كتاب الكناش في فني النحو والصرف
تأليف
الملك المؤيد عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن الأفضل علي الأيوبي الشهير بصاحب حماة المتوفى ٧٣٢ هـ
دراسة وتحقيق
الدكتور رياض بن حسن الخوَّام
[الجزء الأول]
المكتبة العصرية
стр. 2
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسّلام على سيد المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:
فقد نهجت دراسة الظواهر النحوية والصرفية منهجين متكاملين يردف كل واحد منهما الآخر:
الأول: دراسة الظاهرة وفق الأسس التي قدمها النحويون في كتبهم مع الاتصال بالدرس النحوي والصرفي في صورته الحديثة، وهذا المنهج يتمثل في قتل القديم بحثا واتخاذ الدرس الحديث آلة من آلات فهم القديم ودراسته.
الثاني: تحقيق المخطوطات العربية ودراستها وإخراجها إلى النور لكونها المادة الأساسية لأصحاب المنهج الأول ورأيت أن أجمع بين المنهجين، فآثرت (١) أن أتناول في تجربتي الثانية تحقيق إحدى المخطوطات ودراستها، وبذلك أشارك أيضا في الجهود المبذولة لتحقيق جميع المخطوطات العربية ونشرها.
وقد فضلت هذه المخطوطة على غيرها لأربعة أسباب:
١ - أن أبا الفداء ذو شهرة علمية عالمية واضحة، قد نالها من نشر كتابيه:
«المختصر في أخبار البشر» و «تقويم البلدان»، فقد حاز هذان الكتابان على مكانة سامية لدى الباحثين العرب وغير العرب، فطبعا مرارا، وترجما إلى عدة لغات.
٢ - أن الباحثين المحدثين لم يعرفوا أبا الفداء نحويا، فلعل تحقيق «كنّاشه» ونشره يفيد أنه لا يقل تمكّنا في النحو والصرف من تمكّنه في علمي التأريخ
стр. 3
والجغرافيا، وبذلك نكشف عن جانب آخر من جوانب ثقافته المتنوعة، مما يساعد على جلاء شخصيته وبيان ملامحها بدقة.
٣ - أن هذه المخطوطة تمثّل واحدا من كتب الكنّاش التي ما رأيت أحدا قد تناول تحقيق واحد منها، ولعلّنا بتحقيقها ندفع الباحثين إلى الالتفات إلى تحقيق كتب الكنّاش المتفرقة في مكتبات العالم، وفي ذلك كثير من الفوائد المرجوة لدراستنا اللغوية والنحوية والصرفية.
٤ - أن هذه المخطوطة شرح لأجزاء مختارة من مفصل الزمخشري، وأجزاء من كافية ابن الحاجب وشافيته،
وهذه الكتب الثلاثة ذات قيمة معروفة بين المشتغلين بعلوم العربية، وقد أتى أبو الفداء من شرح هذه الأجزاء على جميع الأبواب النحوية والصرفية والإملائية.
٥ - أنها مخطوطة نادرة وحيدة، فمن الواجب العلمي تحقيقها ونشرها خوفا عليها من عوادي الزمن.
من أجل ذلك كله، عزمت على تحقيق هذه المخطوطة، وجعلت عملي بابين:
الباب الأول: الدراسة.
الباب الثاني: النص المحقّق.
وقسمت الباب الأول قسمين، جعلت القسم الأول في ستة فصول:
الأول: اسمه وأسرته وإمارته على مدينة حماة.
الثاني: حياته العلمية وتكوينه الثقافي.
الثالث: مصنّفاته وشعره.
الرابع: منهج أبي الفداء في الكناش.
الخامس: شواهده ومصادره.
السادس: مذهب أبي الفداء النحوي، وموقفه من النحاة.
وولي ذلك القسم الثاني الذي أتى في خمسة فصول:
الأول: التعريف بعنوان الكتاب «الكناش».
стр. 4
الثاني: توثيق نسبة الكتاب إلى أبي الفداء.
الثالث: وصف المخطوطة.
الرابع: منهج التحقيق.
الخامس: طبعة قطر والنخبة المتميّزة من السّرّاق.
ثم جاء الباب الثاني للنص المحقّق «كتاب الكنّاش»، وخدمته بصنع فهارس للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، والأشعار، والأرجاز، والأمثال والأقوال، والألفاظ اللغوية، والأعلام، والقبائل، والبلدان، والكتب والمصادر، والموضوعات.
وبعد: فقد جهدت في أن أخرج هذا الكناش على أحسن صورة أحسبها ترضي مؤلفه ﵀ وفي أجمل حلّة أردتها له، فلعلي قد وفّقت، وإلا فحسبي أني حاولت، وقد قالوا: العجز عن درك الإدراك إدراك.
أسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت، وأن يرزقنا الصواب، ويلهمنا الحكمة، وأن يجعل هذا العمل نافعا خالصا لوجهه الكريم، وله الحمد والمنّة أولا وآخرا.
٦/ ١١ / ١٤١٧ هـ رياض بن حسن الخوّام مكة المكرمة
стр. 5
الباب الأول الدراسة
стр. 6
القسم الأول
الفصل الأول: اسمه وأسرته وإمارته على مدينة حماة
الفصل الثاني: حياته العلمية وتكوينه الثقافي
الفصل الثالث: مصنفاته وشعره
الفصل الرابع: منهج أبي الفداء في الكناش
الفصل الخامس: شواهده ومصادره
الفصل السادس: مذهب أبي الفداء النحوي وموقفه من النحاة
стр. 7
الفصل الأول اسمه وأسرته وإمارته على مدينة حماة
هو الملك المؤيد عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن الملك الأفضل نور الدين أبي الحسن علي بن السلطان الملك المظفر تقي الدين أبي الفتح محمود بن السلطان الملك المنصور ناصر الدين أبي المعالي محمد بن السلطان الملك المظفر تقي الدين أبي الخطاب عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شادي (١).
وواضح من هذا النسب الرفيع أن أبا الفداء ينتمي إلى الأسرة الأيوبية التي حكمت الشام ومصر وتاريخها أشهر من أن يعرّف. وتجمع المصادر التي ترجمت له على أن مولده كان في دمشق في شهر جمادي الأولى سنة ٦٧٢ هـ لأن أهله كانوا قد غادروا حماة إلى دمشق خوفا من التتار (٢).
وأشار أبو الفداء في كتابه المختصر إلى بعض الأخبار التي تلقي الضوء على
стр. 8
أحوال أسرته فذكر أن أباه الملك الأفضل علي بن الملك المظفر محمود بقي يشارك أخاه صاحب حماة الملك المنصور أحمد في معاركه وفتوحاته ضد الصليبيين (١) حتى توفي بدمشق سنة ٦٩٢ هـ (٢) وأنّ والدته كانت على قدم كبير من العبادة والتقوى وتوفيت سنة ٧٢٨ هـ (٣) وأنّ له أخوين هما أسد الدين عمر، وبدر الدين حسن الذي توفي سنة ٧٢٦ هـ (٤) وأنّ أبا الفداء رزق ولدا أسماه محمدا سنة ٧١٢ هـ (٥) وذكر ابن الوردي أنّ محمدا استلم الملك بعد وفاة أبيه وعمره عشرون عاما وأنّه توفي سنة ٧٤٢ هـ (٦).
والعجيب حقا أنّ كتب التراجم لم تحدثنا الكثير عن طفولة أبي الفداء ونشأته الأولى - مع كونه سليل ملوك وملكا بعد ذلك - سوى نصّها على أنه كان أميرا بدمشق من جملة أمرائها (٧) في حين ذكر أبو الفداء أيضا ما يدلنا على أنه بدأ حياته العسكرية مبكرا؛ فقد شارك عمّه وأباه في معاركهما ضد الصليبيين وفتح معهما قلعة المرقب وكان عمره اثنتي عشرة سنة (٨).
وتجمع المصادر - مبيّنة كيف تولّى السلطنة على حماة - على أن أبا الفداء «خدم الملك الناصر - محمد بن قلاوون - لمّا كان بالكرك وبالغ في ذلك فوعده بحماة
стр. 9
ووفّى له بذلك وأعطاه حماة بعد أن أمّر أسندمر - الذي كان أميرا عليها - على حلب بعد موت نائبها قبجق - وجعله صاحبها، سلطانا يفعل فيها ما يختار من إقطاع وغيره ليس لأحد من الدولة بمصر من نائب ووزير معه فيها حكم، اللهم إلّا إن جرّد عسكر من مصر والشام جرّد منها؛ وأركبه في القاهرة سنة ٧٢٠ هـ بشعار الملك وأبّهة السلطنة، ومشى الأمراء والناس في خدمته حتى الأمير سيف الدين أرغون، ولقبه الملك الصالح، ثم بعد قليل لقبه الملك المؤيّد (١) وعاد أبو الفداء إلى حماه بعد أن جهّزه السلطان بسائر ما يحتاج إليه (٢).
وقد صوّرت لنا المصادر أيضا تلك المنزلة الرفيعة والمكانة السامية التي نالها أبو الفداء لدى الملك الناصر، فقد تقدّم الملك الناصر إلى نوابه: «بأن يكتب إليه - يقبّل الأرض وهذا لفظ يختصّ - كما يقول الشوكاني، بالسلطان الأعظم (٣) - وكان الأمير سيف الدين تنكز ﵀ يكتب إليه: يقبّل الأرض بالمقام الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي المؤيّدي العمادي، وفي العنوان صاحب حماة، ويكتب السلطان إليه (أخوه محمد بن قلاوون) أعزّ الله أيضا المقام الشريف العالي السلطاني الملكي المؤيدي العمادي بلا مولوي: (٤) وكان تاريخ التقليد في الثامن عشر من جمادى الأولى سنة ٧١٠ هـ (٥).
وقد قابل أبو الفداء هذا الإكرام والتعظيم بالوفاء والولاء، فكان يتوجه «إلى مصر في كلّ سنة بأنواع من الخيل والرقيق والجواهر وسائر الأصناف الغريبة» (٦).
وبقي أبو الفداء ملكا على حماة حتى توفي فجأة في الثالث والعشرين من
стр. 10
المحرّم سنة ٧٣٢ هـ (١) عن ستين سنة إلا ثلاثة أشهر وأياما.
ودفن ضحوة عند والديه بظاهر حماة (٢) وقد رثاه جمال الدين محمد بن نباتة بقصيدة أولها: (٣)
ما للندى لا يلبّي صوت داعيه ... أظنّ أنّ ابن شاد قام ناعيه
ما للرجاء قد استدّت مذاهبه ... ما للزمان قد اسودت نواحيه
نعى المؤيّد ناعيه فيا أسفا ... للغيث كيف غدت عنّا غواديه
стр. 11
الفصل الثاني حياته العلمية وتكوينه الثقافي
يعدّ أبو الفداء موسوعة علمية ثقافية متنوعة، فقد نهل من علوم كثيرة وأجاد في فنون متعدّدة، فكان كما وصفته كتب التراجم «رجلا عالما جامعا لأشتات العلوم ..
ماهرا في الفقه والتفسير والأصلين والنحو وعلم الميقات والفلسفة والمنطق والطب والعروض والتاريخ وغير ذلك من العلوم، شاعرا ماهرا كريما ... وكان معتنيا بعلوم الأوائل اعتناء كبيرا (١) وله يد طولى في الهيئة» (٢).
ولا ريب أنّ هذا التنوع الثقافي قد قام على أسس متينة متنوعة، غير أن كتب التراجم ضنّت علينا بأخبار حياته العلمية الأولى ولم تذكر لنا أسماء شيوخه ومؤدّبيه.
وأحسب أن أبا الفداء قد تردّد على العلماء والمؤدّبين، أو جاء إليه المؤدبون والعلماء شأنه في ذلك شأن أولاد الملوك والأمراء، فأخذ عنهم ونهل من معينهم، وتفتّق ذهنه عن عبقرية مبدعة فأصبح «أعجوبة من عجائب الدنيا» (٣) وثمة إشارات وردت عرضا لدى أصحاب التراجم، وفي كتابه المختصر تبين لنا بعض سيرته العلمية وتكوينه الثقافي وهي (٤):
стр. 12
١ - أن ابن تغري بردي في كتابه المنهل الصافي ذكر أن أبا الفداء «حفظ القرآن العزيز وعدّة كتب» (١) وهذا القول يدلّ على أنّ أبا الفداء قد قرأه وحفظه على يدي عالم مقرئ، ويستتبع ذلك - فيما أظن - تعلّمه التجويد والتفسير والنحو والصرف، لأنّ هذه العلوم - قديما - مترافقة متكاملة يردف بعضها بعضا، ومما يؤكد ذلك أن كتاب الكناش الذي بين أيدينا هو كتاب نحوي صرفي ضمّنه أبو الفداء كثيرا من القراءات القرآنية مبيّنا اختلاف القرّاء حولها، واختلافهم مع النحويين أحيانا، ولا ريب أنه لو لم يكن متمكّنا من ذلك لما استطاع أن يتمثّل بهذه الشواهد.
٢ - أن أبا الفداء في كتابه المختصر أخبرنا عن اسم شيخ له هو جمال الدين محمد بن سالم بن واصل الشافعي المتوّفى ٦٩٧ هـ الذي كان مبرّزا في علوم كثيرة وصاحب كتاب «مفرج الكروب في أخبار بني أيوب»، وبيّن بأنه «كان يتردّد عليه وعمره خمسة وعشرون عاما، لأنّ مولده كان سنة ٦٧٢ هـ - وقرأ عليه شرحه لعروض ابن الحاجب وكان يعرض عليه ما لم يحلّه من إشكال كتاب أقليدس ويستفيد منه ويصحّح عليه أسماء من له ترجمة
في كتاب الأغاني (٢).
٣ - أن ابن حجر في كتابه الدّرر الكامنة أشار إلى أن أبا الفداء كان يقتني «كتبا نفيسة ولم يزل على ذلك إلى أن مات» (٣) وهذا الخبر يدلّ على اهتمام أبي الفداء بالعلم الذي كان من نتيجته جمع هذه المكتبة النادرة، ويؤكّد هذا الاهتمام أنّ أبا الفداء في كتابه المختصر يوجّه عنايته، حين يترجم للرجال، إلى ما صنفوه وما اقتنوه من كتب وينصّ على أماكن وجودها، ففي ترجمته لأحمد بن يوسف المنازي المتوفى ٤٣٦ هـ ذكر أنه كان يقتني «كتبا كثيرة وأوقفها على جامع ميّافارقين وجامع آمد وهي، إلى قريب، كانت موجودة بخزائن الجامعين» (٤) ومن ذلك ما رواه أيضا عن أبي علي
стр. 13
يحيى بن عيسى بن جذلة الطبيب المتوفى ٤٩٣ هـ من أنه «أوقف كتبه قبل موته وجعلها في مشهد أبي حنيفة ﵁ (١)» ومن مظاهر اهتمامه بالكتب والمؤلفات حرصه على معرفة كتب اليونان المترجمة وغير المترجمة، فقد نقل من تاريخ ابن القفطي أن «فلوطيس» شرح كتب أرسطو ونقلت تصانيفه من الرومي إلى السرياني قال: ولا أعلم أن شيئا منها خرج إلى العربي، وذكر أيضا أن «مقسطراطيس» شرح كتب أرسطو أيضا وخرجت إلى العربي (٢).
٤ - أنّ قصة علاجه ومداواته لابنه محمد حين سافرا إلى مصر تكشف لنا ثقافة أبي الفداء المتنوعة وتدلنا من جانب آخر على أنه كان طبيبا بارعا، قال: «مرض ابني محمد مرضا شديدا فأرسل لنا السلطان رئيس الأطباء وهو جمال الدين إبراهيم بن أبي الربيع المغربي فحضر إلى سرياقوس وبقي يساعدني على العلاج ثم رحل السلطان من سرياقوس ودخل القلعة وأرسل إليّ حرّاقة فركبت أنا وابني محمد فيها وكان إذ ذاك يوم بحرّانه يعني سابع أيام المرض وهو يوم الخميس سادس ذي الحجة ونزلت بدار طقز تمر، على بركة الفيل، وأصبح يوم الجمعة المرض منحطا ولله الحمد» (٣) ويؤكد ذلك ما رواه أيضا الإسنوي في طبقاته فقد ذكر أن أبا الفداء حين قدم إلى
الديار المصرية استدعاه إلى مجلسه فحضر «- الأسنوي - ومعه الصلاح ابن البرهان الطبيب المشهور فوقع الكلام اتفاقا في عدد من العلوم فتكلم كلاما محققا وشاركناه في ذلك ثم انتقل الكلام إلى علم النبات والحشائش فكلما وقع ذكر نبات ذكر صفته الدالّة عليه والأرض التي ينبت فيها والمنفعة التي فيه واستطرد من ذلك استطرادا عجيبا، وهذا الفن الخاص هو الذي كان يتبجّح بمعرفته الطبيبان الحاضران وهما ابن القوبع وابن البرهان فإن أكثر الأطباء لا يدرون ذلك فلما خرجا تعجبا إلى الغاية، وقال الشيخ ركن الدين ما أعلم من ملك من ملوك المسلمين وصل إلى هذا العلم» (٤).
стр. 14
٥ - أنّ اهتمامه في مختصره بتراجم اللغويين والنحويين (١) يدل على شدة اتصاله بهذا الفن وذلك بمعرفة رجاله وأخبارهم ومصنّفاتهم، فقد ترجم لكثير منهم تراجم وافية (٢) لم تخل من استطرادات علمية نافعة تكشف عن ثقافة واسعة وعلوم متنوعة امتلكها أبو الفداء واستثمرها في مؤلفاته المتعددة، فبعد أن ترجم لابن الأعرابي قال ما نصّه «والأعرابي منسوب إلى الأعراب يقال: رجل أعرابي إذا كان بدويا وإن لم يكن من العرب، ورجل عربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن بدويا، ويقال: رجل أعجم وأعجمي إذا كان في لسانه عجمة، وإن كان من العرب، ورجل عجمي منسوب إلى العجم وإن كان فصيحا، هكذا ذكر محمد بن عزيز السجستاني في كتابه الذي فسر فيه غريب القرآن (٣).
ومن ذلك ذكره في ترجمة المتنبي - سؤال أبي علي الفارسي له إذ سأله قائلا:
«كم لنا من الجموع على وزن فعلى فقال المتنبي في الحال: حجلى وظربى، قال أبو علي: فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد لهما ثالثا، فلم أجد» (٤) وعلّق أبو الفداء قائلا: «وحسبك من يقول في حقه أبو علي هذه المقالة» ومن قبل أثنى أبو الفداء على المتنبي لكونه «من المكثرين لنقل اللغة والمطلعين عليها وعلى غريبها لا يسأل عن شيء إلا واستشهد فيه بكلام العرب (٥).
٦ - أن خطبة كتاب الكناش تفيد عزمه على تأليف سبعة كتب في فنون متنوعة
стр. 15
كان الكناش سيحتويها (١)، وبدهيّ أنه لو لم يكن عالما بهذه الفنون لما عزم على التأليف فيها، يضاف إلى ذلك أن مؤلفاته التي خلّفها لنا تدل على ما كان يتمتع به من ذهن وقّاد، وذكاء حاد، استطاع أن يجمع بين هذه العلوم المتفرقة ويؤلف فيها مؤلفات علمية معتبرة، كالمختصر وتقويم البلدان (٢). وقد ذكر الكتبي بعد ذكره أن أبا الفداء قد نظم الحاوي في الفقه ما نصه «ولو لم يعرفه لما نظمه» (٣) وذلك كله يفيد أن سيرورته العلمية قامت على أسس متينة، فاستطاع بها أن يلج أبواب التأليف بكل أنواعه وأشكاله وفنونه.
٧ - أن كتب التراجم قد ذكرت أن أبا الفداء منذ أن تولى سلطنة حماة اهتم بالعلماء، فقرّبهم إليه وأجرى لهم الرواتب، ومن هؤلاء أمين الدين عبد الرحمن الأبهري المتوفى ٧٣٣ هـ (٤) وعمر بن محمد المعروف بابن العديم المتوفى ٧٣٤ هـ (٥) وكان أبو الفداء يأمر من يعجب به من العلماء بالإقامة عنده فقد ذكر الإسنوي أن أخاه «عماد الدين ﵀ لمّا رحل إلى الشام قصد حلب فاجتاز على حماة وكان قد رتب - أبو الفداء - من يحضر بمجلسه العلماء المارّين عليه والقاصدين إليه فحضر الأخ عنده وتكلم معه في علوم فأعجب به وأمره بالإقامة هناك وهيّأ له من الفرش والآلات ما يحتاج إليه ورتّب له رواتب كبيرة وولّاه مدارس ولازمه في الخلوة» (٦) ولم يقتصر أبو الفداء على تقريبه العلماء بل آوى إليه الشعراء كابن نباتة وصفي الدين الحلي وأجزل لهم العطاء فقد رتّب لشاعره «جمال الدين محمد بن نباتة كل سنة عليه ستمائة درهم وهو مقيم بدمشق غير ما يتحفه به» (٧).
وكان الشعراء يثنون عليه كثيرا، ويمدحونه بغرر القصائد، حتى قال ابن حجر:
стр. 16
«ولا أعرف في أحد من الملوك من المدائح ما لابن نباتة والشهاب محمود وغيرهما فيه إلا سيف الدولة وقد مدح الناس غيرهما من الملوك كثيرا ولكن اجتمع لهذين من الكثرة والإجادة من الفحول ما لم يتفق لغيرهما» (١).
ومن ذلك كلّه يتضح لنا أن أبا الفداء قد قضى حياته طالبا للعلم، محبا لأهله، كريما فاضلا، جامعا بين الحكم والعلم، فكان بحق «من فضلاء بني أيوب الأعيان منهم» (٢) وأصبحت حماة في عهده «محطّ رجال أهل العلم من كل فن، ومنزلا للشعراء» (٣).
стр. 17
الفصل الثالث مصنفاته وشعره
كان من نتيجة الثقافة المتنوعة التي حصّلها أبو الفداء أن ألّف في عدد من الفنون كتبا ذاع صيتها - لأهميتها - وانتشر أمرها - لشهرة مؤلفها، - وهي:
١ - في التاريخ:
أ - المختصر في أخبار البشر (١) وقد أرّخ فيه حتى سنة ٧٢٩ هـ ويعدّ هذا الكتاب - بحق - سبب شهرة أبي الفداء، فقد أتمّه وذيّله من حيث وقف أبو الفداء إلى آخر سنة ٧٤٩ هـ زين الدين عمر المعروف بابن الوردي المتوفى سنة ٧٥٠ هـ (٢) وسمى كتابه «تتمة المختصر في أخبار البشر» واختصر القاضي أبو الوليد محمد بن محمد ابن الشحنة الحلبي المتوفى سنة ٨١٥ هـ كتاب أبي الفداء وذيله إلى زمانه (٣) واهتم المستشرقون أيضا بكتاب المختصر فترجموه إلى عدة لغات، وطبعوه مرارا (٤).
ب - التّبر المسبوك في تواريخ أكابر الملوك: وهو مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم ٥٤٧ نظرت فيه فوجدته يقع في ١٩ ورقة من الحجم الصغير سرد فيه أبو الفداء أسماء بعض الملوك من غير أن يذكر شيئا عن أخبارهم.
ج - تاريخ الدولة الخوارزمية: وقد انفرد بذكره الزركلي في كتابه الأعلام (٥)
стр. 18
وأضاف بأنه مطبوع أيضا، غير أني لم أجد أحدا ممن ترجم لأبي الفداء ذكر له هذا الكتاب، ولم أستطع العثور على نسخة منه، وأحسبه قطعة مطبوعة مأخوذة من كتاب المختصر.
د - مختصر اللطائف السنية في التواريخ الإسلامية، وكتاب اللطائف السنية ألفه فخر الدين إسماعيل بن علي المعروف بالعدولي الحمصي، قيل عن هذا الكتاب إنه مختصر من كتاب التاريخ الكبير له، اختصره أبو الفداء في مجلّد صغير أوله الحمد لله مصور (مصرف) الدهور ومقدر الأمور ... ذكر فيه أنه اختصره من تاريخ الذهبي وابن عساكر وابن كثير وغيرهم إلى سنة ٧٢١ هـ - ١٣٣٠ م (١).
ولعل أبا الفداء قد أودع هذا الكتاب مختصره فقد ذكر في المختصر ما نصه «ومن هنا نشرع في التواريخ
الإسلامية» (٢) فلعل التشابه في جزء من العنوان مع وصف صاحب الكشف له بأنه في مجلد صغير، وكونه إلى سنة ٧٢١ هـ، إن صح هذا - كل ذلك يقوي ما زعمناه.
٢ - في الجغرافيا:
أ - تقويم البلدان (٣)، وقد طبع مرارا، وترجم إلى عدة لغات (٤) ثم إن المولى محمد بن علي الشهير بسباهي زاده المتوفى سنة ٩٩٧ هـ. رتّبه على الحروف المعجمة، وأضاف إليه ما التقطه من المصنفات ليكون أخذه يسيرا ونفعه كثيرا وسماه .. «أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك»، وأهداه إلى السلطان مراد خان الثالث (٥).
стр. 19
٣ - في الفقه:
أ - نظم أبو الفداء كتاب الحاوي في الفقه الشافعي (١) لنجم الدين عبد الغفار بن عبد الكريم القزويني الشافعي المتوفى سنة ٦٧٥ هـ (٢) وهو من الكتب المعتبرة بين الشافعية، ولو لم يعرفه معرفة جيدة ما نظمه (٣) وقد قام قاضي القضاة شرف الدين ابن البارزي بشرح النظم شرحا حسنا في أربع مجلدات (٤).
٤ - في الطب:
ذكر الدكتور رمضان ششن في كتابه «نوادر المخطوطات العربية في مكتبات تركيا» أن لأبي الفداء «قطعة من كتاب له في الطب في مكتبة مدينة مغنيسا تحت رقم ١٨٣٦/ ٢ كتب في آخرها: قرأت جميع هذا الكتاب قراءة .. على مؤلفه مولانا السلطان الملك المؤيد عماد الدنيا والدين أبي الفداء إسماعيل صاحب حماه المحروسة ..» (٥) وكتب
أبو الفداء بخط يده أيضا: بلغت هذه النسخة قراءة عليّ في شهور آخرها ثامن ذي القعدة سنة ثماني وعشرين وسبعمائة وكتبه إسماعيل بن محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب (٦).
ولعله الكتاب الثالث من الكناش، فقد أشار أبو الفداء في خطبة الكناش إلى أن الكتاب الثالث سيكون معقودا للطب، ومما يؤكد ذلك أن الدكتور حسن الساعاتي قد نقل عن رينو والبارون ويسلان محققي كتاب تقويم البلدان أن لأبي الفداء عدة أجزاء في الطب بعنوان الكناش (٧).
стр. 20
٥ - في العروض:
أ - شرح قصيدة ابن الحاجب (المقصد الجليل في علم الخليل) والشرح مخطوط في مكتبة جورليلي علي باشا تحت رقم ٣٧١ ويقع في أربعين ورقة (١).
٦ - في النحو والصرف:
أ - شرح منظومة الكافية لابن الحاجب، أوله: الحمد لله الذي علّم بالقلم إلخ وهو شرح لطيف علقه من شرح المصنف لهذه المنظومة ومن غيرها من شروح الكافية وفرغ من تعليقه في شعبان سنة ٧٢٢ هـ (٢).
ولعل أبا الفداء جعله ضمن كناشه فيما بعد، فقد ألفيته في الكناش قد علق أكثر المباحث النحوية من شرح الوافية نظم الكافية لابن الحاجب وهو ما صرح به صاحب الكشف بقوله «علقه من شرح المصنف ... إلخ».
ب - كشف الوافية في شرح الكافية: وهو شرح أبيات شواهد (المتوسط المسمى بالوافية في شرح الكافية) للسيد ركن الدين حسن بن محمد الاستراباذي المتوفى سنة ٧١٥ هـ، وأول شرح الأبيات لك الحمد يا من صرف قلوبنا
نحو المعاني والبيان ... إلخ (٣).
ج - الكناش: وهو الكتاب الذي بين أيدينا.
٧ - وله من الكتب:
أ - الموازين: جوده وهو صغير، ويشتمل على علوم كثيرة (٤). وقيل هو نظم في الفلك منه نسخة في مكتبة بودليان في اكسفورد (٥).
стр. 21
ب - نوادر العلم: ويقع في مجلدين (١).
ج - مجموع في الأخلاق والآداب والزهد والوعظ يقع في ٧٠ ورقة تحت رقم ٦٧٩٤ - المغرب (٢).
ذكره الأستاذ قدري الكيلاني، فلعله اطلع عليه، ولعله قطعة من الكناش، لأن أبا الفداء قد ذكر في خطبته أن الكتاب الخامس منه، هو في الأخلاق والسياسة والزهد.
تصويب:
ذكر البغدادي في كتابه هدية العارفين أن لأبي الفداء إسماعيل بن علي المتوفى ٧٣٢ هـ كتابا اسمه «الأحكام الصغرى في الحديث» (٣) غير أني لم أجد أحدا ممن ترجم له ذكر له هذا الكتاب والصحيح أنه لعماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي الشافعي المتوفى سنة ٧٤٤ هـ، وذلك لأن صاحب كشف الظنون ذكره منسوبا لابن كثير المذكور (٤) ويبدو أن سبب وهم البغدادي هو التشابه في الكنية.
شعره:
رأينا فيما سبق أن أبا الفداء نظم كتاب الحاوي في الفقه، وبدهي أنه لو لم يكن شاعرا ماهرا ما نظمه، وقد تناثرت قطع من شعره في كتب التراجم، ووصف أصحابها شعره بأنه بديع حسن (٥) والناظر في هذه القطع يلحظ أن أبا
الفداء قد تناول في شعره غرضين هما: الوصف والغزل. فمن شعره قطعة في وصف الفرس يقول فيها: (٦)
أحسن به طرفا أفوت به الفضاء ... إن رمته في مطلب أو مهرب
стр. 22
مثل الغزالة ما بدت في مشرق ... إلا بدت أنوارها في المغرب
وله في الغزل: (١)
كم من دم حلّلت وما ندمت ... تفعل ما تشتهي فلا عدمت
لو أمكن الشمس عند رؤيتها ... لثم مواطئ أقدامها لثمت
وشارك أبو الفداء في نظم الموشحات، فقد ذكرت له كتب التراجم هذه الموشحة التي وصفها الصفدي بقوله: وهذه الموشحة جيدة في بابها منيعة على طلابها، وقد عارض بوزنها موشحة لابن سناء الملك رحمه الله تعالى (٢) ومطلع موشحة أبي الفداء:
أوقعني العمر في لعلّ وهل ... يا ويح من قد مضى بهل ولعل
والشيب واف وعنده نزلا ... وفرّ منه الشباب وارتحلا
ما أوقح الشيب الآتي ... إذ حلّ لاعن مرضاتي
أما مطلع موشحة ابن سناء الملك فهو:
عسى ويا قلّما تفيد عسى ... أرى لنفسي من الهوى نفسا
مذبان عني من قد كلفت به ... قلبي قد لجّ في تقلّبه
وبي أذى شوق عاتي ... ومدمعي يوم شات (٣)
стр. 23
الفصل الرابع منهج أبي الفداء في كتاب «الكناش»
يتّضح لنا منهجه في كنّاشه مما يأتي:
أ - قدّم أبو الفداء لكناشه بخطبة موجزة بيّن فيها أنّ هذا «كناش مشتمل على عدة كتب: الأول: في النحو والتصريف، الثاني: في الفقه، الثالث: في الطب، الرابع: في التاريخ، الخامس: في الأخلاق والسياسة والزهد، السادس: في الأشعار، السابع: في فنون مختلفة (١)» غير أنه لم يبيّن لنا فيها الهدف من تأليفه، ولم يشر إلى الكتب التي سيقوم بشرحها، ولم يذكر الكتب التي اعتمد عليها في صنعه لكناشه كما صنع في مقدمة «المختصر» حين ذكر في مقدمته كلّ الكتب التي أخذ عنها، ولعله كان عازما على كتابة خطبة طويلة يبين فيها ذلك بعد انتهائه من تأليف كل الكتب التي ذكرها في خطبته الموجزة، ولكنّ المنيّة حالت دون ذلك.
٢ - شرح أبو الفداء في الكناش أجزاء من مفصل الزمخشري، وأجزاء من كافية ابن الحاجب وشافيته فأتى من ذلك على الموضوعات النحوية والصرفية والإملائية جميعها.
٣ - سار أبو الفداء في تقسيم كناشه وراء تقسيم الزمخشري لمفصله فقسم الكناش إلى أربعة أقسام:
١ - الاسم
٢ - الفعل
٣ - الحرف
стр. 24
٤ - المشترك
وأنهى الكناش بعقد فصل خاصّ عن الخط والإملاء، التزم فيه بالشافية لابن الحاجب كما التزم في القسم الرابع (المشترك) بالمفصل للزمخشري فقط (١).
وقد صدّر أبو الفداء عناوين موضوعاته بكلمات (ذكر - فصل - القول على) (٢) فيقول مثلا: «ذكر الخبر - فصل في
المقصور والممدود - القول على إبدال الواو من غيرها - ثم يورد بعد ذكره العنوان «الحدّ» الذي يختاره من الكتب الثلاثة (المفصل أو الكافية أو الشافية)، من غير أن يشير إلى صاحبه صراحة، وكان أحيانا ينسبه إلى صاحبه باستعماله لفظة «وقوله» مثال ذلك ما ذكره عن التمييز إذ قال «وهو الاسم النكرة الذي يرفع الإبهام المستقر عن ذات مذكورة أو مقدرة ... وقوله: الإبهام المستقر، احترز به عن الأسماء المشتركة ... وقوله: «الاسم النكرة إنما هو على المختار وهو مذهب البصريين» (٣) غير أن طريقة إيراد الحد لم تطرد ففي القسم الرابع «المشترك» اختلط كلام أبي الفداء بنصوص المفصل، وفي الفصل العاشر المعقود للخط امتزج فيه كلام ابن الحاجب في الشافية بكلام أبي الفداء، ومثل ذلك نلمسه في عدد من الموضوعات النحوية والصرفية المتفرقة (٤).
٤ - تميز أسلوبه في الكناش بسهولة التعبير، وسلاسة الألفاظ، وانتظامها في تراكيب واضحة، هادفا من ذلك بيان المسألة النحوية وإبرازها في أوضح صورة وأتمّ بيان، فيسهب حين يرى الإسهاب لازما ويوجز حين لا فائدة منه، ويورد ما تتطلبه المسألة حين تكون للمختصين ويعرضها مجردة مما يثقل فهمها حين تكون للمبتدئين، فجاء الكناش كتابا تعليميا من جهة، تخصصيا من جهة ثانية.
٥ - اهتم أبو الفداء بصنع دوائر وجداول لتوضيح بعض الأحكام النحوية والصرفية من ذلك الدائرة التي رسمها للبدل (٥) والجدول الذي ضمّنه أمثلة نون
стр. 25
التأكيد جميعها (١).
٦ - أورد أبو الفداء في كناشه عددا من الأبيات التعليمية التي يسهل حفظها من ذلك البيت الجامع في أوائل كلمة أحرف الإخفاء مع النون وهو:
ترى جار دعد قد ثوى زيد في ضنى ... كما ذاق طير صيد سوءا شبا ظفر (٢)
ومن ذلك أيضا البيت الجامع للحروف التي تبدل الياء منها وهو: -
هل كان سرّ بصدّي ... أثمت عوّض بحدّ (٣)
٧ - أكثر أبو الفداء من الاستشهاد بالآيات القرآنية والأشعار لتوضيح الأحكام النحوية أو لتعضيدها، مثال ذلك قوله عن أن المصدرية والمخففة «وأن المصدرية لا تقع بعد العلم، والمخففة تقع بعده ومثال المخففة مع حرف النفي: علمت أن لا يخرج زيد، وكقوله تعالى: أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا (٤) وقد استعملت معها «ليس» مكان «لا» لشبهها بها في النفي كقوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٥) وقد عوضوا «لم» عنها قال الله تعالى: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٦) وأما قوله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها (٧) فلما في إذا من معنى الشرط المختص بالاستقبال صارت بمنزلة السين وسوف، ومثالها مع «قد» علمت أن قد خرج زيد ومثالها مع السين قوله تعالى:
عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى (٨)(٩).
ومثال استكثاره من الشعر قوله عن زيادة إن الخفيفة المكسورة بعد ما النافية:
стр. 26
«وإن المكسورة الخفيفة تزاد بعد ما النافية لتأكيد النفي ويبطل عمل ما حينئذ كقول الشاعر:
فما إن طبّنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا
وكقول النابغة:
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه ... إذن فلا رفعت سوطي إليّ يدي
وكقول امرئ القيس:
حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صالي (١)
٨ - يعيّن أبو الفداء أحيانا موضع الشاهد في الأشعار التي يسوقها ويوضحه، وأحيانا يعربه ويشرح غريبه من ذلك قوله عن جرير:
تعدون عقر النّيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى لولا الكميّ المقنّعا
«فنصب الكميّ بفعل مقدّر أي هلّا تعدّون الكميّ، والضوطرى الضخم لا غناء عنده ومعنى البيت تفتخرون بعقر النيب - وهو جمع ناب وهي المسنّة من الإبل - وليس لكم في الشجاعة نصيب» (٢).
ومثل ذلك قوله على بيت لبيبد:
فأرسلها العراك ولم يذدها ... ولم يشفق على نغص الدّخال
يصف حمار الوحش بأنه أرسل الأتن إلى الماء مزدحمة، فالعراك وإن كان لفظه معرفة فمعناه التنكير أي معتركة، وقال أبو علي الفارسي: تأويله تعترك العراك، فتعترك المقدّر هو الحال والعراك منصوب على المصدر، والعراك الزّحام» (٣).
٩ - تأثر أبو الفداء في عرضه ومناقشاته لبعض القضايا النحوية والصرفية بعلمي الكلام والمنطق، من ذلك قوله حين عرض خلاف النحويين حول تعريف المخصوص بالمدح أو الذم: «وقيل تعريف الرجل في قولك: نعم الرجل، هو تعريف الجنس لا
стр. 27
تعريف العهد لأنك إذا مدحت جنس الشيء لأجل ذلك الشيء بالغت في مدح ذلك الشيء» (١).
ويندرج تحت ذلك أيضا استعماله لمصطلحات أصحاب الكلام والمنطق كالفصول العدمية والماهية الاعتبارية والعوارض والحقائق والمحكوم والمحكوم عليه، والخاص والعام ... إلخ (٢).
١٠ - نقل أبو الفداء كثيرا من الآراء الخلافية غير أنه كان يعرضها غالبا من غير أن يبدي رأيه فيها من ذلك عرضه
للخلاف حول جواز تقديم خبر ليس عليها فقال:
«وأما جواز تقديم خبرها عليها نفسها فقد اختلف فيه، فمنهم من ألحقها بكان لكونها فعلا محقّقا، ومنهم من ألحقها بما فتئ، واستدلّ من ألحقها بكان بقوله تعالى أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ (٣) ووجه الاستدلال أن يوم يأتيهم معمول ل «مصروفا» وإذا قدّم المعمول صحّ أن يقدّم العامل، لأنّ المعمول فرع للعامل وأجيب عن ذلك أنه من الجائز أن يكون تقديمه لاتساعهم في الظروف فلا يجوز تقديم غير الظرف» (٤).
١١ - عرض أبو الفداء كثيرا للخلاف بين النحويين والقرّاء، وتردّد في تأييد أحد الطرفين، فنراه أحيانا يؤيد القراء كقوله: «وإدغام الراء في اللام لحن كذا قال في المفصل وهو مذهب سيبويه والخليل قال السّخاوي وقد أدغم أبو عمرو الراء في اللام فيما يزيد عن ثمانين موضعا في القرآن الكريم وأبو عمرو حجة فيما ينقل وفيما يقرأ فيجب الرجوع إليه في ذلك» (٥) وأحيانا يؤيّد النحويين كقوله: وقد أدغمت الجيم في التاء في قراءة أبي عمرو في قوله: ذي المعارج تعرج (٦) بإدغام جيم المعارج في تاء تعرج وليس بالقويّ لأنّ الجيم قريبة من الشين فكما أنّ الشين لا تدغم لفضيلتها
стр. 28
فكذلك الجيم» (١).
هذه أبرز المعالم التي تتضح منها خطة أبي الفداء في تأليفه لكناشه ومنهجه العام فيه ولعل هذا المنهج يبدو أكثر وضوحا حين نرى شواهده ومصادره التي ضمّنها كناشه، وذلك في الفصل الآتي.
стр. 29
الفصل الخامس شواهده ومصادره
أولا - شواهده: (١)
نوّع أبو الفداء شواهده، فاستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأشعار والأقوال والأمثال.
١ - الآيات القرآنية
رأينا من قبل أنّ أبا الفداء كان حافظا للقرآن الكريم فلا عجب حين يجعل غالب شواهده من القرآن الكريم لتعضيد الظواهر النحوية والصرفية وتأصيلها، مثال ذلك قوله: فالواو للجمع المطلق ليس فيها دلالة على أنّ الأوّل قبل الثاني ولا العكس ولا أنهما معا بل كل ذلك جائز، ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا (٢) فالموت بعد الحياة مع أنه قدّمه عليها (٣) ومثل ذلك أيضا قوله:
وإي بكسر الهمزة حرف للتحقيق وهي للإثبات بعد الاستفهام ويلزمها القسم، قال الله تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ، قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤) فيلزم أن يقع قبلها الاستفهام وبعدها القسم (٥).
وكان أبو الفداء ينص كثيرا حين يورد القضايا النحوية ويوضحها على أنها قد وردت
стр. 30
في القراءات السبع مثال ذلك قوله: «والظروف المضافة إلى الجملة يجوز بناؤها على الفتح ويجوز إعرابها كقوله تعالى: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (١) بفتح يوم ورفعه في السبعة، وكذلك الظرف المضاف إلى إذ، نحو قوله تعالى: لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ (٢) بفتح ميم يوم وجره في السبعة، وكذلك يجوز بناء غير ومثل على الفتح إذا أضيفا إلى ما، أو إلى أن المخففة أو المشددة كقوله تعالى: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٣) برفع مثل وفتحه في السبعة» (٤).
ولم يقتصر أبو الفداء على استشهاد بالقراءات السبع بل استشهد أيضا بالقراءات الشاذة فكان يوردها إما لدعم
رأي نحوي يورده كقوله: «وأجاز المازنيّ نصب الرجل في يا أيها الرجل قياسا على صفة غير المبهم، فإنّه أجرى صفة المبهم مجرى الظريف في قولك: يا زيد الظريف فكما جاز نصب الظريف حملا على المحل جاز نصب المبهم نحو: الرجل في يا أيها الرجل وقرئ في الشاذ قل يا أيها الكافرين (٥)(٦) وإما لبيان خروجها عن القياس كقوله وقرئ لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (٧) والقياس ...
مثابة (٨).
٢ - الأحاديث النبوية الشريفة
أجاز أبو الفداء الاستشهاد بالحديث النبوي الشريف فأورده في كناشه لأمرين:
أ - للكشف عن أصل بعض الألفاظ ذات الصلة بقضية نحويّة أو صرفيّة كقوله في النسب: «وإذا نسب إلى اسم على حرفين وكان متحرك الوسط في الأصل والمحذوف منه لام ولم يعوض همزة وصل كأب وأخ وست، وجب ردّ المحذوف
стр. 31
فيقال: أبويّ وأخويّ وستهيّ إذ أصل ست، سته بالتحريك، وتحذف عينها فتبقى «سه»، وتحذف لامها فتبقى «ست»، وفي الحديث «العين وكاء السّه» وجاء وكاء السّت» (١).
ب - لتوضيح بعض الظواهر النحويّة والصرفيّة كذكره الحديث الشريف لبيان أنواع ما فيقول: «ومثال الصفة قوله ﷺ أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما. وأبغض بغيضك هونا ما عسى
أن يكون حبيبك يوما ما، أي أحبب حبيبك حبا قليلا، وأبغض بغيضك بغضا قليلا، وقيل: ما هنا حرف يفيد التقليل وقيل زائدة للتأكيد» (٢).
ويحاول أحيانا تخريج الحديث على مقتضى القواعد النحوية كقوله في الجمع المؤنث السالم: «فإن قيل قد جمع خضراء أخضر بالألف والتاء في قوله ﵇:
«ليس في الخضراوات صدقة» فالجواب: أنه مؤول بأنه جمع لمسمى الخضراوات نحو البقل وغيره لا للصفة التي هي خضراء، فإنّ مسمى الخضروات مذكر غير عاقل، وهو مما يجمع جمع السلامة أعني بالألف والتاء» (٣).
٣ - الأشعار
أكثر أبو الفداء من الشواهد الشعرية مراعيا ما وضعه البصريون من قواعد للاستشهاد بالشعر من حيث الزمان والمكان وقد أورد بيتا لأبي نواس مخطئا استعماله فعلى تأنيث أفعل التفضيل مجردة من أل التعريف والإضافة فقال: ومن ثمّ خطّئ أبو نواس في قوله:
كأنّ صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء درّ على أرض من الذّهب (٤)
وأورد أيضا بيتين لأبي العلاء المعري على سبيل اللغز وهما:
وخلّين مقرونين لمّا تعاونا ... أزالا قصيّا في المحلّ بعيدا
стр. 32
وينفيهما إن أحدث الدهر دولة ... كما جعلاه في الدّيار طريدا (١)
يريد بذلك أن الألف واللام إذا دخلا على الاسم طردا التنوين، وأنّ التنوين إذا دخل على الاسم طردهما كما طرداه.
٤ - الأقوال والأمثال
ساق أبو الفداء في كناشه بعض أقوال الصحابة والتابعين، فقد استشهد بقول عمر بن الخطاب: «لو أطيق الأذان مع الخلّيفى لأذّنت» وبقول عمر بن عبد العزيز:
لاردّيدى في الصدقة» ليؤكد أن وزن فعّيلى يأتي مصدرا قياسيا (٢) واستخدم أبو الفداء الأمثال غالبا لتوضيح بعض الظواهر الشاذة عن القياس من ذلك قوله في الندبة وقد شذّ حذف حرف النداء في قولهم: أصبح ليل بمعنى: يا ليل وأطرق كرا أي يا كروان وفي أطرق كرا شذوذان؛ حذف حرف النداء والترخيم (٣)، ويؤكد أبو الفداء دائما على أنّ الأمثال يجوز فيها من الحذف والتخفيف ما لا يجوز في غيرها (٤).
ثانيا - مصادره:
اعتمد أبو الفداء في تصنيف كناشه على عدد كبير من المصادر ذكر منها ما يأتي:
١ - الكتاب لسيبويه المتوفى ١٨٠ هـ وقد أشار إليه في تقديمه لبعض الأبيات الشعرية بقوله: ومثله بيت الكتاب أو من ذلك بيت الكتاب (٥).
٢ - الجمل للزجاجي المتوفى ٣٤٠ هـ وقد ذكره في موضع واحد (٦).
٣ - تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري المتوفى ٣٩٨ هـ وقد أشار إليه في موضعين (٧).
стр. 33
٤ - المفصل للزمخشري المتوفى ٥٣٨ هـ وقد أشار إليه ونقل منه في ستة عشر موضعا (١).
٥ - شرح المفصل لابن يعيش المتوفى ٦٤٣ وقد أشار إليه في موضع واحد (٢).
٦ - شرح المفصل للسخاوي المتوفى ٦٤٦ هـ وقد أشار إليه في ثلاثة أماكن (٣).
٧ - شرح المفصل الموسوم بالإيضاح لابن الحاجب المتوفى ٦٤٦ هـ وقد أشار إليه في موضع واحد (٤).
٨ - شرح الشافية للسيد ركن الدين الاستراباذي المتوفى ٧١٥ هـ وقد ذكره في موضع واحد (٥).
٩ - شرح مقدمة ابن الحاجب لتقي الدين النيلي من أهل القرن السابع، وقد أشار إليه في موضع واحد (٦).
وذكر أبي الفداء لهذه المصادر الأصلية لا يعني أنه قد اقتصر عليها، إذ يدلنا الكناش على أن أبا الفداء قد اطّلع واعتمد على كثير من كتب النحو والقراءات واللغة والتفسير وإن لم يذكرها صراحة، ولقد وقفت على نصوص كثيرة جدا قد نقلها أبو الفداء من شرح الوافية وشرح الكافية وإيضاح المفصل لابن الحاجب، ومن شرح المفصل لابن يعيش، - غير تلك التي أشار إليها - ومن شرح التسهيل لابن مالك أيضا، وقد ذكرنا أيضا في منهجه أن المفصل والكافية والشافية هي المتون الثلاثة التي أدار عليها أبو الفداء كناشه فكانت هي المادة الأولى عنده، ومع ذلك لم يذكرها
стр. 34
صراحة، ما عدا ذكره أن القسم الرابع «المشترك» خاص بالمفصل.
وأخيرا لا شك أن ذكر أبي الفداء للأعلام اللغويين والنحويين والقراء والشعراء يبين لنا مدى اعتماده على كتبهم - أو كتب من ذكرهم - ودواوينهم (١).
стр. 35
الفصل السادس مذهب أبي الفداء النحوي وموقفه من النحاة (١)
نستطيع أن نقرّر على ضوء ما رأينا في كتاب الكناش أن أبا الفداء بصريّ المذهب والنزعة كغيره من النحويين المتأخرين، فقد أيد البصريين في عدد كبير من آرائهم ووافقهم في الأسس التي قامت عليها مدرستهم يتّضح ذلك مما يأتي:
١ - العامل
أيد أبو الفداء البصريين في نظرية العامل «اللفظي والمعنوي»، فقد أورد في كناشه عددا من المسائل تدل على اتجاهه هذا، من ذلك:
أ - تقريره أن العامل في الفاعل والمفعول به هو الفعل، والدلالة على كون الفعل هو العامل في الفاعل تتضح من قوله: «والضمير المرفوع المتصل خاصة يستتر في الفعل الماضي للمذكر الغائب نحو: زيد ضرب ... وإنما استتر المتصل بخلاف المنصوب والمجرور المتصلين نحو: إنه وله، لشدة اتصال المرفوع بالعامل دونهما» (٢) وقال في موضع آخر: «والضمائر مع ثبوت عواملها لا تتغير عن حالها ألا ترى أن الياء في تضربين والنون في تضربن والواو في تضربون، والألف في تضربان لا تتغير بوجه لأنها ضمائر» (٣).
ودلّ في موضع آخر على أن هذه الضمائر هي الفاعل فقال: «إن الألف في يفعلان اسم وهي ضمير الفاعل ... وهي في يضربان اسم وكذلك القول في واو يضربون ونحوه فإنها اسم وهو ضمير الفاعل ... وكذلك الياء في تضربين ضمير
стр. 36
الفاعل وهي اسم» (١)، وأفاد أن الفعل هو العامل في المفعول إذ ذكر أنه «قد يحذف الفعل الناصب للمفعول به جوازا لقرينة تدل عليه كقولك: زيدا، لمن قال: من أضرب أي أضرب زيدا» (٢) وأكد على ذلك في موضع آخر فقال: «وقد يتقدم المفعول به على الفعل العامل فيه لأن الفعل قوي في العمل» (٣) ومعلوم أن الكوفيين قد ذهب أكثرهم إلى أن العامل في المفعول به هو الفعل والفاعل جميعا (٤).
ب - نصه على أن عامل الرفع في المبتدأ معنوي، ذكر ذلك حين تحدث عن مواضع تعذر اتصال الضمير إذ قال: «أو يكون العامل معنويا كالمبتدأ والخبر نحو:
أنا زيد وأنا قائم لأنه إذا كان معنويا تعذر الاتصال به» (٥) وما ذهب إليه أبو الفداء هو مذهب البصريين في حين ذهب الكوفيون إلى أن المبتدأ يرفع الخبر، والخبر يرفع المبتدأ فهما يترافعان (٦).
ج - ذكره أن عامل النصب في المفعول معه هو الفعل خلافا للكوفيين الذين رأوا أنه منصوب على الخلاف، وخلافا
للجرجاني القائل بأن ناصبه الواو، وخلافا للزجاج القائل بأن ناصبه فعل مضمر بعد الواو (٧). قال أبو الفداء «والفعل العامل في المفعول معه يكون لفظا نحو: جئت وزيدا ويكون معنى نحو: ما لك وزيدا، والمراد بالفعل لفظا الفعل وشبهه من أسماء الفاعل والصفة المشبهة والمصدر ونحوها والمراد بالفعل معنى أي تقديرا غير ما ذكر مما يستنبط فيه معنى الفعل نحو: ما لك وزيدا وما شأنك وعمرا، لأن التقدير ما تصنع وعمرا، فأمّا إذا لم يكن في الكلام فعل ولا معنى فعل فلا يجوز النصب فإذا قلت: ما أنت وعبد الله وكيف أنت وقصعة من ثريد فالوجه الرّفع لانتفاء الناصب» (٨).
стр. 37
٢ - السماع والقياس
وكلاهما حرص على بيانه أبو الفداء في كناشه، وفق الأساس العام الذي وضعته مدرسة البصرة النحوية، وقد ظهر حرصه وتشدّده فيهما في عدة صور:
أ - في ذكره ومتابعته للمصطلحات التي جرى عليها البصريون فالمراد «بالمطرد جري الباب قياسا من غير حاجة إلى سماع في كلّ فرد منه»، والمراد «بالواجب ما لا يجوز غيره»، والمراد «بغير المطرد ما يتوقف كلّ فرد منه على السماع» والمراد «بالجائز ما يجوز فيه الإبدال مثلا - وتركه» (١) والمراد «بالقياسي ما يعرف بقاعدة معلومة من استقراء كلامهم يرجع إليها فيه، والسماعي ما ليس كذلك بل يفتقر كلّ اسم منه على سماع» (٢) والشاذ - عند أبي الفداء - لا يعتدّ به (٣) أمّا النادر فهو كالمعدوم (٤).
ب - في ردّه على الفراء القائل بأن وزن أشياء (أفعاء) لأن أصله أشيئاء على وزن أفعلاء جمع لشيّء على وزن (فيعل) ذلك أن شيئا أصله شيّيء ثم خفّف كما خفّف ميت وجمع بحسب الأصل على أشيئاء ثم حذفت الهمزة التي بين الياء والألف وهي لام الكلمة فصار وزنه أفعاء» وقد رده أبو الفداء بقوله: «وهو مردود بأنه لم يسمع شيّئ، فلو كان هو الأصل لكان شائعا كميّت وبأنه حذف لام الفعل على غير قياس، لأن الهمزتين إذا توسطهما الألف لا تحذف إحداهما ولا هما» (٥).
ح - في تأكيده أنه لا يجوز القياس على القليل والنادر فهو لا يجوّز القياس على نحو: عبشمي وعبدري وعبقسي لأنه «نادر في كلامهم لا يقاس عليه» (٦).
٣ - العلة
اهتم بها اهتماما كبيرا، فأكثر من إيراد العلل لتفسير الأحكام النحوية،
стр. 38
وللوقوف على الحكم الدقيقة من ورائها، تلك التي أرادتها العرب من طرائق أساليبها وهذه العلل - عموما - هي علل البصريين ومن أيدهم من النحويين المتأخرين، من ذلك تعليله لمنع ترخيم الاسم الثلاثي كزيد، قال: «لئلا يحصل الإجحاف بالحذف فيخرج عن أبنية الاسم» (١).
ومثله تعليله لبناء المنادى المفرد المعرفة - على ما يرفع به نحو: يا زيد، قال «وإنما بني لشبهه بالمضمر، لأنه لا ينفك في المعنى عن كونه مخاطبا معينا، وحكم المخاطب أن يكون مضمرا» (٢).
ومن آرائه الدالة على نزعته البصرية ما يأتي:
١ - نصّه على أن الجزم بكيفما شاذ، وذلك بقوله: «والجزم بكيفما شاذ خلافا للكوفيين فإنهم يجزمون بكيف مع ما» (٣).
٢ - عدم تجويزه دخول ياء النداء على ما فيه أل، واعتبار ما ورد من ذلك شاذا لا يعتدّ به، قال «وأدخلوا حرف النداء على اللّام في اسم الله خاصة، نحو: يا ألله إما لكثرته وإمّا لأنّ اللّام ليست للتعريف وقد ورد في الشعر:
من أجلك يا التي تيّمت قلبي ... ...
وهو شاذ لا يعتدّ به ولا بما يأتي من ذلك» (٤) وقد ذهب الكوفيون إلى جواز نداء ما فيه الألف واللام نحو: يا الرجل ويا الغلام ومنعه البصريون (٥).
٣ - تضعيفه مذهب الكوفيين المجيزي العطف بلكن بعد الإيجاب في المفردات قال: «وأما لكن فإن وقع بعدها مفرد كانت للاستدراك، ولزم تقدّم النفي عليها نحو ما جاءني زيد لكن بكر وأجاز الكوفيون العطف بعد الإيجاب في المفردات وهو
стр. 39
ضعيف» (١).
٤ - تأييده مذهب البصريين في كون من الزائدة لا تزاد إلّا بعد غير الموجب حيث يقول: «وتقع من زائدة وتعرف بأنك لو حذفتها لكان المعنى الأصلي على حاله، ولا يفوت بحذفها سوى التأكيد كقولك: ما جاءني من أحد، وهي مختصة عند البصريين بغير الموجب، وجوّز الكوفيون والأخفش زيادتها في الواجب أيضا واستشهدوا بقولهم: قد كان من مطر، وتأويله قد كان شيء من مطر فتكون للتبعيض، واستدلوا أيضا بقوله تعالى: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ (٢) وقد قال: يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً (٣) والجواب أن من هاهنا أيضا للتبعيض أي يغفر لكم بعض ذنوبكم وهو خطاب لقوم نوح» (٤).
٥ - تقريره أنّ خبر كان نصب تشبيها له بالمفعول، وأنّ اسمها رفع تشبيها له بالفاعل في حين ذهب الكوفيون إلى أن نصب خبرها جاء تشبيها له بالحال، قال أبو الفداء: «وإنما رفعت - كان - الأول لأنها تفتقر إلى اسم تسند إليه
كسائر الأفعال فارتفع ما أسندت إليه تشبيها له بالفاعل فلما رفعت الأول وجب نصب الثاني على التشبيه بالمفعول» (٥).
٦ - منعه تقديم خبر ما أوّله ما من أخوات كان، قال: «ويجوز في الباب كله تقديم الخبر عليها أنفسها نحو: قائما كان زيد، إلّا ما أوّله ما، فإنه لا يقدم عليها الخبر فلا يقال: قائما ما فتئ زيد، لأن ما إما نافية أو مصدرية ويمتنع تقديم ما في حيّز النفي عليه، وتقديم معمول المصدر على المصدر» (٦) وقد ذهب الكوفيون إلى جواز تقديم خبر ما زال عليها وما كان بمعناها ومنع ذلك البصريون (٧).
стр. 40
٧ - ذهابه إلى أن وزن سيّد وميّت فيعل بكسر العين لا فعيل كما ذهب إليه الكوفيون ولا فيعل بفتح العين كما ذهب إلى ذلك البغداديون قال: «والصحيح أنّ وزن سيّد وميّت فيعل بكسر العين وهو بناء مختص بالمعتل لأنّ المعتلّ ضرب بذاته ولا حاجة إلى أن يقال إنه فيعل بفتح العين ثم نقل إلى كسرها لعدم فيعل بكسر العين لأنه إنما هو معدوم في الصحيح خاصة لا في المعتل» (١).
٨ - عدم تجويزه جمع نحو: طلحة وحمزة وعلّامة ونسّابة مما فيه تاء التأنيث بالواو والنون في حين أجازه الكوفيون مطلقا (٢).
٩ - عدم تجويزه ضم ما قبل الواو في حالة الرفع وكسر ما قبل الياء في حالتي النصب والجر في نحو: مصطفون ومصطفين، قال: «وإن كان آخره ألفا حذفت لالتقاء الساكنين وترك ما قبل الياء مفتوحا لتدل الفتحة على الألف المحذوفة فيقال في الرفع: مصطفون بفتح الفاء وفي النصب والجر: مصطفين بفتحهما أيضا، وأجاز الكوفيون ضمّ ما قبل الواو وكسر ما قبل الياء قياسا على المنقوص وهو ضعيف، لأنّ النصّ في قوله تعالى وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ (٣) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ (٤) على خلافه، وأيضا فإن فتحة ما قبل الألف في نحو: مصطفى لم يتعذر بقاؤها، فلم يجب التغيير فبقيت الفتحة على حالها» (٥).
١٠ - نصّه على أن تعريف العدد المركب يكون بتعريف جزئه الأول فيقال: جاء الأحد عشر رجلا في حين ذهب الكوفيون إلى جواز تعريف الجزأين فيقولون: الأحد العشر رجلا (٦).
وبصريّة أبي الفداء هذه لم تمنع عقله المتحرر من أن يؤيد الكوفيين في بعض