Полный текст (1 296 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
قال رحمه الله تعالى: "فأما ضالة الإبل فلا يعرض لها، والغنم بقرب غنم أو عمارة يضمها إليها وإلا يأكلها أو يتصدق بها والبقر كالإبل، وقيل كالغنم" يعني أنه تقدم الكلام أن الرجل لا يأخذ ضالة الإبل من الصحراء، وله أخذ الشاة وأكلها إن كانت بفيفاء لا عمارة فيها. روى الإمام في الموطأ بإسناده عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن اللقطة، فقال: "أعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها". قال فضالة الغنم يا رسول الله، قال هي لك أو لأخيك أو للذئب. قال فضالة الإبل قال مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها" اهـ. انظر الزرقاني عليه. قوله والبقر كالإبل إلخ قال النفراوي في الفواكه: تنبيه: سكت المصنف عن ضالة البقر، وحكمها أنها إن كانت بمحل بحيث يُخاف عليها من السباع أو الجوع فإن حكمها كالشاة توجد بالفيفاء، فإن ذبحها فيها جاز له أكلها لكن بشرط أن لا يمكن سوقها للعمران وإلا وجب، فليست كالشاة في هذه الحالة، وأما إن كانت بمحل لا يُخاف عليها من سباع ولا جوع فإنها تترك، فإن أخذها وجب عليه تعريفها، وهذاحيث لم يخف عليها من السارق وإلا وجب التقاطها. فالحاصل أن الإبل والبقر عند خوف السارق سيان في وجوب التقاطها، ويفترقان عند الخوف من الجوع أو السباع، فالإبل تترك والبقر يجوز أكلها بلافيفاء إن تعذر سوقها للعمران. ومفهوم قوله في الصحراء أن الإبل والبقر والشاة الموجودة في العمران يجب التقاطها عند خوف الخائن كالخيل والحمير والطيور والعروض ولقود اهـ النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: "وله إجارتها في نفقتها، والرجوع بما أنفق" يعني أن
للملتقط أن يؤجر اللقطة في نفقتها وعلفها. قال خليل عاطفًا فيما يجوز له: وكراء بقر ونحوها في علفها كراءً مأمونًا. قال الصاوي: إنما جاز ذلك مع أن ربها لم يوكله فيه لأنها لابد لها
стр. 982
من نفقة عليه، فكان ذلك أصلح لربها. والظاهر أنه إذا أكراها وجيبة كراء مأمونًا ثم جاء ربها قبل تمامه فليس له فسخه لوقوع ذلك العقد بوجه جائز، فإذا أكريت لاجل العلف وزاد من كرائها شيئ على العلف لم يكن للملتقط أخذه لنفسه، بل يبقيه لربها إذا جاء عند سلامتها اهـ. بحذف. قوله والرجوع بما أنفق أي وللملتقط الرجوع بما أنفق من ماله على اللقطة، ويأتي على المصنف: ولربها إسلامها وأخذها ودفع النفقة فترقب.
قال رحمه اللَّه تعالى: "ويقبل قوله في المشبه" يعني إذا اختلف الملتقط ورب الدابة فيما أنفق عليها فالقول قول الملتقط فيما أشبه، والظاهر أنه بغير يمين، وإلا فلرب الدابة إن أشبه كذلك. هذا إذا أنفق عليها الملتقط من عنده ولم يُكْرِها في عَلَفِها ولم يستعملها في مصلاحهز وإلا فله قدر ما أنفق عليها ويرد الزائد لربها كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: "ولربها إسلامهاوأخذها ودفع النفقة" يعني أ، لرب الشيئ الملقوط تركه للملتقط في مقابلة النفقة التي أنفق على اللقطة، أو يدفع تلك النفقة ليأخذ شيئه. قال خليل: وخير ربها بين كها بالنفقة أو إسلامها. قال الشارح: يعني أ، الملتقط إذا أنفق على اللقطة نفقة من عنده جاء صاحبها فإنه بالخيار بين أن يفتك اللقطة فيدفع للملتقط نفقته، وبين أن يترك اللقطة لمِن التقطها في نفقته التي أنفقها عليها، فإن أراد أخذها بعد ذلك لم يكن له ذلك، قال أشهب، فلو ظهر على صاحبها دين فإن الملتقط يقدم بنفقته على الغرماء كالرهن حتى يستوفي نفقته اهـ الخرشي. وعبارة الصاوي على حاشية الدردير أنه قال: تنبيه: لو أنفق الملتقط على اللقطة من عنده كل النفقة أو بعضها كما لو أكراها فنقص الكراء عن نفقتها وكمل الملتقط من عنده فربها مخيرين بين أن يسلم اللقطة في نفقته أو يفتديها من الملتقط بدفع النفقة وذلك لأن النفقة في ذت اللقطة كالجناية في رقبة العبد إن أسلمه المالك لا شيئ عليه وإن أراد أخذه غرم أرش الجناية.
стр. 983
وحيث قلنا بخيار ربها ورضي بتركها في النفقة ثم أراد أخذها ثانية ودفع النفقة لم يكن له ذلك لأنه ملكها للملتقط بمجرد رضاه. والظاهر أن عكسه كذلك في العدوى، أي إذا دفع له النفقة ثم أراد أن يسلمه الشيئ الملتقط ويأخذ منه النفقة فليس له ذلك اهـ.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق باللقطة أتبعهابما يتعلق بأحكام المنبوذ فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في التقاط المنبوذ وأحكامه
أي في بيان ما يتعلق بمسائل المنبوذ أي المطروح صغيرًا الذي لا قدرة له على القيام بمصالح نفسه من نفقة وغيرها فَوَجَب وجوب الكفالة لواجده أن يلقطه ويأخذه بنية حِفْظِه.
قال رحمه الله تعالى: "التقاط المنبوذ فرض كفاية إلا أن يخاف عليه فيجب" قال خليل: ووجب لقط طفل نبذ كفاية. قال عبد السميع في الجواهر: وكل صبي ضائع لا كافل له فالتقاطه من فروض الكفاية، فمن وجده وخالف الهلاك إن تركه لزمه أخذه ولم يحل له تركه اهـ. ومثله لابن جُزي. وزاد: ومن أخذه بنية أنه يربيه لم يحل له رده، وأما إن أخذه بنية أن يدفعه إلى السلطان فلا شيئ عليه في رده إلى موضع أخذه إن كان موضعًا لا يُخاف عليه فيه الهلاك لكثرة الناس. واللقيط حر، وولاؤه للمسلمين، ولا يختص به الملتقط إلا بتخصيص الإمام اهـ. قال النفراوي في الفواكه خاتمة: أسقطت المصنف الكلام علىاللقيط، وهو صغير آدمي لم يعلم أبوه ولا أمه ولا رقه. والحكم فيه أنه يجب لفظه كفاية ولو علم خيانة نفسه، وإن لم يوجد سواه تعين عليه. قال خليل: ووجب لقط طفل نبذ كفاية. وشرط الوجوب كون الواجد رجلاً رشيدًا، أو حرّة خالية من الزوج، أو ذات زوج أذن لها زوجها. وأما الرقيق ولو
стр. 984
مكاتبًا فلا يلتقط إلا بإذن سيده. ويجب عينًا على الملتقط للطفل نفقته وحضانته، الذكر حتى يبلغ عاقلاً قادرًا على الكسب، والأنثى حتى يدخل بها الزوج الموسر كولد الصلب اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "ونفقته من ماله، فإن لم يكن ففي بيت المال، فإن لم يكن فعلى ملتقطه، ولا رجوع له ولا يرثه" يعني كما قال ابن جزي في القوانين: ونفقة اللقيط في ماله وهو ما وقف على اللقطاء، وأو وهب لهم، أو وجد معهم، فغ، لميكن له مال فنقته على بيت المال إلاَّ أن يتببع أحد بالإنفاق عليه. ومن أنفق عليه حسبة لم يرجع عليه بنفقته، هذا ما لم يعلم أن له مالاً وأنفق عليه حسبة، أما إذا علم أن له مالاً وأنفق عليه بنية الرجوع فله الرجوع مع يمينه. قال الصاوي في حاشيته على الدردير: فعلم أنه يجب اقديم ماله، ثم الفيئ، ثم الحاضن، أي فإن أنفق الملتقط عليه مع علمه بماله فإن له الرجوع إن حلف أنه أنفق ليرجع أو أشهد على ذلك كما مرَّ، وأن يكون غير سرف، وأن يدعي أنه وقت الإنفاق قصد الرجوع، وأن يكون وقت الإنفاق مال الطفل متعسر الإنفاق منه لكونه عرضًا أو عقارًا، أو ذمة الناس مثلاً كما مر في النفقات اهـ.
قال في أقرب المسالك: ونفقته على ملتقطه إن لم يُعْطَ من الفيئ إلاَّ أن
يكون له مال من كهبة، أو يوجد معه، أو مدفونًا تحته إن كان معه رُقعةٌ. ورجع على أبيه إن طرحه عمدًا. والقول له أنه لم ينفق حسبة بيمين اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومن استحلقه ببينة لحق به ولو ذميًا" يعني أن من ادعى أنه ولده لا يصدق إلا ببينة تشهد على ذلك أو وجه. قال الدردير في أقرب المسالك: ولا يلحق بملتقط ولا غيره إلا ببينة أو وجه. قال مالك في المدونة: من التقط لقيطًا فأتى رجل فادعى أنه ولده لم يصدق ولم يلحق به إلا أن يكون لدعواه وجه كرجل عرف أنه لا يعيش له ولد فزعم أنه رماه لقول الناس إذا طرح عاش ونحوه ما
стр. 985
يدل على صدقه فإنه يلحق به وإلا لم يصدق إلا ببينة. قيل لابن القاسم: فإن صدقه الملتقط قال: أراه شاهدًا ولا تجوز شهادة واحد مع اليمين في النسب اهـ. وعبارة ابن جزي: وإن ادعى رجل أن اللقيط ولده لاختلف هل يلحق به دون بينة أم لا اهـ. وقد علمت ما في المدونة فتأمل.
قال رحمه الله تعالى: "والأصل حريته وإسلامه، إلا أن يوجد بقرية لا مسلم بها. وقيل إن التقطه بها مسلم تبعه" يعني أن اللقيط حر إلا إذا كان الاتلقاط في بلد المشركين والتقطه كافر فيكون رقيقًا. قال الدردير في أقرب المسالك: وهو حرَّ، وولاؤه للمسلمين، وحكم بإسلامه في بلد المسلمين ولو لم يكن فيها إلا بيت إن التقطه مسلم، وإلا فكافر كأن وجد في قرية شرك وإن التقطه مسلم اهـ. وعبارة الخرشي أنه قال: إن الملتقط إذا وجد في بلاد المسلمين فإنه يحكم بإسلامه لأنه الأصل والغالب، وسواء التقطه مسلم أو كافر. وإذا وجد في قرية ليس فيها من المسلمين سوى بيتين أو ثلاثة فإنه يحكم بإسلامه أيضًا تغليبًا للإسلام بشرط أن يكون الذي التقطه مسلمًا، فإن التقطه ذمي فإنه يحكم بكفره على المشهور، والبيت كالبيتين على ظاهر المدونة. وإذا وجد في قرى الشرك فإنه يكون مشركًا سواء التقطه مسلم أو كافر تغليبًا للدار، والحكم للغالب، وهو قول ابن القاسم اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "والطفل تابع لأبيه في الدين ولأمه في الحرية والرق والله أعلم" يعني أن الطفل تابع، ينسب لدين أبيه سواء كان مسلمًا أو كافرًا، وأما في الحرية والرقية فهو تابع لأُمه وهو ظاهر والله أعلم.
ولما أنهى الكلام على اللقطة وحُكْم اللقيط انتقل يتكلم على ما يتعلق بمسائل الإقرار وما عطف عليه فقال رحمه الله تعالى:
стр. 986
كتاب الإقرار والهبة والصدقة والعُمْرَى والرقبي
أي في بيان ما يتعلق بأحكام الغقرار، وأحكام الهبة، والصدقة، والعمرى، والرقبى. وكل واحد من هذه الأشياء له فصل مستقل سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. قال الشيخ العلامة عبد الله التيدي في أجوبته: ما هو الإقرار، ومن الذي يؤاخذه به، وكم أركانه. ثم قال: الإقرار الاعتراف بما يوجب حقًا على قائله بشروطه، ولا يؤاخذ بالإقرار إلا من اجتمعت فيه ثلاثة شروط: كونه نكلفًا، وغير محجور في المعاملات، وغير متهم بإقراره لأصل غير مكذب للمقرّ. وأركانه أربعة: مقر، ومقر له، ومقر به، وصيغة اهـ. ومثله في الدردير.
وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: "من اعترف بحق لزمه ويرجع في تفسير المجهول إليه" يني من أقر بحق عليه لغيره لزمه إقراره إن كان من أهل التبرع في غير متهم عليه، وما جهل من الإقرار يرجع إلى المقر في تفسيره. قال رحمه الله تعالى: "وفي دراهم أو دنانير ثلاثة، فلو قال كثيرة قيل أربعة، وقيل تسعة" قال ابن جزي في القوانين في المقر به: إذا كان اللفظ بينًا لزمه ما أقر به من مال أو حد أو قصاص، فإن كان لفظًا محتملاً حمل على أظهر معانيه قلت: أو على الاقل، نحو علي لفلان دراهم أو دنانير فإنه يقبل تفسيره على أقل الجمع وهو ثلاثة، فلو قال علي لفلان دراهم كثيرة أو دنانير كثيرة قبل تفسيره على أربعة، وقيل تسعة كما حكاه المصنف.
قال رحمه الله تعالى "وبقوله كذا درهمًا وعشرون، وكذا كذا أحد عشر وكذا كذا إحدى وعشرون، ولو قال ألف ودرهم لم يكن الدرهم بيانًا. وقيل إن كان جواب دعوى فهو بيان. ولو أقر بشيئ في وعاء فإن استغنى عنه
стр. 987
وإلا لزما" وفي نسخة وإلا لزم بالغفراد، والأصح بزيادة التثنية كما هو ثابت في باقي النسخ التي بأيدينا. قال ابن جزي: وفي هذا الفصل فروع كثيرة اختلف الفقهاء فيها لاختلاف معانيها. فمن قال لفلان على شيئ قبل تفسيره بأقل ما يتمول. ولو قال له عليَّ مال قبل ما يفسر به ولو حبة أو قيراطًا ويحلف، وقيل لا يقبل في أقل من نصاب
الزكاة، وقيل في ربع دينارز ولو قال مال عظيم أو كثير فقيل هو كقوله مال، وقيل هو ألف دينار قدر الدية. فلو قال كذا فهو كالشيئ يقبل ما يفسره به. ولو قال كذا وكذا بالعطف لزمه واحد وعشرون لأنه أقل الأعداد المعطوفات. فلو قال كذا درهمًا لزمه عشرون. ولو قال كذا كذا درهمًا بغير واو لزمه أحد عشر لأنه أقل عدد مركبز ولو قال عشرة دراهم ونيف فالقول قوله في النيف. ولو قال له علي ألف فسرها بما شاء من دنانير أو دراهم أو غير ذلك. وإن قال له على بضعة عشر كان ثلاثة عشر، لأن البضعة من الثلاثة إلى التسعة. ولو قال له علي أكثرمائة، أو جل مائة، أو نحو مائة، أو مائة إلا قليلاً؛ فعليه الثلثان وقيل النصف وزيادة وهو واحد وخمسون. ولو قال دنانير، أو دراهم، أو جمع من أي الأصناف كان لزمه ثلاثة. وكذلك إن صغر فقال دريهمات. ولو قال دراهم كثيرة فقيل يلزمه أربعة، وقيل تسعة، وقيل مائتان. ولو قال ما بين واحد إلى عشرة لزمته تسعة، وقيل عشرة. ولو قال عشرة في عشرة لزمته مائة، إلا إن فسرها بأنه تعينت له عنده عشرة في عشرة باعها منه. ولو قال له على زيت وعسل في زق أو في جرة لزمه المقر به والوعاء. ولو قال درهم درهم لزمه درهم واحد، وللطالب أن يحلفه أنه ما أراد درهمين. ولو قال درهم ودرهم؛ أو درهم مع درهم، أو فوق درهم، أو تحت درهم، أو قبل درهم، أو بعد درهم، لزمه درهمان. ولو قال درهم بل دينار زلمه الدينار وسقط الدرهم. ولو قال لفلان في هذه الدار نصيب، أو حق قبل تفسيره بما قل أو كثر إلا أن يدعي المقر له أكثر فيحلفه على نفي الزيادة. ولو قال يوم
стр. 988
السبت له عليَّ ألف، وقال كذلك يوم الأحد لم يلزمه إلا ألف واحد، إلا أن يضيف إلى شيئين مختلفين. ولو اختلف الإقرار فأقرّ له في موطن بمائة، وفي موطن آخر بمائتين لزمه ثلاثمائة. ولو قال له علي ألف من خمر أو خنزير لم يلزمه شيئ. ولو قال له علي ألف إن حلف فحلف المقر له فلا شيئ له؛ لأن المقر يقول ما ظننت أنه يحلف. وإن أقر بمائة دينار دينًا لزمته دَينًا، أو وديعة لزمته وديعة. فإن قال دَيْنًا أو وديعة كانت دَيْنًا اهـ ابن جزي.
قال رحمه الله تعالى: "ويصح استثناء الأكثر والأقل والمساوي، ومن غير الجنس، وهو من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات" يعني كما في القوانين وغيره قال: مسألة في الاستثناء إذا استثنى ما لا يستغرق صح، كقوله له عليَّ عشرة إلا تسعة فيلزمه واحد، فإن استثنى من الاستثناء فقال عشرة إلا تسعة إلا ثمانية لزمته تسعة، لأن الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات. وكذلك ولو قال عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنان إلا واحد
لزمته خمسة. ومثله في الموزّاق. ثم قال: فإن استثنى من غير الجنيس كقوله ألف درهم إلا ثوبًا صح الاستثناء على المشهورز وذكر قمية الثوب فأخرجت من الألف ... وقيل استثناء باطل اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولو أقر لزيد بألف مرتين فهي واحدة، أو بدينار مجهول لزم نقد البلد، فإن اختلف فالغالب، فإن لم يكن لزم مسماه" يعني لو أقر الرجل لزيد أن له عليه ألف درهم مثلاً وكان تلفظ بذلك مرتين، ولا يلزمه إلا ألف واحد يأخذه المقر له، والمعتبر في المقر به درهم البلد الذي وقع فيه الإقرار إن كان الناس يتعاملون به، أو الشرعي لأنه هو الأصل. قال خليل: ودرهم المتعارف، وإلا فالشرعي. وتقدم هذا البحث في البيوع في الكلام على المثمن والثمن عند قول المصنف: ويلزم بإطلاقه نقد البلد، فإن اختلف فالغالب فراجعه إن شئت.
стр. 989
قال رحمه الله تعالى: "ولا يقبل إقرار مريض لمن يتهم عليه" يعني إذا مرض شخص مرضًا مخوفًا فإنه حينئذ لا يقبل إقراره لمن يتهم عليه. قال ابن جزي فيمن لا يقبل إقراره: السادس المريض، فلا يقبل إقراره لم يتهم بمودته من قريب أو صديق ملاطف، سواء كان وارثصا أو غير وارث، إلاَّ أن يجزيه الورثة اهـ. قال العلامة الشيخ محمد عليش في الفتاوى: ما قولكم في رجل مريض مرضًا شديدًا له زوجة مشهورة بمحبته لها شهرة زائدة، وله ابن وبنتان من غيرها أقر لها بجارية ودراهم معلومة، ولاولد لها منه، ومات بعد إقراره بيوم فهل لا يصح إقراره لها؟ ثم قال: فأجبت بما نصه: الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله: نعم لا يصح إقراره لها بهما في هذه الحالة لاتهامه فيه بالكذب لمحبته لها. قال الخرشي: وأما إن كان يحبها ويميل إليها فإنه لا يقبل إقراره لها لأنه يُتَّهم في ذلك. والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم اهـ. قال ابن جزي فرع إذا أبرأ المريض أحد ورثته من شيئ فإ، كان إبراؤه من شيئ لو ادعى الوارث البراءة منه كلف البينة على ذلك لم تنفعه تبرئة المريض، وعليه يقيم البينة على صحة ذلك، وإلا غُرِمَ، وإن كان إبراؤه ممَّا لو ادَّعى البراءة منه صدق بغير بيَّنة نفعته التبرئة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "ولو اعترف صحيحًا بإتلاف مال مجنونًا لزمه كاعترافه بالغًا بالإتلاف صغيرًا" يعني أن من اعترف بإتلاف أموال الناس وهو صحيح عاقل فاعترف بذلك أنه أتلف المال في حاله جنونه لزمه اعترافه. قال المصنف في العمدة: وإن أقر بالغًا عاقلاً أنه استهلك مالاً في جنونه أو صبوته لزمه. ومن أدعى عليه بأنه أقر بالغًا فقال بل أقررت غير بالغ فالقول قوله مع يمينه.
قال القاضي أبو محمد: وأظن بعض أصحابنا جعل القول قول المدعي. ولو ادعى أنه أقر مجنونًا ولم يعلم له سبق جنونه فهل يقبل قوله؟ أو قول المقر له؟ روايتان. ولو قال لا أدري هل كنت بالغًا أم لا أو كنت عاقلاً
стр. 990
أم لا لم يلزمه شيئ. قال القاضي: وعلى القول المظنون يشبه أنه يلزمه اهـ نقله الحطاب عند قول خليل أو أقررت بكذا وأن صبي. ونقل الموّاق عن نوازل سحنون: من قال لرجل غصبتك ألف دينار وأنا صبي لزمه ذلك، وكذلك لو قال كنت أقررت لكل بألف دينار وأنا صبي، قال ابن رشد قوله غصبتك ألف دينار وأنا صبي لا خلاف في لزومه؛ لأن الصبي يلزمه ما أفسد وكسر، وقوله أقررت لك بألف وأنا صبي يتخرج على قولين أحدهما أنه لا يلزمه إذا كان كلامه نسقًا، وهو الأصحُّ وعليه قوله في المدونة طلقتُكِ وأنا صبي اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "ولو اعترف بمعين فأنكره المقر له حلف عليه" يعني لو اعترف بشيئ معين لزيد لزمه الاعتراف فلزيد مطالبته به فيحلف المقرّ أن نوكر، ويلزمه دفعه للمقر له، هذا إذا كان المعين منفردًا كالثوب أو الدابة مثلأن وأما لو كان متعددصا كالثوبين فأكثر فأقر له بأحدهما فالحكم في ذلك كما قال خليل في المختصر وشراحه عاطفًا على ما لزم القضاء به من قوله: ولك عندي أحد ثوبين عين، وإلا فإن عين المقر له أجودهما حلف، وإن قال لا أدري حلفا على نفي العلم واشتركا. يعني كما نقل عن ابن عرفة من قال في ثوبين بيده لفلان أحدهما، فإن عين له أجودهما أخذه وإن عين أدناهما وصدقه فكذلك دون يمين، وإن أكذبه أحلفه: وعن ابن القاسم: من قال لرجل في ثوبين في ديه أحدهما لك ولا أدري أيهما هو، فإنه يقال للمقر: احلف أنك لا تردي أن أجودهما للمقر له، فإن حلف وقال المقر له: أنا أعرفه فيؤمر بتعيينه، فإن عين أدناهما أخذه بغير يمين، وإن عين أجودهما أخذه بعد أن يحلف. وإن قال: لا أدري حلف على نفي العلم واشتركا، فيقال للمقر أولاً: احلف أنك لا تدري أن أجودهما للمقر له فإن حلف قيل للمقر له احلف أنك لا تعلم أيهما لك، فإن حلفا كانا شريكين في الثوبين جميعًا اهـ الموّاق. ومثله في الخرشي بتوضيح.
стр. 991
ثم قال رحمه الله تعالى: "ومن أقر بوارث لزمه ما نقصه الإقرار ولم يثبت نسبه وميراثه، فإن كغانا اثنين من أهل الشهادة شهدا وثبت نسبُهُ وميراثُهُ" يعني كما قال مالك في الموطأ: الأمر المجتمع عليه عندنا في الرجل يهلك وله بنون، فيقول أحدهم قد أقرّ أبي أنّ فلانًا ابنه إنّ ذلك النسب لا يثبُتُ بشهادة إنسان واحد، ولا يجوز إقرار الذي أقر إلا على نفسه في حصته من ماله أبيه، يُعطَى الذي شَهِد له قدر ما يصيبه من مال الذي بيده. قال مالك: وتفسير ذلك أن يهلك الرجل ويترك ابنين له ويترك ستمائة دينار فيأخذ كل واحد منهما ثلاثمائة دينار، ثم يشهد أحدهما أن أباه الهالك أقر أن فلاناً ابنه، فيكون على الذي شهد للذي استحلق مائة دينار وذلك نصف ميراث المستلحق لو لَحِقَ، ولو أقر له الآخر أخذ المائة الأخرى فاستكمل حقه وثبت نَسَبَهُ اهـ. قال الدردير في الاستحقاق: وإن أقر عدلان بثالث ثبت النسبُ وإلا ورث من حصة المقر ما نقصه الغقرار، فلو ترك شخص أُمًا وأخًا فأقرت بأخ فله منها السدس اهـ. أي لأن الأم تحجب تعدد الإخوة والأخوات من الثُّلُث إلى السُّدس اهـ. أي لأن الأم تحجب بتعدد الإخوة والأخوات من الثُّلُ إلى السُّدْس، فلو تعدد الأخ الثابت النسب فلا شيئ للمقر به، إذ لا تنقص الأم عن السُّدس اهـ. كما سيأتي جميع ذلك في الميراث: إن شاء الله تعالى ولمَّا أنهى الكلام على ما يتعلق بالإقرار وأحكامه انتقل يتكلم على ما يتعلق بأحكام الهبة كما وعدنا في أوّل الكتاب فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في الهبة
أي في بيان ما يتعلق بمسائل الهبة المختصة بها وتتميز به ن غيرها، وهي لغة وعرفًا تمليك من له التبرع ذاتًا تُنقَلُ شرعًا بلا عوض لأهل، أي للهبة، وأركانها أربعة: واهب، ومن شرطه أن يكون أهلاً للتبرع، وموهوب، وشرطه أن يكون مملوكًا للواهب، وموهوب له، وشرطه أن يكون أهلاً لأن يملك ما وهب له، وصيغة كوهبتك
стр. 992
أو ما يدل على التميلك، وإن معاطاة. فمتى وُجِدَتْ هذه الأركان وشروطها صحت الهبة.
قال رحمه الله تعالى: "الهبة قسمان معروف" ومعاوضة وسيأتي حُكْمُه. وأما حُكْمُ هبة المعروف فالندب. قال النفراوي: لم يذكر المصنف حُكْم نحو الهِبَة والصدقة، والحكم الندب؛ لأنها من أنواع المعروف واإحسان، والكتاب والسنة والإجماع دلت على ندبها، قال تعالى: "إِنَّ اللَّه يأَمُرُ بِالْعَدلِ والإِحسنِ" [النحل: ٩٠]: "وءاتي المال على حبه" [البقرة: ١٧٧]: "وإن تُبدُواْ الصَّدَقَتِ" [البقرة:٢٧١]. وقوله صلى الله عليه وسمل: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل" وقوله ﵊ أيضًا: "إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء" وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة. وحكى ابن رشد وغيره الإجماع على ندبها، وتأكد ندبها على الاقارب والجيران، وكونها من أنفس المال كماتقدم لنا في الإرفاق اهـ.
قل رحمه اللَّه تعالى: "فتصح بالقول، وتتم بالقبض، ويجبر على الدفع" يعني أن صحة الهبة لا تكون إلا بالقبض، ويجبر الواهب على دفعها إن امتنع عن
دفعها قال ابن جزي: وعلى المذهب تنعقد الهبة وتلزم بالقول، ويُجْبَر الواهب على إقباضها، فإن مات الواهب قبل الحوز بطلت الهبة إلا إن كان الطالب جادًا في الطلب غير تارك أهـ. وفي الرسالة: ولا تتم هبة ولا صدقة ولا حبس إلا بالحيازة، فإن مات قبل أن يُحاز عنه فهي ميراث. وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: "فإن تراخى الموهوب له حتى مات أو أفلس بطلت" يعني فإ، تراخى الموهوب له ولم يقبل حتى حصل المانع من مرض أو موتٍ أو فلس أو جنون بطلت الهبة، ولذا ينبغي للموهوب أن يعجل الحضوْز، ويلزم على الواهب أن يقبض الهبة ويجبر عليه بامتناعه إياها حتى يحصل الحوزز والقبض منه قبل المذكور. قال النفراوي: تلزم بمجرد القول أو الفعل الدال عليها ويقضي على الفاعل
стр. 993
بدفعها على المذهب وللمعطى له أن يحوزها ولا يتوقف على إذن المعطي بالكسر اهـ قال رحمه الله تعالى: "ولا رجوع فيهاإلا للأبوين، ما لم يتغير أو يتعلق بها حق فلا ترجع الأم على اليتيم" يعني أنه لا يجوز للواهب أن يرجع في هبته إلا بالإرث لما في الصحيحين عنه ﵊ أنه قال: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" حيث شبه الراجع فيها بالكلب والمرجوع فيه بالقيئ، وذلك غاية التنفير المقتضى للمنع. قاله النفراوي اهـ. قال عمر بن الخطاب: "من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها" رواه مالك في الموطأ بإسناده عن عمر ﵁. قوله إلا الأبوين لما في المدونة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لأحد أن يهب هبة ثم يعود فيها إلا الوالد" اهـ. قال في الرسالة: ومن تصدق على ولده فلا رجوع له، وله أن يعتصر ما وهب لولده الصغير أو الكبير ما لم ينكح لذلك أو يداين أو يحدث في الهبة حدثًا، والأم تعتصر ما دام الأب حيًا فإذا مات لم تعتصر. ولا يعتصر من يتيم، واليتم من قبل الأب اهـ. قال ابن جزي: واختلف في اعتصار الأم فقيل تعتصر لولدها الصغير والكبير مادام الأبُ حيًا، فإن مات لم تعتصر للصغار لأن الهبة للأيتام كالصدقة فلا تعتصر قلت هذا هو المشهور اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "وللأب حيازة ما وهب لولده الصغير إلا ما لا يتميز فيجعله على يد أمين" يعني كما في القوانين لابن جزي أنه قال: ويحوز للمحجور وصيه، ويحوز الوالد لولده الحر الصغير ما وهبه له هو ما عدا الدنانير والدراهم، وما وهبه له غيره مطلقًا، فإن وهب لابنه داراً فعليه أن يخرج منها، وإن عاد لسكناها بعد عام لم تبطل الهبة، وإن وهب له ما يستغل ثم استغله لنفسه بطلت الهبة، وعقد الكراء حوز، وإن وهب له دنانير أو دراهم لم يكلف الإقرار بالحوز حتى يخرجها عن يده ويقبضها بمعاينة البينة، وإن وهب له عروضًا أو حيوانًا جاز إذا أبرزه من سائر ماله، فإن كبر
стр. 994
وملك أمر نفسه فلم يقبض حتى مات الأب
بطلت، وكذلك إذا لم يقبض الكبير اهـ. وعبارة الدردير في أقرب المسالك عاطفًا على ما يصح: وحوز واهب لمحجوره إن أشهد إلا ما لا يعرف بعينه، أو دار سكناه إلا أن يسكن أقلها ويكري له الأكثر، وإن سكن النصف بطل فقط، والأكثر بطل الجميع اهـ يعني إن سكن والواهب أقل الدار أو أقل الوقت، وأكرى له الأكثر لم تبطل الهبة، وإن سكن النصف بطل نصفها فقط. وإن سكن الأكثر بطل الجميع. قال أبو محمد في الرسالة: وما وهبه لابنه الصغير فحيازته له جائزة إذا لم يكن ذلك أو يلبسه إن كان ثوبًا وإنما يحوز له ما يعرف بعينه، وأما الكبير فلا تجوز حيازته له. قال شارحها قوله ما يعرف بعينه كدار أو دابة، فلو وهب له ما لا يعرف بعينه كدراهم أو دنانير وحازها حتى حصل له مانع من موت أو جنون أو فلس بطلت، ولو طبع عليها بحضرة شهودها بخلاف ما لو طبع عليها أو وضعها عند غيره إلى موته أو فلسه فلا تبطل. قال خليل: ولا إن بقيت عنده إلا لمحجوره إلا ما لا يعرف بعينه ولو ختم عليه، وسواء كان المحجدور صغيرصا أو سفيهًا، وسواء كان الولي أبًا أو وصيًا أو مقدمًا من قبل القاضي اهـ قال النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: "وتصح بالمشاعل والمجهول والغرر" يعني أن الهبة تصح بالشيئ المشاع وهو غير مميز عن جنسه ولم يكن على حدة كالنصف أو الثلث أو الربع أو غير ذلك من الأجزاء، وكذا تصحُّ بالمجهول وهو غير معلوم الجنس والقدر، قال خليل: وصحت في كل مملوك ينقل ممكن له تبرع بها وإن مجهولاً أو كلبًا ودينًا وهو إبراء إن وهب لمن عليه، وإلا فكالرهن، وكذلك تصح الهبة بالغرر. قال ابن جزي في القوانين: وأما الموهوب فكل مملوك. تجوز هبة ما لا يصح بيعه كالعبد الآبق، والبعير الشارد، والمجهول والثمرة قبل بدو صلاحها والمغصوب خلافًا للشافعي. وتجوز هبة المشاع خلافًا لأبي حنيفة. وتجوز هبة المرهون بقيد الملك، ويُجْبَر الواهب على افتكاكه له ومنعه الشافعي. وتجوز هبة الدين خلافًا للشافعي اهـ.
стр. 995
ثم ذكر رحمه الله تعالى القسم الثاني من قسمي الهبة وهو هبة الثواب فقال: "والثاني معاوضة وهي كالبيع" يعني الثاني من قسمي الهبة هبة المعاوضة وتسمى هبة الثواب، وحُكْمُها الجواز كالبيع. قال النفرايو: يدل على جوازها الكتاب والسنّة فالكتاب قوله تعالى: "وما ءاتيتم من ربا ليربوا في أموال الناسفلا يربوا عند الله" [تالروم: ٣٩] فإن ابن عباس قال: الربا أن يعطي الرجل عطية ليُعْطَى أكثر منها، وقوله تعالى: "وَلاض تَمنُن تَستَكثرُ" [المدثر: ٦] قال المفسرون: وذلك أن يهدي ليهدى له اكثر منها فنهى النبي ﷺ عن ذلك كما في الخصائص، وأباحه الله تعالى لسائر الناس. ومن السنّة ما رُوِيَ أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية ويثبت عليها كما في [٧١] [٧٢] الصحيحين اهـ باختصار. قوله وهي كالبيع يعني أن هبة الثواب شبيهة بالبيع، ولذا لو مات الواهب للثواب قبل حيازة الهبة لم تبطل ويجب تنفيذها، ولا تبطل بموت أو مرض أو فلس واهبها قبل حوزها، فليست كغيرها من أنواع العطايا التي تبطل بعدم حيازتها قبل موت الواهب اهـ قاله النفراوي في الفواكهز
قال رحمه الله تعالى: "إلا في العوض فيخير الموهوب له بين إثابة قيمتها أو ردها، فإن أثاب دونها فله الرجوع" يعني أن هبة الثواب خالفت البيع في العوض لجوازها بالمجهول والغرر وما لا يجوز في البيع كما تقدم، وأما من جهة الخيار قبل الفوات وبعده فكالبيع كما قال المصنف وغيره. قال في الرسالة: والموهوب للعوص إما أثاب القيمة أو رد الهبة، فإن فاتت فعليه قيمتها، وذلك إذا كان يُرى أنه أراد الثواب من الموهوب له. قوله فيخير الموهوب له إلخ، فهم منه أنه لا يلزم الموهوب له دفع أكثر من القيمة لو كانت العادة جرت على ذلك، وهو كذلك كما لا يلزم الواهب قبول أقل من القيمة، وقد وقع الخلاف فيما إذا تطوع الموهوب له بدفع أكثر ما يلزمه وأبى الواهب من أخذ أزيد من قيمة هبته فأفتى القابسي بجبر الواهب على أخذ الزائد على قيمة
стр. 996
هبته، حتى لو حلف كل بالطلاق على نقيض ما أراد صاحبه لقُضِيَ بتحنيث الواهب، لأن هبات الناس على ذلك. هذا ملخص كلام القابسين لكن يقيد كلامه بما لا يدخله ربا الفضل وغلا امتنع، وأفتى غره بأنه لا يُجْبَر الواهب على قبول الزائد لأن الإنسان لا يلزمه أخذ ما يتوقع المَن به اهـ النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: "فلو اختلفا في كونها للثواب اعتبر شهادة الحال. والله أعلم" يعني كما قال ابن جزي: وإن اختلف الواهب والموهوب له في مقتضى الهبة نظزر إلى شواهد الحال، فإن كانت بين غني وفقير فالقول قول الفقير مع يمينه، فإن لم يكن شاهد حال فالقول قول الواهب مع يمينه، وإذا أهدى فقير إلى غني طعامًا عند قدومه من سفر أو شبهة فلا ثواب له عليه. قال خليل: وصدق واهب فيه إن لمخ يشهد عُرف بضده، والحكم المذكور عام ولو كانت الهبة لأجل عرس أو عند قدوم من حج. ولو أهب الثوب طلب الثواب ولو معجلأن ولا يلزمه الصبر إلى أن يحدث له فرح إلا لعادة وللموهوب له أن يحاسب الواهب بما أكله هو ومن معه عند إحضار الهبة المسماة عند العامة بالحمولة. والتصديق في إرادة الثواب بيمين مطلقًا. وقيل اليمين عند إشكال الأمر، وذلك إذا لم يشهد العرف له ولا عليه، بناء على أن العرف بمنزلة شاهد فقط، أو بمنزلة شاهدين. واعلم أنه إذا جرى العرف بالثواب يعمل بها ولو كان الموهوب مسكوكًا، أو كان الواهب أحد الزوجين لصاحبه، فما في خليل حيث لا عادة، وإلاَّ عمل بها لأنها عند مالك [٧٢] [٧٣] كالشرط اهـ النفراوي. قال العلامة الشيخ محمد عليش في الفتاوى: ما قولكم في رجل صنع عرصًا فوهب له رجل أردب قمح هبة ثواب، ثم بعد سنين طلب الواهب الثواب فهل يقضى على الموهوب له بدفع الثواب للواهب، وإذ قلتم نعم وقلتم ثوابه في هذه النازلة العرض أو الدنانير وكان الأردب في زمن دفعه للموهوب له يساوي أربعين قرشًا مثلأن وفي زمن طلب الثواب يساوي ستين قرشًا مثلاً، وفي زمن طلب الثوبا يساوي ستين قرشًا مثلاً فماذا يكون العمل؟ أفيدوا الجواب. ثم
стр. 997
قال: فأجبت بما نصه الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله: نعم يقضي على الموهوب له بدفع الثواب للواهب إن شرط أو اعتيد، وتعتبر اقيمة يوم الدفع لا يوم الطلب كما في الخرشي وغيره، فيلزم الموهوب له في المثال أربعون قرشًا، أو عرض يساويها واعتيدت إثابته لأنها قيمة الأردب يوم دفعه. قال ابن العطار: ما يهدى من الكباش وغيرها عند العرس فإنه يقضي للطالب لامكافأة عليه للعرف، وإن الضمائر منعقدة على أنه يهديه مثلها إذا كان له عرس، ونزلت عند فقضي له بذلك وحاسبه بما أكل عنده في ذلك الصنيع من قيمة ذلك. نقله ابن سلمون. واستفيد من قوله إذا كان له عرس أنه يلزم الواهب الصبر حتى يحدث له عرس، ونحوه في البرزلي. وظاهر كلام التتائي أنه لا يلزمه الصبر إليه إن جرى به العرف، وتبعه الأجهوري والخرشي، ونصه: وأما الموهوب له فلا يلزمه أن يدفع الثواب إلا أن تفوت بيده بزيادة أو نقص فتلزمه القيمة يوم قبض الهبة، وللواهب الرجوزع بقيمة شيئه معجلاً ولا يلزم أن يصبر إلى أن يتجدد له عرس اهـ عليش انظره.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالهبة أتبعها بالكلام على ما يتعلق بأحكام الصدقة التي يقصد بهامحض ثواب الآخرة فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في الصدقة
أي في بيان ما يتعلق بالصدقة، وهي التمليك لقصد ثواب الآخرة، ولا تكون إلا لله تعالى كما علمت من تعريف الهبة؛ لأن التعريف جامع لهما، وإ، ما التغاير بقصد ثواب الآخر وقصد وجه المعطى بالفتح. وفاعل الصدقة يسمى متصدقًا، والمفعول متصدق به ومتصدق عليه. قال ابن جزي: والهبة لوجه الله تعالى تسمى صدقة فلا رجوع فيها أصلاً ولا اعتصار، ولا ينبغي للواهب أن يرتجعهاب شراء ولا غيره، وإن كانت شجرًا فلا
стр. 998
يأكل من ثمرها، وإن كانت دابة فلا يركبها غلا أن ترجع إليه بالميراث اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "الصدقة العطية لله، وصحتها كالهبة، ولا رجوع فيها لوالد ولا غيره، ولا ينتفع المتصدق بها ولا يشتريها بخلاف رجوعها ميراثًا" يعني
أنه قد أخبر أن الصدقة هي العطية وصحتها كالهبة. وتقدم الكلام على الهبة وأركانها وشروطها، وذكر هنا أنه لا يجوز لأحد الرجوع في صدقته، لما صح عنه ﵊ أنه كا ينهي عن ذلك كما نهى عمر بن الخطاب وزيد بن حارثة عن شراء الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله، وقال ﷺ "لا تشتره وإن أعطاكم بدرهم، إن الذي يعود في صدقته كالكلب يعود في قيئه" ولذا قال مالك ﵀: لا يشتري الرجل صدقته لا من الذي تصدق بها عليه ولا من غيره" قاله في المدونة. قال أبو محمد في الرسالة: ولا يرجع الرجل في صدقته ولا ترجع إليه إلا بالميراث اهـ. قال خليل: وكُرِهَ تملك صدقة بغير ميراث، وحمل النهي على الكراهة وهو مشهور المذهب، وحمله الداودي على التحريم، واستظهره ابن عرفة وأبو الحسن من أصحابنا. قاله النفراوي.
قال رحمه اللَّه تعالى: "وللصحيح التصدق بجميع ماله، وأن يخص بعض أولاده، والأولى المساواة" يعني أن الشخص إذا كان صحيحًا له أن يتصدق بجميع ماله على الفقراء، أو على المعين وذلك للَّه تعالى أي وابتغاء لثواب الآخرة لأن الصدقة مستحبة، ولأن الله تعالى أثنى على فاعل ذلك بقوله: "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" [الحشر: ٩] ولأن الصديق، ﵁، تصدق بجميع ماله ولم ينكر عليه الرسول ﵊، وفعله جماعة من الصحابة، ﵃، أجمعين. قال في الرسالة: ولا بأس أن يتصدق على الفقراء بماله كله لله اهـ. وأما قوله وأن يخص إلخ فالمعنى ويجوز للشخص الصحيح العاقل الرشيد أن يخص بعض أولاده بهبته أو صدقته، فإن وقع ذلك لبعضهم بأن تصدق بماله كله له جاز مع الكراهة بشرط الحيازة قبل حصول المانع من
стр. 999
الواهب. وأما إذا تصدق له بشيئ من ماله فذلك جائز بغير كراهة. قال في الرسالة: ويكره أن يهب لبعض ولده ماله كله، وأما الشيئ منه فذلك سائغ اهـ. قال ابن جزي في القوانين: ويجوز أن يهب الإنسان ماله كله لأجنبي أتفاقًا. وأما هبة جميع ماله لبعض ولده دون بعض، أو تفضيل بعضهم على بعض في الهبة فمكروه عند الجمهور، وإن وقع جاز. وروي عن مالك المنع وفاقًا للظاهرية، والعدل هو التسوية بينهم. وقال ابن حنبل: للذكر مثل حظ الأُنثيين اهـ. والدليل على ما ذكر ما ورد "أن النعمان بن بشير نحله أبوه شيئُا من ماله، وأراد أبوه أن يشهد النبي ﷺ على ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟." قال لأن قال: "فارجع" فرجع فرَدَه عطيته. ووجه الدلالة للمشهور من الكراهة أ، النبي ﷺ إنما أمره بالرجوع وامتنع من الشهادة فدل ذلك على عدم كمالها، ولو كانت باطلة لقال عليه الصلاة
والسلام إنهاباطلة، وعلة الكراهة أن عطية الأب كل ماله أو جله لبعض الأولاد يؤدي إلى عقوق الباقين وحرمانهم، ويؤدي إلى تباغضهم، والمطلوب الحرص على المواصلة والموداة والعدل بينهم، ولذا جاء في بعض الروايات "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" اهـ. نقله النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: "ولا يهب ولا يتصدق إلا رشيد، وإلا فلأن ولا يهب أو يتصدق إلا أهل التبرع، وهمافي الصحة من رأس المال، وفي المرض من الثلث" يعني أنه تقدم أن الهبة والصدقة لا يصح واحد منهما إلا لمن له التبرع. قال الدردير وخرج بذلك الصبي، والمجنون، والرقيق، والسفيه، ومن أحاط الدين بماله، والسكران، وكذا المريض والزوجة فيما زاد على ثلثهما إلا أن هبتهما فيما زاد على الثلث صحيحة موقوفة على الوارث والزوج، وكذا من أحاط الدين بماله فإنها موقوفة على رب الدين، بخلاف المجنون والسفيهوالصغير فباطلة كالمرتد لأنه لا ملك له في حال الردة، ولا تصح هبته، ولا صدقته، ولا شيئ من أعماله حتى
стр. 1000
يرجع إلى الإسلام اهـ بتوضيح. وأما من توافرت فيه صفة التربع وهو الصحيح العاقل البالغ الرشيد المالك أمر نفسه في التصرفات فهذا الذي إذا تصدق أو وهب في الحالات المذكورة فإن ذلك يكون من رأس ماله، وأما في حال المرض فثيكون ذلك في ثلث ماله كالوصية كما سيأتي. قال العلامة الشيخ محمد عليش في فتاويه: ما قولكم في هبة المريض وصدقته وسائر تبرعاته هل تحتاج لحيازة قبل موته كتبرعات الصحيح، أم لا؟ قال: فأجبت بما نصه، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله: لا تحتاج لحوز عنه قبل موته لأنها كالوصية في الخروج من الثلث. قال البناني: وأما المريض فتبرعاته نافذة من الثلث مطلقًا أشهد أم ل، فلا يتوقف مضي تبرعه على حوز ولا الإشهاد الذي قوم مقامه. قال في المدونة: وكل صدقة أو هبة أو حبس أو عطية بتله المريض لرجل بعينه، أو للمساكين، فلم تخرج من يده حتى مات فذلك نافذ من ثلثه كوصاياه انتهى. ولأن الحوز في مرض المتبرع غير معتبر، فهو كعدمه فلا معنى لاشتراطه، وأيضًا ذكروافي حجر المرض المتبرع غير معتبر، فهو كعدمه فلا معنى لاشتراطه، وأيضًا ذكروا في حجر المرض أن تبرعات المريض توقف إن لم يؤمن ماله، فإن مات نفذت من ثلث ماله يوم التنفيذ، فهذا صريح في عدم اشتراطه فيها، والله أعلم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم اهـ عليش.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالهبة والصدقة انتقل يتكلم على ما يتعلق بالعمرى فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في العمرى
أي في بيان ما يتعلق بأحكام العمرى، وهي تمليك منفعة مملوك حياة المعطى بالفتح بغير عوض، فإذا قال المالك المتبرع أعمرتك داري هذه ثبت له ملك منفعة تلك الدار، إذامات المُعْمَر رجعت ملكاً للمُعمِرِ أو وارثه يوم موت المعمَر بالفتح. وحُكْمها الندب
стр. 1001
لأنها من المعروف الذي يثاب بفعله. وأحكامها في الحوز كالهبة. وفي الموطأ عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: "أيما رجل أعمر عمر ى له ولعقبه فإنها للذي يعطاها ولا ترجع إلى الذي أعطاها أبدًا؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه الموارث". وفي رواية لغير الموطأ: وإنما العُمرَى التي أجاز النبي ﷺ أن يقول هي لك ولعقبك فأما إذا قيل: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها. قال معمر: وكان الزهري يفتي به اهـ جمع الفوائد. ولذا قال مالك: إن العُمْرِى ترجع إلى الذي أعمرها إذا لم يقل هل لك ولعقبك، أما إذا قال هي لك ولعقبك فتكون بعد الموت لوارثه وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: "العمرى هبة السكنى مدة عمر الموهوب فإذا انقضت عادت لمالكها أو وارثه، إلا أن يعمره وعقبه فتمتد إلى انقراضهم" يعني كما قال في الرسالة: ومن أعمر رجلاً حياته داراً رجعت بعد موت الساكن ملكًا لربها، وكذلك إن أعمر عقبه فانقرضوا، بخلاف الحُبُس، فإن مات المعمر يومئذ كانت لو ثته يوم موته ملكًا اهـ.
قال خليل: ورجعت للمعمر أو وارثه. واعلم أن رجوع العمرى إلى المعمر أو وارثه هو المذهب الذي جرى به عمل أهل المدينة، وبه الفتوى. قال ابن القاسم في المدونة: من قال لرجل قد أعمرتك هذه الدار حياتك، أو قال هذا العبد أو هذه الدابة جاز ذلك عند مالك وترجع بعد موته إلى الذي أعمرها أو إلى ورثته اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "والإخدام كالعمرى، وهل النفقة عليه أو على السيد روايتان:" يعني أن حكم الإخدام كحكم العمرى وهو الندب؛ لأنها فعل الخير كما تقدم ونقل الميارة عن وثائق المجموعة قال: فإن مات المخدم والخدمة لأمد معلوم ورث ورثة
стр. 1002
الذي له الخدمة بقية الأمد عنه، ف إن كانت الخدمة حياة المخدم لم يرث ورثته ذلك عنه، ورجع العبد إلى ربه أو إلى ورثته بعده على قدر مواريثهم فيه اهـ. قوله: وهل النفقة إلخ فالمعنى إذا تبرع المالك بخدمة عبده أو دابته لرجل فهل النفقة على السيد أو على من يخدم عليه؟ في ذلك روايتان. قال ابن رحال في شرحه على تحفة الحكام: وأما نفقته فالظاهر أن الراجح فيها على المخدم بالفتح، وقال بعد ذلك: واقتصر ابن يونس على أن نفقة المخدم على صاحب الخدمة اهـ.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالعمر انتقل يتكلم على ما يتعلق بالرقبى فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في الرقبى
أي في بيان حكم الرقبى، وهي ترقب موت أحد صاحبيها، فهي غير جائزة. قال خليل: لا الرقبى أي لا تجوز. وبيان حقيقتها كما قال: كذوي دارين قال: إن مت قبل فهما لي وإلا فلك. قال الشارح: أي صاحبي دارين قال كل واحد منهما لصاحبه: إن مت قبلك فداري حبس عليك، فهذا لا يجوز؛ لأنه خطر، ولأنهما خرجا عن وجه المعروف إلى المخاطرة، وإذا وقع ونزل واطلع على ذلك قبل الموت فسخ، وإن لم يطلع عليه إلا بعد موته رجعت له أو لوارثه ملكًا، ولا ترجع مراجع الأحباس لأنه عقد باطل اهـ الخرشي.
قال رحمه الله تعالى: "والرقبى أن يترقب كل موت صاحبه ليأخذه داره وهي باطلة والله أعلم" قال الموّاق من المدوَّنة: لم يعرف مالك الرقبى ففسرت له فلم يجزها. قال ابن جزي في القوانين: وأما الرقبى فهو أن يقول الرجل للآخر: إن مت قبلك فداري لك وإن مت قبلي فدارك لي، وهي غير جائزة خلافًا للشافعي اهـ. قال الصاوي في حاشيته على الدردير: وأما الرقبى فلا تجوز حبسًا ولا ملكًا، كذوي دارين أو عبدين
стр. 1003
أو دار وعبد، وقال كل لصاحبه: إن مت قبلي فهما لي وإن مت قبلك فهما لك، فالمراد إن مت قبلي فدارك لي مضمومة لداري، وإن مت قبلك فداري مضمومة لدارك. وإنما منع لما فيه من الخروج عن وجه المعروف والمخاطرة، فإن وقع ذلك واطلع عليه قبل الموت فسخ، وإن لم يطلع عليه إلا بعد الموت رجعت لوارثهما، ولا ترجع مراجع الأحباس لفساد العقد، كذا في الأصل اهـ.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالرقبى انتقل يتكلم على ما يتعلق بأحكام الوقف، ويسمى حُبُسًا، وهو لغة وعُؤْفًا جعل منفعة مملوك ولو بأجْرة أو غلَّبة لمستحق بصيغة دالة عليه، فقال رحمه الله تعالى:
стр. 1004
كتاب الوقف
أي في بيان ما يتعلق بمسائل الوقف المعبر عنه بالحُبُس كما في بعض النُّسَخ. وحُكْمُه الندب؛ لأنه من البرَّ وفعل الخير. قال الدردير: فأركانه أربعة: واقف وهو المالك للذات أو لمنفعة إن كان أهلاً للتبرع. وموقوفٌ وهو ما مُلِكَ، أي من ذات أو منفعة ولو حيوانًا أو طعامًا أو عينًا للسَّلَف. وموقوف عليه وهو الأهل أي المستحق لصرف المنافع عليه، كالمجاهدين في سبيل الله والمرابطين والعلماء والفقراء وغيرهم ممن يصرف عليهم غلة الوقف، وكالقناطر والمساجد ومن سيولد ولو ذميًا، أو لم تظهر قُربة كغنى ذمي. وصيغة بوقفت أو حبست أو سبلت، كتصدقت إن اقترن بقيد أو جهة، نحو تصدقت لكن لا يُباع ولا يوهَبُ، أو تصدقت به على بني فلان طائفة بعد طائفة. وناب عن الصيغة التخلية بين الذت الموقوفة وبين الناس، كالمسجد يبنيه ويفتحه للناس وما أشبه ذلك من كل ما ينتفع به عموم الناس اهـ. بتوضيح وعبارة ابن جزي في القوانين أنه قال: أركانه أربعة: المحبس، والمحبس, والمحبس عليه، والصيغة. فأما المحبس فكالواهب، وأما المحبس فيجوز تحبيس العقار كالأرضين والديار والحوانيت والجنات والمساجد والآبار والقناطر والمقابر والطرق وغير ذلك، ولا يجوز تحبيس الطعام؛ لأن منفعته في استهلاكه، وفي تحبيس العروض والرقيق والدواب روايتان، على أن تحبيس الخيل للجهاد أمر معروف. وأما المحبس عليه فيصح أن يكون إنسانًا أو غيره كالمساجد والمدارس، ويصح على الموجو د والمعدوم والمعين والمجهول والمسلم والذمي والقريب والبعيد اهـ. قلت: انظر قوله: ولا يجوز تحبيس الطعام مع ما تقدم من كلام الدردير من قوله: ولو حيوانًا أوطعامًا أو عينًا للسَّلف. وقال في بيان الجواز لذلك: وينزل ردّ بدله منزلة بقاء عينه. وجواز وقف الطعام والعين نص المدونة فلا تردد فيه اهـ. ومثله في النفراوي.
стр. 1005
قال رحمه الله تعالى: "يصح في المشاع والمقسوم من الرباع غير موقوف على حكم حاكم، وفي غيرها خلاف. وقيل: الخلاف في غير الخيل" يعني أخبر أنه يصحُّ وقف المشاع والمقسوم من العقار كالرباع وغيرها كما هو معلوم، وأنه لا يتوقف صحته على حُكْمِ حاكمن بل يصحُّ ولو بغير عِلْمِ الحاكم إذا توافرت شروطه، والخلاف هل يصح وقف غير ما تقدم كالحيوان والطعام فالجواب جواز ذلك على المتمد، وأما الخيل فلا خلاف في جواز وقفها للغزو، كما لا خلاف في لزومه وقفيته لما قاله أئمتنا من أن حكمَ الوقف اللزوم في الحال إذا نجزه أو أطلق؛ لأنه يحمل عند الإطلاق على التنجيز.
قال رحمه الله تعالى: "وشرطه إخراجه عن يده، فإن أمسكه إلى مرض موته بطل غلا أن يخرجه مدة يشتهر فيها ثم يتصرف فيه لأربابه أو يقف على صغار أولاده ويتصرف لهم" يعني كما في الرسالة. قال فيها: ومن حبس داراً فهي على ما جعلها عليه إن حيزت قبل موته، ولو كانت حُبُسًا على ولده الصغير جازت حيازته له إلى أن يبلغ، وليُكْرِهَا له ولا يسكنها، فإن لم يدع سكناها حتى مات بَطَلَتْ اهـ. قال الدردير: وبطل بمانع قبل حَوْزِه أو بعد عَوْدِهِ له قبل عام وله غلّة كدار، بخلاف نحو كتب وسلاح إذا صرفه في مصرفه إلا لمحجوره إن أشهد على الوقف وصرف له الغلة ولم يكن الموقوف دار سكناه، إلا أن يسكن الأقل ويكرى له الأكثر، وإن سكن النصف بَطَلَ فقط اهـ. قال ابن جزي: ولابد من معاينة البينة للحوز إذا كان المحبس عليه في غير ولاية المحبسَّ، أو كان في ولايته والمحبس في دار سكناه، أو قد جعل فيها متاعه فلا يصح إلاَّ بالإخلاء والمعاينة، وإذا عقد المحبس عليه أو الموهوب له في المِلْك المحبس أو الموهوب كِراء ونزل فيهما لعمارة فذلك حَوْزٌ اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "وهو في المرض من الثلث، إلا على وارث فإنه يعود
стр. 1006
ميراثًا" يعني كما في الدردير: قال: وبَطَلَ الوقف على وارث بمرض موته، لأن الوقف في المرض كالوصية ولا وصية لوارث، وإلا بأ، كان الوقف على غير الوارث فإنه يخرج من الثلث إن حمله الثلث، وإلا فلا يصح منه إلا ما حمله الثلث اهـ بتصرف.
قال رحمه الله تعالى: "ولا يصح على نفسه، فإن وقف على وارثه وأجنبي قسم على شرطه وعاد سم الوارث ميراثًا" قال الموَّاق نقلاً عن ابن شاس: لا يجوز للرجل أن يحبس ويكون هو ولي الحُبُس وقال في كتاب محمد فيمَن حبس غلّة داره في صحته على المساكين فكان يلي عليها حتى مات وهي بيدة: إنها ميراث، وكذلك إن شرط في حبسه أنه يلي ذلك لم يجُزْ اهـ. قال الدردير في أقرب المسالك عاطفًا على مبطلات الوقف: أو على نفسه ولو بشريك، أي يبطل إن وقف على نفسه ولو مع شريك غير وارث. وأما لو وقف على وارث وأجنبي فإنه قُسِم، وصحَّ سهم الأجنبي وعاد سهم الوارث ميراثًا، وذلك إن حاز الأجنبي
ما يخصه قبل موت الواقف أو مرضه، وإلا فالجميع ميراث، قفإن أوقفه على نفسه ثم على أ, لاده وعقبه رجع حُبُسًا بعد موته على عقبه إن حازوا قبل المانع وغلا بَطَل، هذا إن أوقف في صحته، فإن أوقف في مرضه صح إن حمله الثلث اهـ بتصرف.
قال رحمه الله تعالى: "ولفظه يقتيضي التأبيد وإن لم يؤكده ولم يذكر جهة، أو وقف على المساكين أو العلماء" يعني أن لفظ الواقف بقوله: وقفت يقتضي تأبيد الموقوف وإن لم يؤكده بشيئ من مؤكدات الوقفية، لكن المعلوم شرعًا أن الوقف لا يشترط فيه التأبيد، بل يجوز لشخص أن يوقف وقفًا مدة معينة سنة فأكثر لأجل معلوم، ثم بعد انقضائه يرجع ملكًا للواقف الأصلي أو لغيره، وكذلك أنه لا يشترط على الواقف تعيين المصرِف أي محل صَرْفه، فَلَهُ أن يقول: أوقفتُه لله تعالى من غير تعيين مَنْ يصرف له قال الدردير: وصرف في غالب، وإلا فالفقراء كما سيأتي زيادة إيضاح عند قول المصنَّف: وما لم يعيّن له مصْرَفًا يصرف في وجوه البرّ.
стр. 1007
قال رحمه الله تعالى: "والظاهر أن لفظ الحُبُسِ كَالْوَقْفِ" وتقدم أو الكتاب أن الوقف في بعض النسخ يعبر بالحُبُس كما هو غالب عبارات المدوَّنة، ولا خلاف في ذلك بين أهل اللغة، على أن الحُبُس هو الوق. قال في المصباح: وحبسته بمعنى وقفته، فهو حبيس والجمع حُبُس اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "ومقتضى لفظ الصدقة تمليك الرقبة إلا أن يُريدَ التَّحْبِيسَ" فالمعنى أن مقتضى لفظ الصدقة تمليك ذات الشيئ المتصدق به إلا أن يريد المتصدق بلفظ الصدقة التحبيس فيكون حينئذ بمعنى الوقف فيصير حُكْمُها حُكْمَ الوقف. وهو تمليك منفعة الذات دون الرقبة، أمَّا إذا لم يَرِدْ بلفظ الصَّدَقة شيئًا فتحمل على عطية الرقبة، وهي الذات المتصدق بها.
قال رحمه الله تعالى: "فلا يجوز بيعه ولا شيئ من نقضه ويلزم هادمه إعادته على صفته، ولا يجوز تغييره" يعني أن الوقف لا يجوز بيعه ولا بيع شيئ من نقضه ولا تغيير صفته ومن هدمه يلزمه إعادته كهيئته. قال خليل: ومن هدم وقفًا فعليه إعادته. قال الخرشي: يعني أن من تعدّى على حُبُس وهدمه فإنه يلزمه إعادته على حالته التي كان عليها قبل الهدم، ولا يجوز أخذ القيمة لأنه كبيعه، لكن من المعلوم أنه لا يلزم من أخذ القيمة في الشيئ جواز بيعه، ككلب الصيد وجلد الأضحية وغير ذلك فالمذهب هنا لزوم القيمة في الوقف إذا أُتْلِفَ كما قال ابن عرفة؛ ظاهر المدوَّنة أن الواجب في الهدم القيمة مِلْكًا أو وَقْفًا مطلقًا اهـ. وما تقدَّم من عدم جواز البيع وهو كذلك وللفقهاء في ذلك تفصيل فراجِعْه في كُتُبِهم. وقد عَقَدَ ابن جزي في القوانين فصلاً فقال: والأحباس بالنظر إلى بَيْعِها على ثلاثة [٨٠] [٨١] أقسام: أحدها المساجد، فلا يحل بيعها أصلاً بإجماع. الثاني العقار، لا يجوز بيعه إلا أن يكون مسجدًا تحيط به دور محبسة فلا بأس أن يشتري منها ليوسع به. والطريق كالمسجد في ذلك. وقيل إن ذلك في مساجد الأمصار لا في
стр. 1008
مساجد القبائل. وأجاز ربيعة بَيْع الربع المحبس إذا خرب ليعوَّ به آخر خلافًا لمالك وأصحابه. الثالث العروض والحيوان، قال ابن القاسم: إذا ذهبت منفعتها، كالفرس يهرَم والثوب يُخْلَق بحيث لا ينتفع بهما جاز بَيْعُه وصَرْفُ ثمنِهِ في مِثْلِه، فإن لم تصل قيمته إلى كامل جُعلَتْ في نصيب من مِثْلِه. وقال ابن الماجشون: لا يُباع أصلاً اهـ. قال في الرسالة: ولا يُباع الحُبُس وإن خرب، ويُباع الفرس الحُبُس بكلب ويُجْعَلُ ثمنه في مِثْلِه أو يُعان به فيه. واختلف في المعاوضة بالربع الخرب بربع غير خرب. قال خليل: وبيع ما لا ينتفع به من غير عقار في مثله أو شقصه كأن أُتْلِفَ، وفضل الذكور، وما كبر من الإناث في إناث. فإن لم يبلغ ثمن ما بِيعَ ثمن شيئ كامل وإلاَّ أمكن الإعانة به في شِقْصِهِ فإنه يتصدق به على الجهة الموقوف عليها فثمن الفرس يفرَّق على المجاهدين، وثمن الحيوان على مَنْ وَقَفَ عليه وثمن الثوب الخلق على العراة اهـ مع طرف من النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: "واختلف في الفرس يهرم فأجاز ابن لاقاسم بيعه وصرفه في مثله أو مصرفه، ولا يجوز بيع المسجد وإن انتقلت العمارة عنه" يعني اختلف في بيع فرس يهرم. وتقدم الكلام فيه كما هو نص الرسالة وغيرها. أما المسجد فلا خِلاَف في عدم جواز بَيْعِه، فلا يجوز بَيْعُ المسجد مطلَقًا سواء خرب أم لأن وإن انتقلت العمارة عن محله إجماعًا. ومثل عدم جواز بَيْعِ المسجد نقضه فلا يجوز بَيْعُ نَقْضِ المسجد بمعنى أنقاضه كما تقدَّم ذلك.
قال رحمه الله تعالى: "وإذا كان المسجد أو السابلة محفوفًا بوقوف فافتقر إلى توسعة جاز أن يبتاع منها ما يوسع به" يعني أنه لا يجوز بيع الأوقاف، إلاَّ إذا احتاج المسجد المحفوف بها ولم يوجد ما يوسع المسجد إلا ببيع بعض تلك الأوقاف أو كلها فإنه يجوز أن تُباع لتوسعة المسجد. قال خليل مستثنيًا على فيما لا يجوز بيعه من الوقف: لا عقار وإن خرب، ونُقْضّ ولو بغير خرب إلاَّ لتوسيع كمسجد ولو جبرًا،
стр. 1009
وأمروا بِجَعْلِ ثمنه لغيره. قال شارحه: تقدم أن الحُبُس لا يجوز بَيْعُه ولو صار خربًا إلا في المسألة، وهي ما إذا ضاق المسجد بأهله أو احتاج إلى توسعة وبجانبه عقار حُبُس أو مِلْك عن بَيْعِ ذلك، فالمشهور أنهم يُجْبَرُون على بَيْعِ ذلك ويُشْتَرَى بثمن الحُبُس منا يجعل حُبُسا كالأول. ومثل توسعة [٨١] [٨٢] المسجد توسعة طريق المسلمين ومقبرتهم اهـ. وفي الموَّاق: قال سحنون: لم يُجِزْ أصحابنا بَيْعَ الحُبُس بحال إلاَّ داراً بجوار مسجد احتيج أن تُضاف إليه ليتوسع بها، فأجازوا بَيْعَ ذلك، ويُشْتَرَى بثمنها دار تكون حُبُسًا، وقد أدخل في مسجد النبي ﷺ دور محبسة كانت تليه. قال ابن رشد: ظاهر سماع ابن القاسم أن ذلك جائز في كل مسجد كقول سحنون. وفي النوادر عن مالك والأخوَيْن وأصبغ وابن عبد الحكم أن ذلك إنَّما يجوز في مساجد الجوامع إن احتيج إلى ذلك، لا في مساجد الجماعات، إذ ليست الضرورة فيها كالجوامع. وعن عبد الملك: لا بأس ببيع الدار المحبسة وغيره ويُكْرِه الناس السلطان على بَيْعِها إذا احتاج الناس إليها لجامعهم الذي فيه الخطبة، وكذلك الطريق إليها لا إلى المساجد التي لا خطبة فيها، والطرق التي في القبائل لأقوام. قال مطرف: وإذا كان النهر بجانب طريق عظمي من طرق المسلمين التي يسلك عليها العامة فحَفَرَها حتى قَطَعَها فإن أهل تلك الأرض التي حولها يُجْبَرون على بَيْعِ ما يوسع به الطريق اهـ.
ثم شرع يذكر ما يعتبر به من ألفاظ الواقف فقال رحمه الله تعالى: "ويدخل في
стр. 1010
لفظ الولد والعقب والنسل أولاد البنين دون البنات" يعني أن لفظ الولد والعقب والنسل يتناول أولاد البنين فقط ذكورهم وإناثهم، أي لا يتناول إلاَّ الأولاد ذكورًا وإناثًا وأولاد الذكور دون أولا البنات، وهم الحفدة. قال دردير في أقرب المسالك: بخلاف ولدي وولد ولدي، وولادي وولاد أولادي، وبني وبني بني، كنسلي وعَقِبي اهـ. قوله: بخلاف أولادي إلخ، أي لا يدخل الحافد على الراجح. وقيل بدخوله كالذي قبله، أي لا يدخل الحافد في لفظ أولادي وأولاد أولادي، ولا في لفظ بني وبني بني، ولا في لفظ نسلي، ولا في عَقِبي، وكل ذلك لا يدخل فيها الحافد لأن تلك الألفاظ لا تتناوله عُرْفًا، فإذا كان العُرْف عندهم شُمْوله دخل؛ لأن مبنى هذه الألفاظ العُرْف، ولذا قال ابن رشد في المقدمات: ولو كرر لفظ التعيب لدخل ولد البنات إلى الدرجة التي انتهى إليها المحبس على ما ذهب إليه الشيوخ ثم استظهره، وقال: إنه المعمول به وتبعه أبو الحسن، واقتصر عليه ابن عرفة والقرافي وغيرهما، وجرى به العمل قديمًا وحديثًا اهـ. باختصار وتوضيح.
قال قرحمه الله تعالى: " ولو قال أولادي وأولادهم ذكورهم وإناثهم
وأولادهم فالأظهر دخول أولادهن، ويدخلون في الذرية قولاً واحدًا" يعني كما في الدردير. وتتناول الذرية الحافد وهو ولد البنتن وكولد فلان وفلانة أوالذكور والإناث وأولادهم، أو أولادي وأولادهم. قال الصاوي عليه: قوله وهو ولد البنت، كلامهم هنا يفيد أن الحافد مقصور على ولد البنت. والذي يفيده البيضاوي في تفسير قوله تعالى: "وَجَعَلَ لَكُم مِّ أَزوَجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحخل: ٧٢] أن المراد بهم أولاد الذكور وأولاد البنات. وفي القاموس: السَّبْط ولد الولد، ظاهره ذكرًا كان أو أنثى فهو مرادف للحفيد اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "ولو قال بني لدخل بناته وبنات بنيه كقوله بناتي" يعني أن لفظ بني يقتضي دخول بناته وبنات بنته، كلفظ بناتي سواء بسواء.
стр. 1011
وذلك مما يدل على أنه يعتبر بالألفاظ، وقد ذكر ابن جزي في القوانين جميع الألفاظ التي يعتبر بها عن الواقف للموقوف عليهم، فقال: فأما لفظ الولد والأولاد، فإن قال حبست على ولدي أو على أولادي فيتناول ولد الصلب ذكورهم وإناثهم، وولد الذكور منهم؛ لأنهم قد يرثون، ولا يتناول ولد الإناث منهم، خِلافًا لأبي عمر بن عبد البرّ. وإن قال: حبست على أولادي وأولادهم فاختُلِفَ في دخول ولد البنات أيضًا، وإن قال على أولادي ذكورهم وإناثهم سواء سمَّاهم أو لم يسمَّهِم، ثم قال وعلى أعقابهم أو أولادهم فيدخل أولاد البنات. وأمَّا لَفْظُ العضقِب فحْكْمُه حُكْمُ الولد في كل ما ذكرنا، وكذلك لفظ البنين وقد يختص بالذكور إلا أن يقول ذكورهم وإناثهم. وأما لفظ الذرية والنسل فيدخل فيهما أولاد البنات على الأصحّ. وأما لفظ الآل والأهل فيدخل فيه العصبة من الأولاد والبنات، والإخوة والأخوات والأعمام والعمّات، اختُلِفَ في دخول الأخوال والخالات. وأما لفظ القرابة فهو أعم فيدخل فيه كل ذي رَحِم منه من قِبَل الرجال والنساء، محرَم أو غير محرَم على الأصحّ اهـ. باختصار. وإلىجميع ما تقدَّم أشار خليل في مختصره فقال: وتتناول الذرية، وولد فلان وفلانة، أو الذكور والإناث وأولادهم الحافد. لا نسلي، وعقبي، وولدي، وولد ولدي، وأولادي، وأولاد أولادي، وبني، وبني بني. وفي على ولدي وولدهم قولان. والإخوة الأنثى. ورجال إخوتي ونساؤهم الصغير. وبني أبي إخوته الذكور وأولادهم. وآلي وأهلي العصبة ومَنْ لو رجلت عصبت. وأقاربي أقارب جهتَيْه مطَقًا وإن نصرى. ومواليه المعتق وولده ومعتق أبيه وابنه. وقومه عصبته فقط. وطفل وصبي وصغير من لم يبلغ. وشاب وحدث للأربعين وإلاّ فكهل للستين، وإلاَّ فشيخ وشمل الأنثى كالأرمل اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: "وتجب متابعة شرطه، فإن لم يكن قسم بالسوية
стр. 1012
ما لم تدل أمارة على غير ذلك، وما لم يعين له مصرفصا يصرف في وجوه البر" يعني أنه يجب على الناظر والمستحق اتباع شرط الواقف لأن شرطه كنص الشارع. قال الدردير في أقرب المسالك: واتبع شرطه إن جاز كتخصيص مذهب أو ناظر، أو تبدية فلان بكذا، وإن احتاج من حبس عليه، باع أو إن تسوَّر عليه ظالم رجع له أو لوارثه أو لفلان مِلكًا، وكل ذلك ممَّا يجوز أن يشترطه الواقف وإن لم يشترط سِمَ بالسوية ما لم تدلَّ أمارة على مقصوده وإلا قًسِمَ على ما دلَّت عليه، ككتب فإنها تُصْرَف على الفقهاء والطلبة وغيرها ممَّا لم يعيّن مصرفاً فإنها تُصْرَف في وجوه البَّر كالمجاهدين ونحوهم كما تقدم. قال النفراوفي في الفواكه: تنبيه وإذا قُسِمَ على الموقوف عليهم المعينين فيُعطى للغني والفقير والصغير والكبير وتُعطى الأنثى مثل الذكر لأن شأن العطايا التساوي إلاَّ لشرط خلافه فيعمل بالشرط، إلاَّ في مراجع الأحباس فلا يعمل بالشرط ويسوَّى فيه بين الذكر والأنثى، ولا يزاد الفقير على الغني لأن الإيثار إنَّما هو في الوقف على مَنْ لا يُحاط بهم كالفقراء اهـ.
قال رحمه اللهتعالى: "ولا يصح اشتراط النظر لنفسه" يعني لا يجوز للواقف أن يشترط النظر لنفسه؛ قال الحطاب: هذا إذا لم يكن على صغار ولده أو من في حَجْرِه. وأمَّا مَنْ كان كذلك فهو الذي يتولى حيازة وَقْفِهِم والنظر لهم كما صرَّح به في المدوَّنة وغيرها اهـ. وعبارة الصاوي في حاشيته على الدردير أنه قال: محل بطلان الوقف إن جعل النظر لنفسه ما لم يكن وقف على محجدوره وإلا فَلَهُ النظر ويكون الشرط مؤكَّدًا اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "ويبدأ بعمارته ورم داثره، وإن شرط غير ذلك" وفي نسخة ورمّ دارسه بالسين، وهما لفظان مترادفان معناهما واحد، فالمعنى أنه يبدأ بعمارة الوق ورمّ الدارس منه من الغلّة ولو شَرَطَ الواقف تبدئة خلاف ذلك؛ لأنه إن لم يصلح
стр. 1013
يؤدّي إلى إبطاله بالكلية. قال في الإكليل: فل شَرَطَ الواقف أن يبدأ من غلّته بمنافع أهله ويترك إصلاح ما ينخرم منه بَطَلَ شَرْطُه اهـ، قال الدردير في أقرب المسالك: وبُدِئَ بإصلاحه والنفقة عليه من غلَّته وإن شرط خلافه وأُخرج ساكن موقوف علهي لسُّكنى إن لم يصلح لِتُكْرَى له أي أخرج لأجْل أن تُكْرَى للإصلاح بذلك الكِراء، فإذا أصلحت رجعت بعد مدة الإجارة للموقوف عليه، فإن أصلح ابتداء لم يخرج اهـ. قال ابن جزي: تبتني الرباع المحبسة من غلاّتها، فإ، لم تكن فَمِن بيت المال، فإن لم يكن تركت حتى تهلك ولا يلزم المحبس النفقة فيها اهـ.
قال رحمه اللهتعالى: "وإن شرط في الإجارة مدة لم تجز مجاوزتها، فإن لم يكن فليؤجر سنة فسنة" يعني ,عن اشترط الواقف على وَقْفِهِ في إجارة الموقوف مدة معيّنة وإ كَثُرَ لم تَجُزْ مجاوزة ما شَرَطَه لأن شَرْطَ الواقف كنصَّ الشارع، فإن لم يكن فيه شرط واحتاج الموقوف إلى عمارة أو ترميم فليؤجره الناظر سنة بعد سنة بقدر الحاجة والمصلحة فيه. قال الدردير: وأَكْرَى ناظرهُ السنة والسنتَيْن إن كان على معيّن وإلاَّ فكالأربعة، ولِمَن مرجعها له كالعشرة ولضرورة إصلاح كالأربعين. ولا يُفْسِخُ الكِراء لزيادةٍ إن وقع بأجْرة المِثْل اهـ. قوله ولضرورة إصلاح كالأربعين، أي سنة وأدخلت الكاف عشرة فالجملة خمسون لا أزيد فأرضش الزراعة لا تُكْرَى لأكثر من أربعة أعوام إن كانت على مسجد أو على غير معيَّن، إذ لا خراب يلحقها بخلاف نحو الدُّور فإنه قد يلحقها الخراب، فإن كانت على معيَّن فالسنتان، ومضى الأكثر إن كان نظرًا كما قال ابن القاسم وإلاَّ فُسخ. قال بعضهم: والمراد بالناظر هو الموقوف عليه، وأمَّا إذا كان غيره كالناظر على وَقْفِ الفقراء أو معيَّنين وليس هو منهم، فإنّ له أن يكون بأزْيَدَ ممَّا ذكر لأنَّه بموته لا تنفسخ الإجارة اهـ الدردير.
وإلى ما تقدَّم أشار رحمه الله تعالى بقوله: "وإذا آجر نظرًا، فجاء طالب بزيادة
стр. 1014
لم تنفسخ، وتنفسخ بموت الآيل إليه لا المستأجر" يعني كما في الدردير فالمعنى أنه لا ينفسخ الكراء إذا وقع وجيبةً، أو نَقَدَ المُكْرَى كِراءً مدّة محدودة لزيادة طرأت من آخر إن وقع الكِراء الأوّل بأجْرة المِثْل وقت العقد، فإن كانت أقلَّ من أجْرة المِثْل قُبِلَتِ الزيادة وفُسِخَ الأول لها، ولو التزم الأوّلُ تلك الزيادة التي زيدت عليه لم يكن له ذلك إلاَّ أن يزيد على زيادة مَنْ زادَ إذا لم يبلغ مَنْ زاد أجرة المِثْل، فإن بلغها لم يلتفت لزيادة مَنْ زاد بَعْدَه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "وشرط الموقوف أن يمكن الانتفاع به مع بقاء عَيْنِهِ" قال الحطاب عند قول خليل وفي وَقْفٍ كطعام تردُّد.
تنبيه. قال في الشرح الكبير في هذا التردُّ نظر، لأنك إن فرضت المسألة فيما إذا قصد بوقف الطعام ونحوه بقاء عينه فليس إلاَّ المنع لأنه تحجير من غير منفعة تعود على أحد، وذلك ممَّا يؤدّي إلى فساد الطعام المؤدّى إلى إضاعة المال، وإن كان على معنى أنه أوقفه للسَّلَف إن احتاج إليه محتاج ثم يردُّ عِوَضَه فقد عَلِمْتُ أن مذهب المدوَّنة وغيرها الجواز. والقول بالكراهة ضعيف، وأضعف منه قول ابن شاس إن حمل على ظاهره واللَّه أعلَم اهـ. وتقدَّم لنا الكلام في هذه المسألة في أركان الوقف وشروطه فراجِعْه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: "وينظر فيه من شرط الواقف نظره، فإن لم يكن فالحاكم والله أعلم" يعني أن المحبَّس إذا أقام ناظرًا وشرط له شرطًا فإنه يتبع شرطه ولا يجاوزه إلا أن يشترط ما لا يجوز كما تقدم، وإن لم يشترط شيئًا، أو لم يقم ناظرًا فالنظر للموقوف عليهم إن كانوا معيَّنين كبارًا مالكي أمر أنفسهم، وإلا فالنظر للحاكم والله أعلم. وقد عقد ابن جزي في القوانين فصلاً في بقية أحكام الحُبُس قال: منها أن المحبَّس إذا اشترط شيئًا وجب الوفاء بشرطه، والنظر في الأحباسإلى مَن قدَّمه المحبس، فغ، لم يقدم قدم الاضي ولا ينظر فيها المحبس، فإن فعل بَطَلَ التحبيس اهـ. ونَقَلَ
стр. 1015
الحطاب عن سماع ابن القاسم أن الناظر على الحُبُس إذا كان سيَّ النظر غير مأمون فإن القاضي يعزله إلاَّ أن يكون المحبَّس عليه مالكًا أمر نفسه ويرضى به ويستمرّ. وقال أيضًا الناظر لا يوصي بالنظر عند موته، ولكن إن كان المحبَّس حيًا كان النظر له فيمن يقدَّمه، وإن مات فإن كان المحبَّس عليهم كباراً أهل رِضاً تولَّوْا حُبُسَهم بأنفسهم وإلاَّ قُدَّم السلطان بنظره، وإن كان للمحبَّس وَصِي كان النظر له إلاَّ أن يكون المحبَّس قال لِمَن ولاّه إذا حدث بك الموت فأسنده إلى مَنْ شئت فإنه يسنده لِمَن شاء، وإن أوصى وصيًّا على مالِهِ وعلى من كان في حَجْرِه كان له النظر في الحُبُس والله أعلَم اهـ.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلَّق باحكام الوقف انتقل يتكلم على ما يتعلَّق باحكام الجنايات من القِصاص والجروح وغير ذلك ممَّا يتعلَّق بمسائل الدماء، فقال رحمه الله تعالى:
стр. 1016
كتاب الجنايات
أي هذا الكتاب فيما يتعلَّق بأحكام الجنايات. قال في المصباح: جنى على قومه جناية أذنب ذنبًا يؤاخذ به. وغلبت الجناية في ألسنة الفقهاء على الجرح والقطع، والجمع جنايات وجنايا، مثل عطايا اهز قال ابن عرفة: نَقَلَ الأصوليون إجماع الملل على وجوب حفظ الأديان والنفوس والعقول والأعراض والأموال والأنساب، فإن ي القصاص حفظًا للدماء، وفي القطع للسرقة حفظ للأموال، وفي الحد للزنا حفظ الأنساب وفي الحد للشرب حفظ العقول، وفي الحد للقذف حفظ الأعراض، وفي القتل للردة حفظ الدين. والأصحُّ عند مالك أن الحدود جوابر أي كفارات. وقيل زواجر، وعليه الشافعي. وبدأ المصنف من تلك المذكورات بقتل النفس عمدًا لأنه أشد الذنوب وأعظمها بعد الكفر، للآيات، والأحاديث، وإجماع سائر المِلَل على حُرْمة قَتْلِ النفس بغير حق، فَمِن ذلك حديث: "لو أن أهل السماء والأرض، اشتركوا في دم مؤمن لأكبَّهم اللهَّ في النار: وحديث: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم" وحديث من اشترك في دم امرئ مسلم بشطر كلمة جاء يوم القيامة بين عينيه مكتوب آيس من رحمة الله حتى اختلف الصحابة ومن بعدهم في قبول توبة قاتل العمد. فآية الفرقان ظاهرها له التوبة، وظاهر آية النساء لا توبة له، وهو قول مالك؛ لأن شرط التوبة من مظالم العباد تحللهم منها ورد تبعاتهم، ولا سبيل للقاتل لذلك، إلا أن يدرك المقتول حيًا فيعفو عنه ويحلله من دمه، مع اتفاق أهل السنة ممن قال بتنفيذ الوعيد، وممن لم يقل به أنه لا يخلد في النار اهـ. النفراوي. ولا شكَّ أن قَتْلَ المسلم عَمْدًا عدوانًا كبيرة ليس بعد الكفر أعظم منها كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: "يجب بقتل العمد القاص عينًا غلا أن يصطلحا على
стр. 1017
دية" يعني يجب القصاص بقتل العَمْد. قال صلى اله عليه وسلم: "مَنْ أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث: إمَّا أن يقتصَّ، وإمَّا أن يعفو، وإمَّا أن يأخذ الدَّيَة، فإن أراد الرابعة: فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فلَهُ عذاب أليم" لأبي داود مرفوعاً. وأمَّا أركان القصاص فثلاثة: الأول: القاتل وهو الجاني، وشرطه أن يكون مكلفًا معصومًا، وأن لا يكون أزيد من المجني عليه بإسلام أو حرية. الثاني: المجني عليه وشَرْطُه
أن يكون مكافئًا أي مماثلاً للجاني، أو أزيد عليه، لا أنقص منه. الثالث: القتل وهي الجناية، وشرطها أن تكون عمدًا عدوانًا، فإذا أكمل الأركان وشروطها وجب القصاص، إلاَّ تعيَّن القصاص لأنه مكتوب. قال الله تعالى في كتابه العزيز: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرُّ بِالْحُرِّ والْعَبْدُ بِالْعَبْدِ والأُنثَى بِالأُنثَى [البقرة: ١٧٨] إلى غير ذلك من الآيات التي دلت على وجوب القصاص إن لم يصطلحا على الدية ولم يعفو مجانًا. وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: "كان في بني إسرائيل قصاص ولم يعفوا مجانًا. وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: " كان في بني إسرائيل قصاص ولم تكن فيهم دية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الآية". والعفو أن يقبل الدية في العمد، واتباع بالمعروف يتبع هذا بالمعروف، وأداء إليه بإحسان يؤدي هذا بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة مما كُتِبَ على مَنْ كان قبلكم، وإنَّما هو القصاص وليس الدَّية اهـ أخرجه البخاري والنسائي.
قال رحمه الله تعالى: "فيقاد منه بمثل ما قتل به، إلا اللواط والسحر فيقاد بالسيف ضربة" يعني يقتل القاتل قصاصًا بمثل ما قتل به، إلاَّ ما استثنى. قال الدردير: وقتل بما قتل ولو نارًا، أي على المشهور إلاَّ بخمر ولواط وسحر وما يطول فبالسيف، فالمعنى أنه يعتبر بما قتل به من الآلة والكيفية، فيقتل بمثل ذلك فيغرق إن أغرق أو
стр. 1018
أطرح، ويخنق إن خنق، ويحجر إن قتله بالحجر، ويضرب بالعصى إن ضرب بعصا، ويطعن بالسكين إن طعن كذلك، وإن ضرب بالسيف فُعِلَ به مثل ما فعل، ويمكن مستحق من السيف اهـ بتوضيح. وعبارة ابن جزي في القوانين أنه قال: المسألة الرابعة: في صفة القصاص، ويُقْتَل القاتل بالقِتْلة التي قتل بها من ضربة بحديد أو حجر أو خنق أو غير ذلك. وقال أبو حنيفة: لا قصاص إلا بالحديد. واختلف هل يقتل بالنار أو بالسمّ إذا كان قد قَتَل بهما أم لا؟. وقد علمت ما تقدَّم من قول الدردير ولو نارًا أي علم على المشهور. وهذا إذا ثبت القتل ببينة أو اعتراف، وأمَّا إن كان بالقسامة فلا يُقْتَلُ القاتل إلاَّ بالسيف اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "إلا أن يمثل فيمثل به" قال في المصباح: ومثلت بالقتيل مثلاً إذا جدعته وظهر آثار فعلك عليه تنكيلأن والاسم المثلة اهز قوله فيمثل به أي كما فعل بالقتيل فُعِلَ به، والحرمات قصاص، فَمَن اعتدى عليكم
فاعتدوا عليه بمِثْل ما عتدى عليكم الآية. وعبارة خليل فيمَن قتل ومثَّل قال: فإن قصد مُثْلَةً ثم قَتَلَ فإنه يُقْتَصُ منه للطرف ثم يُقْتَل، وأمَّا طرف غير المقتول فيندرج ولو قصد مُثلة على الراجح اهـ بتوضيح من الدردير.
قال رحمه الله تعالى: "ويشترط فيه التكليف، ومماثلة المقتول دينًا وحرية، أو ينزل عنه، لا عكسه، ولا عتبار بالذكورة والأنوثة" يعني قد تقدم في أركان القصاص وشروطه أن يكون الجاني مكلفًّا، فلا قصاص على صبي أو مجنون، وأن يكون المجني عليه مماثلاً للجاني فلا يُقْتَلُ المسلم بالكافر، ولا الحر بالعبد، بخلاف
стр. 1019
العكس قال مالك ليس بين الحر والعبد قود في شيئ من الجراح. والعبد يُقْتَلُ بالحرَّ إذا قَتَلَه عمدًا، ولا يُقْتَلُ الحر بالعبد وإن قتله عمدًا وهو أحسن ما سمعت اهـ. الموطأ. قال ابن جزي في القوانين في صفة المقتول: ولا يقتص له إلا إذا كان دَمُه مساويًا لدَم القاتل أو أعلى منه، ولا يُقْتَصُّ للأدنى من الأعلى، واعتبار ذلك بوصفين الإسلام والحرية، فأما الإسلام فيقتل المسلم بالمسلم، ويقتل الكافر بالكافر، سواء اتفقت أديانهما أو اختلفت، ويُقْتَل الكافر بالمسلم، ولا يُقْتَل المسلم بالكافر إلاَّ إن قُتِلَ الذمي قَتْلَ غِيلة. وأما الحرية فيُقْتَل الحر بالحر، ويُقتل العبد بالعبد، ولا يُقْتَل الحر بالعبد، ولكن يغرم قيمته ما بلغت، وإذا قتل العبد حُرًا فيسلمه سيده لأولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا أحيوه، فإن اختاروا إحياءه فسيده بالخيار إن شاء تركه يكون عَبْدًا لهم، وإن شاء افتكَّه منهم بدية المقتول اهـ بحذف.
قال رحمه الله تعالى: "والكفار أكفاء وإن اختلفت مللهم" يعني أن الكفار أكفاء بعضهم ببعض من كتابي يهودي أو نصراني حربي أو ذمَّي أو مؤمَّن فيُقْتَل اليهودي بالنصراني وبالمجوسي، وعكسه، والمؤمن بالذمي وعسكه.
قال رحمه الله تعالى مشبهًا في قتل البعض بالبعض بقوله: "كالأرقاء وإن تبعض أو كان فيه عقد حرية" يعني أن الأرقاء أكفاء بعضهم لبعض. قال الخرشي: فيقتص لبعضهم من بعض ولو كان بعضهم فيه شائبة حرية، ولا يقتص لهم من الحر المسلم لتقصهم عنه بالحرية اهـ انظر الحطاب.
قال رحمه الله تعالى: "ولا يسقط بإسلامه أو عتقه" يعني إذا وجب القصاص على الكافر ثم قبل القصاص أسلم فلا يسقط إسلامه ما وجب عليه من القصاص، وكذلك العبد إذا عُتِقَ بعد وجوب القِصاص عليه، فالعَتْقُ لا يُسْقِطُ عنه ذلك. قال النفراوي: لم يتكلم المصنَّ على حُكْم ما لو كان القاتل مكافئًا للمقتول حين القتل ثم زالت المساواة قبل
стр. 1020
القِصاص، وأشار إليه خليل بقوله: ولا
يسقط القتل عند المساواة بزوالها يعتق أو إسلام، فإذا قتل كافر كافرصا ثم أسلم الكافر القاتل، أو عبد عبدًا ثم عُتِقَ القاتل فإنه يُقْتَل في الصورتين، لأن الشرط المساواة عند القتل وقد وجدت اهـ.
قال رحمه الله تعالى: "ولا بمشاركة من لا يُقاد منه ويلزم به نصف الدية" يعني أنه لا يسقط القصاص عن شريك الصبي الذي لا قود عليه. قال خليل: وعلى شريك الصبي القصاص إنتمالاً على قتله. قال الموّاق من المدونة: إن قَتَلَ رجل صبي رجلاً عَمْدًا قُتِلَ الرجل، وعلى عاقله الصبي نِصْف الدية. قال ابن يونس: يريد إذا تعمدًا جميعًا قتله وتعاونًا عليه عليه اهـ. ولا قصاص على المخطئ، وعليه الدية، وإذا اشترك المخطئ والمجنون في قتل الرجل فنصف الدية في مال المخطئ، ونصفها على عاقلة المجنون. قال ابن الموّاز: وإن قَتَلَ رجلان رجلاً أحدهما عَمْدًا والآخر خطأ قُتل المعتمد، وعلى المخطئ نصف الدية اهـ. ومثله لابن جزي.
قال رحمه الله تعالى: "أو التجائه إلى الحرم" يعني لا يسقط القصاص عن الجاني بدخوله الحرم ملتجئًا، سواء في الحرم المكي أو المدني، ولو أحرم بحج أو عمرة فلا يؤخر لتمامه، بل تقام الحدود في الحرم، فيُقْتَل قاتل النفس في الحَرَم سواء حصل السبب فيه أو خارجه ولجأ إليه اهـ. قاله في جواهر الإكليل. وعبارة الخرشي عند قول خليل لا بدخول الحرم:" يعني وإذا لزم الجاني قصاص في نفس أو جرح ثم دخل الحَرَم فإنه لا يؤخر لأجل ذلك ويُقاوم عليه الحد في الحَرَ؛ لأنه أحق أن تُقام فيه حدود الله تعالى، فلو كان محرمًا بحج أو عمرة فإنه لا ينتظر إلى فراغ نُسُكِه، بل يُقْتَصُّ منه قبل فراغه، ونُبْهَ بذلك على خلاف أبي حنيفة القائل بأن القاتل إذا التجأ إلى الحَرَم فإنه لا يُقْتَل فيه، بل يضيق علهي فإذا خرج منه اقتُصَّ منه. والمراج بالحَرَم المحدَّد في باب الحج لا خصوص المسجد؛ لأن الأئمة حملوا قوله تعالى: "وَمَن دَخَلَهُ كَاَن ءامِنًا" [آل عمران: ٩٧] على ما يحرم فيه الاصطياد اهـ.
следующие страницы →