← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17687

الكناش في فني النحو والصرف

أبو الفداء

Полный текст (778 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

التمني والترجّي والقسم والنّداء والتعجّب والاستفهام (١) إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الجملة الخبريّة هي التي تقع خبرا غالبا، وأمّا الجمل الإنشائيّة فلا تقع خبرا للمبتدأ إلّا بتأويل نحو: زيد أكرمه وزيد لا تضربه، والتقدير زيد مقول فيه أكرمه ولا تضربه (٢)، ولنرجع إلى الجملة الخبريّة فنقول: تكون إسميّة نحو: زيد أبوه قائم، وتكون فعليّة نحو: زيد قام، ويلزم أن يكون في الجملة ضمير يعود إلى المبتدأ، إلّا أن تكون الجملة هي نفس المبتدأ في المعنى كما في ضمير الشأن نحو: هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (٣) أو يقوم مقام العائد شيء كقوله تعالى: وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ (٤) وقد يحذف العائد إذا كان معلوما نحو: السّمن منوان بدرهم أي منوان منه بدرهم (٥) وكذلك البرّ الكرّبستين (٦)، فالسّمن مبتدأ ومنوان مبتدأ ثان وبدرهم خبر عن منوين والجملة خبر السمن، و «منه» المحذوفة في موضع رفع صفة لمنوين ليصحّ الابتداء بالنكرة، وأما «منه» في قولهم: البرّ الكرّبستين، ففي موضع نصب على الحال من الكرّ المعرفة (٧) وما وقع من الظروف خبرا نحو: زيد في الدار، زيد عندك، والخروج يوم الجمعة، فالأكثر، أنّه مقدّر بجملة (٨) لأنّ الظرف معمول لغيره والأصل في العمل للفعل، والتقدير: زيد استقرّ أو حصل عندك فحذف الفعل للعلم به لاستحالة كون زيد عنده من غير حصول واستقرار، ونقل الضمير المستكنّ في ذلك الفعل إلى الظّرف، فصار

стр. 142

الضمير مرفوعا بالظرف كما كان مرفوعا بالفعل، وصار الظرف مع الضمير جملة فلذلك قدّر بجملة (١) وقال قوم: (٢) التقدير زيد مستقر في الدّار، فيكون الخبر مفردا (٣). ذكر أمور مشتركة بين المبتدأ والخبر (٤) قد يتضمّن المبتدأ معنى الشّرط فيصحّ دخول الفاء في الخبر، والذي يتضمّن ذلك من المبتدآت الاسم الموصول بفعل أو ظرف، والنكرة الموصوفة بأحدهما وإنّما يشتمل المبتدأ على معنى الشّرط بأمرين: وهما العموم والإبهام، لأنّ الموصول إذا لم يكن للعموم وكان لشيء (٥) معهود امتنع دخول الفاء في خبره/ فلو قلت: الذي بعته من عبيدي فله درهم، لم يجز، وكذا إذا لم تشتمل النكرة الموصوفة على العموم لم يجز دخول الفاء في خبرها فلو قلت: رجل ظريف فله درهم، لم يجز لفوات العموم، فإذا قلت: كلّ رجل يأتيني فله درهم صحّ لوجود العموم والإبهام، أما العموم فظاهر لأنّ كلّ رجل عام يصلح لكلّ واحد واحد من الناس، وأمّا الإبهام فهو جواز أن يقع وأن لا يقع، وفائدة دخول هذه الفاء في الخبر أنّها تؤذن (٦) بأنّ ما بعدها مستحق بالفعل المتقدّم، أو بالظّرف المتعلّق بالفعل المقدّر، وإذا لم تدخل الفاء لم يتعيّن ذلك، مثاله قولك: الذي يأتيني فله درهم، فالدّرهم (٧) مستحقّ بالإتيان، وهو سبب استحقاقه، فإذا سقطت الفاء لم يتعيّن أن يكون الدّرهم مستحقا بالإتيان، بل يحتمل أن يكون الدّرهم ملكه على الإطلاق كما في قولك: زيد له درهم، فالذي مبتدأ،

стр. 143

ويأتيني صلته ودرهم مبتدأ ثان وله خبره، وهو متقدّم عليه ليصح الابتداء بالنكرة، والجملة خبر الذي، والعائد من الجملة إلى المبتدأ هو الهاء في له (١) ومثال الظرف: الذي في الدّار فله درهم، ومثال النكرة العامّة: كلّ رجل يأتيني فله درهم ومثال النّعت بالظرف: كلّ رجل عندي فله درهم (٢) وإذا دخلت ليت أو لعلّ على المبتدأ لم يصحّ دخول الفاء في خبره باتفاق (٣) لأنّ ما تضمّن معنى الشّرط إخباري، وخبر ليت ولعلّ إنشائي (٤) وإن دخلت إنّ المكسورة فالصحيح، جواز دخول الفاء في الخبر إذا قصد معنى السببيّة (٥) كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦) وكقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ (٧) وجوّز الأخفش زيادة الفاء في الخبر (٨) وأنشد: (٩) لا تجزعي إن منفسا أهلكته ... فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي أي فاجزعي عند ذلك، فالفاء الداخلة على عند زائدة، وسيبويه يتأوّل ذلك (١٠).

стр. 144

ذكر جواز حذف المبتدإ والخبر (١) يجوز حذف كلّ من المبتدأ والخبر عند قيام القرينة الدّالة على خصوصهما، فمن أمثلة حذف المبتدأ قول المستهلّ: الهلال والله، والمعنى: هذا الهلال، ومثال حذف الخبر، خرجت فإذا السبع، والمعنى فإذا السبع موجود، لأنّ هذه، «إذا» للمفاجأة (٢) يحذف الخبر بعدها إذ لا يفاجأ الشيء إلّا بعد وجوده (٣). ذكر وجوب حذف الخبر (٤) ويحذف الخبر وجوبا في كلّ موضع ينضمّ إلى القرينة الدّالّة عليه لفظ يلتزم في موضعه نحو: لولا زيد لكان كذا، فلولا، تدلّ على امتناع ما بعدها لوجود ما/ قبلها فهي تدلّ على الوجود المستلزم للخبر، الذي هو موجود، وقد التزم في موضع الخبر، جواب لولا الذي هو لكان كذا، فقد حصل الأمران، القرينة الدّالة، واللفظ الملتزم، فلو أثبتّ الخبر وقلتّ: لولا زيد موجود لكان كذا، لم يجز (٥) وكذلك: لعمرك لأفعلنّ، فلعمرك تدلّ على أنه مقسم به، والمشعر بقسمي هو الخبر، وجواب القسم الذي هو لأفعلنّ، لفظ التزم موضع الخبر، فحصل الأمران فوجب الحذف فلو أثبتّ الخبر وقلت: لعمرك قسمي لأفعلنّ لم يجز (٦) وكذلك يحذف الخبر وجوبا في قولهم: ضربي زيدا قائما، فضربي في تقدير الرفع بالابتداء وقد أضيف إلى الفاعل، وزيدا مفعول ضربي، وقائما، لفظ التزم موضع الخبر وتقديره ضربي زيدا حاصل إذا وجد قائما، فحذف الخبر الذي هو حاصل قياسا كما تحذف متعلّقات الظروف ثم حذف

стр. 145

الذي هو «إذا وجد» لدلالة معموله الذي هو «قائما» عليه فقائما دالّ على الظرف، والظرف دال على متعلّقه الذي هو «حاصل» والدّالّ على الدّال على الشيء، دال على ذلك الشيء فقائما دالّ على حاصل، وهو أيضا اللّفظ الذي التزم موضعه (١) وإذا كان الخبر بمعنى «مقترن» وحصل ما يدلّ عليه حذف وجوبا، نحو: كلّ رجل وضيعته ومعنى ضيعته: حرفته (٢) وقد علم أنّ كلّ رجل مقترن مع حرفته، فحذف الخبر الذي هو مقترن للعلم به، ولأنّ الواو بمعنى مع فتدلّ على خصوصية الخبر، وهي المقارنة وضيعته لفظ التزم مع الخبر فحصلت القرينة واللفظ الملتزم، فوجب الحذف (٣). ذكر وجوب حذف المبتدأ (٤) وهو يحذف وجوبا فيما قطع خبره عن الوصفيّة نحو: الحمد لله الحميد برفع الحميد، فالمبتدأ المحذوف «هو» لأنّ التقدير هو الحميد، وكذلك يحذف إذا كان خبره مصدرا واقعا موضع الفعل نحو قوله تعالى: طاعَةٌ (٥) أي أمرنا يطاع وكذلك يحذف إذا كان خبره هو المخصوص بالمدح أو الذمّ نحو: نعم الرّجل زيد، وبئس الرجل عمرو، أي لما فيها من القرائن الدّالة عليه والتزام ما في موضعه. ذكر تعدّد الخبر (٦) وقد يكون للمبتدأ خبران فصاعدا نحو: هذا حلو حامض، أي جامع للطعمين وتلخيصه: هذا حلو بعضه، وحامض بعضه، وإلّا لزم التناقض في هذه المسألة (٧)

стр. 146

وقد يكون له ثلاثة أخبار، وأربعة أخبار، كقول الشاعر: (١) من يك ذا بتّ فهذا بتّى ... مقيّظ مصيّف مشتّى فهذا مبتدأ، وبتّى خبر أول، ومقيّظ خبر ثان، ومصيّف خبر ثالث، ومشتّى رابع، وجاز ذلك لأنّ الخبر حكم، وجاز أن يحكم على شيء واحد بأحكام كثيرة ولكن إن كان الخبران متضادّين/ فليس كلّ منهما خبرا مستقلا بل هما نائبان عن واحد جامع للمعنيين كما قلنا في: هذا حلو حامض (٢). ذكر خبر إنّ (٣) المراد بخبر إنّ، خبر اسم إنّ وهو المسند بعد دخول إنّ وأخواتها، وشأن خبر إنّ كشأن خبر المبتدأ في أصنافه وأحواله وشرائطه، أما أصنافه، فمثل كونه مفردا وجملة، وأما أحواله، فمثل كونه نكرة ومعرفة ومشتقا وجامدا ومقدّما ومؤخّرا ومحذوفا، وأمّا شرائطه، فمثل كونه يلزمه الضمير إذا كان جملة أو مشتقا، ولا يحذف إلّا لقرينة، ولا يجوز أن يكون خبر اسم إنّ أمرا ولا نهيا ولا اسما مفردا في معنى الاستفهام كأين وكيف لوجوب التقديم، وخبر إنّ لا يجوز أن يتقدّم على اسمها إلّا إذا كان ظرفا نحو: إنّ في الدّار زيدا للاتساع في الظروف، لأنّه ما من اسم وفعل إلّا وهو في زمان أو مكان (٤). ذكر خبر لا التي لنفي الجنس (٥) وهو المسند بعد دخول لا التي لنفي الجنس، واحترز بقوله بعد «لا» التي لنفي

стр. 147

الجنس عن المسند بعد دخول «لا» المشبّهة بليس نحو: لا غلام خيرا منك برفع غلام ونصب خيرا منك، فإنّ خيرا منك، مسند بعد دخول «لا» باعتبار لفظ «لا» وهما أمران متميّزان، وأما مثال خبر لا التي لنفي الجنس فنحو: قولك: لا غلام رجل ظريف بنصب غلام ورفع ظريف، والنحويون يمثّلون في هذا الموضع بقولهم: لا رجل ظريف (١)، وليس يحسن في التمثيل لاحتمال أن يكون ظريف صفة لرجل، وقد رفعت حملا على محلّه بخلاف: لا غلام رجل ظريف فإنّه لا يحتمل غير الخبريّة لأنّ المضاف المنفي، لا يوصف إلا بمنصوب فوجب أن لا يكون ظريف المرفوع صفة له، ويتعيّن أن يكون خبرا ليس إلّا (٢) وأهل الحجاز يحذفون خبر لا التي لنفي الجنس كثيرا نحو: لا إله إلّا الله والتقدير: لا إله في الوجود إلّا الله (٣) وكذلك القول في: (٤) لا سيف إلّا ذو الفقار ... ولا فتى إلّا علي وبنو تميم لا يثبتونه لفظا في كلامهم، فإذا قلت: لا رجل أفضل منك ورفعت أفضل تعيّن للخبر على لغة أهل الحجاز، وأمّا بنو تميم فلا يرفعونه أصلا، لئلّا يتعين للخبريّة بل ينصبونه على الصّفة ويكون الخبر محذوفا تقديره في الوجود (٥).

стр. 148

ذكر اسم ما ولا المشبّهتين بليس (١) وهو المسند إليه بعد دخولهما، وهما يرفعان الاسم وينصبان الخبر كقوله تعالى: ما هذا بَشَراً (٢) وقوله تعالى: ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ (٣) و «ما» أكثر مشابهة لليس من «لا» لكونها لنفي الحال كليس، ولا للنفي المطلق، ولذلك تعمل «ما» في المعرفة والنكرة، و «لا»، لا تعمل إلّا في النكرة (٤) ولذلك كان عمل «لا» قليلا، وقد جاء في الشعر (٥). من صدّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح أي ليس لي براح. ذكر المنصوبات (٦) المنصوب ما اشتمل على علم المفعوليّة وهي: المفعول المطلق ثم المفعول به، وهو أربعة أقسام: ١ - السّماعيّ، ٢ - المنادى ٣ - ما أضمر عامله على شريطة التفسير ٤ - التحذير. ثم بعد المفعول به، المفعول فيه، ثم المفعول له، ثمّ الحال، ثم التمييز، ثم المستثنى ثم خبر كان، ثم اسم إنّ، ثم منصوب لا التي لنفي الجنس، ثمّ خبر ما ولا المشبّهتين بليس.

стр. 149

ذكر المفعول المطلق (١) وإنّما سمّي بذلك لأنّه غير مقيّد بحرف كالمفعول به وله ومعه وفيه، ورسمه بأنّه اسم ما فعله فاعل فعل مذكور بمعناه نحو: ضربت ضربا، وقعد جلوسا ومات موتا، واحترز بقوله: اسم عمّا فعله فاعل فعل مذكور بمعناه وليس باسم نحو: ضرب الثاني في قولنا: ضرب ضرب، وبقوله: مذكور عن كرهت القيام، فإنّ القيام ليس مفعولا مطلقا إذ ليس فعل فاعل القيام مذكورا، وبقوله: بمعناه، عن مثل كرهت قيامي، فقيامي وإن صدق عليه أنّه بمعناه لأنّ معنى القيام غير معنى الكراهة (٢) والمفعول المطلق إن لم يكن مدلوله زائدا على مدلول الفعل فهو للتأكيد كضرب ضربا، وإن كان زائدا بأن دلّ على هيئة (٣) صدور الفعل فهو للنوع كجلست جلسة بكسر الجيم، ومنه ما يدلّ على النّوع باسم خاصّ نحو: رجع القهقرى، والقهقرى الرجوع إلى خلف: فإذا قلت: رجعت القهقرى فكأنّك قلت: رجعت الرجوع الذي يعرف بهذا الاسم، ومن المفعول المطلق ما يدلّ على النوع بالصفة نحو: ضربت ضربا شديدا وضربت أيّ ضرب، أو الضّرب الذي تعرفه، أو ضربت ضرب الأمير، وإن دلّ على مرة أو مرات صدور الفعل فهو للعدد، كجلست جلسة بفتح الجيم وجلسات (٤). واعلم أنّ المفعول المطلق الذي هو للتأكيد لا يثنّى (٥) ولا يجمع لأنّه للحقيقة المشتركة ولا كثرة فيها، وأمّا الذي للنوع فيثنّى ويجمع، لأنّه يمكن اجتماع نوعين وأنواع نحو: جلست جلستين أي على هيئتين من الجلوس وكذلك ضربت الضربتين اللذين تعرفهما، وكذلك الذي للعدد يثنّى ويجمع أيضا، لأنّه إذا اجتمع مرّتان أمكن تثنيته وإذا اجتمع مرات أمكن جمعه قولك: جلست جلستين بفتح الجيم، أي جلست

стр. 150

دفعتين أو مرّتين. ذكر جواز حذف الفعل (١) وقد يحذف الفعل عند قيام قرينة دالّة عليه كقولك للقادم من سفره: خير مقدم، أي قدمت خير مقدم (٢). ذكر وجوب حذف الفعل (٣) ويجب حذف الفعل الناصب للمفعول المطلق، وذلك على ضربين: الأول: سماعي، وهو مصادر كثر استعمالها فحذفت أفعالها تخفيفا/ نحو: حمدا وشكرا وسقيا ورعيا، فإنه (٤) لو كان ذكر الفعل مع المصدر جائزا لوقع، ولو وقع لنقل ولمّا لم ينقل دلّ على أنّه لم يقع، ولمّا لم يقع دلّ على أنّه غير جائز (٥) والثاني: قياسي في أبواب: (٦) منها: أن يكون المصدر مثبتا بعد نفي، أو معنى نفي، داخل على اسم بشرط ألّا يصحّ أن يكون خبرا عن الاسم المتقدّم نحو: ما زيد إلّا سيرا، فإذا وجد ذلك، وجب حذف الفعل لحصول القرينة على خصوص الفعل، ووقوع لفظ إلّا أو ما يقوم مقامها في موضع الفعل المحذوف، ومعلوم أنّ سيرا مصدر مثبت بعد نفي، ولا يصحّ أن يكون خبرا عن الاسم المتقدم الذي هو زيد، ومثال الواقع بعد معنى النفي: إنّما أنت سيرا لأنّ معناه ما أنت إلّا سيرا، واحترز بقوله: مثبت عن مثل: ما زيد سيرا، وبقوله: بعد نفي، عن زيد سيرا، وبقوله: لا يصحّ أن يكون خبرا، عن نحو: ما سيري إلّا سير (٧).

стр. 151

ومنها: أن يقع المفعول المطلق مكرّرا في موضع خبر عن اسم ولم يصلح أن يكون خبرا عنه، نحو: زيد سيرا سيرا والتقدير يسير سيرا، ومعلوم أنّ سيرا لا يصلح أن يكون خبرا عن زيد فالقرينة حاصلة والمصدر الأوّل لفظ التزم موضع الفعل المحذوف (١). ومنها: أن تتقدّم جملة لها آثار وتذكر الآثار بلفظ المصدر (٢) كقوله تعالى: فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً (٣) فشدّوا الوثاق، جملة متقدّمة لها في الوجود آثار، وهي المنّ والفداء والاسترقاق والقتل، فإذا ذكر (٤) هذه الآثار وجب حذف الفعل لأنّ الجملة تدلّ على آثارها، وقد وقع لفظها في موضع الفعل فوجب حذفه (٥). ومنها: أن يقع المفعول المطلق للتشبيه بعد جملة مشتملة على اسم بمعنى المفعول المطلق، وعلى صاحب ذلك الاسم كقولك: لزيد صوت صوت حمار (٦) واحترز بقوله: للتشبيه عن مثل: لزيد صوت صوت حسن، فإنّ الثاني مرفوع على البدل (٧) واحترز بقوله: بعد جملة، عن مثل: الصوت صوت حمار، وبقوله: مشتملة على اسم بمعنى المفعول المطلق، عن نحو: مررت بزيد فإذا له ضرب صوت حمار، فإنّ الضّرب ليس بمعنى الصوت. وبصاحب الاسم عن مثل: في الدار صوت صوت حمار، ووجب حذف الفعل لأنّ في الكلام قرينة تدلّ عليه، والجملة لفظ التزم موضعه (٨) وتقديره: مررت فإذا هو يصوّت صوت حمار. ومنها: (٩) أن يقع المفعول المطلق مضمون جملة لا احتمال لتلك الجملة غير

стр. 152

ذلك المفعول المطلق، أو يقع المفعول المطلق مضمون جملة لها احتمال غير ذلك المفعول المطلق. فمثال الأول: له عليّ ألف درهم اعترافا، فله عليّ ألف درهم جملة لا احتمال لها غير الاعتراف ويسمّى هذا القسم توكيدا لنفسه، لأنّه يؤكّد مضمون الجملة الذي/ هو عين الاعتراف (١) ومثال الثاني: زيد قائم حقّا، فحقّا وقع مضمون زيد قائم، وهو يحتمل أن يكون حقا وغير حقّ، فحقّا أكّد أحد احتماليه، ويسمّى هذا القسم توكيدا لغيره، وحقّا منصوب بفعل مضمر، والتقدير أحقّ ذلك حقّا، قال الزجاج: (٢) ولا يجوز تقديم حقّا، كقولك: حقّا زيد قائم، قال فإن وسّطته فقلت: زيد حقّا قائم، جاز وذلك لأنّك لما ذكرت الكلام الذي يجوز أن تكون فيه شاكّا، وأن تكون متيقنا، جاز لك حينئذ أن تضمر اللّفظ الدّال على أحد الأمرين وهو أحقّ حقّا (٣) ولم يذكر سيبويه امتناع تقديمه (٤) ومن التأكيد لغيره قولهم: قد فعل ذلك البتّة، قال سيبويه (٥) ولا يستعمل إلّا بالألف واللام، وهو من بتّ كذا يبتّه إذا قطعه. ومنها: أن يقع المفعول المطلق مثنّى للتكثير، ومن أحكامه أنّه لا يستعمل إلّا مضافا غالبا نحو: لبّيك وسعديك ودواليك وهذاذيك إذا كانت التثنية لغرض تأكيد الكثرة لا لقصد التثنية المحقّقة (٦)، أمّا لو قصدت التثنية من غير نظر إلى الكثرة نحو قوله تعالى: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ (٧) لم يجب حذف الفعل، ومما جاء مثنّى قولهم: حذ اريك أي احذر حذرا بعد حذر، وحواليك، ومعناه الإحاطة من جميع الجهات وقد

стр. 153

استعملوا واحده فقالوا: حوالك، ومنه: حنانيك أي تحنّنا بعد تحنّن، قال طرفة: (١) أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض ولبّيك وسعديك لا يفرد فيهما الواحد لأنّهما وضعا بلفظ التثنية للتكثير، ولم يستعمل منهما مفرد، ولبّيك مأخوذ من ألبّ على كذا، إذا داوم عليه (٢) فكأنّه قال: دواما على طاعتك مرّة بعد مرّة، وسعديك معناه مساعدة لك بعد مساعدة، فقام لبّيك وسعديك مقام دواما ومساعدة، وإذا قال الملبّي: لبّيك اللهمّ وسعديك فمعناه دواما على طاعتك ومتابعة لأمرك فهذا منصوب بفعل من معناه، لا من لفظه بخلاف سقيا ورعيا وبخلاف حنانيك أيضا، فإنّ الفعل يمكن تقديره من لفظه نحو: تحنّن أي ارحم وهذا مما يقوّي إفراده (٣) ودواليك من المداولة قال الشّاعر: (٤) إذا شقّ برد شقّ بالبرد مثله ... دواليك حتّى كلّنا غير لابس وهو في موضع الحال، أي متداولين، وهذا ذيك: معناه السّرعة ويقال ذلك في الضّرب (٥) قال الشّاعر: (٦)

стр. 154

ضربا هذا ذيك وطعنا وخضا أي هذّا بعد هذّ من كلّ وجه أي إسراعا بعد إسراع، وهذّ في القراءة وغيرها أي أسرع. ذكر المفعول به (١) وحدّه بأنّه الذي يقع عليه فعل الفاعل، والمراد بالوقوع التعلّق/ ليدخل نحو: ما ضربت زيدا، والمراد بالتعلّق هو تعلّق الفعل بشيء لا يعقل الفعل إلّا بعد أن (٢) يعقل ذلك الشيء (٣) واحترز بقوله: يقع عليه، من باقي المفاعيل فإنّ الفعل يقع في الظرف أي يحدث فيه، ويقع لأجل المفعول له، ومع المفعول معه، وأما المفعول المطلق فهو نفس المعنى الواقع من الفاعل، وقد يتقدّم المفعول به على الفعل العامل فيه (٤)، لأنّ الفعل قوي في العمل، نحو: زيدا ضربت، وقد يحذف المفعول به وهو مراد نحو: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ (٥) أي رحمه، وقد يجعل نسيا نحو: فلان يعطي ويمنع ويصل ويقطع، وقد يحذف الفعل الناصب للمفعول به جوازا لقرينة تدلّ عليه كقولك: زيدا، لمن قال: من أضرب؟ أي: اضرب زيدا (٦). ذكر ما يجب حذفه من الأفعال ويجب حذف الفعل النّاصب للمفعول به في أربعة أبواب الأول: سماعيّ، والثلاثة الباقية قياسية وهي: المنادى، وما أضمر عامله على شريطة التفسير، والتحذير.

стр. 155

ذكر السّماعي وهو نحو قولهم: امرأ ونفسه (١)، أي اترك امرأ ونفسه وأهلا وسهلا (٢)، أي أتيت مكانا مأهولا ومكانا سهلا، وكقوله تعالى: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (٣) أي انتهوا عن التثليث واقصدوا خيرا لكم فالفعل المحذوف المقدّر اقصدوا (٤). ذكر المنادى (٥) المنادى هو القسم الثاني من أقسام المفعول به الذي حذف فعله الناصب له بضابط قياسي، وحدّ المنادى: أنه المطلوب إقباله بأحد الحروف النائبة مناب أدعو لفظا نحو: يا زيد، معناه أدعو زيدا، فهو مفعول به بفعل مقدّر لا يجوز إظهاره ووجب الحذف للقرينة الدّالّة، ولوقوع حرف النداء موقع الفعل أو تقديرا كقوله تعالى: يُوسُفُ أَعْرِضْ (٦) والمنادى يبنى على ما يرفع به إن كان مفردا معرفة، وإنّما بني لشبهه بالمضمر (٧)، لأنّه لا ينفكّ في المعنى عن كونه مخاطبا معيّنا، وحكم المخاطب أن يكون مضمرا (٨) والمراد بالمفرد ما لم يكن مضافا ولا مشابها

стр. 156

له، وقال السّيد: (١) ولا جملة أيضا (٢)، نحو: يا زيد، ويا زيدان ويا زيدون، وقال النّيليّ (٣) وحركة بنائه تشبه حركة الإعراب في كون كلّ منهما طارئة، فلذلك ثبت تنوينه حال بنائه (٤) في قول الشّاعر (٥): أمحمّد ولأنت صنو نجيبة ... من قومها والفحل فحل معرق وإن كان المنادى مضافا نحو: يا عبد الله أو مشبّها بالمضاف نحو: يا طالعا جبلا، أو نكرة (٦) نحو: يا رجلا لغير معيّن، بطل البناء لزوال مقتضيه، وأعربت بالنّصب لأنّ كلّ واحد منها مفعول به، وأمّا إذا قلت: يا رجل، لمعيّن فإنك تبنيه على الضم أيضا مثل: يا زيد، لأنّه يتعرّف بالقصد (٧) / وإن جئت بلام الاستغاثة في المنادى (٨) خفضته لأنّ حرف الجرّ لا يلغى في مثله، كقولك: يا لزيد، ولام

стр. 157

الاستغاثة تكون مفتوحة لما ذكرنا من مشابهة المنادى للمضمر، ففتحت معه كما تفتح مع المضمر في نحو: لك وله فإن عطفت على المستغاث به نحو: يا لزيد ولعمرو، كسرت لام المعطوف لأنّه يجوز في التوابع ما لا يجوز في المتبوعات والاستغاثة استدعاء مدعوّ طلبا للنصرة والمعونة، فإن أتيت بألف الاستغاثة نحو: يا زيداه فتحت آخره، ولا يجمع بين ألف الاستغاثة والّلام فلا يقال: يا لزيداه، لأنّ اللام توجب كسر آخره والألف توجب فتحه فتدافعا (١). ذكر إعراب توابع المنادى (٢) توابع المنادى المبنيّ إذا كانت مفردة، أو في حكم المفردة نحو: يا زيد العاقل، ويا زيد الحسن الوجه، ترفع حملا على لفظه، وتنصب حملا على محلّه، فتقول: يا تميم أجمعون وأجمعين (٣) ونحو ذلك، وأمّا توابع المعرب (٤) نحو: يا عبد الله الظريف فهو بنصب الظريف، ليس إلّا، لأنّك إن حملته على اللّفظ فهو منصوب، وإن حملته على الموضع فهو كذلك، وأمّا توابع المبنيّ المضافة؛ فإنّها إن كانت مضافة إضافة حقيقيّة، نحو: يا زيد غلام عمرو، وجب نصبها حتما، وأمّا إذا لم تكن الإضافة حقيقيّة نحو: يا زيد الحسن الوجه فإنّه يجوز فيه الرّفع والنصب، وإن عطفت على المنادى المبنيّ ما يلزمه الّلام نحو: الصّعق (٥) فنصبه عند المبرّد أوجه (٦)، نحو: يا زيد والرجل والصّعق بنصبهما، وإن كان المعطوف فيه اللام ولكن غير لازمة نحو: الحسن فرفعه عنده أوجه، لأنّه يمكن انتزاع اللام منه وتقدير حرف النّداء فيه فيكون وجود الّلام فيه كعدمه، بخلاف ما لم يجز انتزاع الألف والّلام فيه

стр. 158

نحو: الصّعق والنّجم فإنّه إذا لم يجز انتزاع الّلام منه لم يجز تقدير حرف النداء فيه فلذلك اختار رفع الحسن دون الصّعق، والخليل يختار في المعطوف الرفع (١) سواء كان مما يلزمه الّلام كالصّعق أو لم يلزمه كالحسن، وأمّا أبو عمرو (٢) فإنّه يختار النصب فيهما (٣) لأنّه تابع وتابع المبنيّ يكون تابعا لمحلّه، دون لفظه، وأمّا إن كان المعطوف بغير لام نحو: يا زيد وعمرو، أو كان تابع المبنيّ بدلا نحو: يا رجل زيد كان هذا التابع كالمستقلّ، بحيث يعطى حكم المنادى، فيضمّ إن كان مفردا، وينصب إن كان مضافا (٤). ذكر المنادى المعرّف باللام (٥) وإذا نودي المعرّف بالّلام لم يجز أن يباشر بحرف النّداء ولكن يتوصّل إليه بالاسم المبهم، فيقال في ندائه: يا أيّها الرجل أو هذا، أو ذا الرجل فالمنادى هو الاسم المبهم، والرجل صفة للمبهم المنادى المذكور، كأنّهم كرهوا ن يدخلوا حرف/ تعريف على حرف تعريف (٦)، وأمّا الهاء في أيّها (٧)، فحرف تنبيه زادوه عوضا عمّا تستحقّه أيّ من الإضافة (٨)، ويجوز الجمع بين أيّ وبين اسم الإشارة نحو: يا أيّهذا الرجل، فالرجل نعت هذا، وهذا نعت أيّ، واسم الإشارة وأيّ، كلّ منهما مبهم، وأيّ أوغل في الإبهام لوقوعها على الواحد والجمع بلفظ واحد (٩)

стр. 159

والتزموا رفع المعرّف بالّلام المذكور لأنّه هو المقصود بالنّداء فجعلوا حركة إعرابه الحركة التي يستحقّها، لو باشره حرف النداء، وقيل: التزموا رفعة للفرق بين الصّفة الّلازمة وغير اللازمة، وعند الأخفش أيّ موصولة بمعنى الذي، والرجل خبر مبتدأ محذوف (١)، ويجوز تأنيث أيّ فيقال: يا أيّتها المرأة، وأجاز المازنيّ (٢) نصب الرجل، في: يا أيّها الرجل قياسا على صفة غير المبهم؛ فإنّه أجرى صفة المبهم مجرى الظريف في قولك: يا زيد الظريف، فكما جاز نصب الظريف حملا على المحلّ جاز نصب صفة المبهم، نحو: الرجل في يا أيّها الرجل (٣) وقرئ (٤) في الشّاذ: قل يا أيها الكافرين (٥) وإذا أتيت بتوابع لهذا المعرّف بالّلام فلا تكون إلّا مرفوعة لأنه معرب، والمعرب لا يكون تابعة إلّا على وفق إعرابه. فإذا قلت: يا هذا الرجل ذو المال، لم يجز في ذو المال إلّا الرفع لأنّه صفة لمرفوع معرب، مثل: جاءني زيد ذو المال (٦)، ومنه: (٧) يا أيّها الجاهل ذو التّنزّي فرفع الصّفة المضافة، أعني ذو التنزّي، وأدخلوا حرف النّداء على الّلام

стр. 160

في اسم الله خاصة نحو: يا الله، إمّا لكثرته وإمّا لأنّ اللام ليست للتعريف، وقد ورد في الشعر: (١) من أجلك يا الّتي تيّمت قلبي ... ... وهو شاذّ لا يعتدّ به ولا بما يأتي من ذلك (٢). ذكر بقيّة الكلام على المنادى (٣) إذا نودي العلم الموصوف بابن مضاف إلى علم نحو: يا زيد بن عمرو، فالمختار فتحه مع جواز الضمّ (٤) ومنهم من يقول: (٥) يجب فتحه لكثرته في كلامهم، فجعلت الفتحة عوضا من الضّمة لخفتها (٦) وإذا نودي المفرد ثمّ كرّر مضافا (٧) نحو: (٨) يا تيم تيم عديّ لا أبالكم ... لا يلقينّكم في سوأة (٩) عمر فالثاني ليس فيه إلّا النصب، وأمّا الأول؛ فيجوز ضمّه لأنّه منادى مفرد، ونصبه على تقدير: يا تيم عديّ تيم عديّ، فحذف عديّ الأول لدلالة الثاني عليه (١٠)، وإذا

стр. 161

نودي المضاف إلى ياء المتكلّم نحو: يا غلامي، فلهذه الياء في النّداء أربعة أوجه: (١) إثباتها مفتوحة وهو الأصل كقولك: يا غلامي أقبل وقرئ يا عِبادِيَ (٢) بالفتح (٣) وإنّما كان كذلك لأنّها اسم على حرف واحد، فقويت بالحركة، كما فعلوا بالكاف في غلامك والتاء في رأيت، والثاني: إسكانها/، تخفيفا نحو: يا غلامي وقد قرئ: يا عبادي لا خوف عليكم (٤) والثالث: حذفها مع بقاء كسر ما قبلها كقولك: يا غلام بحذف ياء الإضافة (٥)، وإنّما حذفت تخفيفا لكثرته في كلامهم (٦) والرابع: قلبها ألفا لأنّ الألف أخفّ من الياء، وليحصل بالألف زيادة مدّ في الصوت (٧) نحو: يا ربّا تجاوز عنّي، ويا غلاما أقبل، قال الشّاعر: (٨) وحديثها كالغيث أبصره ... راعي سنين تتابعت جدبا فرآه يبسط راحتيه له ... ويقول يا ربّاه يا ربّا وإذا وقفت ألحقتها الهاء، تبيّنا للألف فقلت: يا ربّاه ويا غلاماه، وإذا نودي ابن المضاف (٩) إلى العمّ أو الأمّ المضافين إلى المتكلّم كقولك: يا بن عميّ يا بن أميّ جاز فيهما جميع ما ذكر في المضاف إلى ياء المتكلّم، فتفتح الياء من عمّي

стр. 162

وأمّي، وتسكّنها وتحذفها وتبدلها ألفا كما قيل في: يا غلامي، ويجوز فيهما وجه آخر خامس: وهو حذف الألف وإبقاء الفتحة كقولك: يا بن عمّ ويا بن أمّ بفتحهما، ولا يجوز في غيرهما شيء من ذلك نحو: يا بن غلامي وما أشبهه وإذا كان المنادى المضاف إلى المتكلّم أبا أو أما، جاز فيه ما ذكر في المضاف إلى المتكلم حسبما قيل في يا غلامي (١) وجاز فيه وجوه أخر، وهي: يا أبت وأمت بكسر التاء المنقلبة عن الياء، وفتح التاء فيهما، وأبتا وأمتا بإثبات الألف والتاء فيهما معا، ولم يجز: يا أبتي ويا أمتي بإثبات التاء والياء معا، لأنّ التاء عوض عن ياء المتكلّم، ولا يجوز الجمع بين العوض والمعوّض منه (٢) بخلاف أبتا وأمتا فإنّ التاء والألف معا بدل عن الياء (٣) وجاز في يا بُنَيَّ (٤) كسر الياء وهو الكثير، والفتح لاستثقال الكسرة والسكون مع التخفيف وقرئ في السّبعة (٥) بالجميع (٦). ذكر التّرخيم (٧) الترخيم من خصائص المنادى، وهو حذف في آخر المنادى تخفيفا لا لعلّة، ويجوز لضرورة الشعر ترخيم غير المنادى كقول الشّاعر: (٨) ديار ميّة إذ ميّ تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب

стр. 163

حذف هاء ميّة، ولا يجوز ترخيم المستغاث نحو: يا لجعفر (١) لأنّهم يزيدون فيه لغرض رفع الصّوت للمستغاث به، وكذا لا يرخّم المضاف كعبد الله (٢) ولا الجملة المسمّى بها كشاب قرناها، لأنّهم لو حذفوا من الثاني حذفوا من غير المنادى، ولو حذفوا من الأول حذفوا من وسط الكلمة، وهو غير جائز، ولأنّ الجملة تحكى على إعرابها الأصلي (٣). وشرط المنادى (٤) في الترخيم أن يكون الاسم المرخّم إمّا بتاء التأنيث نحو ثبة، وإمّا علما زائدا على ثلاثة أحرف كجعفر وحارث لا كزيد (٥)، والحكم، لأنّ تاء التأنيث زائدة فلا يلزم من حذفها الإجحاف/ بالاسم لبقائه على حرفين، ولذلك شرط في العلم الزيادة على ثلاثة، لئلّا يحصل الإجحاف بالحذف فيخرج عن أبنية الاسم (٦)، وكلّ اسم آخره زيادتان في حكم زيادة واحدة (٧) نحو: أسماء وعثمان فإنّه يحذف منه في الترخيم حرفان فتقول: يا أسم ويا عثم، بحذف ألف التأنيث الممدودة، والألف والنون (٨)، وكذلك يحذف حرفان مما في آخره حرف صحيح قبله مدّة، وهو على أكثر من أربعة أحرف مثل: عمار ومنصور ومسكين، وقد علم أن ثمود ليس من باب منصور فيحذف من منصور حرفان، ومن ثمود حرف واحد لعدم زيادته على أربعة (٩). وإن كان المنادى مركّبا (١٠) نحو: بعلبكّ فإنّه يحذف منه الاسم الأخير للترخيم لأنّه بمنزلة تاء التأنيث فيقال: يا بعل، وإن كان المنادى المرخّم غير ما ذكر، فيحذف

стр. 164

منه حرف واحد، لأنّه الأصل فإنّ الزيادة على حرف كانت بسبب عارض، وذلك مثل: ثمود وحارث وحامد (١) وفي المرخّم وجهان؛ أفصحهما: أنّ يقدّر المحذوف موجودا فيبقى ما قبله على ما كان عليه من حركة أو واو أو غير ذلك، كقولك: يا حار بكسر الراء في ترخيم حارث، وإذا رخّمت كروان (٢) على أفصح الوجهين قلت: يا كرو، وفي ثمود يا ثمو، وأمّا الوجه الثاني: فهو أن يجعل المحذوف نسيا منسيا، ويعامل الباقي معاملة ما لم يحذف منه شيء، فتقول: يا حار بالضم، ويا كرا بالألف لتحرّك الواو وانفتاح ما قبلها، ويا ثمي فتبدل الضمة كسرة، والواو ياء، إذ ليس في كلامهم اسم تام معرب آخره واو قبلها ضمّة (٣). ذكر المندوب (٤) المندوب هو المتفجّع عليه بيا أو واو، والتفجّع إظهار الحزن والجزع للمصيبة، ويختصّ بوا، نحو: وا زيد، وهو كالمنادى في الإعراب والبناء (٥) وأجري مجراه لأنّ كلا منهما مخصوص من بين قومه، ولك أن تزيد في المندوب ألفا فتقول: وا زيدا، ولك أن تلحقها هاء السّكت في الوقف فتقول: وا زيداه، فإن جاء اللّبس من الألف في مثل ندب غلام المخاطبة، عدلت عن الألف إلى زيادة حرف مجانس لتلك الحركة فتقول: وا غلامكيه (٦) لأنّك لو زدت ألفا وقلت: وا غلامكاه لالتبس بغلام رجل مخاطب فألحق (٧) الياء المناسبة لحركة الكاف وهي الكسرة (٨) وفي غلام جماعة مذكرين تلحق واوا فتقول: وغلامكموا، لأنّك لو ألحقت ألفا وقلت: وا غلامكما، التبس بغلام اثنين مخاطبين فألحقت الواو المناسبة للجمع، ولا يندب

стр. 165

إلّا المعروف لا المنكّر (١) فلا يقال: وا رجلاه لأنّ الندبة إما للإعلام بمن يتفجّع عليه، أو لتمهيد العذر للمتفجّع/ ولا يكون ذلك إلّا أن يكون المندوب معروفا، وإذا وصفت المندوب فلا تلحق الصفة علامة الندبة فلا تقول: وا زيد الظريفاه، لأنّ الظريف ليس هو المندوب وهو مذهب الخليل (٢) خلافا ليونس فإنّه يجيز وا زيد الظريفاه (٣) ويجوز حذف حرف النداء من ثلاثة أشياء (٤) وهي: العلم نحو: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا (٥) أي يا يوسف والمضاف نحو: عبد الله افعل كذا أي: يا عبد الله، وأيّ نحو: أيّها الرجل افعل كذا أي: يا أيّها الرجل، ولا يجوز حذف حرف النداء من اسم الجنس، والمراد باسم الجنس اسم يصحّ إدخال اللّام عليه وجعله صفة لأي، نحو: رجل فلا يقال: رجل بمعنى يا رجل (٦) وكذلك لا يجوز حذفه من الإشارة نحو: هذا بمعنى: يا هذا ولا من المندوب، ولا من المستغاث فلا يقال: زيداه بمعنى وا زيداه، ولا زيدا أو لزيد مستغيثا به لأنّ كلا من المندوب والمستغاث يناسب التطويل، فلا يحسن الحذف مع مناسبة التطويل (٧)، وقد شذّ حذف حرف النّداء في قولهم: (٨) «أصبح ليل»، بمعنى يا ليل وأطرق كرا (٩)، أي يا كروان، وفي أطرق كرا شذوذان: حذف حرف النداء، والترخيم، لأن الأمثال يجوز فيها من الحذف والتخفيف ما لا يجوز في غيرها، فقالوا: «أطرق كرا إنّ النّعام في القرى» (١٠)، ويجوز حذف المنادى نفسه للقرينة الدّالة عليه كقولك: يا إضرب أي: يا هذا

стр. 166

إضرب، ومنه قراءة الكسائي: ألا يا اسجدوا (١) أي: ألا يا هؤلاء اسجدوا (٢). ذكر المفعول به الذي أضمر عامله على شريط التفسير (٣) وهو القسم الثالث من أقسام المفعول الذي يجب حذف فعله بضابط قياسي وحدّه: أنّه كلّ اسم بعده فعل أو شبهه مشتغل عنه بضميره أو بمتعلّقه لو سلّط عليه هو أو مناسبه لنصبه، نحو: زيدا ضربته، فزيد اسم بعده فعل مشتغل عن زيد بضمير زيد، وتقديره: ضربت زيدا ضربته (٤)، فالثاني مفسّر للأوّل، ولا يجمع بين المفسّر والمفسّر ولذلك وجب الحذف (٥). ومثال ما يسلّط عليه مناسب الفعل: زيدا حبست عليه، وزيدا مررت به، فإنّه في هاتين الصورتين لو سلّط الفعل المشتغل أعني حبست ومررت على الاسم لم ينصبه لكنّ مناسبه وهو جاوزت ولازمت، لأنّ من حبست عليه فقد لازمته، ومن مررت به فقد جاوزته، ومثال ما هو مشتغل عنه بمتعلّقه: زيدا ضربت غلامه لأنّ الفعل مشتغل بمتعلّق زيد وهو غلامه وتقديره أهنت زيدا، لأنّ من تضرب غلامه فقد أهنته وإذا تقدّم عليه (٦) جملة فعليّة (٧) كقولك: قام زيد وعمرا أكرمته، جاز رفع عمرو/ والنّصب أحسن لأنّه على تقدير النّصب يلزم عطف جملة فعلية على جملة فعلية، وهو أنسب من الرّفع، لأنه يلزم عطف جملة اسميّة على جملة فعليّة (٨)، ولذلك يختار النصب بعد حرف الاستفهام نحو: أزيدا ضربته، لأنّ الاستفهام غالبا إنما يكون عن الفعل، وبعد إذا الشرطيّة لأنّ الأولى أن يليها الفعل

стр. 167

بخلاف التي للمفاجأة، وبعد حيث، لأنّها مثل إذا في اقتضائها الفعل بعدها (١) وبعد حرف النفي، فإنّك إذا قلت: ما زيدا ضربته، فالنفي لضرب زيد لا لذاته فلما كان الفعل بعده كان النّصب أولى (٢). وإذا وقع بعده فعل معناه الطّلب كان أقواها سببا في اختيار النّصب (٣)، وكذلك شبه الفعل نحو: زيدا دراكه، لأنّه على تقدير الرفع يلزم وقوع الطلب وهو الأمر والنهي والدعاء خبرا عن المبتدأ وهو بعيد، لأنّ الخبر ما يحتمل الصّدق والكذب، والإنشاء لا يحتمل ذلك، وإنّما جاز على تأويل، وهو أن يقدّر زيد مقول فيه اضربه أو لا تضربه، وعلى تقدير النّصب لا يلزم إلّا حذف الفعل وهو كثير غير بعيد للمبتدأ المرفوع، وكأنّك قلت: زيد أنت مأمور بضربه أو زيد مقول فيه اضربه (٤) وكذلك المصدر الذي بمعنى الطّلب فإنّ حكمه حكم الطّلب الصريح في اختيار النّصب نحو: أمّا زيدا فجدعا له، وأما جعفرا فسقيا له، لأنّك تريد: جدعه الله جدعا، وسقاه الله سقيا، وإذا كان الدّعاء بغير فعل ولا في تقدير الفعل لم ينصب الاسم الأول نحو: أمّا زيد فسلام عليه، وأمّا الكافر فويل له (٥) ويختار الرّفع عند عدم قرينة خلافه (٦) كقولك: زيد ضربته، لأنّه يرتفع بالابتداء فيكون غير محتاج إلى تقدير، والنصب يحتاج إلى تقدير الفعل الناصب فكان الرّفع أولى (٧)، وكذلك يختار الرّفع مع أمّا وهي تغلب غير الطلب من قرائن النّصب فيكون الرفع بعدها أولى لاقتضائها المبتدأ بعدها غالبا، فإن جاء الطلب معها، قدّم اعتباره عليها فيصير النّصب أولى، وكذلك إذا التي للمفاجأة كقولك: قام زيد وإذا عبد الله تضربه لاقتضائها المبتدأ بعدها غالبا (٨) ومثال غلبة أمّا مع قرينة النّصب قولك: قمت وأمّا جعفر فقد

стр. 168

ضربته، ولولا (١) أمّا لكان النّصب أولى ليكون عطف جملة فعليّة، على جملة فعليّة فقدّم اعتبار أمّا فكان الرّفع أولى (٢) ومثال غلبة الطلب قولك: قمت وأمّا عمرا فاضربه، بنصب عمرو، وإنّما قدّم الطلب على قرينة الرفع التي هي: أمّا وإذا لأنّك إذا رفعت وجب رفعه على الابتداء ووقع الطّلب خبرا وهو لا يقع خبرا إلّا بتأويل كما تقدّم، وأمّا النّصب فلا بعد فيه، لأنّه ينصب بفعل مقدّر مثله فلا يحتاج إلى تأويل ويستوي/ الرّفع والنّصب (٣) إذا تقدمت جملة ذات وجهين نحو: زيد قام وعمرو أكرمته، فجاز في عمرو الرفع والنّصب من غير ترجيح (٤) لأنّه إن رجّح النصب لقرب المعطوف عليه وهو الجملة الصغرى أعني قام، رجّح الرفع لعدم حذف العامل فيتعارضان (٥). واعلم أنّ نصب وعمرا أكرمته عطفا على الجملة الصغرى لا يستقيم إلّا أن يقدّر في الجملة المعطوفة ضمير يعود إلى زيد، نحو: عنده أو في داره، بحيث يصير التقدير: زيد قام، وعمرا أكرمته في داره (٦) لأنّ الجملة المعطوفة إذا لم يكن فيها ضمير يعود إلى المبتدأ، لا تصحّ أن تكون خبرا عنه، وإذا لم تصحّ أن تكون خبرا، لا يصحّ عطفها على خبره لوجوب أن يتحقّق للمعطوف ما يجب ويمتنع للمعطوف عليه، والأخفش يمنع من جواز هذه المسألة، لأنّ الجملة الصغرى المعطوف عليها، لها موضع من الإعراب لوقوعها موقع المفرد، وموضعها الرّفع لأنّها خبر المبتدأ، والجملة المعطوفة أعني وعمرا أكرمته، لا موضع لها من الإعراب، لأنّ الجمل لا موضع لها من الإعراب، إلّا إذا كانت في تأويل المفرد، فلا يصحّ عطف ما لا موضع له على ما له موضع من الإعراب، وأجاب أبو علي الفارسي (٧): أنّه لمّا كان

стр. 169

إعراب الجملة الصغرى غير ظاهر في اللفظ صارت بمنزلة ما لا موضع له من الإعراب، فصحّ أن يعطف عليها ما لا موضع له من الإعراب (١). ويجب النّصب بعد حرف التحضيض، وحرف الشّرط (٢) لأنّهما مخصوصان بالأفعال إذ لا يحضّ إلا على الفعل (٣)، ولأنّ الشرط إمّا للماضي أو للمستقبل ولا يكون إلّا فعلا كقولك: هلّا زيدا ضربته أو إن زيدا ضربته ضربته، وإذا وجب تقدير الفعل وجب النّصب (٤) ونحو: أزيد ذهب به، ليس من هذا الباب، لأنّ الفعل لم يعمل في ضمير زيد نصبا، فلو سلّط ذهب على زيد لم ينصبه ولا مناسبه أعني أذهب، فرفع زيد لازم حينئذ على الابتداء، والجملة التي بعد خبره (٥)، وقد أجاز السيرافي (٦) فيه النصب على تقدير: زيد ذهب الذّهاب به، لأنّك لمّا أسندت الفعل إلى مصدره بقي الجار والمجرور في محلّ النّصب (٧) وهو ضعيف، لأنّ المصدر لا يقوم مقام الفاعل إلّا إذا تخصّص بوصف أو بغيره لعدم الفائدة في إقامته مقام الفاعل بدون ذلك، فالقائم مقام الفاعل (٨) هو الجار والمجرور حينئذ لا المصدر (٩) وأمّا قوله تعالى وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (١٠) فليس من هذا الباب لأنّك لو حذفت الهاء من فعلوه، وسلطت الفعل على كلّ، صار إنّهم فعلوا كلّ شيء في الزّبر، وهو خلاف المقصود، لأن المعنى أنّ كلّ شيء يفعلونه فهو في الزّبر، والزّبر الكتب، أي إن فعلوا حسنا كتب لهم حسن، وإن فعلوا قبيحا/ كتب كذلك، ففعلوه صفة

стр. 170

لشيء، ولا يجوز أن تقدّر ناصبة لما قبل الموصوف (١). ذكر التّحذير (٢) وهو القسم الرابع من أقسام المفعول به الذي يجب حذف فعله الناصب له قياسا، والتحذير قسمان: أحدهما: معمول بتقدير اتّق، تحذيرا مما بعده كقولك: إيّاك والأسد، وإيّاك من الأسد، وإيّاك وأن تحذف، وإيّاك من أن تحذف، فإيّاك ضمير منصوب، والمعطوف على إياك هو المفعول الذي أضمر الفعل الناصب له المحذوف لفظا والمعنى باعد نفسك عن الأسد والأسد عنك، واتّق أن تحذف، واتّق الحذف أن يتعرّض لك (٣) وإنّما لزم حذف الفعل الناصب له، لأنّ إيّاك لما كثر في استعمالهم، جعلوه نائبا عن الفعل الناصب الذي هو اتّق أو باعد، وأقاموه مقامه فلم يجز إظهاره لذلك. والثاني: معمول بتقدير اتّق أيضا لكن المحذّر منه مكرّر، كقولك: الأسد الأسد، والصبيّ الصبيّ، والمعنى احذر الأسد احذر الأسد، واحذر إيطاء الصبي إحذر إيطاء الصبي، ومعنى إيطاء الصبي: إيطاء الدّابة الصبيّ (٤)، فأقيم الأوّل مقام احذر، فلزم إضمار احذر، لأنّه لو أظهر لكان قد أدخل الفعل على ما قام مقامه، وكان كإدخال الفعل على الفعل (٥) ولك في: إياك من أن تحذف، عبارة أخرى وهي: إياك أن تحذف، بحذف من لأن حروف الجر تحذف مع أن وأنّ كثيرا، لطولهما بالصلة ولا يجوز أن يقال: إياك الأسد، بتقدير: إيّاك والأسد، ولا بتقدير إياك من الأسد، لامتناع حذف حرف العطف، وامتناع حذف حرف الجرّ من الأسماء الصريحة في مثل هذا الباب (٦) لكن حذف في غير هذا الباب توسّعا في الكلام إذا

стр. 171

علمت تعديته في مثل قوله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ (١). ذكر المفعول فيه (٢) وهو ما فعل فيه فعل مذكور من زمان أو مكان، فيخرج نحو: يوم الجمعة مبارك، فإنّه وإن كان يقع فيه فعل، لكنّه غير مذكور فلا يكون مفعولا فيه، وشرط نصبه أن تكون «في» مقدّرة فيه، لأنّها لو كانت ملفوظة امتنع نصبه ووجب خفضه ولو لم تكن مقدّرة كان اسما صريحا ولم يكن مفعولا فيه، وظرف الزمان معيّنا كان أو مبهما فإنّه يقبل النّصب بتقدير «في» وظرف المكان إن كان مبهما قبل النّصب بتقدير «في» خلاف المعيّن مثل: المسجد والسّوق (٣) وإنّما كان كذلك لأنّ الفعل يدلّ على الزمان الخاصّ أي المعيّن من ماض ومستقبل، وكلّ ما دلّ على الخاصّ دلّ على العامّ لوجوب استلزام الخاصّ العامّ من غير عكس، وأمّا المكان فالفعل يستلزم مكانا من الأمكنة مبهما، والعامّ لا دلالة له على الخاصّ فلم يقبل تقدير «في»، في غير المكان المبهم (٤) والمكان المبهم: هو الجهات: (٥) أمام (٦) وفوق/ وتحت ويمنة ويسرة، وكذلك ما كان بمعناها، أو ملحقا بها كالميل والفرسخ (٧) وحمل على المكان المبهم: عند ولدى وشبههما، لإبهامها نحو: دون ومع، وحمل أيضا على المكان المبهم لفظ مكان في قولك: جلست مكانك مع كونه معيّنا لكثرة استعماله (٨)، أو أنّه

стр. 172

كالجهات لكثرة الأمكنة، وحملت الأمكنة المعيّنة التي تقع بعد «دخلت» في قولك: دخلت الدّار على الأمكنة المبهمة فنصبت بتقدير «في» على الأصحّ (١). لأنّ المبرّد والجرميّ (٢) ذهبا إلى أنّ دخل متعدّ بنفسه، فيكون المنصوب بعده مفعولا به لا ظرفا (٣)، والصحيح أنّ دخل لازم لأنّ مصدره فعول، وهو من المصادر اللّازمة غالبا (٤) وقد ينصب الظرف بعامل مضمر (٥) عند قيام القرينة كقول القائل: متى سرت؟ فتقول: يوم الجمعة وكذا كم سرت؟ فتقول: يومين، أي: سرت يوم الجمعة وسرت يومين، وقد ينصب الظرف بعامل مضمر على شريطة التفسير، مثل باب: زيدا ضربته نحو: اليوم سرت، فيختار رفعه، وقام زيد، واليوم سرت فيه، وما اليوم سرت فيه، واليوم سر فيه، فيختار النّصب وقس على ذلك ما في الباب في استواء الأمرين فيه، (٦) ووجوب نصبه إذا وقع بعد حرف الشّرط والتحضيض (٧). واعلم أنّه قد يجعل المصدر حينا لسعة الكلام (٨) فيقال: كان ذلك مقدم الحاجّ، وخفوق النّجم وخلافة فلان وصلاة العصر، فخفوق النّجم بمعنى مغيبه (٩)، والخلافة والصّلاة مصدران أيضا جعلا حينا توسّعا وإيجازا، أمّا التوسّع فإنّه جعل المصدر حينا، وليس من أسماء الزمان، وأمّا الإيجاز فلحذف المضاف إذ التقدير، وقت خفوق النّجم، ووقت صلاة العصر فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه (١٠).

стр. 173

ذكر المفعول له (١) وهو ما فعل لأجله فعل مذكور، مثل: ضربته تأديبا، وقعد عن الحرب جبنا، فالتأديب فعل لأجله فعل مذكور، وهو الضّرب، فالمفعول له هو السّبب الحامل للفاعل على الفعل (٢)، والفعل قد يكون سببا (٣) للمفعول له في الخارج نحو: ضربته تأديبا، وقد لا يكون نحو: قعد عن الحرب جبنا، فإنّ القعود ليس سببا للجبن في الخارج. وشرط نصبه (٤): أن تكون اللّام مقدّرة، لأنّها لو كانت ملفوظة لكان مجرورا، وإنّما يجوز حذف اللّام بشرطين: أحدهما: أن يكون المفعول له فعلا لفاعل الفعل المعلّل، كما أنّ التأديب وهو المفعول له فعل لفاعل الضّرب وهو الفعل المعلّل، والثاني: أن يكون المفعول له مقارنا للفعل في الوجود فإن لم يكن فعلا له لم يجز حذف اللام، نحو: جئتك للسّمن، وكذلك إن لم يقارنه، نحو: جئتك اليوم لمخاصمتك زيدا أمس (٥). ذكر/ المفعول معه (٦) وهو مذكور بعد الواو لمصاحبة معمول فعل لفظا أو معنى، واحترز بقوله: بعد الواو، مما يذكر بعد الفاء وثمّ وغيرهما من حروف العطف لانتفاء معنى المصاحبة منهنّ، واحترز بقوله: لمصاحبة معمول فعل، عن المذكور بعد الواو وليس كذلك مثل: زيد وعمرو أخواك، وكلّ رجل وضيعته، فإنّه مذكور بعد الواو للمصاحبة لكن لا لمصاحبة معمول فعل، وعن المذكور بعد معمول فعل ولكن لا للمصاحبة مثل جاءني زيد وعمرو قبله أو بعده فعمرو مذكور بعد الواو وبعد معمول فعل لكن لا

стр. 174

للمصاحبة لتخصيصه بالمجيء قبله أو بعده (١). والفعل العامل في المفعول معه يكون لفظا نحو: جئتك وزيدا، ويكون معنى نحو: ما لك وزيدا (٢) والمراد بالفعل لفظا: الفعل وشبهه من أسماء الفاعل، والصفة المشبّهة، والمصدر ونحوها، والمراد بالفعل معنى، أي تقديرا غير ما ذكر مما يستنبط فيه معنى الفعل نحو: ما لك وزيدا، وما شأنك وعمرا، لأنّ التقدير ما تصنع وعمرا (٣) فأمّا إذا لم يكن في الكلام فعل ولا معنى فعل فلا يجوز النّصب، فإذا قلت: ما أنت وعبد الله، وكيف أنت وقصعة من ثريد، فالوجه الرفع (٤) لانتفاء الناصب وهو الفعل أو معناه بواسطة الواو بخلاف قولك: قام زيد وعمرا، بنصب عمرو لوجود الفعل لفظا، وإن كان لازما لأنّ الواو هي المعدّية له حتى نصبه، فالواو هنا بمعنى الباء، والباء تعدّي الفعل فكذلك (٥) الواو، والمفعول معه قياسيّ كسائر المفاعيل، وبعضهم يقصره على السّماع فلا يكون قياسيّا (٦) والفعل العامل في المفعول معه إن كان لفظيّا وصحّ العطف جاز النّصب والرفع (٧) نحو: قمت أنا وزيد وزيدا، فالرفع عطف على المضمر، لوجود المؤكّد المسوّغ للعطف على المضمر، والنّصب على أنه مفعول معه لمصاحبة الفعل، قال الشّاعر (٨): وكونوا أنتم وبني أبيكم ... مكان الكليتين من الطّحال فنصب بني أبيكم على المفعول معه، وإن لم يصحّ العطف نحو: جئت وزيدا، تعيّن النّصب على المفعول معه على الأصحّ لعدم المؤكّد المنفصل المسوّغ للعطف

стр. 175

لأنّ المضمر المتصل لا يعطف عليه إلّا بعد توكيده بمنفصل، فلمّا تعذّر عطف زيد على التاء في جئت، تعيّن النّصب على المفعول معه (١)، وإن كان الفعل معنوّيا فإن صحّ العطف تعيّن، نحو: ما لزيد وعمرو، وما شأن زيد وعمرو، لأنّه لم يتقدمه فعل، والإضمار خلاف الأصل فكان جرّه متعيّنا، ومنهم من يجوّز النصب فيه، ويجعل العطف راجحا لا واجبا (٢) وإن لم يصحّ العطف تعيّن/ النصب نحو: ما شأنك وزيدا، وما لك وزيدا، وإنّما تعيّن النصب لامتناع العطف على المضمر المجرور من غير إعادة الجار لتنزل المضمر مع الجار منزلة جزء الكلمة الواحدة (٣) ولا يجوز تقديم المفعول معه على الفعل (٤) ولا على الفاعل، خلافا لابن جني (٥) فإنه يجوّز: جاء والطيالسة البرد (٦). ذكر الحال (٧) وهي الأولى من المشبّهات بالمفعول، ووجه شبهها به أنها فضلة (٨)، والحال يذكّر ويؤنّث، وسمّيت حالا لعدم ثبوتها لأنّها من حال يحول إذا تغيّر، ويدلّ على ذلك أنّ الحال لا يجوز أن يكون خلقة، ولا يكون إلّا صفة غير لازمة غالبا، فلذلك لا تقول: جاء زيد طويلا ولا أحمر، وحدّها: أنها ما يبيّن هيئة الفاعل والمفعول لفظا أو معنى، حالة الفاعلية والمفعولية فقولنا: ما يبيّن، كالجنس، وهيئة الفاعل أو المفعول فصل، فخرج بالهيئة غير مبيّن الهيئة سواء كان مبيّنا للذات كالتمييز، أو لم يكن كالنّعت، وخرج بإضافة الهيئة إلى الفاعل أو المفعول، النعت نحو: جاءني

стр. 176

زيد الراكب، لأنّ الراكب مبيّن لهيئة زيد لا بالنظر إلى كونه فاعلا أو مفعولا، وكذلك خرج القهقرى في قولك: رجع القهقرى، فإنها مبيّنة لهيئة الفعل الذي هو الرجوع لا لهيئة الفاعل أو المفعول، وإنّما قال: ما يبيّن ولم يقل: اسم يبيّن لأنّ الحال قد يكون جملة وقوله: لفظا أو معنى، أي: الفاعل الذي هو صاحب الحال يكون فاعلا لفظا وفاعلا معنى، وكذا المفعول الذي هو صاحب الحال يكون مفعولا لفظا ومفعولا معنى، فمثال الفاعل لفظا أو المفعول لفظا، قولك: ضربت زيدا قائما، فإن جعلت قائما حالا من التاء في ضربت فهو حال من الفاعل لفظا، وإن جعلته حالا من زيد فهو حال من المفعول لفظا، ومثال الفاعل معنى: زيد في الدار قائما، لأنّ التقدير استقرّ في الدار (١) وكذلك: ما لك واقفا، فواقفا حال من الضمير المجرور وهو الكاف، وهو فاعل لأنّه بمعنى ما تصنع، ومثال المفعول معنى وَهذا بَعْلِي شَيْخاً (٢) وهذا زيد قائما أي: نبّهت عليه وأشرت إليه شيخا أو قائما، وقد يكون الحال من الفاعل والمفعول بلفظ واحد إذا اتّفقا فيها نحو: لقيته راكبين، ولقيته مسلّمين، وأمّا إذا اختلفا فيها نحو: لقيته مصعدا منحدرا ففيه مذهبان: أحدهما: جواز تقديم أيّهما شئت، والثاني: تقديم حال المفعول (٣). وشرط الحال (٤) أن يكون نكرة، وصاحبها معرفة (٥) غالبا لأنّه محكوم عليه، وحقّ المحكوم عليه أن يكون معرفة (٦) وقال: غالبا لأنّه قد يكون نكرة كما سيأتي، وإنّما كانت الحال نكرة لعدم الاحتياج إلى تعريفها، ولأنّها لو كانت معرفة لالتبست/ بالصفة في

стр. 177

بعض الصور (١) وأمّا ما ورد منها غير منكّر فمؤوّل، ومنه قول لبيد (٢): فأرسلها العراك ولم يذدها ... ولم يشفق على نغص الدّخال يصف حمار الوحش أنّه أرسل الأتن إلى الماء مزدحمة، فالعراك وإن كان لفظه معرفة فمعناه التنكير، أي معتركة، وقال أبو علي الفارسي: (٣) تأويله تعترك العراك، فتعترك المقدّر هو الحال، والعراك منصوب على المصدر، والعراك الزحام، وكذلك قولهم: مررت به وحده، حال مع كونه معرفة، وقد أوّلوه أنّه بمعنى منفرد، كأنّه قال: مررت به منفردا، ويجوز نصبه على المصدر كما مرّ في العراك، وتقديره يتوحّد توحّدا، ثم حذف الفعل فبقي توحّدا ثم حذفت زوائد المصدر بقي وحده (٤) وكذلك القول في: فعله جهده أي مجتهدا أو يجتهد جهده (٥) فإن كان صاحب الحال نكرة وجب تقديمها عليه في المفرد (٦) نحو: جاءني راكبا رجل، وأنشدوا (٧) عليه:

стр. 178

لعزّة موحشا طلل قديم ... ... لأنّها لو أخّرت لالتبست بالصفة، في نحو قولك: ضربت رجلا مجرّدا من ثيابه، لأنّ الحال يتقدّم على ذي الحال، والصفة لا تتقدّم على الموصوف. وعامل الحال (١) إمّا فعل أو شبه فعل أو معنى فعل، لتحقّق الفاعل والمفعول بها، أمّا الفعل فنحو: ضربت، وأمّا شبه الفعل فهو: الصفات المشتقّة من الفعل الحقيقي الذي هو المصدر، نحو: زيدا قائما، والمراد بالصفات المشتقّة من الفعل؛ اسم الفاعل، نحو: زيد ضارب عمرا (٢) قائما، واسم المفعول نحو: زيد مضروب قائما، وأفعل التفضيل نحو: هذا بسرا أطيب منه رطبا (٣) والصفة المشبّهة باسم الفاعل، نحو: مررت بالحسن وجها قائما، وأمّا معنى الفعل فهو: ما أقيم مقام الفعل من غير الصفات والحروف واستنبط فيه معنى الفعل (٤) نحو اسم الإشارة مثل هذا بَعْلِي شَيْخاً (٥) وقد تقدّم، ونحو التمني مثل: ليت زيدا قائما، أي أتمنّاه قائما (٦) ونحو التشبيه مثل: كأنّ زيدا قائما أسد أي: أشبّهه في حال قيامه بالأسد، ونحو الظرف مثل: زيد في الدار قائما وقد تقدّم ونحو التنبيه مثل: ها هو زيد قائما، ونحو الجار والمجرور مثل: ما لك واقفا، وقد تقدّم أيضا، فهذه وشبهها استنبط فيها معنى الفعل وليست مشتقة من فعل، فالفعل وشبهه يعملان في الحال متقدّمة نحو: قائما ضرب زيد، وقائما زيد ضارب، بخلاف معنى الفعل فإنّه لا يجوز: قائما هذا زيد، لضعف

стр. 179

معنى الفعل وقوّة الأوّلين (١) بخلاف الظّرف (٢) نحو: أكلّ يوم لك ثوب، وإنّما لم تجر الحال/ مجرى الظّرف في جواز تقدّمها على الفعل المعنوي لاتساعهم في الظروف، ولا يتقدّم حال المجرور عليه، فإذا قلت: مررت قائما بعمرو، كان الحال من الضمير الفاعل في: مررت لا من عمرو، ويتبيّن (٣) بمثل: مررت قائمة بهند، فيتعيّن للمنع، ومررت قائما بهند، فيتعيّن للجواز، هذا قول الأكثرين (٤). ويكون الحال جملة خبريّة (٥) لأنّ الحال خبر عن ذي الحال، فكما جاز الإخبار عن الشيء بالجملة كذلك جاز وقوع الحال جملة وكما أنّ الجملة الإنشائيّة لا تقع خبرا فكذلك لا تقع حالا، والجملة الخبريّة التي تقع حالا تكون اسميّة، وتكون فعليّة، والفعليّة بفعل مضارع وماض، وكلّ منهما يكون مثبتا ومنفيّا كما سنمثله، والجملة الاسميّة إذا وقعت حالا لزمها الواو، كقولك: جاء زيد ويده على رأسه، وحذف الواو معها استغناء بالضمير شاذّ، وحذف الضمير استغناء بالواو فصيح (٦) كقولك: جاءني زيد وعمرو منطلق، وقد وردت بالضمير وحده كقولك: كلّمته فوه إلى فيّ وهو شاذّ (٧) وأما قوله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ (٨) وهو وقوع الجملة الاسميّة حالا بغير واو، فيحتمل أن تكون وجوههم مسودّة مفعولا ثانيا لترى، أو تكون حالا (٩) وحذفت الواو كراهة

стр. 180

اجتماع الواوين كما حذفت واو العطف من قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (١) تخفيفا لاجتماع الواوين إذ المعنى، ووجوه يومئذ ناعمة، وتحذف الواو من الجملة الفعليّة إذا كان فعلها مضارعا مثبتا كقولك جاء زيد يقرأ، ولا يقال في مثله ويقرأ، لأنّه في معنى قارئا معنى وزنة (٢) وإن لم يكن المضارع مثبتا أو كان الفعل ماضيا مثبتا، أو منفيّا، جاز أن تأتي بالواو والضمير معا، وبالواو وحدها، وبالضمير وحده، ولا بدّ في الماضي من قد ظاهرة أو مقدّرة (٣) فذلك تسعة أقسام، ثلاثة مع الواو والضمير، وهي: مضارع منفيّ مثل: جاءني زيد وما يتكلّم غلامه، وماض مثبت مثل: جاءني زيد وقد تكلّم غلامه، وماض منفيّ مثل: جاءني زيد وما خرج غلامه، وثلاثة بالواو فقط وهي مضارع منفيّ، مثل جاءني زيد ولم يتكلّم عمرو، وماض مثبت مثل: جاءني زيد وقد تكلّم عمرو، وماض منفيّ مثل: جاءني زيد وما تكلّم عمرو، وثلاثة بالضمير فقط، مضارع منفيّ مثل: جاءني زيد ما يتكلّم غلامه، وماض مثبت مثل: جاءني زيد قد تكلّم غلامه، وماض منفيّ مثل: جاءني زيد ما تكلّم غلامه (٤). وكلّ ما دلّ على هيئة صحّ وقوعه حالا (٥) سواء كان مشتقّا أو لم يكن نحو: هذا بسرا أطيب منه رطبا، أي هذا حال كونه بسرا أطيب/ منه حال كونه رطبا، فالبسر والرّطب حالان مع أنّهما ليسا بمشتقّين ولكن لدلالتهما على الهيئة صحّ وقوعهما حالا. والعامل في رطبا هو أطيب بالاتفاق، وفي بسرا خلاف؛ فقال الفارسي: هو هذا أي اسم الإشارة أو حرف التنبيه، وقال ابن الحاجب: هو أطيب، وجوّز عمل أفعل التفضيل فيما قبله لأنه مثل قولك: تمر نخلتي بسرا أطيب منه رطبا. مع أنّ العامل في بسرا هو أفعل التفضيل بالاتفاق (٦).
следующие страницы →