← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17687

الكناش في فني النحو والصرف

أبو الفداء

Полный текст (778 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفاعل وهي اسم» (١)، وأفاد أن الفعل هو العامل في المفعول إذ ذكر أنه «قد يحذف الفعل الناصب للمفعول به جوازا لقرينة تدل عليه كقولك: زيدا، لمن قال: من أضرب أي أضرب زيدا» (٢) وأكد على ذلك في موضع آخر فقال: «وقد يتقدم المفعول به على الفعل العامل فيه لأن الفعل قوي في العمل» (٣) ومعلوم أن الكوفيين قد ذهب أكثرهم إلى أن العامل في المفعول به هو الفعل والفاعل جميعا (٤). ب - نصه على أن عامل الرفع في المبتدأ معنوي، ذكر ذلك حين تحدث عن مواضع تعذر اتصال الضمير إذ قال: «أو يكون العامل معنويا كالمبتدأ والخبر نحو: أنا زيد وأنا قائم لأنه إذا كان معنويا تعذر الاتصال به» (٥) وما ذهب إليه أبو الفداء هو مذهب البصريين في حين ذهب الكوفيون إلى أن المبتدأ يرفع الخبر، والخبر يرفع المبتدأ فهما يترافعان (٦). ج - ذكره أن عامل النصب في المفعول معه هو الفعل خلافا للكوفيين الذين رأوا أنه منصوب على الخلاف، وخلافا للجرجاني القائل بأن ناصبه الواو، وخلافا للزجاج القائل بأن ناصبه فعل مضمر بعد الواو (٧). قال أبو الفداء «والفعل العامل في المفعول معه يكون لفظا نحو: جئت وزيدا ويكون معنى نحو: ما لك وزيدا، والمراد بالفعل لفظا الفعل وشبهه من أسماء الفاعل والصفة المشبهة والمصدر ونحوها والمراد بالفعل معنى أي تقديرا غير ما ذكر مما يستنبط فيه معنى الفعل نحو: ما لك وزيدا وما شأنك وعمرا، لأن التقدير ما تصنع وعمرا، فأمّا إذا لم يكن في الكلام فعل ولا معنى فعل فلا يجوز النصب فإذا قلت: ما أنت وعبد الله وكيف أنت وقصعة من ثريد فالوجه الرّفع لانتفاء الناصب» (٨).

стр. 37

٢ - السماع والقياس وكلاهما حرص على بيانه أبو الفداء في كناشه، وفق الأساس العام الذي وضعته مدرسة البصرة النحوية، وقد ظهر حرصه وتشدّده فيهما في عدة صور: أ - في ذكره ومتابعته للمصطلحات التي جرى عليها البصريون فالمراد «بالمطرد جري الباب قياسا من غير حاجة إلى سماع في كلّ فرد منه»، والمراد «بالواجب ما لا يجوز غيره»، والمراد «بغير المطرد ما يتوقف كلّ فرد منه على السماع» والمراد «بالجائز ما يجوز فيه الإبدال مثلا - وتركه» (١) والمراد «بالقياسي ما يعرف بقاعدة معلومة من استقراء كلامهم يرجع إليها فيه، والسماعي ما ليس كذلك بل يفتقر كلّ اسم منه على سماع» (٢) والشاذ - عند أبي الفداء - لا يعتدّ به (٣) أمّا النادر فهو كالمعدوم (٤). ب - في ردّه على الفراء القائل بأن وزن أشياء (أفعاء) لأن أصله أشيئاء على وزن أفعلاء جمع لشيّء على وزن (فيعل) ذلك أن شيئا أصله شيّيء ثم خفّف كما خفّف ميت وجمع بحسب الأصل على أشيئاء ثم حذفت الهمزة التي بين الياء والألف وهي لام الكلمة فصار وزنه أفعاء» وقد رده أبو الفداء بقوله: «وهو مردود بأنه لم يسمع شيّئ، فلو كان هو الأصل لكان شائعا كميّت وبأنه حذف لام الفعل على غير قياس، لأن الهمزتين إذا توسطهما الألف لا تحذف إحداهما ولا هما» (٥). ح - في تأكيده أنه لا يجوز القياس على القليل والنادر فهو لا يجوّز القياس على نحو: عبشمي وعبدري وعبقسي لأنه «نادر في كلامهم لا يقاس عليه» (٦). ٣ - العلة اهتم بها اهتماما كبيرا، فأكثر من إيراد العلل لتفسير الأحكام النحوية،

стр. 38

وللوقوف على الحكم الدقيقة من ورائها، تلك التي أرادتها العرب من طرائق أساليبها وهذه العلل - عموما - هي علل البصريين ومن أيدهم من النحويين المتأخرين، من ذلك تعليله لمنع ترخيم الاسم الثلاثي كزيد، قال: «لئلا يحصل الإجحاف بالحذف فيخرج عن أبنية الاسم» (١). ومثله تعليله لبناء المنادى المفرد المعرفة - على ما يرفع به نحو: يا زيد، قال «وإنما بني لشبهه بالمضمر، لأنه لا ينفك في المعنى عن كونه مخاطبا معينا، وحكم المخاطب أن يكون مضمرا» (٢). ومن آرائه الدالة على نزعته البصرية ما يأتي: ١ - نصّه على أن الجزم بكيفما شاذ، وذلك بقوله: «والجزم بكيفما شاذ خلافا للكوفيين فإنهم يجزمون بكيف مع ما» (٣). ٢ - عدم تجويزه دخول ياء النداء على ما فيه أل، واعتبار ما ورد من ذلك شاذا لا يعتدّ به، قال «وأدخلوا حرف النداء على اللّام في اسم الله خاصة، نحو: يا ألله إما لكثرته وإمّا لأنّ اللّام ليست للتعريف وقد ورد في الشعر: من أجلك يا التي تيّمت قلبي ... ... وهو شاذ لا يعتدّ به ولا بما يأتي من ذلك» (٤) وقد ذهب الكوفيون إلى جواز نداء ما فيه الألف واللام نحو: يا الرجل ويا الغلام ومنعه البصريون (٥). ٣ - تضعيفه مذهب الكوفيين المجيزي العطف بلكن بعد الإيجاب في المفردات قال: «وأما لكن فإن وقع بعدها مفرد كانت للاستدراك، ولزم تقدّم النفي عليها نحو ما جاءني زيد لكن بكر وأجاز الكوفيون العطف بعد الإيجاب في المفردات وهو

стр. 39

ضعيف» (١). ٤ - تأييده مذهب البصريين في كون من الزائدة لا تزاد إلّا بعد غير الموجب حيث يقول: «وتقع من زائدة وتعرف بأنك لو حذفتها لكان المعنى الأصلي على حاله، ولا يفوت بحذفها سوى التأكيد كقولك: ما جاءني من أحد، وهي مختصة عند البصريين بغير الموجب، وجوّز الكوفيون والأخفش زيادتها في الواجب أيضا واستشهدوا بقولهم: قد كان من مطر، وتأويله قد كان شيء من مطر فتكون للتبعيض، واستدلوا أيضا بقوله تعالى: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ (٢) وقد قال: يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً (٣) والجواب أن من هاهنا أيضا للتبعيض أي يغفر لكم بعض ذنوبكم وهو خطاب لقوم نوح» (٤). ٥ - تقريره أنّ خبر كان نصب تشبيها له بالمفعول، وأنّ اسمها رفع تشبيها له بالفاعل في حين ذهب الكوفيون إلى أن نصب خبرها جاء تشبيها له بالحال، قال أبو الفداء: «وإنما رفعت - كان - الأول لأنها تفتقر إلى اسم تسند إليه كسائر الأفعال فارتفع ما أسندت إليه تشبيها له بالفاعل فلما رفعت الأول وجب نصب الثاني على التشبيه بالمفعول» (٥). ٦ - منعه تقديم خبر ما أوّله ما من أخوات كان، قال: «ويجوز في الباب كله تقديم الخبر عليها أنفسها نحو: قائما كان زيد، إلّا ما أوّله ما، فإنه لا يقدم عليها الخبر فلا يقال: قائما ما فتئ زيد، لأن ما إما نافية أو مصدرية ويمتنع تقديم ما في حيّز النفي عليه، وتقديم معمول المصدر على المصدر» (٦) وقد ذهب الكوفيون إلى جواز تقديم خبر ما زال عليها وما كان بمعناها ومنع ذلك البصريون (٧).

стр. 40

٧ - ذهابه إلى أن وزن سيّد وميّت فيعل بكسر العين لا فعيل كما ذهب إليه الكوفيون ولا فيعل بفتح العين كما ذهب إلى ذلك البغداديون قال: «والصحيح أنّ وزن سيّد وميّت فيعل بكسر العين وهو بناء مختص بالمعتل لأنّ المعتلّ ضرب بذاته ولا حاجة إلى أن يقال إنه فيعل بفتح العين ثم نقل إلى كسرها لعدم فيعل بكسر العين لأنه إنما هو معدوم في الصحيح خاصة لا في المعتل» (١). ٨ - عدم تجويزه جمع نحو: طلحة وحمزة وعلّامة ونسّابة مما فيه تاء التأنيث بالواو والنون في حين أجازه الكوفيون مطلقا (٢). ٩ - عدم تجويزه ضم ما قبل الواو في حالة الرفع وكسر ما قبل الياء في حالتي النصب والجر في نحو: مصطفون ومصطفين، قال: «وإن كان آخره ألفا حذفت لالتقاء الساكنين وترك ما قبل الياء مفتوحا لتدل الفتحة على الألف المحذوفة فيقال في الرفع: مصطفون بفتح الفاء وفي النصب والجر: مصطفين بفتحهما أيضا، وأجاز الكوفيون ضمّ ما قبل الواو وكسر ما قبل الياء قياسا على المنقوص وهو ضعيف، لأنّ النصّ في قوله تعالى وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ (٣) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ (٤) على خلافه، وأيضا فإن فتحة ما قبل الألف في نحو: مصطفى لم يتعذر بقاؤها، فلم يجب التغيير فبقيت الفتحة على حالها» (٥). ١٠ - نصّه على أن تعريف العدد المركب يكون بتعريف جزئه الأول فيقال: جاء الأحد عشر رجلا في حين ذهب الكوفيون إلى جواز تعريف الجزأين فيقولون: الأحد العشر رجلا (٦). وبصريّة أبي الفداء هذه لم تمنع عقله المتحرر من أن يؤيد الكوفيين في بعض

стр. 41

آرائهم من ذلك: ١ - تجويزه النصب في نحو: زيدا دراكه لأنه على تقدير الرفع يلزم وقوع الطلب خبرا عن المبتدأ وهو بعيد - كما يقول أبو الفداء - وأجاز الرفع على تقدير زيد مقول فيه، وعلى تقدير النصب لا يلزم إلا حذف الفعل وهو كثير غير بعيد (١). وقد ذهب الكوفيون إلى جواز النصب ومنعه البصريون (٢). ٢ - تأييده مذهب الكوفيين تبعا لابن الحاجب في كون كي هي الناصبة للفعل المضارع وليست أن المضمرة كما ذهب إلى ذلك البصريون قال: «وكي تنصب أبدا ومعناها أن ما قبلها سبب لما بعدها ... وهي ناصبة للفعل عند الكوفيين وهو اختيار ابن الحاجب، وذهب بعضهم إلى أنّ كي حرف جرّ فلا تدخل على الفعل إلّا بتقدير أن بعدها، وردّ بأنّها لو كانت حرف جر لما جاز الجمع بينهما وبين اللام في نحو قولك: قمت لكي تقوم» (٣). واتجاه أبي الفداء العام نحو المذهب البصري رافقه اتجاه خاص نحو أعلام كثير من النحويين فقد توقف أبو الفداء أمام آرائهم عالما ملك أصول وأطراف هذه الصناعة فبرزت مواقفه من هذه الآراء على النحو الآتي: ١ - الخليل المتوفى ٧٥ هـ وسيبويه المتوفى ١٨٠ هـ. أ - عرض أبو الفداء - أحيانا - الخلاف بين الخليل وسيبويه من غير أن يرجّح رأيا على آخر من ذلك قوله: «وأمّا قولهم ها أنذا ونحوه، فحرف التنبيه داخل على الاسم المضمر عند سيبويه لأنّ أنا في ها أنذا هو الذي يلي حرف التنبيه، وأمّا عند الخليل فداخل على المبهم أعني ذا والتقدير أنا هذا، ففصل بالمضمر بين حرف التنبيه وبين المبهم» (٤). ب - رجح أبو الفداء رأي سيبويه على رأي الخليل في كون - لن - حرفا برأسه

стр. 42

وليس مركّبا من - لا أن - كما قال بذلك الخليل قال أبو الفداء: «ولن لتأكيد ما تعطيه - لا - من نفي المستقبل تقول: لا أبرح اليوم مكاني، فإذا أكدت قلت: لن أبرح، والصحيح أنها حرف برأسها لا أنها من لا أن» (١). ٢ - سيبويه ويونس المتوفى ١٨٣ هـ أ - نقل أبو الفداء كثيرا من آراء يونس من غير أن يبدي رأيه فيها من ذلك قوله «وحكى يونس إيمن بكسر الهمزة» (٢). ب - عرض أبو الفداء - أحيانا - الخلاف بين سيبويه ويونس من غير أن يرجّح رأيا على آخر من ذلك قوله في النسب: «وإذا نسبت إلى بنت وأخت قلت: بنويّ وأخويّ عند سيبويه ... ويونس ينسب إليهما بغير تغيير فيقول: بنتيّ وأختيّ (٣). ٣ - سيبويه والأخفش المتوفى ١٨٦ هـ أ - أيد أبو الفداء سيبويه في ذهابه إلى أن كلّ ياء هي عين ساكنة مضموم ما قبلها، حكمها أن تقلب الضمّة كسرة لتسلم الياء نحو: بيض جمع بيضاء، والأصل بيض بضمّ الفاء مثل: حمر جمع حمراء، انقلبت الضمّة كسرة لتصحّ الياء، وذهب الأخفش إلى قلب الياء واوا فيقال على مذهبه بوض» وعلّق أبو الفداء بعد عرضه الخلاف بقوله: «ومذهب سيبويه هو القياس لأنّ الضرورة ملجئة في اجتماع الياء والضمّة إلى تغيير إحداهما وتغيير الحركة أولى من تغيير الحرف، لأنّ المحافظة على الحرف أولى من المحافظة على الحركة» (٤). ب - رجّح أبو الفداء مذهب الخليل وسيبويه على مذهب الأخفش في كون واو المفعول هي المحذوفة في نحو: مقول وليس عينه كما ذهب إلى ذلك الأخفش قال

стр. 43

أبو الفداء: «والمحذوف عند الخليل وسيبويه هو واو مفعول لزيادتها وأصالة العين، ولقولهم: مبيع إذ لو كان المحذوف هو الياء لقالوا: مبوع، وعند الأخفش أن المحذوف العين دون واو مفعول لمجيئها لمعنى وما كان لمعنى فهو أولى بالبقاء، وأمّا قولهم: مبيع دون مبيوع فلأنّ الضمّة لمّا نقلت عن الواو والياء قلبت كسرة في باب مبيع إمّا للتنبيه على بنات الياء أو للياء التي سكّنت بعدها ثمّ حذفت فلما قلبت كسرة في باب مبيوع انقلبت واو مفعول ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ورجّح مذهب الخليل وسيبويه لأنّه أقلّ تغييرا» (١). غير أن هذا التأييد لسيبويه لا يعني أنّ أبا الفداء لم يرجح رأيا للأخفش اقتنع به وارتضاه، من ذلك أنّ سيبويه والمتقدّمين أجازوا اشتقاق اسم الفاعل من اسم العدد للدلالة على التصيير مما زاد على العشرة، فأجازوا القول خامس أربعة عشر وردّ ذلك أبو الفداء مؤيدا رأي الأخفش المانع لذلك بقوله: «ويشتقّ من اسم العدد اسم فاعل كقولك ثالث ورابع وخامس ونحوه وله معنيان فالأول: أن يشتقّ اسم الفاعل باعتبار التصيير بمعنى أن يكون زائدا على المذكور معه بواحد كقولك: ثاني واحد وثالث اثنين إلى عاشر تسعة في المذكر وثانية واحدة وثالثة اثنين إلى عاشرة تسع في المؤنث أي هذا الذي صيّر الواحد بانضمام نفسه إلى اثنين وصيّر التسعة عشرة بنفسه بمعنى أنه ثنّى الواحد وعشّر التسعة ... ولا يتجاوز فيه عن العاشر والعاشرة فلا يقال: خامس عشر أربعة عشرة، وسيبويه والمتقدمون يجيزون خامس أربعة عشر، والصحيح عدم جواز ذلك وهو مذهب الأخفش والمبرد والمتأخرين، لأنه مأخوذ من الفعل والتقدير كان واحدا فثنيّته أو اثنين فثلّثتهما أو تسعة فعشّرتهم وليس لما بعد العشرة ما يمكن منه ذلك» (٢). ٤ - المازني المتوفى ٢٤٧ هـ أ - عرض أبو الفداء آراء المازني - أحيانا - من غير تعليق، من ذلك قوله: «واعلم أنّ الألف الثالثة التي تكتب بالياء إن كانت تلك الألف في اسم منوّن نحو:

стр. 44

رحى، فالمختار عند ابن الحاجب أن يكتب بالياء في الأحوال كلها، وهو قياس المبرد، وأمّا قياس المازني فيكتب بالألف في الأحوال كلها أي في النصب والجر والرفع، وقياس سيبويه أن يكتب المنصوب بالألف والمرفوع والمجرور بالياء» (١). ب - خالف أبو الفداء المازنيّ حين ذهب إلى أنّ إبدال الهمزة من الواو المكسورة أولا هو إبدال مطرد في حين نصّ أبو الفداء على كونه غير مطرد بقوله: «ومنها: إبدال الهمزة من الواو التي هي غير مضمومة وهو أيضا إبدال غير مقيس عليه، فقد أبدلوا الهمزة منها إذا وقعت أولا إبدالا غير مطرد نحو: وشاح ووسادة فتقول إشاح وإسادة .. بهمز ذلك كله، وقد رأى المازني أنّ الإبدال من المكسورة خاصة مقيس مطرد» (٢). ٥ - سيبويه والمبرّد المتوفى ٢٨٥ هـ أبرز أبو الفداء مواقف المبرد من آراء سيبويه في الصور الآتية: أولا: كان - أحيانا - يعرض خلافه مع سيبويه من غير أن يبدي رأيه، من ذلك: أ - أن الكوفيين والمبرّد قد ذهبوا إلى أن الجرّ بالواو لا بربّ في حين ذهب سيبويه وغالب البصريين إلى أنّ واو ربّ تجر بربّ المضمرة بعدها، قال أبو الفداء: «وأما واو ربّ فهي التي يبتدأ بها في أول الكلام بمعنى ربّ، ولهذا تدخل على النكرة الموصوفة وتحتاج إلى جواب مذكور أو محذوف ماض كما قيل في ربّ، وهذا مذهب الكوفيين والمبرد فإن الجرّ عندهم بالواو لا بربّ. والمذهب الآخر مذهب سيبويه وغالب البصريين أن واو ربّ إنما تجر بربّ مضمرة بعدها» (٣). ب - عرضه لخلافهما حول حاشا، قال أبو الفداء: «وحاشا حرف جرّ وفيه معنى الاستثناء - وهذا مذهب سيبويه - وهي فعل عند المبرد» (٤). ج - ذكره لرأيهما حول عمل إن المكسورة الهمزة المخفّفة عمل ليس قال:

стр. 45

«ولا يجوز إعمالها عمل ليس عند سيبويه وأجازه المبرد» (١). ثانيا: وكان - أحيانا - يخالف رأي المبرد ويؤيد رأي سيبويه من ذلك: أ - أن سيبويه أجاز قولهم: «الله لأفعلنّ» بالجرّ على إرادة الحرف المحذوف وردّ ذلك المبرد لأنّ حرف الجر لا يعمل مضمرا، وعلّق أبو الفداء قائلا: «وإنما يجوز الجرّ في اسم الله تعالى خاصة لكثرة القسم به والنصب فيه وفي غيره» (٢). ب - أن المبرد أجاز دخول حتّى على المضمر فيقال على مذهبه: حتّاه، ومنع ذلك سيبويه وأيده أبو الفداء بقوله: «وحتّى لا تدخل إلا على اسم ظاهر فلا يقال: حتّاه كما يقال: إليه خلافا للمبرد» (٣). ج - ذهب المبرد إلى أن: الدّار في قولنا: دخلت الدار نصب لأنّ دخل فعل متعدّ بنفسه والمنصوب بعده مفعول به وليس ظرفا، في حين نصبها سيبويه على الظرفية لكونها في تقدير في وأضاف أبو الفداء قائلا: «والصحيح أنّ دخل لازم لأنّ مصدره فعول وهو من المصادر اللازمة غالبا» (٤). د - أيد أبو الفداء سيبويه في ذهابه إلى أن النسب إلى نحو: قريش قريشي - بإثبات الياء - في حين نصّ المبرد على أنّ النسب إليها يجوز أن يكون قرشيّ - بحذف الياء - وأن ذلك مطرد ينقاس عليه، وقد عدّ أبو الفداء ذلك شاذا على خلاف القياس» (٥). ثالثا: وكان - على قلة - يوافق المبرد على رأيه، من ذلك: أ - موافقته له في جواز الجمع بين الفاعل الظاهر وبين النكرة المميزة لهذا الفاعل في نحو: نعم الرجل رجلا زيد، في حين أن سيبويه لا يجيز ذلك، قال أبو الفداء: «واعلم أنه يجوز الجمع بين الفاعل الظاهر وبين النكرة المميزة تأكيدا للفاعل

стр. 46

الظاهر فتقول: نعم الرجل رجلا زيد، وهو جمع بين المفسّر والمفسّر، لكن جوّز لتأكيد الظاهر وللتنبيه على أنّ هذا هو الأصل» (١). ٦ - ابن كيسان المتوفى ٢٩٩ هـ أ - قرر أبو الفداء أن ألفاظ التوكيد المعنوي تأتي تالية لأجمع، وقد ذهب ابن كيسان إلى جواز الابتداء بكل واحد منها، قال أبو الفداء عارضا رأي ابن كيسان في ذلك: «وللمعنوي ألفاظ معدودة وهي نفسه وعينه وكلاهما وكلتاهما وكلّ وأجمع وأكتع وأبتع وأبصع وهي تالية لأجمع لأنها لا تتقدّم عليه لكونها توابع لها خلافا لابن كيسان، فإنه جوّز الابتداء بكلّ واحد منها» (٢). ٧ - الزجاج المتوفى ٣١١ هـ أ - خالف أبو الفداء الزجاج في رأيه القائل بأن زيدا منصوب على البدل من لفظ أحد في مثل قولنا: لا أحد في الدار إلا زيدا، والجمهور على رفع زيد على البدل من المحلّ، قال أبو الفداء: «لا أحد في الدار إلا زيد ولا إله إلّا الله بالرفع على البدل من المحلّ ولا يجوز النصب على البدل من لفظ أحد وإله، خلافا للزجاج، وإنما تعيّن البدل من المحلّ دون اللفظ لأنّ العامل لفظا لما كان (لا) وهي إنما تعمل للنفي وما بعد «إلّا» إذا وقع في سياق النفي كان مثبتا، والبدل في حكم تكرير العامل، فلو قدّرت بعد «إلّا» لزم الجمع بين المتناقضين لأنّ (لا) تقتضي نفي ما بعدها، «إلّا» تقتضي إثباته» (٣). ب - غلب على أبي الفداء عرض آراء الزجاج، من ذلك نقله لرأيه المانع فيه تقديم حقا في نحو قولنا: حقّا زيد قائم، قال أبو الفداء: «قال الزجاج ولا يجوز تقديم حقا كقولك: حقا زيد قائم قال: فإن وسطته فقلت: زيد حقا قائم جاز ذلك ... ولم يذكر سيبويه امتناع تقديمه» (٤).

стр. 47

٨ - ابن السراج المتوفى ٣١٦ هـ ذكره في موضع واحد بقوله: «قال ابن السراج: إنه لا زائد في كلام العرب لأن كلّ ما يحكم بزيادته فإنه يفيد التوكيد فهو داخل في قسم المؤكد (١)» غير أن بعض الآراء التي ذكرها أبو الفداء في بعض المسائل هي في كتب النحو منسوبة إلى ابن السراج، فبدت في الكناش على النحو الآتي: أ - وافق أبو الفداء ابن السراج في إيجابه مجيء ربّ مختصة بنكرة موصوفة قال: «واختصّت بالنكرة لعدم الاحتياج إلى المعرفة ووجب أن تكون النكرة موصوفة على الأصح ليتحقق التقليل الذي هو مدلول ربّ، لأنه إذا وصف الشيء صار أخص مما لم يوصف» (٢). ب - وخالفه في ذهابه إلى حرفية ليس قال: «ومذهب بعض النحاة أنها حرف ... والصحيح أنها فعل لاتصال الضمائر بها نحو: لست ولست وما أشبه ذلك، وذلك من خواصّ الأفعال» (٣). ٩ - الزجاجي المتوفى ٣٤٠ هـ ١ - نقل أبو الفداء موافقة الزجاجي للكوفيين في تجويزهم الجزم بكيفما، وحكم بشذوذ ذلك قال: «وقد جازى بها الكوفيون واختاره الزجاجي في الجمل فتقول كيفما تكن أكن» (٤) وردّ أبو الفداء ذلك بقوله: «والجزم بكيفما شاذ خلافا للكوفيين» (٥). ١٠ - أبو سعيد السيرافي المتوفى ٣٦٨ هـ لم يذكره صراحة ولعله أراده حين تحدث عن سبب إمالة خاف فقد ذهب السيرافي إلى أن السبب هو الكسرة العارضة في فاء الكلمة في حين نصّ أبو الفداء أن

стр. 48

من «الأولى أن يقال للكسرة التي كانت في عين الفعل إذ أصل خاف خوف» (١). ١١ - أبو علي الفارسي المتوفى ٣٧٧ هـ وافق أبو الفداء الفارسيّ في كون ألف «واو» منقلبة عن ياء وليست عن واو كما قال الأخفش قال أبو الفداء: «ومنه أنّ الياء وقعت فاء ولاما معا نحو قولهم: يديت إليه يدا ومنه أنّ الياء وقعت فاء وعينا ولاما إلا في الواو على قول الأخفش إنّ ألفها منقلبة عن واو فهي على قوله موافقة للياء في ييت وقال الفارسيّ: إن ألف واو منقلبة عن ياء فهي على قوله موافقة لها في يديت وهو أولى من قول الأخفش فإنه لم يسمع كلمة كلها من حرف واحد إلّا ييت وهو شاذ، ولكون العربية ليس فيها كلمة فاؤها ولامها واو، جعلوا كون الفاء واوا دليلا على أنّ اللام ياء واتفقوا على أنّ كلّ كلمة فاؤها واو إنما تكتب لامها ياء فلذلك كتبوا الوغى بالياء (٢). ١٢ - ابن جني المتوفى ٣٩٢ هـ أجاز ابن جني تقديم المفعول معه على الفاعل وقد منع ذلك أبو الفداء بقوله: «ولا يجوز تقديم المفعول معه على الفعل ولا على الفاعل خلافا لابن جني فإنه يجوز جاء - والطيالسة - البرد» (٣). ١٣ - الزمخشري المتوفى ٥٣٨ هـ ذكرنا من قبل أبا الفداء قد جعل مفصل الزمخشري مادته الأولى في كناشه إذ شرح منه أجزاء كثيرة، واعتمد عليه اعتمادا كبيرا في القسم الرابع «المشترك» كما أشار إلى ذلك، وهذا الاعتماد جعل أبو الفداء ينقل كثيرا من المفصل، وتكفي نظرة سريعة في إحالاتنا إلى المفصل (٤)، لتتضح هذه النقول وتظهر مواضع الشبه اللفظي بينهما، وتبع ذلك أن أبا الفداء قد أيد الزمخشري في كثير من آرائه من ذلك موافقته له في مجيء بات بمعنى صار، ولم يرتض الخالفون ذلك وقالوا لا حجة له على ذلك

стр. 49

ولا لمن وافقه (١). ولكن ذاك النقل للنصوص، وهذا التأييد في الآراء لم يجعلا أبا الفداء أسير المفصل وصاحبه، فخالفه في عدد من آرائه غير أن هذه المخالفات هي في حقيقتها مآخذ ابن الحاجب على الزمخشري، فكان أبو الفداء بنقلها وتقريرها، موافقا فيها ابن الحاجب من جهة، ومخالفا الزمخشري من جهة ثانية، من ذلك ردّه على قول الزمخشري في المفصل «وفي اقرأ آية ثلاثة أوجه أن تقلب الأولى ألفا، وأن تحذف الثانية وتلقى حركتها على الأولى، وأن تجعل معا بين بين وهي حجازية» (٢) فعلق أبو الفداء على الوجه الثالث ناقلا رأي ابن الحاجب بقوله: «وسها في المفصل حيث قال وأن تجعلا معا بين بين، لأن الأولى ساكنة، والساكنة لا تجعل بين بين أصلا لأن الغرض من بين بين تقريبها من السكون فتقرب إلى الخفة وإذا كانت ساكنة فقد بلغت الغاية في الخفة فلا يصح أن تخفف حينئذ بالتقريب من السكون» (٣). وفضّل أحيانا حدّ ابن الحاجب على حد الزمخشري، فقد عرّف الزمخشري اسم الآلة بقوله: والمراد بها ما يعالج به وينقل» (٤) وأضاف أبو الفداء بعد ذكره ذلك ما يدل على ترجيح حد ابن الحاجب لها فقال «والأولى أن يقال: هي اسم مشتق من فعل لما يستعان به في ذلك الفعل» (٥). ١٤ - السّخاوي المتوفى ٦٤٣ هـ اقتصر أبو الفداء في موقفه من السخاوي على نقل أقواله وآرائه مما يدلّ على موافقته له، من ذلك ما نقله أبو الفداء تعليقا على قول الزمخشري في مفصله: وإدغام الراء في اللّام لحن فقال: «كذا قال في المفصل، وهو مذهب سيبويه والخليل قال السخاوي: وقد أدغم أبو عمرو الراء في اللام فيما يزيد عن ثمانين موضعا في القرآن

стр. 50

الكريم وأبو عمرو حجة فيما ينقل وفيما يقرأ فيجب الرجوع إليه في ذلك» (١). ١٥ - ابن يعيش المتوفى ٦٤٣ هـ اعتمد أبو الفداء على شرح المفصل لابن يعيش اعتمادا كبيرا، بدا ذلك من: أ - إشارته إليه لتوثيق بعض الآراء وتقريرها من ذلك قوله «وأجاز الأخفش إعماله - أي إعمال اسم الفاعل - من غير اعتماد على شيء نصّ عليه السخاوي وابن يعيش» (٢). ب - ونقله نصوصا منه، من ذلك قوله: «قال ابن يعيش في شرحه: «وكثرت هذه الكلمة - أي - امرؤ - في كلامهم حتى صارت عبارة عن كل ذكر وأنثى من الناس» (٣). ١٦ - ابن الحاجب المتوفى ٦٤٦ هـ تعدّ كتب ابن الحاجب من أهم المصادر التي اعتمد عليها أبو الفداء لتأليف كناشه، فقد علّق أكثره منها، وفق المنهج الذي رسمه لنفسه وهو - كما بدا لنا - على النحو الآتي: أ - جاءت الحدود والتعريفات من الكافية والشافية. ب - أنه نقل كثيرا من بقية كتب ابن الحاجب (شرح الكافية وشرح الوافية وإيضاح المفصل) (٤) وجاءت نقوله أحيانا نقلا حرفيا، وأحيانا متصرّفا فيها (٥). ج - أنه أيد ابن الحاجب في كثير من آرائه من ذلك نقله وتأييده تخريج ابن الحاجب لقراءة عاصم لقوله تعالى: ويخشى الله ويتقه (٦) بإسكان القاف وكسر

стр. 51

الهاء فقال: «وأصله يتّقي فحذفت الياء للجزم ثم ألحقت هاء السكت صار يتّقه ثم سكنت القاف تشبيها لتقه بكتف، ثم حركت هاء السكت وهي الساكن الثاني لالتقاء الساكنين قال ابن الحاجب وفيه تعسف مع الاستغناء عنه والأولى أن يقال: إن الهاء ضمير عائد على اسم الله وسكنت القاف على ما ذكر بقي ويتّقه من غير اجتماع ساكنين ومن غير تحريك هاء السكت وإثباتها في الوصل» (١). د - أنه أخذ عليه - أحيانا - في تعريفاته عدم الدقة، مثال ذلك تعليقه على قول ابن الحاجب في الكافية بأنه يجب تقديم المبتدأ إذا كان الخبر فعلا للمبتدأ نحو: زيد قام» (٢) قال أبو الفداء: «واعلم أنه لو قال: فعلا له مفردا لكان أولى لئلا يرد عليه الزيدان قاما، والزيدون قاموا، فإنّ الفعل هنا للمبتدأ ولا يجب تقديم المبتدأ عليه بل يجوز: قاما الزيدان وقاموا الزيدون على أن قاما وقاموا، خبران مقدّمان» (٣). ١٧ - ابن مالك المتوفى ٦٧٣ هـ نقل أبو الفداء رأي ابن مالك عقيب إيراده رأي ابن الحاجب القائل إن المفضل عليه في نحو قولنا: زيد أفضل رجل محذوف وهو الجنس العام أي زيد أفضل رجل من جميع الرجال فأتبعه بالقول «واختيار ابن مالك أن المفضل عليه مذكور وهو النكرة المضاف أفعل إليها والتقدير: زيد أفضل من كل رجل قيس فضله بفضله فحذفت من وكلّ، وأضيف أفعل إلى ما كان مضافا إليه كل» (٤). ١٨ - تقي الدين النيلي من أهل القرن السابع أ - أورد أبو الفداء رأي النيلي حول موضع أسماء الأفعال من الإعراب، فقال: ولا بدّ لها من موضع من الإعراب لوجود التركيب، واختيار ابن الحاجب أنّ موضعها رفع بالابتداء وفاعلها المستتر أغنى عن الخبر كما أغنى في: أقائم الزيدان عن الخبر،

стр. 52

واختيار تقي الدين النيلي أن موضعها نصب على المصدر كأنه قيل في رويد زيدا: أرود إروادا زيدا» (١). ب - استغرب أبو الفداء ما ذكره النيلي عن كاف الخطاب وأحوالها مع المخاطبين قال أبو الفداء: «وقد نقل النيلي جواز فتح كاف الخطاب في ذلك كلّه وهو غريب، قال: إن ذلك نقله الثقات من غير إلحاق علامة تثنية ولا جمع ولا غير ذلك بل تفرد وتذكر على كلّ حال» (٢). ١٩ - محمد بن الحسن بن محمد الاستراباذي المتوفى ٧١٥ هـ أ - اكتفى أبو الفداء بنقل آراء السيد الاستراباذي من ذلك ما نقله عنه في المنادى المبني «والمراد بالمفرد ما لم يكن مضافا ولا مشابها له وقال السيّد: ولا جملة أيضا نحو: يا زيد ويا زيدان ويا زيدون» (٣). ومن ذلك أيضا ما نقله عنه بأنهم «نقصوا الألف من الحارث علما ومن السلم عليكم وعبد السلم ومن ملائكة وسماوات وصالحين ونحوها مما لم يخش فيه لبس» (٤). وبعد: فلا يخفى أن كل موافقة ومخالفة ينطوي تحتها حديث طويل للنحاة آثرنا عدم بسطه والخوض فيه، لأن غايتنا بيان الاتجاه النحوي العام لأبي الفداء، فرأيناه ناظرا في آراء النحويين نظرة العالم المتمكّن من هذه الصنعة المالك لأصولها الملمّ بطرقها، يوجز أحيانا ويسهب أخرى، ويحاور النحاة في أحايين أخر، فيضعف، ويقوي، ويرفض، ويؤيد، ويختار ما يعتقد أنه الأولى بالأخذ، والأجدى بالتمسّك به، وكل ذلك وفق أصول هذه الصناعة، وبما يتفق مع منهجه العام الذي اختطّه لكناشه وهو الجمع القائم على الاصطفاء والاختيار للاستذكار والتعليم ليغنيه عن كثير من كتب النحو والصرف المطولة.

стр. 53

القسم الثاني ١ - الفصل الأول: التعريف بعنوان الكتاب (الكناش) ٢ - الفصل الثاني: توثيق نسبة الكتاب إلى أبي الفداء ٣ - الفصل الثالث: وصف النسخة ٤ - الفصل الرابع: منهج التحقيق ٥ - الفصل الخامس: طبعة قطر والنخبة المتميزة من السّرّاق

стр. 54

الفصل الأول التعريف بعنوان الكتاب «الكنّاش» كثرت المؤلفات التي عنونها أصحابها بكناش أو كناشة (١) في حين لم أجد أحدا قد تناول هذه اللفظة بدرس خاص بها يكشف لنا عن أصلها ومدلولها، سوى شذرات متناثرة في بعض الكتب والمعجمات العربية، لعلنا في عرضها نقدم مزيدا من البيان حولها. قال الدكتور العلامة عبد المجيد عابدين - يرحمه الله - كاشفا عن أصلها التاريخي ما نصه: «إن لفظ كنش سامي الأصل لوروده في عدد من اللغات السامية دالا في أشهر معانيه على الجمع، فقد ورد في اللغة الآرامية بالسين والشين:. وفي اللغة العربية بالسين كنس والشين كنش (٢) أيضا، في حين ورد في اللغة العبرية والأثيوبية الجعزيّة بالسين فقط، (٣). وأحسب أن أول استخدام لهذه الكلمة لدى العلماء المشتغلين بعلوم العربية قد ورد في كتاب الخصائص على لسان أبي علي الفارسي المتوفى ٣٧٧ هـ في قول ابن جني: وذاكرت يوما أبا علي بنوادره - أي بنوادر اللحياني - فقال: كناش» (٤) وعلّق الأستاذ محمد علي النجار محقق الكتاب عليها بقوله: وأبو علي يريد أنه ليس فيه

стр. 55

مسكة التصنيف (١) وعرّف الفيروزآبادي والزبيدي الكناشات بالقول «والكنّاشات بالضمّ والشدّ، الأصول التي تتشعب منها الفروع، ومنه الكناشة لأوراق تجعل كالدفتر يقيّد فيها الفوائد والشوارد للضبط» (٢) ونص العنيسي على أن: «كناشة وكناش في قانون ابن سينا مشتق من كنش الآرامي أي جمع، والمراد به دفتر يدرج فيه ما يراد استذكاره» (٣) ونخلص من هذه النصوص إلى ما يأتي: ١ - أن «الكناش» لفظ سامي الأصل، والجمع من أكثر معانيه، والغاية من هذا الجمع تقييد الشوارد والفوائد للضبط والاستذكار غير أن هذا الجمع ليس فيه مسكة التصنيف والتأليف. ٢ - أنه أطلق في العربية أيضا على الأصول التي تتشعب منها الفروع، فإذا سحبنا ذلك على كناش أبي الفداء لحظنا أن سمات كناشه يتفق بعضها مع ما ذكرناه حول الدلالة العامة للكناشات، وبعضها لا يتفق، وبيان ذلك: أولا: أن فكرة «الجمع» تلك التي تفيدها لفظة الكناش، هي ظاهرة واضحة في كناش أبي الفداء، وقد بدا هذا الجمع في صورتين: الأولى: أن أبا الفداء قد عزم على أن يجمع في كناشه عددا من العلوم والفنون وقد أشار إلى ذلك في خطبة الكناش حين قال: «فهذا كناش مشتمل على عدة كتب: الأول: في النحو والتصريف. الثاني: في الفقه. الثالث: في الطب. الرابع: في التاريخ. الخامس: في الأخلاق والسياسة والزهد. السادس: في الأشعار.

стр. 56

السابع: في فنون مختلفة» (١). الثانية: جمع المادة العلمية، بعد اختيارها، ثم تبويبها وتنظيمها، وهذا يعني من جانب آخر أن كتب الكناش تشارك غيرها من أنواع التأليف العلمي، لأن كل من يريد أن يؤلف كتابا لا بد له من أن يعتمد على كتب سالفيه فينقل آراءهم ويجمع أقوالهم، وقد ذكرنا من قبل مصادر أبي الفداء ومراجعه تلك التي أقام كناشه عليها فنقل منها ما يوافق منهجه، واختار منها ما يتصل بموضوعاته، وقد أشار إلى فكرة الاختيار والاصطفاء بقوله: «قد أكثر النحاة في ذكر اللامات حتى صنف بعضهم فيها كتابا، وقد أثبتنا منها ما اخترنا إثباته» (٢) ثم لا شك أن قوله في القسم الرابع المشترك: «وهو ما التقطناه من المفصل» (٣)، يفيد أن هذا الالتقاط قد تمّ بدقة وروية لأنه للضبط والاستذكار، ولقد نظم أبو الفداء المادة العلمية المختارة تنظيما رائعا، وفق منهج دقيق، وخطة محكمة، وتبويب رائع، لا يستبعد ممن يضع الدوائر والجداول الهندسية لمسائل نحوية. فرأيناه يعنون موضوعاته ويربط بين فصوله وأقسامه فيكثر من الإحالات على مواضع في الكناش حتى لا نقع في التكرار، فإن عدل عن منهجه المتلئب الواضح، بيّن سبب ذلك معتذرا، من ذلك حديثه عند ذكره إبدال الياء من النون إذ قال: «وأبدلت الياء من النون في التضعيف أيضا وذكرناه هنا وإن كان التضعيف. يذكر في القسم الثاني ليجتمع الكلام في النون» (٤). ومثل ذلك اعتذاره عن عقد ذكر للامات إذ قال: «وهي وإن كان تقدم ذكرها في

стр. 57

حروف الجر لكن إعادتها هنا لا تخلو من زيادة فائدة» (١) وكرّر هذا الاعتذار صراحة مع الواو حين قال: «والاعتذار في إعادة ذكرها كما تقدم في اللام» (٢). ووجدناه أحيانا ينقد النحويين في تبويباتهم فيقول مثلا عن باب الإخبار بالذي: «والذي في هذه الصور مبتدأ واجب التقديم، والإسم المخبر عنه بالذي خبر واجب التأخير، ومع ذلك لم يذكرا في مواضع وجوب تقديم المبتدأ ووجوب تأخير الخبر» (٣). وألفيناه أيضا يخالف أحيانا الترتيب الداخلي لبعض المسائل في المفصل والكافية والشافية، فيشير إلى ذلك، قال تحت عنوان: «ذكر الأسماء المتصلة بالأفعال»، وهي ثمانية المصدر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل وهذه الخمسة هي المذكورة في كتب النحو لكونها تعمل، وأما الثلاثة الباقية من اسم الزمان واسم المكان واسم الآلة وهذه الثلاثة من قسم التصريف لكونها لا تعمل وقد أثبتناها وغيرها من أبواب التصريف، في كتابنا هذا لكونه من كتب الكناش فأجري مجرى الكناش» (٤) فقوله: فأجري مجرى الكناش، يفيد أنه خالف المألوف، وكأن الأصل - فيما يبدو - أن يسير شارح المتن وفق تنظيم وترتيب المتن الذي تصدّى لشرحه، وحين يعلن المؤلف أن كتابه هو «كناش» فهذا فيما أحسب يعفيه من الالتزام بترتيب المتن الذي يشرحه، فنقله اسم الزمان والمكان والآلة إلى المشتقات العاملة فيه مخالفة يسيرة لترتيب بعض الموضوعات في المتون الثلاثة التي أدار كناشه عليها، فصاحب المفصل ذكر هذه الموضوعات بعد المصغّر والمنسوب في حين أن أبا الفداء قدّمها عليها، وصاحب الكافية لم يذكر هذه الموضوعات فيها لأنها موضوعات صرفية، فجاء ذكرها في الشافية متقدمة أيضا على المضمر والمنسوب، وكل ذلك يعني أن أبا الفداء حين جعل كتابه «كناشا» قد وسّع على نفسه وتحرّر هنا من سلطان الترتيب المتبع في المتون الثلاثة، ولعل هذا يفيد من جهة ثانية،

стр. 58

أن كتب «الكناش» لا يلتزم فيها التقييد بترتيب ما، وإدراك أبي الفداء لذلك لم يدفعه إلى الفوضى والإضطراب بل رأيناه ملتزما كما ذكرنا بمنهج دقيق وترتيب محكم ثم إن إشارته هنا إلى ما حصل في الترتيب تدل على مدى حرصه على ترتيب كناشه، والتزامه بمنهجه الصارم الذي وضعه حين عزم على تأليف كناشه هذا. ومؤدّى ذلك كله أن قول الأستاذ محمد علي النجار إن «الكناش» ليس فيه مسكة التصنيف» فيه بعد إذا أريد سحبه على كناش أبي الفداء، وذلك لأن هذا الكناش كما ذكرنا - قد أقيم على أسس متينة، وأركان ثابتة فعراه وثقى، وأقسامه متصلة، وفصوله محكمة، كغيره من المؤلفات العلمية الأخرى، خدم فيه أبو الفداء المفصل والكافية والشافية، فجاء شرحا لأجزاء مختارة من ثلاثة متون معتبرة عند المشتغلين بعلوم العربية، وهذا يعني أيضا أن قول الفيروزآبادي والزبيدي إن الكناشات أصول ... إلخ (١) لا ينطبق على كناش أبي الفداء لأنه ليس «متنا» كما يفهم من كلامهما، كما لا ينطبق عليه أن هذا الجمع هو «للشوارد والفوائد» فقط، لأنه حوى جميع المباحث النحوية والصرفية والإملائية فغدا شرحا لا تنقصه صفة من صفات الكتب العلمية الأخرى. والغاية منه هو الاستذكار والمراجعة والضبط ويستغنى به عن مراجعة كثير من الكتب المطوّلة. والظاهر أن هذه الغاية هي غاية عامة عند أبي الفداء هدف إليها في كثير من مؤلفاته، فقد أشار الدكتور حسن الساعاتي وهو بصدد حديثه عن غاية أبي الفداء من كتابيه المختصر وتقويم البلدان إلى ذلك فقال: «إنه إنما يكتب مختصرات تكون بمثابة مذكرات يكون فيها الغناء عن مطالعة الكتب الكبيرة في كل موضوع من الموضوعات التي عالجها» (٢) واستدلّ على ذلك بما أورده أبو الفداء في مقدمتي الكتابين المذكورين فقد قال في مقدمة كتابه المختصر: «سنح لي أن أورد في كتابي هذا شيئا من التواريخ القديمة والإسلامية يكون تذكرة لي يغنيني عن مراجعة الكتب

стр. 59

المطولة فاخترته واختصرته من الكامل ... (١) وذكر في مقدمة تقويم البلدان ما نصه: «لما وقفنا على ذلك وتأملناه جمعنا في هذا المختصر ما تفرق في الكتب المذكورة من غير أن ندّعي الإحاطة» (٢). وتلاقي الكتب الثلاثة في الغاية من تآليفها لا يعني الاتفاق في طريقة عرض المادة العلمية فيها، كما ذهب إلى ذلك الدكتور الساعاتي فقد ذكر: «أن أغراض أبي الفداء من تأليف ما كتب كانت معلومة سواء في ميدان الجغرافية، أو ميدان التاريخ أو الميادين الأخرى التي طرقها» (٣) ثم راح يعرض هدف أبي الفداء من كتبه التي وقف عليها فقال: «فقد كان هدفه في ميدان الجغرافية وضع تقويم للبلدان في أقاليم شتى يمتاز بدقته ووضوحه من ناحية، وخلوه من النقائص التي شابت ما ألفه الجغرافيون قبله في الموضوع نفسه من ناحية أخرى، وكان هدفه في ميدان التاريخ جمع مادة تاريخية وفيرة ذات دلالة وعرضها في إيجاز ووضوح» (٤) ثم عرّج إلى الكناش فقال: «وكان غرضه من الكناش عرض مذكرات يجمل فيها أهم ما كان معروفا عن الموضوعات المختلفة التي تناولها دون الدخول في التفاصيل» (٥). وأنهى حديثه بالقول «وكان هدفه من وضع نظم الحاوي ونظم الموازين تقديم المادة الأساسية في كل من الموضوعين، في صورة ميسّرة لطلاب العلم تسهل عليهم الحفظ من ناحية، وسرعة تذكرها من ناحية أخرى» (٦). وإذا سلمنا للدكتور الساعاتي بما ذكره حول منهج أبي الفداء في غير كتاب الكناش فإنا لا نسلم له بأن غرض أبي الفداء من كناشه هو عرض مذكرات موجزة مختصرة سواء أراد د. الساعاتي الكناش المتعدد العلوم الذي لم يتم بعد - وذلك لأننا لم نقف عليه فنحكم فيه - أم أراد الكتاب الأول من الكناش الذي نحن بصدده .. لأن كناش أبي الفداء هنا هو شرح لأجزاء مختارة من ثلاثة متون كما ذكرنا من قبل

стр. 60

وبضم هذه الأجزاء إلى بعضها استوفى أبو الفداء كل الأبواب النحوية والصرفية والإملائية، وهو في شرحه يفصّل إذا لزم الأمر التفصيل، ويوجز حين لا فائدة من التطويل، وقد عرض كثيرا للخلافات النحوية وأدلى برأيه فيها لذا لا يمكننا القول إن هذه المذكرات موجزة وأنه لا يدخل في التفاصيل كما ذكر د. الساعاتي (١). ومجمل القول بعد ذلك كله أن تصور أبي الفداء للكناش هو كونه كتاب معارف متنوعة يشبه الموسوعات العلمية في عصرنا، يكتبه المرء لنفسه، فيختار له المادة العلمية من كتب كثيرة، ثم يصنفها ويرتبها ترتيبا جيدا، والغاية منه هي المراجعة والضبط، والاستذكار. ويبدو لي - أخيرا - أن أبا الفداء كان عازما على ضم بعض مؤلفاته إلى بعض ليتكوّن منها «الكناش» يدفعنا إلى هذا الزعم ما يأتي. ١ - أن موضوعات الكتب التي ذكرها في خطبة الكناش قد ألّف أبو الفداء فيها، ومن المقارنة السريعة بين مؤلفاته، وخطبة الكناش يتضح ذلك الأمر. ٢ - أن صاحب كشف الظنون قد صرّح بأن «شرح منظومة الكافية» قد علقه أبو الفداء من شرح ابن الحاجب ومن شروح الكافية وقد ألفيت أن أكثر اعتماد أبي الفداء في المباحث النحوية من كناشه كان على شرح ابن الحاجب (الوافية)، فلا يستبعد أن يكون هذا الشرح نواة الكناش ثم أتبعه بالمسائل الصرفية. ٣ - أن محققي كتاب تقويم البلدان رينو والبارون ديسلان قد ذكرا في تصديرهما للكتاب أن أبا الفداء ألف مجموعة من عدة أجزاء في الطب بعنوان الكناش (٢) أقول: لعل منها تلك القطعة التي ذكرها د. رمضان ششن الموجودة في

стр. 61

مكتبة مغنيسا، فقد فرغ أبو الفداء منها عام ٧٢٨ هـ. أي بعد الانتهاء من كناش النحو والصرف بعام واحد فقد انتهى منه عام ٧٢٧ هـ. والمهم أن إطلاق لفظة «الكناش» كانت في هذا العام، فلعل هذه القطع والأجزاء الطبية التي أطلق عليها الكناش هي من الكتب التي كان أبو الفداء سيجمعها في كناشه فيما بعد. ٤ - أن لدى أبي الفداء إحساسا بأنه لن يعيش أكثر من ستين سنة، قال الكتبي: «ومن الغريب أن السلطان ﵀ كان يقول ما أظن أني أستكمل من العمر ستين سنة فما في أهلي يعني بيت تقي الدين من استكمله» (١) وحقا لقد مات أبو الفداء وعمره ستون عاما فإذا كان أبو الفداء قد فرغ من كناش النحو والصرف عام ٧٢٧ هـ وتوفي سنة ٧٣٢ هـ، فهل يعقل - ما دام لديه هذا الإحساس - أن يصرح بأنه عازم على تأليف سبعة كتب خلال خمس سنوات، نعم يعقل إذا كانت هذه الكتب صغيرة الحجم، ولا دليل على ذلك بل إن كبر حجم الكناش الذي نقوم بتحقيقه، ما يدفع ذلك، ثم يجب علينا أن لا ننسى أن أبا الفداء ملك على حماة، وكثرة الصوارف والشواغل بشؤون الحكم لن تسمح له بتأليف مثل هذه الكتب خلال خمس سنوات، زد على ذلك أنه فرغ من تأليف الكناش ٧٢٧ هـ وفرغ من تأليف المختصر ٧٢٩ هـ أي بعد سنتين من الكناش، فإذا كان المختصر قد استغرق سنتين، فكم ستستغرق بقية الكتب التي أشار إليها في خطبة الكناش، كل ذلك يدفعنا إلى القول إنّ أبا الفداء كان عازما على ضم ما ألّف من كتب في هذا الكناش، ولا أستبعد أن يكون المختصر واحدا منها لأنه قد انتهى منه كما ذكرنا ٧٢٩ هـ، أي بعد إطلاق أبي الفداء للفظة الكناش بسنتين، كما أني لا أستبعد أيضا أن أبا الفداء كان عازما بعد جمع مؤلفاته، في هذا الكناش أن يكتب مقدمة عامة لهذا الكناش غير أن المنيّة قد حالت دون هذه الخطبة، ودون هذا الجمع، فبقيت هذه الكتب تحمل عناوينها ومقدماتها الخاصة بها مستقلة منفردة عما كان متوقعا لها .. والسؤال الذي يتردّد في الذهن هو لم عزف النحويون الخالفون عن النقل من كناش أبي الفداء (النحو والصرف) أو الإشارة إليه مع كونه يتعلق بمتون مهمّة كثرت

стр. 62

الشروح والحواشي عليها. والجواب يتضح مما يأتي. ١ - ندرة الكتاب: فقد قال الشيخ أحمد الصابوني في كتابه «تاريخ حماة» بعد ذكره للكناش إنه نادر عزيز الوجود» (١). ومما يؤكد قوله أننا لم نعثر إلا على هذه النسخة الوحيدة. ٢ - أنه قد بات في أذهان النحويين فيما يبدو أن كتب الكناش للاستذكار الشخصي تسجل فيها الفوائد والشوارد ولا تتّسم بصفة التأليف العلمي لكون أصحابها يجمعون الآراء وينقلون الأفكار من غير مناقشة أو نسبة أو تعليق أو تفضيل رأي على آخر، وهذا التصور مردود - إن كان - لأن الذي يكتب لنفسه لا شك أنه يطّلع على عدد كبير من كتب سالفيه، فيصطفي منها ويختار ما يقتنع به ويرضاه، ولا ريب أن في ذلك فوائد قيمة، فهي من جهة تساعدنا على كشف جوانب كثيرة من ثقافة المصطفي، وتغنينا أحيانا من جهة ثانية عن الاطّلاع على كتب قد لا يتاح لنا أن نطلع عليها نتيجة فقدها أو ندروها.

стр. 63

الفصل الثاني توثيق نسبة الكتاب إلى أبي الفداء ثمة عدة دلائل تدل على أن كتاب الكناش ألفه أبو الفداء وهي: ١ - أن عددا من المصادر قد ذكرت أن أبا الفداء صنف كتاب الكناش، ووصفت هذه المصادر الكتاب بأنه يقع في مجلدات كثيرة (١). ٢ - أنه قد كتب على الورقة الأولى من المخطوطة أن هذا «كتاب الكناش للملك المؤيد عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن علي الشهير بصاحب حماة المتوفى ٧٣٢ هـ» (٢). ٣ - أن هناك تشابها واضحا بين كتابيه المختصر في أخبار البشر وتقويم البلدان من جهة، وكتابه الكناش من جهة ثانية، وذلك من حيث: أ - استعماله الزائجات والجداول فقد استعملهما في كتابيه المذكورين (٣) كما استعملهما في كتابه الكناش (٤). ب - استخدامه لفظة «ذكر» لعنونة بعض الموضوعات في كتابيه السالفين (٥)

стр. 64

كما استخدمها أيضا في عنونة كثير من الموضوعات التي تحدث عنها في كتابه الكناش. ولا شك أن هذا التشابه يدل على أن المصنف واحد، ومن هذه الدلائل مجتمعة نجزم بأن كتاب الكناش هو لأبي الفداء إسماعيل بن علي المتوفى ٧٣٢ هـ.

стр. 65

الفصل الثالث وصف النسخة المخطوطة التي بين أيدينا تقع في ١٦٤ ورقة من الحجم المتوسط، وفي كلّ صفحة ٢٥ سطرا وفي كل سطر ١٥ كلمة. وقد عثرت على هذه النسخة الوحيدة في دار الكتب المصرية تحت رقم ٨٨٢ نحو، وقام بتصويرها معهد المخطوطات العربية (ميكرو فيلم) تحت رقم ١٢٩، وحاولت جاهدا أن أعثر على نسخة ثانية فلم يتوفّر لي ذلك حتى هذا الوقت، وأحسب أنه لا توجد لأني قد اطّلعت على أكثر الفهارس العامة والخاصة فلم أجد اسما لهذا الكتاب أو ما يشير إلى وجوده في أية مكتبة. كتبت هذه النسخة بيد ناسخ مجهول، وبخطّ جميل أسود، والعناوين بمداد أحمر. وضبط الناسخ بعض الكلمات والأوزان الصرفية بالشكل. ويبدو أن هذه النسخة كتبت في عهد المؤلف وعرضت عليه لأنه كتب عند رأس بعض العناوين عبارة (بلغ مقابلة بين يدي مؤلفه أدام الله أيامه) مما يدل أن الناسخ كان يعرض على المؤلف ما كان ينسخه، ويؤكد ذلك أن الناسخ استعمل أيضا علامة الإلحاق وهي عبارة عن سهم كان يثبته بين الكلمات للتنبيه على وجود كلمات ساقطة خارج سطور الكتاب وكان يسجل الكلمات الساقطة في الحاشية ويكتب بجانبها كلمة (صح). وسبقت المخطوطة بورقتين أعطيت الأولى رمز (أ) وكتب على وجهها («كتاب الكناش للملك المؤيد عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن الأفضل علي الأيوبي الشهير بصاحب حماة المتوفى ٧٣٢ هـ ذكره العلامة الكتبي (١) في ذيل ابن خلكان في ترجمة الملك المذكور، أما صاحب كشف الظنون فقد ذكره إلا أنه قال لم أقف على

стр. 66

مؤلفه (١) ويظهر أنّ هذه النسخة كانت ملكا لصاحب الكشف المذكور كما يرشدنا إليه الخطّ الواقع عليها المشابه لخطه إذا قد عاينته في بعض مصنفاته بدار الخلافة العثمانية العلية ولتعلم أن هذه النسخة هي نسخة المصنف (٢) وهي الكتاب الأول في فنّي النحو والصرف من الكتاب المشار إليه بما أنه مرتّب على سبعة كتب كما تراه في الخطبة ولست أدري إن كان المؤلف أتم الكتاب كله أو مات قبل ذلك والله أعلم، غرة شعبان ١٣٠٦ كتبه الفقير إليه خيري بن عمر المصري عفي عنهما» ولم يكتب شيء على ظهر هذه الورقة. أما الورقة الثانية فكان ظهرها ابتداء للكناش وكتب على وجهها من الأعلى ما يلي: «٦١ من كتب أحمد حمدي أحمدية ١٢٤٤ مختار الصحاح». وفي وسطها «ملك أفقر الورى إليه سبحانه صالح مصطفى عفى عنهما ..» وتحتها «مشترى من علي أفندي خيري، رمضان في أول أكتوبر ١٨٨٩ نمرة ٨٠ يومية ٢٤١٥٧ عمومية ٨٨٢ خصوصية نحو» وكتب في وسط الورقة أمام ذلك ما يلي «مما ساقه سائق التقدير إلى سلك ملك الفقير إليه مصطفى بن عبد الله الداخل في زمرة المدرجين الداخلين، رب يسر مراده في الدنيا والآخرة آمين بحرمة رسولك الأمين ثم آمين عفي عنهما». وكتب على الورقة الأخيرة «وكان الفراغ من جمعه وتأليفه في العشر الأول من شهر شعبان سنة سبع وعشرين وسبع مائة هجرية نبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسّلام بالمشيرفة من ظاهر حمص الشرقي الشمالي الحمد لله رب العالمين.

стр. 67

الفصل الرابع منهج التحقيق تلخّص عملي في تحقيق هذه المخطوطة بما يأتي: ١ - حرصت على إخلائها من التصحيف والتحريف. ٢ - أشرت إلى مواضع ما شرحه أبو الفداء من المفصل أو الكافية أو الشافية وذلك بوضع رقم إزاء العناوين الرئيسة - وأحيانا ضمن الشرح - وأحلت في الهامش إلى رقم الصفحة من كل متن، مراعيا في هذه النسبة مدى التشابه الحرفي بين نصوص هذه المتون وكلام أبي الفداء. ٣ - ذكرت من قبل أن الناسخ استعمل علامة الإلحاق للتنبيه على بعض العبارات أو الكلمات الساقطة من أصل النص، وقد وضع بجانبها كلمة «صح» فجعلت ذلك من أصل النص. ٤ - سجلت أرقام الآيات القرآنية، واسم السورة، وإذا كان ثمة آية وردت فيها قراءة فكنت أشير إلى كتب القراءات التي وردت فيها القراءة وأدلّ على صاحبها. ٥ - قمت بتخريج الأحاديث النبوية الشريفة، وبيّنت مكانها في كتب الحديث. ٦ - ضبطت الأبيات الشعرية بالشكل، وأتممت أنصاف الأبيات في الهامش ونسبتها إلى أصحابها وعينت أماكن وجودها - سواء في الديوان إن وقفت على ديوان الشاعر - أو في كتب اللغة والنحو والمعاجم، محددا إن كانت هذه المراجع قد نسبت البيت لقائله أم لا.

стр. 68

واعتمدت في ذلك كله على كتاب معجم شواهد العربية للأستاذ محمد عبد السّلام هارون ﵀. ٧ - خرّجت أقوال العرب وأمثالهم من الكتب المعنية بذلك. ٨ - أحلت ما نقله أبو الفداء من نصوص نحوية أو صرفية أو لغوية إلى الكتب التي نقل عنها وحدّدت أماكن وجودها في تلك الكتب وأرقام صفحاتها، وكنت أشير دائما إلى أسماء الكتب التي تتحدث عن المسألة التي يذكرها في كناشه، وأسجل أرقام صفحاتها ليسهل الرجوع إليها لمن يريد التوسع في دراستها، وأشرت إلى الكتب التي رأيت أن أبا الفداء ينقل عنها، وأتممت أحيانا بعض النصوص التي نقلها أبو الفداء من هذه الكتب، لأن الفائدة تكمل بذلك. ٩ - عرّفت بالأعلام الواردة في النص وأشرت إلى أماكن ترجمتها وأخبارها في كتب التراجم. ١٠ - ضبطت النص كلّه بالشكل، وقد ضبط المصنف بعض الألفاظ الغريبة وشرحها، وأحيانا كان يقع التخالف بين ما ضبطه المؤلف وما ضبطته المعاجم فكنت أشير إلى ذلك. ١١ - عيّنت ما ذكره المصنف من أسماء الأماكن والمواضع وحددت أماكن وجودها في معاجم البلدان. ١٢ - أنهيت التحقيق بصنع فهارس فنية للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، والأمثال، والأقوال، والأشعار، والأرجاز، والألفاظ اللغوية، والأعلام، والقبائل والطوائف والأمم والبلدان، والمواضع والكتب. أما فهرس الموضوعات الواردة في الكناش فقد وضعت بجوار رقم الصفحة الحرف (م) ليدل على أن ما يشرحه أبو الفداء فيه هو من المفصل والحرف (ك) ليدل على كافية ابن الحاجب، والحرف (ش) ليدل على الشافية، وبذلك يسهل التمييز بين ما شرحه أبو الفداء من المفصل وما شرحه من الكافية والشافية (١).

стр. 69

وختمت الفهارس بثبت للمصادر والمراجع التي اعتمدت عليها في دراسة وتحقيق كتاب الكناش.

стр. 70

الفصل الخامس طبعة قطر والنخبة المتميّزة من السّرّاق وقع إلي كتاب الكنّاش في النحو والصرف لأبي الفداء المؤرخ إسماعيل بن علي المتوفى سنة ٧٣٢ هـ، مطبوعا بتحقيق نخبة متميزة من الأساتذة كما ورد في المقدمة وهم: د. علي الكبيسي، ود. صبري إبراهيم السيد ومراجعة أ. د. عبد العزيز مطر. وهذا الكتاب في الأصل مخطوط انتهيت من دراسته وتحقيقه عام ١٩٨٤ م، ونلت به درجة الدكتوراة بتقدير «الشرف الأولى» وذلك من جامعة الإسكندرية، بإشراف الأستاذ الدكتور طاهر حمودة - حفظه الله، ونوقشت الرسالة من قبل الأستاذ عبد السّلام هارون يرحمه الله. والأستاذ الدكتور عبده الراجحي - أمدّ الله في عمره - وقلت لنفسي حين قرأت العنوان: لعل النخبة قد عثرت على نسخة أخرى غير النسخة الوحيدة التي اعتمدت عليها، تلك التي عثرت عليها في دار الكتب المصرية، مما دفعها إلى تحقيقه مرة ثانية، وألفيت بعد المقارنة أن هذه النخبة قد اعتمدت على النسخة نفسها، وقامت بالسطو على رسالتي بعجرها وبجرها وفق خطة محكمة حيكت بليل مظلم، فأتت على أركان الرسالة العلمية دون وازع من دين أو خلق، وقد بيّنت النخبة في المقدمة دور كل واحد منها، فزعمت أن توزيع العمل قد تم على النحو الآتي: ١ - قام الدكتور علي الكبيسي بكتابة ترجمة للمؤلف، ونبذة عن الكتاب، وحقق المخطوطة من أولها إلى نهاية القسم الأول من أفعال المقاربة، وصنع الفهرس الخاص بهذا القسم، شواهد وموضوعات. ٢ - وقام الدكتور صبري إبراهيم السيد بنسخ المخطوطة كاملة، وتحقيق الجزء

стр. 71

الذي يبدأ من أفعال المقاربة، إلى آخرها، وصنع الفهرس الخاص بهذا القسم، ونسقنا بين القسمين كما قالوا. ٣ - قام الأستاذ الدكتور عبد العزيز مطر بمراجعة التحقيق والفهارس. والذي وصلت إليه بعد اطلاعي على عملهم، ومقارنته بصنعي في الرسالة هو أن الجميع مشترك في هذه الجريمة، لأن أدلة السرقة تطولهم جميعا، وتطوّق أعناقهم كلهم، وقد نشرت هذه الأدلة موجزة في جريدة المدينة (ملحق التراث) عام ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م ثم تقدمت بها مفصّلة إلى دار المجد في الرياض، التي عزمت على إنشاء موسوعة السرقات العلمية، مرفقا معها نماذج مصورة، ونسخة من رسالة الدكتوراه، وصورة من الكتاب المطبوع في قطر، وصورة من مخطوط الكناش، وبعد عرض هذه الأدلة على أربعة محكمين (١)، فازت بالجائزة الثانية، وارتأيت أن أنشرها فاختصرتها (٢) على النحو الآتي: الدليل الأول أن ثمة اتفاقا بيننا في أرقام الأجزاء والصفحات، وذلك في المصادر التي اتفقنا في الإحالة إليها، في حين أن طبعات هذه المصادر مختلفة، مثال ذلك: أنني في الصفحة ٢/ ١١٥ من الرسالة خرّجت بيت جرير: تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... ...... البيت فقلت: البيت في ديوانه: ٣٣٨، ثم سردت بقية المصادر، وفي الصفحة ٣٦٠

стр. 72

من الكتاب المطبوع قالوا بأنه روي في ديوانه: ٣٣٨، أي اتفقنا، ومثل ذلك بيته المشهور: أقلّي اللوم عاذل ... ... ...... البيت فقد ذكرت في هامش الصفحة ٢/ ١٢٥ بأنه قد ورد في ديوانه: ٦٤، فألفيت ذلك عندهم أيضا في الصفحة ٣٦٩، إذ نصوا على أنه في ديوانه ٦٤. أقول: كيف تتفق الأرقام مع أن الطبعتين مختلفتان، فقد اعتمدت في عملي على طبعة الصاوي، في حين أنكم اعتمدتم على الطبعة المحققة من قبل د. نعمان محمد أمين طه (ينظر فهرس المصادر عندهم). وفي الصفحة ٢/ ١٠٣ من الرسالة عرض أبو الفداء رأي الأخفش المجيز وقوع الفاء زائدة في الخبر، فنقلت من المغني لابن هشام، ١/ ١٦٥ ما نصه: «وأجاز الأخفش زيادتها في الخبر مطلقا، وحكي «أخوك فوجد»، وقيد الفراء والأعلم وجماعة الجواز بكون الخبر أمرا أو نهيا، قال ابن برهان: تزاد الفاء عند أصحابنا جميعا كقوله: لا تجزعي ... ... ...... البيت وفي الصفحة ٣٥٠ من كتابهم نقلوا النصّ الذي ذكرته إلى قول ابن هشام: «أو نهيا» وأحالوا إلى المغني، ١/ ١٦٥، وهذا يفيد أن الاتفاق قد حصل أيضا في رقم الجزء والصفحة، وما فطن القوم أن الطبعتين مختلفتان، فقد اعتمدت على طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ﵀ في حين أنهم اعتمدوا على طبعة الدكتور مازن المبارك وزميليه، فكيف حصل هذا الاتفاق والطبعتان مختلفتان؟؟ هل ستزعمون أن طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ﵀ قد سقطت أيضا من قائمة مصادركم؟؟ لا أستبعد ذلك فذاك هو الملجأ الذي يفزع إليه السّراق حين تضيق بهم السبل. الدليل الثاني أ - ذكرت في الهامش (٤) من الصفحة ١/ ٣٨١ معنى لفظة «الخرنوب» ونقلت

стр. 73

من لسان العرب مادتي (صعفق وخرب) ما نصه: «الخرنوب والخرّوب بالتشديد نبت معروف، والفصحاء يضمونه ويشددونه مع حذف النون، وإنما يفتحه العامة». وفي كتابهم ٣٤٠ الهامش (٥) سجلوا ما يأتي: «الخرنوب شجر ينبت في جبال الشام، ويسمى القثاء الشامي، وقد تحذف نونه وتضعف الراء فيقال له: الخرنوب». وأحالوا إلى لسان العرب مادة (خرنب) فقط. أقول: المذكور في لسان العرب مادة (خرنب) هو إلى قولكم: «القثاء الشامي» أما تتمة القول: «وقد تحذف ... الخ» فلم يذكره ابن منظور البتة، فمن أين أتيتم بهذه التتمة؟؟ إنها من أدنى تأمل - صياغة جديدة مزوّرة لما ذكرته في تعليقي، ولم يفطن القوم أن تعليقي هو من مادتين، وأن قولي: والفصحاء يضمونه ... إلخ هو من مادة صعفق، لقد حاولوا التغيير والإبهام فذهبوا إلى مادة خرنب، غير أنهم وقعوا فيما فروا منه. الدليل الثالث أحلت في الصفحة ٢/ ٧٠ الهامش (٧) من الرسالة إلى كتاب مجمع الأمثال، وذلك لتوثيق المثل المشهور «إن البغاث بأرضنا يستنسر» وذكرت أنه في ١/ ١٢، وفي الكتاب المطبوع ص: ٣٢٠ وجدت الرقم نفسه وهو ١/ ١٢، والطبعة التي اعتمدت عليها هي من تحقيق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ﵀ وهي نفسها التي اعتمدوا عليها، ولو أنهم حقا رجعوا إلى المصدر المذكور لعلموا أن الرقم الصحيح هو ١/ ١٠ وليس ١/ ١٢ فبم يفسّرون ذلك؟؟ ب - ويندرج تحت هذا أنني في الهامش (١) من ١/ ٢١٥ خرجت بيت ذي الرمة: وهيل يرجع التسليم ... ... ...... البيت فذكرت بأنه قد روي من غير نسبة في المقتضب ٢/ ١٧٤، ٤/ ١٤٤ (١) فاكتفوا

стр. 74

في الصفحة ٩٣ وعلى عادتهم حين أذكر موضعين - بالموضع الأول فقالوا: وبلا نسبة في المقتضب ٢/ ١٧٤ وتركوا الموضع الثاني، ولو أنهم رجعوا فعلا إلى المقتضب ٢/ ١٧٤ لألفوا أن المبرد قد نسبه إلى ذي الرمة في هذا الموضع، ولم ينسبه إليه في الموضع الثاني الذي تركوه تمويها. ج - ويمكن أن يندرج في هذا الدليل ما التقطناه عندهم حول الدائرة التي صنعها أبو الفداء لأحكام الصفة المشبهة، فقد جعل أبو الفداء نواتها دائرة صغيرة، قسمها إلى قسمين بخط في وسطها، ذكر في القسم الأعلى منها: «الصفة مجردة عن اللام (حسن)» وذكر في القسم الأسفل منها «الصفة باللام (الحسن)» قمت - لكوني طالبا - بتصويرها من المخطوط مع تكبيرها، ثم وضعتها في ورقة مستقلة ذات رقم (٢٧٠ من الرسالة)، ١/ ٣٣٧ والذي حصل أن «المجلّد» للرسالة جعل عاليها سافلها، فلم تفطن النخبة المتميزة إلى ذلك، فرأيت هذا القلب عندهم أيضا وذلك في الصفحة ٢٠٠، لا ريب أنهم سيزعمون أن المجلّد عندهم قد عكسها أيضا؟؟ ولم يفطنوا إلى ذلك. الدليل الرابع ثمة أخطاء وقعت في عملي، يرجع بعضها إلى قراءة غير سليمة لكلمات المخطوط، وبعضها الآخر يعود إلى سرعة الضبط والتشكيل وثالثها يعود إلى سرعة الطابع، بعضها تنبّهت إليه فأشرت إليه في الهامش، وبعضها الآخر لم أتنبه إليه إلّا بعد مراجعتي للمخطوط، ووجدت ذلك كله عندهم بغثّه وسمينه من غير أن يشيروا إليه في الهامش وهذا جدول مجتزأ من جدول «كبير» نتبين منه كل هذه الأنواع:

стр. 75

فهل يزعم زاعم بعد وقوع هذا التشابه من تصحيف وتحريف وضبط غلط وزيادة حروف أو نقصها، مع عدم الإشارة في الهامش إلى ما في الأصل أن ذلك قد ثمّ اتفاقا إن المحققين الأثبات يدركون بداهة من هذا التشابه أن إغارة قد حصلت على الرسالة، وأن سرقة قد تمت، وأن لا حقا قد أخذ عن سابق. الدليل الخامس أنّ ثمة اتفاقا قد حصل بيننا في الكلمات التي وضعت عندها الإحالات إلى المصادر والمراجع وهذه المواضع التي سأسردها في الجدول ليست مما يجب أن يقع فيها التشابه، إذ هي ليست آية قرآنية كريمة، ولا حديثا نبويا شريفا، ولا قولا أو مثلا للعرب، ولا رأيا لعلم نحوي ذكره أبو الفداء فيراد توثيقه، بل هي من نفل التحقيق إن ساغ هذا التعبير، لأنّها توثيق آراء نحوية عامة، ومع ذلك فقد تم الاتفاق بيننا في وضع أرقام الإحالات عند كلمات بعينها، نتبين ذلك من جدولين اخترتهما من أربع جداول تفيد بمجملها مدى التوافق الكائن بيننا في مواضع الإحالات:
следующие страницы →