ودخلت سنة اثنتين وستين وثلاثمائة:
ففى المحرم قدّر جوهر قيمة الدنانير، فجعل الأبيض بثمانية دراهم.
ولخمس بقين منه توفى سعادة بن حيّان، فحضر جوهر جنازته، وصلى عليه الشريف مسلم.
وفى ربيع الأول عزل سليمان بن عزّة المحتسب جماعة من الصيارفة، فشغب طائفة منهم، وصاحوا:
«معاوية خال على بن أبى طلب».
فهمّ جوهر بإحراق رحبة الصيارفة، لولا خوفه على الجامع.
وفيه أمر ألا يظهر يهودىّ إلا بالغيار (١).
ودخل الحسن بن عمّار ببضع وتسعين أسيرا، وشهّروا.
ودخل عبد الله بن طاهر الحسينى على جوهر بطيلسان (٢) كحلى - وفى مجلسه القضاة والعلماء والشهود - فأنكر الطيلسان الكحلى، ومدّ يده فشقّه، فغضب ابن طاهر وتكلم، فأمر جوهر بتمزيقه فمزّق، وجوهر يضحك، وبقى حاسرا بغير رداء، فقام جوهر وأخرج له عمامة، ورداء أخضر، وألبسه وعمّمه بيده.
وفى يوم الثلاثاء رابع المحرم المذكور زلزلت دمشق وأعمالها زلزلة عظيمة وقتا من الزمان، ثم هدأ، وانهدم بها من أنطاكية عدة أبرجة.
стр. 177
وفى شهر ربيع الآخر تواترت الأخبار بمسير المعز إلى مصر، وورد كتابه من قابس فتأهّب جوهر لذلك، وأخذ فى عمارة القصر والزيادة فيه.
وفى النصف من جمادى الأولى مات عبد العزيز بن هيج فسلخ وصلب.
وفى أول رجب كدّ جوهر الناس للقاء المعز، فتأهبوا لذلك، وخرج أبو طاهر القاضى، وسائر الشهود والفقهاء ووجوه التجار إلى الجيزة مبرزين للقاء المعز، فأقاموا بها أربعين يوما حتى ورد الكتاب بوصول المعز إلى برقة، فسار القاضى ومن معه.
وسار الحسن بن عمار إلى الحوف فى عشرة آلاف فواقعوا القرامطة هناك.
ولخمس بقين من شعبان ورد الخبر بوصول المعز إلى الاسكندرية، ولقيه أبو طاهر القاضى ومن معه، فخاطبهم بخطاب طويل، وأخبرهم أنه لم يسر لازدياد فى ملك ولا رجال، ولا سار إلا رغبة فى الجهاد ونصرة للمسلمين؛ وخلع على القاضى وأجازه وحمله.
ولقيه أبو جعفر مسلم فى جماعة الأشراف، ومعهم وجوه البلد بنواحى محلة حفص، وترجلوا له كلّهم - وكان سائرا فوقف -، وتقدّم إليه أولا أبو جعفر مسلم، ثم الناس على طبقاتهم، وقبّلوا له الأرض وهو واقف، حتى فرغ الناس من السلام عليه، ثم سار وسايره أبو جعفر مسلم - وهو يحادثه - وسأل عن الأشراف، فتقدّم إليه أكابرهم:
أبو الحسن محمد بن أحمد الأدرع.
وأبو إسماعيل الرسى.
وعيسى أخو مسلم.
وعبد الله بن يحيى بن طاهر بن السويح (١)
ثم عزم على الشريف مسلم، وأمره بركوب قبة لأن الحرّ كان شديدا وكان الصوم، فقدمت إليه قبة محلاة على ناقة، وعادله غلام له، ونزل المعز إلى الجيزة، فكانت مدة القائد أبى الحسن جوهر أربع سنين وتسعة عشر يوما.
стр. 178
ذكر قدوم المعز لدين الله أبى تميم معد الى مصر وحلوله بالقصر من القاهرة المعزية
وما كان من ولاية الخلفاء من بعده حتى انقضت أيامهم وأناخ بهم حمامهم.
فى يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة دخل المعز لدين الله إفريقية.
وفى يوم الاثنين رابع عشرين (١) جمادى الأولى سنة ثنتى وستين نزل بقصره خارج برقة.
ووصل إلى الإسكندرية يوم الجمعة لست بقين من شعبان، ونزل تحت منارتها ثم سار.
ونزل المعز إلى الجيزة فخرج إليه جماعة من بقى، وعقد جوهر جسر (٢) الجيزة، وعقد جسرا آخر عند المختار بالجزيرة حتى سار عليه إلى الفسطاط، ثم إلى القاهرة. وزينت له الفسطاط فلم يشقها، ودخل معه جميع من كان وفد إليه، وجميع أولاده وأخوته وعمومته، وسائر ولد المهدى، وأدخل معه توابيت آبائه: المهدى والقائم والمنصور. وكان دخوله إلى القاهرة، وحصوله فى قصره يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، فصارت مصر دار خلافة بعد أن كانت دار إمارة.
قال الفقيه الحسن بن إبراهيم بن زولاق ﵀ ومن خطه نقلت -:
стр. 179
«حدثنى أحمد بن جعفر قال: كان القائم بأمر الله ﵇ يوما فى مجلس أبيه المهدى جالسا بين يديه، وكان ابنه المنصور قائما بين يدى جدّه، فقال المهدىّ لابن ابنه المنصور: «ايتنى بابنك» - يعنى المعز لدين الله -، فجاءت به دايته - وله سنة أو فوقها -، فأخذه المهدى فى حجره وقبّله، وقال لابنه القائم بأمر الله: «يا أبا القاسم: ما على ظهر الأرض مجلس أشرف من هذا المجلس، اجتمع فيه أربعة أئمة، يعنى المهدى نفسه، وابنه القائم، وابن ابنه المنصور، وابن ابنه المعز لدين الله؛ وزادنى أبو الفضل ريدان (١) - صاحب المظلة - فى هذا الخبر (٢) أن المهدى جمعهم فى دوّاج (٣) وقال: «جمع رسول الله ﷺ معه ثلاث أئمة فى كساء سوى نفسه، وقد جمع هذا الدوّاج أربعة أئمة».
قال [ابن زولاق]:
«ولما وصل المعز إلى قصره خرّ ساجدا، ثم صلى ركعتين، وصلى بصلاته كل من دخل معه، واستقر فى قصره بأولاده وحشمه وخواص عبيده، والقصر يومئذ مشتمل على ما فيه من عين وورق [٢١ ب؟؟؟] وجوهر وحلى وفرش وأوان وثياب وسلاح وأسفاط وأعدال وسروج ولجم؛ وبيت المال بحاله بما فيه، وفيه جميع ما يكون للملوك.
وخرج غد هذا اليوم - وهو يوم الأربعاء - جماعة الأشراف والقضاة والعلماء والشهود ووجوه أهل البلد وسائر الرعية لتهنئة المعز.
ولعشر خلون من رمضان أمر المعز بالكتاب على المشايخ فى سائر مدينة مصر: «خير الناس بعد رسول الله ﷺ [أمير المؤمنين] (٤) علىّ بن أبى طالب ﵇»، وأثبت اسم المعز لدين الله، واسم ابنه عبد الله الأمير.
ووقّع المعز بيده إلى محمد بن الحسين بن مهذب (٥) - صاحب بيت المال -:
стр. 180
«تقدّم يا محمد بابتياع لنا ولمولاك عبد الله فى كل يوم من الفاكهة الرطبة واليابسة كذا وكذا بسعر الناس، ولا تعرف الرسول لئلا تقع محاباة ولا مسامحة، وكذلك حوائج المطبخ».
وللنصف منه جلس المعز فى قصره على السرير (١) الذهب الذى عمله جوهر فى الإيوان الجديد، وأذن بدخول الأشراف أولا، ثم بعدهم الأولياء وسائر وجوه الناس، وجوهر قائم بين يديه يقدّم الناس قوما بعد قوم؛ ثم مضى جوهر وأقبل بهديته ظاهرة يراها الناس، وهى:
من الخيل: مائة وخمسون فرسا مسرجة ملجمة، منها مذهب، ومنها مرصع، ومنها بعنبر (٢).
وإحدى (٣) وثلاثون قبة على بخاتى بالديباج والمناطق والفرش، منها تسعة بديباج مثقل.
وتسع نوق مجنوبة مزينة بمثقل.
وثلاثة وثلاثون بغلا، منها سبعة مسرجة ملجمة.
ومائة وثلاثون بغلا للنقل.
وتسعون نجيبا.
وأربعة صناديق مشبكة يرى ما فيها، وفيها أوانى الذهب والفضة.
ومائة سيف محلى بالذهب والفضة.
ودرجان (٤) من فضة مخرّقة فيها جوهر.
وشاشية مرصعة فى غلاف.
وتسعمائة ما بين سفط وتخت (٥) فيها سائر ما أعدّه له من ذخائر مصر.
стр. 181
وأذن المعزّ لابنه عبد الله فى الجلوس فى مجلسه.
وحمل أبو جعفر مسلم بن عبيد الله الحسينى هديته، وهى:
أحد عشر سفطا من متاع تونة (١) وتنيس ودمياط.
وخيلا وبغالا.
وقال:
«كنت أشتهى أن يلبس منها المعز لدين الله ثوبا أو ينعم بالعمامة التى فيها، فما عمل لخليفة قطّ مثلها».
وأذن المعز لجماعة بالجلوس فى مجلسه، وأطلق جماعة المعتقلين من الإخشيدية والكافورية الذين اعتقلهم جوهر، وعدتهم نحو الألف.
وقال للقاضى أبى طاهر: «كم رأيت من خليفة؟»
فقال: «ما رأيت خليفة غير مولانا المعز لدين الله - صلوات الله عليه -».
فاستحسن ذلك منه على البديهة، مع علم المعز أن أبا طاهر رأى المعتضد، والمكتفى، والمقتدر، والقاهر، والراضى، والمتقى، والمستكفى، والمطيع؛ فشكره وأعجب بقوله.
وركب المعزّ يوم الفطر - لصلاة العيد - إلى مصلى (٢) القاهرة الذى بناه جوهر، وكان محمد بن أحمد بن الأدرع الحسينى قد بكّر وجلس فى المصلى تحت القبة، فجاء الخدم وأقاموه وأقعدوا موضعه أبا جعفر مسلم، وأقعدوه دونه، فكان أبو جعفر مسلم خلف المعز عن يمينه وهو يصلى.
وأقبل المعز فى زيه وبنوده وقبابه، وصلى بالناس صلاة العيد صلاة تامة طويلة، قرأ فى الأولى بأم الكتاب، و «هل أتاك حديث الغاشية»؛ ثم كبر بعد القراءة، وركع فأطال، وسجد فأطال.
стр. 182
قال ابن زولاق:
«أنا سبّحت خلفه فى كل ركعة وفى كل سجدة نيفا وثلاثين تسبيحة، وكان القاضى النعمان بن محمد يبلغ عنه التكبير؛ وقرأ فى الثانية بأم الكتاب وسورة «والضحى»، ثم كبّر أيضا بعد القراءة؛ وهى صلاة جده على بن أبى طالب، وأطال أيضا فى الثانية الركوع والسجود، وأنا سبّحت خلفه نيفا وثلاثين تسبيحة فى كل ركعة وفى كل سجدة؛ وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فى كل سورة، وأنكر جماعة يترسمون بالعلم قراءته قبل التكبير، لقلة علمهم وتقصيرهم فى العلوم.
فلما فرغ من الصلاة صعد المنبر، وسلّم على الناس يمينا وشمالا، ثم نشر البندين اللذين كانا على المنبر فخطب وراءهما، وكان فى أعلى درجة من المنبر وسادة ديباج مثقل، فجلس عليها بين الخطبتين، واستفتح الخطبة ببسم الله الرحمن الرحيم.
وكان معه على المنبر جوهر، وعمار بن جعفر، وشفيع - صاحب المظلة -، ثم قال:
«الله أكبر الله أكبر»، استفتح بذلك «وخطب وأبلغ وأبكى الناس، وكانت خطبته بخضوع وخشوع.
فلما فرغ من خطبته انصرف فى عساكره، وخلفه أولاده الأربعة بالجواشن (١) والخوذ على الخيل بأحسن زى، وساروا بين يديه بالفيلين. فلما حصل فى قصره أحضر الناس فأكلوا ونشطهم إلى الطعام، وعتب على من تأخر، وتهدّد من بلغه عنه صيام العيد».
وردّ إلى أبى سعيد عبد الله بن أبى ثوبان أحكام المغاربة ومظالمهم.
وتحاكم إليه جماعة من المصريين فحكم بينهم وسجّل، فكان شهود مصر يشهدون عنده ويشهدون على أحكامه، ولم ير هذا بمصر قبل ذلك؛ واستخلف [أبو سعيد] أحمد بن محمد الدوادى.
ومنع المعز من النداء بزيادة النيل، وألا يكتب بذلك إلا إليه وإلى جوهر، فلما تمّ أباح النداء [يعنى لما تم ست عشرة ذراعا] (٢).
стр. 183
وخلع على جوهر خلعة مذهبة، وعمامة حمراء، وقلّده سيفا، وقاد بين يديه عشرين فرسا مسرجة ملجمة» وحمل بين يديه خمسين ألف دينار، ومائتى ألف درهم، وثمانين تختا من ثياب.
وركب المعز إلى المقس، وأشرف على أسطوله (١)، وقرأ عليه وعوّذه، وخلفه جوهر والقاضى النعمان ووجوه أهل البلد، ثم عاد إلى قصره.
وضربت أعناق جماعة عاثوا بنواحى القرافة.
وفى ذى القعدة احترق سوق القاهرة، وأعيد.
وركب المعز لكسر خليج (٢) القاهرة، فكسر بين يديه، وسار على شط النيل، ومرّ على سطح الحرف، وعطف على بركة الحبش (٣)، ثم على الصحراء إلى الخندق الذى حفره جوهر فى موكب عظيم، وخلفه وجوه أهل البلد، وأبو جعفر أحمد بن نصر يعرّفه بالمواضع، وبلغ المعز أن محمدا أخا أبى إسماعيل الرّسّى يريد الفرار إلى الشام، فقبض عليه وسجن مقيّدا.
стр. 184
وفى يوم عرفة نصب المعزّ الشّمسة (١) التى عملها للكعبة على إيوان قصره، وسعتها اثنا عشر
стр. 185
شبرا فى مثلها، وأرضها ديباج أحمر، ودورها اثنا عشر هلال ذهب، وفى كلّ هلال أترجة ذهب مشبّك، جوف كل أترجّة خمسون درّة كبيض الحمام، وفيها الياقوت (١) الأحمر والأصفر والأزرق، وفى دورها مكتوب آيات الحج بزمرد أخضر (٢)، وحشو الكتابة درّ كبار لم ير مثله، وحشو الشّمسة المسك المسحوق؛ فرآها الناس فى القصر ومن خارجه لعلوّ موضعها؛ ونصبها عدّة فراشين، وجرّوها لثقل وزنها.
[وأول من عمل الشّمسة للكعبة أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله، فبعث سلسلة من ذهب كانت تعلّق مع الياقوتة التى بعثها المأمون، وصارت تعلّق كلّ سنة فى وجه الكعبة، وكان يؤتى بهذه السلسلة فى كل موسم وفيها شمسة مكللة بالدرّ والياقوت والجوهر قيمتها شيء كثير، فيقدم بها قائد يبعث من العراق، فتدفع إلى حجبة الكعبة، ويشهد عليهم بقبضها، فيعلقونها يوم سادس الثمان، فتكون على الكعبة، ثم تنزع يوم التروية] (٣).
وغدا المعز لصلاة عيد النحر فى عساكره، وصلى كما ذكر فى صلاة الفطر من القراءة والتكبير وطول الركوع والسجود، وخطب وانصرف فى زيّه، فلما وصل إلى القصر أذن للناس عامة فدخلوا والشمسة منصوبة على حالها، فلم يبق أحد حتى دخل - من أهل مصر والشام والعراق - فذكر أهل العراق وأهل خراسان، ومن يواصل الحج أنهم لم يروا قط مثل هذه
стр. 186
الشمسة؛ وذكر أصحاب الجوهر ووجوه التجار أنه لا قيمة لما فيها، وأن شمسة بنى العباس كان أكثرها مصنوعا ومن شبه (١)، وأن مساحتها مثل ربع هذه.
وكذلك كانت شمسة كافور التى عملها لمولاه أونوجور بن الإخشيد، وكان يسير بها إلى الحرم جعفر بن محمد الموسوى، ثم ابنه أبو الحسين، ثم بعده ابنه مسلم، ثم أبو تراب بعد أخيه، إلى أن أخذها القائد جوهر من أبى تراب.
وأمر المعز للناس بالطعام فأكلوا.
وورد الخبر بوصول أسطول القرامطة إلى تنّيس فى البحر، فكانت بينهم وبين أهل تنّيس حرب انهزم فيها أصحاب القرامطة، وأخذ منهم عدة مراكب، وأسر طائفة منهم، وأن أسكر (؟) نهبت، فعظم ذلك [على] (٢) المعز، واشتد خوف الناس فى المقابر حتى كانوا يصلون على الجنائز ولا يتبعونها، ويمضى بها الحفارون؛ فأنكر المعز ذلك، وأمّن الناس.
ولثمانى عشرة من ذى الحجة، وهو يوم غدير خمّ (٣)، تجمّع خلق من أهل مصر والمغاربة للدعاء، فأعجب المعز ذلك، وكان هذا أول ما عمل عيد الغدير بمصر.
وقدم من تنّيس مائة وثلاثة وسبعون رجلا أسارى، وعدة رءوس، ومعهم أعلام القرامطة
стр. 187
منكوسة، وسلاح لهم، فشهّر ذلك فى البلد، وجلس المعز حتى مروا بين يديه وهو فى علو باب قصره.
وكانت فتنة فى البلد نهبت المغاربة فيها جماعة من الرعية، فركب جوهر فى طلب النّهابة، وأخذهم وجلدهم.
وفى سلخ ذى الحجة سلخ (؟) إمام جامع القرافة محمد بن عبد السميع فى طريق القرافة، وانصرف الناس من جامع القرافة من غير جمعة.
وأحضر جوهر جماعة من أهل تنيس، وطالبهم بديات المغاربة الذين قتلوا عندهم، وألزموا بمائتى ألف دينار، ثم استقر أمرهم على ألف ألف درهم (١).
وانتهى النيل فى نقصانه إلى ست أذرع وإصبعين، وبلغ زيادة الماء الجديد سبع عشرة ذراعا وإصبعين، وأطلق المعزّ لمتولى المقياس الجائزة والخلع والحملان، فزاده على رسمه.
وفيها مات أبو عمرو محمد بن عبد الله السهمى - قاضى مكة -، ومات الإشبيلى - قاضى المغاربة (٢) بمصر -.
стр. 188
ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمائة:
وأمير المؤمنين المعز لدين الله.
وخليفته القائد جوهر.
والقاضى أبو طاهر محمد بن أحمد.
والخراج نصفين: إلى على بن محمد بن طباطبا، وعبد الله بن عطاء الله؛ والنصف الآخر إلى الحسن بن عبد الله، والحسين بن أحمد الروذبارى.
وصاحب بيت المال محمد بن الحسين بن مهذب.
وصاحب المظلة شفيع الصقلى (١).
وطبيبه موسى بن العازار.
والشرطة السفلى إلى عروبة بن إبراهيم، وشبل المعرضى.
والشرطة العليا إلى خير [بن القاسم] (٢).
وإمام الجامع العتيق والخطبة إلى عبد السميع بن عمر العباسى.
وإمام الصلوات الخمس الحسن بن موسى الخياط.
ولست (¬*) عشرة بقيت من المحرم قلّد المعزّ الخراج، ووجوه الأموال جميعها، والحسبة، والسواحل، والجوالى، والأحباس، والمواريث، والشرطتين، وجميع ما ينضاف إلى ذلك، وما يطوى فى مصر وسائر الأعمال أبا الفرج يعقوب بن يوسف الوزير، وعسلوج بن الحسن،
стр. 189
وكتب لهما بذلك سجلا. قرئ يوم الجمعة على منبر جامع أحمد بن طولون؛ وقبضت أيدى سائر العمال والمتضمنين.
وجلسا غد هذا اليوم فى دار الإمارة (١) فى جامع أحمد بن طولون للنداء على الضياع وسائر وجوه الأموال، وحضر الناس للقبالات، وطالبوا بالبقايا من الأموال مما على المالكين والمتقبلين والعمال *، واستقصيا فى الطلب، ونظرا فى المظالم.
وفيه تبسطت المغاربة فى نواحى القرافة والمعافر، فنزلوا فى الدور، وأخرجوا الناس من دورهم، ونقلوا السكان وشرعوا فى السكنى فى المدينة، وكان المعز أمرهم أن يسكنوا فى أطراف المدينة، فخرج الناس واستغاثوا إلى المعز، فأمر أن يسكنوا نواحى عين شمس، وركب المعز بنفسه حتى شاهد المواضع التى ينزلون فيها، وأمر لهم بمال يبنون به، وهو الموضع الذى يعرف اليوم بالخندق، وخندق العبيد؛ وجعل [لهم] واليا وقاضيا؛ وأسكن أكثرهم فى المدينة مخالطين لأهل مصر، ولم يكن جوهر يبيحهم سكنى المدينة ولا المبيت فيها، وحظر ذلك عليهم، وكان مناديه ينادى كل عشية: «لا يبيتن فى المدينة أحد من المغاربة».
وفى يوم عاشوراء انصرف خلق من الشيعة وأتباعهم من المشاهد من قبر كلثم بنت محمد بن جعفر بن محمد الصادق، ونفيسة (٢)، ومعهم جماعة من فرسان المغاربة ورجالتهم بالنياحة والبكاء على الحسين، وكسروا أوانى السقائين فى الأسواق، وشققوا الروايا، وسبّوا من ينفق فى هذا
стр. 190
اليوم، وثارت إليهم جماعة، فخرج إليهم أبو محمد الحسن بن عمّار، ومنع الفريقين، ولولا ذلك لعظمت الفتنة، لأن الناس كانوا غلقوا الدكاكين وعطلوا الأسواق، وقويت أنفس الشيعة بكون المعز بمصر.
وكانت مصر لا تخلو من الفتن فى يوم عاشوراء عند قبر كلثم وقبر نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب فى الأيام الإخشيدية والكافورية، وكان سودان كافور يتعصبون على الشيعة، ويتعلق السودان فى الطرق بالناس ويقولون للرجل: «من خالك؟» فإن قال: «معاوية» أكرموه، وإن سكت لقى المكروه، وأخذت ثيابه وما معه، حتى كان كافور يوكل بأبواب الصحراء، ويمنع الناس من الخروج.
ولما جلس يعقوب بن كلّس وعسلوج بن الحسن الونهاجى لعقد الضياع توفرت الأموال، وزيد فى الضياع، وتكاشف الناس.
وفى صفر طيف بنحو مائتى رأس قدم بها من المغرب.
ومات ابن عم للمعز، فصلى عليه المعز، وكبّر سبعا، وكبّر على غيره خمسا، وهذا مذهب على بن أبى طالب: أنه يكبر على الميت على قدر منزلته.
ومات إسحاق بن موسى طبيب المعز، فجعل موضعه أخاه إسماعيل بن موسى.
وامتنع يعقوب وعسلوج أن يأخذ فى الاستخراج إلا دينارا معزيا، فاتضع الدينار الراضى وانحط، ونقص من صرفه أكثر من ربع دينار، فخسر الناس من أموالهم، وكان صرف المعزى خمسة عشر درهما ونصف.
واشتد الاستخراج، وأكّد المعز فيه ليرد ما أنفقه من أمواله على مصر، لأنه قدم مصر يظن أن الأموال مجتمعة، فوجدها قد فرقتها مؤن مصر وكثرة عساكرها، وكان الذى أنفقه المعز على مصر ما لا يضبط أو يعرفه إلا هو أو خزانه.
وحدثنى بعض كتاب بيت (١) ماله قال:
стр. 191
«حملنا إلى مصر أكياسا فارغة - أنفق ما كان فيها - فى أربعة أعدال على جملين».
وكدّ يعقوب وعسلوج أنفسهما فى الاستخراج، فاستخرج فى يوم نيف وخمسون ألف دينار معزية، وكان استخراجا بغير براءة ولا خرج ولا حوالة؛ واستخرج فى يوم مائة وعشرون ألف دينار معزية، وفى يوم آخر من مال تنّيس ودمياط والأشمونين أكثر من مائتى ألف وعشرين ألف دينار، وهذا لم يسمع بمثله قط فى بلد، إلا أن فى أيام العزيز استخرج خير بن القاسم، وعلى بن عمر العدّاس، وعبد الله بن خلف المرصدى فى ثلاثة أيام مائتى ألف دينار وعشرين ألف دينار عزيزية، منها فى أول يوم أربعة وسبعين ألف دينار والباقى [فى] يومين، وذلك فى سنة أربع وسبعين وثلاثمائة.
وفى شهر ربيع الآخر كثر الإرجاف بالقرامطة وانتشارهم فى أعمال الشام، وكان معهم عبد الله بن عبيد الله أخو أبى جعفر مسلم، فكتب إليه المعز بعد ما شكاه إلى أخيه مسلم.
وفيه دخل الناس إلى قصر المعز وفيهم: الأشراف، والعمال، والقواد، وسائر الأولياء من كتامة وغيرهم، فقال إنسان لبعض الأشراف: «اجلس يا شريف»، فقال بعض الكتاميين:
«وفى الدنيا شريف غير مولانا؟! لو ادعى هذا غيره قتلناه».
خرج الإذن للناس، وبلغ المعز هذا، فلما جلس على سريره وأذن للناس بالجلوس قال:
«يا معشر الأهل وبنى العم من ولد فاطمة: أنتم الأهل، وأنتم العدة، وما نرضى بما بلغنا من القول، وقد أخطأ من تكلم بما قيل لنا، لكم بحمد الله الشرف العالى، والرحم القريبة، ولئن عاود أحد لمثل ما بلغنا لننكلن به نكالا مشهورا».
فقبّلت الجماعة الأرض، ودعوا وشكروا، وكان المتكلم حاضرا فانقمع وندم.
وحدّث المعز أنه رأى فى منامه رسول الله ﷺ كان جالسا وبين يديه سيوف منها ذو الفقار، فأخذ على بن أبى طالب ذا الفقار فضرب به عنق القرمطى الأعسم، وضرب حمزة عنق أخى الأعسم، وضرب جعفر عنق آخر؛ وانكبّ المعز يقبّل رجل النبى ﷺ ، فنسخ الناس هذه الرؤيا.
стр. 192
وحمل مال الأحباس من المودع (١) إلى بيت المال الذى لوجوه البرّ، وطولب أصحاب الأحباس بالشرائط ليحملوا عليها.
ولما وقف المعز على حبس عمرو بن العاص، وأن محمد بن أبى بكر كان قبضه وضرب عليه صافية لأمير المؤمنين على بن أبى طالب - أهل الحق -، وأن عمرو بن العاص إنما حبسه لما عاد إلى مصر فى أيام معاوية، أخرج ذلك - من كتاب أبى عمر الكندى (٢) - القاضى النعمان بن محمد، فحمله إلى المعز فقال: «هذا مال لنا، فليحمل إلينا مفردا من مال الأحباس»، ففعل ذلك.
وفى ربيع الآخر ثارت المغاربة فى صحراء المقابر، ونهبوا الناس، فأنكر المعز ذلك، وقبض على جماعة.
وفيه اعتلّ المعز واحتجب، فاضطربت الرعية، ولم يره أحد.
وفى جمادى الأولى أرجف بالقرامطة، وقوى الاستخراج، ومنع الناس من الحضور فى الديوان لئلا يقفوا على مبلغه؛ وجلس المعز للناس، فسرّوا بسلامته.
وحمل أبو جعفر مسلم إلى المعز المصحف الكبير الذى كان يذكر أنه كان ليحيى بن خالد ابن برمك، وكان شراؤه أربعمائة دينار على مسلم، فلما رآه المعز قال:
«أراك معجبا به، وهو يستحق الإعجاب، ولكن نفاخرك نحن أيضا».
стр. 193
فدعا بمصحف نصفين ما رؤى أحسن منهما خطا وإذهابا وتجليدا، فقال:
«هذا خط المنصور، وإذهابه وتجليده بيده».
فقال له مسلم:
«فثمّ مصحف بخط مولانا المعز لدين الله ﵇؟».
فقال: «نعم».
وأخرج له نصفين.
فقال: «ما رأيت أصبح من هذا الخط».
فقال المعز: «بعد مشاهدتك لخط المنصور تقول: ما رأيت أصبح من هذا الخط، ولكنه أصبح من خطك».
ثم ضحك وقال: «أردت مداعبتك».
وكان أبو جعفر مسلم إذا ذكر المعز يقول:
«وددت أن أبى وجدي شاهداه ليفتخرا به، فما أقدر أن أقرن به أحدا من خلفاء بنى أمية ولا بنى العباس».
وتوفى محمد بن الحسن بن أبى الحسين - أحد خواص المعز -، فخرج المعز وهو فى بقايا علته، وتقدّم إلى القاضى النعمان بن محمد بغسله وبكفنه، وصلى عليه المغرب، وفتح تابوته وأضجعه.
وبعد تسعة عشر يوما توفى القاضى النعمان بن محمد أول رجب، فخرج المعز يبين الحزن عليه، وصلى عليه، وأضجعه فى التابوت، ودفن فى داره بالقاهرة.
وفى شعبان دخل أبو جعفر مسلم علي المعز، فلما توسّط صحن الإيوان قال له أخوه عيسى:
«إن الأمير عبد الله فى المجلس فسلّم عليه».
وكان فى المجلس جماعة، فدخل أبو جعفر على المعز وقبّل الأرض، وقام قائما، وقال:
«يا أمير المؤمنين: حدثنى أبى عن أبيه عن جده عن إسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد قال: «دخلت أنا وأخى عبد الله على يعقوب بن صالح بن المنصور - وهو يومئذ
стр. 194
أمير المدينة - فقال: من أين أقبل الشيخان؟ فقالا: من عند رسول الله ﷺ ، سلمنا عليه وأتيناك، فقال: سلمتما على صاحبيه؟ فقلنا: لا، فقال سبحان الله، كيف لم تسلما على صاحبيه؛ فقال له أخى عبد الله: سألتك بالله أيها الأمير أيهما أقرب؟ ابنك هذا منك أو صاحبى رسول الله من رسول الله؟ فقال: ابنى هذا، فقال: ما سلمنا على ابنك فى مجلسك إجلالا لك، فنسلم على صاحبى رسول الله بحضرة رسول الله؟ فقال: والله ما قصرتما»، ثم قال مسلم: «تأذن يا أمير المؤمنين فى السلام على الأمير عبد الله؟» فأذن له، قال عيسى: «وكان المعزّ لمسلم مكرما».
وفيه كثر الإرجاف بالقرامطة ودخول مقدمتهم أرياف مصر وأطراف المحلة، [وأنهم] ونهبوا واستخرجوا الخراج ثم رجعوا إلى أعمال الشام.
وأمر المعزّ المغاربة بالخروج من مصر والسكنى بالقاهرة ففعلوا.
وردّ المعز الشرطة العليا إلى خير بن القاسم فاستقصى على المغاربة فى الخروج إلى القاهرة.
وعاودت المعز العلة فاحتجب أياما لا يراه أحد، ثم جلس للناس فهنوه، وعرضوا أنفسهم للقتال، فشكرهم على ذلك.
ووصلت سريّة القرامطة إلى أطراف الحوف، وأنفذ القرمطىّ عبد الله بن عبيد الله - أخا مسلم - إلى الصعيد، فنزل فى نواحى أسيوط وإخميم، وحارب العمال، واستخرج الأموال، فثقل ذلك على المعز، وعاتب أبا جعفر مسلم، فاعتذر إليه، وتبرّأ من أفعاله، ونزل الأعسم القرمطى بعسكره بلبيس، وتأهّب المعزّ لمنعه وردّه.
وقد أحببت أن أورد هنا جملة من أخبار القرامطة لتكرر دخولهم إلى مصر:
стр. 195
ذكر طرف من أخبار القرامطة
وذلك أن الحسين الأهوازى لما خرج داعية إلى العراق لقى حمدان بن الأشعث قرمط بسواد الكوفة، ومعه ثور ينقل عليه، فتماشيا ساعة، فقال حمدان للحسين:
«إنى أراك جئت من سفر بعيد، وأنت معيى فاركب ثورى هذا».
فقال الحسين: «لم أومر بذلك».
فقال له حمدان: «كأنك تعمل بأمر أمر لك؟».
قال: «نعم».
قال: «ومن يأمرك وينهاك؟».
قال: «مالكى ومالكك، ومن له الدنيا والآخرة».
فبهت حمدان قرمط يفكر، ثم قال له:
«يا هذا: ما يملك ما ذكرته إلا الله».
قال: «صدقت، والله يهب ملكه لمن يشاء».
قال حمدان: «فما تريد فى القرية التى سألتنى عنها؟».
وكان الحسين لما رأى قرمط فى الطريق سأله:
«وكيف الطريق إلى قسّ بهرام (١)».
فعرّفه قرمط أنه سائر إليه، فسأله عن قرية تعرف «بباتنورا (١)» فى السواد، فذكر أنها
стр. 196
قريبة من قريته، (١) وكان قرمط من قرية تعرف (١) «بالدور (٢)» على نهر «هد (٢)» من رستاق (٣) «مهروسا» من طسّوج (٤) «فرات بادفلى (٢)».
وإنما قيل له قرمط لأنه كان قصيرا ورجلاه قصيرتين، وخطوه متقاربا، فسمى لذلك قرمطا.
فلما قال للحسين: «ما تريد فى القرية التى سألتنى عنها؟» قال له: «رفع إلى جراب فيه علم وسرّ من أسرار الله، وأمرت أن أشفى هذه القرية، وأغنى أهلها وأستنقذهم، وأملكهم أملاك أصحابهم».
وابتدأ يدعوه، فقال له حمدان قرمط:
«يا هذا: نشدتك الله، إلا رفعت إلىّ من هذا العلم الذى معك، وأنقذتنى ينقذك الله؟».
قال له: «لا يجوز ذلك أو آخذ عليك عهدا وميثاقا أخذه الله على النبيين والمرسلين، وألقى إليك ما ينفعك».
فما زال يضرع إليه حتى جلسا فى بعض الطريق، وأخذ عليه العهد، ثم قال له:
«ما اسمك؟».
قال له قرمط: «قم معى إلى منزلى حتى تجلس فيه، فإن لى إخوانا أصير بهم إليك لتأخذ عليهم العهد للمهدى».
فصار معه إلى منزله، وأخذ على الناس العهد، وأقام بمنزل حمدان قرمط، فأعجبه أمره، وعظّمه؛ وكان الحسين على غاية ما يكون من الخشوع صائما نهاره، قائما ليله، فكان المغبوط من أخذه إلى منزله ليلة؛ وكان يخيط لهم الثياب ويكتسب بذلك، فكانوا يتبركون به وبخياطته.
стр. 197
وأدرك الثمر، فاحتاج أبو عبد الله محمد بن عمر بن شهاب العدوى - وكان أحد وجوه الكوفة ومن أهل العلم والفضل - إلى عمل ثمره، فوصف له الحسين الأهوازى، فنصّبه لحفظ ثمره، والقيام فى حظيرته، فأحسن حفظها، واحتاط فى أداء الأمانة، وظهر منه من التشدد فى ذلك ما خرج به عن أحوال الناس فى تساهلهم فى كثير من الأمور، وذلك فى سنة أربع وستين ومائتين.
واستحكمت ثقة الناس به، وثقته هو بحمدان قرمط، وسكونه إليه، فأظهر له أمره، وكان مما دعا إليه أنه جاء بكتاب فيه:
«بسم الله الرحمن الرحيم: يقول الفرج بن عثمان إنه داعية المسيح، وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدى، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية، وهو جبريل؛ وأن المسيح تصوّر فى جسم إنسان، وقال إنك الداعية، وإنك الحجة، وإنك الناقة، وإنك الدابة، وإنك يحيى بن زكريا، وإنك روح القدس؛ وعرّفه أن الصلاة أربع ركعات: ركعتان قبل طلوع الشمس، وركعتان قبل غروبها؛ وأن الأذان فى كل صلاة أن يقول المؤذن:
الله أكبر ثلاث مرات.
أشهد أن لا إله إلا الله مرتين.
أشهد أن آدم رسول الله.
أشهد أن نوحا رسول الله.
أشهد أن إبراهيم رسول الله.
[أشهد أن موسى رسول الله (١)].
أشهد أن عيسى رسول الله.
أشهد أن محمدا رسول الله.
أشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفية [رسول الله] (٢).
стр. 198
والقراءة فى الصلاة:
«الحمد لله بكلمته، وتعالى باسمه، المنجد لأوليائه بأوليائه، «قل إن الأهلة مواقيت للناس ظاهرها ليعلموا عدد السنين والحساب والشهور والأيام، وباطنها لأوليائى الذين عرّفوا عبادى وسيلتى، فاتقونى يا أولى الألباب، وأنا الذى لا أسأل عما أفعل وأنا العليم الحكيم، وأنا الذى أبلو عبادى وأمتحن خلقى، فمن صبر على بلائى ومحنتى واختبارى أدخلته فى جنتى، وأخلدته فى نعيمى؛ ومن زال عن أمرى، وكذّب رسلى أخلدته مهانا فى عذابى، وأتممت أجلى، وأظهرت أمرى على ألسنة رسلى، وأنا الذى لم يعل جبار إلا وضعته، ولا عزيز إلا أذللته، وليس الذى أصرّ على أمره، وداوم على جهالته، وقال إن نبرح عليه عاكفين وبه موقنين، أولئك هم الكافرون».
ثم يركع (١).
ومن شرائعه:
صيام يومين فى السنة هما: المهرجان (٢)، والنوروز (٣).
وأن الخمر حلال.
ولا غسل من جنابة، ولكن الوضوء كوضوء الصلاة.
стр. 199
وأن لا يؤكل ما له ناب ولا مخلب.
ولا يشرب النبيذ.
وأن القبلة إلى بيت المقدس، والحجّ إليه.
وأن الجمعة يوم الاثنين لا يعمل فيه شغل.
ولما حضرته الوفاة جعل مكانه حمدان بن الأشعث قرمط، وأخذ على أكثر أهل السواد، وكان ذكيا داهية.
فكان ممن أجابه: مهرويه بن زكرويه السّلمانى، وجلندى الرّازى، وعكرمة البابلى، وإسحاق السورانى (١)، وعطيف النيلى، وغيرهم، وبثّ دعاته فى السواد يأخذون على الناس.
وكان أكبر دعاته عبدان، وكان فطنا خبيثا، خارجا عن طبقة نظرائه من أهل السواد، ذا فهم وحذق، وكان يعمل عند نفسه على نصب له من غير أن يتجاوز به إلى غيره، ولا يظهر غير التشيع والعلم، ويدعو إلى الإمام من آل رسول الله ﷺ محمد ابن إسماعيل بن جعفر.
فكان أحد من تبع عبدان زكرويه بن مهرويه، وكان شابّا ذكيّا فطنا من قرية بسواد الكوفة على نهر هد، فنصّبه عبدان على إقليم نهر هد وما والاه، ومن قبله جماعة دعاة (٢) متفرقون (٣) فى عمله.
وكان [٢٤ ب؟؟؟] داعية عبدان على فرات بادفلى: الحسن (٤) بن أيمن؛ وداعيته على طسّوج تستر: المعروف بالبورانى - وإليه نسب البورانية -؛ وداعيته على جهة أخرى: المعروف بوليد؛ وفى أخرى: أبو الفوارس. وهؤلاء رؤساء دعاة عبدان، ولهم دعاة تحت أيديهم؛ فكان كلّ داع يدور فى عمله ويتعاهده فى كلّ شهر مرة، وكل ذلك بسواد الكوفة.
стр. 200
ودخل فى دعوته من العرب طائفة، فنصب فيهم دعاة، فلم يتخلف عنه رفاعى ولا ضبعى، ولم يبق من البطون المتصلة بسواد الكوفة بطن إلا دخل فى الدعوة منه ناس كثير أو قليل:
من بنى عابس، وذهل، وعنزة، وتيم الله، وبنى ثعل، وغيرهم من بنى شيبان؛ فقوى قرمط، وزاد طمعه، فأخذ فى جمع الأموال من قومه:
فابتدأ يفرض عليهم أن يؤدوا درهما عن كل واحد، وسمى ذلك: «الفطرة»، على كل أحد من الرجال والنساء، فسارعوا إلى ذلك.
فتركهم مديدة، ثم فرض «الهجرة»، وهو دينار على كلّ رأس أدرك، وتلا قوله تعالى:
«خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها، وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ، إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ، وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (١).
وقال: «هذا تأويل هذا».
فدفعوا ذلك إليه، وتعاونوا عليه، فمن كان فقيرا أسعفوه.
فتركهم مديدة، ثم فرض عليهم «البلغة» وهى سبعة دنانير، وزعم أن ذلك هو البرهان الذى أراد الله بقوله:
«قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (٢).
وزعم أن ذلك بلاغ من يريد الإيمان، والدخول فى السابقين المذكورين فى قوله تعالى:
«وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» (٣).
وصنع طعاما طيبا حلوا لذيذا، وجعله على قدر البنادق، يطعم كل من أدّى إليه سبعة دنانير منها واحدة، وزعم أنه طعام أهل الجنة نزل إلى الإمام، فكان ينفذ إلى كلّ داع منها مائة بلغة، ويطالبه بسبعمائة دينار، لكل واحدة منها سبعة دنانير.
стр. 201
فلما توطّأ له الأمر فرض عليهم أخماس ما يملكون وما يتكسبون، وتلا عليهم: «واعلموا أنّما غنمتم من شيء فأنّ لله خمسه (١) - الآية» -، فقوّموا جميع ما يملكونه من ثوب وغيره وأدّوا ذلك إليه، فكانت المرأة تخرج خمس ما تغزل، والرجل يخرج خمس ما يكسبه.
فلما تمّ ذلك فرض عليهم الألفة، وهو أن يجمعوا أموالهم فى موضع واحد، وأن يكونوا فيه أسوة واحدة لا يفضل أحد منهم صاحبه وأخاه فى ملك يملكه، وتلا عليهم: «وَ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً﴾ (٢)» - الآية -، وقوله تعالى: «لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣)».
وعرّفهم أنه لا حاجة بهم إلى أموال تكون معهم، لأن الأرض بأسرها ستكون لهم دون غيرهم، وقال: «هذه محنتكم التى امتحنتم بها ليعلم كيف تعملون».
وطالبهم بشراء السلاح وإعداده.
وذلك كله فى سنة ست وسبعين ومائتين.
وأقام الدعاة فى كل قرية: رجلا مختارا من ثقاتها يجمع عنده أموال أهل قريته من بقر وغنم وحلى ومتاع وغيره، وكان يكسو عاريهم، وينفق على سائرهم ما يكفيهم، ولا يدع فقيرا بينهم ولا محتاجا ولا ضعيفا؛ وأخذ كل رجل منهم بالانكماش فى صناعته والكسب بجهده (٤)، ليكون له الفضل فى رتبته؛ وجمعت المرأة كسبها من مغزلها، والصبى أجرة نظارته للطير، وأتوه به، فلم يتملك أحد منهم إلا سيفه وسلاحه.
فلما استقام له ذلك أمر الدعاة أن يجمعوا النساء ليلة معروفة، ويختلطن بالرجال، ويتراكبن ولا يتنافرن، فإن ذلك من صحة الود والألفة بينهم.
стр. 202
فلما تمكن من أمورهم، ووثق بطاعتهم، وتبيّن مقدار عقولهم، أخذ فى تدريجهم، وأتاهم بحجج من مذهب الثنوية، فسلكوا معه فى ذلك حتى يقضى ما كان يأمرهم به فى مبدأ أمرهم من الخشوع والورع والتقوى، وظهر منهم بعد تدين كثير إباحة الأموال والفروج، والغناء عن الصوم والصلاة والفرائض، وأخبرهم أن ذلك كله موضوع عنهم - وأن أموال المخالفين ودماءهم حلال لهم، وأن معرفة صاحب الحق تغنى [عن] كل شيء، ولا يخاف معه إثم ولا عذاب - يعنى إمامه الذى يدعو إليه، وهو محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق - وأنه الإمام المهدى الذى يظهر فى آخر الزمان ويقيم الحق، وأن البيعة له، وأن الداعى إنما يأخذها على الناس له، وأن ما يجمع من الأموال مخزون له إلى أن يظهر، وأنه حى لم يمت، وأنه يظهر فى آخر الزمان، وأنه مهدى الأمة.
فلما أظهر هذه الأمور كلها بعد تعلقه بذكر الأئمة والرسل والحجّة والإمام، وأنه المعول والمقصد والمراد، وبه اتسقت هذه الأمور، ولولا هذه لهلك الخلق وعدم الهدى والعلم، ظهر فى كثير منهم الفجور، وبسط بعضهم أيديهم بسفك الدماء، وقتلوا جماعة ممن خالفهم، فخافهم الناس واستوحشوا من ظهور؛ السلاح بينهم، فأظهر موافقتهم كثير من مجاوريهم - جزعا منهم -.
ثم إن الدعاة اجتمعوا واتفقوا على أن يجعلوا لهم موضعا يكون وطنا ودار هجرة يهاجرون إليها، ويجتمعون بها، فاختاروا من سواد الكوفة - فى طسّوج الفرات من ضياع السلطان المعروفة بالقاسميات - قرية تعرف «بمهتماباد (١)»، فحاذوا (٢) إليها صخرا عظيما، ثم بنوا (٣) حولها سورا منيعا عرضه ثمانى أذرع، ومن ورائه خندق عظيم، وفرغوا من ذلك فى أسرع وقت، وبنوا فيها البناء العظيم، وانتقل إليها الرجال والنساء من كل مكان، وسميت «دار الهجرة»، وذلك فى سنة سبع وتسعين ومائتين؛ فلم يبق حينئذ أحد إلا خافهم، ولا بقى أحد يخافونه لقوتهم وتمكنهم فى البلاد.
стр. 203
وكان الذى أعانهم على ذلك تشاغل الخليفة بفتنة الخوارج، وصاحب الزّنج بالبصرة، وقصريد السلطان، وخراب العراق، وتركه لتدبيره، وركوب الأعراب واللصوص بعد السبعين ومائتين بالقفر، وتلاف الرجال، وفساد البلدان، فتمكّن هؤلاء، وبسطوا أيديهم فى البلاد، وعلت كلمتهم.
وكان منهم مهرويه أحد الدعاة فى مبدأ أمره ينطر (١) النخل ويأخذ أجرته تمرا فيفرغ منه النوا ويتصدق به، ويبيع النوا ويتقوت به، فعظم فى أعين الناس قدره، وصارت له مرتبة فى الثقة والدين، فصار إلى صاحب الزّنج لما ظهر على السلطان وقال له.
«ورائى مائة ألف ضارب سيف أعينك بهم».
فلم يلتفت إلى قوله، ولم يجد فيه مطمعا، فرجع وعظم بعد ذلك فى السواد، وانقاد إليه خلق كثير، فادعى أنه من ولد عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر، فقيل له:
«لم يكن لمحمد بن إسماعيل ابن يقال له عبد الله».
فكفّ عن هذه الدعوى، وصار بعد ذلك فى قبة على جمل، ودعا بالسيد، وظهر بسواد الكوفة؛ وسيأتى ذكر ابنه زكرويه، وابن ابنه الحسين بن زكرويه إن شاء الله.
وكان رجل من أهل قرية جنّابة (٢) يعمل الفراء، يقال له أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنّابى (٣)، أصله من الفرس، سافر إلى سواد الكوفة، وتزوج من قوم يقال لهم: «بنو
стр. 204
القصّار» كانوا من أصول هذه الدعوة، فأخذ عن عبدان، وقيل بل أخذ عن حمدان قرمط، وسار داعية، فنزل القطيف - وهى حينئذ مدينة عظيمة - فجلس بها يبيع الرقيق، فلزم الوفاء والصدق، وكان أول من أجابه الحسين بن سنبر، وعلى بن سنبر، وحمدان بن سنبر، فى قوم ضعفاء، ما بين قصّاب وحمّال وأمثال ذلك، فبلغه أن بناحيته داعيا يقال له أبو زكريا، أنفذه عبدان قبل أبى سعيد وكان قد أخذ على بنى سنبر من قبل، فعظم أمره على أبى سعيد (١) وقبض عليه (١) وقتله، فحقد عليه بنو سنبر قتله.
واتفق أن البلد كان واسعا، ولأهله عادة بالحروب، وهم رجال شداد جهّال، فظفر أبو سعيد باشتهار دعوته فى تلك الديار، فقاتل بمن أطاعه من عصاه، حتى اشتدّت شوكته.
وكان لا يظفر بقرية إلا قتل أهلها ونهبها، فهابه الناس، وأجابه كثير منهم، وفرّ منه خلق كثير إلى بلدان شتى خوفا من شرّه، ولم يمتنع عليه إلا هجر (٢) - وهى مدينة البحرين (٣) ومنزل سلطانها، وبها التجار والوجوه - فنازلها شهورا يقاتل أهلها، ثم وكل بها رجلا.
وارتفع فنزل الأحساء (٤) - وبينها وبين هجر ميلان - فابتنى بها دارا، وجعلها منزلا، وتقدم فى زراعة الأرض وعمارتها، وكان يركب إلى هجر، ويحارب أهلها، ويعقب قومه على حصارها.
ودعا العرب فأجابه بنو الأضبط من كلاب، وساروا إليه بحرمهم وأموالهم، فأنزلهم (٥) الأحساء، وأطمعوه فى بنى كلاب، وسائر من يقرب منه من العرب فضم إليهم رجالا، وساروا فأكثروا من القتل، وأقبلوا بالحريم والأموال والأمتعة إلى الأحساء، فدخل الناس فى طاعته، فوجّه جيشا إلى بنى عقيل فظفر بهم، ودخلوا فى طاعته.
стр. 205
فلما اجتمع إليه العرب منّاهم ملك الأرض كلها، وردّ إلى من أجابه من العرب ما كان أخذ منهم من أهل وولد، ولم يرد عبدا ولا أمة ولا إبلا ولا صبيا إلا أن يكون دون الأربع سنين.
وجمع الصبيان فى دور وأقام عليهم قوما، وأجرى عليهم ما يحتاجون إليه، ووسمهم لئلا يختلطون بغيرهم، ونصب لهم عرفاء، وأخذ يعلمهم ركوب الخيل والطعان، فنشئوا لا يعرفون غير الحرب، وقد صارت دعوته طبعا لهم.
وقبض كلّ مال فى البلد، والثمار، والحنطة، والشعير.
وأقام رعاة للإبل والغنم، ومعهم قوم لحفظها، والتنقل معها على نوب معروفة.
وأجرى على أصحابه جرايات فلم يكن يصل لأحد غير ما يطعمه.
هذا وهو لا يغفل عن هجر، وطال حصاره لهم على نيف وعشرين شهرا حتى أكلوا الكلاب، فجمع أصحابه، وعمل دبابات، ومشى بها الرجال إلى السور، فاقتتلوا يومهم، وكثر بينهم القتلى، ثم انصرف عنهم إلى الأحساء، وباكرهم فناوشوه، فانصرف إلى قرب الأحساء، ثم عاد فى خيل، فدار حول هجر يفكر فيما يكيدهم به، فإذا لهجر عين عظيمة كثيرة الماء، تخرج من نشز من الأرض غير بعيد منها، فيجتمع ماؤها فى نهر يستقيم حتى يمر بجانب هجر، ثم ينزل إلى النخل فيسقيه، فكانوا لا يفقدون الماء فى حصارهم.
فلما تبيّن له أمر العين انصرف إلى الأحساء، ثم غدا فأوقف على باب المدينة رجالا كثيرا، ورجع إلى الأحساء، وجمع الناس كلهم، وسار فى آخر الليل فورد العين بكرة بالمعاول والرمل وأوقار الثياب الخلقان ووبر وصوف، وأمر بجمع الحجارة ونقلها إلى العين، وأعدّ الرمل والحصى والتراب، ثم أمر بطرح الوبر والصوف وأوقار الثياب فى العين، وطرح فوقها الرمل والحصى والتراب والحجارة، فقذفته العين، ولم يعن (١) ما فعله شيئا، فانصرف إلى الأحساء بمن معه.
стр. 206
وغدا فى خيل فضرب البر حتى عرف أن منتهى العين بساحل البحر، وأنها تنخفض كلما نزلت، فردّ جميع من كان معه، وانحدر على النهر نحوا من ميلين، ثم أمر بحفر نهر هناك، وأقبل يركب هو وجمعه فى كل يوم والعمال يعملون حتى (١) حفره إلى السباخ، ومضى الماء كله فصبّ فى البحر ثم سار فنزل على هجر - وقد انقطع الماء عنهم - ففر بعضهم فركب البحر، ودخل بعضهم فى دعوته، وخرجوا إليه فنقلهم إلى الأحساء، وبقيت طائفة لم يفرّوا لعجزهم، ولم يدخلوا فى دعوته فقتلهم، وأخذ ما فى المدينة، وأخربها فبقيت خرابا، وصارت مدينة البحرين هى الأحساء.
ثم أنفذ سريّة إلى عمان فى ستمائة، وأردفهم بستمائة أخرى، فقاتلهم أهل عمان حتى تفانوا، وبقى من أهل عمان خمسة نفر، ومن القرامطة ستة نفر، فلحقوا بأبى سعيد، فأمر بهم فقتلوا، وقال:
«هؤلاء خاسوا بعهدى ولم يواسوا أصحابهم الذين قتلوا».
وتطيّر بهلاك السريّة، وكفّ عن أهل عمان.
واتصل بالمعتضد بالله خبره، فخاف منه على البصرة، فأنفذ العباس بن عمرو الغنوى (٢) فى ألفى رجل، وولاّه البحرين، فخرج فى سنة تسع وثمانين ومائتين والتقى مع أبى سعيد، فانهزم أصحابه، وأسر العباس فى نحو من سبعمائة رجل من أصحابه، واحتووا على عسكره، وقتل من غده (٣) جميع الأسرى، ثم أحرقهم وترك العباس؛ ومضى المنهزمون فتاه أكثرهم فى البر، وتلف كثير منهم عطشا، وورد بعضهم إلى البصرة، فارتاع الناس وأخذوا فى الرحيل عن البصرة.
ثم لما كان بعد الوقعة بأيام أحضر أبو سعيد العباس بن عمرو وقال له.
стр. 207
«أتحب أن أطلقك»؟
قال: «نعم».
قال: «على أن تبلّغ عنى ما أقول صاحبك».
قال: «أفعل».
قال: «تقول له: الذى أنزل بجيشك ما أنزل بغيك، هذا بلد خارج عن يدك، غلبت عليه، وقمت به، وكان بى من الفضل ما آخذ به غيره، فما عرضت لما كان فى يدك، ولا هممت به، ولا أخفت لك سبيلا، ولا نلت أحدا من رعيتك بسوء؛ فتوجيهك إلىّ الجيوش لأى سبب؟ اعلم أنى لا أخرج عن هذا البلد، ولا توصل إليه وفى هذه العصابة التى معى روح، فاكفنى نفسك، ولا تتعرض لما ليس لك فيه فائدة، ولا تصل إلى مرادك [منه] (١) إلا ببلوغ القلوب الحناجر».
وأطلقه، وبعث معه من يرده إلى مأمنه، فوصل إلى بغداد فى شهر رمضان، وقد كان الناس يعظمون أمره ويكثرون ذكره، ويسمونه «قائد الشهداء»، فلما وصل إلى المعتضد عاتبه على تركه التحرز فاعتذر، ولم يبرح حتى رضى عنه.
وسأله عن خبره، فعرّفه جميعه، وبلّغه ما قال القرمطى، فقال:
«صدق، ما أخذ شيئا كان فى أيدينا».
وأطرق مفكرا، ثم رفع رأسه وقال:
«كذب عدو الله الكافر، المسلمون رعيتى حيث كانوا من بلاد الله، والله لئن طال بى عمرى لأشخصن بنفسى إلى البصرة وجميع غلمانى، ولأوجهن إليه جيشا كتيفا، فإن هزمه وجهت جيشا، فإن هزمه خرجت فى جميع قوادى وجيشى إليه حتى يحكم الله بينى وبينه».
فشغل المعتضد عن القرمطى بأمر وصيف غلام أبى الساج.
ثم توفى فى ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين، وما يزال يذكر أبا سعيد الجنابى فى مرضه، ويتلهف ويقول:
стр. 208
«حسرة فى نفسى كنت أحب أن أبلغها قبل موتى، والله لقد كنت وضعت عند نفسى أن أركب ثم أخرج نحو البحرين، ثم لا ألقى أحدا أطول من سيفى إلا ضربت عنقه، وإنى أخاف أن يكون من هناك حوادث عظيمة».
وأقبل أبو سعيد - بعد إطلاق العباس - على جمع الخيل، وإعداد السلاح، ونسج الدروع والمغافر، واتخاذ الإبل، وإصلاح الرجال، وضرب السيوف والأسنة، واتخاذ الروايا والمزاد والقرب (١)، وتعليم الصبيان الفروسية، وطرد الأعراب من قريته، وسدّ الوجوه التى يتعرف منها أمر بلده وأحواله بالرجال، وإصلاح أراضى المزارع وأصول النخل، وإصلاح مثل هذه الأمور وتفقدها، ونصب الأمناء على ذلك، وأقام العرفاء على الرجال، واحتاط على ذلك كله، حتى بلغ من تفقده أن الشاة إذا ذبحت يتسلم العرفاء اللحم ليفرقوه على من ترسم لهم، ويدفع الرأس والأكارع والبطن إلى العبيد والإماء، ويجز الصوف والشعر من الغنم ويفرقه على من يغزله، ثم يدفعه إلى من ينسجه عبيا وأكسية وغرائر وجوالقات، ويفتل منه حبال، ويسلم الجلد إلى الدباغ، ثم إلى خرّازى القرب والروايا، والمزاد؛ وما كان من الجلود يصلح نعالا وخفا فأعمل (٢) منه، ثم يجمع ذلك كله إلى خزائن.
فكان ذلك دأبه لا يغفله، ويوجه كلّ قليل خيلا إلى ناحية البصرة، فتأخذ من وجدت، وتصير بهم إليه ويستعبدهم، فزادت بلاده، وعظمت هيبته فى صدور الناس.
وواقع بنى ضبة وقائع مشهورة فظفر بهم، وأخذ منهم خلقا، وبنى لهم حبسا عظيما جمعهم فيه، وسدّه عليهم، ومنعهم الطعام والشراب، فصاحوا فلم يغثهم، فمكثوا على ذلك شهرا، ثم فتح عليهم فوجد أكثرهم موتى، ويسيرا بحال الموتى وقد تغذوا بلحوم الموتى، فحصاهم وخلاهم فمات أكثرهم.
وكان قد أخذ من عسكر العباس خادما له جعله على طعامه وشرابه، فمكث مدة طويلة لا يرى أبا سعيد فيها مصليا صلاة واحدة، ولا يصوم فى شهر رمضان ولا فى غيره، فأضمر الخادم قتله، حتى إذا دخل الحمام معه - وكانت الحمام فى داره - فأعدّ الخادم خنجرا ماضيا
стр. 209
- والحمام خال - فلما تمكن منه ذبحه، ثم خرج فقال: «يدعى فلان»، لبعض بنى سنبر فأحضر، فلما دخل قبضه وذبحه، فلم يزل ذلك دأبه حتى قتل جماعة من الرؤساء والوجوه، فدخل آخرهم فإذا فى البيت الأول دم جار، فارتاب وخرج مبادرا، وأعلم الناس، فحصروا الخادم حتى دخلوه، فوجدوا الجماعة صرعى، [٢٦ ب؟؟؟] وذلك فى سنة إحدى وثلاثمائة، وقيل اثنتين وثلاثمائة، وكان قتله بأحساء من البحرين.
وكانت سنّه يوم قتله نيفا وستين سنة.
وترك أبو سعيد من الأولاد:
أبا القاسم سعيدا.
وأبا طاهر سليمان.
وأبا منصور أحمد.
وأبا إسحاق إبراهيم.
وأبا العباس محمدا.
وأبا يعقوب يوسف.
وكان أبو سعيد قد جمع رؤساء دولته، وأوصى إن حدث به موت يكون القيم بأمرهم سعيد ابنه إلى أن يكبر أبو طاهر، وكان أبو طاهر أصغر سنا من سعيد، فإذا كبر أبو طاهر كال المدبر؛ فلما قتل جرى الأمر على ذلك.
وكان قد قال لهم سيكون الفتوح له، فجلس سعيد يدبر الأمر بعد قتل [أبيه]، وأمر فشدّ الخادم بحبال، وقرض لحمه بالمقاريض حتى مات؛ فلما كان فى سنة خمس وثلاثمائة سلّم سعيد إلى أخيه أبى طاهر سليمان الأمر، فعظموا أمره.
وكان ابتداء أمر أبى سعيد الحسن (١) بن بهرام الجنابى بالقطيف وما والاها فى سنة ست وثمانين ومائتين؛ فكانت مدته نحو خمس عشرة سنة.
стр. 210
الصناديقى
وفيها استولى النجار أبو القاسم الحسن بن فرج الصناديقى على اليمن، وكانت جيوشه بالمذيخرة (١) وسهفنة (٢)، وكان ابن أبى الفوارس - أحد دعاة عبدان - أنفذه داعيا إلى اليمن، وكان من أهل النرس (٣) - موضع يعمل فيه الثياب النرسى، وكان يعمل من الكتان - فصار إلى اليمن، ودخل فى دعوته خلق كثير، فأظهر العظائم وقتل الأطفال، وسبا النساء، وتسمّى برب العزّة، وكان يكاتب بذلك، وأعلن سبّ النبى ﷺ وسائر الأنبياء، واتخذ دارا خاصة (٤) سماها «دار الصفوة» يجتمع فيها النساء ويأمر الرجال بمخالطتهن ووطئهن، ويحفظ من تحبل منهن فى تلك الليلة ومن تلد من ذلك، ويتخذ تلك الأولاد لنفسه خولا، ويسميهم «أولاد الصّفوة».
قال بعضهم:
«دخلت إليها لأنظر فسمعت امرأة تقول: «يا بنى»، فقال: يا أمة نريد أن نمضى أمر ولى الله فينا».
وكان يقول: «إذا فعلتم هذا لم يتميز مال من مال، ولا ولد من ولد، فتكونوا كنفس واحدة».
فعظمت فتنته باليمن، وأجلى أكثر أهله عنه، وأجلى السلطان، وقاتل أبا القاسم محمدا
стр. 211
ابن يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الحسنى الهادى (١)، وأزاله عن عمله من صعدة ففرّ منه بعياله إلى الرسّ، ثم أظفره الله به فهزمه بأمر إلهى، وهو أن الله جلّت قدرته ألقى على عسكره وقد بايته بردا وثلجا قتل به أكثر أصحابه فى ليلة واحدة، وقلّما عرف مثل ذلك فى تلك الناحية.
وسلّط الله عليه الأكلة، وذلك أن القاسم أنفذ إليه طبيبا بمبضع مسموم فصده به فقتله؛ وأنزل الله بالبلدان التى غلب عليها بثرا يخرج فى كتف الرجل منهم بثرة فيموت سريعا، فسمى ذلك البثر - بتلك البلاد - «حبّة القرمطى» مدة من الزمان.
وأخرب الله أكثر تلك البلاد التى ملكها، وأفنى أهلها بموت ذريع، فاعتصم ابنه بجبال وأقام بها، وكاتب أهل دعوتهم، وعنون كتبه:
«من ابن ربّ العزّة».
فأهلكه الله، وبقى منهم بقية، فاستأمنوا إلى القاسم بن أحمد الهادى، ولم يبق للنجار - لعنه الله - ولا لمن كان على دعوته بقية.
وكان قرمط يكاتب من بسلمية، فلما مات من كان فى وقته، وخلفه ابنه من بعده كتب إلى قرمط فأنكر منه أشياء، فاستراب وبعث ابن مليح - أحد دعاته - ليعرف الخبر فامتنع، فأنفذ عبدان، وعرف موت الذى كانوا يكاتبونه، فسأل ابنه عن الحجّة، ومن الإمام الذى يدعو إليه، فقال الابن:
«ومن الإمام؟»
فقال عبدان: «محمد بن إسماعيل بن جعفر صاحب الزمان».
فأنكر ذلك وقال: «لم يكن إمام غير أبى، وأنا أقوم مقامه».
стр. 212
فرجع عبدان إلى قرمط؛ وعرّفه الخبر، فجمع الدعاة وأمرهم بقطع الدعوة حنقا من قول صاحب سلمية: «لا حق لمحمد بن إسماعيل فى هذا الأمر ولا إمامة».
وكان قرمط إنما يدعو إلى إمامة محمد بن إسماعيل، فلما قطعوها من ديارهم لم يمكنهم قطعها من غير ديارهم، لأنها امتدت فى سائر الأقطار، ومن حينئذ قطع الدعاة مكاتبة الذين كانوا بسلمية (١).
وكان رجل منهم قد نفذ إلى الطّالقان يبثّ الدعوة، فلما انقطعت المكاتبة طال انتظاره، فشخص يسأل عن قرمط، فنزل على عبدان بسواد الكوفة، فعتبه وعتب الدعاة فى انقطاع كتبهم، فعرّفه عبدان قطعهم الدعوة، وأنهم لا يعودون فيها، وأنه تاب من هذه الدعوة حقيقة، فانصرف عنه إلى زكرويه بن مهرويه ليدعو كما كان أبوه، ويجمع الرجال، فقال زكرويه:
«إن هذا لا يتم مع عبدان لأنه داعى البلد كله والدعاة من قبله، والوجه أن نحتال على عبدان حتى نقتله».
وباطن (٢) على ذلك جماعة من قرابته وثقاته، وقال لهم:
«إن عبدان قد نافق وعصى وخرج من الملة».
فبيتوه ليلا وقتلوه، فشاع ذلك، وطلب الدعاة وأصحاب قرمط زكرويه بن مهرويه ليقتلوه فاستتر، وخالفه القوم كلهم إلا أصل دعوته، وتنقل فى القرى - وذلك فى سنة ست وثمانين - والقرامطة تطلبه إلى سنة ثمان وثمانين، فأنفذ ابنه الحسن إلى الشام، ومعه من القرامطة رجل يقال له أبو الحسين القاسم بن أحمد، وأمره أن يقصد بنى كلاب، وينتسب إلى محمد بن إسماعيل، ويدعوهم إلى الإمام من ولده، فاستجاب له فخذ من بنى العليص ومواليهم وبايعوه، فبعث إلى زكرويه يخبر بمن استجاب له بالشام، فضم إليه
стр. 213
ابن أخيه - فتسمى بالمدثّر لقبا، وبعبد الله اسما، وتأول أنه المذكور فى القرآن بالمدثّر ويقال (١) إن المدثر هذا اسمه عيسى بن مهدى، وأنه تسمى عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل ابن جعفر الصادق، وعهد إليه صاحب الخال من بعده (١)، وغلاما من بنى مهرويه يتلقب بالمطوّق (٢) - وكان سيافا (٣) -
وكتب إلى ابنه الحسن يعرّفه أنه ابن الحجة، ويأمره بالسمع والطاعة له، وابن الحجة هذا ادعى أنه محمد بن عبد الله، وقيل (٤) على بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وأنكر قوم هذا النسب، وقالوا إنما اسمه يحيى بن زكرويه بن مهرويه، وكنيته أبو القاسم، ويلقب بالشيخ ويعرف بصاحب الناقة، وبصاحب الجمل، وهو أخو صاحب الخال، القائم من بعده (٤)، فسار حتى نزل فى بنى كليب (٥)، فلقيه الحسن بن زكرويه، وسرّ به، وجمع له الجمع، وقال: «هذا صاحب الامام»، فامتثلوا أمره، وسروا به، فأمرهم بالاستعداد للحرب، وقال: «قد أظلكم النصر»، ففعلوا ذلك.
واتصلت أخبارهم بشبل الديلمى - مولى المعتضد - فى سنة تسع وثمانين، فقصدهم، فحاربوه وقتلوه فى عدة من أصحابه بالرّصافة من غربى الفرات، ودخلوها فأحرقوا مسجدها ونهبوا.
وساروا نحو الشام يقتلون ويحرقون القرى وينهبونها إلى أن وردوا أطراف دمشق، وكان عليها طغج بن جفّ من قبل هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون - فبرز إليهم فهزموه وقتل كثير من أصحابه، والتجأ إلى دمشق فحصروه وقاتلوه.
وكان القرمطى يحضر الحرب على ناقة، ويقول لأصحابه:
«لا تسيروا من مصافكم حتى تنبعث بين أيديكم، فإذا سارت فاحملوا، فإنه لا تردّ لكم راية، إذ (٦) كانت مأمورة».
стр. 214
فسمى بذلك: «صاحب الناقة».
فأقام طغج سبعة أشهر محصورا بدمشق، فكتب إلى مصر بأنه محصور وقد قتل أكثر أصحابا وضرب البلد، فأنفذ إليه بدر الكبير - غلام ابن طولون المعروف بالحمّامى - فسار حتى قرب من دمشق، فاجتمع هو وطغج على محاربة القرمطى بقرب دمشق، فقتل القرمطى واحتمى أصحابه وانحازوا، فمضوا، وكان [القرمطى] قد ضرب دراهم ودنانير وكتب عليها:
«قل جاء الحق وزهق الباطل».
وفى الوجه الآخر: «(١) لا إله إلا الله (١)، قل لا أسألكم عليه أجرا (٢) إلا المودة فى القربى».
فلما انصرف القرامطة عن دمشق وقد قتل محمد بن عبد الله «صاحب الناقة» بايعوا الحسن بن زكرويه - وهو الذى يقال له أحمد بن عبد الله، ويقال عبد الله بن أحمد بن محمد ابن إسماعيل بن جعفر الصادق، ويعرف «بصاحب الخال» -، فسار بهم، وافتتح عدة مدن من الشام، وظهر على حمص، وقتل خلقا، وتسمى بأمير المؤمنين المهدى على المنابر وفى كتبه، وذلك فى سنة تسع وثمانين وبعض سنة تسعين.
ثم صاروا إلى الرقّة، فخرج إليهم مولى المكتفى وواقعهم فهزموه وقتلوه، واستباحوا عسكره، ورجعوا إلى دمشق وهم ينهبون جميع ما يمرون به من القرى، ويقتلون ويسبون، فخرج إليهم جيش كثيف عليه بشير - غلام طغج - وقاتلهم حتى قتل فى خلق من أصحابه.
واتصل ذلك بالمكتفى بالله فندب أبا الأغرّ السلمى - فى عشرة آلاف - وخلع عليه لثلاث عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة تسعين، فسار حتى نزل حلب، ثم خرج فوافاه جيش القرامطة غفلة يقدمهم المطوّق، فانهزم أبو الأغرّ، وركبت القرامطة أكتاف الناس يقتلون ويأسرون حتى حجز بينهم الليل وقد أتوا على عامة العسكر، ولحق أبو الأغر بطائفة من
стр. 215
أصحابه، فالتجئوا بحلب، وصار فى نحو الألف، فنازله القرامطة، فلم يقدروا منه على شيء فانصرفوا.
وجمع الحسن بن زكرويه بن مهرويه أصحابه، وسار بهم إلى حمص، فخطب له على منابرها.
ثم سار إلى حماة والمعرة، فقتل الرجال والنساء والأطفال، ورجع إلى بعلبك فقتل عامة أهلها.
ثم سار إلى سلمية فحارب أهلها وامتنعوا منه فأمّنهم، ودخلها فبدأ بمن فيها من بنى هاشم - وكانوا جماعة - فقتلهم.
ثم كرّ على أهلها فقتلهم أجمعين، وخرّبها، وخرج عنها وما بها عين تطرف، فلم يمر بقرية إلا أخربها، ولم يدع فيها أحدا، فخرّب البلاد وقتل الناس، ولم يقاومه أحد، وفنيت رجال طغج (١)، وبقى فى عدة يسيرة، فكانت القرامطة تقصد دمشق فلا يقاتلهم إلا العامة وقد أشرفوا على الهلكة، فكثر الضجيج ببغداد، واجتمعت العامة إلى يوسف بن يعقوب القاضى، وسألوه إنهاء الخبر إلى السلطان.
ووردت الكتب من مصر إلى المكتفى بخبر قتل عسكرهم الذى خرج إلى الشام بيد القرامطة، وخراب الشام، فأمر المكتفى الجيش بالاستعداد، وخرج إلى مضربه فى القواد والجند لاثنتى عشرة خلت من رمضان، ومضى نحو الرقّة بالجيوش حتى نزلها، وانبثت الجيوش بين حلب وحمص، وقلّد محمد بن سليمان حرب الحسن بن زكرويه، واختار له جيشا كثيفا - وكان صاحب ديوان العطاء -.
وعارض الجيش فسار إليهم والتقاهم لست خلون من المحرم سنة إحدى وتسعين ومائتين بموضع بينه وبين حماة اثنا عشر ميلا، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى حجز الليل بينهم، وقتل عامة رجال القرامطة فولوا مدبرين.