← Фикх малики

Фикх малики · id 17682

أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»

الكشناوي، أبو بكر

Полный текст (1 296 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ما بعد مأخوذه بشرطين: عدم حضوره للبيع وعدم علمه به، فإن حضر ذلك أو علم لا يأخذ إلا الأخيرة كما في الخرشي، قال الصاوي في حاشيته على الدردير: حاصله أن محل كون الشفيع يأخذ بأي بيع شاء إذا تعددت البياعات إذا لم يَعْلَم بتعددِها، أو عَلِمَ وهو غائب. وأمَّا إذا عَلِمَ بها وكان حاضرًا فإنَّما يأخذ بالأخير؛ لأن سكوته مع عِلْمِه بتعدُّد البيع دليل على رضاه بشركة ما عدا الأخير، لكن يفوز المشتري بالغَلّة كالكِراء اهـ. بتوضيح. ومثله في الدردير. قال خليل: ويأخذ بأي بَيْعٍ شاء وعُهْدَتُه عليه، ونَقَضَ ما بعده وله غَلَّته. قال شارحه: يعني أن [٣/ ٣٣/] البيع إذا تكرر في الشقص فإن الشفيع يأخذ بأي بَيْع شاء وعُهْدَتُه وهي ضمان الشقص من العيب والاستحقاق على مَنْ أخذ بِبيْعِهِ من المشترين، ويدفع الثمن لِمَنْ بيَده الشقص، فغ، اتفق الثمان فلا إشكال، وإن اختلفا فإن كان الأول أكثر كما إذا كان عشرين مثلاً والأخيرة عشرة فإن أخذ بالأول دَفَعَ للأخير عشرة ويدفع العشرة الأخرى للأول، وإن كان بالعكس دفع له عشرة ويجرع على بائعه اهـ الخرشي بحذف. قوله: وينزل الوارث منزلة موروثه، يعني إذا مات الموروث نزل وارثه منزلته في الأخْذِ بالشُّفْعة أن التَّرْك، أو دَفْعِها للشفيع أو غير ذلك من الحقوق، إلاَّ ما استُثْنِيَ من ذلك في بعض الأحوال فلا يكون الوارث بمنزلة الموروث فتأمَّل. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَالْعُهْدَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَيَرْجِعُ فِي الاسْتِحْقَاقِ عَلَيْهِ" يعني كما في الرسالة، ونصُّها: وعُهْدَةُ الشفيع على المشتري. والمعنى أن الشَّقْص إذا استحقَّ من يَدِ الشفيع، أو ظهر به عيب يوجب الرَّدَ، فإنه يرجع بثمنه على المشتري كما يردُّه بالعيب عليه، كمشتري سِلْعة لم يعْلَم صِحّة مِلكِ بائعها فتستحقُّ منه، فإنه يرجع بثمنها على بائعها ويردُّها عليه بالعيب الذي لم يَعْلَم به حين الشراء، فالمراد بالعُهْدَة رجوع الشفيع على المشتري بالثمن عند الردّّ بالعيب ودَرْكِ الاستحقاق، أي لُحُوقِهِ؛ لأن الدَّرْك هو اللحوق، اهـ. النفراوي باختصار.

стр. 947

قال رحمه الله تعالى: "وَتَسْقُطُ بإِسْقَاطِهَا بَعْدَ استِحْقَاقِهَا لاَ قَبْلَهُ وَبِشِرَائِهِ واسْتئْجاره لا بِشَهَادَتِهِ فِي الْعَقْدِ وعالإِقَالَةِ وَبَيْع الشَّقْصِ المُسْتَشْفَع بِهِ بَعْدَ ثُبُتِهَا" هذا شروع فميا تسقط به الشفعة، وذكر بعض ما لا تسقط به الذي يُظَنُّ به الإسقاط، من ذلك أن الشُّفْعة تسقط بإسقاطها، وبشراء الشقْص المشفوع فيه واستئجاره، وبتنازعهما في سَبْقِ المِلْك، كادَّعاء كلَّ استحقاق الشُّفْعة ولم يكن لأحدهما بيَنة، وحلفًا معًا أو نَكلا إلاَّ أَن أن يحْلِفَ أحدهما مع نكول الآخر فالقول للحالف وله الشُّفْعة، ومن ذلك طلب المقاسمة ولو لم يَقْسِمْ بالفعل، وإذا طلب الشفيع المقاسمة من المشتري سقطت شُفْعَتُه، وأحرى إذا قسم بالفعل. قال خليل: وسقطت إن قَاسَمَ أو اشترى أو ساوَمَ أو ساقى أو استأجر أو باع حصَّته أو سكت بهدم أو بناء، أو شهرَيْن إن حضر العقد وإلاَّ سنة لا أقل، ولو حضر وكتب شهادة على الأرجح اهـ. بتوضيح من الدردير. تنبيه: وقول خليل: إن حضر العقد وإلاَّ سنة قال الموّاق: انظر هذه العبارة ما ما يتقرر من المدوَّنة. قال مالك: الشفيع على شُفْعَتِه حتى يترك أو يأتي من طول الزمان ما يُعْلَم أنه تارك لشُفْعَتِه، وإذا عَلِم بالشراء فلم يطلب شُفْعضتَه سنة فلا يقطع ذلك شُفْعَتَه، وإن كان قد كتب شهادته في الشراء، ولم يَرَ مالك التسعة الأشهر ولا السنة بكثير إن تباعد هكذا يحْلِفُ ما كان وقوفه تَرْكًا لشُفْعَتِه. قال ابن المواز عن مالك: يَخْلِف في خمسة أشهر فأكثر، ولا يَحِلُّ في شهرَيْن. وأمَّا إذا حضر الشراء وكَتَبَ شهادته ثم قام بعد عشرة أيام فأشدّ ما عليه أن يَحْلِفَ ما كان ذلك منه تَرْكًا لشُفْعَتِه ويأخذها. قال مالك: إذا جاوز السنة بما يعد تاركًا فلا شُفْعَة له انتهى نصُّ ابن يونس، نَقَلَه الموّاق، انظر بقية المسقطات للشُّفْعة وغير المسقطات في شراح خليل وغيرها. قال رحمه الله تعالى: "وَالصَّحِيحُ أنَّ الْحَاضِرَ عَلَى شُفْعَتِهِ إِلى سَنَةٍ والمُشْتَرِي مُرَافَعَتُهُ لِيَأْخُذ أَوْ يَتْرُكَ" يعني أن الحاضر الساكت على شُفْعَتِهِ على الصحيح من

стр. 948

الأقوال إلى تمام السنة بعد العِلْم. قال الصاوي: قال في الأصل والمعوَّل عليه وهو مذهب المدوَّنة أنها أي الشُّفْعة لا ستقط إلاَّ بمضيَّ سنة وما قاربها كشَهْرٍ بعدها مطلقًا ولو كتب شهادته في الوثيقة اهـ. قال في الرسالة: ولا شُفْعَة للحاضر بعد السنة اهـ. قال مالك في الموطأ: ومَن اشترى أرضًا فيها شُفْعَة لناس حضور فليرفعهم إلى السلطان فإمّا أن يستحقّوا وإمَّا أن يسلم له السلطان، فإن تَرَكَهُم فلَمْ يَرْفَعْ أمْرَهُم إلى السلطان وقد عَلِموا باشترائه فتركوا ذلك حتى طال زمانه ثم جاؤوا يطلبون شُفْعَتَهم فلا أرى ذلك لهم اهز قال الزرقاني في شرحه على الموطأ: والطول بسنة وما قاربها كما في المدوَّنة. وفي أنه الشهر والشهران أو ثلاثة أشهر أو أربعة خِلاف واللَّه أعْلَم اهـ. قد عَلِمْتَ ممَّ تقدَّم أن الرفع إلى السلطان إنَّما يكون قبل تمام السنة، وأمَّا بعدها فليس له قيام بذلك إلاَّ ما قَرُبَ منها كشَهْر كما هو المنصوص. قال رحمه الله تعالى: "وَالْغَائِبُ عَلَى شُفْعَتِهِ حتَّى يُعْلَمَ تَرْكُهُ وَإِنْ طَال" يعني أن الغائب على شُفْعَتِه حتى يَعْلَمَ أنه ترك الأخذ وإن طالت غيبته كما تقدَّم الكلام فيه عند قوله: وإذا قَدِم غائب فَلَهُ الأخْذُ فراجِعْه إن شئت. قال رحمه الله تعالى: "وَلَه أَخْذُ الْغَرسِ والْبِنَاءِ بِقيمَتِهِ قَائمًا" يعني أن الغائب إذا رجع من سفره فوجد شريكه قد باع الشَّقْص المشترك فيه وغرس فيه المشتري غَرْسًا أو بنى عليه بناء وثبتت شُفْعَتُه فإنه يأخذ ذلك الغَرْس أو البنا بقيمته قائمًا. قال الخرشي: يعني أن المشتري إذا هدم الشَّقْص وبناه ثم قام الشفيع فإنه يأخذه بالشُّفْعة بقيمة البناء قائمًا يوم الأخذ بالشفعة؛ لأن المبتاع هو الذي أحدث البناء وهو غير متعدَّ به، والأخذ بالشُّفْعة كالشتراء، ويدفع أيضًا للمشتري ما يخصُ العَرْصَة من الثمن الذي دفعه المشتري للبائع، وبوضع عن الشفيع ما يقابل النُّقض من الثمن يوم الشراء، بأن يقال: ما قيمة العَرْصَة بال بناء؟ وما قيمة النقض مهدومًا؟ ويفضُّ الثمن عليهما، فما قابل العَرْصَة من ذلك فإنه يدفعه

стр. 949

للمشتري، وما قابل النقض من ذلك فإنه يحطُّ عنه، فإ، لم يفعل ذلك فلا شُفْعة له اهـ باختصار. وأصله في المدوَّنة. ولمَّا أنهى الكلام على ما يتعلَّق بالشُّفْعة وأحكامها انتقل يتكلم على القسمة وأحكامها فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في القسمة أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام القسمة. وهي لغة: تمييز الأنصباء، وعُرْفًا: تعيين نصيب كل شريك في مشاع ولو باختصاص تصرّف. قال ابن عرفة: هي اختصاص كل شريك بمشترك فيه عن شريكه زمنًا معيَّنًا من متَّحِد أو متعدَّد، ويجوز في نفس منفعته لا في غَلَّته. فتلخَّص أن القسمة إمَّا قرعة، أو مهايأة، أو مراضاة، وإلى ذلك أشار رحمه الله تعالى بقوله: "الْقِسْمَةُ ثَلاَثَةُ أَضْرُبٍ: مُهَايأةٌ وَهِيَ اخْتِصَاصُ كُلَّ بِمَنْفَعَةٍ مَعَ بَقَاءِ الرقَاب مُشْتَرِكَةً" يعني أن القسمة على ثلاثة أقسام: الأول المهايأة، قال النفراوي: والمهايأة بالمثناة التحتية أو النون أو الباء الموحدة كالإجارة؛ لأنها إنما تكون في المنافع كعَبْدٍ يخدم أحدهما زيدًا والآخر عَمْرًا على طريق ابن الحاجب. وأمَّا ابن عرفة فشَرَط في صِحَّتها تعيين الزمن، فلا يجوز عند أن يتفقا على أن كل واحد يستخدم عَبْدًا أو يسكن دارًا من غير تحديد بمدّة اهـ. وعبارة الدردير في اقرب المسالك أنه قال: وهي اختصاص كل شريك على شريكه بمنفعة متَّحد أو متعدَّد في زمن، كخدمة عَبْدٍ وركوب دابة ولو كشَهْر، وسُكنى دار، وزرع أرض ولو سنين، ولزمت كالإجارة، لا غَلّة وإن يومًا اهـ. قال رحمه اللَّه تعالى: "الثَّانِي بَيْعٌ وَهِيَ رِضَا كُلٍّ بموضِع مُقَابِلٍ لِمَا يَأْخُذُهُ الآخَرُ" يعني الثاني من أقسام القسمة المراضاة، قال الدردير عاطفًا على مهايأة: ومراضاة

стр. 950

فكالبيع اتحد الجنس أو اختلف، فتجوز صوف على ظهر إن جُزَّ بقرب أي دخلوا على جَزَّه بقرب كنِصْفِ شَهْر، وجاز أخْذُ أحدهما عَرْضًا وأخر دَيْنصا وأخْذُه قطنية كفول والآخر قمحًا أي جاز ذلك كما يجوز خياره كالبيع وأخَذَ كلُّ واحد مزدوجَيْن كخُفًّ ونعل للرضى والتسامح اهـ. بتوضيح قال الحطاب: هذا هو القسم الثاني من أقسام القسمة وهي قسمة المراضاة، وبعضهم يسمَّميها قسمة بَيْع. قال ابن عرفة: وهي أخْذُ بعضهم بعض ما بينهم على أخْذِ كل واحد منهم ما يعدله بتراض مِلْكًا للجميع. وهو على قسمَيْن بعد تقويم وتعديل. قال في معين الحكام وغيره واللفظ للمعين: فهذه لا يقضي بها مَنْ أباها، ويُجْمَعُ فيها بين حظَّين في القِسْم، وبين الأجناس والأصناف والمَكِيل والموزون، خَشْيشَ ما يدَّخر من الطعام ممَّا لا يجوز فيه التفاضل، ويُقام فيها بالغُبْن إذا ظهر. والأظهر أنها بَيْعٌ من البيوع. وقسمة المراضاة بلا تعديل ولا تقويم حُكْمُها حُكْمُ التي بعد التعديل والتقويم إلاَّ في القيام بالغُبْن، وهي بَيع من البيوع بَلا خِلاف اهـ. ونحوه ابن جزي انظر الموّاق. قال رحمه الله تعالى: "الثَّلِثُ قِسْمَةُ تَعْدِيل" أي وتقويم، وتسمّى أيضًا قسمة قُرعة لِمَا فيها من القُرعة بين أهل السهام في الشيئ المرغوب فيه إذا انفرد. قال رحمه اللَّه تعالى: "فَيَضُمُّ مَا تُقارَبَتْ مَنَافِعُهُ وَالرَّغَبَاتُ فِيهِ إِلاَّ أَنْ لاَ يُمْكِن قِسْمَةُ كلَّ مَوْضِع عَلَى حِيَالٍ يُعدَّلُ بِالْقِيمَةِ عَلَى اَقَل السَّهَام وَيُسْهَمُ عَلَيْهِ" هذا شروع في صفة قسمة القُرعة. قال في الرسالة: وقسم القرعة لاَ يكون إلا في صنف واحد. قال شارحها: لأنها ليست بَيْعًا على المشهور بل تمييز حق، فلا تكون إلاَّ فيما تماثل أو تجانس ولا يُجْمَعُ فيها حظُّ اثنَيْن وتُرَدُّ بالغُبْن، ولذلك لا بدَّ فيها من التعديل والتقويم، ويُجْبَر عليها مَنْ أباها. واختَلَفَ أهل المذهب في دخولها المِثْليات، وهي المَكِيلت والموزونات والمعدودات المتفقة الصفة على قولَيْن، الذي أفتى به الشبيبي وعليه ابن رشد عدم جواز القُرعة فيها، وإنَّما تُقْسَمُ كَيْلاً أو وَزْنًا (قُلْتُ وعليه مصنَّفًا) والذي أفتى به ابن عرفة

стр. 951

وعزاه للباجي الجواز، كالمقوَّمت. ثم اعلم أن المشترك فيه إن كان عقاراً أو غيره من أنواع الحيوان أو العروض فلابدَّ فيه من التقويم، ولا ينظر إلى مساحته إن كان عقارًا، ولا عدده لأن كان عَرْضًا أو حيوانًا، قال خليل: وقُسِمَ العقار وغيره بالقيمة، وأُفْرِدَ كل نوع من أنواع المقسوم، فلا تُجْمَعُ الدور مع الحوائط، ولا أنواع الثمار إلى بعضها، بل كل نوع يُقْسَمُ على حِدَتِه إن احتمل القِسْم، وأمَّا عند عدم الإمكان ففي الثمار يَضَمُّ ما لا يحتمل إلى غيره، وفي نحو العقار والحيوان يُباع ما لا يمكن قسمه من الأنواع ويُقْسَمُ ثمنه ولا يَضَمُّ إلى غيره. والفرق بين العقار والحيوان وأنواع الثمار أن العقار والحيوان تقصد ذاته، فلابدَّ من بَيْعِ ما لا يحتمل قِسْمُه على انفراده بخِلاف الثمار اهـ قاله النفراوي في الفواكه. ثم ذكر رحمه الله تعالى كيفيات القِسْم بالقُرعة فقال: "تُكْتَبُ أَسْمَاؤُهُمْ وَتُجْعَلُ في بَنَادِقَ، فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ عَلَى سَهْمٍ أَخَذَ وَمَا يَلِيهِ إِلى مُنْتَهَى حَقه، فَإِنْ طَلَبَ أَهْلُ حيَّز جَمْعَ سِهَامِهِمْ جُمِعُتْ" يعني كما قال النفراوي في صفة القُرعةن، وهي أن يعدّل المقسوم ويجزَّ على حَسَبَ أدقَّهم نصيبًا، فإذا كانت دار لثلاثة لأحدهم سُدُسُها، ولآخر نِصْفُها فإنها تعمل ستة أجزاء، ثم تُكْتَبُ أسماء الشركاء في ثلاث أوراق وتوضع في شمع أو طين، تُرْمى واحدة على سهم مطرف وتُفْتَح، فإذا ظهرت لصاحب النَّصْفِ أخَذَ ما وقعت علهي وما يليه، ثم تُرْمى أخرى وتُفْتَح فإذا ظهرت لصاحب السُّدْسِ اقتصر عليه وهكذا (قلت ولم يذكر صاحب الثُّلُث اكتفاء بذكر صاحب النَّصْلإ والسُّدْس) وعبارة الصاوي في هذه الصفة بعينها أنه قال: حاصل ذلك أن القاسم يعدل المقسوم من دار أو غيرها بالقيمة بعد تجزئته على قدر مقام أقلهم جزءًا فإذا كان لأحدهم نِصْفُ دار وللآخر ثُلُثُها وللآخر سُدُسُها فتجعل ستة أجزاء متساوية القيمة، ويُكْتَبُ أسماء الشركاء في ثلاث أوراق كل اسم في ورقة، وتُجْعَل في كشَمْعِ، ثم يُرْمى بواحدة على طرف قسم

стр. 952

معيَّن من طرفَي المقسوم، ثم يكمل لصاحبها ممَّا يلي ما رُميَتْ عليه إن بقى له شيئ، ثم يُرْمى الآخر على أوَّله ما بقي ممَّا يلي حِصّة الأول، ثم يكمل له ممَّا يلي ما وقعت عليه ثم يتعيَّن الباقي للثالث، فكل واحد يأخذ جميع نصيبه متصلاً بعضه ببعض، وتبيَّن أن رَمْيَ الورقة الأخيرة غير محتاج إليه في تمييز نصيب مَنْ هي له لحصول التمييز بِرَمْي ما قبلها، فكتابتها إنَّما هي لاحتمال أنتقع أوَّلأن إذ لا يُعْلَم أنها الأخيرة إلاَّ بعد. فتأمَّل اهـ. وللقُرعة صفة أخرى: أن تكْتَبَ أسماء الجهات في أوراق بعدد الأجزاء ويُعطى لصاحب السُّدْس ورقة، ولصاحب النَّصْف ثلاث، ولصاحب الثُّلُث اثنتان، وفي هذه قد تحصل التفرقة في نصيب صاحب النَّصْف والثُّلُث. قال خليل مشيرًا لهاتَيْن الصَّفَتَيْن: وكَتَبَ الشركاء ثم رَمَى أو كَتَبَ المقسوم وأعْطَى كلاً لكلّ اهـ. قال الخرشي: وهناك صفة ثالثة وهو أن القاسم يكتب أسماء الشركاء ويجعلها تحت ساتر على حِدَة، ثم يكتب أسماء الجهات، ويجعلها أيضًا تحت ساتر آخر على حِدَة، ثم يأخذ واحداً من أسماء الشركاء وواحدًا من أسماء الجهات فَمَنْ ظهر اسمه في جهة أخَذَ حظَّه في تلك الجهة اهـ. وفي أخرى قِيل تُكْتَبُ الأسماء والجهات ثم تُخْرَج أوَّل بندقة من الأسماء أوَّله بندقة من الجهات، فيُعْطَى مَنْ خرج اسمه نصيبه في تلك الجهة اهـ نَقَلَه الموّاق عن ابن شاس. وفي حاشية الصاوي نضشقْلاص عن البناني ما حاصله أنه إذا كَتَبَ الشركاء في أوراق بعددهم إمَّا أن يرمي أسماؤهم التي كتَبَهَا على أجزاء المقسوم، أو يقوم مقام رمي أسماء الشركاء على الأجزاء وكمل لصاحبه ممَّا يلي إن بقي له شيئ كالعمل الأوّل سواء بلا تفريق ولا إعادة قِسْم اهـ. فروع: الأول: اعلَم أن الذي يعدل المقسوم هو القاسم، ويكفي الواحد بخِلاف المقسوم، الثاني: يجوز للقاسم أخْذُ الأجْة على القِسْم إن كانت من بيت المال أو من الشركاء الرشداء. قال خليل: وجاز ارتزاقه من بيت المال. وعبارة الدردير:

стр. 953

وأجْرُه بالعدد وكُرِهَ أي أخْذُه، ومُنِعَ إن رُزِقَ عليه في بيت المال، ومفهومه فإن لم يُرْزَق عليه من بيت المال جاز له الأخذ من الشركاء إن كانوا كبارًا بل وإن كانوا صغارًا أو طلبوا ذلك، انظر حاشية الصاويى عليه. الثالث: الأجرة المذكورة على قدر الأنصباء لا على الرؤوس اهـ. النفراوي هذا خِلاف ما لابن جزي ونصَّه في القِسْمَة. الفرع الثاني: أجْرة القسَّام على عدد الرؤوس لا على مقدار السهام، وكذلك أجْرة كاتب الوثيقة، وكذلك أجْرة كَنْسِ مراحيض الديار أهـ انظر الموّاق تَقِف على قول الباجي في أصل الاختلاف، وتوجيهه عند قول خليل وأجْرة بالعدد. قال رحمه الله تعالى: "وَمَنْ أَبَى قِسْمَةَ مَا لاَ ضَرَرَ فِي قِسْمَتِهِ أُجْبِرَ، وَفي قِسْمَةِ مَا تَبْطُلُ مَنْفعَتُهُ رِوَايَتَانِ" قال ابن جزير: إن كل الشيئ المشترك ممَّا يحتمل القسمة بلا ضرر كالأرضين وغيرهما، فأراد أحد الوَرَثَة القسمة وأباها بعضهم أجُبِرَ مَنْ أبى على القسمة، وإن كان ممَّ لا يُقْسَمُ أجْبِرَ على بَيْعِ حظه ثم يقتسمون الثمن، واختُلِفَ فيما تتغير صِفَتُه بالقسمة كالحمَّام هل يقْسَم أوَ يُبَاع. فالجواب كما في المدوَّنة يُنْظَر فيه إلى المضرّة ونقصان الثمن، فإن كا فيه نقصان الثمن ومضرّة على أحدهما فلا يُقْسَم إلاّض أن يجتمعا. ثم اعلَم أن الشيئ الذي يفسد بالقشِسْم كالعَبْدِ والفَّ لا يجوز قِسْمُه لا قُرعة ولا مراضاة، وما تنقص قيمته بِقِسْم ذاته كالمصراعين والخفَّيْن والسفرَيْن فإنَّما يمتنع قسمته قُرعة لا مراضاة، وأمَّا قسمة جميع ما ذكر مهايأة فتجوز لانتفاء الضرر، قاله النفراوي اهـ. قال رحمه الله تعالى: "فَإِنْ طَلَبَ بَعْضُهُمْ الْبَيْعَ أُجْبِرَ مَنْ أَبَاهُ كَالشُّرَكَاءِ في العَبْدِ وَالسَّفِينَةِ وَالْحَيَوَانِ" يعني كما في الرسالة وما انسم بلا ضررٍ قُسَّمَ من ربع وعقار، وما لم ينقسم بغير ضَرَر، فَمَنْ دعا إلى البيع أجْبِرَ علهي مَنْ أباه. قال الدردير: وأججْبِرَ على البيع مَنْ أباه فيما لا ينقسممن عقار وغيره إن نقصت حِصّة شريكة مفردة، ولا يلزم النقص ولم تملك منفردة، ولم يكن الكلّ للغَلّة كرُبْع غَلّة وحانوت، ولا للتجارة. قال

стр. 954

النفراوي: والحاصل أن البيع لا يجبر عليه الشريك فيما لا ينقسم إلاَّ بشروط أحدها أن يكون غير متخذ للغلة ولا للتجارة، وأن يكون اشترى جملة لا مفرقًا، وأن لا يلتزم الآبي النقص للطالب للبيع اهـ. فقال خليل: وإن دعا إليه أحدهم قال ابن القاسم في المدونة: إذا دعا أحد الشركاء إلى قِسْمِ ما يُقْسَم من رُبْع أو حيوان أو رقيق أو عروض أو غيرها، وشركتهم بإرث أو شراءَ أو غيره أُجْبِرَ على القِسْم مَنْ أباه، انظر ما اشترى للتجارة. قال اللخمي: لا يُقْسَم، وكذلك لو اشترى أحدهما جزءًا والآخر كذلك، أو بعضهم بعد بعض لم يُخْبَرْ منهم على البيع مع صاحبه. وقد ذهب ابن رشد إلى هذا في رباع الغلات أن الشريك فيها لا يُجْبَر على مقاومات وعلى على بَيْع اهـ نَقَلَه الموّاق. قال رحمه الله تعالى: "وَمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ يُقْسَمُ كَيْلاً أَوْ وزْنًا، وَتُقْسَمُ العُرُوضَ أَثْمَاناً إلاّ أن يتراضوا عَلَ غَيْر ذلِك" يعني أنه يجب قِسْمُ ما يُكال بالمكيال الشرعي، وما يوزن بالميزان الشرعي خيفة أن يدخل في ذلك التفاضل في المطعومات وغيرها مما لا يجوز التفاضل فيه من جنس واحد كما في البيوع، وكذلك يجب قسم العروض أثمانًا إلاَّ أن يتراضوا بينهم على قسمها بغير بيضع فيجوز لهم ذلك إذا كانوا كبارًا رشداء، وإلا أن وجب البيع واقتسام أثمانها. وتقدَّم أن نحو العقار والحيوان يباع ما لاي مكن قسمه من الأنواع، ويقسم ثمنه ولا يضم إلى غيره، كما قال خليل: وقُسِمَ العقارُ وغيره بالقيمة. قال الخرشي: يعني أن العقار وما أشبهه من المقومات يُقْسَمُ بالقيمة لا بالعدد ولا بالمساحة، وسواء اختلف البنيان أو اتفق، وسواء اتفق الغرس أو اختلف إذ لا يُعْرَف تساويه إلاَّ بمعرفة قيمته، فلا بدَّ من التقويم، وأمَّا ما يُكال أو يوزَن واتفقت صفته فإنه يُقْسَم كَيْلاً أو وزْنًا كما عند ابن رشد وفتوى الشبيبي وفتوى ابن عرفة وغزوه للباجي أن المِثليات كالمقوَّمات اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وَتَنْتَقِضُ لِطُرُوَّ وَارثٍ أَوْ دَيْن، إلاَّ أنَنْ يَلْتَزِمُوا وَفَاءَهُ، أَوْ يَرْضى الوَارثُ بِمُشَارَكَتِهِمْ، أَوْ تَكُونَ التَّرِكَةُ عَيْنًا فَيَرْجِعُ عَلَى كُلًّ بِقِسْطِهِ

стр. 955

وَاللَّهُ أَعْلَمُ" يعني إذا قسمت الوَرَثَة التركةَ ثم طرأ عليها وارث آخر أو دَيْن انتقض القِسْمُ لحقَّ الوارث الذي طرأ أو لحقَّ الغريم. قال ابن جزي: الفرع الثالث إذا طرأ دَيْنٌ على التركة بعد قسمة التركة انفسخت القِسْمَة.؟ وقال سحنون لا تنفسخ، ولكن صاحب الدَّيْن يأخذ من كل وارث قدر حصّته اهـ قلت ويؤيد قول سحنون ما في الخرشي كما هو في المدونة من أنه إذا دفع جميع الورثة للغريم ماله من الد ... ين فإن القِسْمة تمضي إذ ليس له حقٌّ إلاَّ في ذلك. فإن امتنعوا أو بعضُهم فُسِخَتْ حينئذٍ؛ لأن الدَّيْن مقدَّم على الميراث فلا مِلْكَ للوَرَثَة إلاَّ بعد أدائه اهـ باختصار. قال الموّاق عند قول خليل: وإن طرأ غريم أو وارث إلخ أمَّا مسألة طُرُوَّ الغريم أو الوارث أو المُوصَي له على مِثْلِه، فقال ابن رشد: المسألة الأولى من الإحدى عشرة مسألة طُرُودَّ الغريم على الغرماء، الثانية طُرُوّ الوارث على الوَرَثة، الثالثة طُرُوّ المُصَى له على المُوصِي له، حُكْمُ هذه المسائل الثلاث سواء وهو أن يتبع الطارئ كل واحد منهم بِما ينوبه ولا يأخذ افلملئ منهم بالمُعْدِم، فإن وجد بأيديهم ما قبضوا قائمًا لم يفت أُخِذَ من كل واحد منهم ما يجب ولم تُنقض القسمة إن كان ذلك مَكِيلاً أو موزونًا، وإن كان ذلك عُروضًا أو حيوانًا انتقضت القِسْمَة لِما يدخل عليه من الضَّرَر في تبعيض حقَّه. واختُلِفَ هل يضمن كل واحد منهم للطارئ ما ينوبهممَّا قَبَضَ إن قامت له بيَّنة على هلاكه من غير سببه، راجع المقدَّمات معما تقدَّم عند قول خليل أو ثُلُث خُيِّر لأربع. وأمَّا مسألة طُرُوَّ المُوصَى له بجزء على وارث فقال ابن رشد: المسألة التاسعة طُرُوّ المُصَى له بجزء على الوَرَثَة، ذهب ابن القاسم إلى أن ذلك بمنزلة طُرُوَّ الوارث على الوَرَثة اهـ. واللَّه أعلَم. ولمَّا أنهى الكلام على ما يتعلَّ بالقِسْمة وأحكامها انتقل يتكلم على المسائل التي تتعلق بأحكام إحياء الأرض الموات والارتفاق، وما يتعلَّ بأحكام الغصب والمغصوب، وحُكْم الاستحقاق فقال رحمه اللَّه تعالى:

стр. 956

كتاب الإحياء والارتفاق والغصب والاستحقاق أي في بيان ما يتعلَّق بأحكام إحياء الأرض الموات وما عطف عليها ممَّا ستقف عليه إن شاء اللَّه مفصَّلاً في مواضعه: وبدأ بالكلام على الإحياء كما صدر به اهتمامًا بشأنه، فقال رحمه اللَّه تعالى: "مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا غَيْرَ مُمْلُوكَةٍ فَهُوَ لَهُ، فَإِن عَادَ دَاثِرًا فَلِغَيْرِهِ إِحْيَاؤُهُ" يعني من عَمَّر الأرض الموات فهي مِلْكٌ له، والمَوات بفتح الميم، وهي الأرض لغا مالك لها ولا يُنْتَفَع بها، والأصل في ذلك قوله ﷺ : "مَنْ أحيا أرضًا مَيِتًّ فهي له وليس بِعرقٍ ظالم حَقٌّ" قال مالك والعِرقُ الظالِمُ ما احتفر أَو أُخِذ أو غُرِسَ بغير حقًّ اهـ. الموطَّأ. قال الدردير في أقرب المسالك: إحياء الموات، مضواتُ الأرض ما سَلِمَ من اختصاص بإحياء، ومَلَكها به ولو اندرست إلاَّ لإحياءٍ من غيره بعد طول، والطول بالعُرْف بأن يرى أن من أحياها أوّلاًّ قد أعرض عنها فإنها تكون للثاني، ولا كلام للأوَّل بخلاف إحيائها بقرب، لكن إن عمَّرها الثاني جاهلاً بالأوّل فَلَهُ قيمة عمارته قائمًا للشبهة، وإن كان عالِمًا فَلَه قيمتها منقوضًا، وهذا ما لم يسكت الأوّل بعد عِلمِه بالثاني بِلا عُذر، وإلاَّ كان سكوته وهو حاضر بلا عُذْر دليلاً على تَرْكِها له. وقولنا بعد طول، هذا هو المعتمد، وقيل تكون للثاني ولو لم يطل وهو ظاهر قول ابن القاسم، وعليه درج الشيخ أي سيدي خليل. وقيل لا تكون للثاني أبدًا بل هي لِمَنْ أحياها ولو طال الزمن قياسًا على مَنْ مَلِكَها بشراء أو إرْث أو هِبَة أو صَدَقة فاندرست، فإنها لا تخرج عن مِلْكِه لا كلام لِمَنْ أحياها ثانيًا اتفاقًا، إِلاَّ لحيازة بشروطها كما يأتي اهـ. قال رحمه اللَّه تعالى: "وَيَقِفُ مَا قَارَبَ الْعِمَارَةَ عَلَى إِذْنِ الإِمَامِ" يعني كما قال مالك في المدوَّنة: ولا يكون له أن يحيي ما قَرُبَ من العمران: وإنَّما تفسير الحديث مَنْ أحيا

стр. 957

أرضاً مواتًا إنَّما ذلك في الصحاري والبراري، وأمَّا ما قَرُبَ من العمران ما يتشاحّ الناس فيه فإن ذلك لا يكون له أن يُحْيِيَه إلاَّ بقطيعة من الإمام اهـ. قال ابن جزي فإن كانت قريبة من العمران افتقر إحياؤها إلى إذْن الإمام، بخلاف البعيدة من العمران اهـ. وفي الدردير: وافتقر إن قَرُبَ لإذْنٍ، وإلاَّ فللإمام إمضاؤُه وجعلَهُ متعديَّا، بخلاف البعيد ولو ذَمِيًّا بغير جزيرة العرب، أي يفتقر الإحياء إلى إذنْ الإمام إن كان قريبًا من العمران بأ، كان حريم بلد. قال الحطاب: والقريب هو حريم العمارة ممَّا يلحقونه غدوًا ورواحًا. قال ابن رشد: وحدُّ البعيد من العمران ما لم يَنْتَهِ إليه مسرح العمران واحتطاب المحتطبين إذا رجعوا إلى المبيت في مواضعهم، فإذا كانت قريبة وأحياها بغير إذْنٍ من الإمام فللإمام ردُّه وله إمضاؤه، يخلاف البعيدة فلا يفتقر إلى إذْنٍ من الإمام فهو مِلْكٌ له، سواء كان المُحْيي مسلِمًا أو ذمَّيًا ويُشْتَرِطُ في الذَّمَّي أن لا يكون إحياؤه في جزيرة العرب وإلأن فلا لأنها ممنوعة للَّمَّي، لقوله عليه الصلاة السلام: "لا يبقين دينان بجزيرة العرب" وفي رواية "هي مكة والمدينة واليمن وما والاها" اهز بتوضيح. وعبارة الخرشي: فإن كان المكان الذي يقع الإحياء فيه بعيدًا من العمران فإن المُحْيي لا يفتقر في إحيائه فيه لإذْن ولو كافرًا حيث كان الموضع المُحْيَا بغير جزيرة العرب المتقدَّم تفسيرها في باب الجِزْية للحديث المتقدَّم اهـ انظر المنتقى لأبي الوليد الباجي. ثم ذكر رحمه الله تعالى ما يكون به إحياء المَوات فقال: "بِشَقَّ الأْنْهَارِ، وَاستخرَاج العُيُونِ وَالآبَارِ، والغَرِسِ والتَّحْجِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ" يعني كما قال الدردير: والإحياء بتفجير ماء وبإزالته وببناء وغرس، وتحريك أرض، وقطع شجر، وكسر حجرها مع تسويتها، لا بتحويط ورعي كلأ وحفر بئر ماشية إلاَّ أن يُبين المِلكية. قال الصاوي في حاشيته عليه: السبعة المتقدمة متفق على كونها إحياء، وهذه الثلاثة مختلف فيها، والصحيح أنها ليست إحياء. وانظر لو فعل في الأرض تلك الأمور الثلاثة

стр. 958

جميعها هل يكون إحياء لها لأنه لا يلزم من كون كل واحد من هذه لا يحصل به إحياء أن يكون مجموعها كذلك، لقوة الهيئة المجتمعة عن حالة الانفراد كما هو ظاهر كلامهم. ومقتضى ما في الحاشية (أي حاشية العدوي الخرشي) أن يكون إحياء اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وَلاَ يَحْفِرُ بِئْرًا حَيْثُ يَضُرُّ بِئْرَ غَيْرِهِ، وَيُعْتَبَرُ ذلِكَ بِشِدَّةِ الأأرْضِ وَرَخَوَتِهَا، فإن حَفررَ في ملْكِهِ فَلَهُ مَنْعُ مَائِهَا وَبَيْعُهُ إلاَّ بِئْرَ الزَّرْع فَعَلَيْهِ بَذْلُ فَضْلِهَا لجارِهِ الزَّارع عَلَى ماءٍ مَا دَامَ مُتَشاغِلاً بإصْلاَح بِئْرِهِ" هذا شروع في مَنْع إحداث ما يَضُرُّ بالجار أو الشريك. قال مالك في الموطَّأ بإسناده أن رسول الله ﷺ قال: "لا ضَرَرَ ولا ضِرار". ولذا قال في الرسالة: فلا يفعل ما يَضُرُّ بِجَاره من فَتْحِ كَوَّو ة قريبة يكشف جارَه منها، أو فَتْحِ بابٍ قبالة بابه أو حَفْرِ ما يَضُرُّ بِجَاره في حَفْرِه وإن ك ان في مِلْكِه. قال شارحَها كحَفْر بئر ملتصقة بِجَاره، أو حاصل لمرحاضه قال خليل: وقضى بِمَنْعِ داخانٍ كحمَّام، أو رائحة كدباغ، وأندر قبل بيت، ومضر بجدار واصطبل أو حانوت قبالة باب. واختُلِفَ في إحداث ما يحطُّ من الثمن ولا يَضُرُّ بِجِدار كإحداث فرن بقرب فرن، أو حمَّام بقرب حمَّام فإنه لا يمنع الجار من إحداث شيئ من ذلك، واختُلِفَ البئر بقرب بئر الجار فبعضهم أجازها. وقال أشهب إن كان يلزم على حَفْرِها استفراغ مائها مُنِعَ وإلاَّ فلا اهـ النفراوي. قال ابن القاسم في المدوَّنة: إذا غارت بئر جداره بحَفْرِ بئر في داره لزم هَدْمُ بئر، وقد عَلِمْتَ فيه قول أشهب. انظر تفصيل ذلك في الفصل الثاني من الباب الخامس عشر في ابن جزي وأمَّا قوله فإن حَفَرَ في مِلْكِه إلخ قد ذكر ابن جزي في القوانين أن المياه تنقسم إلى أربعة أقسام: الأول: ماء خاص وهو الماء الممتلّك في الأرض الممتلكة كالبئر والعين فينتفع به صاحبه، وله أن يمنع غيره من الانتفاع به، وأن يبيعه، ويستحبُّ له أن يبذله بغير ثمن ولا يُجْبَر على ذلك إلاَّ أن يكون قوم اشتدَّ بهم العطش فخافوا الموت فيجب عليه سَقْيُهُم، فإن مَنَعَهُم،

стр. 959

فَلَهُم أن يقاتلوه على ذلك، وكذلك إن انهارت بئر جاره وله زَرْعٌ يخاف عليه التَّلَف فَعَلَيْه أن يبذل له فَضْلَ مائِه ما دام متشاغلاً بإصلاح بئره اهـ انظر باقي الأقسام في الكتاب المذكور، وإلى ذلك أشار الشيخ خليل بقوله: ولذي مأجَل وبئرٍ ومرسالِ مطرٍ كماءٍ يملكه مَنْعُه وبَيْعُه إلاَّ مَنْ خِيفَ عليه، ولا ثمن معه، والأرجح بالثمن كفضل بئر زرع خِيفَ على زرع جاره بهدم بئره وأخذ يصلح وأُجْبِرَ عليه كفضل بئر ماشية بصحراء هدرًا إن لم يبيَّن المِلكية اهـ. وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: "وضفِي الصَّحْرَاءِ هُوَ أَحَقُّ بِكِفَايَتِهِ كالسّابِقِ إِلَى كلأٍ أَوْ حَطَبٍ" قال ابن جزير: القِسْم الرابع الآبار التي تحفر في البوادي لسَقْي المواشي، فَمَنْ حفرها يبدأ بالانتفاع بها ويأخذ الناس ما فضل لهم، وليس له أن يمنعهم من ذلك. قال وفي الكلأ وهو المرعى، فإ، كان في أرض غير ممتلَّكة فالناس فيه سواء، وإن كان في أرض متملَّكة فلصاحب الأرض الانتفاع به. واختُلِفَ هل يجوز له بَيْعُه ومَنْعُ الناس منه أم لا اهـ. وعن مالك بإسناده عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يُمْنَعُ فَضْلُ الماء ليُمْنَعَ به الكلا". قال مالك: معنى ذلك في آبار الماشية التي في الفلوات، لأنه إذا مُنِعَ فَضْلُ المار لم يرع ذلك الكلأ الذي بذلك الوادي لعدم الماء، فصار مَنْعًا للكلأن وفي المدوَّنة: لا يُباع بئر الماشية ما حُفِرَ منها في جاهلية ولا إسلام وإن حُفِرَت في قرب أي قرب المنازل إذا كان إنَّما احتفر للصدقة. قال أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي الأندلسي بعد كلام طويل: فتقرَّررمن هذا أن ما احتفره في أرضه فالظاهر أنه على المِلْك وإباحة البَيْع حتى يببيَّن أنها للصَّدَقة، وما احتفر في غير أرضه للماشية أو لشرب فقط ولم يحفرها لإحياء زرع أوغَرْس فالظاهر أنه احتفرها ليكون المقدَّم في منفعتها وللناس فَضْلُها؛ لأنه إنَّما يحفرها بحيث لا يُباع ماؤها ولا جرت به

стр. 960

العادة إلاَّ ببذلها، فإنَّما ينصرف عملهادون شرط إلى المعتاد من حالها، وعلى ذلك يحمل، وبهذا الحُكْمِ يُحْكَم لها اهز وقوله كالسابق تشبيه في كونه أحقَّ. يعني أن مَنْ سبق إلى شيئ مُباح يكون هو أحقَّ به نحو كلأ في الصحراء، ومثله حطب. قال الدردير: عاطفًا فيما يقضي به لِمَنْ سبق، وقضى للسابق كمسجد إلاَّ أن يعتاده غيره أي غير السابق فيُقْضى له بالجلوس لتعليم عِلْم أو إقراء أو فتوى، لِمَا في صحيح مسلم عنه صلى اللهعليهوسلم قال: "إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحقُّ به" اهـ. قال رحمه اللَّه تعالى: "ولاَ يُحْدِثُ مَا يَضُرُّر بِجَارِهِ كَالْمَسْبَكِ وَالْحَمَّام وَنَحْو ذَلِكَ" يعين أن لا يجوز لشخص أن يحدث شيئًا يَضُرُّ بجاره كالمِسْبَكَة والحمام والمدبغة والمجزرة وغيرها ممّا يتأذى به الجار، لقوله عليهالصلاة والسلام: "مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره" وفي آخر: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُحْسِن إلى جاره" وفي آخر "والله لا يؤمن" كرَّرها ثلاث مرات، قيل" مَنْ يا رسول الله قال: "الذي لا يأمن جاره بوائقه" والمراد ببوائقه شرُّه. وفي الحديث أيضًا "مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" وغير ذلك من الأحاديث الواردة في حقَّ الجار نسأل الله التوفيق في ذلك. وحاصل ما في المقال كما ذكر ابن جزي في القوانين من أن مَنْ أحدث ضَرَرًا أمرَ بقطعه، ولا ضَرَرَ ولا ضَرار. وينقسم الضرَرُ المحدث قسمَيْن: أحدهما متفق عليه والآخر مختَلَفٌ فيه. فالمتفق عليه أنواع، فمِنْه فَتْحُ كوّة أو طاق يكشف منها على جاره فيؤْمَر بسدَّها أو سَتْرِها، ومنه أن يبني في داره فرنًا أو حمَّامًا أو كير حداد أو صائغ ممّا يَضُرُّ بجاره دخانه فيُمْنَعُ منه إلاَّ إن احتال في إزالة الدخان، ومنه أن يصرف ماءه على دار جاره أو على سقفه أو يجري في داره ماء فيَضُرُّ بحيطان جاره. وأمَّا المختَلَفُ فيه فمثل أن يعلّي بنيانًا يمنع جاره الضوء والشمس، فالمشهور أنه لا يُمْنَعُ منه، وقيل يُمْنَع. ومنه أن يبني بنيانًا يمنع الريح

стр. 961

للأندر فالمشهور مَنْعُه منه، ومن ذلك أن يجعل في داره رحى يَضُرُّ دَوِيُّها بجاره فاختُلِفَ هل يُمْنَع من ذلك، وأمَّا فَتْحُ الباب في الزقاق فإن كان الزقاق غير نافذ فليس له أن يفتحه إلاَّ بإذْن أرباب الزقاق، وإن كان نفذًا جاز له فَتْحُه بغير إذْنهم إلاَّ أن يكشف على دار أحد جيرانه فيُمْنَع من ذلك. ومَنْ بني في طريق المسلمين أو أضاف إلى مِلْكظه شيئًا من الطريق مُنِعَ من ذلك باتفاق، وله أن يبني غرفة على الطريق إذا كانت الحيطان له من جانبَي الطريق. وإن كان بين شريكَيْن نهر أو عين أو بئر فمَنْ أنفق منهم فَلَهُ أن يَمْنَعَ شريكه الانتفاع حتى يعطيه قسطه من النفقة اهـ. ولمَّا أنهى الكلام على ما تعلَّق بإحياء الأرض ... المَوات وما يتبع ذلك من الأحكام في إزالة الضَّرر انتقل يتكلم على ما يتعلَّق بالارتفاق فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في الارتفاق أي في بيان ما يتعلق بما ينبغي للإنسان من فعل البِرَّ والإحسان والرفق بعباد الله وهو المُسمّى بالارتفاق. فقال رحمه الله تعالى: "يُنْدَبُ إِلَى إِعَانَةِ الجَار بإعَارَةِ مَغْرَزِ خَشَبَةٍ أَوْ طَرْحجِهَا مِنْ جِدَارِهِ، فَإنْ أَطءلَقَ لَمْ يَكُن لَهُ قَلْعُها إلاَّ لإصْلَ جِدَارِهِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ إِعَادَتُهَا بِخِلاَفِ تَعْيِين مُدَّةً" يعني مما ينبغي للإنسان إعانة جاره بإعارته مَغْرِز خشبة وإعانته في طرحها من جداره، وإذا أذن له في غرزها فإن حدد له مدة معينة فله ذلك، فإن أطلق لم يكن له قلعها إلاَّ بعد الانتفاع في مثلها أو إرادة إصلاح جداره، ثم لا يلزمه إعادة تلك الخشبة في موضعها، بخلاف ما إذا عين له مدة محددة فيلزم عليه إعادتها إلى المدة المعينة. قال في الرسالة: ويبغي أن لا يمنع الرجل جاره أن يغرز خشبة في جداره ولا يقضي عليه. قال الشارح لما فيه من الإرفاق وجلب المودة. قال خليل: وندب إعارة جداره لغرز خشبة وإرفاق بماء وفتح باب، والنهي في قوله ﷺ : "لا يمنع أحدكم جاره

стр. 962

أن يغرز خشبة" للكراهة، وسواء كان محل الجار ملكًا له أو موقوفًا عليه. وأما ناظر المسجد أو نائبه فاختلف هل يندب له إعارة الجار موضعًا لغرز خشبة فيه أو يُمْنَعُ على قولَيْن؟ الراجح منهما المضنْع اهـ النفراوي. قال رحمه الله تعالى: "وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الدُّخُولِ لإصْلاَح جِدارِهِ منُ جِهَتِهِ" يعني وَجَبَ على الجار أن يأذَن لجاره في مِلْكه من الجهة التي يريد إصلاح حائطة أو جداره. قال خليل عاطفًا فيما يقضي به: وبالإذن في دخول جاره لإصلاح جدار ونحوه. يعني أنه يقضي على الجار بأن يأذن لجاره في الدخول لداره لأجْل إصلاح جدار أو غَرْزِ خشبة أو نحو ذلك، ويكون هذا من باب ارتكاب أخف الضررين. وإذا سقطت لك ثياب في دار جارك فإنه يقضي لك بالدخول لأخذها، إلا أن يخرجها لك اهـ الخرشي باختصار. قال الدردير في أقرب المسالك: وندب للإنسان إرفاق لغيره من جار أو قريب أو أجنبي، ويتأكد في القريب والجار، قال الله تعالى: وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وبِذِي القُرْبَى والْيَتَامَى والْمَسَاكِينِ والْجَارِ ذِي القُرْبَى والْجَارِ الجُنُبِ والصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ ومَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: ٣٦] قلت هذه الآية اشتملت على أصناف من يندب له الإرفاق من جميع الناس من الصغير والكبير، سواء حرَّا أو عبدًا ذكرًا أو أنثى، قريبًا أو بعيدًا، حاضرًا أو غائبًا، صحيحًا أو مريضًا، جاراً أو غيره، إذا تأملت تفهم أن هذه الآية تشتمل جميع ما ذكره اهـ. قال مطرف وابن الماجشون: وكل ما طلبه جاره من فتح باب، وإرفاق بماء، أو مختلف في طريق، أو فتح طريق في غير موضعه وشبه ذلك، فهو مثل ذلك لا ينبغي في الترغيب أن يمنعه مما لا يضره ولا ينفعه ولا يحكم به عليه اهـ. "وَلَهُ فَتْحُ رَوْزَنَةٍ لَمصْلَحَةٍ حَيْثُ لاَ يطَّلِعُ مِنْهُ عَلَى جَارِهِ" يعني للجار فَتْحُ رَوْزَنَة، وهي الكوّة الكبيرة، والكوّة هي الطاقة التي تُفْتَحُ أو تُغْلَقُ عند الحاجة، فيجوز فَتْحُها لمصلحة حيث لا يطلع منه وينكشف على جاره وإلا مُنِع، وتقدم نص الرسالة

стр. 963

في فتح الكوّة. قال الشيخ زروق في شَرْحِه على الرسالة نَقْلاً عن ابن رشد في الكلام على فتح الباب في السكة غير النافذة ثلاثة أقوال المعمول به منها المنع مطلقًا إلا أن يأذَنَ فيه جميع أهل الزقاق، وقاله ابن زرب، واقتصر عليه المتّيطي اهـ. وقد مر أقسام ما يحصل به الضرر كما في القوانين فراجعه إن شئت. ثم ذكر حكم المتداعيَيْن في الجدار فقال رحمه الله تعالى: "وَإِذَا تَدَعَيَا جِدَارًا وَلاَ بَيَّنَةِ فَهْوَ لِمَنْ إِلَيْهِ وُجُوُ الآجر والطكاقات فإِنِ اسْتَوَيَا فَهْو مُشْترك فَلا يتَصَرَّفلُ فِيهِ إلا بإذن الشريك، فَمَنْ هَدَمَهُ لِغَير ضَرُورة لزمه إعادته، وإن انهدم فإم أمكن قسمة عرصته وإلا أجبر على البناء معه، فإن أبى وبنى أحدهما فله منع الآخر من الانتفاع ليؤدي ما ينوبه" يعني كما في الرسالة وغيرها. حاصل ما قال ابن جزي في القوانين إذا تنازعا في مِلْكِه أي الجدار فيُحْكَمُ به لِمَنْ يشهد العُرْف بأنه له وهو لِمَنْ كانت إليه القمط والعقود، فالقمط هي ما تشدُّ به الحيطان من الجص وشبهه، والعقود هي الخشب التي تجعل في أركان الحيطان لتشدَّها، فإن لم يشهد العُرْف لأحدهما حُكِمَ بأحكام المتداعي. وقال الشافعي: لا دليل في الخشب على ملك الحائط، بينهما مع أيمانهما. وإذا انهدم حائط بستان مشترك فأراد بعضم بناءه وأبى بعضهم فإن كان مقسومًا إلا أن الحيطان تضمه فلا حجّة لبعضهم على بعض، ومَنْ أراد أن يحرز متاعه أحرزه، ومَنْ أراد الترك تركه، وإن كان غير مقسوم قُسِم، وإن كان لم تمكن قسمته أنفق من أحب في صيانته وأخذ نفقته من نصيب صاحبه. وإن انهدمت رحى مشتركة فأقامها أحدهم بعد امتناع الباقين فالعلة كلها للذي أقامها عند ابن القاسم. وقال ابن الماجشون: الغلة بينهم على حَسَب الأنصباء ويأخذ المنفق من أنصبائهم ما أنفق اهـ. [٤٨] قال رحمه الله تعالى: "وَالسَّقْفُ تَابعٌ لِلسُّفْلِ وَعَلَيْهِ إِصْلاَحُهُ لِيَنتَفِعَ الأعْلى" يعني أن يقف البيت تابع للبيت، وإصلاحه لصاحب السُّفْل. قال في الرسالة:

стр. 964

وإصلاح السفل على صاحب السُّفْل، والخشب المسقف عليه، وتعليق الغرف عليه إذا وَهَى السُّفل وهدم حتى يصلح، ويُجْبَر على أن يصلح أو يبيع مِمَّنْ يصلح ولا ضَرَر ولا ضَرار اهـ. قال ابن جزي المسألة الثالثة إذا كان عُلُوُّ الدار لرجل وأسفلها للآخر فالسقف الذي بينهما لصاحب السُّفْل، وعليه إصلاحه وبناؤه إن انهدم، ولصاحب العُلُوَّ الجلسو عليه، وإن كان فوقه عُلُوٌّ آخر فسقفه لصاحب العُلو الأول، بوبناء العُلُوًّ على صاحبه، وبناء السُّفْل على صاحبه. وقال الشافعي: السقف مشترك بين صاحب العُلُوَّ والسُّفْل، وإن كان مرحاض الأعلى منصوبًا على الأسفل فكنسه بينهما على قدر الرؤوس عندج ابن وهب وأصبغ. وقال أشهب: لصاحب السُّفْل وليس لصاحب العُلُوَّ أن يزيد في بنيانه شيئًا إلاَّ بإذن صاحب السُّفْل اهـ. قال رحمه الله تعالى: "ولذي جدارين على جانبي الطريق اتخاذ ساباط، وإشراع أجنحة لا تضر باملارة، وتعلية جداره ما شاء بشرط الامتناع من الإطلاع" بعني أنه رحمه الله تعالى تكلَّم على ثلاثة أشياء يُباح فِعْلُها لأرباب المنازل وهي إحداث ساباط لصاحب الجانبين وبناء الإشراع المسمى بروشن، وارتفاع بنائه ما شاء بشرط عدم الاطلاع في بيوت الجيران. أما الساباط وهو سقف في السَّكة لِمَن له الجانبان من الجدار، ولا يمنع من إحداثه، وأمَّا الرَّوْشَنُ وهو الجناح الذي يخرج به جهة السكة في عُلُو الحائط لتوسعة العُلُوّ، ولا يُمْنَعُ من إحداثه كذلك. قال الموّاق: فَرَوى ابن القاسم عن مالك لا بأس به إلا أن يكون الجناح بأسفل الجدار حيث يضر بأهل الطريق فيمنع اهز قال الدردير عاطفًا على ما يجوز ولا يمنع إلا الضرر: وروشن وساباط لمن له الجانبان ولو بغير النافذة. ومحل جواز الروشن والساباط ما لم يضر بالمارة في النافذة وغيرها، فأن رفعا رفعًا بيناً عن رؤوس الناس والإبل المحملة وإلا منعا. قال الصاوي في حاشيته عليه: حاصله أن المعتمد في الروشن والساباط جواز إحداثهما مطلقًا، كانت السكة نافذة

стр. 965

أو غير نافذة، ولا يحتاج لإذن أحد وحيث رفع عن رؤوس الركبان رفعًا بينًا ولم يضر بضوء المارة اهـ. وأما تعلية الجدار وهو ارتفاع بناء بيته ما شاء فيشترط فيه عدم التطلع لبيوت الجيران وإلا مُنِع. قال الدردير في أقرب المسالك: ومنع الجار إذا علا ببنائه من الضرر كالتطلع على جاره بالشراف من العلو الذي بناه اهـ. قال رحمه الله تعالى: "ولا يجوز أخذ شيئ من السابلة، والناس مشرتكون فيها في الاستطراق والجلوس" يعني لا يجوز لأحد أخذ شيئ من الطريق قال [٤٨] [٤٩] خليل عاطفًا على ما يقضي به: ويهدم بناء بطريق ولو لم يضر. قال شارحه: يعني ا، من بنى في طريق المسلمين بنيانًا يضر بهم في مرورهم فإنه يؤمر بهدمه بلا خلاف، وإن كان لا يضر بهم فكذلك يهدم على المشهور، وهذا ما لم تكن الطريق ملكًا لأحد بأن يكون أصلهاداراً ملكًا له مثلاً وانهدمت حتى صارت طريقًا فإنه لا يزول ملكه عنها بذلك، وقيد هذا بعضهم بما إذا لم يطل الزمان وهو حاضر ساكت وإلا قضى عليه بهدمه فليس له فيهاكلام اهـ الخرشي بطرف من حاشية الصاوي. قال رحمه الله تعالى: "وفي المسجد للعبادات. ومن سبق إلى موضع لم يقم منه إلا للاحتراف وجعله مسكنًا" يعني الناس مشتركون في موضع البادات كالمسجد، ومن سبق وجلس لم يقم لغيره إلا للاحتراف وجعله مسكنًا كالمعتكف فيترك له إحسانًا. انظر الحطاب عند قول خليل: وللسابق كمسجد. وتقدم لنا الكلام في هذه المسأةل عند قول المصنف، وفي الصحراء وهو أحق بكفايته كالسابق إلى كلأ أو حطب فراجعه إن شئت. ولما أنهى الكلام على ما تعلق بالارتفاق انتقل يتكلم على أحكام الغصب فقال رحمه الله تعالى:

стр. 966

فَصْلٌ في الغصب أي في بيان ما يتعلق بأحكام الغصب والمغصوب. وهو لغة: أخذ الشيئ ظلمًا، أما عرفًا: فهو الاستيلاء على ملك الغير بغير حق شرعي قال خليل: الغصب أخذ مال قهرًا تعديًا بلا حرابة. الدردير: أصل هذا التعريف لابن الحاجب ﵀ والغصب مما حرمه الله تعالى على عباده كسائر المحرمات. وذلك بأن أخذ أموال النسا بالباطل على عشرة أوجه بالإجمال كلها حرام، والحُكْمُ فيها مختلف: الأول الحرابة، والثاني الغصب، والثالث السرقة، والرابع الاختلاس، والخامس الخيانة، والسادس الإذلال، والسابع الفجور في الخصام بإنكار الحق أو دعوى الباطل، والثامن القمار كالشطرنج والنرد، والتاسع الرشوة فلا يحل أخذها ولا إعطاؤها، والعاشر الغش والخلابة في البيوع. قاله ابن جزي اهـ. قال رحمه الله تعالى: "يَجِبُ رَدُّ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ، فضإن فاتَ ضَمِنَ المِثْليَّ بالمثْل، والمقوم بقيمته يوم الغصب" يعني كما قال في القوانين: المسألة الثانية فيما يجب على الغاصب وذلك حقان: أحدهما حقُّ الله تعالى، وهو أن يُضرب ويُسجن زجرًا له ولأمثاله على حَسَبِ اجتهاد الحكِم، والثاني حقّ المغصوب منه وهو أن يرد إليه ما غصبه، فإن كان المغصوب قائمًا رده بعينه إليه، وإن كان قد فات رد إليه مثله أو قيمته، فيرد المثل فيما له مثل، وذلك كل مكيل وموزون ومعدود من الطعام والدنانير والدراهم وغير ذلك، ويرد القيمة فيما لا مثل له كالعروض والحيوان والعقار، وتعتبر قيمة ذلك يوم الغصب لا يوم الرد اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وفي نقصه يخير ربه بين أخذه ناقصًا وتضمينه، وفي بيعه بين إجازته وأخذ الثمن واستعادته" يعني إذا نقص المغصوب عند الغاصب فصاحبه مخير بين أن يأخذ قيمته يوم الغصب ويتركه للغاصب، وبين أن

стр. 967

يأخذه ويأخذ أرْشَ النقص إن كان من فِعْلِ الغاصب، وإن كان من فعل الله لم يأخذ قيمة النقص. قال ابن جزي: أما إن باع الغاصب الشيئ المغصوب فإن صاحبه يُخَيَّر بين إجازة البيع وأخذ الثمن أو رد البيع وأخذ شيئه. قال في المدوَّنة. ومَنْ غصب عَبْدًا أو أمَة ثم باعها ثم استحقها رجل وهي بحالها فليس له تضمين الغاصب القيمة وإن حالت أسواقها، وإنما له أن يأخذها أو يأخذ الثمن من الغاصب، كما لو وجدها بيد الغاصب وقد حالت أسواقها، فإن أجاز ربها البيع بعد أن هلك الثمن بيد الغاصب فإن الغاصب يغرمه، وليس الرضا ببيعه يوجب حكم الامانة في الثمن اهـ. نَقَلَه الحطاب. قال رحمه الله تعالى: "وفي جناية الغاصب بين أخذه مع الأرض وتضمينه وجناية أجنبي بين تضمين الغاصب وأخذه الأرش" يعني أ، الغاصب إذا جنى على المغصوب خير صاحبه بين أخذه مع الأرْش وبين تضمينه، وإن كان الجاني أجنبيًا يُخَيَّر صاحبه أيضًا بين تضمين الغاصب أو الجاني. قال خليل: أو جنى هو أو أجنبي خُيَّرَ فيه وقال قبله بقليل: وخُيَّرَ في الأجنبي، فإن تبعه تبع هو الجاني، فإن أخذ ربه أقل فله الزائد من الغاصب فقط اهـ. قال الدردير: أو أجنبي فإن أتبع الغاصب بقيمته يوم الغصب رجع على الجاني بقيمته يوم الجناية، وإن أتبع الجاني فأخذ أقل رجع بالزائد على الغاصب اهـ. قال رحمه الله تعالى: "ولو بنى على الساحَة أو رقع بالخرقة لزمه الردُ، لا اللوح في السفينة إلا أن يؤمن غرقها" يعني لو بنى الغاصب على الساحة - هي برحة خالية عن البناء - ثم استحقها المغصوب منه فلزم الغاصب ردها لصاحبها. قال الدردير في أقرب المسالك: وخير ربه إن بنى أو غرس في أخذه، ودفع قيمة نقضه بعد سقوط كلفة لم يتولها، وأمره بتسوية ارضه، وإليه أشار خليل بقوله: لوله هدم بناء عليه أي على المغصوب. قال في الإكليل: ويُهْدَم البناء ولو عَظُمَ كالقصورن وله تركه للغاصب، وأخذ

стр. 968

قيمته منه يوم غصبه. وقال أشهب: لا يُهْدَم البناء العظيم. قال الدردير: معنى قوله وله هَدْمُ بناء عليه أي على المغصوب إذا كان عمودًا أو خشبة أو حجرًا فيأخذ عين شيئه بعد هَدْم ما عليه، وله تركه وأخذ قيمته، فهذا في غير الأرض، فجعله شاملاً للأرض كما في بعض الشراح غير [٥٠] [٥١] صحيح، لأن غاصب الأرضش إذا بنى أو غرس فيها قدمنا حكمه في أنه إنما يخير ربه في أخذه ودفع قيمة نقضه فراجعه إن شئت قوله أو رقع بالخرقة: الرقع بالقاف الفوقية المثناة، وفي نسخة بالفاء من الرفع، والأول أصح لأنه من الرَّقع قال في المصباح رقعت الثوب رَقْعًا من باب نفع إذا جعلت مكان القطع خرقة، فالمعنى أن من غصب خرقة أو ثوبًا فرقع ثوبه به لزمه عليه رد عن خرقته أو قيمته. وفي الخرشي: وكذلك إن غصب ثوبًا فجعله ظهارة لجبة فلربه أخذه أو تضمينه قيمته. قال أبو محمد: تفتق الجبة ويُهدم البناء، والفَتق والهدم على الغاصب. وكان إفاتته ذلك رضا منه بالتزام قيمة اهـ. وقوله لا اللوح إلاخ اعلم أنه اختلف في المذهب فيمن غصب اللوح وسمره في سفينته هل لربه أخذه من الغاصب؟ أو إلا أن يؤمن غرقها. قال الموّاق: وانظر لو أنشأ سفينته على لوح مغصوب، أو غصب خيطًا خاط به جرحًا يتخرج تهوين أخف الضررين، في ذلك خلاف انظر نظائره في الموّاق اهـ. قال رحمه الله تعالى: "وإن وطئ فهو زان" قال ابن جزي: فمن اغتصب امرأة وزنى بها فعليه حد الزنا، وإن كانت حرة فله صداق مثلها، وإن كانت أمَة فعليه ما نقص من ثمنها بكرصا كانت أوثيبًّا، ولا يلحق به الولد، ويكون الولد من الأمَة التي اغتصبها أو زنى بها عبدًا لسيد الأمة، وهذا كله إذا ثبت عليه ذلك باعترافه أو بمعاينة أربعة شهود، أو ادعت ذلك مع قيام البينة على غيبته عليها، فإ، ادعت عليه أنه استكرهها فغاب عليها ووطئها وأنكر هو ولم يكن لها بيَّنة فلا يجب عليه حد الزنا، وإنما النظر هل يجب عليه يمين على نفي دعواها؟ أو هل لها عليه صدق؟ وهل تحدث هي حد القذف

стр. 969

أو الزنا؟ ففي ذلك تفصيل، انظره في القوانين اهـ. وأما الأمَة فقد قال في الرسالة: ومن غصب أمَة ثم وطئها فولدُه رقيق وعليه الحد؛ لأنه وطء محرم بلا شبهة. انظر النفراوي. ثم قال رحمه الله تعالى: "فلو غرم القيمة ثم وجدت العين عنده فهي له، إلا أن يكون أخفاها فلربها أخذها" يعني كما قال خليل:" وملكه إن اشتراه ولو غاب، أو غرم قيمته إن لم يموه. قال الشارح يعني أن الغاصب يملك الشيئ المغصوب إذا اشتراه من ربه أو من يقوم مقامه وسواء كان الشيئ المغصوب حاضرًا أو غائبًا، وكذلك يملكه الغاصب إذا غرم قيمته للمالك إن لم يكذب في دعواهالتلف، فإن ظهر كذبه بأن تبين عدم تلفه بعد ادعائه التلف وغرم قيمته فإنه لا يملكه وهو لصاحبه. وعبارة النفراوي في المستعير: إذا غرم المستعير القيمة ثم وجدت بعد ذلك عند اللص فإنها تكون حقًا للمستعير لأنه ملكها لغرم قيمتها. ومثل المستعير الحياك والخياط والصباغ يدعون الضياع يغرمون ما ضاع ثم يوجد فإنه يكون حقًا لهم. وأما لو وجد عندهم فإنه يكون لصاحبه كالغاصب يدعي ضياع أوتلف الذات المقصودة ويغرم قيمتها ثم توجد عنده فإنه لا يملكها اهـ. قال رحمه اللهتعالى: "وهل يلزمه رد غلته" أي التي استغلها الغاصب قبل تملكه بالشراء، أو لا يرده فالجواب فيه خلاف في المذهب وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: "قال ابن القاسم يلزم في العقار لا الحيوان، وقيل بل في الجميع، وقيل لا شيئ فيما اغتل أو انتفع" قال في الرسالة: ولا غلّة للغاصب ويرد ما أكل من غلة أو انتفع، وعليه الحد إن وطئ، وولده رقيق لرب الأمَة اهـ كما تقدم. قال خليل: وله غلة. قال الصاوي: الضمير يعود على المغصوب منه. وحاصل ما في الدردير أنه قال: إذا

стр. 970

استعمله الغاصب أو أكراه سواء كان عبدًا أو دابة أو أرضًا أو غير ذلك على المشهور. فإذا لم يستعمله فلا شئ عليه ولو فوت على ربه استعماله، إلا إذا نشأ من غير استعمال كلبن وصوف وثمر. قال في المدونة: وما أثمر عند الغاصب من نخل أو شجر أو تناسل مثل الحيوان أو جز الصوف أو حلب اللبن فإنه يرد ذلك كله مع ما غصب، وما أكله رد المثل فيما له مثل، والقيمة فيما لا يقضي فيه بالمثل، فإن ماتت الأمهات وبقيت الأولاد وما جُزَّ وما حُلِبَ خُيَّرَ ربها إن شاء أخذ قيمة الأمهاتولا الشيئ فيما بقي من ولده وصوف ولبن ولا من ثمنهإن بيع، وإن شاء أخذ الولد إن كان أو ثمن ما بيع من صوف ولبن ونحوه. وما أكل الغاصب أو انتفع به من ذلك فعليه المثل فيما له مثل، والقيمة فيما يقوم، ولا شيئ عليه في الأمهات، ألا ترى أن من غصب أمَة فباعها فولدت عند المبتاع ولا شيئ عليه ولا على الغاصب في قيمة الأم، ثم يرجع المبتاع على الغاصب بالثمن اهـ. هذا هو المعتمد والمعول عليه. قال رحمه الله تعالى: "ويؤخذ غرسه وبناؤه بقيمته مقلوعًا، وما لا قيمة لمقلوعه مجانًا، ويؤمر بقلع زرعه في إبانه، وبعده يتركه بأجرة المثل" يعني كما في الرسالة. ونصُّها: والغاصب يؤمر بقلع بنائه وزرعه وشجره، وإن شاء أعطاه ربها قيمة ذلك النقض والشجر بعد قيمة أجر من يقلع ذلك، ولا شيئ عليه فيما لا قيمة له بعد القلع والهدم، ويرد الغاصب الغلة ولا يردها غير الغاصب اهـ. انظر الفواكه. وقوله ﵀ ويؤمر بقلع زرعه فإن أخذها صاحبها في إبان جزي في القوانين: فإن زرع في الأرض المغصوبة زرعًا فإ أخذها صاحبها في إبان الزراعة فهو مخير بين أن يقلع الزرع أو يتركه للزارع ويأخذ الكِراء، وإن أخذها بعد إبان الزراعة فقيل هو مخير كما ذكرنا، وقيل ليس له قعلة وله الكراء ويكون الزرع لزراعة اهـ.

стр. 971

ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بأحكام الغصب انتقل يتكلم على ما يلزم على الشخص من المواساة، وإنقاذ المستهلك من نفس ومال وغير ذلك مما وَجَبَ على الإنسان وهي أحكام شتّى. قال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ فيما يلزم الإنسان من المواسات في بعض الحالات أي في بيان ما يلزم على الإنسان من المواساة والمحافظة من أمور الدين والدنيأن والدفع عن النفس والمال والدين والعرض والنسب كما تقدم، ويجب عليه حفظ الحقوق وعدم التعدي والاعتداء على حق الغير؛ لأنه يلزم بذلك من الأحكام ما لا يدخل تحت الحصر فبدأ رحمه الله تعالى بما هو أهم من إنقاذ نفس أو مال فقال: "من أمكنه إنقاذ نفس أو مال من مهلكة فلم يفعل ضمن، كإتلافه عمدًا أو خطأ، والمنفعة المقصودة كالعين، وفي اليسير يلزم ما نقص" يعني أن من أمكنه إنقاذ النفس أو المال ولم يفعل مع القدرة على ذلك وجب عليه الضمان، كأن أتلف ذلك عمدًا أو خطأ؛ لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء. قال ابن جزي: الثالث أي من أقسام التعدي الاستهلاك بإتلاف الشيئ، كثتل الحيوان أو تحريق الثوب كله أو تخريقه، وقطع الشجر وكسر الفخار، وإتلاف الطعام والدنانير والدراهم وشبه ذلك، ويجري مجراه التسبب في التلف كمن فتح حانوتًا لرجل فتركه مفتوحً فسرق، أو فتح قفص طائر فطار، أو حل دابة فهربت، أو حل عبدًا موثوقًا بأبق، أو أوقد ناراً ي يوم ريح فأحرقت شيئًا، أو حفر بئرًا بحيث يكون حفره تعديًا فسقط فيه إنسان أو بهيمة، أو قطع وثيقة فضاع ما فيها من الحقوق، فمن فعل شيئًا من ذلك فهو ضامن لما استهلكه، أو أتلفه، أو تسبب في إتلافه سواء فعل ذلك كله عمدًا أو خطأ، وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: "وفاتح القفص، وإن تراخى الطيران، كقيد عبد أو دابة، وتحريق وثيقة وكتم شهادة يتوي بها

стр. 972

المال أي يهلك، وراكب الدابة، وقائدها وسائقها وموقفها حيث سهل له، وإمساك الكلب العقور، وذو الجدار المخوف سقوطه" قوله وراكب الدابة إلخ قال في الرسالة: والسائق والقائد والراكب ضامنون لما وطئت الدابة اهـ انظزر الفواكه. وأما قوله وإمساك الكلب العقور فقد تقدم الكلام فيه عند قوله ﵀ وفي الكلب خلاف في البيوع فراجعه إن شئت وقوله وذو الجدار المخوف سقوطه وتقدم الحُكْمُ فيه أيضًا أنه يلزم عليه أن يصلح أو يبيع ممَّنْ يصلح لا ضَرَرَ ولا ضَرار. ثم ذكر ما لا ضمان فيه فقال رحمه الله تعالى: "والعجماء والمعدن والبئر بغير صنع جبار، كدفع الصائل" يعني كما في الرسالة، ونصها: وما مات في بئر أو معدن من غير فعل أحد هدر. قال شارحها: الأصل في جميع ذلك قوله صلى اله عليه وسلم لآ"فعل العجماء جُبار، والبئر جُبار، والمعدن جُبار، وفي الرَّكاز الخمس". والعجماء بالمد كل حيوان غير الآدمي. وسميت البهيمة بالعجماء لأنها لا تتكلم والجُبار بضم الجيم وتخفيف الموحدة. وسميت البهيمة بالعجماء لأنها لا تتكلم والجُبار بضم الجيم وتخفيف الموحدة: الذي لا شيئ فيه اهـ باختصار. وقوله كدفع الصائل أي مما لا ضمان فيه دفع الصائل كما تقدم. قال رحمه الله تعالى: "وإذا اصطدم فارسان فدية كل على عاقلة الآخر، وفرسه في ماله، لا المركبان، وحل أحدهما من الآخر" قال مالك: إذا اصطدم فارسان فمات الفرسان والراكبان فدية كل واحد على عاقلة الآخر، وقيمة فرس كل واحد في مال الآخر، قال ولو أن حُرًا وعبدًا اصطدما فماتا جميعًا فقيمة العبد في مال الحر ودية الحر في رقبة العبد يتقاصان، فإن كان ثمن العبد أكثر من دية الحر كان الزائد لسيد العبد في مال الحر، وإن كانت دية الحر أكثر لم يكن على السيد من ذلك شيئ. وقال في رجلين اصطدما وهما يحملان جرتين فانكسرتا غرم كل واحد ما كان على صاحبه، وإن انكسرت إحدجاهما غرم ذلك صاحبه. وقال في السفينتين تصطدمان فتغرق إحداهما بما

стр. 973

فيها فلا شيئ في ذلك على أحد، لأن الريح تغلبهم إلا أن يعلم أن النواتية لو أرادوا صرفها قدروا فيضمنوا، وإلا فلا شيئ عليهم. قال ابن القاسم: ولو قدروا على حبسها إلا أن فيهم هلاكهم وغرقهم فلم يفعلوا فليضمن عواقلهم دياتهم، ويضمنوا الأموال في أموالهم، فليس لهم أن يطلبوا نجاتهم أي نجاة أنفسهم بغرق غيرهم، وكذلك لو لم يروهم في ظلمة الليل، وهم لو رأوهم لقدروا على صرفها فهم ضامنون لما في السفينة. ودية من مات على عواقلهم، ولكن لو غلبتهم الريح أو غففلوا لم يكن عليهم شيئ اهـ. انظر الموّاق عند قول خليل وإن تصادما أو تجاذبا مطلقًا قصدًا فماتا أو أحدهما فالقود. وعبارة المجموع أوضح، ونصها: وإن تصادما أو تجاذبا عمدًا فماتا أو أحدهما فأحكام القود. وحُمِلا على العضمْد. والسفينتان على العجز وبابه هدر، وليس منه خوف كالغرق، ودية كل من المخطئين على عاقلة الآخر وغيرها كالفرس في مال صاحبه اهـ. قال الصاوي على الدردير مسألة إن تصادم المكلفان أو تجاذبا حبلاً أو غير فسقطا راكبين أو ماشيين أو مختلفين قصدًا فماتا معًا فلا قصاص لفوات محله، وإن مات أحدهما فحكم القود يجري بينهما، وحملا على القصد عند جهل الحال لا على الخطأ عكس السفينتين إذا تصادمتا وجهل الحال فيحملان [ / ب ] [/] على عدم القصد من رؤسائهما فلا قود ولا ضمان؛ لأن جريهما بالريح ليس من عمل أربابهما كالعجز الحقيقي بحيث لا يستطيع كل منهما أن يصرف دابته أو سفينته عن الآخر فلا ضمان بل هو هدر، لكن الراجح أن العجز الحقيقي في المتصادمين فيه ضمان الدية في النفس، والقيمة في الأموال، بخلاف السفينتين فهدر، وحملا عليه عند جهل الحال. وأما لو قدر أهل السفينتين على الصرف ومنعهم خوف الغرق أو النهب أو الأسر حتى أهلكت إحدى السفينتين الأخرى فضمان الأموال في أموالهم، والدية على عواقلهم، لأنه لا يجوز لهم أن يسلموا بهلاك غيرهم اهـ. ملخصًا من خليل وشراحه. وهنا فائدة ذكرها الشبرخيتي كما ي الصاوي فراجعها إن شئت. قال رحمه الله تعالى: "وغلقاء الأمتعة خوف الغرق، وتوزع بحسب الأموال"

стр. 974

يعني يجوز لصاحب السفينة إذا ثقلت وخاف الغرق أن يلقي بعض الأمتعة إذا رجى بذلك نجاة النفوس. قال ابن جزي في القوانين: إذا خيف على المركب الغرق جاز طرح ما فيه من المتاع أذن أربابه أو لم يأذنوا إذا رجى بذلك نجاته، وكان المطروح بينهم على قدر أموالهم ولا غرم على من طرحه اهـ قال الدردير في أقرب المسالك: وجاز إن خيف الغرق طرح ما به النجاة غير آدمي، وبدئ بما ثقل أو عظم جرمه، ووزع على مال التجارة فقط، طرح أو لا بقيمته يوم التلف، والقول للمطروح متاعه فيما يشبه اهز مثال التوزيع في ذلك، يقال كم قيمة المطروح يوم طرحه؟ فإذا قيل مائة وما قيمة ما لم يطرح فإذا قيل مائتان فصار قيمة الجميع ثلثمائة فقد ضاع ثلث المال. فيرجع على من لم يطرح ماله بثلث قيمته، ولو قيل بعكس ما تقدم رجع على من لم يطرح ماله بالثلثين. ولو كان اثنان لأحدهما ما يساوي ثلاثمائة وللثاني ما يساوي ستمائة وطرح من الأول ما يساوي مائة ومن الثاني ما يساوي مائتين فلا رجوع لأحدهما على الآخر؛ لأن ما طرح ثلث الجميع، وعلى كل ثلث ما بيده وقد حصل، ولو كان الطرحخ بالعكس بأن طرح لذي الستمائة ما يساوي مائة، ولذي الثلاثمائة ما يساوي مائتين لرجع على ذي الستمائة بمائة اهـ. قاله الدردير. قال رحمه الله تعالى: "ويضمن مؤجج النار في الريح، كمرسل الماء وحافر البئر حيث يمنع. وماله الذميّ كالمسلم، ويُضمن خمره إلا أن يظهرها" يعني أن من أجج النار في يوم الريح لزمه غرم ما تلف من مال أو نفس، كحافر البئر تعديًا فسقط فيها إنسان أو بهيمة كما تقدم وكذلفك مرسل الماء فتلف شيئًا من المال لزمه ضمانه، وإن للذمي، ولو خمرة إلا أن يظهر بأ، يبيعها في سوق المسلمين فإنها تراق ويؤدب في ذلك، وفي كسر إنائها خلاف حسبما تقدم ذكرناه إياه فراجعه إن شئت. قال رحمه الله تعالى" وجناية الصبي والمجنون في ماله" يعني أن جناية الصبي والمجنون في مالهما إن كان لهما مال، وإلا ففي ذلك تفصيل. قال ابن جزي في القوانين:

стр. 975

فإن كان غير بالغ فيحكم عليه في التعدي في الأموال بحكم البالغ إذا كان يعقل، فيغرم ما أتلفه إن كان له ماله، فإن لم يكن له مال أتبع به، وأما الصبي الذي لا يعقل فلا شيئ عليه فيما أتلفه من نفس أو مال كالعجماء. وقيل الماء هدر والدماء على العاقلة كالمجنون. وقيل المال في ماله والدماء على عاقلته إن بلغ الثلث اهـ. قال في الرسالة: والسكران إن قتل قُتِل، وإن قتل مجنون رجلاً فالدية على عاقلته. وعَمَدَ الصبي كالخطأ وذلك على عاقلته إن كان ثُلُث الدية فأكثر، وإلا ففي ماله اهـ. انظر الفواكه. ولما أنهى الكلام على ما تعلق بما يجب على الشخص من المحافظة وما يلزمه من الضمان بإتلاف حق الغير بالتفريط انتقل يتكلم على بعض ما يجب عليه رده من الحقوق بعد الاستحقاق فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في الإستحقاق وأحكامه أي في بيان ما يلزم من استحق من يده شيئ فإنه يلزمه رده، أي هذا من الملحقات لما تقدم من وجوب رد الحقوق لأربابها، كوجوب رد الأمانات. وأما حقيقة الاستحقاق فكما في الدردير أنه قال: الاستحقاق وهو رفع ملك شيئ بثبوت ملك قبله أو حرية، وحكمه الوجوب إن توافرت أسبابه في الحر أو غيره إن ترتب على عدم القيام به مفسدة كالوطء الحرام، وإلاجاز، وسببه قيام البينة على عين الشيئ المستحق أنه ملك للمدعي لا يعلمون خروجه ولا خروج شيئ منه عن ملكه غلا الآن، ويمنعه عدم قيم المدعي بلا عُذْر مدّة أمد الحيازة، أو اشتراؤه من حائزه من غير بينة يشهدها سرًا قبل الشراء بأن إنما قصدت شراءً ظاهرًا خوف أن يُفيتَه علي بوجه لو ادعيت به عليه اهـ. قال رحمه الله تعالى: "من استحق من يده شيئ لزمه رده، وله الرجوع على بائعه بالثمن، ولربه أخذ البناء والغرس بقيمته قائمًا، فإن أبى دفع الآخر قيمة الأرض

стр. 976

براحًا، فإن أبيا اشتركا بالقيمتين" يعني أن من استحق من يده شيئسواء عقارًا أو حيوانًا أو عروضًا أو رقيقًا لزمه رده لربه بعد الإثبات على وجه الشرع، وإن كان عقارًا وقد بنى به داراً فللمستحق أخذه بقيمته قائمًا. قال في الرسالة: ومستحق الأرض بعد أن عمرت يدفع قيمة العمار قائمًا، فإن أبى دفع إليه المشتري قيمة البقعة براحًا، فإن أبى كانا شريكين بقيمة ما لكل واحد اهـ. قال شارحها: المراد منهما فالمستحق بقيمة أرضه خربة وصاحب الشبهة بقيمة عمارته، وتعتبر قيمة كل يوم الحكم، فإن كانت قيمة الأرض مائة وقيمة البناء أو الغرس كذلك كانا شريكين بالمناصفة وقد أشار خليل إلى هذه المسألة بقوله: وإن غرس أو بنى قيل للمالك أعطه قيمته قائمًا، فإن أبى فله دفع قيمة الأرض، فإن أبى فشريكان بالقيمة يوم الحكم كما تقدم. ويقال مثل ذلك فيمن اشترى ثوبصا فرقعه، أو سفينة خربة وأصلحها، أو ثوبًا وصبغة اهـ. قاله النفراوي باختصار. قال رحمه الله تعالى: "ومستولد الأمَة إن ابتاعها من غاصب عالمًا فهو كهو، وإلا أخذها ربها وقيمة الولد، وهو حر، وقيل بل قيمتها وهي أم ولد. والله أعلم" يعني أن هذه المسألة اختلف فيها قول مالك على ثلاثة أقوال. أي فيمن يستحق أمَة على يدٍ ذي شبهة بشراء أو هبة أو غيرها، ولم يختلف قوله في استحقاقها على يد غاصب أو عالم بالغصب فحكمه كالغاصب، قال في الرسالة: ومن استحق أمَة قد ولدت فله قيمتها وقيمة الولد يوم الحُم. وقيل يأخذها وقيمة الولد. وقيل له قيمتها فقط إلا أن يختار الثمن فيأخذه من الغاصب الذي باعها، ولو كانت بيد غاصب فعليه الحد وولده رقيق معها لربها اهـ. قال شارحها: قوله ومن استحق أمَة أي من يد حر صاحب شبهة هو الذي لم يعلم كونها مغصوبة سواء كان مشتريًا أو موهوبًا له أو غيرهما والحال أنها قد ولدت عنده واستمر ولدها فله أخذ قيمتها وقيمة الولد لأنه حر على جميع الأقوال، وتعتبر تلك القيمة يوم الحُكْم. قال خليل: وضمن قيمة المستحقة وولدها يوم الحكم، هذا هو المعول

стр. 977

عليه ولذا اقتصر عليه خليل لأن مالكًا رجع إليه، وعليه جماعة، وأخذ به ابن القاسم، وعلى هذا القول لا تكون أُم ولد لمن استحقت من يده وله الرجوع بثمنها على بائعه ولو كانغاصبًا سواء ساوى ما غرمه لسمتحقها أو زاد أو نقص، ولكن ما قبضه ربها إن كان أقل من ثمنها فإنه يجرع بما بقي له من الثمن كما هو قاعدة بيع الفضولي إذا فات يجب فيه الأكثر من الثمن والقيمة. وقيل يقضي لمستحقها بأن يأخذها وقيمة الولد، ونسب هذا القول لمالك ايضًا، وعلى هذا لو وقع الصلح على أخذ قيمتها لكانت أُمّ ولد. وقيل له قيمتها فقط يوم وطئها ولا شيئ له في ولدها، إلا أن يختار الثمن دون القيمة فأخذه من الغاصب الذي باعها، هذا هو ثالث الأقوال، وكلها عن الإمام، وأرجحها أولها كما تقدم. وأما لو كان الاستحقاق من يد رقيق لقضى لسيدها بأخذها مع ولدها من غير خلاف، كما لو كان الولد من زنا اهـ النفراوي باختصار: والله تعالى أعلم. ولما أنهى المصنف الكلام على مسائل الاستحقاق وغيرها من المسائل انتقل ﵀ يتكلم على ما يتعلق باللقطة لأن صاحبها يستحقها بمجرد وصفها وعلى الملتقط دفعها إليه ولذا ناسب وضع أحكامها عقب أحكام الاستحقاق لأنها من لواحقه إلا أن المصنف وضع لها كتابًا مستقلاً اعتناء بشأنها فقال رحمه الله تعالى:

стр. 978

كتاب اللقطة أي في بيان ما يتعلق بمسائل اللقطة بضم اللام وفتح القاف، وأما في اللغة: فهي وجود الشيئ على غير طلب قاله الصاوي، ومثله في الفواكه. وعرفها ابن عرفة بقوله: مال وجد بغير حرز محترمًا، ليس حيوانًا ناطقًا ولا نعما، بل عينًا أو عرضًا أو رقيقًا صغيرًا، وسواء وجدت في العمار أو الخراب أو بساحل البحر وعليها علامة المسلمين، لا نحو عنبر وعقيق فلواجده اهـ. وعرفها خليل بقوله: اللقطة مال معصوم عرض للضياع وإن كلبًا وفرسًا وحمارًا، ومثله في أقرب المسالك. ثم شرع رحمه الله تعالى في بيان أحكامها فقال: "من التقط ما تشح به الأنفس عادة لزمه تعريفه سنة بحسب إمكانه من غير ملازمة، أو رفعة إلى المام، فإن أعدادها ضمن، إلا أن يرفعها ليتبينها ولا يخاف عليها" يعني كما في الرسالة: ومن وجد لقطة فليعرفها سنة بموضع يرجو التعريف بها، فإن تمَّت سنة ولم يأت لها أحد فإن شاء حبسها وإن شاء تصدق بها وضمنها لربها إن جاء، وإن انتفع بها ضمنها، وإن هلكت قبل السنة أو بعدها بغير تحريك لم يضمنها، وإذا عرف طالبها العفاص والوكاء أخذها، ولا يأخذ الرجل ضالة الإبل من الصحراء، ول أخذ الشاة وأكلها إن كانت بفيفاء لا عمارة فيها اهـ. قال خليل كما في الدردير ولفظه: ووجب أخذها لخوف خائن إلا أن يعلم خيانته هو فيحرم وإلا كُرِهَ. وتعريفها سنة إن كان له بال، ونحو الدلو والدينار الأيام بمظان طلبها، وبباب المسجد في كل يومين أو ثلاثة بنفسه أو بمن يثق به، أو بأجرة منها إن لم يلق بمثله، وبالبلدين إن وجدت بينهما، ولا يذكر جنسها، ولا يعرف تافه، وله حبسها بعدها أو التصدق بها أو التملك ولو بمكة، وضمن فيهما، كنية أخذها قبلهاوردها لموضعها بعد أخذها للحفظ. والرقيق كالحر. وقيل السنة في رقبته، وله أكل

стр. 979

ما يفسد ولو بقرية ولا ضمان كغيره إن لم يكن له ثمن، وأكل شاة بفيفاء، فإن حملها حية، عرفت وبقرة بمحل خوف عُسْرِ سوقهما، وبأمن تُرِكَتْ كإبل مطلقًا، فإن أخذت عُرفت ثم تُركت بمحلها، وله كراء دابة لعلفها كراء مأمونًا، وركوبها لموضعه وإلا ضمن وغلتها لا نسلها اهـ. الدردير وإلى بعض ما تقدم أشار رحمه الله تعالى بقوله: "فإذا جاء من يعرف عفاصها ووكاءها دفعها إليه" يعني كما تقدم، وإذا عرف طالبها العفاص والوكاء أخذها. وفي أقرب المسالك: وردت بمعرفة العفاص والوكاء، وقضى له على ذي العدد والوزن بيمين، وإن وصف ثان وصف الأول ولم ينفصل بها حلفا وقسمت بينهما، كنكولهما، كبينتين لم يؤرخا وإلا فللأقدم تاريخًا لا للأعدل. قال الصاوي: حاصله أن القطة إذا وصفها شخص وصفًا يستحقها به ولم ينفصل بها انفصالاً لا يمكن معه إشاعة الخبر، بأن لم ينصل أصلأن أو انفصل بها لكنلا يمكنه معه إشاعة الخبر، ثم جاء شخص آخر ووصفها بوصف مثل الأول في كونه موجبًا لاستحقاقها سواء كان عين وصف الأول أو غيره، فإن على كلواحد منهما أن يحلف أنها له، وتقسم بينهما إن حلفا أو نكلًا، ويقضى للحالف على الناكل، أما لو انفصل بها الأول انفصالاً يمكن معه إشاعة الخبر فلا شيئ للثاني لاحتمال أن يكون سمعوصف الأول أو رآها معه فعرف أوصافها اهـ، ومثله في النفراوي. قال رحمه الله تعالى: "فإن انقضت المدة حفظها أمانة، فإن استهلكها أو تصدق بها ضمنها إلا ما يسرع إليه الفساد" يعني كما في الرسالة فإن تمت سنة ولم يأت لها أحد فإن شاء حبسها وإن شاء تصدق بها وضمنها لربها إن شاء، وإن انتفع بها ضمنها، وإن هلكت قبل السنة أو بعدها بغير تحريك لم يضمنها اهـ. قال ابن جزي المسألة السادسة إذا عرف بها سنة فلم يأت صاحبها فهو مخير بين ثلاثة أشياء: أن يمسكها في يده أمانة أو يتصدق بها ويضمنها، أو يتملكها وينتفع بها ويضمنها على كراهة لذلك.

стр. 980

وأجازه أبو حنيفة للفقير. ومنعه الشافعي مطلقًا. هذا حُكْمُها في كل بلد إلا في مكة فقال ابن رشد وابن العربي: لا تتملك لقطتها بل تعرف على الدوام. قال صاحب الجواهر: المذهب أنها كغيرها. وقال ابن رشد أيضًا لا ينبغي أن تلتقط لقطة الحاج للنهي عن ذلك اهـ. والحاصل أن في لقطة مكة خلافًا حتى في المذهب، والمشهور أنها كغيرها كما قال خليل وغيره اهـ. بتوضح. قوله إلا ما يسرع إليه الفساد، والمعنى لا ضمان عليه في أكل ما يفسد لو تركه كثريد ولحم وفاكهة وخضر بعد الاستيناء بقدر ما يخاف عليه الفساد، سواء قل ثمنه أو كثر، ولكن صرح ابن رشد بأنه إن كان له ثمن بيعَ ووقف منه. وقال في المجموع: له أكل ما يفسد، وضمن ما له ثمن اهـ. الدردير مع طرف من الصاوي. وقال الخرشي: يعني أن من وجد شيئًا من الفواكه واللحم وما أشبه ذلك مما يفسد إذا أقام فإنه يجوز له أن يأكله ولا ضمان عليه فيه لربه، وسواء وجده في عامر البلد أو غامرها، وظاهره من غير تعريف أصلأن وهو ظاهر كلام ابن رشد وابن الحاجب، وما يؤخذ من ظاهر المدونة من التعريف ضعيف، وأما ما لا يفسد فليس له أكله، فإذا أكله ضمنه إن ك ان له ثمن اهـ. قال خليل مستثنيًا على ما وجب تعريفه: لا تافهصا. قال الآبي في جواهر الإكليل هو الذي لا تلتفت إليه النفوس كقوله وتمرة وكسرة، وهو لواجده إن شاء أكله وإن شاء تصدق به، والتصدق به أحب عند مالك. قال من التقط ما لا يبقى من الطعام فأحب إلي أن يتصدق به كثر أو قل. قال ابن رشد: فإن أكله لم يضمنه لربه، كالشاة يجدها في الفلاة، إلا أن يجدها في غير فيفاء فإنه يعرف بها ثم يبيعها فإن جاء ربها دفع إليه الثمن اهـ مع طرف من الموّاق. والأصل في ذلك ما رواه جابر وابن حبان قالا: "رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به" كما في الجامع الصغير. قد رُوِيَ أن رسول الله ﷺ مر بتمرة في الطريق فقال: "لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها" ولم يذكر فيها تعريفًا. انظر الموّاق اهـ.

стр. 981

قال رحمه الله تعالى: "فأما ضالة الإبل فلا يعرض لها، والغنم بقرب غنم أو عمارة يضمها إليها وإلا يأكلها أو يتصدق بها والبقر كالإبل، وقيل كالغنم" يعني أنه تقدم الكلام أن الرجل لا يأخذ ضالة الإبل من الصحراء، وله أخذ الشاة وأكلها إن كانت بفيفاء لا عمارة فيها. روى الإمام في الموطأ بإسناده عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: "جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن اللقطة، فقال: "أعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها". قال فضالة الغنم يا رسول الله، قال هي لك أو لأخيك أو للذئب. قال فضالة الإبل قال مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها" اهـ. انظر الزرقاني عليه. قوله والبقر كالإبل إلخ قال النفراوي في الفواكه: تنبيه: سكت المصنف عن ضالة البقر، وحكمها أنها إن كانت بمحل بحيث يُخاف عليها من السباع أو الجوع فإن حكمها كالشاة توجد بالفيفاء، فإن ذبحها فيها جاز له أكلها لكن بشرط أن لا يمكن سوقها للعمران وإلا وجب، فليست كالشاة في هذه الحالة، وأما إن كانت بمحل لا يُخاف عليها من سباع ولا جوع فإنها تترك، فإن أخذها وجب عليه تعريفها، وهذاحيث لم يخف عليها من السارق وإلا وجب التقاطها. فالحاصل أن الإبل والبقر عند خوف السارق سيان في وجوب التقاطها، ويفترقان عند الخوف من الجوع أو السباع، فالإبل تترك والبقر يجوز أكلها بلافيفاء إن تعذر سوقها للعمران. ومفهوم قوله في الصحراء أن الإبل والبقر والشاة الموجودة في العمران يجب التقاطها عند خوف الخائن كالخيل والحمير والطيور والعروض ولقود اهـ النفراوي. قال رحمه الله تعالى: "وله إجارتها في نفقتها، والرجوع بما أنفق" يعني أن للملتقط أن يؤجر اللقطة في نفقتها وعلفها. قال خليل عاطفًا فيما يجوز له: وكراء بقر ونحوها في علفها كراءً مأمونًا. قال الصاوي: إنما جاز ذلك مع أن ربها لم يوكله فيه لأنها لابد لها

стр. 982

من نفقة عليه، فكان ذلك أصلح لربها. والظاهر أنه إذا أكراها وجيبة كراء مأمونًا ثم جاء ربها قبل تمامه فليس له فسخه لوقوع ذلك العقد بوجه جائز، فإذا أكريت لاجل العلف وزاد من كرائها شيئ على العلف لم يكن للملتقط أخذه لنفسه، بل يبقيه لربها إذا جاء عند سلامتها اهـ. بحذف. قوله والرجوع بما أنفق أي وللملتقط الرجوع بما أنفق من ماله على اللقطة، ويأتي على المصنف: ولربها إسلامها وأخذها ودفع النفقة فترقب. قال رحمه اللَّه تعالى: "ويقبل قوله في المشبه" يعني إذا اختلف الملتقط ورب الدابة فيما أنفق عليها فالقول قول الملتقط فيما أشبه، والظاهر أنه بغير يمين، وإلا فلرب الدابة إن أشبه كذلك. هذا إذا أنفق عليها الملتقط من عنده ولم يُكْرِها في عَلَفِها ولم يستعملها في مصلاحهز وإلا فله قدر ما أنفق عليها ويرد الزائد لربها كما تقدم. قال رحمه الله تعالى: "ولربها إسلامهاوأخذها ودفع النفقة" يعني أ، لرب الشيئ الملقوط تركه للملتقط في مقابلة النفقة التي أنفق على اللقطة، أو يدفع تلك النفقة ليأخذ شيئه. قال خليل: وخير ربها بين كها بالنفقة أو إسلامها. قال الشارح: يعني أ، الملتقط إذا أنفق على اللقطة نفقة من عنده جاء صاحبها فإنه بالخيار بين أن يفتك اللقطة فيدفع للملتقط نفقته، وبين أن يترك اللقطة لمِن التقطها في نفقته التي أنفقها عليها، فإن أراد أخذها بعد ذلك لم يكن له ذلك، قال أشهب، فلو ظهر على صاحبها دين فإن الملتقط يقدم بنفقته على الغرماء كالرهن حتى يستوفي نفقته اهـ الخرشي. وعبارة الصاوي على حاشية الدردير أنه قال: تنبيه: لو أنفق الملتقط على اللقطة من عنده كل النفقة أو بعضها كما لو أكراها فنقص الكراء عن نفقتها وكمل الملتقط من عنده فربها مخيرين بين أن يسلم اللقطة في نفقته أو يفتديها من الملتقط بدفع النفقة وذلك لأن النفقة في ذت اللقطة كالجناية في رقبة العبد إن أسلمه المالك لا شيئ عليه وإن أراد أخذه غرم أرش الجناية.

стр. 983

وحيث قلنا بخيار ربها ورضي بتركها في النفقة ثم أراد أخذها ثانية ودفع النفقة لم يكن له ذلك لأنه ملكها للملتقط بمجرد رضاه. والظاهر أن عكسه كذلك في العدوى، أي إذا دفع له النفقة ثم أراد أن يسلمه الشيئ الملتقط ويأخذ منه النفقة فليس له ذلك اهـ. ولما أنهى الكلام على ما يتعلق باللقطة أتبعهابما يتعلق بأحكام المنبوذ فقال رحمه الله تعالى: فَصْلٌ في التقاط المنبوذ وأحكامه أي في بيان ما يتعلق بمسائل المنبوذ أي المطروح صغيرًا الذي لا قدرة له على القيام بمصالح نفسه من نفقة وغيرها فَوَجَب وجوب الكفالة لواجده أن يلقطه ويأخذه بنية حِفْظِه. قال رحمه الله تعالى: "التقاط المنبوذ فرض كفاية إلا أن يخاف عليه فيجب" قال خليل: ووجب لقط طفل نبذ كفاية. قال عبد السميع في الجواهر: وكل صبي ضائع لا كافل له فالتقاطه من فروض الكفاية، فمن وجده وخالف الهلاك إن تركه لزمه أخذه ولم يحل له تركه اهـ. ومثله لابن جُزي. وزاد: ومن أخذه بنية أنه يربيه لم يحل له رده، وأما إن أخذه بنية أن يدفعه إلى السلطان فلا شيئ عليه في رده إلى موضع أخذه إن كان موضعًا لا يُخاف عليه فيه الهلاك لكثرة الناس. واللقيط حر، وولاؤه للمسلمين، ولا يختص به الملتقط إلا بتخصيص الإمام اهـ. قال النفراوي في الفواكه خاتمة: أسقطت المصنف الكلام علىاللقيط، وهو صغير آدمي لم يعلم أبوه ولا أمه ولا رقه. والحكم فيه أنه يجب لفظه كفاية ولو علم خيانة نفسه، وإن لم يوجد سواه تعين عليه. قال خليل: ووجب لقط طفل نبذ كفاية. وشرط الوجوب كون الواجد رجلاً رشيدًا، أو حرّة خالية من الزوج، أو ذات زوج أذن لها زوجها. وأما الرقيق ولو

стр. 984

مكاتبًا فلا يلتقط إلا بإذن سيده. ويجب عينًا على الملتقط للطفل نفقته وحضانته، الذكر حتى يبلغ عاقلاً قادرًا على الكسب، والأنثى حتى يدخل بها الزوج الموسر كولد الصلب اهـ. قال رحمه الله تعالى: "ونفقته من ماله، فإن لم يكن ففي بيت المال، فإن لم يكن فعلى ملتقطه، ولا رجوع له ولا يرثه" يعني كما قال ابن جزي في القوانين: ونفقة اللقيط في ماله وهو ما وقف على اللقطاء، وأو وهب لهم، أو وجد معهم، فغ، لميكن له مال فنقته على بيت المال إلاَّ أن يتببع أحد بالإنفاق عليه. ومن أنفق عليه حسبة لم يرجع عليه بنفقته، هذا ما لم يعلم أن له مالاً وأنفق عليه حسبة، أما إذا علم أن له مالاً وأنفق عليه بنية الرجوع فله الرجوع مع يمينه. قال الصاوي في حاشيته على الدردير: فعلم أنه يجب اقديم ماله، ثم الفيئ، ثم الحاضن، أي فإن أنفق الملتقط عليه مع علمه بماله فإن له الرجوع إن حلف أنه أنفق ليرجع أو أشهد على ذلك كما مرَّ، وأن يكون غير سرف، وأن يدعي أنه وقت الإنفاق قصد الرجوع، وأن يكون وقت الإنفاق مال الطفل متعسر الإنفاق منه لكونه عرضًا أو عقارًا، أو ذمة الناس مثلاً كما مر في النفقات اهـ. قال في أقرب المسالك: ونفقته على ملتقطه إن لم يُعْطَ من الفيئ إلاَّ أن يكون له مال من كهبة، أو يوجد معه، أو مدفونًا تحته إن كان معه رُقعةٌ. ورجع على أبيه إن طرحه عمدًا. والقول له أنه لم ينفق حسبة بيمين اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ومن استحلقه ببينة لحق به ولو ذميًا" يعني أن من ادعى أنه ولده لا يصدق إلا ببينة تشهد على ذلك أو وجه. قال الدردير في أقرب المسالك: ولا يلحق بملتقط ولا غيره إلا ببينة أو وجه. قال مالك في المدونة: من التقط لقيطًا فأتى رجل فادعى أنه ولده لم يصدق ولم يلحق به إلا أن يكون لدعواه وجه كرجل عرف أنه لا يعيش له ولد فزعم أنه رماه لقول الناس إذا طرح عاش ونحوه ما

стр. 985

يدل على صدقه فإنه يلحق به وإلا لم يصدق إلا ببينة. قيل لابن القاسم: فإن صدقه الملتقط قال: أراه شاهدًا ولا تجوز شهادة واحد مع اليمين في النسب اهـ. وعبارة ابن جزي: وإن ادعى رجل أن اللقيط ولده لاختلف هل يلحق به دون بينة أم لا اهـ. وقد علمت ما في المدونة فتأمل. قال رحمه الله تعالى: "والأصل حريته وإسلامه، إلا أن يوجد بقرية لا مسلم بها. وقيل إن التقطه بها مسلم تبعه" يعني أن اللقيط حر إلا إذا كان الاتلقاط في بلد المشركين والتقطه كافر فيكون رقيقًا. قال الدردير في أقرب المسالك: وهو حرَّ، وولاؤه للمسلمين، وحكم بإسلامه في بلد المسلمين ولو لم يكن فيها إلا بيت إن التقطه مسلم، وإلا فكافر كأن وجد في قرية شرك وإن التقطه مسلم اهـ. وعبارة الخرشي أنه قال: إن الملتقط إذا وجد في بلاد المسلمين فإنه يحكم بإسلامه لأنه الأصل والغالب، وسواء التقطه مسلم أو كافر. وإذا وجد في قرية ليس فيها من المسلمين سوى بيتين أو ثلاثة فإنه يحكم بإسلامه أيضًا تغليبًا للإسلام بشرط أن يكون الذي التقطه مسلمًا، فإن التقطه ذمي فإنه يحكم بكفره على المشهور، والبيت كالبيتين على ظاهر المدونة. وإذا وجد في قرى الشرك فإنه يكون مشركًا سواء التقطه مسلم أو كافر تغليبًا للدار، والحكم للغالب، وهو قول ابن القاسم اهـ. قال رحمه الله تعالى: "والطفل تابع لأبيه في الدين ولأمه في الحرية والرق والله أعلم" يعني أن الطفل تابع، ينسب لدين أبيه سواء كان مسلمًا أو كافرًا، وأما في الحرية والرقية فهو تابع لأُمه وهو ظاهر والله أعلم. ولما أنهى الكلام على اللقطة وحُكْم اللقيط انتقل يتكلم على ما يتعلق بمسائل الإقرار وما عطف عليه فقال رحمه الله تعالى:
следующие страницы →