← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1769

حرمة المسلم على المسلم

ماهر الفحل

Полный текст (84 стр.). Показаны 71–84 · переход к 76.

стр. 71

فالغضب في غير حق مذموم جداً، وهو مفتاح شر للدخول في كثير من الآثام فعلى المسلم أن يروّض نفسه على الابتعاد عن الغضب قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦] فالله ذم الكفار بما تظاهروا به من الحمية الصادرة عن الغضب الباطل، ومدح الله المؤمنين بما أنزل الله عليهم من السكينة. والسنة النبوية جاءت مؤكدة لهذا المعنى فقد تظافرت الأحاديث على ذم الغضب، فقد روى البخاري (١) من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رجلاً قال للنَّبيِّ ﷺ أوصني قال: ((لا تغضب)) فردد مراراً قال: ((لا تغضب)) . وروى مسلم (٢) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال لهم: ((ما تعدون الصُّرَعَةَ فيكم؟)) قال: قلنا: الذي لا يصرعه الرجال، قال: ((ليس بذلك، ولكنَّه الذي يملك نفسه عند الغضب)) . ومما يُعينُ على التخلص من الغضب لمن ابتلي به، أنَّ يعود إلى الله، وأنْ يلتجىء إليه دائماً بالعبادة والدعاء وقراءة القرآن، ومن أدرك فضيلة الحلم أبعده ذلك عن كثير من معرّات النفوس. ومن وقع في الغضب فعليه أنْ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فقد روى مسلم (٣) من حديث سليمان بن صرد ﵁، قال: اسْتَبَّ رجلان عند النَّبيِّ ﷺ فجعل أحدهما تحمرّ عيناه وتنتفخ أوداجه، فقال رسول الله ﷺ : ((إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) فقال الرجل: وهل ترى بي من جنون؟ . - الظلم ظلمات:

стр. 72

احذر أخي المسلم أنْ تظلم أخاك المسلم؛ فالظلم ظلمات يوم القيامة (١) كما قال النبَّيُّ ﷺ وأهل الظلم يوم القيامة هم أهل الخسارة والندامة قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ﴾ [غافر: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١] ، وقال النَّبيُّ ﷺ : ((لتؤدنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)) (٢) . والظالم مهما تمادى في ظلمه على الآخرين فإنَّه لن يفلت من عذاب الله فعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنَّ الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته)) ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] )) (٣) فاحذر أخي المسلم أنْ تظلم أحداً من المسلمين في المال أو في الدم أو في العرض، والظلم أجناس كثيرة، فمن الظلم أنْ تأخذ ما لأخيك المسلم بغير حق، ومن الظلم أن تبيع على بيع أخيك المسلم، ومن الظلم أن تسوم على سوم أخيك المسلم؛ لتضاعف عليه السعر، ومن الظلم أن تستأجر على إجارة أخيك المسلم.

стр. 73

ومما يجب علينا أنْ نداوم النظر فيه دائماً ما رواه أبو أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرّم الله عليه الجنة)) فقال رجل: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ فقال: ((وإن كان قضيباً من أراك)) (١) . وتفكّر دائماً بقوله ﷺ : ((اتقوا دعوة المظلوم فإنَّه ليس بينها وبين الله حجاب)) (٢) والذي ينظر إلى الزمان يجد ذلك قد وقع كثيراً فقد وصحَّ (٣) من حديث عروة بن الزبير أنَّ أروى بنت أويس ادّعتْ على سعيد بن زيد أنَّه أخذ شيئاً من أرضها. فخاصمتْهُ إلى مروان بن الحكم فقال سعيد: أنا كنتُ آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعتُ من رسول الله ﷺ ! قال: وما سمعتَ من رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ((من أخذ شبراً من الأرض طوقه الله إلى سبع أرضين)) فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا. فقال: اللهم إن كانت كاذبة فعمِّ بصرها واقتلها في أرضها. قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها. ثم بينا هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت. - سوء الظن: وإنَّ من أكذب الكذب سوء الظن بأخيك المسلم؛ فسوء الظن ينافي حسن الظن، وحسن الظن من الإيمان، ونبينا محمد ﷺ يقول: ((إياكم والظنَّ؛ فإنَّ الظن أكذب الحديث)) (٤) قال القرطبي في تفسيره: ((وقد أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز سوء الظن بأهل الفضل والإيمان)) . - التجسس:

стр. 74

واعلم أخي المسلم الكريم أنَّ للمسلمين حرياتهم وكراماتهم، ولا يجوز أنْ تنتهك حرياتهم وكراماتهم إلا بإذن من الشارع، وقد أحاط الإسلام حريات المؤمنين بأسيجةٍ منيعةٍ، ومن ذلك حرمة التجسس قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] ، والتجسس هو الحركة العملية التالية للظن السيء، فإذا ظن المسلم بالمسلم سوءاً تاقت نفسه أنْ يجس عليه. والمسلم مأمور بحسن الظن بأخيه المسلم، فنحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، وفي الصحيحين (١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ -يقول: بعث علي ابن أبي طالب ﵁ إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة نفر بين عيينة بن بدر وأقرع بن حابس وزيد الخيل والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النَّبيَّ ﷺ فقال: ((ألا تأمنوني وأنا أمينُ من في السماء يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء)) قال: فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الإزار فقال: يا رسول الله، اتقِ اللهَ، قال: ((ويلكَ أَوَلَستُ أحق أهل الأرض أنْ يتقي الله)) قال: ثم ولَّى الرجلُ، قال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه، قال: ((لا، لعله أن يكون يصلي)) فقال خالد: وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال رسول الله ﷺ :

стр. 75

((إني لم أومر أنْ أُنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم)) قال: ثم نظر إليه وهو مقفٍ فقال: ((إنَّه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية - وأظنه قال - لئن أدركتُهم لأقتلنّهم قتل ثمود)) . فانظر أخي المسلم الكريم كيف أنَّ الإسلام حرم إساءة الظن بالمسلم، أو التجسس عليه أو اغتيابه، وأنَّ هذه الأمور ترتبط أحياناً ببعضها البعض، فالسيئة تسوق إلى سيئة أكبر؛ فسوء الظن هو الذي يحمل الإنسان على التجسس والاغتياب؛ لذلك جاء النهي عن هذه الأشياء بآية واحدة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] ، إذنْ فلا يجوز لمسلم أنْ يسيء الظن بأخيه المسلم أو يتجسس عليه ليتحقق من ظنه، أو يغتابه بهذه الظنون السيئة، فديننا الحنيف حمى حرمات الأشخاص وكراماتهم وحرياتهم، وعلّم الناس كيف ينظفون مشاعرهم وضمائرهم؛ لأنَّ سوء الظن يسوق إلى الإثم وإلى العواقب الوخيمة.

стр. 76

ومن الاحترازات الوقائية التي حث عليها ديننا الحنيف لتجنب أمراض القلوب السابقة أنَّه أمر بالستر على المسلم وأمره بالاستتار، فأمرنا ديننا الحنيف بالاستتار على النفس فقد قال النَّبيُّ ﷺ : ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإنَّ من المجاهرة أنْ يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه)) (١) وحث الإسلام أنْ يستر المسلم على أخيه المسلم فقد قال النَّبيُّ ﷺ : ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة)) (٢) . إخلاف الوعد:

стр. 77

أخي المسلم الكريم، لا تخلف الوعد مع أخيك المسلم؛ فإنَّ صدق الوعد خصلةٌ كريمةٌ من خصال الإيمان وخلقٌ عظيمٌ من أخلاق الإسلام، عز وجوده وندر في هذه الأيام. وإخلاف الوعد صفةٌ قبيحةٌ من صفات المنافقين، وخُلُق سيءٌ من أخلاق الكذابينَ، وقد مدح الله بصدق الوعد المؤمنين المتقين الصادقين فقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧] ، فالوفاء بالعهد صفة من صفات المؤمنين. حق الحياة: واعلم أخي المسلم الكريم، أنَّ الله حرم الاعتداء على حق الحياة - التي هي حق لكل إنسان في كافة الشرائع السماوية - وحرم الاعتداء على سلامة الحياة سواء كان الاعتداء خطئاً أو عمداً، إلا ما كان بحق، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقّ﴾ [الأنعام: ١٥١] .

стр. 78

ثم اعلم أخي المسلم الكريم، أنَّ الإنسان أهم وأشرف خلق الله على وجه الأرض قاطبة، وقد جعل الله له مكانة كبيرة؛ ولذلك استخلف الله الإنسان في عمارة الأرض ورعايتها، بما وهبه فيها من طاقات وقدرات عقلية ونفسية وعلمية تجعله يقوم بواجب هذا الاستخلاف؛ لذا فإنَّ الله لما خلق آدم أمر الملائكة بالسجود له. فمكانة الإنسان في هذه الحياة هي السبب في أنْ يحاط بسياج منيع؛ حتى لا يتعدى أحدٌ على حق الحياة إلا بحق مشروع فيه برهان من الله . إذن فحفظ النفس ووقايتها ضرورة من ضرورات الحياة، وقد حرص الإسلام على صيانتها ورعايتها. والإسلام قد طبّق الأحكام المترتبة على قتل النفس المسلمة من أجل صيانة النفس المسلمة من القتل؛ إذ تواردت الآيات وتلاحقت الأحاديث على عظم هذه الجريمة، وطُبِّقَتْ أحكام القصاص في عهد النَّبيِّ ﷺ وفي عهد الخلفاء الراشدين، قال عبد الله بن عمر ﵄: إنَّ غلاماً قُتِلَ غيلة (١) فقال عمر: ((لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلتهم)) (٢) وروى المغيرة بن حكيم عن أبيه، قال: ((إنَّ أربعةً قَتلوا صبياً فقال عمر ﵁: ((والله لو أنَّ أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلتهم أجمعين)) (٣) .

стр. 79

واعلم أنَّ ديننا الحنيف لم يكتفِ بسنِّ قوانين القصاص والحدود والكفارات والديات من أجل حفظ النفس، بل إنه قرر تدابير للوقاية من جريمة القتل؛ لأنَّ الإسلام إذا حرّم شيئاً حرّم الأشياء التي توصل إليه، ومن تلك التدابير للوقاية من الجرائم عامة وجريمة القتل خاصة: تقوية الوازع الديني عند المسلمين، وتعظيم شعائر الله، والتخويف من معصية الله، ثم بعد ذلك بناء العلاقات الاجتماعية على المحبة والمناصحة والمناصرة بالحق، وتأكيد النهي عن أسباب الخلافات والفرقة وإصلاح ذات البين بين المسلمين المتخاصمين. فالذي يقرأ أحكام الدين الإسلامي يجد أنَّ الإسلام قد أحاط حفظ النفس المسلمة بثلاث حصانات متينة الأولى: التهذيب النفسي الذي يشمل كافة العبادات، وهي تمثل الجانب الإيماني في حياة المسلم. والثانية: تكوين رأي عام فاضل، وهو يتمثل بجانب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر والنصح لكل مسلم. والثالثة: العقاب، وهو ما يتمثل بالحدود والقصاص والكفارات والديات.

стр. 80

وليكن في علمك أخي المسلم الكريم أنَّ جريمة القتل من أبشع الجرائم؛ لأنها اعتداء على قيم الإنسانية؛ وذلك من خلال عدوانيتها على حقوق الآخرين وسفك دمائهم، والقضاء على حياتهم، ولبشاعة هذه الجريمة وشناعتها وفظاعتها وشدة عنفها، فقد تناولتها التشريعات بعقوبات صارمة تصل إلى القتل؛ إذ اتفقت الشرائع السماوية على تحريم هذه الجريمة، وتقرير أقصى العقوبات الرادعة في حق مرتكبها؛ من أجل أنْ يعيش الناس في أمن واستقرار، وَلِعِظَمِ جريمة القتل جاء ترتيبها الثاني بعد الشرك بالله فقد صحَّ عن ابن مسعود ﵁ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم﴾ [النساء: ٩٣] قال: قال رجل: يا رسول الله، أيُّ الذنب أكبر عند الله؟ قال: ((أنْ تدعو لله نداً وهو خلقك)) . قال: ثم أيُّ؟ قال: ((ثم أنْ تقتلَ ولدك خشية أنْ يطعم معك)) . قال: ثم أيُّ؟ قال: ((ثم أنْ تزاني حليلة جارك)) . فأنزل الله تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماًً﴾ [الفرقان: ٦٨] (١) . قال القرطبي عند تفسيره هذه الآية: ((دلّتْ هذه الآية على أنَّه ليس بعد الكفر أعظم من قتل النفس بغير الحق، ثم الزنا)) (٢) . وَلِعِظَمِ هذه الجريمة جريمة قتل النفس البريئة قرنها الله بالذنب الذي لا يُغفَر، وهو الشرك فقد روى أبو الدرداء ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: ((كل ذنب عسى أنْ يغفره الله إلا من مات مشركاً أو من قَتلَ مؤمناً متعمداً)) (٣) .

стр. 81

وجاء من حديث معاوية ﵁ -قال: قال رسول الله ﷺ : ((كل ذنب عسى أنْ يغفره الله إلا الرجل يَقتلُ المؤمن متعمداً، أو الرجل يموت كافراً)) (١) . وهذان الحديثان مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] ، وهذه النصوص تدل على عدم قبول توبة القاتل، ومن العلماء من حملها على ظاهرها كابن عباس ﵄ كما سبق، أما أكثر أهل العلم فقد ذهبوا إلى أنَّ هذه النصوص مخصصة بالعمومات القاضية بأنَّ القتل مع التوبة النصوح من جملة ما يغفره الله من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨] (٢) . ذات البين: عليك أخي المسلم بإصلاح ذات البين، وإياك وإفساد ذات البين فقد صحّ من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: ((إياكم وسوء ذات البين فإنَّها الحالقة)) (٣) قال أبو عيسى الترمذي: ((هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه، ومعنى قوله: وسوء ذات البين إنما يعني العداوة والبغضاء، وقوله: الحالقة يقول إنها تحلق الدين)) . وروى الترمذي (٤) أيضاً من حديث الزبير بن العوام ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: ((دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسدُ والبغضاءُ، والبغضاء هي الحالقة لا أقول: تحلق الشعر، ولكنْ تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنَّة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بما يثبت ذاكم لكم أفشوا السلام بينكم)) .

стр. 82

واعلم أخي المسلم الكريم أنَّ ديننا الحنيف حث على إصلاح ذات البين حفاظاً على المجتمع، وحفاظاً على أمن الناس من الخلافات التي تفكك المجتمع، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] ، وقال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: ١١٤] . وقد حث النَّبيُّ ﷺ على إصلاح ذات البين فقد صحّ من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة)) قالوا: بلى قال: ((صلاح ذات البين؛ فإنَّ فساد ذات البين هي الحالقة)) (١) قال أبو عيسى الترمذي: ((هذا حديث صحيح، ويُروى عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: ((هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين)) . بل إنَّ ديننا الحنيف أباح الكذب من أجل إصلاح ذات البين، فقد روى البخاري ومسلم (٢) من حديث كلثوم بنت عقبة ﵂ عن النَّبيِّ ﷺ يقول: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً)) .

стр. 83

وما كل ذلك الفضل لإصلاح ذات البين إلا لأهمية إصلاح ذات البين؛ إذ ظهرت أهمية الصلح في حقن دماء المسلمين في وقائع كثيرة، فإصلاح ذات البين من الدعائم المهمة للحفاظ على المجتمع الإسلامي من التفكك، فالإسلام بعقائده وعباداته ومعاملاته وآدابه يؤدي إلى بناء مجتمع خيّر فاضل متماسك بروابط أخوية تمنع من خلالها عوامل الفساد والانحلال، ثم تذهب بعد ذلك روح الأنانية والبغضاء والتشاحن، وإذا زال السوء فسيحل محله الحب والإخاء والمودة والموالاة والتكافل والتعاون، فالمجتمع الإسلامي كله يسعى لهدف واحد هو مرضاة الله بالقول والعمل؛ وذلك يؤول إلى سعادة البشر في الدنيا والآخرة. أخي المسلم الكريم تدبر دائماً قول النَّبيِّ ﷺ : ((كونوا عباد الله أخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره، التقوى هاهنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ منَ الشر أنْ يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله)) (١) . فهذا الحديث الشريف فيه القواعد العِظام التي تكون جامعة لقلوب المسلمين على الألفة والمودة. قال مجاهد فيما أخرجه الطبري في تفسيره (٢) ، وذكره ابن كثير في تفسيره (٣) من طريق عبدة بن أبي لبابة: ((إذا تراءى المتحابان في الله فأخذ بيد صاحبه وضحك إليه، تحاتت خطاياهما كما يتحاتّ ورق الشجر. قال عبدة: فقلتُ له: إنَّ هذا ليسير. قال: لا تقل ذلك، فإن الله يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] . والمسلم أخو المسلم يكف عنه الضر، ويجلب إليه النفع. والتقوى محلها القلب، وهي الميزان عند الله تعالى، وإذا كان أصل التقوى

стр. 84

في القلوب فلا يطلع على حقيقتها إلا الله ، وحينئذ فقد يكون كثير ممن له صورة حسنة، أو مال أو جاه، أو رياسة في الدنيا، قلبه خالياً من التقوى، ويكون من ليس له شيءٌ من ذلك مملوءاً من التقوى فيكون أكبر عند الله. قال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ١ - ٣] قال: تخفض رجالاً كانوا في الدنيا مُرتفعين، وترفع رجالاً كانوا في الدنيا مخفوضين (١) . وجاءت في خاتمة هذا الحديث الشريف القاعدة العظيمة: ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله)) . وهذه القاعدة كان النَّبيُّ ﷺ يخطب بها في المجامع العظيمة، فإنَّه خطب بها في حجة الوداع يوم النحر، ويوم عرفة، واليوم الثاني من أيام التشريق، ولولا أهميتها لما كررها في أكثر من موضع. ختاماً: لقد تضمن هذا الحديث الشريف: أنَّ المسلم لا يحل له إيصال الأذى إلى أخيه المسلم بوجه من الوجوه من قول أو فعل بغير حق، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب: ٥٨] . قال رجل لعمر بن عبد العزيز: اجعل كبير المسلمين عندك أباً، وصغيرهم ابناً، وأوسطهم أخاً، فأيُّ أولئك تحب أنْ تسيء إليه. ومن كلام يحيى بن معاذ الرازي: ليكن حظ المؤمن منك ثلاثة: إنْ لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تُفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه (٢) . وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.