكتا عنه فقيل يكون للبائع، وقيل للمشتري. وإن كان الزرع كبيراً قد بدا صلاحه فهو للبائع سواء شرطه أو سكت عنه، وإن اشترطه المشتري فهو له اهـ. وعبارة صاحب الرسالة
стр. 824
أنه قال: ومن باع نخلاً قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، وكذلك غيرها من الثمار، وأصله في الموطأ عن مالك. والإبار التذكير. وإبار الزرع خروجه من الأرض اهـ. يعني بالتذكير تعليق طلع الذكر على الأنثى لئلا تسقط ثمرتها. ويقال له اللقاح. وقيل شق الطلع عن الثمر. وفي غير النخل كالخوخ والتين أن تبرز الثمرة عن موضعها وتتميز بحيث تظهر للناظر، وأما إبار الزرع فخروجه من الأرض، فمن ابتاع أرضاً ذات زرع ظاهر للناظر يكون زرعها لبائعها إلا أن يشترطه المشتري، كمن اشترى نخلاً مؤبراً كله أو جله، ومن اشترى أرضاً مبذورة لم يبرز زرعها فإنها للمشتري كما تقدم اهـ النفراوي بحذف.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز بيعها على أصولها جزافاً لا خرصاً، واستثناء جزء معلوم ما كان، وفي كيل أو أرطال أو نخلات ما لا يزيد على الثلث " يعني أنه يجوز بيع الثمر على رؤوس الأشجار جزافاً لا خرصاً، ويجوز لرب الحائط أن يستثني جزءاً معلوماً في حائطه ما لم يزد على الثلث، وفي الموطأ: " أن عمرة بنت عبد الرحمن كانت تبيع ثمارها وتستثني منها " قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن الرجل إذا باع ثمر حائطه أن له أن يستثني من ثمر حائطه ما بينه وبين ثلث الثمر ولا يجاوز ذلك، وما كان دون الثلث فلا بأس بذلك. قال مالك: فأما الرجل يبيع ثمر حائطه ويستثني من ثمر حائطه نخلة أو نخلات يختارها ويسمي عددها فلا أرى بذلك بأساً، لأن رب الحائط إنما استثنى شيئاً من حائط نفسه، وإنما ذلك شيء احتبسه من حائطه وأمسكه ولم يبعه، وباع من حائطه ما سوى ذلك اهـ. وكذلك يجوز له أن يستثني في المكيلات والموزونات شيئاً معلوماً ما لم يزد على ثلث المبيع كما تقدم في الثمار.
قال رحمه الله تعالى: " وبيع قدر معلوم من حائط معين فإن نقدت ثمرته قبل استيفائه فهو مخير بين الرجوع ببقية رأس ماله، ويكون إقالة في البعض،
стр. 825
والتراضي على شيء عوضاً عنه لا عن الثمرة " يعني يجوز لصاحب الحائط أن يبيع قدراً معلوماً من حائطه المعين بعد بدو صلاحه، فإن نفدت ثمرته قبل أن يأخذ المشتري حقه فهو مخير بين رأس ماله وبين التراضي في شيء آخر يأخذه من صاحب الحائط معجلاً لا مؤخراً. هذا وقد سئل مالك عن الرجل يشتري الرطب من صاحب الحائط فيسلفه الدينار ماذا له إذا ذهب رطب ذلك الحائط؟ قال مالك: يحاسب صاحب الحائط ثم يأخذ ما بقي له من ديناره، إن كان أخذ ثلثي ديناره رطباً أخذ ثلث الدينار والذي بقي له، وإن كان أخذ ثلاثة أرباع ديناره رطباً أخذ الربع الذي بقي له، أو يتراضيان بينهما فيأخذ بما بقي له من ديناره عند صاحب الحائط ما بدا له إن أحب أن يأخذ تمراً أو سلعة سوى التمر أخذها بما فضل له، فإن أخذ تمراً أو سلعة أخرى فلا يفارقه حتى يستوفي ذلك منه اهـ انظر نظائره في الموطأ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يجوز استثناء ما لا يجوز بيعه كالمجهول صفة وقدراً، والمحرم منفعة وعيناً " يعني أنه لا يجوز لمن باع شيئاً مما يجوز له بيعه أن يستثني منه شيئاً مما لا يجوز له بيعه كالأجنة في بطون الأمهات، سواء كان ذلك آدمياً أو غير الآدمي للنهي في ذلك، لأنه بيع الغرر. قال مالك في الموطأ: ولا ينبغي بيع الإناث واستثناء ما في بطونها، وذلك أن يقول الرجل للرجل: ثمن شاتي الغريرة ثلاثة دنانير فهي لك بدينارين ولي ما في بطنها، فهذا مكروه، أي حرام، لأنه غرر ومخاطرة اهـ.
قال ابن رشد في المقدمات: والأشياء الموجودة بأيدي الناس تنقسم على قسمين: أحدهما ما لا يصح ملكه، والثاني ما يصح ملكه، فأما ما لا يصح ملكه لا يجوز بيعه بإجماع كالحر والخنزير والخمر والقرد والدم والميتة وما أشبه ذلك. وأما ما يصح ملكه فإنه ينقسم على قسمين: أحدهما لا يصح بيعه إما لأنه على صفة لا يجوز بيعه عليها كالعبد
стр. 826
الآبق، والجمل الشارد، وتراب الصواغين وما أشبه ذلك، وإما لأن الشرع حرم بيعه كالأوقاف، ولحوم الضحايا عند جماعة العلماء، والمصحف عند بعضهم، والكلب المأذون في اتخاذه عند بعض أصحابنا. والثاني يصح بيعه ما لم يقع على وجه يمنع الشرع منه اهـ. وتقدم كلام الجزيري في بيوع المنهيات عنها عند قول المصنف: والأعيان النجسة، فراجعه إن شئت. وتلك الأشياء المذكورة مما لا يجوز بيعها، فاستثناؤها في البيع لغو، لأنها كالمعدوم في نظر الشارع، والمعدوم شرعاً كالمعدوم حساً.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا احتكار ما يضر احتكاره " يعني أنه لا يجوز احتكار ما يضر الناس في احتكاره. قال ابن جزي في القوانين: ولا يجوز احتكار الطعام إذا أضر بأهل البلد. واختلف هل يجبر الناس في الغلاء على إخراج الطعام أم لا؟ ولا يخرج الطعام من بلد إلى غيره إذا أضر بأهل البلد. ومن جلب طعاماً خلي بينه وبينه، فإن شاء باعه وإن شاء احتكره اهـ. عن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال: " لا حكرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق الله نزل بساحتنا فيحتكروه علينا، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء والصيف فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء الله وليمسك كيف شاء الله " رواه مالك في الموطأ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يسعر على الناس، ومن نقص سعراً أمر أن يلحق بالناس أو يقام من السوق " يعني أنه لا يجوز التسعير، لما في الحديث أنه ﷺ كان يكره التسعير إذا غلا القوت، ويقول لهم إذا قالوا سعر لنا: «إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال» اهـ. وقد قال عمر بن الخطاب لرجل وجده في السوق
стр. 827
يطفف: إما أن تزيد السعر وإما أن ترفع من سوقنا اهـ. رواه مالك بإسناده عن ابن المسيب. قال ابن جزي في القوانين: لا يجوز التسعير على أهل الأسواق، ومن زاد في سعر أو نقص منه أمر بإلحاقه بسعر الناس، فإن أبى أخرج من السوق اهـ.
بيع العرية
ولما أنهى الكلام على بيع الثمار وما يتعلق بذلك انتقل يتكلم على العرية وأحكامها وشروطها فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في العرايا
أي في بيان ما يتعلق بالعرايا وأحكامها. قال بعضهم: العرية هي أن يعري صاحب النخلة غيره نخلة ذات رطبة ليؤديها تمراً، ولها شروط وأحكام سنقف عليها إن شاء الله.
قال رحمه الله تعالى: " وتجوز العرية من كل ما يبس ويدخر من الثمار، وللموهوب له بيعها بعد زهوها من معريها بخرصها من متناهي جنسها، وفي خمسة أوسق فدونها يأخذه عند الجذاذ لا معجلاً، ومن غيره بما شاء من غير جنسها " يعني كما في الحديث، عن مالك بإسناده عن زيد بن ثابت " أن رسول الله ﷺ أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها " اهـ. قال في الرسالة: ومن أعري ثمر نخلات لرجل من جنانه فلا بأس أن يشتريها إذا أزهت بخرصها تمراً يعطيه ذلك عند الجذاذ إن كان فيها خمسة أوسق فأقل، ولا يجوز شراء أكثر من خمسة أوسق إلا بالعين والعروض اهـ. قال ابن جزي في القوانين: وأما العرية فهي أن يهب له نخلة أو ثمر شجرة دون أصلها، ويجوز للمعري شراؤها منه بخرصها تمراً بأربعة شروط وهي: أن يبدو
стр. 828
صلاحها، وأن يكون خمسة أوسق فأقل، وأن يكون الثمن من نوع ثمر العرية، وأن يعطيه الثمر عند الجذاذ لا نقداً، وذلك مستثنًى من المزابنة. وأجاز الشافعي بيعها من المعري وغيره ولم يجزها إلا في الثمر والعنب اهـ. قال الدردير: وجاز لمعرٍ وقائم مقامه اشتراء ثمرة أعراها تيبس بخرصها من نوعها، وفي الذمة لا على التخيل إن لفظ بالعرية، وبدا صلاحها، والمشتري خمسة أوسق فدون، وقصد المعروف أو دفع الضرر. ولك شراء ثمر أصل لغيرك في حائطك بخرصه لقصد المعروف فقط. وبطلت بمانع قبل حوزها بعد ظهور الثمر، وزكاتها وسقيها على المعري، وكملت أي إن نقصت عن النصاب اهـ بإيضاح.
قال رحمه الله تعالى: " ومعري جماعة يشتري من كلٍّ خمسةَ أوسق كالجماعة الواحدة " واعلم أن ما تقدم من عدم الزيادة على شراء أكثر من خمسة أوسق محله إذا كان في العرية الواحدة أو في الحائط الواحد، وأما لو أعراه عرايا في حوائط في أوقات متعددة لجاز له شراء من كل حائط خمسة أوسق، كما لو كان أعرى للجماعة المتعددة فإن له أن يشتري من كلٍّ خمسة
أوسق، ما لم تكن العرايا في عقد واحد فتكون حينئذ كعرية واحدة، فلا يشتري منها إلا خمسة أوسق كما هو مفهوم في أول العبارة. ولا فرق في هذا كله بين تعدد المعرى بالفتح واتحاده اهـ النفراوي بتصرف وإيضاح.
قال الخرشي عند قول خليل: ولا يجوز أخذ زائد إلى قوله إلا لمن أعرى عرايا في حوائط وكل خمسة إلخ: هذا مستثنى من قوله خمسة أوسق فأقل، والواو من قوله وكل واو الحال. وفي بعض النسخ فمن كل خمسة وهي أولى لموافقة قولها - أي المدونة -: ومن أعرى أناساً شتى من حائط أو من حوائط له في بلد أو بلدان شتى خمسة أوسق لكل واحد أو أقل أو أكثر جاز له أن يشتري من كل واحد خمسة أوسق فأدنى اهـ المدونة، ثم إن محل جواز الأخذ من كل عرية خمسة أوسق فأقل إن كان بألفاظ لا بلفظ واحد
стр. 829
على ما رجحه ابن الكاتب ونقله عنه ابن يونس، وظاهره أنه لا فرق بين تعدد المعرى بالفتح واتحاده ولكنه خلاف ما للرجراجى من أنه لا فرق بين تعدد المعرى بالفتح واتحاده ولكنه خلاف ما للرجراجي من أنه إذا أعرى عرايا في حوائط لجماعة يجوز له أن يأخذ من كل حائط خمسة أوسق ولو وقعت بلفظ واحد اهـ الخرشي بحذف. وقد عمت ما قدمناه في أول العبارة. انظر ما حكاه القابسي في المواق وهو وجيه.
قال رحمه الله تعالى: " وسقيها وزكاتها على معريها " يعني كما في الخرشي، أي زكاة العرية إن بلغت نصاباً على المعري، وسقيها أي سقي شجر العرية أي إيصال الماء إليها على أي وجه كان بآلة أم لا على المعري، وما عداه من تقليم وتنقية وحراسة ونحو ذلك فهو على المعرى بالفتح، وإن قصرت العرية على النصاب وكان عند المعري بالكسر في حائطه ثمن يكملها نصاباً ضمت إليه وأخرج زكاة الجميع من ماله، ولا ينقص المعرى بالفتح عن عريته شيئاً اهـ. عبارة الحطاب أنه قال: يعني أن من أعرى شخصاً نخلاً أو نخلات من حائطه فإن على رب الحائط سقي تلك النخلة أو النخلات، وعليه زكاة ثمرتها، وسواء أعراه إياها قبل الزهو أو بعده، فإن كانت العرية دون خمسة أوسق فإن رب الحائط يضمها إلى باقي حائطه، فإن كان المجموع خمسة أوسق زكى ذلك. قال في المدونة: وزكاة العرية وسقيها على رب الحائط، وإن لم تبع خمسة أوسق إلا مع بقية حائطه أعراه جزءاً شائعاً أو نخلاً معينة أو جميع حائطه. قال أبو محمد: يريد يعطيه جميع ثمرة الحائط ويكون عليه أن يزكيه من غيره هذا بخلاف الواهب. يعني أن من وهب لشخص ثمرة حائطه فإن سقيها وزكاتها على الموهوب له، يريد إلا أن تكون الهبة بعد الإزهاء فإن ذلك يكون على الواهب قاله في التوضيح اهـ بحذف.
стр. 830
أحكام الجائحة
ولما أنهى الكلام على العرايا وأحكامها انتقل يتكلم على ما يتعلق بالجائحة، وهي العاهة التي تصيب الثمار قبل بدو صلاحها. فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في أحكام الجائحة في الثمار والزروع وغيرها
أي في بيان ما يتعلق بالجائحة في الثمار والزروع والبقول وغيرها مما يوضع عن المشتري قدر ما أجيح من الثمن. قال رحمه الله تعالى: " الجائحة: الآفة السماوية، وفي الجيش قولان " يعني أن الجائحة أمر سماوي. قال الدردير: وهي ما لا يستطاع دفعه من سماوي أو جيش، وفي السارق خلاف. والسماوي هو الذي لا قدرة لأحد على دفعه، كبرد وثلج وغبار، وسموم أي ريح حار وجراد، وفأر ونار وجليد، ودود وطير، وغرق وغير ذلك من كل ما لا يستطاع دفعه. والمشهور أن الجيش أمر سماوي توضع جائحته. وعن مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز قضى بوضع الجائحة. قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا. قال مالك: والجائحة التي توضع عن المشتري الثلث فصاعداً، ولا يكون ما دون ذلك جائحة قاله في الموطأ اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإذا أتت على ثلث الثمر أو الزرع فصاعداً وجب وضع ما يقابله لا دونه، إلا أن يتلفها عطشاً فيوضع قليلها وكثيرها " يعني كما في الرسالة: فإن أجيح قدر الثلث فأكثر وضع عن المشتري قدر ذلك من الثمن، وما نقص عن الثلث فمن المبتاع اهـ. قال الدردير: وتوضع من العطش وإن قل، كالبقول على المعتمد والزعفران والريحان والقضب وهو علف الدواب، وورق التوت والفجل ونحوها قال الصاوي: والحاصل أن المقاثئ والباذنجان والقرع والفجل والجزر
стр. 831
والموز والياسمين، والعصفر والفول الأخضر، والجلبان حكمها حكم الثمار يراعى فيها ذهاب الثلث. وعن أشهب أن المقاثئ كالبقول يوضع قليلها وكثيرها، والأول أشهر، وبه القضاء اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا وضع بعد الجفاف " يعني لا توضع الجائحة بعد جفاف الزرع والثمار. قال الشارح: كالقمح والفول وغيرهما من أنواع الحبوب، لأن ما ذكر لا يحل بيعه إلا بعد يبسه واستحصاده، فتأخيره محض تفريط من المشتري فلا يوضع عنه شيء من الثمن، ومثل الحبوب الثمار بعد تناهي طيبها، وفوات أوان قطعه على المعتاد. قال خليل: وإن تناهت الثمرة فلا جائحة كالقصب الحلو ويابس الحب، لأن تأخير ما ذكر بعد زمان قطعه على العادة محض تفريط، فيجب
على المشتري جميع الثمن ولو أذهبت الجائحة جميعه. وأما لو أصابته الجائحة؛ في الزمان الذي تقطع فيه على العادة لحطت عنه؛ لأن تأخيرها على هذا الوجه بمنزلة تأخيرها اتناهي طيبها اهـ. النفراوي. وعبار ابن جزي في القوانين أنه قال: إذا بيع زرع بعد أن يبس واشتد، أو ثمر بعد تمام صلاح جميعه واستحقاقه للقطع ولم يكن في تبقيته فائدة ثم أصابته جائحة لم يوضع منها شيء اهـ. وعبارة الدردير: وإن انتهى طيبها فلا جائحة كالقصب الحلو ويابس الحب، وإن اختلفا فيها فقول البائع، وفي قدر المجاح فالمشتري اهـ.
أحكام السلم
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالجائحة انتقل يتكلم على السَّلَم وما يتعلق بأحكامه وشروطه وأركانه وغير ذلك مما هو لازم فيه. قال رحمه الله تعالى:
стр. 832
فَصْلٌ
في السلم وأحكامه
أي في بيان ما يتعلق بالسلم، وهو السلف وأحكامه. والسلم بيع شيء موصوف في الذمة بغير جنسهمؤجلاً. قال الخرشي: هو والسلف واحدفي أن كلا منهما إثبات مال في الذمة مبذول في الحال. ولذا قال القرافي: سمي سلماً لتسليم الثمن دون عوض، ولذلك سمي سلفاً اهـ. ويعني بقوله: دون عوض أي في الحال، فلا ينافي أن عوضه مؤجل كما في الصاوي، وحكمه الجواز، ودليل جوازه الكتاب والسنة والإجماع. فأما الكتاب فقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة:٢٨٢] وأما السنة فمنها ما في الصحيحين من قوله ﷺ : «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» وقد أجمع أئمة المسلمين على أن السلم جائز، ولذا قال رحمه الله تعالى: " ويجوز السلم في كل ما يضبط بالصفات التي تختلف الأغراض والأثمان باختلافها " يعني يجوز السلم في كل ما يمكن ضبطه كالأشياء التي تباع بالكيل أو بالوزن أو بالعد أو بالذرع، لأنها محدودة يمكن ضبطها بما ذكر وبصفة معلومة على اختلاف الأعراض والأغراض والأثمان، وكل منها بشرطها المعلوم في محله.
قال رحمه الله تعالى: " وشروطه الوصف وتقدير كميته وكونه في الذمة إلى أجل معلوم، والقدرة على تسليمه عند حلوله ونقد الثمن ويلزم تسليمه بسوقه إلا أن يعينا غيره " يعني أن شروط السلم سبعة: الأول تعجيل رأس المال، والثاني ألا يكون الثمن والمثمن طعامين ولا نقدين، الثالث أن يؤجل المسلم فيه بأجل معلوم كنصف شهر فأكثر لا أقل، الرابع أن يكون المسلم فيه في الذمة، الخامس أن
يضبط المسلم فيه بعادته التي جرى بها العرف في كيل أو وزن أو عد، السادس أن تبين الأوصاف التي
стр. 833
تختلف بها الأغراض عادة بياناً شافياً، السابع أن يوجد المسلم فيه عند حلوله غالباً اهـ بقرة العين، ملخصاً من أقرب المسالك والصاوي بتصرف وتوضيح قوله ويلزم تسليمه إلخ قال ابن جزي: الأحسن اشتراط مكان الدفع، وأوجبه أبو حنيفة، فإن لم يعينا في العقد مكاناً فمكان العقد، وإن عيناه تعين، ولا يجوز أن يقبضه بغير المكان المعين ويأخذ كراء مسافة ما بين المكانين لأنهما بمنزلة الأجلين اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومن أسلم طعاماً جاز أن يأخذ عند الحلول من جنسه معجلاً لا من غيره وقبل حلوله وفي غير المطعومات يأخذ ما شاء معجلاً " يعني من أسلم طعاماً جاز له أن يأخذ عند حلول الأجل من جنس ما أسلم معجلاً لا من غيره وقبل حلوله. وفي غير المطعومات يأخذ ما شاء معجلاً، هذا معنى ما قاله المصنف. انظر تفصيل ذلك في المقدمات. وأما نص المدونة، قال مالك: كل من سلف طعاماً في طعام إلى أجل فلا يجوز إلا أن يقرض رجل رجلاً طعاماً في طعام مثله من نوعه لا يكون أجود منه ولا دونه، وإنما أراد بذلك المنفعة للذي أسلف، فهذا يجوز إذا أقرضه إلى أجله، وما سوى ذلك من الطعام قال لا يصلح أن يسلف بعضه في بعض إذا كان مما يؤكل أو يشرب، أو كان مما يكال أو يوزن أو يعد عداً، فإنه سواء لا يصلح الأجل فيما بين ذلك اهـ. قال في الرسالة: ولا يجوز أن يكون رأس المال من جنس ما أسلم فيه، ولا يسلم شيء في جنسه إلا أن يقرضه شيئاً في مثله صفة ومقداراً، والنفع للمستلف، ولا يجوز دين بدين وتأخير رأس المال بشرط إلى محل السلم، أو ما بعد من العقد من ذلك اهـ. قال شارحها: أما الطعامان والنقدان فيمتنع إذا وقع العقد بلفظ السلم أو البيع أو الإطلاق، وأما إن وقع بلفظ القرض فيجوز حيث تمحض النفع للمقترض اهـ ومثله في الخرشي. وعبارة ابن جزي في القوانين أنه قال: من أسلم في طعام لم يجز له أن يأخذ عنه غير طعام، ولا أن يأخذ طعاماً من جنس آخر سواء كان ذلك قبل الأجل أو بعده، لأنه من بيع الطعام قبل قبضه، فإن أسلم في غير
стр. 834
طعام جاز أن يأخذ غيره إذا قبض الجنس الآخر مكانه، فإن تأخر القبض عن العقد لم يجز لمصيره إلى الدين بالدين، ويجوز أن يأخذ طعاماً من نوع آخر مع اتفاق الجنس كزبيب أبيض عن أسود إلا إن كان أحدهما أجود من الآخر أو أدنى فيجوز بعد الأجل، لأنه من الرفق والمسامحة، ولا يجوز قبله لأنه غب الدون وضع على التعجيل، وفي الأجود عوض عن الضمان اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وإن أتى بالمسلم فيه قبل حلوله لم يلزم بل يجوز قبضه ولا مطالبة له قبل حلوله " وفي نسخة: ولا مطالبته قبل حلوله، والمعنى كما في الدردير أنه لا يلزم دفعه ولا قبوله بغير محله ولو خف حمله كجوهر وثوب لطيف إلا أن يرضيا بذلك فيجوز إن حل الأجل انظر حاشية الصاوي عليه اهـ. وتقدم الكلام في نحو هذه المسألة عند قول المصنف: ويلزم تسليمه بسوقه فراجعه إن شئت.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا يجوز في زرع قرية أو ثمرة قرام بعينه إلا أن لا تختلف عن مثله غالباً " وفي نسخة: إلا أن يختلف عن مثله غالباً. والقرام - بضم القاف -: المزرعة، وفي نسخة: القراح بالحاء بدل الميم، وهي المزرعة أيضاً. قال في المصباح والقراح أيضاً المزرعة التي ليس فيها بناء ولا شجر، والجمع أقرحة. فالمعنى كما في المدونة قال مالك: من سلف في ثمر هذه القرى العظام مثل خيبر ووادي القرى وذي المروة وما أشبهها من القرى فلا بأس أن يسلف قبل إبان الثمر، ويشترط أن يأخذ ذلك تمراً في أي الإبان شاء. ويشترط أن يأخذ ذلك رطباً في إبان الرطب أو بسراً في إبان البسر، وكذلك القرى المأمونة التي لا ينقطع ثمرها من أيدي الناس أبداً، والقرى العظام التي لا ينقطع طعامها من أيدي الناس أبداً لا تخلو القرية من أن يكون فيها الطعام والثمر لكثرة نخيلها وزروعها فهذه مأمونة لا بأس أن يسلف فيها في أي إبان شاء، ويشترط أخذ ذلك تمراً أو حنطة أو شعيراً أو حبوباً أي الإبان شاء، وإن اشترط رطباً أو بسراً فليشترطه
стр. 835
في إبانه. قال: وإنما هذه القرى العظام إذا سلف في طعامها أو في تمرها بمنزلة ما لو سلف في طعام مصر أو في تمر المدينة فهذا مأمون لا ينقطع من البلدة التي سلف فيها، وكذلك هذا في القرى العظام إذا كانت لا ينقطع الثمر منها لكثرة حيطانها، والقرى العظام التي لا تخلو من الحنطة والشعير والقطاني، فإن كانت قرى صغاراً أو قرى ينقطع طعامها منها في بعض السنة أو تمرها في بعض السنة فلا يصلح أن يسلف في هذه إلا أن يسلف في تمرها إذا أزهى. ويشترط أخذ ذلك رطباً أو بسراً، ولا يؤخر الشرط حتى يكون تمراً ويأخذه تمراً، لأنه إذا كان بهذه المنزلة في صغار الحيطان وقلتها وصغار القرى وقلة الأرض فليس ذلك بمأمون قال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: بلغني أن ابن عباس كان يقول: لا بأس بالسلف المضمون إلى أجل معلوم اهـ المدونة. وقد ذكر الصاوي في حاشيته على الدردير عند قوله: وإن انقطع ماله إبان خير المشتري إلخ أي من السلم الحقيقي بأن كان غير محصور في قرية أو في قرية مأمونة، وأما إن انقطع ثمر الحائط المعين
الذي أسلم في كيل معلوم منه أو ثمر القرية غير المأمونة الذي أسلم في كيل معلوم منها، فإنه يرجع المسلم بحصة ما بقي له من السلم عاجلاً اتفاقاً، ولا يجوز التأخير لأنه فسخ دين في دين، وله أخذ بدله ولو طعاماً، وهل يرجع على حسب القيمة فينظر لقيمة كل مما قبض ومما لم يقبض في وقته ويقبض الثمن على ذلك، فإذا أسلم مائة دينار في مائة وسق من ثمر الحائط المعين ثم قبض من ذلك خمسين وسقاً وانقطع، فإذا كان قيمة المأخوذ مائة وقيمة الباقي خمسين فنسبة الباقي للمأخوذ الثلث فيرجع بثلث الثمن قل أو كثر وعليه الأكثر، أو يرجع على حسب الملكية فيرجع بنسبة ما بقي منها من غير تقويم فيرجع بنصف الثمن في المثال تأويلان اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز إسلام ما عدا النقد والمطعومات من العروض بعضها في بعض متفاضلاً إلى أجل بشرط اختلاف الجنس واختلاف الأغراض والمنافع، كالخلق والألوان، فيجوز عبد تاجر أو حاسب في أعبد سذج ونحو
стр. 836
ذلك، فإن اتحد الجنس منع التفاضل " قوله ما عدا النقد والمطعومات، وفي نسخة ما عدم التقدير والمطعومات، فالمعنى على ما في النسخة الأولى وهي الصحيحة أنه يجوز دفع رأس مال السلم من جميع أنواع العروض بعضها في بعض ما عدا النقد والمطعومات، ولا يجوز تسليم الذهب في الذهب ولا تسليم الفضة في الفضة ولا العكس، ولا تسليم الطعام في الطعام ولو اختلفا جنساً، لما في ذلك من الربا، وأما غيرهما فجائز تسليم العروض في غير جنسها أو في جنسها بشرط اختلاف الأغراض والمنافع حتى الحيوان بعضها في بعض إذا اختلفت المنافع والأغراض اختلافاً بيناً. قال الدردير كما في المختصر: ولا يكونا طعامين ولا نقدين ولا شيئاً في أكثر منه أو أجود كالعكس، إلا أن تختلف المنفعة، كفاره الحمر في الأعرابية، وسابق الخيل في الحواشي، وجمل كثير الحمل أو سابق في غيره، وقوة البقرة وكثرة لبن الشاة إلا الضأن على الأصح اهـ قال ابن جزي في الشرط الثاني من شروط السلم: وأن يكونا مختلفين تجوز فيه النسيئة بينهما، فلا يجوز تسليم الذهب والفضة أحدهما في الآخر لأن ذلك رباً، وكذلك تسليم الطعام بعضه في بعض ممنوع على الإطلاق لأنه رباً، ويجوز تسليم الذهب والفضة في الحيوان والعروض والطعام، ويجوز تسليم العروض بعضها في بعض، وتسليم الحيوان بعضه في بعض بشرط أن تختلف الأغراض والمنافع، فلا يجوز مع اتفاق الأغراض والمنافع، لأنه يؤول إلى سلف جر منفعة. ومنع أبو حنيفة السلم في الحيوان اهـ بحذف. وهذا أصح وأبين مما يأتي في معنى عدم التقدير كما ستقف عليه عن قريب إن شاء الله.
وأما الكلام على ما في النسخة الثانية وهي قوله ويجوز إسلام ما عدم التقدير قلت: الشيء الذي عدم التقدير لا يجوز تسليمه بأن يكون رأس المال في السلم ولا في المسلم فيه، لأن بالتقدير يعلم قدر كل شيء، إما بالكيل في المكيل، وإما بالوزن في الموزون وإما بالعد في المعدود أو بالذرع في المذروع، وأيضاً عدم التقدير في رأس المال يؤدي إلى عدم الضبط في المسلم إليه، وإن كان الضبط يحصل بالوصف في الأشياء المذكورة
стр. 837
إلا أنه يؤدي إلى الجهل بالمقدار في تلك الأشياء كالجهل بالمعيار. قال الدردير: وفسد بمعيار مجهول أي كزنة هذا الحجر أو ملء هذا الوعاء. اللهم إذا قصد بعدم التقدير التحري عند عدم آلة الوزن أو الكيل في إسلام رأس مال السلم فيجوز حينئذ أن يضبط ذلك بالتحري لعدم آلة الكيل أو الوزن أو الذرع. وحاصل ما ذكره الصاوي في حاشيته على أقرب المسالك أنه قال: إذا فقدت آلة الوزن وكنا نعلم قدرها واحتجنا للسلم في اللحم مثلاً فيجوز أن يسلم الجزار في مائة قطعة مثلاً كل قطعة لو وزنت كانت رطلاً أو رطلين مثلاً، وكذلك إذا عدمت آلة الكيل وعلم قدرها واحتيج للسلم في الطعام فيقول المسلم للمسلم إليه: أسلمك ديناراً في قمح ملء زكيبتين مثلاً كل زكيبة لو كيلت كانت إردباً مثلاً آخذه منك في شهر كذا. هذا معنى ضبط السلم بالتحري على أحد التأويلين. والتأويل الثاني يقول: المراد أن تأتي للجزار بحجر أو بقطعة لحم مثلاً وتقول له: أسلمك في مائة قطعة من اللحم كل قطعة لو وزنت كانت قدر هذا الحجر أو قدر هذه القطعة، والفرض أنه لا يوزن اللحم بعد حضوره بهذا الحجر أصلاً بل إذا جاء أعطى المسلم
إليه للمسلم مائة قطعة مماثلة لذلك الحجر تحرياً بدون أن توزن وإلا فسد. ومن ذلك لو أتى لصاحب القمح بقفة لا يعلم قدرها ويقول له أسلمك ديناراً في قمح لو كيل بهذه لكان ملأها مرة أو مرتين آخذه في يوم كذا. ولا يكال بها عند حضوره بل تتحرى المماثلة كملئها مرة أو مرتين وإلا فسد للجهل. فالتأويل الأول لابن أبي زمنين. والثاني لابن زرب اهـ قال الجزيري: ويصح السلم في الخضر والحشائش كالبرسيم ويضبط بالحمل بكسر الحاء، كأن يقول له: أسلمك جنيهاً في مائة حمل برسيم كل حمل ملء هذا الحبل، ويوضع الحبل تحت يد أمين أو يقاس طوله وسمكه بمقياس مخصوص ويكتب في ورقة، ومثل ذلك الكراث والكزبرة، ولا بد من تكون آلة الكيل أو الوزن معلومة، فإذا ضبط بشيء مجهول كملء هذه القطعة مثلاً أو وزن هذا الحجر ولم يكن مقدراً
стр. 838
بمعيار مخصوص فإن السلم يفسد اهـ بحروفه.
أحكام القرض
ولما أنهى الكلام على السلم انتقل يتكلم على ما يتعلق بالقرض وأحكامه، وهو شبيه بالسلم لما فيهما من دفع معجل في غيره، ولذا ذيله به فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في بيان ما يتعلق بالقرض وهو بمعنى السلف
أي في بيان ما يتعلق بالقرض وأحكامه، ويسمى سلفاً أيضاً وهو لغة أهل العراق، ويطلق على القرض فيما لا منفعة فيه للمقترض سوى الثواب من الله تعالى، وعلى المقترض رده كما أخذه. وعرفه ابن عرفة بقوله: هو دفع متمول في عوض غير مخالف له لا عاجلاً تفضلاً فقط، لا يوجب إمكان عارية لا تحل متعلقاً بذمة اهـ. وبدأ المصنف بحكم القرض ولم يبدأ بتعريفه كما فعل غيره كالدردير في أقرب المسالك. فإنه قال: القرض إعطاء متمول في عوض مماثل في الذمة لنفع المعطي فقط، وهو مندوب اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز قرض ما سوى الإماء، وأجازه ابن عبد الحكم من محرم وتلزم قيمتها بالوطء " يعني كما قال في الرسالة: والسلف جائز في كل شيء إلا في الجواري. قال شارحها قوله: إلا في الجواري أي لمن تحل له على تقدير ملكها، فلا يجوز سلفها له، لما في ذلك من عارية الفروج، لأن المقترض يجوز له أن يرد نفس الذات المقترضة، وربما يكون ردها بعد التلذذ بها ولذا لا يحرم إقراضها لمن لا يتأتى منه الاستمتاع كصغير وشيخ فان، أو كان المقترض امرأة أو كانت الجارية لا تُشتهى، ولذا قال خليل: إلا جارية تحل للمستقرض، وردت إلا أن تفوت بمفوت البيع الفاسد فالقيمة ولا ترد كاستيلادها اهـ.
стр. 839
قال رحمه الله تعالى: " ويحرم اشتراط منفعة أو زيادة لا التبرع بها " يعني أنه يحرم للمقرض والمقترض اشتراط المنفعة والزيادة للنهي عنه، وأما لو حصلت زيادة غير مشروطة ولا وأي في ذلك بل تبرعاً لجاز وقيل مع الكراهة. قال في الرسالة: ومن رد في القرض أكثر عدداً في مجلس القضاء فقد اختلف في ذلك إذا لم يكن فيه شرط ولا وأي ولا عادة، فأجازه أشهب وكرهه ابن القاسم ولم يجزه اهـ. قال ابن جزي: السلف هو القرض، فحكمه الجواز، وهو فعل المعروف سواء كان بالحلول أو مؤخراً إلى أجل معلوم، وإنما يجوز بشرطين: أحدهما ألا يجر نفعاً، فإن كانت المنفعة للدافع منع اتفاقاً للنهي عنه وخروجه عن باب المعروف، وإن كانت للقابض جاز، وإن كانت بينهما لم يجز لغير ضرورة. واختلف في الضرورة كمسألة السفاتج وسلف طعام مسوس أو معفون ليأخذ
سالماً، أو مبلول ليأخذ يابساً فيمنع في غير المسغبة اتفاقاً، ويختلف معها، والمشهور المنع، وكذلك من أسلف ليأخذه في موضع آخر يمنع في ما فيه مؤونة حمل، ويجوز أن يصطلحا على ذلك بعد الحلول لا قبله. الشرط الثاني: ألا ينضم إلى السلف عقد آخر كالبيع وغيره اهـ. قال الدردير في أقرب المسالك: وحرم هديته، أي لمقرضه، كرب القراض، وعامله، والقاضي، وذي الجاه، إلا أن يتقدم مثلها أو يحدث موجب. وكما تحرم هدية المقترض للمقرض يحرم بيعه مسامحة لذلك اهـ بإيضاح.
قال رحمه الله تعالى: " ويصح تأجيله ويلزم قبوله قبله بموضع القضاء فلو لقيه بغيره لم يلزمه الدفع، بل يخرج معه أو يوكل من يقضيه " وفي نسخة أو يوكل من يقبضه، فالمعنى يصح تأجيل القرض ويلزم على المقترض قبوله إذا دفعه له المقترض عند حلوله في موضع القضاء، ولا يلزم المقترض دفعه إذا لقيه بغير محل القضاء. قال النفراوي: ويجوز ضرب الأجل في القرض عند مالك دون غيره من الأئمة، وإذا دفعه المقترض لزم المقرض قبوله ولو كان غير عين حيث دفعه له بمحله لا بغيره فلا يلزمه، بخلاف
стр. 840
العين فيلزمه القبول مطلقاً، إلا أن يكون المحل مخوفاً فلا يلزمه القبول قبل المحل كسائر الديون هذا هو الذي ينبغي اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويمنع الوضع على التعجيل " يعني لا يجوز وضع بعض الدين المؤجل لتعجيل الباقي منه لأن ذلك منهي عنه. قال في الرسالة: ولا تجوز الوضيعة من الدين على تعجيله، قال شارحها: أي لا تجوز الحطيطة من الدين سواء كان من بيع أو من قرض على شرط تعجيله قبل حلوله، كأن يكون لشخص على آخر دين عرض أو عين أو طعام لأجل كشهر مثلاً ويتفق مع من عليه الدين على إسقاط بعضه، ويعجل له الباقي قبل انتهاء الشهر فهذا حرام، وتسمى هذه الصورة بضع من حقك وتعجل، أي حط عني حصة منه وأعجل لك باقيه وحرمة ضع وتعجل عامة في دين البيع والقرض كما بينا وإنما امتنع لأدائه إلى سلف جر نفعاً، بيانه: أن من عجل شيئاً قبل وجوبه يعد مسلفاً لما عجله ليأخذ عنه بعد الأجل ما كان في ذمته وهو جميع الدين، فإن وقع ونزل رد إليه ما أخذه ويستحق جميع دينه عند حلول الأجل وإن لم نطلع عليه حتى انقضى الأجل وجب على من عليه الدين أن يدفع له الباقي الذي كان أسقطه عنه صاحب الدين اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وكره العمل بالسفاتج إلا أن يكون النفع للمقترض والله أعلم " يعني أنه يكره العمل بالسفاتج، وعبر بعضهم بالمنع إلا عند الضرورة فيجوز العمل بها. والسفاتج جمع سفتجة قال في المصباح: فارسي معرب، أي
اسم فارسي، وفسرها لعضهم فقال: هي كتاب صاحب المال لوكيله أن يدفع مالاً قراضاً يأمن به من خطر الطريق، والجمع السفاتج اهـ. قال ابن جزي في الفروع: السادس مسألة السفاتج وهي سلف الخائف من غرر الطريق، يعطي بموضع ويأخذ حيث يكون متاع الآخر فينتفع الدافع والقابض في ذلك قولان اهـ. قال خليل عاطفاً على الممنوعات: أو عين عظم حملها
стр. 841
كسفتجة. قال شراحه: السفتجة بفتح السين المهملة وسكون الفاء وفتح الفوقية والجيم- لفظ أعجمي، أي فارسي معرب -: ورقة يكتبها مقترض ببلد كمصر لوكيله ببلد آخر كمكة ليقضي عنه بها ما اقترضه بمصر مثلاً فيمنع لانتفاع المقرض بدفع كلفة ما أقرضه عن نفسه من مصر إلى مكة وغرره براً وبحراً إلا أن يعم الخوف في البر والبحر فيجوز للضرورة. قال الدردير: كعموم الخوف على المالفي الطريق فيجوز أن يسلفه لمن علم أنه يسلم معه. قال الصاوي: بل يجب، لأن حفظ المال واجب بأي وجه تيسر حفظه به، وكذلك يجب دفعه إن قام دليل على نفع المقترض فقط كمحاقة، أو كان بيع المسوس الآن أحظ للمسلف - بالفتح - لغلائه ورخص الجديد في إبانه فيجوز، بل يجب لوجود المواساة حينئذ اهـ بتوضيح.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالقرض انتقل يتكلم على أحكام الإجارة وما يتعلق بها، فقال رحمه الله تعالى:
стр. 842
كتاب الإجارة
أي في بيان ما يتعلق بأحكامها، وحقيقتها، وأركانها، وشروطها، وموانعها، ومفسداتها.
الإجارة لغة هي مصدر سماعي لفعل أجر، وشرعاً: عقد يفيد تمليك منافع شيء مباح مدة معلومة بعوض غير ناشئ عن المنفعة، ومثلها الكراء، لأن الإجارة والكراء شيء واحد، وإنما اختلفا في التسمية عرفاً، فالإجارة هي التعاقد على منفعة الآدمي وبعض المنقولات كالأثاث، وفي بعضها تسمى بالكراء خاصة كمنفعة الحيوان وجميع الأشياء الثابتة كالدور والأراضي وغيرها فإن العقد على منافعها يسمى كراء على معنى الإجارة، وبالعكس عرفاً، ولذلك كانت الإجارة والكراء في معنى واحد اهـ ملخصاً من الفقه.
قال رحمه الله تعالى: " وهي عقد لازم على المنافع المباحة ولا تنفسخ بالموت، بل يقوم وارث كلٍّ مقامَه " وفي أقرب المسالك: الإجارة: عقد معاوضة على تمليك منفعة بعوض بما يدل أي على تمليك المنفعة. وفي الرسالة: والإجارة جائزة إذا ضربا لها أجلاً وسميا الثمن. قال شارحها: وما تقدم من أن الإجارة جائزة بيان لحكمها الأصلي. وقد تكون مكروهة مثل أن يؤجر نفسه للإمامة أو للحج أو غيرهما من أنواع الطاعات، أو لذمي لا يناله من ذلك مذلة. وقد تكون محرمة مثل أن يؤجر نفسه لذمي يناله بذلك مذلة أو يؤجر نفسه لمعروف بالغصب. وكذا كل إجارة يترتب عليها فعل محرم اهـ. قال ابن جزي: وأما المنفعة فيشترط فيها شرطان:
الأول: أن تكون معلومة إما بالزمان كالمياومة والمشاهرة وإما بغاية العمل كخياطة الثوب، ولا يجوز أن يجمع بينهما، لأنه قد يتم العمل قبل الأجل أو بعده، وإذا استأجره
стр. 843
على رعاية غنم بأعيانها لزمه رعاية الخلف عند ابن القاسم.
الثاني: أن تكون المنفعة مباحة لا محرمة ولا واجبة، أما المحرم فلا يجوز إجماعاً، وأما الواجب كالصلاة والصيام فلا تجوز الإجارة عليه، وتجوز الإجارة على الإمامة مع الأذان والقيام بالمسجد لا على الصلاة بانفرادها، ومنعها ابن حبيب متفرقة ومجتمعة، وأجازها ابن عبد الحكم مافرقة ومجتمعة اهـ. وقوله:
ولا تنفسخ بالموت إلخ، وهو كذلك إن كانت الإجازة مضمونة، وعبارة أبي محمد في الرسالة: ولا ينتقض الكراء بموت الراكب أو الساكن، ولا بموت غنم الرعاية، وليأت بمثلها. ومن اكترى كراء مضموناً فماتت الدابة فليأت بغيرها، وإن مات الراكب لم ينفسخ الكراء وليكتروا مكانه غيره اهـ. أما إذا كانت غير مضمونة بأن كانت معينة فإنها تنفسخ. وفي الرسالة أيضاً: ومن اكترى دابة بعينها إلى بلد فماتت انفسخ الكراء فيما بقي، وكذلك الأجير يموت والدار تهدم قبل تمام مدة الكراء اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويلزم تعيين المنفعة بالعمل كالخياطة والبناء والصياغة ونحو ذلك أو منتهى مسافة الركوب أو الحمولة أو ما يكتريها له، وتعيين المحمول مشاهدة أو قدراً " يعني كما في عبارة النفراوي أنه قال: واعلم أن الإجارة لا تصح إلا بشروط ثلاثة: أحدها أن يكون أجلها معلوماً بشهر أو سنة، أو تكون محدودة بعمل كخياطة ثوب أو كتابة كراس. وثانيها أن يكون الأجر معلوماً للمتعاقدين ولو بالعرف كأجرة الخياطة أو صبغ الثوب أو غيرهما مما لا تختلف أجرته عرفاً. وثالثها أن يكون العمل المستأجر عليه معلوماً للمتعاقدين، كما يشترط تعيين الذات المعقود عليها لتعليمها أو لركوبها. قال خليل: وعين متعلم ورضيع ودار وحانوت وبناء على جدار، ومحمل إن لم توصف، ودابة لركوب، وإن ضمنت فجنس ونوع وذكورة وأنوثة اهـ.
قال ابن جزي في القوانين: وأما الدواب فتكرى لأربعة أوجه: للركوب فيتعين
стр. 844
بالمسافة أو الزمان، ولا يجمع بينهما، ولا يشترط وصف الراكب خلافاً للشافعي، ويجب أن يركبه مثله لا أضر منه. وللحمل فيجب أن يصف ما يحمل عليها ويعين المسافة أو الزمان، فإن زاد في حملها وعطبت، فإن كان ما زاده مما يعطب بمثله فربها مخير بين أخذ قيمة كراء ما زاد عليها مع الكراء أو قيمة الدابة، وإن كانت الزيادة مما لا يعطب بمثله فله كراء الزيادة مع الكراء الأول ولا خيار له، ولهذا الحكم أشار رحمه الله تعالى بقوله: " وحمل الأضر، وارتكاب غير المماثل، وسلوك الأشق أو الأبعد اختياراً يوجب ضمانها إلا أن يختار أخذ الأجرة مع أجرة المثل للتفاوت، فإن سلمت فله أجرة المثل للتفاوت " هذا كما قال خليل: وضمن إن أكرى لغير أمين، أو عطبت بزيادة مسافة أو حمل تعطب به، وإلا فالكراء إلخ وهذا ظاهر كما بينه ابن جزي.
واعلم أنه لا يشترط تعيين الراكب عند العقد في الكراء بل يصح على حمل آدمي. قال خليل عاطفاً على الجائزات: وعلى حمل آدمي لم يره ولم يلزمه الفادح وهو العظيم الثقيل، ومثله المريض والمعروف بكثرة النوم أو بعقر الدواب، وإن لم
يكن ثقيلاً، والأنثى ليست من الفادح مطلقاً، فإن وقع العقد على حمل آدمي وأتاه بامرأة لزمه حملها حيث لم تكن ثقيلة بخلاف ما لو وقع العقد على حمل رجل فأتى له بامرأة فله الامتناع من حملها، بخلاف عكسه. قال النفراوي اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وعلى الكري ما تفتقر الدابة إليه من آلة وإعانة المكتري في العكم والحطب والركوب، وتعيين مدة الخدمة والسكنى، ويجب بيان مبدئها، وتلزم الأجرة على جميعها، لا تعجيلها بل بحسب الاستيفاء أو العرف أو الشرط، أو كونها عرضاً معيناً، أو يفسد ببقائهأو بتراخي مبدأ المدة على العقد، وله الاستيفاء بنفسه أو بغيره، وإجارتها من مؤجرها وغيره " يعني أنه يجب على
стр. 845
الكري أن يأتي بما جرت العادة بإتيانه من الآلة التي لا بد منها في حالة السير كجمل. وتلزم المعاونة لكل بقدر الطاقة والعادة عند العقبات والمنازل، وعند الآكام والهبوط والركوب، ويجوز أن يتفقا على أن يكون طعام أحدهما على الآخر. قال خليل: وجاز على أن عليك علفها وطعام ربها، أو عليه طعامك، أو ليركبها في حوائجه. قال الخرشي: أي جاز كراء الدابة على أن عليك يا مكتري طعام رب الدابة، أو كراءها بدراهم، على أن على ربها طعام المكتري وإن لم توصف النفقة لأنه معروف اهـ. انظر المواق. قال ابن جزي في القوانين: ويجوز استئجار الأجير للخدمة والظهر بطعامه وكسوته على المتعارف. وقال أيضاً ولا يجب تقديم الأجرة بمجرد العقد، وإنما يستحب تقديم جزء من الأجرة باستيفاء ما يقابله من المنفعة إلا إن كان هناك شرط أو عادة، أو يقترن بالعقد ما يوجب التقديم، مثل أن تكون الأجرة عرضاً معيناً، أو طعاماً رطباً، وما أشبه ذلك، أو تكون الإجارة ثابتة في ذمة الأجير، فيجب تقديم الأجرة، لأنها بمنزلة رأس المال في السلم. قال الشافعي: تجب الأجرة بنفس العقد اهـ. قال العلامة الجزيري في الفقه على مذهب المالكية: يشترط في الأجر أن يدفع عاجلاً في مسائل بحيث لو أخر دفعه فيها لم يصح العقد:
المسألة الأولى: أن يكون الأجر شيئاً معيناً كما إذا استأجر أحد شخصاً لخدمته سنة في نظير جمل معين يعطيه إياه فإنه يجب أن يسلمه الجمل عاجلاً بحيث لا يجوز له أن يؤخره أكثر من ثلاثة أيام فإن أخره فسد العقد لأن في ذك غرراً، فإن الجمل قابل للتغيير، فيصح أن تكون قيمته الآن عشرة وأن خدمة الرجل تساويها، فإذا قبضه فقد أخذ قيمة أجره كاملة، أما إذا تأخر فإنه قد يهزل أو يعرض له عارض آخر تنخفض به قيمته وفي ذلك ضرر بالعامل، أو تعرض له زيادة وفي ذلك ضرر بصاحبه، فدفعاً لهذا الغرر يجب تقديم الأجرة ومثل ذلك كل سلعة معينة كهذا الثوب، فإنها قابلة للنقص والزيادة وفي ذلك غرر
следующие страницы →