← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1769

حرمة المسلم على المسلم

ماهر الفحل

Полный текст (84 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مما تقدم يتبين لنا منزلة الجار في نظر الإسلام وأنَّ ما نراه عند كثير من الناس الآن من الذين لا يهتمون بحق الجوار، ولا يأمن جيرانهم شرورهم فتراهم دائماً في نزاع معهم وشقاق واعتداء على الحقوق، وإيذاء بالقول والفعل، كل هذا مخالف لما جاء به القرآن والسنة الصحيحة، وإنَّ ما نراه من ذلك موجبٌ لتفكك المسلمين، وتباعد قلوبهم وإسقاط بعضهم حرمة بعض. وعلى المسلم إذا ابتلي بجار سوء أنْ يصبر عليه، فإنَّ صبره سيكون سبب خلاصه منه، فقد جاء رجل إلى النَّبيِّ ﷺ يشكو جاره فقال له: ((اصبر)) ثم قال له في الثالثة أو الرابعة: ((اطرح متاعك)) في الطريق فطرحه فجعل الناس يمرون به ويقولون ما لك؟ فيقول: آذاني جاري فيلعنون جاره حتى جاءه وقال له: ((رد متاعك إلى منْزلك فإني والله لا أعود)) (١) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قيل للنَّبيِّ ﷺ : يا رسول الله، إنَّ فلانة تقوم الليل وتصوم النهار وتفعل وتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها، فقال رسول الله: ((لا خير فيها، وهي من أهل النار، وقال: وفلانة تصلي المكتوبة وتصدق بأثوار من الأقط ولا تؤذي أحداً، فقال رسول الله: هي من أهل الجنة)) (٢) . مما تقدم من نصوص الكتاب والسنة نعلم كيف عني الإسلام بالجار عناية عظيمة؛ إذ حث على الإحسان إليه بالقول والفعل وحرم أذاه بالقول والفعل، وجعل الإحسان إليه ومنع الأذى عنه من خصال الإيمان، ونفى الإيمان الكامل عن من لا يأمن جاره شَرّهُ، وأخبر أنَّ خير الجيران عند الله خيرهم لجاره. دماء المسلمين:

стр. 37

أخي المسلم الكريم: إياك إياك الوقوع في دماء المسلمين فإنَّ مما عُلِمَ من الدين بالضرورة وتواترتْ به الأدلة من الكتاب والسنة حُرمةُ دم المسلم؛ فإنَّ المسلم معصوم الدم والمال، لا تُرفعُ عنه هذه العصمة إلاّ بإحدى ثلاث؛ إذ يقول الرسول ﷺ : ((لا يَحلُّ دمُ امرىءٍ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث: كَفَرَ بعدَ إسلامهِ، أو زَنَى بعد إحصانهِ، أو قَتَلَ نفساً بغير نفس)) (١) ، وما عدا ذلك، فحرمة المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة، بل من الدنيا أجمع. وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : ((والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا)) (٢) وهذا الحديث وحده يكفي لبيان عظيم حرمة دم المسلم، ثم تبصّر ماذا سيكون موقفك عند الله يوم القيامة إنْ أنت وقعت في دم حرام، نسأل الله السلامة.

стр. 38

قال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء: ٩٣] : (يقول الله تعالى: ليس لمؤمنٍ أنْ يقتل أخاه بوجه من الوجوه، وكما ثبت في الصحيحين (١) عن ابن مسعود: أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((لا يحلُ دم امرىء مسلم يشهد أنْ لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة)) ، ثم إذا وقع في شيء من هذه الثلاث فليس لأحد من آحاد الرعية أنْ يقتله، وإنَّما ذلك إلى الإمام أو نائبه) (٢) . وقال ابن كثير في تفسير نفس الآية: (وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول الله سبحانه في سورة [الفرقان: ٦٨] ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾

стр. 39

إلى أن قال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١] ، والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جداً)) (١) : ((وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من جحد آية من القرآن، فقد حل ضرب عنقه، ومن قال: لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، فلا سبيل لأحد إلاّ أن يصيب حداً فيقام عليه)) (٢) . وفي رواية عن أنس ﵁: ((فإذا شهدوا أنْ لا إله إلاّ الله وأنَّ محمداً رسول الله واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلوا صلاتنا فقد حُرّمتْ علينا دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم)) (٣) . وعلى المسلم أنْ يقف كثيراً عند قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] . فانظر أخي المسلم إلى عظمة كلمة لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، والحصن والأمان الذي تضفيه على صاحبها إلاّ باستثناءات ذُكرتْ آنفاً.

стр. 40

ومما لا بد من علمه أخي المسلم أن الله -لم يجعلْ عقوبةً بعد عقوبةِ الشرك بالله أشدَّ من عقوبة قتل المؤمن عمداً حيث يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء: ٩٣] ، وقد اختلف السلف في هذه الآية فذهب بعض الصحابة إلى أنَّ هذه الآية محكمةٌ وأنها آخر ما نزل على رسول الله ﷺ ، وممن ذهب إلى ذلك الإمام الحبر الصحابي الجليل وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ فعن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس أنَّ رجلاً أتاه فقال: أرأيتَ رجلاً قتل رجلاً متعمداً؟ قال: جزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً، قال: أُنزِلتْ في آخر ما نزل، ما نسخها شيءٌ حتى قُبضَ رسولُ الله ﷺ ، قال: أرأيتَ إنْ تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى؟ قال: وأنى له التوبة، وقد سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: ((ثكلتْهُ أُمُه رجلٌ قتلَ رجلاً متعمداً يجيء يومَ القيامة آخذاً قاتله بيمينه أو بيساره وآخذاً رأسه بيمينه أو شماله تشخبُ أوداجه دماً في قبل العرش يقول: يا رب سَلْ عبدك فيم قتلني؟)) (١) ، وفي الحديث الصحيح الذي يرويه النسائي في المجتبى (٢) عن معاوية ﵁ عن رسول الله ﷺ - قال: سمعته يخطب - يقول: ((كلُّ ذنبٍ عسى اللهُ أنْ يغفره إلاّ الرجلُ يقتلُ المؤمنَ متعمداً أو الرجل يموتُ كافراً)) فأيُّ خطر هذا، وأي مهلكة يقدم عليها المرء ويجازف بها، حياةٌ لا ممات فيها وخلودٌ في مستقر لا تَقَرُّ به عينٌ ولا تُرفعُ به عقيرةٌ فخراً وزهواً، وغَضَبٌ من الله

стр. 41

وعذابٌ عظيم وخزي في الدنيا والآخرة مع مكث ولبث طويلين لا يعلم أمدهما إلاّ الله جل في علاه نسأل الله السلامة لنا ولمن اتعظ واتّبع. ثم تبصّرْ أخي المسلم الكريم الحديث جيداً لتنظر كيف أنَّ النَّبيَّ ﷺ قد قرن بين قتل المؤمن والشرك بالله تعالى، وجعلهما مشتركين في استبعاد الغفران. واعلم أخي المسلم أنَّ أول ما يُقضَى يوم القيامة بين العباد في الدماء ففي ذلك يقول الرسول ﷺ : ((أولُ ما يُحاسَبُ به العبدُ الصلاةُ، وأولُ ما يُقضَى بينَ الناسِ الدماءُ)) (١) وما ذلك إلا لعظم خطرها يوم القيامة فاستعد للموقف العظيم، والسؤال الصعب الذي ما بعده إلا جنة أو نار. وكل الذنوب يُرجَى معها العفو والصفح إلاّ الشرك، ومظالم العباد. ولا رَيبَ أنَّ سَفْكَ دماء المسلمين وهَتْكَ حرماتهم لَمِنْ أعظم المظالم في حق العباد، فعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ليس من عبد يلقَى اللهَ لا يشرك به شيئاً، ولم يتند بدم حرام إلاّ دخل من أي أبواب الجنة

стр. 42

شاء)) (١) قوله: ولم يتند: أي لم يصب منه شيئاً أو لم ينل منه شيئاً ويقول الرسول الأعظم في حديث رواه البخاري في صحيحه (٢) : ((أبغض الناس إلى الله ثلاث: مُلْحِدٌ في الحَرَم، ومُبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرىء بغير حق ليهريق دمه)) . وعن جندب ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: ((من سَمّعَ سَمّعَ اللهُ به يوم القيامة، قال: ومن يشاقق يشقق الله عليه يوم القيامة، فقالوا: أوصنا. فقال: إنَّ أول ما ينتن من الإنسان بطنه فمن استطاعَ أنْ لا يأكل إلاّ طيباً فليفعل، ومن استطاع أنْ لا يحال بينه وبين الجنة ملء كف منْ دم أهراقه فليفعل)) رواه البخاري (٣) . وعن عبادة بن الصامت ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: ((من قتل مؤمناً فاغتبط (٤) بقتله لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً)) (٥) .

стр. 43

وإياك إياك أخي المسلم أنْ تُضيع على نفسك فرصة النجاة فعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ : ((لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ دماً حراماً)) (١) أخي المسلم الكريم، هل أنت على استعداد أنْ تفوّت على نفسك فرصة النجاة العظيمة من النار، وقد روى البخاري ومسلم (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: ((ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) . ثم اجعل دائماً أخي المسلم نُصْبَ عينيك أنَّ دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض، ولا تحل إلا بإذن الله ورسوله. واعلم أخي المسلم: أنَّ ما أوردناه غيض من فيض وقليل من كثير فهو إشارات لكثير من العبارات التي وردت في الكتاب والسنة، تحث المسلمين على الورع والكف عن دماء إخوانهم، ولما سبق ذكره كان الصحب الكرام والتابعون لهم بإحسان أشد ما يكونون من الورع والوجل من أنْ يغمس أحدهم يده بمظلمة في حق مسلم، وكانوا كذلك ﵏ ورضي عنهم لشدة ما سمعوا ووعوا من كلام النبوة في التحذير من الانغماس في الفتن والشبهات والتزام النفس والبيت، وعدم الولوج في حرمات المسلمين حتى بالكلام، صوناً لهم عن التسبب في مظالم للمسلمين فضلاً عن الخوض فيها. قال أبو موسى الأشعري ﵁: ((إنَّ بعدكم فتناً القاعد خير من الساعي، حتى ذكر الراكب، فكونوا فيها أحلاس بيوتكم)) (٣) . وعن جندب ﵁ قال: ((ستكون فتن، فعليكم بالأرض، وليكن أحدكم حلس بيته؛ فإنه لا ينبجس لها أحدٌ إلاّ أَرْدَتْهُ)) (٤) .

стр. 44

وحينما اعتزل سعد بن مالك وعبدُ الله بن عمر ﵃ الفتنةَ قال علي ﵁: ((للهِ دَرُّ منزلٍ نَزلَه سعد بن مالك وعبد الله بن عمر، واللهِ إنْ كان ذنباً إنه لصغير مغفور، ولئن كان حسناً إنه لعظيم مشكور)) (١) . تذكّر أخي المسلم ما في الصحيحين (٢) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قلت: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول، قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)) .

стр. 45

وفي الصحيحين (١) أيضاً من حديث الأحنف بن قيس قال: ذهبتُ لأنصر هذا الرجل - يعني: علي بن أبي طالب - فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل، قال: ارجع فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ...)) ثم ذكر بقية الحديث. وفي رواية أخرى للبخاري (٢) عن الحسن قال: خرجتُ بسلاحي ليالي الفتنة فاستقبلني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أريد نصرة ابن عم رسول الله ﷺ فقال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) ، وفي رواية لمسلم (٣) : ((إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما على جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلا جميعاً)) وهذا كله إذا كان القتل غير مأذون به شرعاً، وقد قصّ الله علينا في كتابه العظيم خبر أول حادثة قتل وقعت في تاريخ البشرية حين قتل أحد ابني آدم أخاه قتله ظلماً وبغياً وحسداً فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] ومع إن هذا القاتل قد هدّد أخاه بالقتل وأكد ذلك بقوله: ((لأَقْتُلَنَّكَ)) فقد تلطّف معه لعله أنْ يرجع عن عزمه، وأخبره أيضاً أنه لن يمد يده ليقتله مهما هدده، بل إنه حتى ولو باشر عملية القتل فسيكف يده أيضاً خوفاً من الله رب العالمين، فقال له: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾

стр. 46

[المائدة: ٢٨] ثم أخذ ينصح أخاه ويعظه لعله يرجع عما هَمَّ به، ومع كل هذا التلطف والنصح فلم ينفع ذلك أخاه، ولم يثنه عن عزمه على قتل أخيه. وكذلك الظلم والحقد والبغي والحسد كل ذلك يعمي القلب عن الحق، ويصم الأذن عن سماع الحق، فلا يزال القلب مُصِرّاً على المعصية والإثم والموبقة، والشيطان يدفعه إلى تلك المعصية، فالشيطان هو العدو الأول للإنسان فيدفعه إلى ذلك دفعاً، ويهوِّن عليه الأمر حتى إذا وقع فيها تخلى عنه الشيطان وتبرأ منه، ثم بعد ذلك تَظْلَمُّ عليه الدنيا وتضيق عليه الأرضُ بما رَحُبَتْ، قال تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٣٠] ثم بعد ذلك ماذا حصل للقاتل؟ ندم على ذلك الفعل الشنيع، ولكن هل ينفع الندم على قتله؟ لا ينفع الندم؛ لأنَّ أخاه قد مات، ولن يرجع إلى الحياة الفانية، ثم ماذا يصنع هذا القاتل بعد جريمته تحيّر وبقي يحمله مدة طويلة. أولُ قتيل لا يدري ماذا يصنع به هل يحمله ويضعه في الماء أم هل يضعه فوق الجبال، أشكل عليه الأمرُ، فالأمر معضلة ومشكلة، لأنَّه أول حادثة قتل تحدث على الأرض. فأظهر القاتل ندمه على سوء فعلته وصنيعه فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يدفن أخاه حتى أراه الله كيف يدفن الغراب غراباً. وقد بيّن لنا النَّبيُّ ﷺ أنه ما من نفس تُقتل ظلماً منذ ذلك التاريخ وحتى آخر يوم من الدنيا إلا كان لهذا القاتل كفلٌ منها؛ لأنه أول من سن القتل، وهذا شأن كل مَن سَنّ ضلالة أو دعا إلى ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وقد بيّن الله سبحانه في كتابه بعد أنْ ذكر قصة ابني آدم أنَّ جريمة القتل عظيمة، وأنَّ من قتل نفساً بغير نفس

стр. 47

أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً يقول الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: ٣٢] وهذا الحكم وإنْ كان ظاهره خاصاً ببني إسرائيل إلا إنه عام فينا وفيهم فقد سأل سليمانُ بنُ علي الحسنَ عن هذه الآية فقال: ((قلت للحسن: هذه الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل فقال: والذي لا إله غيره كما كانت لبني إسرائيل وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دماءنا)) (١) . أخي المسلم الكريم، إنَّ الله ﵎ قد نهى عن قتل النفس بغير الحق في كتابه الكريم، وأثنى على الذين يجتنبون هذه الجريمة العظيمة، وقد توعّد سبحانه من يفعلها باللعنة والغضب والعذاب العظيم والخلود في نار جهنم فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء: ٩٣] . فاستحضر أخي المسلم هذا التهديد العظيم وهذا الوعيد الكبير فأي تهديد بعد هذا وأي وعيد بعد هذا الوعيد كل ذلك؛ لأنَّ المسلم له مكانة عند الله تعالى. ودم المسلم هو أغلى الدماء التي يجب أنْ تُصانَ، وأن يُغضَب لإراقتها. أخي المسلم الكريم قد بيّن الله حرمة المسلم ومكانته عند الله تعالى فقد صحّ عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: ((والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله

стр. 48

من زوال الدنيا)) (١) وفي رواية أخرى: ((لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلمٍ)) (٢) . وفي حديث آخر: ((لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق)) (٣) فهذه مكانة المسلم عند الله تعالى فتدبّر أيها القاتل ماذا تصنع بفعلتك؟ !! فلزوال الدنيا كلها أهون من قتل رجل مؤمن بغير حق، زوال الدنيا بأموالها ومزارعها ومصارفها ومصانعها وتجاراتها وبناياتها ودولها وأحلافها، وكل ما فيها أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق. بل المسلم له حرمة حتى بعد موته فقد نهى النَّبيُّ ﷺ عن كسر عظم الميت، وأخبر أنَّ عظم الميت إذا كُسر فكأنما كُسر وهو حيٌّ، فقد صحّ عن السيدة عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حياً)) (٤) . أخي المسلم الكريم، إنَّ النَّبيَّ ﷺ قد حذّر أمته أشد التحذير من هذه الجريمة فقال: ((سباب المسلم فسوقٌ وقتاله كفر)) (٥) وقال: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)) (٦) وبيّن أنَّ هذه الجريمة من السبع الموبقات المهلكات فقد قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا

стр. 49

بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)) (١) وقال أيضاً: ((أكبر الكبائر: الإشراك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وقول الزور)) (٢) . وروى النسائي (٣) من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: ((من جاء يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويجتنب الكبائر كان له الجنة)) فسألوه عن الكبائر فقال: ((الإشراك بالله وقتل النفس المسلمة والفرار يوم الزحف)) . وروي عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: ((من قتل مؤمناً فاغتبط بقتله (يعني سره ذلك وفرح به) لن يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً)) (٤) .

стр. 50

وقاتل المسلم مهما فرَّ في هذه الدنيا، فإنَّه لن يفلت يوم القيامة، ولن يتركه المقتول يوم القيامة، فقد صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: ((يجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول: يا رب هذا قتلني فيقول له: لما قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لك فيقول: فإنها لي، ويجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول: يا رب، إنَّ هذا قتلني فيقول الله: لما قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان فيقول الله تعالى: ((إنها ليس لفلان فيبوء بإثمه)) )) (١) وفي رواية للنسائي (٢) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: ((يجيء المقتول بقاتله يوم القيامة فيقول: سَلْ هذا فيم قتلني؟)) فهذا هو الحساب وهو أشد أنواع الحساب فهو ليس تحقيقاً دنيوياً يستطيع به بعضهم أن يتخلص ببعض من يكون للخائنين ظهيراً. فاحذر أخي المسلم كل الحذر أن تقع في دم حرام فتقتل أحداً من أجل فلان أو مُلْكِ فلان أو إمارة فلان، فإنهم لن ينفعوك شيئاً عند الله، ولن يدفعوا عنك شيئاً من عذاب الله. وروى النسائي (٣) من حديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت نبيكم ﷺ يقول: ((يجيء المقتول متعلقاً بالقاتل تشخب أوداجه دماً فيقول: أي رب سَلْ هذا فيم قتلني؟)) وعند ابن ماجه (٤) والترمذي (٥) عن ابن عباس ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: ((يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده، وأوداجه تشخب دماً فيقول: يا رب سَلْ هذا فيم قتلني؟ حتى يدنيه من العرش)) .

стр. 51

إذن احذر أخي المسلم أنْ يكون لك أحدٌ بالمرصاد يوم القيامة فإنَّ من تقتله في الدنيا لن يتركك في الآخرة، بل هو لك بالمرصاد. والله لما جعل للنفس المسلمة هذه الحصانة الكبيرة؛ ذلك لأنَّ نفس المسلم لها مكانة وحرمة، فليس أحد يملكها أو يملك إزهاقها، بل إنَّ ذلك ممنوع غاية المنع، ولا يجوز إلا بإذن من الله ﵎ وإذن رسوله ﷺ . بل حتى نفسك التي بين جنبيك لا تملكها أنت ولا يحل لك إزهاقها؛ ولهذا جاء الوعيد الشديد فيمن يقتل نفسه متعمداً؛ ففي الصحيحين (١) من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: ((من تَردَّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يَتردّى فيها خالداً مُخلَّداً فيها أبداً، ومن تَحسَّى سُماً فقتل نفسه فَسُمُّه في يده يتحسَّاهُ في نار جهنم خالداً مُخلّداً فيها أبداً، ومن قتلَ نفسَه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مُخلّداً فيها أبداً)) . وروى البخاري (٢) من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: ((والذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار، والذي يقتحم يقتحم في النار)) . وفي الصحيحين (٣) من حديث ثابت بن الضحاك ﵁ أن رسول الله ﷺ : ((من حلف على ملة غير الإسلام فهو كما قال، وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذِّبَ به يوم القيامة، ومن لعن مؤمناً فهو كقتله، ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله)) . ولفظ جامع الترمذي (٤) :

стр. 52

((ليس على المرء نذر فيما لا يملك، ولاَعِنُ المؤمن كقاتله، ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقاتله، ومن قتل نفسه بشيء عُذِّبَ بما قتل به نفسه يوم القيامة)) . فتنبه أخي المسلم الكريم دائماً بأنَّ مسألة قتل النفس بغير حق من الأمور الخطيرة التي تضيّق على من ارتكبها الدنيا بما فيها، فمجرد أنْ يقع المسلم في هذه الجريمة تضيق عليه الأرض وتضيق عليه نفسه لذا قال النَّبيُّ ﷺ : ((لن يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ نفساً حراماً)) (١) وفي رواية لأبي داود (٢) عن أبي الدرداء ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: ((لا يزال المؤمن مُعنقاً (والمعنق هو طويل العنق الذي له سوابق بالخير) ما لم يُصِبْ دماً حراماً .....)) وروى البخاري (٣) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حلة)) . ونبينا الأكرم ﷺ قد بيّن لنا فضل من خرج من الدنيا ولم يتلطخ بدم المسلم فقال: ((من لقي الله لا يشرك به شيئاً لم يتند بدم حرام دخل الجنة)) (٤) . فهنيئاً لمن خرج من الدنيا ولم يتلطخ بدم مسلم، وهنيئاً لمن خرج من الدنيا ولم يحمل مسلماً على ظهره يأتي به يوم القيامة، هنيئاً لمن خرج من الدنيا وقد سلم المسلمون من لسانه ويده، هنيئاً لمن فارق الدنيا ولم يقترف جريمة يسفك بها دم مسلم.

стр. 53

تذكّر أخي المسلم وصية النَّبيِّ ﷺ لأصحابه: ((إنَّ أول ما ينتن من الإنسان بطنه، فمن استطاع أنْ لا يأكل إلا طيباً فليفعل، ومن استطاع أنْ لا يحال بينه وبين الجنة بملء كف من دم أهراقه فليفعل)) (١) . فاحذر أخي المسلم كل الحذر أنْ يحول بينك وبين الجنة ملء كف من دم تهريقه بغير حقه. واعلم أخي المسلم الكريم أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يحذِّر أمته من الأمور التي تدعو الإنسان إلى أنْ يقتل مسلماً أو أنْ يجرح مسلماً، ومن ذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى أنْ يمر المسلم، ومعه السهام في أسواق المسلمين، أو في مساجد المسلمين، أو في أي مكان من أماكن تجمعهم، إلا أن يكون النصل مغطىً حتى لا يجرح به مسلماً، وهو لا يشعر. فقد صحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: ((إذا مَرَّ أحدكم بمسجدنا أو في سوقنا، ومعه نبل فليمسك عن نصالها بكفه، لا يعقر مسلماً)) (٢) ومن تلك الأمور التي حذّر منها النبي ﷺ أنَّه نهى عن الإشارة إلى المسلم بأي شيء يحتمل أنْ يقتله أو يجرحه، نهى عن ذلك وأخبر أنّ من فعل ذلك فأنَّه ربما نال اللعنة والوعيد الشديد؛ لذلك قال النَّبيُّ ﷺ : ((لا يُشِرْ أحدُكم على أخيه بالسلاح؛ فإنَّه لا يدري لعل الشيطان ينزع يده فيقع في حفرة من النار)) (٣) .

стр. 54

وصحّ أنَّه ﷺ قال: ((من أشار إلى أخيه بحديدة فإنَّ الملائكة تلعنه، وإنْ كان أخاه لأبيه وأمه)) (١) . وصحّ أنَّه ﷺ نهى أنْ يُتعاطَى السيف مسلولاً (٢) ، وكل هذا الاحتراز لشدة حرمة المسلم على المسلم؛ فنهى النبي ﷺ عن ذلك خشية أنْ يكون هناك خطأ فيقع السيف ويجرحك أو يؤذيك أو يقع على أخيك، وإذا كان ذلك في الأسلحة القديمة فهو في الأسلحة الحديثة أشد تأكيداً؛ لأنَّ الضرر أعظم، والخطر أكبر، والعلة تدور مع الحكم وجوداً وعدماً. ومن الأمور التي يستفاد منها خطورة أمر دماء المسلمين، هو أنَّ النَّبيَّ ﷺ حذّر من الدخول في الفتن، وما ذلك إلا لأن لا يقع المسلم في دماء المسلمين؛ لخطورة الأمر وشدته، فالفتن مظنة لأن يكون هناك قاتل ومقتول، فالفتن إذا سعرت وابتدأت صعب على الناس إطفاؤها. فنبينا صلوات الله وسلامه عليه قد حذّر أمته من الفتن، وبيّن أنَّها ستحدث وستكون في هذه الأمة فقد صحّ أنه ﷺ قال: ((ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي من تَشرّف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجئاً أو معاذاً فليعذ به)) (٣) هكذا بيّن لنا النَّبيُّ ﷺ أنَّ المخلَص من الفتن أنْ يهرب منها المسلم قدر الاستطاعة.

стр. 55

فاحذر أخي المسلم من الوقوع في الفتن، فالفتنةُ قد تُريكَ الحقَ باطلاً والباطلَ حقاً. وقد تعميك وتصمك وأنت لا تشعر، وقد أخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّ الفتن ستقع في أمته فقال: ((إذا وضع السيف في أمتي لم يرتفع عنها إلى يوم القيامة)) (١) وأخبر النَّبيُّ ﷺ أنه ستأتي فتن في آخر الزمان يكثر فيها القتل وتكثر فيها الفتن حتى أنه من شدة الفتن يمر الرجل على القبر ويتمرّغ عليه ويقول: يا ليتني صاحب هذا القبر، من شدة ما يرى من الفتن والأمور العظيمة؛ ففي الصحيحين (٢) من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بالقبر فيقول: يا ليتني مكانه)) وقال أيضاً: ((والذي نفسي بيده ليأتينَّ على الناس زمانٌ لا يدري القاتلُ في أيِّ شيءٍ قَتَلَ، ولا يدري المقتولُ على أيِّ شيءٍ قُتِلَ)) (٣) وفي رواية لمسلم: ((والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يومٌ، لا يدري القاتل فيم قَتَلَ ولا المقتول فيم قُتِلَ، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج القاتل والمقتول في النار)) (٤) . ونبينا ﷺ حينما يذكر ذلك إنما يذكره ليحذرنا من أن نكون من أولئك أو من أن نشارك في سفك تلك الدماء أو أن نتلطخ فيها، أو أن نلقى الله بها، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((يَتقاربُ الزمانُ ويُقبَضُ العلمُ ويُلقَى الشحُّ ويَكثرُ الهرجُ، فقيل: وما الهرجُ؟ قال: القتل)) (٥)

стр. 56

وقال أيضاً: ((إنَّ بين يدي الساعة لهرجاً)) ، قال: قلت: يا رسول الله ما الهرج؟ قال: ((القتل)) ، فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، إنا نقتل الآن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا فقال رسول الله ﷺ : ((ليس بقتل المشركين، ولكن يقتل بعضكم بعضاً، حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته)) فقال بعض القوم: يا رسول الله، ومعنا عقولنا ذلك اليوم فقال رسول الله ﷺ : ((لا، تنزع عقول أكثر ذلك الزمان ويخلف له هباء من الناس لا عقول لهم)) (١) . فعلى المسلم أن يبتعد عن الفتن كل الابتعاد؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أرشد أمته إذا أدركوا الفتن أو أحسوا بالفتن أنْ يبتعدوا عنها كل الابتعاد، وأنْ يهربوا منها كل الهرب؛ لأنَّ الفرار من الفتنة من الدين؛ لذا بوّب البخاري في صحيحه: باب من الدين الفرار من الفتن (٢) . أخي المسلم الكريم، إنَّ المسلم ينبغي له أنْ يحذر من الدخول في الفتن، وأنْ يستعيذ بالله تعالى منها -فقد كان عمار بن ياسر يستعيذ من الفتن - وأنْ يحذر أنْ يشارك فيها بقول أو فعل أو رأي أو بغير ذلك؛ فإنَّ الفتن إذا صارت لم يسلم منها أحد إلا مَن رَحِمَ اللهُ.

стр. 57

ويا للأسف على بعض الغلاة من المنتسبين إلى العلم في هذا العصر، فقد ظنوا أن مجابهة مخالفيهم بالطعن والقذف دليل على وفرة العلم وقوة الفهم حتى صار ((من عاداتهم الخبيثة: أنهم كلما ناظروا أحداً من الأفاضل في مسألة من المسائل توجهوا إلى جرحه بأفعاله الذاتية وبحثوا عن أعماله العرضية وخلطوا آلاف الكذبات بصدق واحد، وفتحوا لسان الطعن عليه بحيث يتعجب منه كل ساجد، وغرضهم منه إسكات مخاصمهم بالسب والشتم، والنجاة من تعقب مقابلهم بالتعدي، والظلم بجعل المناظرة مشاتمة والمباحثة مخاصمة)) (١) وحسبنا في الحكم على هذا المسلك قوله ﷺ : ((كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)) (٢) . بل ثبت عنه ﷺ أنه قال: ((ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء)) (٣) . اللسان نعمة: وعليك أخي المسلم أنْ تتذكر دائماً أن اللسان نعمة من الله فعليك أنْ تستعمل هذه النعمة في طاعة الله، وإياك أنْ تستعملها في معصية الله تعالى، وعليك أنْ تُقيّد لسانك بالشرع ولا تطلق له العنان؛ إذ إنَّ مَن أرخى العنان سلك به الشيطان في كل مكان، وما أشد حزننا لما نرى كثيراً من الناس تساهلوا في حفظ ألسنتهم، فنجد بعضهم وظّفَ لسانه في سبّ الناس وشتمهم، ومنهم من استعمله في الحرام من الغناء والكذب والغيبة والنميمة والمراء وشهادة الزور.

стр. 58

فاحذر كل الحذر من حصائد اللسان، وقد قال النَّبيُّ ﷺ لمعاذ بن جبل حينما أوصاه: ((كُفَّ عنك هذا)) وأشار النبي ﷺ إلى لسانه فقال معاذ: وهل نُحاسَبُ على ما نقول؟ فقال له النبي ﷺ : ((ويحك، وهل يَكُبُّ الناسَ على وجوههم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم)) (١) وإنَّ من حصائد الألسن الأقوال المحرمة، وهي أنواع كثيرة، منها: ما يوصل إلى الكفر، ومنها دون ذلك، ومن حصائد اللسان: الكذب والغيبة والنميمة والفحش والسب والقذف. أخي المسلم إن اللسان خطره عظيم ولا نجاة من خطره إلا بالصمت ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ : ((من صمت نجا)) (٢) وقال أيضاً: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت)) (٣) وقال أيضاً ((أمسك عليك لسانك، وليسعكَ بيتُكَ، وابْكِ على خطيئتِكَ)) (٤) . أخي المسلم فكّر دائماً أنَّ الموت بين يديك وأنك مسؤول عن كل كلمة، وأنَّ أنفاسك رأس مالك، وأنَّ لسانك شبكة تقدر أنْ تقتنص بها الحور العين.

стр. 59

ونبينا الأكرم سيدنا محمد ﷺ يعلمنا خطورة إطلاق العنان للسان في الكلام في المسلمين، وربما يتحدث الإنسان بكلمة يظنها بسيطة تهلكه وترديه في النار، قال النَّبيُّ ﷺ : ((إنَّ العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب)) (١) . وقال أيضاً: ((لَعْنُ المؤمنِ كقتله، ومن رَمَى مؤمناً بكفر فهو كقتله)) (٢) ويقول أيضاً: ((أَيُّما رجلٍ قال لأخيه: يا كافرُ فقد باء بها أحدهما)) (٣) هكذا بيّن لنا الرسول الأعظم ﷺ خطورة الخوض في هذا، فعلى المسلم أنْ يصون لسانه فلا يقول إلا خيراً فيغنم أو يسكت عن الشر فيسلم، لذا قال النَّبيُّ ﷺ : ((إنكَ لا تزالُ سالماً ما سكتَّ، فإذا تكلمتَ كُتب لكَ أو عليكَ)) (٤) فكن رقيباً على نفسك أخي المسلم وراقب لسانك جيداً فكل كلام تنطقه تُحاسَب عليه إن كان خيراً فخير، وإنْ كان شراً فشر. الهمز واللمز:

стр. 60

احذر أخي المسلم من الهمز واللمز، فالهمز واللمز مرضان سيئان من أمراض القلوب، وهما سبب لانتشار الحقد والضغائن، وهما سبب من أسباب تفكك المجتمع؛ فاجعل في خلدك أنَّ المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وقال تعالى: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الأِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] لذا فلا يجوز لمسلم أنْ يستهزأ بأخيه المسلم بلسانه أو بيده، فإذا صنع فكأنما صنع ذلك بنفسه؛ لأنَّ المؤمنين جميعاً نفس واحدة، فلا يجوز لمسلم أنْ يسمي أخاه أو يصفه أو يلقبه أو يكنيه باسم يكرهه، بل يسميه بأحب الأسماء إليه. إن المرء ليزداد حزنه حينما يرى بعض المسلمين غرّهم الشيطانُ، فأطلقوا ألسنتهم بالهمز والسخرية والنبز لعباد الله. ألا يعلم الهمّاز الذي يحارب المؤمنين بلسانه ما حصل للمنافقين في زمن نبينا ﷺ حين خرج بعضهم في غزوة تبوك فقال رجل منهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء - فأنزل الله تعالى فيهم قرآناً يتلى إلى يوم القيامة: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] فهل ترضى لنفسك يا من تقع في أعراض المؤمنين أنْ تصل إلى تلك الحال التي وصل إليها المنافقون. وَلْنسألْ الهماز اللماز الذي يقع في أعراض الناس ما الذي جَرّأكَ على هذا العمل المشين أو الفعلة القبيحة - أَكَونُ أولئك الذين تقع في أعراضهم ضعفاء؟ فإذا كانوا كذلك أفلا تخشى من ذي القوة والجبروت أن يأخذك بذنبك في ساعة من ليل أو نهار؟!! ألا تخشى دعوة المظلوم التي ليس بينها وبين الله حجاب؟

стр. 61

أخي يا من تقع في أعراض المسلمين ألم يهذبك كتاب الله حينما تقرؤه؟ ألم تتأثر بالقرآن؟ ، إني أعيذك بالله تعالى أنْ تكون ممن قال فيهم نبينا محمد ﷺ : ((إنَّ أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم)) . رواه مسلم (١) ومعنى الحديث: لا يجاوز القرآن تراقيهم ليصل إلى قلوبهم: فليس حظهم منه إلا مروره على ألسنتهم. اتق اللهَ أخي المسلم حينما تقع في أعراض المؤمنين وتذكّر دائماً قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب: ٥٨] . وعليك أخي المسلم أنْ تدرك عاقبة إطلاق العنان للسان بالهمز واللمز ورسول الله ﷺ يقول: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزلّ بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب)) (٢) وفي حديث آخر: ((إنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً، يهوي في جهنم)) (٣) وفي حديث آخر: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما كان يظن أنْ تبلغ ما بلغت، يكتب الله بها سخطه إلى يوم القيامة)) (٤) .

стр. 62

والذي ينظر في تربية النَّبيِّ ﷺ لصحابته يدرك مدى تحذير هذا النبي الكريم لأمته من خطر الوقوع في أعراض المسلمين، فانظر كيف أنَّ النَّبيَّ ﷺ لما أخبر معاذاً ﵁ بالأعمال التي يدخل بها الجنة، ويباعد من النار قال له النَّبيُّ ﷺ : ((ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فقال معاذ: بلى يا رسول الله، فأخذ رسول الله بلسانه فقال: كُفَّ عليك هذا. فقال معاذ: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم فقال: ثَكلتْكَ أمُّكَ وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حَصائدُ ألسنتهم)) (١) . فاتق الله أخي المسلم ولا تقل إلا خيراً أو اسكت عن الشر، واحذر أنْ تقع في أعراض المؤمنين الغالية فتوقع في قلب المؤمن خفقة وربما في عينه دمعة، بل ربما توقع فيه من الأذى وتجعل عنده زفرات يرتجف بها بين يدي ربه في جوف الليل في سجوده وعبادته وخلواته لهجاً يطلب من الله كشفها، وربما تكون أنت نائم، ومن وقعت في عرضه يدعو عليك ماداً يديه إلى مغيث المظلومين وكاسر الظالمين. أذكّرك بقصة أروى بنت أويس التي زعمتْ أن الصحابي الجليل سعيد بن زيد ﵁ قد غصب شيئاً من أرضها وضمّه إلى أرضه،، فقال سعيد: أنا كنتُ آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعتُهُ من رسول الله ﷺ ! قال مروان: وما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((من ظلم من الأرض شيئاً طوّقه من سبع أرضين)) (٢) .

стр. 63

وإذا كنتَ أخي المسلم لا تَأبهُ بدعاء المظلوم عليك، ففكّر دائماً أنَّ لسانك شهيد عليك يوم القيامة، فماذا سيكون قولك، وماذا ستفعل حين ذاك وأنت بين يدي الله قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٤-٢٥] . وإياك إياك أخي المسلم أنْ تغترّ بأصدقاء السوء معك في الطعن بأعراض المسلمين فهذه الصداقة ستكون عداوة يوم القيامة وحسرة وندامة قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٨] . فاتق الله أيها المسلم أَلاَّ تأمن مكر الله وأنت تقع في ظلم المسلمين، أَلاَّ تأمن مكر الله وأنت تؤذي المسلمين في أعراضهم تمعّن في قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧-٩٩] . وأنت حينما تقرأ القرآن قف عند قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٥-٤٦] .

стр. 64

وعند قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل:٥٠-٥٢] . إذنْ فالإسلام حرّم السخرية بالهمز واللمز؛ لأنَّ ذلك يقود إلى التباغض والتشاحن والمنازعات، وكل ذلك يهدد الروابط الاجتماعية بالتفكك والانهيار، وهذه الاحترازات كلها من أجل أنْ يظل المجتمع مترابطاً متماسكاً قوياً، فسخرية المسلم من أخيه المسلم محرمةٌ شرعاً، وكذلك يحرم عليه أنْ يعيبه بقول أو فعل، وهذه الحرمة مستمرة سواء كان أخوك المسلم غائباً أو حاضراً، وكذلك يحرم عليه أن ينبزه بلقب يكرهه؛ لأنَّ كل ذلك من أسباب البغض. والذي يسخر من أخيه المسلم يحمل في قلبه شيئاً من كبر، وقد روى ابن مسعود ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: ((لا يدخل الجنَّة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبر)) قال رجلٌ إنَّ الرجل يحب أنْ يكون ثوبه حسناً ونعله حسنةً، قال: ((إنَّ الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس)) (١) وسبب ذلك أنَّ السّاخرَ دَفَعَهُ كبرُهُ إلى

стр. 65

ذلك؛ فظن أنَّ في نفسه صفةً زائدة على المسخور منه فيغتر بذلك، وذلك مثل من يغتر بنسبه أو ماله أو بعافيته أو بجماله أو بمكانته أو بمنصبه، وغير ذلك من الأمور التي تحمل ضعيف النفس والإيمان على العجب والغرور. فاحذر أخي المسلم أنْ تسخر من أخيك المسلم، واحذر أنْ يكون من تسخر به خيراً عند الله منك، فقد روى زر بن حبيش عن ابن مسعود ﵁ أنَّه كان يجتني سواكاً من الأراك، وكان دقيقَ الساقين فجعلت الريح تكفؤه فضحك القوم منه فقال رسول الله ﷺ : ((مم تضحكون؟)) قالوا: يا نبي الله، من دقة ساقيه، فقال: ((والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحُد)) (١) . إفشاء السر: إفشاء السر وهي آفة منهيٌّ عنها لما فيها من الإيذاء والتهاون بحقوق الآخرين وقد قال ﷺ : ((إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة)) (٢) . وقال: ((المجالس بالأمانة)) (٣) شهادة الزور: احذر أخي المسلم من شهادة الزور فهي كبيرة من الكبائر وهي تلحق

стр. 66

أعظم الأذى بأخيك المسلم وقد حذّر النبي ﷺ من ذلك أشد التحذير فقال: ((ألا أُنبئُكم بأكبر الكبائر؟)) ثلاثاً: قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)) ، وجلس وكان متكئاً فقال: ((ألا وقول الزور)) . قال: فما زالَ يكررُها حتى قلنا لَيتَهُ سَكَتَ. (١) وقد وصف الله تعالى عباده المؤمنين بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان: ٧٢] . القذف: واحذر أخي المسلم من قذف المسلمين والمسلمات بالزنى والفاحشة، فالقذف من الكبائر وصاحبه ملعون وله إثم عظيم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣] . وقد حذر النبي ﷺ من ذلك أشد التحذير فقال: ((من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال وليس بخارج)) (٢) . وقال النبي ﷺ : ((اجتنبوا السبع الموبقات)) قالوا: يا رسول الله وما هن قال:

стр. 67

((الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)) (١) وإن هذه الكبيرة والموبقة قد تساهل فيها كثير من الناس، لأنهم صاروا لا يقيمون وزناً لما يقولون، ولا ينظرون في جرم صنعهم بأعراض الناس، ولو كان لهؤلاء القذفة مزيد علم بالسنة النبوية، ومعرفة بالأحاديث التي حذرنا فيها رسول الله ﷺ من ذرب اللسان لما وقعوا في ذلك، مثل قوله ﷺ : ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب)) (٢) . وقد رتب على القاذف عذاب دنيوي فقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] . أخي المسلم، لا تَنْسَ دائماً أن ملاك الخير حفظ اللسان، وهو سبيل الفلاح في الدنيا والآخرة. وقد قال معاذ بن جبل ﵁: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال له النبي ﷺ : ((ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يَكُبُّ الناسَ على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم)) (٣) . وصحّ أنه ﷺ قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)) (٤) . الجدال والمراء:

стр. 68

وابتعد أخي المسلم من الجدال والمراء مع أخيك المسلم؛ فإنَّ كثرة المراء والجدال مدعاة للخصومة، ومجلبة للبغضاء والضغينة، والجدال يقسي القلب وهو سبب للقطيعة. والمسلم إذا كان كثير المجادلة كان مذموماً عند الناس؛ لذا قال بعض السلف: ((إذا رأيت الرجل لجوجاً ممارياً معجباً برأيه فقد تمت خسارته)) . وإياك والفجور في المخاصمة فقد جعل النَّبيُّ ﷺ الفجور في المخاصمة من علامات النفاق فقال: ((أربع من كن فيه كان منافقاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) (١) . والمجادلة تكون عن قصد إقحام الغير وتعجيزه وتنقيصه بالقدح في كلامه ونسبته إلى القصور والجهل، وكثيراً ما يكون السبب في المجادلة هو إظهار العلم والفضل والتهجم على الغير بإظهار نقصه. وكلا السببين من الأمور المهلكة؛ إذ إن المسلم له حرمة، ومن حرمته أنْ لا تنتقصه لذا حذرنا النبي ﷺ أشد التحذير من احتقار المسلم فقال: ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)) (٢) فإذا كان ذلك كذلك فتنقيص المسلم أشد من احتقاره، نسأل الله العافية. وقد رغّبَ الإسلام أشد الترغيب في ترك المراء والجدال فقال ﷺ : ((من ترك الكذب وهو باطل بُنيَ له بيت في ربض الجنة، ومن ترك المراء وهو محق بُنيَ له في وسطها، ومن حسّن خُلُقه بُنيَ له في أعلاها)) (٣) . الخصام:

стр. 69

واحذر أخي المسلم من مخاصمة أخيك المسلم؛ فإن المخاصمة من أشد الذنوب، ومن أقبح الأفعال لذا قال النبي ﷺ : ((إن أبغض الرجال إلى الله الأَلدُّ الخَصِمُ)) (١) . والخصومة سبب لكثير من الذنوب والأفعال القبيحة، ومدعاة للطعن في أخيك المسلم، والخصومة تمحق الدين وهي مبدأ كل شر فينبغي أن لا يُفتحَ باب الخصومة إلا للضرورة. الفحش والتفحش: واحذر أخي المسلم من أن تكون فاحشاً متفحشاً مع المسلمين؛ فإن الفحش والسب وبذاءة اللسان مذموم جداً، وقد قال النبي ﷺ : ((إياكم والفحش؛ فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش)) (٢) وقال أيضاً: ((ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء)) (٣) . ومن أقبح صور الفحش والتفحش اللعن سواء كان هذا اللعن لحيوان أو جماد أو إنسان وقد ذكرنا قول النبي ﷺ في أن المؤمن ليس بلعان، وقال النبي ﷺ : ((لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضبه ولا بالنار)) (٤) وقد بيّن النبي ﷺ خطورة من ابتُلِيَ بهذا الإثم العظيم وأنهم محرومون فقال: ((إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة)) (٥) .

стр. 70

واللعن عبارة عن الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى، وإطلاق هذا الوصف غير جائز إلا على مَن اتصف بصفة تبعده من الله ؛ لذلك فإن فيه خطراً عظيماً؛ ولأنه تقوّلٌ على الله تعالى، قال : ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] . ولعل كثيراً مما يحصل من اللعن والفحش والتفحش الذي يقع فيه كثير من الناس سببه الإيذاء بالآخرين، أو الاعتياد الحاصل من مخالطة الفساق وأهل المجون. وقال النَّبيُّ ﷺ : ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)) (١) وقال النَّبيُّ ﷺ : ((لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إنْ لم يكن صاحبه كذلك)) (٢) . السخرية والاستهزاء: واحذر أخي المسلم من السخرية والاستهزاء بالآخرين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُن﴾ [الحجرات: ١١] . قال النَّبيُّ ﷺ : ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)) (٣) . والسخرية هي الاستهانة والتحقير مع نبز المقابل بالعيوب والنقائص. والسخرية لا تكون باللسان فقط، بل تشمل الإشارة والإيماء. وما دمتُ قد تكلمت فيما يتعلق بحرمة المسلم على المسلم صار لزاماً عليَّ أن أتكلم عن بعض الأمور الواجب تركها للتخلص من الوقوع في المسلمين، فمن ذلك: - الغضب:

стр. 71

فالغضب في غير حق مذموم جداً، وهو مفتاح شر للدخول في كثير من الآثام فعلى المسلم أن يروّض نفسه على الابتعاد عن الغضب قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦] فالله ذم الكفار بما تظاهروا به من الحمية الصادرة عن الغضب الباطل، ومدح الله المؤمنين بما أنزل الله عليهم من السكينة. والسنة النبوية جاءت مؤكدة لهذا المعنى فقد تظافرت الأحاديث على ذم الغضب، فقد روى البخاري (١) من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رجلاً قال للنَّبيِّ ﷺ أوصني قال: ((لا تغضب)) فردد مراراً قال: ((لا تغضب)) . وروى مسلم (٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال لهم: ((ما تعدون الصُّرَعَةَ فيكم؟)) قال: قلنا: الذي لا يصرعه الرجال، قال: ((ليس بذلك، ولكنَّه الذي يملك نفسه عند الغضب)) . ومما يُعينُ على التخلص من الغضب لمن ابتلي به، أنَّ يعود إلى الله، وأنْ يلتجىء إليه دائماً بالعبادة والدعاء وقراءة القرآن، ومن أدرك فضيلة الحلم أبعده ذلك عن كثير من معرّات النفوس. ومن وقع في الغضب فعليه أنْ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فقد روى مسلم (٣) من حديث سليمان بن صرد ﵁، قال: اسْتَبَّ رجلان عند النَّبيِّ ﷺ فجعل أحدهما تحمرّ عيناه وتنتفخ أوداجه، فقال رسول الله ﷺ : ((إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) فقال الرجل: وهل ترى بي من جنون؟ . - الظلم ظلمات:

стр. 72

احذر أخي المسلم أنْ تظلم أخاك المسلم؛ فالظلم ظلمات يوم القيامة (١) كما قال النبَّيُّ ﷺ وأهل الظلم يوم القيامة هم أهل الخسارة والندامة قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ﴾ [غافر: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١] ، وقال النَّبيُّ ﷺ : ((لتؤدنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)) (٢) . والظالم مهما تمادى في ظلمه على الآخرين فإنَّه لن يفلت من عذاب الله فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته)) ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] )) (٣) فاحذر أخي المسلم أنْ تظلم أحداً من المسلمين في المال أو في الدم أو في العرض، والظلم أجناس كثيرة، فمن الظلم أنْ تأخذ ما لأخيك المسلم بغير حق، ومن الظلم أن تبيع على بيع أخيك المسلم، ومن الظلم أن تسوم على سوم أخيك المسلم؛ لتضاعف عليه السعر، ومن الظلم أن تستأجر على إجارة أخيك المسلم.

стр. 73

ومما يجب علينا أنْ نداوم النظر فيه دائماً ما رواه أبو أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرّم الله عليه الجنة)) فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ فقال: ((وإن كان قضيباً من أراك)) (١) . وتفكّر دائماً بقوله ﷺ : ((اتقوا دعوة المظلوم فإنَّه ليس بينها وبين الله حجاب)) (٢) والذي ينظر إلى الزمان يجد ذلك قد وقع كثيراً فقد وصحَّ (٣) من حديث عروة بن الزبير أنَّ أروى بنت أويس ادّعتْ على سعيد بن زيد أنَّه أخذ شيئاً من أرضها. فخاصمتْهُ إلى مروان بن الحكم فقال سعيد: أنا كنتُ آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعتُ من رسول الله ﷺ ! قال: وما سمعتَ من رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((من أخذ شبراً من الأرض طوقه الله إلى سبع أرضين)) فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا. فقال: اللهم إن كانت كاذبة فعمِّ بصرها واقتلها في أرضها. قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها. ثم بينا هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت. - سوء الظن: وإنَّ من أكذب الكذب سوء الظن بأخيك المسلم؛ فسوء الظن ينافي حسن الظن، وحسن الظن من الإيمان، ونبينا محمد ﷺ يقول: ((إياكم والظنَّ؛ فإنَّ الظن أكذب الحديث)) (٤) قال القرطبي في تفسيره: ((وقد أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز سوء الظن بأهل الفضل والإيمان)) . - التجسس:

стр. 74

واعلم أخي المسلم الكريم أنَّ للمسلمين حرياتهم وكراماتهم، ولا يجوز أنْ تنتهك حرياتهم وكراماتهم إلا بإذن من الشارع، وقد أحاط الإسلام حريات المؤمنين بأسيجةٍ منيعةٍ، ومن ذلك حرمة التجسس قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] ، والتجسس هو الحركة العملية التالية للظن السيء، فإذا ظن المسلم بالمسلم سوءاً تاقت نفسه أنْ يجس عليه. والمسلم مأمور بحسن الظن بأخيه المسلم، فنحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، وفي الصحيحين (١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ -يقول: بعث علي ابن أبي طالب ﵁ إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن بدر وأقرع بن حابس وزيد الخيل والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النَّبيَّ ﷺ فقال: ((ألا تأمنوني وأنا أمينُ من في السماء يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء)) قال: فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار فقال: يا رسول الله، اتقِ اللهَ، قال: ((ويلكَ أَوَلَستُ أحق أهل الأرض أنْ يتقي الله)) قال: ثم ولَّى الرجلُ، قال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه، قال: ((لا، لعله أن يكون يصلي)) فقال خالد: وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله ﷺ :

стр. 75

((إني لم أومر أنْ أُنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم)) قال: ثم نظر إليه وهو مقفٍ فقال: ((إنَّه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية - وأظنه قال - لئن أدركتُهم لأقتلنّهم قتل ثمود)) . فانظر أخي المسلم الكريم كيف أنَّ الإسلام حرم إساءة الظن بالمسلم، أو التجسس عليه أو اغتيابه، وأنَّ هذه الأمور ترتبط أحياناً ببعضها البعض، فالسيئة تسوق إلى سيئة أكبر؛ فسوء الظن هو الذي يحمل الإنسان على التجسس والاغتياب؛ لذلك جاء النهي عن هذه الأشياء بآية واحدة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] ، إذنْ فلا يجوز لمسلم أنْ يسيء الظن بأخيه المسلم أو يتجسس عليه ليتحقق من ظنه، أو يغتابه بهذه الظنون السيئة، فديننا الحنيف حمى حرمات الأشخاص وكراماتهم وحرياتهم، وعلّم الناس كيف ينظفون مشاعرهم وضمائرهم؛ لأنَّ سوء الظن يسوق إلى الإثم وإلى العواقب الوخيمة.
следующие страницы →