← История

История · id 176

اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا

المقريزي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وكانت جملتها أربعة وعشرين ألف ألف دينار، وذلك فى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، فأنفقها أجمع على العساكر التى سيّرها إلى مصر - فى سنتى ثمان وتسع وخمسين - مع القائد جوهر. وكان رحيله فى رابع عشر ربيع الأول منها، ومعه ألف حمل مال، ومن السلاح والخيل والعدد ما لا يوصف، فقدم جوهر إلى مصر، ووصلت البشارة بفتحها فى نصف رمضان سنة ثمان وخمسين، فسرّ المعز سرورا كثيرا وأنشده ابن هانئ قصيدة أولها: يقول بنو العباس: هل فتحت مصر؟ … فقل لبنى العباس: قد قضى الأمر ولما وصلت البشارة من الشام بكسر عسكر أبى عبد الله الحسن بن أحمد القرمطى - المعروف بالأعصم (١) - أنشده ابن هانئ قصيدة منها: ما شئت لا ما شاءت الأقدار، … فاحكم فأنت الواحد القهّار وأنشد أيضا أخرى أولها: وعلى (٢) أمير المؤمنين مظلّة … زاحمت تحت لوائها جبريلا وفى سنتى ستين وإحدى وستين قال: ولقد وصلنا إلى برقة ومعنا خمسون ألف دينار. ولما أنفذ جوهر إلى مصر، وبرز يريد المسير إلى مصر، بعث [المعز] خفيفا الصّقلبى - صاحب السّتر (٣) - إلى شيوخ كتامة، يقول:

стр. 142

«يا إخواننا: قد رأينا أن ننفذ رجالا من.؟؟؟ بلدان كتامة، يقيمون بينهم، ويأخذون صدقاتهم ومراعيهم، ويحفظونها علينا فى بلادهم، فإذا احتجنا إليها أنفذنا خلفها فاستعنا بها على ما نحن بسبيله». فقال بعض شيوخهم لخفيف - وقد بلّغهم ذلك -: «قل لمولانا: والله لا فعلنا هذا أبدا. كيف تؤدى كتامة الجزية، ويصير عليها فى الديوان ضريبة؟؟ وقد أعزّها الله قديما بالإسلام، وحديثا معكم بالإيمان، وسيوفنا بطاعتكم فى المشرق والمغرب؟». فعاد خفيف بذلك إلى المعز، فأمر باحضار جماعة كتامة، فدخلوا عليه وهو راكب فرسه، فقال: «ما هذا الجواب الذى صدر عنكم؟». فقالوا: «نعم هو جواب جماعتنا، ما كنا يا مولانا بالذى يؤدى جزية تبقى علينا». فقام [المعز] فى ركابه، وقال: «بارك الله فيكم، فهكذا أريد أن تكونوا، وإنما أردت أن أجربكم، فانظروا كيف أنتم بعدى إذا سرنا عنكم إلى مصر، هل تقبلون هذا أو تفعلونه وتدخلون تحته ممن يرومه منكم؟ والآن سررتمونى بارك الله فيكم». وكتب إلى جوهر - وهو بمصر - من الغرب: «وأما ما ذكرت يا جوهر من أن جماعة من بنى حمدان وصلت إليك كتبهم، يبذلون الطاعة، ويعدون بالمسارعة فى المسير إليك، فاسمع لما أذكره لك: احذر أن تبتدئ أحدا من بنى حمدان بمكاتبة - ترهيبا له ولا ترغيبا -، ومن كتب إليك منهم فأجبه بالحسن الجميل، ولا تستدعه إليك؛ ومن ورد إليك منهم فأحسن إليه، ولا تمكّن أحدا منهم من قيادة جيش ولا ملك طرف، فبنو حمدان يتظاهرون بثلاثة أشياء، عليها مدار العالم، وليس لهم فيها نصيب: يتظاهرون بالدين، وليس لهم فيه نصيب؛ ويتظاهرون بالكرم وليس لواحد منهم كرم فى الله؛ ويتظاهرون بالشجاعة، وشجاعتهم للدنيا لا للآخرة؛ فاحذر كل الحذر من الاستنامة إلى أحد منهم»

стр. 143

ولما عزم [المعز] على المسير إلى مصر أجال فكره فيمن يخلفه بالمغرب، فوقع اختياره على أبى أحمد جعفر بن على الأمير، فاستدعاه، وأسرّ إليه أنه يريد استخلافه بالمغرب، فقال: «تترك معى أحد أولادك أو إخوتك جالسا فى القصر وأنا أدبّر، ولا تسألنى عن شيء من الأموال إن كان ما أجبيه (١) بازاء ما أنفقه؛ وإذا أردت أمرا فعلته ولم أنتظر ورود الأمر فيه، لبعد ما بين مصر والمغرب، ويكون تقليد القضاء والخراج وغيره من قبل نفسى». فغضب المعز وقال: «يا جعفر: عزلتنى عن ملكى، وأردت أن تجعل لى شريكا فى أمرى» واستبددت بالأموال والأعمال دونى، قم فقد أخطأت حظّك، وما أصبت رشدك». فخرج. واستدعى المعزّ يوسف بن زيرى الصنهاجى، وقال له: «تأهب لخلافة المغرب» فأكبر ذلك وقال: «يا مولانا: أنت وآباؤك الأئمة من ولد رسول الله ﷺ ما صفا لكم المغرب، [فكيف] يصفو لى وأنا صنهاجى بربرى؟ قتلتنى يا مولاى بلا سيف ولا رمح». ولم يزل به حتى أجاب وقال: «يا مولانا: بشريطة أن تولى القضاء والخراج لمن تراه وتختاره، والخبر لمن تثق به، وتجعلنى أنا قائما بين أيديهم، فمن استعصى عليهم أمرونى به حتى أعمل فيه ما يجب، ويكون الأمر لهم وأنا خادم بين ذلك». فحسن هذا من المعز [وشكره، فلما انصرف] (٢) قال له عم أبيه أبو طالب أحمد بن المهدى عبيد الله: «يا مولانا: وتثق بهذا القول من يوسف أنه يفى بما ذكره؟» فقال [المعز]: «يا عمنا: كم بين قول يوسف وقول جعفر؟ واعلم يا عم أن الأمر الذى طلبه

стр. 144

جعفر ابتداء هو آخر ما يصير إليه أمر يوسف، فإذا تطاولت المدة سينفرد بالأمر، ولكن هذا أولى وأحسن وأجود عند ذوى العقل، وهو نهاية ما يفعله من يترك دياره». ووجّهت أمّ الأمراء من المغرب بصبيّة ربّتها لتباع فى مصر، فطلب الوكيل فيها ألف دينار، فجاءت امرأة شابة على حمار، فلم تزل حتى اشترتها منه بستمائة دينار، وقيل له يا مغربى: «هذه بنت الاخشيد اشترت الجارية تتمتع بها، وهى ست كافور». فلما عاد أخبر المعز بذلك، فأمر بإحضار الشيوخ، وأمر الرجل فحدثهم بخبر الجارية، ثم قال: «يا إخواننا: انهضوا إليهم، فلن يحول بينكم وبينهم شيء، وإذا كان قد بلغ بهم الترف إلى أن صارت امرأة من بنات ملوكهم تخرج وتشترى لنفسها جارية تتمتع بها فقد ضعفت نفوس رجالهم، وذهبت الغيرة منهم، فانهضوا بنا إليهم». فقالوا: «السمع والطاعة». فقال: «خذوا فى حوائجكم، فنحن نقدم الاختيار لمسيرنا إن شاء الله». ولما عزم المعز على الرحيل إلى مصر أتاه بلكّين (١) بن زيرى بألفى جمل من إبل زناتة، وحمل ما له بالقصور من الذخائر، وسبك الدنانير على شكل الطواحين، جعل على كل جمل قطعتين، فى وسط كل قطعة ثقبا تجمع به القطعة إلى الأخرى، فاستعظم ذلك الجند والرعيّة، وصاروا يقفون فى الطرق لرؤية بيت المال المحمول. وخرج المعز من المغرب يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وخرج من المنصورية ومعه بلكّين - واسمه يوسف - إلى سردانية (٢) من بلاد إفريقية، فسلم إليه إفريقية والمغرب يوم الأربعاء لتسع بقين من ذى الحجة، وأمر سائر الناس له بالسمع والطاعة، وفوّض

стр. 145

إليه أمور البلاد، ما خلا جزيرة صقلية - فإنه ترك أمرها لحسن بن على بن أبى الحسين (١) -، وطرابلس وأعمالها. وقال له: «إن نسيت، ما وصيناك به فلا تنس ثلاثة أشياء: إياك أن ترفع الجباية عن أهل البادية، ولا ترفع السيف عن البربر، ولا تولّ أحدا من إخوتك وبنى عمك، فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك؛ وافعل مع أهل الحاضرة خيرا». وفارقه. وكان قيصر ومظفر الصقلبيان قد بلغا رتبة عظيمة عند المنصور والمعز، وكان المظفر يدلّ على المعز لأنه علّمه الخطّ وهو صغير، فاتفق أنه حرد يوما، فسمعه المعز يتكلم بكلمة صقلبية استراب بها، فأخذ المعزّ نفسه بحفظ اللغات، فابتدأ بالبربرية فأحكمها، ثم بالرومية، ثم بالسودانية، ثم استدعى الصقلبية فمرّت به تلك الكلمة فيها، فإذا هى شتمة، فبقيت فى نفسه حتى قتلهما. وبلغه - وهو بالمغرب - أمر الحرب من بنى حسن وبنى جعفر بن أبى طالب [بالحجاز]، وأنه قتل من بنى الحسن أكثر ممن قتل بنو حسن من بنى جعفر، فأنفذ مالا ورجالا سرا سعوا بين الطائفتين حتى اصطلحوا، وتحملوا الحمالات عنهما. وكان فاضل القتلى لبنى حسن عند بنى جعفر سبعين قتيلا، فأدّى القوم ذلك إليهم، وعقدوا بينهم فى المسجد الحرام صلحا، وتحملوا دياتهم من مال المعز، وذلك فى سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، فصار ذلك جميلا عند بنى حسن للمعز، فلما دخل جوهر [مصر] بادر حسن بن جعفر الحسنى فملك مكة ودعا للمعز، وكتب إلى جوهر بذلك، فبعث بالخبر إلى المعز، فأنفذ من المغرب إليه بتقليد الحرم وأعماله.

стр. 146

[١٦] ذكر بناء القاهرة قال أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق (١) المصرى فى كتاب «إتمام أخبار أمراء مصر للكندى» - رحمهما الله -: «وفى جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة صحت الأخبار بمسير عساكر المعز لدين الله من المغرب إلى مصر، عليها عبده جوهر، وكانت بمصر للمعز دعاة استدعوا خلقا فى البلد؛ وكانوا يقولون: «إذا زال الحجر الأسود ملك مولانا المعزّ لدين الله الأرض كلّها، وبيننا وبينكم الحجر الأسود - يعنون كافور الإخشيدى -»، فلما مات كافور أنفذ المعزّ إلى دعاته بنودا، وقال: «فرقوها على من يبايع من الجند»، وأمرهم إذا قربت العساكر ينشرونها، فلما قربت العساكر من الإسكندرية جمع الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد ابن موسى بن الحسن بن الفرات (٢) الناس وشاورهم، فاتفقوا على مراسلة جوهر، وأن يشترطوا

стр. 147

عليه شروطا، وأنهم يسمعون له ويطيعونه، ثم اجتمعوا على محاربته، ثم انحل ذلك، وعادوا إلى المراسلة بالصلح. وكانت رسل جوهر ترد سرّا إلى ابن الفرات، ثم اتفقوا على خروج أبى جعفر مسلم الحسينى، وأبى إسماعيل الرسّى، ومعهما القاضى أبو طاهر، وجماعة، فبرزوا إلى الجيزة لاثنتى عشرة بقيت من رجب، ولم يتأخر عن تشييعهم قائد، ولا كاتب، ولا عالم، ولا شاهد، ولا تاجر، وساروا فلقوا جوهر بتروّجة (١) ووافقوه، واشترطوا عليه، فأجابهم إلى ما التمسوه، وكتب لهم: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من جوهر الكاتب - عبد أمير المؤمنين المعز لدين الله - صلوات الله عليه - لجماعة أهل مصر الساكنين بها، من أهلها ومن غيرهم: أنه قد ورد من سألتموه الترسل والاجتماع معى، وهم: أبو جعفر مسلم الشريف - أطال الله بقاءه - وأبو إسماعيل الرسّى - أيّده الله - وأبو الطيّب الهاشمى - أيّده الله -. وأبو جعفر أحمد بن نصر - أعزّه الله - والقاضى - أعزّه الله -. وذكروا عنكم أنكم التمستم كتابا يشتمل على أمانكم فى أنفسكم وأموالكم وبلادكم وجميع أحوالكم، فعرفتم ما تقدّم به أمر مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - وحسن نظره لكم. فلتحمدوا الله على ما أولاكم، وتشكروه على ما حماكم، وتدأبوا فيما يلزمكم، وتسارعوا إلى طاعته العاصمة لكم، العائدة بالسلامة لكم، وبالسعادة عليكم، وهو أنه - صلوات الله عليه -

стр. 148

لم يكن إخراجه للعساكر المنصورة، والجيوش المظفرة إلا لما فيه إعزازكم وحمايتكم والجهاد عنكم، إذ قد تخطفتكم الأيدى، واستطال عليكم المستذل وأطمعته نفسه بالاقتدار على بلدكم فى هذه السنة، والتغلب عليه وأسر من فيه، والاحتواء على نعمكم وأموالكم حسب ما فعله فى غيركم من أهل بلدان المشرق، وتأكد عزمه، واشتد كلبه، فعاجله مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - بإخراج العساكر المنصورة، وبادره بانفاذ الجيوش المظفرة دونكم، ومجاهدته عنكم وعن كافة المسلمين ببلدان المشرق، الذين عمّهم الخزى، وشملتهم الذلّة، واكتنفتهم المصائب وتتابعت الرزايا، واتصل عندهم الخوف وكثرت استغاثتهم، وعظم ضجيجهم، وعلا صراخهم، فلم يغثهم إلا من أرمضه أمرهم، ومضّه حالهم، وأبكى عينه ما نالهم، وأسهرها ما حلّ بهم، وهو مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -، فرجا - بفضل الله، وإحسانه لديه، وما عوّده وأجراه عليه - استنقاذ من أصبح منهم فى ذل مقيم، وعذاب أليم، وأن يؤمن من استولى عليه الوهل (١)، ويفرخ روع من لم يزل فى خوف ووجل، وآثر إقامة الحج الذى تعطل وأهمل العباد فروضه وحقوقه لخوف المستولى عليهم، وإذ لا يأمنون على أنفسهم ولا على أموالهم، وإذ قد أوقع بهم مرة بعد أخرى، فسفكت دماؤهم، وابتزت أموالهم، مع اعتماد ما جرت به عادته من صلاح الطرقات، وقطع عبث العابثين فيها، ليتطرق الناس آمنين، ويسيروا مطمئنين، ويتحفوا بالأطعمة والأقوات، إذ كان قد انتهى إليه - صلوات الله عليه - انقطاع طرقاتها، لخوف مادتها، إذ لا زاجر للمعتدين، ولا دافع للظالمين. ثم تجديد السّكّة (٢)، وصرفها إلى العيار الذى عليه السكة الميمونة المنصورية المباركة، وقطع الغش منها، إذ كانت هذه الثلاث خصال هى التى لا يتسع لمن ينظر فى أمور المسلمين إلا إصلاحها، واستفراغ الوسع فيما يلزمه منها.

стр. 149

وما أوعز به مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - إلى عبده من نشر العدل، وبسط الحق، وحسم الظلم، وقطع العدوان، ونفى الأذى، ورفع المؤن، والقيام فى الحق، وإعانة المظلوم مع الشفقة والإحسان، وجميل النظر، وكرم الصحبة، ولطف العشرة، وافتقاد الأحوال، وحياطة أهل البلد فى ليلهم ونهارهم، وحين تصرفهم فى أوان ابتغاء معاشهم، حتى لا تجرى أمورهم إلا على ما لمّ شعثهم، وأقام أودهم، وأصلح بالهم، وجمع قلوبهم، وألّف كلمتهم، على طاعة وليّه ومولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - وما أمر به مولاه من إسقاط الرسوم الجائرة التى لا يرتضى - صلوات الله عليه - بإثباتها عليكم. وأن أجريكم فى المواريث على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وأضع ما كان يؤخذ من تركات موتاكم لبيت المال من غير وصيّة من المتوفى بها، فلا استحقاق لمصيرها لبيت المال. وأن أتقدم فى رمّ مساجدكم، وتزيينها بالفرش والإيقاد، وأن أعطى مؤذنيها وقومتها ومن يؤمّ الناس فيها أرزاقهم، وأدرها عليهم، ولا أقطعها عنهم، ولا أدفعها إلا من بيت المال، لا بإحالة على من يقبض منهم. وغير ما ذكره مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - مما ضمنه كتابه هذا [ما ذكره] من ترسل عنكم - أيدهم الله، وصانكم أجمعين بطاعة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - من أنكم ذكرتم وجوها التمستم ذكرها فى كتاب أمانكم، فذكرتها إجابة لكم، وتطمينا لأنفسكم. [وإلا] فلم يكن لذكرها معنى، ولا فى نشرها فائدة، إذ كان الإسلام سنة واحدة، وشريعة متبعة، وهى إقامتكم على مذهبكم، وأن تتركوا [على] ما كنتم عليه من أداء الفروض فى العلم، والاجتماع عليه فى جوامعكم ومساجدكم، وثباتكم على ما كان عليه سلف الأمة من الصحابة ﵃ والتابعين بعدهم، وفقهاء الأمصار الذين جرت الأحكام بمذاهبهم وفتواهم، وأن يجرى الأذان، والصلاة، وصيام شهر رمضان وفطره، وقيام لياليه، والزكاة، والحج، والجهاد على أمر الله وكتابه، و [ما] نصّه نبيّه ﷺ فى سنته، واجراء أهل الذمة على ما كانوا عليه.

стр. 150

ولكم علىّ أمان الله التام العام، الدائم المتصل، الشامل الكامل، المتجدد المتأكد على الأيام وكرور الأعوام، فى أنفسكم، وأموالكم، وأهليكم، ونعمكم، وضياعكم، ورباعكم، وقليلكم وكثيركم. وعلى أنه لا يعترض عليكم معترض، ولا يتجنى عليكم متجن، ولا يتعقب عليكم متعقب. وعلى أنكم تصانون وتحفظون وتحرسون، ويذبّ عنكم، ويمنع منكم، فلا يتعرض إلى أذاكم، ولا يسارع أحد فى الاعتداء عليكم، ولا فى الاستطالة على قويكم - فضلا عن ضعيفكم -. وعلى أن لا أزال مجتهدا فيما يعمكم صلاحه، ويشملكم نفعه، ويصل إليكم خيره، وتتعرفون بركته، وتغتبطون معه بطاعة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -. ولكم علىّ الوفاء بما التزمته، وأعطيتكم إياه، عهد الله، وغليظ ميثاقه وذمته، وذمة أنبيائه ورسله، وذمة الأئمة موالينا أمراء المؤمنين - قدّس الله أرواحهم -، وذمة مولانا وسيدنا أمير المؤمنين المعز لدين الله - صلوات الله عليه - فتصرّحون بها وتعلنون بالانصراف إليها، وتخرجون إلىّ وتسلمون علىّ، وتكونون بين يدىّ، إلى أن أعبر الجسر، وأنزل فى المناخ (١) المبارك، وتحافظون - من بعد - على الطاعة، وتثابرون عليها، وتسارعون إلى فروضها، ولا تخذلون وليّا لمولانا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -، وتلزمون ما أمرتم به، وفقكم الله وأرشدكم أجمعين». وكتب القائد جوهر الأمان بخطه فى شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين الأخيار».

стр. 151

وكتب بخطه فى هذا الكتاب: «قال جوهر الكاتب عبد أمير المؤمنين - صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين -: كتبت هذا الأمان على ما تقدم به أمر مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -، وعلىّ الوفاء بجميعه لمن أجاب من أهل البلد وغيرهم على ما شرطت فيه. والحمد لله رب العالمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين. وكتب جوهر بخطه فى التاريخ المذكور: وأشهد جوهر على نفسه جماعة الحاضرين وهم: أبو جعفر مسلم بن محمد بن عبيد الله الحسينى. وأبو إسماعيل إبراهيم بن أحمد الرسّى الحسنى. وأبو الطيب العباس بن أحمد الهاشمى. والقاضى أبو الطاهر محمد بن أحمد. وابنه أبو يعلى محمد بن محمد. ومحمد بن مهلب بن محمد. وعمرو بن الحرث بن محمد. وأخذ منه أبو جعفر مسلم كتابا إلى أبى الفضل جعفر بن الفرات - الوزير - وجماعة وجوه الدولة، وخاطب ابن الفرات - فى كتابه - بالوزير بعد مراجعة، وكان قد توقف فى مخاطبته بالوزير، وقال: «ما كان وزير خليفة»، وأجاز الجماعة وحمّلهم، ولم يقبل أبو جعفر مسلم شيئا منه، وأكلت الجماعة معه، وودعوه وانصرفوا، فوافوا لثمان خلون من شعبان». قال ابن زولاق: «سألت أبا جعفر مسلم عند رجوعه عن مقدار العسكر، فقال: «هو مثل جمع عرفات كثرة وعدة»؛ وسألته عن سن القائد جوهر، فقال لى: «نيف وخمسون سنة».

стр. 152

فلما قدم الجماعة انتقض الإخشيدية والكافورية، وكان قد بلغهم ذلك وهم عند القائد جوهر، فتسرعوا فى الانصراف من عنده، وبلغ جوهر - بعد انصرافهم - انتقاض الصلح، فأدرك الجماعة، وأعلمهم بأن القوم قد نقضوا الصلح، وطلب إعادة أمانه إليه، فرفقوا به، فقال للقاضى أبى طاهر: ما تقول يا قاضى فى هذه المسألة؟» فقال: «ما هى»؟ فقال: «ما تقول فيمن أراد العبور إلى مصر ليمضى إلى الجهاد لقتال الروم فمنع، أليس له قتالهم؟» فقال له القاضى: «نعم». فقال: «وحلال قتالهم؟» قال: «نعم». ولما وافى أبو جعفر مسلم ومن معه من عند جوهر جاءه الناس، وركب إليه ابن الفرات فى موكب عظيم، وعنده جماعة الوجوه، فقرأ عليهم كتاب جوهر بالأمان والشرط، وأوصل كتاب ابن الفرات وكتب الجماعة، فامتنع القوم من قبول ذلك، وقال فرح البجكمى للشريف مسلم: «لو جاءنا جدّك بهذا ضربنا وجهه بالسيف». فلامهم ابن الفرات على ذلك، وقال: «أنتم سألتم الشريف هذه المسألة، فلم يقنع حتى أخذ معه أبا إسماعيل - وهو رجل حسنى -، وأخذ معه قاضى المسلمين، وأخذ معه رجلا عباسيا». وسكت الشريف مسلم، فلم يزد على أن قال: «خار الله لكم». واشتغل ابن الفرات يسارر الشريف مسلم، والإخشيدية والكافورية فى خوض، فقالوا كلهم: «ما بيننا وبين جوهر إلا السيف»:

стр. 153

فسلموا على نحرير شويزان بالإمارة، وخرجوا يحجبونه إلى داره، وبقى أحمد بن على بن الإخشيد لا يفكّر فيه. واستعدوا للحرب، وساروا لعشر خلون من شعبان، فنزلوا الجزيرة بالرجال والسلاح، ووافى جوهر الجزيرة، فلما شاهد ما فعلوه عاد إلى منية شلقان (١)، وعبر إلى مصر من ذلك الموضع، وأرسل فاستقبل المراكب الواردة من تنّيس (٢) ودمياط وأسفل الأرض (٣) فأخذها، وتولى العبور إليهم جعفر (٤) بن فلاح عريانا فى سراويل مع جمع من المغاربة، وبلغ الإخشيدية، فأنفذوا نحرير الأرغلى، ويمن الطويل، ومبشر الإخشيدى فى خلق، فساروا إلى الموضع، وكانوا قد وكلوا به مزاحم بن محمد بن رائق فلقوه راجعا، ووقع القتال فقتل خلق من المصريين. وانصرف الناس عشية الأحد النصف من شعبان، فلما كان نصف الليل انصرف من كان بالجزيرة إلى دورهم، وأصبحوا غادين إلى الشام، وقد قتل جماعة، منهم: نحرير الأرغلى، ومبشر الإخشيدى، ويمن الطويل، وخلق كثير. وأصبح الناس على خطة عظيمة، فبكروا فى يوم الاثنين إلى دار الشريف مسلم يسألونه الكتاب إلى جوهر فى إعادة أمانهم، فكتب إليه، وجلس الناس عنده، وقد طاف علىّ بن

стр. 154

الحسين بن لؤلؤ - صاحب الشرطة السفلى (١) - ومعه رسول جوهر، وبند (٢) عليه اسم المعز لدين الله، وبين أيديهما الأجراس بأن لا مئونة ولا كلفة، وأمّن الناس، وفرقت البنود، فنشر كلّ من عنده بند بنده فى درب حارته. وجاء الجواب إلى الشريف وقت العصر، ونسخته بعد البسملة: «وصل كتاب الشريف الجليل - أطال الله بقاءه، وأدام عزّه وتأييده وعلوه - وهو المهنأ بما هنأ به من الفتح الميمون؛ فوقفت على ما سأل من إعادة الأمان الأول، وقد أعدته على حاله. وجعلت إلى الشريف - أعزّه الله - أن يؤمّن كيف رأى وكيف أحب، ويزيد على ما كتبته كيف يشاء، فهو أمانى، وعن إذنى وإذن مولانا وسيدنا أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -. وقد كتبت إلى الوزير - أيّده الله - بالاحتياط على دور الهاربين إلى أن يرجعوا إلى الطاعة، ويدخلوا فيما دخلت فيه الجماعة، ويعمل الشريف - أيّده الله تعالى - على لقائى فى يوم الثلاثاء لسبع عشرة تخلو من شعبان». فاستبشرت الجماعة وابتهجوا، وعملوا على الغدو (٣) إلى الجيزة للقاء جوهر مع الشريف مسلم، وبات الناس على هدوء وطمأنينة. فلما كان غداة يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان خرج الشريف أبو جعفر مسلم، وجعفر بن الفضل بن الفرات، وسائر الأشراف والقضاة والعلماء والشهود ووجوه التجار والرعية إلى الجيزة، فلما تكامل الناس أقبل القائد جوهر فى عساكره، فصاح بعض حجابه:

стр. 155

«الأرض، إلا الشريف والوزير». وتقدّم الناس واحدا واحدا، فلما فرغوا من السلام عليه عاد الناس إلى الفسطاط. فلما زالت الشمس أقبلت العساكر، فعبرت الجسر، ودخلت أفواجا أفواجا، ومعهم صناديق المال على البغال، - ويقال إن المال كان فى ألف وخمسمائة صندوق -، وأقبلت القباب، وأقبل جوهر فى حلة مذهبة مثقل فى فرسانه ورجالته، وقاد العسكر بأسره إلى المناخ الذى رسم له المعز موضع القاهرة؛ واختطّ موضع القصر، وأقام عسكره سبعة أيام يدخل - من يوم الثلاثاء إلى [آخر] يوم الاثنين -، واستقرت به الدار. وجاءته الألطاف والهدايا فلم يقبل من أحد طعاما إلا من الشريف مسلم، ويقال: لما أناخ جوهر فى موضع القاهرة الآن اختطّ القصر، فأصبح المصريون ليهنئوه، فوجدوه قد حفر أساس القصر فى الليل. ويقال إن جوهر لما بنى القصور، وأدار عليها السور سماها: «المنصورية (١)»، فلما قدم المعز لدين الله إلى الديار المصرية سماها «القاهرة» (١).

стр. 156

ويقال فى سبب تسميتها بالقاهرة أن القائد جوهر لما أراد بناء القاهرة أحضر المنجمين، وعرّفهم أنه يريد عمارة بلد ظاهر مصر ليقيم بها الجند، وأمرهم باختيار طالع لوضع الأساس، بحيث لا يخرج البلد عن نسلهم، فاختاروا طالعا لحفر السور، وطالعا لابتداء وضع الحجارة فى الأساس، وجعلوا بدائر السور قوائم من خشب، بين كل قائمتين حبل فيه أجراس، وقالوا للعمال: «إذا تحركت الأجراس ارموا ما بأيديكم من الطين والحجارة». فوقفوا ينتظرون الوقت الصالح لذلك، فاتفق أن غرابا وقع على حبل من تلك الحبال المعلق فيها الأجراس، فتحركت الأجراس كلها، وظنّ العمال أن المنجمين حركوها، فألقوا ما بأيديهم من الطين والحجارة وبنوا، فصاح المنجمون: «القاهر فى الطالع». فمضى ذلك وفاتهم ما قصدوه. ويقال إن المريخ كان فى الطالع عند ابتداء وضع أساس القاهرة، وهو قاهر الفلك، [فسموها القاهرة] (١)، فحكموا لذلك أن القاهرة لا تزال تحت حكم الأتراك. وأدار السور اللبن حول بئر العظام، وجعلها فى القصر، وجعل القاهرة حارات (٢) للواصلين [صحبته و] صحبة [مولاه] المعز، وعمل القصر بترتيب ألقاه إليه المعز. ويقال إن المعز لما رأى القاهرة لم يعجبه مكانها فى البرية بغير ساحل، وقال لجوهر: «يا جوهر فاتتك عمارتها هاهنا» - يعنى المقس (٣) بشاطئ النيل -.

стр. 157

فلما رأى سطح الجرف المعروف اليوم بالرّصد (١)، قال: «يا جوهر: لما فاتك الساحل كان ينبغى عمارة القاهرة بهذا الجبل على هذا السطح، وتكون قلعة لمصر». حكاه ابن الطوير (٢). قال: «وكان المعز عارفا بالأمور، مطلعا على الأحوال بالذكاء، وكان يضرب فى فنون منها النجامة، فرتّب فى القصر ما يحتاج إليه الملوك بل الخلفاء، بحيث لا يراهم العيان فى النقلة من مكان إلى مكان، وجعل لهم فى ساحاته البحر والميدان والبستان، وتقدّم بعمارة المصلى ظاهر القاهرة لأهلها، لخطبتهم فيها والصلاة فى عيدى الفطر والنحر، والآخر بالقرافة لأهل مصر». وقال ابن عبد الظاهر (٣): «فلما تحقق المعز وفاة كافور جهّز جوهر وصحبته العساكر، ثم نزل بموضع يعرف برقادة، وخرج فى أكثر من مائة ألف [فارس]، وبين يديه أكثر من ألف صندوق من المال،

стр. 158

وكان المعز يخرج إلى جوهر فى كل يوم ويخلو به، وأمره أن يأخذ من بيوت الأموال ما يريد زيادة على ما أعطاه. وركب إليه المعز يوما فجلس وقام جوهر بين يديه، فالتفت المعز إلى المشايخ الذين وجههم معه وقال: «والله لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر، وليدخلنّ إلى مصر بالأردية من غير حرب، ولينزلنّ فى خرابات ابن طولون، وتبنى مدينة تسمى القاهرة تقهر الدنيا». قال: «ونزل جوهر مناخه موضع القاهرة الآن فى يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، واختط القصر، وبات الناس، فلما أصبحوا حضروا للهناء فوجدوه قد حفر أساس القصر بالليل، وكانت فيه زورات غير معتدلة، فلما شاهد ذلك جوهر لم يعجبه، ثم قال: «قد حفر فى ليلة مباركة وساعة سعيدة» فتركه على حاله». وقال ابن زولاق: «ولما أصبح أنفذ علىّ بن الوليد القاضى لعسكره، وبين يديه أحمال مال ومناد ينادى: «من أراد الصدقة فليصر إلى دار أبى جعفر»، فاجتمع خلق من المستورين والفقراء، فصاروا بهم إلى الجامع العتيق (١) ففرّق فيهم. ولما كان يوم الجمعة لعشر بقين من شعبان نزل جوهر فى عسكر إلى الجامع العتيق لصلاة الجمعة، وخطب بهم هبة الله بن أحمد - خليفة عبد السميع بن عمر العباسى - ببياض، فلما بلغ إلى الدعاء قرأه من رقعة وهو: «اللهم صلّ على عبدك ووليك، ثمرة النبوة، وسليل العترة الهادية المهدية، عبد الله الإمام معدّ أبى تميم المعز لدين الله، أمير المؤمنين، كما صليت على آبائه الطاهرين وأسلافه الأئمة الراشدين».

стр. 159

اللهم ارفع درجته واعل كلمته، وأوضح حجته، واجمع الأمة على طاعته، والقلوب على موالاته وصحبته، واجعل الرشاد فى موافقته، وورّثه مشارق الأرض ومغاربها، وأحمده مبادئ الأمور وعواقبها، فإنك تقول وقولك الحق: «وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ» (١). فقد امتعض لدينك، ولما انتهك من حرمتك، ودرس من الجهاد فى سبيلك، وانقطع من الحج إلى بيتك وزيارة قبر رسولك ﷺ ؛ فأعدّ للجهاد عدته، وأخذ لكل خطب أهبته، فسيّر الجيوش لنصرتك، وأنفق الأموال فى طاعتك، وبذل المجهود فى رضاك، فارتدع الجاهل، وقصر المتطاول، وظهر الحقّ وزهق الباطل، فانصر اللهم جيوشه التى سيّرها، وسراياه التى انتدبها، لقتال المشركين، وجهاد الملحدين، والذبّ عن المسلمين، وعمارة الثغور والحرم، وإزالة الظلم والتهم والنهم، وبسط العدل فى الأمم. اللهم اجعل راياته عالية مشهورة، وعساكره غالبة منصورة، وأصلح به وعلى يديه، واجعل لنا منك واقية علية». وأمر جوهر بفتح دار الضرب (٢)، وضرب السكّة الحمراء (٣)، وعليها:

стр. 160

«دعا الإمام معد بتوحيد الإله الصمد» - فى سطر. وفى السطر الآخر: «المعز لدين الله أمير المؤمنين». وفى سطر آخر: «بسم الله. ضرب هذا الدينار بمصر سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة»، - وفى الوجه الآخر -: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. علىّ أفضل الوصيين وزير خير المرسلين». ورجع مزاحم بن رائق - وكان قد سار مع الإخشيدية - ومعه جيش كبير. وأفطر جوهر يوم الفطر على عدد بغير رؤية (١)، وصلى صلاة العيد بالقاهرة، صلى به علىّ بن وليد الإشبيلى وخطب، ولم يصلّ أهل مصر، وصلوا من الغد فى الجامع العتيق، وخطب لهم رجل هاشمى. وكان أبو طاهر القاضى قد التمس الهلال على [رسمه فى] سطح الجامع فلم يره، وبلغ ذلك جوهر فأنكره وتهدّد عليه.

стр. 161

وجلس جوهر للمظالم (١) فى كل [يوم] سبت، ثم ردّ المظالم إلى أبى عيسى مرشد. وفى شوال صرف على بن لؤلؤ عن الشرطة السفلى، وردّ شبل المعرضى، وولى عدة من جهات الخراج، وعلى الضياع. وفى ذى الحجة قدم ستة آلاف من الإخشيدية والكافورية، فأنزلوا خارج القاهرة وزيد فى الخطبة (٢): «اللهم صلّ على محمد [النبى] المصطفى، وعلى علىّ المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطى الرسول، الذين أذهبت عنهم الرجس وطهّرتهم تطهيرا، اللهم صلّ على الأئمة الراشدين آباء أمير المؤمنين، الهادين المهديين». ونودى برفع البراطيل (٣)، وقائم الشرطتين، وسائر رسوم البلد. وورد الخبر بدخول القرامطة الرملة. وورد كتاب المعز من المغرب بوصول رأس نحرير ومبشّر ويمن وبلال. وتولى الحسبة (٤) رجل يعرف بأبى جعفر الخراسانى. وفى نصف ذى الحجة تكاملت الإخشيدية والكافورية (٥) المستأمنة بمصر، وهم أربعة عشر رئيسا، فى عسكر عدته خمسة آلاف كانوا فى معسكر لهم عند مصلى العيد بالقاهرة، فهرب

стр. 162

منه فاتك الهيكلى إلى الشام، فلم يدركه الطلب، وبلغ جوهر أن المستأمنة من الإخشيدية والكافورية اتفقوا على فساد. وتوفى ابن لجعفر بن فلاح، فحضر جوهر الجنازة، وحضر الناس وفيهم الإخشيدية والكافورية، وانصرفوا معه، فقال لهم فى طريقه: «قد حضر كتاب مولانا ومولاكم بما تسروا به، فسيروا حتى تقفوا عليه». فساروا معه إلى مضاربه بالقاهرة، ودخلوا معه، فقبض على ثلاثة عشر من وجوههم. وهم: نحرير شويزان. وقنك الخادم الأسود، ودرى الصقلى، وحكل الإخشيدى، ولؤلؤ الطويل، ومفلح الوهبانى؛ وقيلق التركى، وفرح الحكمى؛ واعتقلهم ستة أشهر حتى سيّرهم مع الهدية إلى المعز، ومعهم الحسن بن عبيد الله بن طغج، وقبض على ضياع نحرير الأرغلى وأمواله، وقبض من يحيى بن مكى بن رجاء ثمانين ألف دينار عينا؛ وصاريين من عود رطب. وورد كتاب المعز إلى جوهر، وإلى أبى جعفر مسلم، وإلى أبى إسماعيل الرّسّى، وإلى الوزير جعفر بن الفرات. وولّى جوهر مزاحم بن محمد بن رائق الحوف (١) والفرما (٢). ودخل جوهر والغلاء شديد، فزاد فى أيامه حتى بلغ القمح تسعة أقداح بدينار.

стр. 163

وكان عامل الخراج على بن يحيى بن العرمرم، فأقرّه جوهر شهرا، ثم أشرك معه رجاء ابن صولان. وأقرّ ابن الفرات على وزارته. وأزال جوهر من مصر السواد. ومنع من قراءة «سبح اسم ربك» فى صلاة الجمعة. وأزال التكبير بعد صلاة الجمعة (١). ولم يدع عملا إلا جعل فيه مغربيا شريكا لمن فيه (١). وكان القاع ثلاثة أذرع وتسعة عشر إصبعا، وبلغ الماء سبعة عشر ذراعا وتسعة عشر إصبعا؛ وخلع جوهر على ابن أبى الردّاد (٢)، وحمله فأجازه.

стр. 164

ودخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة: وفى المحرم أنفذ بشير (١) الإخشيدى من تنّيس نحو مائة وخمسين رجلا طيف بهم. وكثر الفساد فى الطرق فضرب جوهر أعناق جماعة وصلبهم فى السكك. ولاثنتى عشرة بقيت منه سار جعفر بن فلاح بن أبى مرزوق إلى الشام، وقاتل القرامطة بالرملة وهزمهم، وأسر الحسين بن عبيد الله بن طغج وجماعة، وبعثهم فى القيود إلى جوهر. وسيّر جوهر إلى الصعيد فى البر والبحر. وفى ربيع الأول قبض على دواب الإخشيدية والكافورية، وصرفهم مشاة، وأمرهم بطلب المعيشة. وسيّر الهديّة جعفر بن الفضل بن الفرات مع ابنه أحمد فى ربيع الآخر. وفى سلخ ربيع الآخر زاد الغلاء، ونزعت الأسعار؛ وتوفى أبو جعفر المحتسب، فردّ جوهر أمر الحسبة إلى سليمان بن عزّة. فضبط الساحل، وجمع القماحين فى موضع واحد؛ ولم يدع كف قمح يجمع إلا بحضرته؛ وضرب أحد عشر رجلا من الطحانين وطيف بهم. وفى يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الأولى صلى جوهر الجمعة فى جامع ابن طولون، وأذّن المؤذنون بحى على خير العمل، وهو أول ما أذن به بمصر (٢)، وصلى به عبد السميع الجمعة فقرأ سورة الجمعة: و «إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ» وقنت (٣) فى الركعة الثانية، وانحطّ إلى

стр. 165

السجود، ونسى الركوع، فصاح به على بن الوليد - قاضى عسكر جوهر -: «بطلت الصلاة، أعد ظهرا أربعا». ثم أذن بحى على خير العمل فى سائر مساجد العسكر، وأنكر جوهر على عبد السميع أنه لم يقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» فى كل سورة، ولا قرأها فى الخطبة، فصلى به الجمعة الأخرى وفعل ذلك، وكان قد دعا لجوهر فى الجمعة الأولى فى الخطبة، فأنكر ذلك ومنعه. وقبض جوهر الأحباس من القاضى أبى طاهر، وردها إلى غيره. ولأربع بقين منه أذّن فى الجامع العتيق بحى على خير العمل، وجهر فيه بالبسملة فى الصلاة ولسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة أنفذ جوهر هديته إلى المعز ومعها المعتقلون فى القيود (¬*)، فكان فيما أهداه تسع وتسعون (١) بختية، وإحدى وعشرون (٢) قبة عليها الديباج المنسوج بالذهب، ولها مناطق من ذهب مكللة بالجوهر، ومائة وعشرون ناقة بأجلّة (٣) الديباج، وأعنّة محلاة بالفضة، وخمسمائة جمل عرابا، وستة وخمسون جلاّ، وثمانية وأربعون دابة منها بغلة واحدة، وسبعة وأربعون فرسا بأجلّة حرير منقوش، وسروج كلها ما بين ذهب وفضة، ولجمها كذلك؛ وعودان كأطول ما يكون العود الذى يتبخر به. وكان الأسرى: الحسن بن عبيد الله بن طغج، وابن غزوان - صاحب القرامطة - وفاتك الهنكرى، والحسن بن جابر الرياحى - كاتب الحسن بن عبيد الله بن طغج -، ونحرير شويزان، ومفلح الوهبانى، ودرى الخازن، وفرقيك، وقيلغ التركى الكافورى، وأبو منحل،

стр. 166

وحكل الإخشيدى، وفرح الحكمى، ولؤلؤ الطويل، وقنك الطويل [الخادم]، فحملوا فى المراكب إلى الإسكندرية، وساروا منها إلى القيروان فى البر. ونافق بشير (١) الإخشيدى بأسفل الأرض، فاستعطفه جوهر، فلم يجب، فسيّر إليه العساكر، فحاربها بصهرجت (٢) ونهبها، ومضى منهزما إلى الشام فى البحر، فأخذ بصور. وأدخل به على فيل ومعه جماعة، وبعث به جعفر بن فلاح. وفى رمضان حفر جوهر سوارى الجامع العتيق الخشب (٣). وفى ذى القعدة ردّت الحسبة إلى سليمان بن عزّة المغربى، فجمع سماسرة الغلات فى مكان. وسدّ الطرق إلا طريقا واحدا، فكان البيع كله هناك، ولا يخرج قدح غلة حتى يقف عليه. ومنع جوهر من الدينار الأبيض (٤)، وكان بعشرة دراهم، فأمر أن يكون الراضى بخمسة عشر درهما، والمعزى بخمسة وعشرين درهما ونصف، فلم يفعل الناس ذلك. فردّ الأبيض إلى ستة دراهم، فتلف وافتقر خلق. وضربت أعناق عدة من أصحاب تبر والإخشيدية، وصلبوا حتى دخل المعز من المغرب. وأنفذ المعز عسكرا وأحمال مال - علتها عشرون حملا - للحرمين، وعدة أحمال متاع. وورد الخبر بفتح جعفر بن فلاح دمشق ودخولها، وكان من خبر جعفر بن فلاح: أنه لما سار من القاهرة فى عسكره كان على الرملة ودمشق الحسن بن عبيد الله بن طغج، فلما بلغه دخول جوهر القائد إلى مصر بعساكر المعز سار عن دمشق فى شهر رمضان، واستخلف

стр. 167

عليه شمول الإخشيدى، وكان شمول يحقد فى نفسه منه، ويكاتب جوهر القائد، فنزل ابن طغج الرملة، وتأهب لحرب من يسير إليه من مصر. فوردت عليه الأخبار بمسير القرامطة إليه، ووافوه بالرملة، فلقيهم وحاربهم، فانهزم منهم، ثم صالحهم وصاهرهم فى ذى الحجة. ورحل عنه القرمطى بعد ما أقام بظاهر الرملة ثلاثين يوما، فبعث إلى شمول بالمسير إليه لمحاربة من تقدّم من مصر، وأنفذ إلى الصباحى - والى بيت المقدس - بالقدوم عليه، فتقاعد عنه شمول، وقرب منه جعفر بن فلاح، وقد انتشرت كتبه إلى ولاة الأعمال يعدهم الإحسان، ويدعوهم إلى طاعة المعز، فالتقى مع ابن طغج وحاربه، فانهزم منه واحتوى على عسكره، فقتل كثيرا من أصحابه، وأخذه أسيرا فى النصف من رجب سنة تسع، فأقام بالرملة يتبع ما كان لابن طغج ولأصحابه، وسار إلى طبرية فبنى قصرا عند الجسر ليحارب فاتك غلام ملهم - وكان عليها من قبل كافور الإخشيدى - فلم يعرض له ملهم، وملك [جعفر] طبرية. وكان بحوران (١) والبثنيّة (٢) بنو عقيل - من قبل الإخشيد - وهم: شبيب، وظالم بن موهوب، وملهم بن … (٣) قد ملكوا تلك الديار، فأخذ جعفر بن فلاح يستميل إليه من العرب فزارة ومرّة، وباطنهم على قتل ملهم، فرتبوا له رجالا قتلوه على حين غفلة، وأظهر جعفر أن ذلك من غير علمه، وقبض على من قتله وبعث بهم إلى ملهم، فعفا (٤) عنهم. وسار من دمشق مشايخ أهلها إلى طبرية للقاء جعفر، فاتفق وصولهم إليها يوم قتل فاتك، قد ثارت بها فتنة، فأخذوا وسلبوا ما عليهم، فلقوا جعفر بن فلاح. وعادوا إلى دمشق وهم غير شاكرين ولا راضين، فبسطوا ألسنتهم بذم المغاربة حتى استوحش أهل دمشق منهم.

стр. 168

وكان شمول قد خرج منها إلى جعفر، فلقيه بطبرية، وصار البلد خاليا من السلطان، فطمع الطامع، وكثر الذعّار (١) وحمال السلاح به وجهّز جعفر من طبرية من استمالهم من مرة وفزارة لحرب بنى عقيل بحوران والبثنيّة، وأردفهم بعسكر من أصحابه، فواقعو بنى عقيل، وهزموهم إلى أرض حمص وهم خلفهم؛ ثم رجعوا إلى الغوطة (٢)، وامتدت أيهديهم إلى أخذ الأموال - وهم سائرون - حتى نزلوا بظاهر دمشق، فثار عليهم أهل البلد، وقاتلوهم وقتلوا منهم كثيرا من العرب، فانهزموا عنها، وذلك لثمان خلون من ذى الحجة، فلحقوا بطلائع جعفر، فساروا معها إلى دمشق، وخرج إليهم الناس مستعدين لمحاربتهم - فى خيل ورجل - فاقتتلوا يومهم ثم انصرفوا، وأصبحوا يوم الجمعة فاقتتلوا، وصاح الناس فى الجامع بعد الصلاة: «النفير»، فخرج النفير، واشتد القتال إلى آخر النهار. ونزل جعفر يوم السبت لعشر خلون منه بالشماسيّة، وأصبح الناس للقتال، ولم يصلوا ذلك اليوم فى المصلى صلاة العيد، فاستمروا طول النهار ومعهم الجند الذين كانوا مع شمول، فكلوا، وحملت معهم المغاربة فانهزموا، وتمكن السيف منهم وهم منهزمون إلى أرض عاتكة (٣) وقصر حجاج، فقتل خلق كثير؛ وكان رئيس أهل الشام فى هذه الحروب أبو القاسم ابن أبى يعلى العباسى، ومحمد بن عصودا وصدقة الشوا. فلما ملك المغاربة ظاهر البلد طرحوا النار فيما هنالك من الأسواق وغيرها، وصاروا إلى باب الجابية، وأصبحوا وقد ضبط الرعية أبواب البلد، فاستمرت [الحرب] (٤) طول النهار مما يلى المصلى، ثم كفوا عن القتال وباتوا؛ فلما أصبح النهار خرج قوم من مشايخ البلد لمخاطبة جعفر - وهو بالشماسيّة - فى إصلاح أمر البلد، فأخذهم قوم من المغاربة، وسلبوهم

стр. 169

ثيابهم، وقتلوا منهم وجرحوا عدة، وعلم بذلك أهل البلد، فصاحوا من أعلى المواذن بالناس يعلمونهم الخبر، ثم قدم المأخوذون فارتاع الناس واشتد خوفهم وتحيروا، ثم جرت بينهم - بعد ذلك - وبين جعفر مراسلة، فخرجوا إليه، فاشتد عليهم وخوّفهم بالنار والسيف، فعادوا وقد ملئوا رعبا، فبلغوا قوله للناس وقد تحيّروا، فاقتضى رأيهم معاودة جعفر فى طلب العفو، فرجع المشايخ إليه، وما زالوا بتضرعون إليه حتى قال: «ما أعفو عنكم حتى تخرجوا إلىّ ومعكم نساؤكم مكشوفات الشعور فيتمرغن [فى التراب] (١) بين يدى لطلب العفو». فقالوا له: «نفعل ما يقول القائد». وما برحوا يذلون له حتى انبسط معهم فى الكلام، وتقرر الأمر على أنه يدخل يوم الجمعة إلى الصلاة فى الجامع. فلما كان يوم الجمعة ركب فى عسكره، ودخل البلد فصلى بالجامع وخرج، فوضع أصحابه أيديهم ينهبون الناس، فثاروا عليهم، وقتلوا منهم كثيرا؛ وخرج إليه المشايخ فأنكر عليهم، وقال لهم: «دخل رجال أمير المؤمنين للصلاة فقتلتموهم» وهددهم، فلطفوا معه القول وداروه، فأومأ إلى مال يأخذه من البلد دية من قتل من رجال أمير المؤمنين، فأجابوه، وكان فى الجماعة أبو القاسم أحمد المعروف بالعقيقى العلوى [وهو أحمد بن الحسن الأشل بن أحمد بن على - الرئيس بالمدينة كان - بن محمد العقيقى بن جعفر بن عبد الله ابن الحسين بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب ﵈] (٢) فانصرفوا من عنده، وفرضوا له المال، فعمّ الناس البلاء فى جبايته. ونزل بظاهر سور دمشق فوق نهر يزيد أصحاب جعفر [فبنوا] (٣) المساكن، وأقاموا بها الأسواق، وصارت شبه المدينة، واتخذ لنفسه قصرا عجيبا من الحجارة، وجعله عظيما

стр. 170

شاهقا فى الهواء غريب البناء، وتطلب حمال السلاح فظفر بقوم منهم، وضرب أعناقهم، وصلب جثثهم، وعلّق رءوسهم على الأبواب، وفيها رأس إسحاق بن عصودا. وكان ابن أبى يعلى لما انهزم خرج إلى الغوطة يريد بغداد، فقبض عليه ابن عليان العدوى عند تدمر، وجاء به إلى جعفر بن فلاح، فشهّره على جمل، وفوق رأسه قلنسوة (١) وفى لحيته ريش وبيده قصبة، ثم بعث به إلى مصر. وأما محمد بن عصودا فإنه لحق بالقرامطة فى الأحساء (٢) - هو وظالم بن موهوب العقيلى - لما انهزم بنو عقيل عن حوران والبثنيّة، فحثوهم على المسير إلى دمشق. فلما كان فى ربيع الأول سنة ستين أنفذ جعفر غلامه فتوح على عسكر إلى أنطاكية، وكان لها فى أيدى الروم نحو من ثلاث سنين، وسيّر إلى أعمال دمشق وطبرية وفلسطين فجمع منها الرجال، وبعث عسكرا بعد عسكر إلى أنطاكية، وكان الوقت شتاء، فنازلوها حتى انصرم الشتاء، وسارت القوافل وهم ملحون فى القتال، فأردفهم جعفر بعساكر فى نحو أربعة آلاف مددا لهم، فظفروا بنحو مائتى بغل تحمل علوفة لأهل أنطاكية فأخذوها وقد أشرفوا على اسكندرونة وعليها عساكر الروم فواقعوهم، فانهزم العسكر، وقتلوا منهم كثيرا. وورد على ابن فلاح خبر هزيمة عسكره، وخبر مسير القرامطة إلى الشام، وأنهم وردوا الكوفة. فأمدهم صاحب بغداد بالسلاح، وكتب لهم بأربعمائة ألف درهم على أبى تغلب ابن حمدان، تقوية لهم على حرب المغاربة، فبعث إلى غلامه فتوح برحيله عن أنطاكية ومصيره إليه، فوافاه ذلك أول رمضان، فسار بمن معه، وتركوا كثيرا من العلف والطعام، وأتوه إلى دمشق، فصار كل قوم منهم إلى أماكنهم.

стр. 171

وقدم القرمطى إلى الرحبة، فأمده أبو تغلب بالمال، وبمن كان عنده من الإخشيدية الذين كانوا بمصر وفلسطين، صاروا إليه لما انهزموا من المغاربة، وصار بهم القرمطى حتى قرب من دمشق، فخرج إليهم جعفر بن فلاح - وقد استهان بهم - وواقعهم، فانهزم منهم، وأخذ السيف أصحابه، وقتل - فلم يدر قاتله - لست خلون من ذى القعدة سنة ستين، ووجد مطروحا على الطريق خارج دمشق، فجاءه محمد بن عصودا فقطع رأسه، وصلبه على حائط داره؛ أراد بذلك أخذ ثأر أخيه إسحاق لما قتله جعفر وصلبه. وملك القرامطة دمشق، وأمنوا أهلها، ثم ساروا إلى الرملة فملكوها، واجتمع إليهم كثير من الإخشيدية. وفيها اصطلح قرعويه - مولى سيف الدولة بن حمدان - متولى حلب، وأبو المعالى شريف ابن سيف الدولة، فخطب له قرعويه بحلب، وخطبا جميعا فى معاملتيهما للإمام المعز بحلب وحمص (١).

стр. 172

ودخلت سنة ستين وثلاثمائة: ففى المحرم اشتدت الأمراض والوباء بالقاهرة، وورد جماعة من الوافدين إلى المغرب بجوائز وخلع. وفى صفر ضرب تبر بالسياط، وقبضت ودائعه. وفى ربيع الآخر جرح تبر [القائد أبو الحسن] (١) نفسه، ومات بعد أيام، فسلخ بعد موته وصلب حتى مزقته الرياح [عند المنظر] (١). وفى جمادى الأولى منع جوهر من بيع الشواء مسموطا، وأن يسلخ من جلده. وفى جمادى الآخرة نقل جوهر مجلس المظالم إلى يوم الأحد، وأطلق لأصحاب الراتب ألف دينار فرقت فيهم؛ وورد شمول من الشام مستأمنا، فخلع عليه سبع خلع، وحمل على فرسين، وأعطى اثنا عشر كيسا عينا وورقا؛ وقدم سعادة بن حيّان من المغرب فى جيش كبير، فتلقاه جوهر فترجل له سعادة. وفى شعبان وردت الرسل من المغرب برأس محمد بن خزر، ومعه ثلاثة آلاف رأس، فقرأ عبد السميع يوم الجمعة كتاب المعز بخبر المذكور، وكان محمد بن الخير بن محمد بن خزر الزناتى أكبر ملوك المغرب سلطانا على زناتة وغيرهم، هجم عليه أبو الفتوح يوسف بن زيرى ابن مناد وهو فى قليل من أصحابه يشرب، فلما أحيط به قتل نفسه بسيفه فى سابع عشر ربيع الآخر سنة ستين وثلاثمائة، فقدم رأسه على المعز لثلاث بقين منه. وفى شوال أنفذ جوهر سعادة بن حيان إلى الرملة واليا عليها، وقد كثر الإرجاف بالقرامطة،

стр. 173

وأن جعفر بن فلاح قتل منهم، وملكوا دمشق، فتأهب جوهر لقتالهم، وعمل الخندق (١)، ونصب عليه البابين الحديد اللذين كانا على ميدان الإخشيدى (٢)، وبنى القنطرة على الخليج، وفرّق السلاح على المغاربة والمصريين؛ ووكل بابن الفرات خادما يبيت معه فى داره، ويركب معه حيث سار؛ ووثب أهل تنّيس على واليهم وقتلوا جماعة منهم الإمام فى القبلة ووجدت رقاع فى الجامع العتيق فيها التحذير من جوهر، فجمع الناس ووبخهم فاعتذروا. وفى ذى الحجة كبست القرامطة مدينة القلزم (٣)، وأخذوا واليها عبد العزيز (٤) بن يوسف، وما كان له من خيل وإبل. وكان القاع خمسة أذرع، وبلغ ماء النيل سبعة عشر ذراعا وأربعة أصابع، وخلع جوهر على ابن أبى الرداد، وأجازه وحمله. وفيها مات أبو سعيد يانس أحد قواد الإخشيدية فى المحرم. وقتل تبر القائد أبو الحسن نفسه [بسكين الدواة (٥) فى شهر ربيع الآخر، فسلخه القائد جوهر، وصلبه عند المنظر حتى مزقته الرياح] (٦).

стр. 174

ودخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائة: وفى المحرم دخل برءوس من بنى هلال. وفيه كبست الفرما، وعصى أهل تنيس، وغيروا الدعوة وسوّدوا، فحاربهم العسكر، ودخل بعض المنهزمين من القرامطة، وتبعهم القرامطة إلى عين شمس، فاستعد جوهر لقتالهم، وغلّق أبواب الطابية، وضبط الداخل والخارج، وقبض على أربعة من الجند المصريين، وضرب أعناقهم وصلبهم، وبعث فأخرج ابن الفرات من داره وأسكنه بالقاهرة. وفى مستهل ربيع الأول التحم القتال مع القرامطة على باب القاهرة. وكان يوم جمعة، فقتل من الفريقين جماعة، وأسر عدة، وأصبحوا يوم السبت متكافئين، وغدوا يوم الأحد للقتال، فسار الحسن بن أحمد بهرام الذى يقال له الأعسم - زعيم عسكر القرامطة - بجميع عسكره على الخندق، والباب مغلق، فلما زالت الشمس فتح جوهر الباب، واقتتلوا قتالا شديدا قتل فيه خلق كثير، وانهزم الأعسم ونهب سواده بالجب، وأخذت صناديقه وكتبه، وهو فى الليل على طريق القلزم، فنهبت بنو عقيل وبنو طىّ كثيرا من مواده، ونادى جوهر فى المدينة: «من جاء بالقرمطى أو برأسه فله ثلاث مائة ألف درهم، وخمسون خلعة، وخمسون سرجا بحلى على دوابها». فلما كان الغد من وقعة القرمطى ورد أبو محمد الحسن بن عمّار من المغرب؛ وسار عسكر لقتال أهل تنّيس، وقبض على تسعمائة من جند مصر فى ساعة واحدة وقيدوا؛ وردّ جوهر تدبير الأموال إلى جعفر بن الفرات، وخرج سعادة بن حيّان فى عسكر إلى الرّملة بسبب القرامطة فدخلها، ثم قدم عليه الأعسم القرمطى، فعاد سعادة بمن معه إلى مصر. وفى شهر رمضان قبض على عجوز عمياء تنشد فى الطريق وحبست، ففرح جماعة من الرعية، ونادوا بذكر الصحابة، وصاحوا:

стр. 175

«معاوية خال المؤمنين، وخال على». فبعث جوهر ونادى فى الجامع العتيق: «أيها الناس: أقلوا القول، ودعوا الفضول، فإننا حبسنا العجوز صيانة لها، فلا ينطقن أحد إلا حلت عليه العقوبة الموجعة». ثم أطلقت العجوز. وخرج عبد العزيز بن إبراهيم الكلابى بالصعيد، وسوّد، ودعا لبنى العباس، فبعث إليه جوهر فى البحر أربعين مركبا عليها بشارة النوبى، وأنفذ بأزرق فى البر على عسكر، فأخذ وأدخل به فى قفص مغلولا، وطيف به وبمن معه. ووافى الأسطول من المغرب، وسار إلى الشام فأسر وغنم. وأمر جوهر برفع الدنانير البيض. وفى آخر ذى الحجة نهبت المغاربة مواضع بمصر، فثارت الرعية، فاقتتلوا قتالا شديدا، وركب إليهم سعادة بن حيّان، وغرم جوهر للناس ما نهب لهم، وقبل قولهم فى ذلك.

стр. 176

ودخلت سنة اثنتين وستين وثلاثمائة: ففى المحرم قدّر جوهر قيمة الدنانير، فجعل الأبيض بثمانية دراهم. ولخمس بقين منه توفى سعادة بن حيّان، فحضر جوهر جنازته، وصلى عليه الشريف مسلم. وفى ربيع الأول عزل سليمان بن عزّة المحتسب جماعة من الصيارفة، فشغب طائفة منهم، وصاحوا: «معاوية خال على بن أبى طلب». فهمّ جوهر بإحراق رحبة الصيارفة، لولا خوفه على الجامع. وفيه أمر ألا يظهر يهودىّ إلا بالغيار (١). ودخل الحسن بن عمّار ببضع وتسعين أسيرا، وشهّروا. ودخل عبد الله بن طاهر الحسينى على جوهر بطيلسان (٢) كحلى - وفى مجلسه القضاة والعلماء والشهود - فأنكر الطيلسان الكحلى، ومدّ يده فشقّه، فغضب ابن طاهر وتكلم، فأمر جوهر بتمزيقه فمزّق، وجوهر يضحك، وبقى حاسرا بغير رداء، فقام جوهر وأخرج له عمامة، ورداء أخضر، وألبسه وعمّمه بيده. وفى يوم الثلاثاء رابع المحرم المذكور زلزلت دمشق وأعمالها زلزلة عظيمة وقتا من الزمان، ثم هدأ، وانهدم بها من أنطاكية عدة أبرجة.

стр. 177

وفى شهر ربيع الآخر تواترت الأخبار بمسير المعز إلى مصر، وورد كتابه من قابس فتأهّب جوهر لذلك، وأخذ فى عمارة القصر والزيادة فيه. وفى النصف من جمادى الأولى مات عبد العزيز بن هيج فسلخ وصلب. وفى أول رجب كدّ جوهر الناس للقاء المعز، فتأهبوا لذلك، وخرج أبو طاهر القاضى، وسائر الشهود والفقهاء ووجوه التجار إلى الجيزة مبرزين للقاء المعز، فأقاموا بها أربعين يوما حتى ورد الكتاب بوصول المعز إلى برقة، فسار القاضى ومن معه. وسار الحسن بن عمار إلى الحوف فى عشرة آلاف فواقعوا القرامطة هناك. ولخمس بقين من شعبان ورد الخبر بوصول المعز إلى الاسكندرية، ولقيه أبو طاهر القاضى ومن معه، فخاطبهم بخطاب طويل، وأخبرهم أنه لم يسر لازدياد فى ملك ولا رجال، ولا سار إلا رغبة فى الجهاد ونصرة للمسلمين؛ وخلع على القاضى وأجازه وحمله. ولقيه أبو جعفر مسلم فى جماعة الأشراف، ومعهم وجوه البلد بنواحى محلة حفص، وترجلوا له كلّهم - وكان سائرا فوقف -، وتقدّم إليه أولا أبو جعفر مسلم، ثم الناس على طبقاتهم، وقبّلوا له الأرض وهو واقف، حتى فرغ الناس من السلام عليه، ثم سار وسايره أبو جعفر مسلم - وهو يحادثه - وسأل عن الأشراف، فتقدّم إليه أكابرهم: أبو الحسن محمد بن أحمد الأدرع. وأبو إسماعيل الرسى. وعيسى أخو مسلم. وعبد الله بن يحيى بن طاهر بن السويح (١) ثم عزم على الشريف مسلم، وأمره بركوب قبة لأن الحرّ كان شديدا وكان الصوم، فقدمت إليه قبة محلاة على ناقة، وعادله غلام له، ونزل المعز إلى الجيزة، فكانت مدة القائد أبى الحسن جوهر أربع سنين وتسعة عشر يوما.

стр. 178

ذكر قدوم المعز لدين الله أبى تميم معد الى مصر وحلوله بالقصر من القاهرة المعزية وما كان من ولاية الخلفاء من بعده حتى انقضت أيامهم وأناخ بهم حمامهم. فى يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة إحدى وستين وثلاثمائة دخل المعز لدين الله إفريقية. وفى يوم الاثنين رابع عشرين (١) جمادى الأولى سنة ثنتى وستين نزل بقصره خارج برقة. ووصل إلى الإسكندرية يوم الجمعة لست بقين من شعبان، ونزل تحت منارتها ثم سار. ونزل المعز إلى الجيزة فخرج إليه جماعة من بقى، وعقد جوهر جسر (٢) الجيزة، وعقد جسرا آخر عند المختار بالجزيرة حتى سار عليه إلى الفسطاط، ثم إلى القاهرة. وزينت له الفسطاط فلم يشقها، ودخل معه جميع من كان وفد إليه، وجميع أولاده وأخوته وعمومته، وسائر ولد المهدى، وأدخل معه توابيت آبائه: المهدى والقائم والمنصور. وكان دخوله إلى القاهرة، وحصوله فى قصره يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، فصارت مصر دار خلافة بعد أن كانت دار إمارة. قال الفقيه الحسن بن إبراهيم بن زولاق ﵀ ومن خطه نقلت -:

стр. 179

«حدثنى أحمد بن جعفر قال: كان القائم بأمر الله ﵇ يوما فى مجلس أبيه المهدى جالسا بين يديه، وكان ابنه المنصور قائما بين يدى جدّه، فقال المهدىّ لابن ابنه المنصور: «ايتنى بابنك» - يعنى المعز لدين الله -، فجاءت به دايته - وله سنة أو فوقها -، فأخذه المهدى فى حجره وقبّله، وقال لابنه القائم بأمر الله: «يا أبا القاسم: ما على ظهر الأرض مجلس أشرف من هذا المجلس، اجتمع فيه أربعة أئمة، يعنى المهدى نفسه، وابنه القائم، وابن ابنه المنصور، وابن ابنه المعز لدين الله؛ وزادنى أبو الفضل ريدان (١) - صاحب المظلة - فى هذا الخبر (٢) أن المهدى جمعهم فى دوّاج (٣) وقال: «جمع رسول الله ﷺ معه ثلاث أئمة فى كساء سوى نفسه، وقد جمع هذا الدوّاج أربعة أئمة». قال [ابن زولاق]: «ولما وصل المعز إلى قصره خرّ ساجدا، ثم صلى ركعتين، وصلى بصلاته كل من دخل معه، واستقر فى قصره بأولاده وحشمه وخواص عبيده، والقصر يومئذ مشتمل على ما فيه من عين وورق [٢١ ب؟؟؟] وجوهر وحلى وفرش وأوان وثياب وسلاح وأسفاط وأعدال وسروج ولجم؛ وبيت المال بحاله بما فيه، وفيه جميع ما يكون للملوك. وخرج غد هذا اليوم - وهو يوم الأربعاء - جماعة الأشراف والقضاة والعلماء والشهود ووجوه أهل البلد وسائر الرعية لتهنئة المعز. ولعشر خلون من رمضان أمر المعز بالكتاب على المشايخ فى سائر مدينة مصر: «خير الناس بعد رسول الله ﷺ [أمير المؤمنين] (٤) علىّ بن أبى طالب ﵇»، وأثبت اسم المعز لدين الله، واسم ابنه عبد الله الأمير. ووقّع المعز بيده إلى محمد بن الحسين بن مهذب (٥) - صاحب بيت المال -:

стр. 180

«تقدّم يا محمد بابتياع لنا ولمولاك عبد الله فى كل يوم من الفاكهة الرطبة واليابسة كذا وكذا بسعر الناس، ولا تعرف الرسول لئلا تقع محاباة ولا مسامحة، وكذلك حوائج المطبخ». وللنصف منه جلس المعز فى قصره على السرير (١) الذهب الذى عمله جوهر فى الإيوان الجديد، وأذن بدخول الأشراف أولا، ثم بعدهم الأولياء وسائر وجوه الناس، وجوهر قائم بين يديه يقدّم الناس قوما بعد قوم؛ ثم مضى جوهر وأقبل بهديته ظاهرة يراها الناس، وهى: من الخيل: مائة وخمسون فرسا مسرجة ملجمة، منها مذهب، ومنها مرصع، ومنها بعنبر (٢). وإحدى (٣) وثلاثون قبة على بخاتى بالديباج والمناطق والفرش، منها تسعة بديباج مثقل. وتسع نوق مجنوبة مزينة بمثقل. وثلاثة وثلاثون بغلا، منها سبعة مسرجة ملجمة. ومائة وثلاثون بغلا للنقل. وتسعون نجيبا. وأربعة صناديق مشبكة يرى ما فيها، وفيها أوانى الذهب والفضة. ومائة سيف محلى بالذهب والفضة. ودرجان (٤) من فضة مخرّقة فيها جوهر. وشاشية مرصعة فى غلاف. وتسعمائة ما بين سفط وتخت (٥) فيها سائر ما أعدّه له من ذخائر مصر.
следующие страницы →