← История

История · id 176

اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا

المقريزي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وفيه تأخر الحاجّ إلى نصف ذى القعدة، فخرجوا فى سابع عشره، ورجعوا فى ثالث عشريه من القلزم؛ فلم يحجّ أحد من مصر فى هذه السنة. وصلّى مالك بن سعيد بالناس صلاة عيد النحر، وخطب، ونحر فى المصلّى والملعب مدة أيام النحر. ولم يركب الحاكم ولا نحر. وفيها مات أبو الحسن على بن ابراهيم النرسى نقيب الطالبيّين فى رابع ربيع الآخر وقد أناف على السبعين. وقتل فيها من الكتاب والرؤساء والخدام والعامة والنساء عدد كثير جدا؛ قتلهم الحاكم. وفيها خطب قرواش بن المقلّد بن المسيّب، أمير بنى عقيل (١)، للحاكم بالموصل والأنبار والمدائن والكوفة وغيرها؛ فكان أول الخطبة: «الحمد لله الذى انجلت بنوره غمرات الغضب، وانهدّت بعظمته أركان النّصب، وأطلع بقدرته شمس الحق من المغرب». ثم بطلت الخطبة بعد شهر وأعيدت لبنى العباس.

стр. 457

سنة اثنتين وأربعمائة (١): فى المحرّم قلّدت الشرطتان لمحمد بن نزال، وأمر بتتبّع المنكرات والمنع منها، وألاّ يباع زبيب أكثر من خمسة أرطال، ولا تباع الجرار. ومنع النّصارى من الاجتماع فى عيد الصليب (٢)، وأن يظهروا فى المضىّ إلى الكنائس. وأوفى النيل ستّة عشر ذراعا فى رابع عشر صفر، وهو سادس عشر توت. وفى تاسع ربيع الآخر خلع على غين الخادم وقلّد بسيف، وقرئ سجلّه بأنه لقّب بقائد القواد فليكاتب بذلك ويكاتب به؛ وقيد معه عشرة أفراس بسروجها ولجمها. وهدمت اللؤلؤة (٣). وفى جمادى الآخرة منع بيع قليل الزبيب وكثيره، وكوتب بالمنع من حمله، وألقى فى النيل منه شيء كثير. وفى رجب قطع الرسم الجارى من الخبز والحلوى الذى كان يقام فى الثلاثة أشهر لمن يبيت بجامع القاهرة فى ليالى الجمع والأنصاف. وحضر القاضى مالك إلى جامع القاهرة فى ليلة النصف من رجب. واجتمع الناس بالقرافة (٤) على عادتهم فى كثرة اللعب والمزاح.

стр. 458

وقرئ سجلّ فى القصر بأنّ أحدا لا يلتمس من أمير المؤمنين زيادة رزق ولا صلة ولا إقطاع ولا غير ذلك من المنافع. واستهلّ شعبان يوم الاثنين، فأمر أن يجعل أوّله يوم الثلاثاء؛ وأخذ جميع ما عند التجار من السلاح بثمنه للخزانة. ومنع النساء من الخروج بعد العشاء الآخرة. وفى ليلة النصف من شعبان كثر إيقاد القناديل فى المساجد، وتنافس الناس فى ذلك. وصلى مالك بن سعيد بالناس صلاة العيد. وتشدّد الأمر فى الإنكار على بيع الفقاع والملوخية والسّمك الذى لا قشر له. ومنع الناس من الاجتماع فى المآتم ومن اتّباع الجنائز. وأحرق زبيب كثير كان فى محارق التجار. وجمع الشطرنج من أماكن متعدّدة وأحرق. وجمع الصيادون وحلّفوا أنهم لا يصطادون سمكا بغير قشر، ومن فعل ذلك ضربت رقبته. وتوالى إحراق الزبيب عدة أيام بحضرة الشهود؛ وتولّى مئونة الإنفاق على حمله وإحراقه متولّى ديوان النفقات؛ فأحرق منه ألفان وثمانمائة وأربعون قطعة بلغت مئونة الإنفاق عليها خمسة آلاف دينار فى مدة خمسة عشر يوما. وقرئ سجلّ بمنع الناس من السفر إلى مكّة فى البرّ والبحر، ومن حمل الأمتعة والأقوات إليها؛ فردّ قوم خرجوا إلى الحجّ من الطريق.

стр. 459

ومرض غين الخادم، فركب الحاكم لعيادته، وسيّر إليه خمسة آلاف دينار وخمسة وعشرين فرسا مسرجة ملجمة؛ وقلّد الشرطة والحسبة بمصر والقاهرة والجزيرة، والنظر فى جميع الأموال والأحوال. ونزل إلى الجامع العتيق ومعه سائر العسكر بخلعه، وقرئ سجلّه وفيه تشدّده فى المسكرات والمنع من بيع الفقاع والملوخية والسمك الذى لا قشر له، والمنع من الملاهى ومن اجتماع الناس فى المآتم واتباع الجنائز، والمنع من بيع العسل إلاّ أن يكون ثلاثة أرطال فما دونها. وفى ذى الحجة وردت هدية تنّيس على العادة فى كل سنة. ولم يركب الحاكم لصلاة عيد النحر، فصلى بالناس مالك بن سعيد وخطب. ولم يخرج من النساء إلى الصحراء فلم تر امرأة على قبر. ومنع من الاجتماع على شاطئ النيل، ومن ركوب النساء المراكب مع الرجال وخروجهن إلى مواضع الحرج مع الرجال. وفيه عمل عيد الغدير على رسمه وفرّقت فيه دراهم كثيرة. ومنع من بيع العنب وألاّ يتجاوز فى بيعه أربعة أرطال، ومنع من اعتصاره، فبيع كلّ ثمانية أرطال بدرهم، وطرح كثير منه فى الطرقات، وأمر بدوسه؛ ومنع من بيعه البتة؛ وغرّق ما حمل منه فى النيل. وبعث شاهدين إلى الجيزة فأخذ جميع ما على الكروم من الأعناب وطرحت تحت أرجل البقر لدوسه، وبعث بذلك إلى عدة جهات. وتتبّع من يبيع العنب، واشتد الأمر فيه بحيث لم يستطع أحد بيعه؛ فاتفق أنّ شيخا حمل خمرا له على حمار وهرب، فصدفه الحاكم عند قائلة النهار على جسر ضيّق، فقال له: من أين أقبلت؟ قال من أرض الله الضّيّقة. فقال: يا شيخ، أرض الله ضيقة؟ فقال: لو لم تكن ضيّقة ما جمعتنى وإياك على هذا الجسر. فضحك منه وتركه.

стр. 460

وفيها أخذ بنو قرجه هدية باديس بن المنصور صاحب إفريقية وزحفوا إلى برقة، ففرّ عاملها فى البحر وفتحوها. وفيه نزع السعر. وفيها مات أبو القاسم ولىّ الدولة ابن خيران الكاتب فى شهر رمضان. وانتهى ماء النيل فى زيادته إلى ستة عشر ذراعا ونصف [ذراع] (١).

стр. 461

سنة ثلاث وأربعمائة (١): فى محرم ختم على مخازن العسل وجميع ما عند التجار والباعة منه؛ ورفعت مكوس الساحل. ومنع الناس من عمل حزن عاشوراء. وغرّق فى أربعة أيام خمسة آلاف وواحد وخمسون زيرا من أزيار العسل. ونزع السعر، وكثر الازدحام على الخبز، ففرّق الحاكم مالا على الفقراء. وكثر ابتياع الناس للسّيوف والسكاكين والسّلاح، وحمله من لم يحمله قطّ من العوامّ والصّنّاع، وكثر الكلام فيه، فقرئ سجلّ على منابر الجوامع بتطمين الناس وإعراضهم عن سماع أقوال المرجفين. وفى ثانى ربيع الأول خلع على أبى الحسن على [بن جعفر] بن فلاح ولقب قطب الدولة، وقرئ له سجل بالتقدّم على سائر الكتاميين والنظر فى أحوالهم، والسّفارة بينهم وبين أمير المؤمنين. وحمل على فرس وبين يديه ثياب. وهلك زرعة بن عيسى بن نسطورس من علّته فى ثانى عشره؛ فكانت مدّة نظره فى الوساطة سنتين وشهرا؛ فتأسف الحاكم على فقده من غير قتل، وقال ما أسفت على شيء قطّ أسفى على خلاص ابن نسطورس من سيفى، وكنت أودّ ضرب عنقه، لأنه أفسد دولتى، وخاننى ونافق علىّ، وكتب إلى حسّان بن الجرّاح فى المداجاة علىّ وأنه يبعث من يهرب به إليه. وخلع على إخوته الثلاثة وأقرّوا على ما بأيديهم من الدواوين. وأمر النصارى إلا الجبابرة بلبس العمائم السّود والطيالسة السّود، وأن يعلّق النصارى فى أعناقهم صلبان الخشب، ويكون ركب مروجهم من خشب، ولا يركب أحد منهم خيلا، وأنهم يركبون البغال

стр. 462

والحمير، وألاّ يركبوا السروج واللجم محلاّة، وأن تكون سروجهم ولجمهم بسيور سود، وأنهم يشدون الزنانير على أوساطهم، ولا يستعملون مسلما، ولا يشترون عبدا ولا أمة؛ وأذن للناس فى البحث عنهم وتتبع آثارهم فى ذلك؛ فأسلم عدّة من النّصارى الكتّاب وغيرهم. وشدد الأمر عليهم، ومنع المكاريون من تركيبهم، وأخذوا بتسوية السّروج والخفاف ومنعوا من ركوب النيل مع نواتية مسلمين. واستدعى الحاكم حسين بن طاهر الوزان - وكان منقطعا إلى غين الخادم الأسود - وعرض عليه الوساطة فأجاب بشريطة أن يكون لكلّ قبيل من طوائف العسكر زمام عليهم يرجعون إليه، ويكون نظره على الأزمّة، فيجعل لكل طائفة يوما ينظر فى أمورهم وخاصة زمامهم فقط؛ ففعل ذلك، وخلع عليه. وفوّض فى الوساطة والتوقيع، وقرئ سجله بالقصر فى تاسع عشر ربيع الأول. وأمر الحاكم فنقش على خاتمه: بنصر الله العظيم الولىّ (١) يتنصر الإمام أبو علىّ. وفيه أمر النّصارى بعمل ركب السروج من خشب الجمّيز. وقبض على جماعة بسبب اللعب بالشطرنج وضربوا وحبسوا. وألزم النصارى أن يكون الصّليب الذى فى أعناقهم طوله ذراع فى مثله، وكثرت إهاناتهم وضيّق عليهم؛ وأمروا أن تكون زنة الصليب خمسة أرطال وأن يكون فوق الثياب مكشوفا، ففعلوا ذلك. ولما اشتدّت عليهم الأمور تظاهر كثير منهم بالإسلام، فوقع الأمر بهدم الكنائس (٢)، وأقطعت بجميع مبانيها وبمالها من رباع وأراض لجماعة (٣)، وعملت مساجد وأذن فى بعضها وبيعت أوانيها. ووجد فى المعلّقة (٤) بمصر وفى كنيسة

стр. 463

بو شنوده مال جزيل من مصاغ وثياب وغيره. وتتابع هدم الكنائس؛ وكتب إلى الأعمال بهدمها فهدمت. وأشيع سير أبى الفتوح أمير مكة من الرّملة إلى الحجاز، وكان قد قدم إليها فبايعه ابن الجراح ولقبه بالراشد بالله أمير المؤمنين، ودعا له بالرّملة (١). وفى جمادى الأولى لقّب الحسين بن طاهر الوزان بأمين الأمناء وكتب له سجل بذلك. وظهر لحسين بن جوهر مال عظيم، فأنعم به الحاكم على ورثته ولم يعرض لشيء منه. وفى ذلك الحين كان وصول أبى الفتوح إلى مكّة وإقامته الدعوة للحاكم بها، وضربت السكّة باسمه. وابتدأ مالك بن سعيد بعمل رصد (٢) فلم يتمّ. وفى جمادى الآخرة اشتد الإنكار بسبب الفقاع والزبيب والسمك. وقبض على جماعة فاعتقلوا وأمر بضرب أعناقهم، ثم أطلقوا. وتشدّد فى [منع] (٣) ذبح الابقار السالمة من العيب ومنع النساء من الغناء والنشيد. وأقطعت الكنائس والدّيارات بنواحى بمصر لكلّ من التمسها.

стр. 464

وفى رجب قرئ سجل بمنع الناس من تقبيل الأرض للحاكم، وبمنعهم من تقبيل ركابه ويده عند السّلام عليه فى المواكب، والانتهاء عن التخلّق بأخلاق أهل الشرك من الانحناء إلى الأرض فإنّه صنيع الروم؛ وأمروا أن يكون للسلام عليه: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. ونهوا عن الصّلاة عليه فى المكاتبة والمخاطبة، وأن تكون مكاتبتهم فى رقاعهم ومراسلاتهم بإنهاء الحال، ويقتصر فى الدعاء على سلام الله وتحيّاته وتوالى بركاته على أمير المؤمنين، ويدعى له بما سبق من الدعاء لا غير. فلما كان يوم الجمعة لم يقل الخطيب سوى: اللهم صلّ على محمد المصطفى وسلّم على أمير المؤمنين علىّ المرتضى، اللهم وسلّم على أمراء المؤمنين آباء أمير المؤمنين، اللهم اجعل أفضل سلامك على سرّك وخليفتك. وأنزل من القصر سبع صناديق فيها ألف ومائتان وتسعون مصحفا إلى الجامع العتيق ليقرأ فيها الناس. وأحصيت المساجد التى لا غلّة لها فكانت ثمانمائة مسجد ونيّف، فأطلق لها فى كل شهر تسعة آلاف ومائتا درهم وعشرون درهما، لكل مسجد اثنا عشر درهما. ومنع من ضرب الطبول والأبواق التى كانت تضرب حول القصر فى الليل، فصاروا يطوفون بغير طبل ولا بوق. وأنزل إلى جامع ابن طولون ثمانمائة مصحف وأربعة عشر مصحفا. وأبطلت مكوس الحسبة، وأذن للناس بالتأهب للحج فى البرّ والبحر. وفى رمضان صلى الحاكم بالناس مرّة فى جامعه براشدة، ومرة بجامعه خارج باب الفتوح وفيه ظهر جراد كثير حتى أبيع فى الأسواق. وصلّى بالجامع العتيق بمصر جمعة، وهو أول من صلى فيه من الخلفاء الفاطميّين. ومنع النساء من الجلوس فى الطرقات للنظر إليه. وأخذ القصص (١) بيده ووقف لأهلها وسمع كلامهم؛ وخالطه العوامّ وحالوا بينه وبين

стр. 465

موكبه. واستماحه قوم فوصلهم بصلات كثيرة؛ وأهدى إليه قوم مصاحف فقبلها وأجازهم عليها. ووقف عليه اثنان من تربة عمرو بن العاص وشكوا أن حبسهما قبض عليه للدّيوان من أيام العزيز، فخلع عليهما ووصلهما بألف دينار. وكثرت فى هذا الشهر إنعاماته، فتوقّف أمين الأمناء حسين بن طاهر الوزان فى ذلك، فكتب إليه الحاكم بخطّه بعد البسملة: الحمد لله كما هو أهله. أصبحت لا أرجو ولا أتّقى … سوى إلهى، وله الفضل جدّى نبيّى، وإمامى أبى … ودينى الإخلاص والعدل المال مال الله ، والخلق عباد الله، ونحن أمناؤه فى الأرض. أطلق أرزاق الناس ولا تقطعها. والسلام». وركب فى يوم الفطر إلى المصلّى بغير شيء مما كان يظهر فى هذا اليوم من الزينة والجنائب (١) ونحوها، فكان فى عشرة أفراس جياد بين يديه بسروج ولجم محلاّة بالفضة البيضاء الخفيفة، ومظلة بيضاء بغير ذهب، وعليه بياض بغير طرز ولا ذهب ولا جوهر فى عمامته، ولم يفرش المنبر. وفيه وقعت فتنة بين طوائف العسكر شهروا فيها السّلاح، فركب الحاكم وأصلح بينهم. وولد لعبد الرحيم بن إلياس [ابن] (٢) عم الحاكم مولود فبعث إليه ثلاثة أفراس مسرجة

стр. 466

ملجمة ومائة قطعة من الثياب وخمسة آلاف دينار عينا وسائر ما كان لأبيه أبى الأشبال المتوفى، وكان شيخا جليلا. ومنع الناس من سب السّلف وضرب فى ذلك رجل وشهّر، ونودى عليه: هذا جزاء من سب أبا بكر وعمر، وتبرأ الناس. فشق هذا على كثير من الناس، وتجمعوا يستغيثون بباب القصر: لا طاقة لنا بمخاصمة أحد أو الصبر لكل ما جرى؛ فصرفوا ونهوا، فمضوا وهم يستغيثون فى الطرقات. فقرئ سجلّ بالقصر فيه الترحم على السّلف من الصحابة والنّهى عن الخوض فى مثل ذلك. ورأى فى طريقه وقد ركب لوحا فيه سبّ على السلف فأنكره ووقف حتى قلع. وتتبع الألواح التى فيها شيء من ذلك، فقلعت كلّها، ومحى ما كان على الحيطان منها حتى لم يبق لها أثر. وشدّد فى الإنكار على من خالف ذلك، ووعد عليه بالعقوبة. وسارت قافلة الحاجّ فى رابع عشر ذى القعدة إلى بركة الجبّ ثم رجعوا من ليلتهم (١). وخلع على قطب الدّولة أبى الحسن على بن فلاح وسار فى عسكر لقتال ابن الجراح. وأملك ابنا عبد الرحيم بن إلياس بزوجتى حسين بن جوهر، وقرئ كتابهما فى القصر، وقد كتبا فى ثوب مصمت وفى رأس كل منهما بخط الحاكم: «يعقد هذا النكاح بمشيئة الله وعونه، والحمد لله رب العالمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل». وخلع على ابنى عبد الرحيم وحمل عنهما المهر وهو ألفا دينار. وصلّى الحاكم بالناس صلاة عيد النحر كهيئته فى عيد الفطر؛ ونحر عنه عبد الرحيم والمؤذّنون يكبّرون خلفه كما يفعلون بين يدى الحاكم، والقاضى مالك إلى جنبه ومعه الرّمح

стр. 467

، وكلما رمى الرمح لينحر به قبّله قبل أن ينحر به؛ فعل ذلك ثمانية أيام، فبعث إليه الحاكم ثيابا جليلة وجواهر ثمينة، وحمله على فرس بسرج مرصع بالجوهر. وواصل الحاكم الركوب إلى الصحراء بحذاء فى رجله، وعلى رأسه فوطة. وكان يركب كل ليلة بعد المغرب. ووقف إليه خراسانى يذكر أنه أخذ منه متاع برسم الخزانة ولم يدفع إليه ثمنه، فدفع إليه جميع ما كان له وهو نحو خمسة آلاف دينار، فشقّ به البلد، وكثر الدّعاء للحاكم. وحمل إلى عبد الرحيم عشرة ألاف دينار فى أكياس مكتوب عليها: لابن عمنا وأعزّ الخلق علينا عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدىّ بالله، سلّمه الله وبلّغنا فيه ما نؤمّله. وبعث إلى ملك الروم هدية مبلغ سبعة آلاف دينار. وفيها وصلت هدية الحاكم إلى نصير الدولة أبى مناد (١) مع عبد العزيز بن أبى كدينة لثلاث عشرة خلت من المحرم، ومعه سجلّ بإضافة برقة وأعمالها إليه؛ فخرج إلى لقائه ومعه القضاة والأعيان، فكان يوما مشهودا. وفى أواخر رجب فلج أبو الفتوح يوسف بن عبد الله بن ابى الحسين أمير صقلية (٢)، فتعطّل جانبه الأيسر، فقام بالأمر ابنه أبو محمد جعفر بن يوسف وكان بيده سجلّ الحاكم بولايته بعد أبيه؛ ثم وصل إليه سجلّ لقب فيه تاج الدولة وسيف الملك. ثم أنفذ إليه تشريف، وعقد له لواء، وزيد فى لقبه الملك. وفى ذى القعدة مات مفرّج بن دغفل بن الجرّاح برملة لدّ (٣)، من فلسطين.

стр. 468

سنة أربع وأربعمائة (١): فى محرم أمر ألاّ يدخل يهودى ولا نصرانى الحمام إلاّ ويكون مع اليهودى جرس ومع النصارى صليب. ونهى عن الكلام فى النّجوم، فتغيب عدّة من المنجّمين وبقى منهم جماعة وطردوا؛ وحذّر الناس أن يخفوا أحدا منهم، فأظهر جماعة منهم التوبة فعفى عنهم، وحلفوا ألاّ ينظروا فى النجوم. وأمر بغلق سائر الدّواوين وجميع الأماكن التى تباع فيها الغلال والفواكه وغيرها ثلاثة أيام من آخر حزن عاشوراء؛ فلما كان يوم عاشوراء أغلقت سائر حوانيت مصر والقاهرة بأسرها إلاّ حوانيت الخبّازين. ونزل الذين عادتهم النزول فى يوم عاشوراء إلى القاهرة من المنشدين وغيرهم أفرادا غير مجتمعين ولا متكلّمين، فما اجتمع اثنان فى موضع. وخرج الحاكم فى أمره وبذيله القاضى إلى بلبيس، فنظر إلى العسكر المجهّز مع علىّ بن فلاح، وعاد من الغد، ورحل العسكر. وأكثر الحاكم فى هذا الشّهر من الصّدقات وإعطاء الأموال الكثيرة جدا. وأعتق سائر مماليكه وجواريه. وفتح فيه الخليج يوم السابع عشر من مسرى والماء على أربعة عشر ذراعا وثمانية أصابع. وفى أول صفر صرف القائد غين عن الشّرطتين والحسبة، وتقلدها مظفر الصقلبى حامل المظلة. وأذن لليهود والنصارى فى مسيرهم إلى حيث ساروا من بلاد الروم. وورد الخبر بوصول عساكر مصر ودمشق إلى الرملة وخروج العرب منها. وأمر ببناء جامع الإسكندرية وأطلق مالا كثيرا للصدقة والتفرقة. وفيه جمع سائر الناس على اختلافهم بالقصر وقرئ عليهم سجل بأن أبا القاسم

стр. 469

عبد الرحيم بن إلياس بن أبى علىّ بن المهدىّ بالله أبى محمد عبيد الله قد جعله الحاكم بأمر الله ولىّ عهد المسلمين فى حياته والخليفة بعد وفاته، وأمر الناس بالسّلام عليه وأن يقولوا له فى سلامهم عليه: السلام على ابن عمّ أمير المؤمنين وولى عهد المسلمين؛ وتعيّن له محل يجلس فيه من القصر. ثمّ قرئ السّجلّ على منابر البلد وبالإسكندرية؛ وبعث بذلك سجلاّ إلى إفريقية، فقرئ بجامع القيروان وغيره، وأثبت اسمه مع اسم الحاكم فى البنود والسّكّة والطّراز. فعظم ذلك على نصير الدولة أبى مناد باديس وقال: لولا أن الإمام لا يعترض عليه فى تدبير لكاتبته ألاّ يصرف هذا الأمر عن ولده إلى بنى عمه. وخلع على عبد الغنى بن سعيد ودفع له ألف وخمسمائة دينار وخمس عشرة قطعة ثياب، وحمل على بغلة ولرفيقه مثل ذاك. وسيّر مع رسول متملّك الروم بهدية عظيمة. وبلغ الحاكم أن أبا القاسم على بن أحمد الزيدى النقيب عليه عشرون ألف دينار، فوقّع له بها مما عليه من الخراج، وبعث له بثلاثة آلاف دينار أخرى. وكثر ركوب الحاكم وهو بدرّاعة صوف بيضاء وعمامة فوطة، وفى رجله حذاء عربى بقبّالين (١)؛ فأقبل الناس إليه بالرّقاع ما بين متظلّم أو مستمنح؛ فأجزل فى الصّلات والعطايا ما بين دور ودراهم وثياب، فلم يردّ أحد خائبا. وردّ ما كان فى الديوان من الضّياع والأملاك المأخوذة لأربابها، وأقطع كثيرا من الناس عدة آدر. وفى ربيع الأول بسط الحاكم يده بالعطاء. وفى ثامن عشر ربيع الآخر أمر الحاكم بقطع يدى أبى القاسم أحمد بن على الجرجرائى (٢)، فقطعتا جميعا؛ وهو يومئذ كاتب قائد القواد غين. وسبب ذلك أنه كان فى خدمة ستّ

стр. 470

الملك، أخت الحاكم، فانفصل عنها وهى غير راضية عنه، وخدم عند غين؛ ثم بعث إليها رقعة يستعطفها، فارتابت منه وسيّرتها فى طىّ درجها (١) إلى الحاكم، فأمر بقطع يديه وقد اشتد غيظه. ويقال بل كان عقيل صاحب الخبر يحمل الرّقاع بالخبر إلى القائد غين ليوصّلها إلى الحاكم وهى مختومة؛ فجاءه فى يوم بالرّقاع على عادته فدفعها غين إلى كاتبه أبى القاسم الجرجرائى حتى يجد فراغا فيحملها إلى الحاكم، ففك الجرجرائى الختم وقرأها، فإذا فى بعضها طعن على غين وذكره بسوء، فقطع ذلك الموضع من الرّقعة وحكّه وأصلحه، وأعاد الختم. فبلغ ذلك عقيلا فأوصله إلى الحاكم فأمر بقطع يديه. وفى ثالث جمادى الأولى قطعت يد غين بعد قطع يد كاتبه الجرجرائى بخمسة عشر يوما، وكانت يده [الأخرى (٢)] قد قطعت قبل ذلك بثلاث سنين وشهر، فصار مقطوع اليدين (٣). ثم إن الحاكم بعث إليه بآلاف من الذهب وعدة [أسفاط] (٤) من الثياب وأمر بمداواته. وأبطل عدة مكوس من جهات كثيرة. فلما كان فى ثالث عشره أمر بقطع لسان غين فقطع (٥). وفى رجب أمر برفع ما يؤخذ من الشّرطتين؛ وقتل الكلاب، فقتلت بأجمعها؛ وأبطل مكس الرطب ومكس دار الصّابون، ومبلغه ستة عشر ألف دينار؛ وأطلق أموالا جزيلة للصدقة. وأكثر من الركوب فى الليل. ونزل ليلة النّصف من شعبان إلى القرافة ومشى فيها وتصدّق بشئ كثير، وأبطل عدّة جهات من جهات المكس. ومنع النساء أن يخرجن إلى

стр. 471

الطّرقات فى ليل أو نهار سواء أكانت المرأة شابة أم عجوزا، فاحتبسن فى بيوتهن ولم تر امرأة فى طريق، وأغلقت حماماتهن، وامتنع الأساكفة (١) من عمل خفاف النساء وتعطّلت حوانيتهم. وفى سادس عشره وقع فى الناس خوف وفزع من شناعة القول وكثرة إشاعته بأن السيف قد وقع فى الناس، فتهارب الناس وغلّقت الحوانيت فلم يكن سوى القلب. وضرب قوم خالفوا النهى عن بيع الملوخيّة والسمك الذى لا قشر له وشهّروا. وضرب كثير من النساء من أجل خروجهن من البيوت وحبسن. وقرئ سجلّ بالمنع من تفتيش المسافرين فى البحر والبرّ والنّهى عن التعرّض. وفى رمضان صلّى بالناس فى الجوامع الأربعة: جامع القاهرة، والجامع خارج باب الفتوح، وجامع عمرو، وجامع راشدة (٢)؛ وتصدّق بأموال كثيرة؛ ودعا فوق المنابر بنفسه لعبد الرحيم بن إلياس، فقال: اللهم استجب منّى فى ابن عمّى وولّى عهدى والخليفة من بعدى، عبد الرّحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدىّ بالله أمير المؤمنين، كما استجبت من موسى فى أخيه هارون. وفيه ركب قائد القوّاد غين إلى القصر فى موكب عظيم، فخلع عليه. وضرب على السكة اسم عبد الرحيم ولّى عهد المسلمين. ومنع من عادته الطّواف فى الأعياد بالأسواق لأخذ الهبات من الرّجّالة والبوّاقين (٣). واجتمع الأولياء وغيرهم بالقصر فى يوم الخميس ثامن عشريه لسماع ما يقرؤه القاضى من كتب مجالس الحكم، فمنعوا من ذلك.

стр. 472

وركب لصلاة الجمعة بجامع القاهرة، فازدحم الناس عليه بعد ركوبه من الجامع إلى القصر، فوقف لهم وأخذ رقاعهم، وحادثهم، وضاحكهم، فلم يرجع إلى القصر من كثرة وقوفه ومحادثته العوامّ إلى غروب الشّمس، ووقّع صلات كثيرة. وركب لصلاة العيد بغير زىّ الخلافة، ومظلّته بيضاء، وعبد الرحيم يسايره وهو حامل الرمح الذى من عادة الخليفة حمله (١)، وأصعده معه المنبر ودعا له. ولم يعمل فى القصر سماط، ولا رؤيت امرأة، ولا أبيع شيء ممّا عادته يباع فى الأعياد من اللّعب والتّماثيل. واشتدّ الأمر فى منع النساء من الخروج، وحبس عدة عجائز وخدم وجدن فى الطرقات. وواصل الركوب فى اللّيل. وأطلق لخليج الإسكندرية خمسة عشر ألف دينار. وقرئ سجلّ بأن كلّ من كانت له مظلمة فليرفعها إلى ولىّ العهد؛ فجلس عبد الرحيم ورفعت إليه الرقاع فوقّع عليها. وللنصف من ذى القعدة سار الحاجّ. وفى يوم النحر ركب عبد الرحيم بالعساكر إلى المصلّى فصلّى بالناس وخطب، ونحر بالمصلّى وبالملعب، ولم يعمل سماط بالقصر. وواصل الحاكم الركوب فى العشايا. واصطنع خادما وكاتبا أسود كناه بأبى الرضا سعد، وأعطاه من الجواهر والأموال ما يجلّ وصفها، وأقطعه إقطاعات كثيرة؛ فقصده الناس لحوائجهم ولزموا بابه لمهمّاتهم، فتكلّم لهم مع الحاكم فلم يردّ سؤاله فى شيء. وكان مما يسأل فيه إقطاعات للناس تتجاوز خمسين ألف دينار. وفيه بعث أبو مناد باديس، أمير إفريقية، حميد بن تموصلت على عسكر إلى برقة، فخرج منها خود الصقلبى إلى مصر فتسلّمها حميد.

стр. 473

سنة خمس وأربعمائة (١) فى المحرّم تزايد وقوع النار وكثر الحرق فى الأماكن، فأمر النّاس باتخاذ القناديل على الحوانيت وعلى أريافها؛ وطرحت السّقائف والرّواشن (٢) وأمر بقتل الكلاب، فقتل منها كثير. وعظم الحريق، ووقعت فى أمره شناعات من القول، فقرئ سجلّ فى الجوامع بزجر السّفهاء والكفّ عن أحوال تفعل، وأن يدخل الناس إلى دورهم من بعد صلاة العشاء. فأغلقت الدّور والحوانيت والدّروب من بعد صلاة المغرب وكثر الكلام وعظم التّرحم فى الليل. وفيه وصل على [بن جعفر] بن فلاح من الشام. ووصلت قافلة الحاج فى تاسع صفر من غير زيارة المدينة، وقد أصابهم خوف شديد، وهلك منهم خلق كثير من الجوع والعطش (٣). وفيه ركب الحاكم مرتين، فرفعت إليه الرّقاع، فأمر برافعيها فحبسوا. وحبس (٤) عدّة قياسر وأملاك مع سبع ضياع بإطفيح (٥) وطوخ (٦) على القراء والمؤذنين

стр. 474

بالجوامع وعلى ملء المصانع (١) والمارستان (٢) وثمن الأكفان. وفى ربيع الأول واصل الركوب وأخذ الرقاع ووقف مع الناس طويلا، ثم امتنع من أخذ الرقاع وأمر أن ترفع إلى عبد الرحيم وإلى القاضى مالك، وإلى أمين الأمناء، فتناولوا الرقاع. وأكثر من الهبات والصّلات والإقطاع والخلع. فلما كان يوم السبت سادس عشرى ربيع الآخر ركب فى اللّيل على رسمه إلى الجبّ (٣) وتلاحق به الناس وفيهم قاضى القضاة مالك بن سعيد، فلما أقبل على الحاكم أعرض عنه فتأخر، وإذا بصقلبيّ يقال له غادى، يتولى السّتر والحجية، أخذه وسار به إلى القصور وألقاه مطروحا بالأرض، فمرّ به الحاكم وأمر بمواراته، فدفن هناك بثيابه وخفّيه. وكانت مدّة نظره فى الأحكام عشرين سنة، منها ستّ سنين وتسعة أشهر قاضى القضاة وباقيها خلافة لبنى النّعمان. وكان ينظر فى القضاء والمظالم والأحباس، والدعوة، ودار الضرب، ودار العيار، وأمر الأضياف؛ فعلت منزلته وقصده الناس فى حوائجهم لكثرة اختصاصه بالحاكم وتزايد إقطاعاته من الدّور بفرشها والضّياع العديدة، ومواصلة الركوب معه ليلا ونهارا، ومشاورته فى أمور الدولة ونظره فى أمور الدواوين كلها. وكان سخيّا جوادا

стр. 475

فصيحا بليغا، لم يضبط عليه قطّ صياح ولا حدّة، ولا سمعت منه فى خطاباته أبدا كلمة فيها فحش ولا قذع ولا قبح. وكان سبب قتله أنه اتّهم بموالاة سيدة الملك (١) ومراعاتها، وكان الحاكم قد انفلق منها فلما قتل استدعى الحاكم أولاده وخاطبهم، ولم يتعرّض لشيء من تركة أبيهم؛ وأمر ابنه أبا الفرج أن يركب فى الموكب، وأقرّه على إقطاعه، ومبلغه فى السنة خمسة عشر ألف دينار. وفى جمادى الأولى ردّ الحاكم على بنى عمرو بن العاص حبس جدّهم عمرو بن العاص، ومبلغه فى الشهر نحو مائتى دينار. وتزايد ركوب الحاكم حتى كان يركب فى اليوم الواحد عدة مرات، وعظمت هباته وعطياته. ثم أمر بابتياع الحمير، وصار يركبها من تحت السرداب (٢) إلى باب البستان إلى المقس، ويغلق الأبواب التى يتوصل منها إلى المقس وقت ركوبه، ومنع الناس من الخروج إلى هذه المواضع. وفى جمادى الآخرة قدم رسول ملك الروم، فاصطفت العساكر من باب القصر إلى سقاية ريدان (٣) بعددها وأسلحتها، وركب الحاكم بصوف أبيض وعمامة مفوّطة بمظلة مثلها، وولىّ العهد يسايره وعليه ثوب مثقل، ومعهم الجواهر. وأحضر الرّسول ومعه

стр. 476

عبد الغنى بن سعيد بهدية إلى القصر، فخلع على عبد الغنى، وأنزل الرسول فى دار بالقاهرة وبلغ الحاكم أن ثلاثة من الرّكابيّة (١) أخذوا هبة من الرسول، فأمر بقتلهم، فقتلوا من أجل ذلك. وفى جمادى الآخرة ركب الحاكم ومعه أمين الأمناء، الحسين بن طاهر الوزّان، على رسمه؛ فلما انتهى إلى حارة كتامة (٢) خارج باب القاهرة أمر فضربت رقبة ابن الوزّان ودفن مكانه. فكانت مدة نظره فى الوساطة سنتين وشهرين وعشرين يوما؛ وكان توقيعه عن الحاكم: الحمد لله وعليه توكلى. وتقدم الأمر لسائر أرباب الدواوين بلزوم دواوينهم. واعتلّ الحاكم أياما فركب على حمار بشاشية مكشوفة، وأكثر من الحركة فى العشيّات إلى المقس والتّعدية إلى الجيزة وهو على الحمار. وأكثر من الركوب فى النيل. وفى حادى عشر شعبان أمر أصحاب الدواوين بأن يمتثلوا ما يرسم به عبد الرحيم بن أبى السيد الكاتب، متولّى ديوان النفقات، وأخوه أبو عبد الله الحسين، وجعلا فى الوساطة والسفارة، ثم قرئ لهما سجلّ بذلك، وخلع عليهما وحملا؛ فوقّعا، وكان توقيعهما: الحمد لله حمدا يرضاه. وفى حادى عشريه خلع على أبى العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبى العوّام، وأعطى سجلاّ بتقليده قضاء القضاة، وحمل على بغلة بسرج ولجام مصفّح بالذهب، وقيد بين يديه بغلة أخرى، ونزل إلى الجامع فقرئ سجلّه على المنبر، وفيه: «فقلدك أمير المؤمنين القضاء والصلاة والخطابة بحضرته، والحكم فيما وراء حجابه من القاهرة المعزيّة،

стр. 477

ومصر وأعمالها، والإسكندرية، والحرمين، وبرقة، والمغرب، وصقلية؛ مع الإشراف على دور الضرب بهذه الأعمال، والنظر فى أحباس الجوامع والمساجد، وأرزاق المرتزقة ووجوه البر؛ وتستخلف على الحكم». ونقل ديوان الحكم من بيت مالك بن سعيد إلى بيت المال بالجامع العتيق، وهو أول من فعل ذلك من القضاة. وكانت دواوين الحكام فى دورهم فجعلها بالجامع، وجعل جلوسه بالجامع العتيق يومى الاثنين والخميس، وبالقاهرة يوم الثلاثاء، ولحضور القصر يوم السبت. وفى يوم الجمعة رابع رمضان ركب ولىّ العهد، فصلى بالجامع الأنور (١) الجديد بباب الفتوح فى موكب الخلافة، ثم صلّى جمعة أخرى بجامع القاهرة ثم جمعتين بالجامع الجديد. وفيه كثرت صلات الحاكم ومواهبه وإقطاعاته للناس حتى خرج فى ذلك عن الحدّ. وركب ولىّ العهد يوم الفطر فى موكب الخلافة، وصلى بالناس فى المصلى، وخطب. وخرج الحاكم عن المعهود فى العطاء والإقطاعات حتى أقطع النواتية الذين يجدّفون به فى العشارى (٢)، وأقطع المشاعلية (٣)، وكثيرا من الوجوه والأقارب، وبنى قرّة؛ فكان مما أقطع الإسكندرية والبحيرة ونواحيها. وفى نصفه قتل ابنا أبى السيد، حسين [٦٨] وعبد الرحيم، ضربت أعناقهما بالقصر؛ فكانت مدة نظرهما اثنين وتسعين يوما. وواصل الركوب فى كل غداة وهو على الحمار. وقرئ سجل بأن يكون ما يرفعه الناس من حوائجهم فى ثلاثة أيام، يوم السبت للكتاميين والمغاربة، ويوم الاثنين

стр. 478

للمشارقة، ويوم الخميس لسائر الناس كافة؛ وأن يتجنبوا لقاء أمير المؤمنين ليلا ونهارا بالرّقاع، فما يتعلق بالمظالم فإلى ولىّ العهد، وما يتعلق بالدعاوى فإلى قاضى القضاة، وما استصعب من ذلك ينتهى إلى أمير المؤمنين. وفى سابع عشره تقلد أبو العباس فضل بن جعفر بن الفرات الوساطة، ولم يخلع عليه؛ فجلس ووقّع، ثم قتل فى اليوم الخامس من جلوسه. وتشدّد الأمر فى منع النساء من الخروج فى الطرقات ومن التطلع فى الطيقان، بأسرهنّ (١)، شبابهن وعجائزهن. ومنع مؤذنو القصر وجامع القاهرة من قولهم بعد الأذان: السلام على أمير المؤمنين، وأن يقولوا بعد الأذان: السلام من الله. وفيه غلب بنو قرّة على الإسكندرية وأعمالها. وأقطع القاضى ابن أبى العوام ناحية تلبانة عدى (٢). وأكثر الحاكم فيه من الركوب، فركب فى يوم واحد ست مرات، تارة على فرس، وأخرى على حمار، ومرة فى محفة تحمل على الأعناق، ومرّة فى عشارى فى النيل بشاشية لا عمامة عليها. وأكثر من إقطاع الإقطاعات للجند وعبيد الشراء. واستمر على مواصلة الركوب إلى ليلة النحر قرب العشاء، وشق البلد والطّرادون يفرقون الناس عنه. وصلى ولّى العهد صلاة عيد النحر، ولم يضحّ بشئ؛ ونهى الناس عن ذبح البقر. وفيه قلّد ذو الرئاستين قطب الدّولة أبو الحسن علىّ بن جعفر بن فلاح الوساطة والسفارة. وفيها بعث نصير الدولة أبو مناد باديس من إفريقية هديّة عظيمة إلى الغاية للحاكم بأمر الله، فوصلت إلى مدينة برقة لأربع عشرة بقيت من رجب، وسارت منها فى

стр. 479

سابع رمضان حتى وصلت لكّ (١) فأخذها بنو قرّة عن آخرها. وكانوا قد انتجعوا مع كبيرهم مختار بن قاسم من البحيرة، ومعهم مواشيهم، وقصدوا مدينة برقة، ففرّ منها حميد بن تموصلت إلى إفريقية، فملك برقة مختار بن قاسم. وفيها بعث الحاكم عبد العزيز بن أبى كدينة، ومعه أبو القاسم بن حسن، إلى إفريقية بخلع وسيوف وتشريف لمنصور بن نصير الدولة أبى مناد باديس لولاية ما يتولاه أبوه فى حياته وبعد وفاته، ولقبه عزيز الدولة.

стр. 480

سنة ست وأربعمائة (١): فيها عرض الاستيمار (٢) على الحاكم بأسماء الفقهاء والقرّاء والمؤذّنين بالقاهرة ومصر، فكانت جملته فى كل سنة واحدا وسبعين ألفا وسبعمائة وثلاثة وثلاثين دينارا وثلثى وربع دينار؛ فأمضى جميع ذلك. وفيها زاد ماء النيل وغرق الضياع، وغلت الأسعار، وهلكت البساتين، وامتلأ كل مكان من المدينة، وغرق المقياس وانتهت الزيادة إلى ثلاث أصابع من إحدى وعشرين ذراعا؛ وبلغ الماء إلى نصف النخل مما يلى بركة الحبش، وغرق المعتوق (٣)!. ولم يبق طريق يسلك إلى القاهرة إلاّ من الشارع والصحراء.

стр. 481

سنة ثمان وأربعمائة (١): قدم مصر داع عجمى (٢) اسمه محمد بن اسماعيل الدّرزى واتصل بالحاكم فأنعم عليه. ودعا الناس إلى القول بإلهية الحاكم، فأنكر الناس عليه ذلك، ووثب به أحد الأتراك ومحمد فى موكب الحاكم فقتله، وثارت الفتنة، فنهبت داره وغلقت أبواب القاهرة. واستمرت الفتنة ثلاثة أيام قتل فيها جماعة من الدّرزية، وقبض على التركى قاتل الدّرزى وحبس ثم قتل. ثم ظهر داع آخر اسمه حمزة بن أحمد، وتلقّب بالهادى، وأقام بمسجد تبر خارج القاهرة، ودعا إلى مقالة الدّرزى، وبث دعاته فى أعمال مصر والشام، وترخّص فى أعمال الشريعة، وأباح الأمهات والبنات ونحوهن؛ وأسقط جميع التكاليف فى الصّلاة والصّوم ونحو ذلك. فاستجاب له خلق كثير، فظهر من حينئذ مذهب الدّرزية ببلاد صيدا وبيروت وساحل الشام (٣).

стр. 482

[١٦٩] سنة تسع وأربعمائة (١): فى آخر شوال ركب الوزير علىّ بن جعفر بن فلاح إلى البرك التى قبل الخليج خارج القاهرة، فثار عليه فارسان، فأخذه أحدهما فألقاه، وفرّا، فلم يعرف خبرهما، وحمل إلى داره فمات من الأخذ. وولى الوزارة بعده الظهير صاعد بن عيسى بن نسطورس فأقام إلى رابع ذى الحجة. وقيل تولّى بعده شمس الملك مسعود بن طاهر الوزان. وفيها عزل الحاكم سديد الدولة (٢) عن دمشق، ووليها عبد الرحيم بن إلياس، وسار إليها لعشرين من جمادى الآخرة (٣)، فبينما هو فى قصره إذ هجم عليه قوم ملثمون فقتلوا جماعة من غلمانه، ثم أخذوه ووضعوه فى صندوق وحملوه إلى مصر. فلم يكن بها أكثر من شهرين، ثم أعيد إلى دمشق فأقام بها ليلة العيد. وورد من مصر رجل يقال له أبو الداود المغربى ومعه جماعة، وأخرجوا عبد الرحيم وضربوا وجهه؛ وأصبح الناس يوم العيد وليس لهم من يصلى بهم. وعجب الناس من هذه الأمور. وفيها سومح ضامن الصعيد الأعلى بما عليه وهو أربعة وستون ألف دينار وسبعمائة وخمسة وستون دينارا.

стр. 483

سنة عشر وأربعمائة (١): فيها اشتد الغلاء بديار مصر حتى أبيع الدقيق رطلا بدرهم واللحم أربع أواق بدرهم، ومات كثير من الناس بالجوع. وبلغت عدة من مات فى مدّة رمضان وشوال وذى القعدة، مائتى ألف وسبعين ألفا سوى الغرباء وهم أكثر من ذلك وفى سنة عشر وأربعمائة سيّر الحاكم بأمر الله أبا القاسم بن اليزيد إلى شرف الدولة الحاكمية أبى تميم المعزّ بن نصير الدولة أبى مناد باديس، ومعه سيف مكلل بنفيس الجوهر وخلعة من لباسه، فقدم المنصورية (٢) لستّ بقين من صفر سنة إحدى عشرة. وتلقاه شرف الدولة ونزل إليه فقرأ عليه سجلاّ عظيما؛ فكانت أيام فرح. ثم ورد بعده محمد بن عبد العزيز بن أبى كدينة بسجل آخر ومعه خمسة عشر علما منسوجة بالذهب، فخلع على أبى القاسم ومحمد، وحملا، وطيف بهما فى القيروان والأعلام المذكورة بين أيديهما. ولليلتين بقيتا من شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة فقد الحاكم. وسبب فقده أن أخته ست الكل سلطانة كانت امرأة حازمة، وكانت أسنّ منه، فدار بينها وبينه يوما كلام، فرماها بالفجور وقال لها: أنت حامل. فراسلت سيف الدين حسين بن على بن دوّاس؛ من مقدّمى كتامة، وكان قد تخوّف من الحاكم، وتواعدا على قتل الحاكم وتحالفا عليه. فأحضرت ستّ الكل عبدين وحلّفتهما على كتمان الأمر، ودفعت إليهما ألف دينار ليقتلا الحاكم. فأصعد إلى الجبل فى الليل، وكان الحاكم قد رأى أن عليه قطعا (٣)؛

стр. 484

فلما كان فى الليلة التى فيها قال لأمه: علىّ قطع فى هذه الليلة وعلامة ذلك ظهور كوكب الذنابة؛ ودفع إليها خمسمائة ألف دينار ذخيرة لها (١)، فمنعته من الركوب، ونام. ثم انتبه آخر الليل وقام ليركب، فتعلقت به، فامتنع ومضى، وركب الحمار إلى باب القاهرة، ففتح له أبو عروس صاحب الشرطة الباب وأغلقه خلفه، وخرج متبعا له. قال: فسمعته يقول: ظهر والله الكوكب؛ ولم يكن معه سوى ركابىّ وصبىّ يحمل دواته. فعارضه وسط الجبل سبع فوارس من بنى قرّة، فخدموه وسألوه الأمان وأن يسعفهم بما يصلح شأنهم، فأمّنهم، وأمر الركابى أن يحملهم إلى الخازن يدفع إليهم عشرة آلاف درهم. ودخل الشّعب الذى كان يدخله وقد وقف العبدان له، فضرباه حتى مات، وطرحاه، وشقّا جوفه ولفّاه فى كساء، وقتلا الصبى وغرّقا حماره؛ وحملا الحاكم فى كساء إلى أخته فدفنته. وأقامت مدة، وأحضرت الوزير خطير الملك وعرفته الحال، وأمرته أن يكاتب عبد الرحيم بن إلياس يستدعيه من دمشق. فكتب إليه على لسان الحاكم يأمره بالمبادرة، واستدعت ألف ألف دينار فرقتها فى الأولياء وبعثت قائد الساحل. فلما قدم عبد الرحيم عدل به إلى تنّيس فقتل بها (٢). واضطرب الناس لغيبة الحاكم، فأرسلت إليهم: إنه أخبرنى أنه يغيب سبعة أيام، وإنه يواصلنى بأوامره. ورتّبت رسلا يمضون عنها إلى الحاكم ويجيئون منه

стр. 485

إليها. ففى أثناء ذلك اشتدت شوكتها، وكفّ الناس عن الاستقصاء فى المسألة. وأحضرت ابن دوّاس وواطأته على أخذ البيعة للظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم، وأظهرته وعلى رأسه تاج جدّه العزيز. وقام ابن دوّاس فقال لمن حضر من أهل الدولة، تقول لكم مولاتنا هذا مولاكم فسلّموا عليه. وقبل ابن دوّاس الأرض، فبايع الناس إلا غلاما تركيا كان عمل ليلا بين يدى الحاكم فإنّه قال: لا أبايع حتى أعرف خبر مولاى. فقتل، وقام ابن دوّاس بتدبير الأمر. ثم إن ست الملك دسّت عليه وقتلته وقتلت جميع من اطّلع على سرها، وقتلت جماعة خافتهم. ثم لم تطل أيامها وماتت بعد أيام. قال ابن أبى طى لما ذكر هذا الخبر فى كيفية قتل الحاكم: وكان الحاكم شديد السطوة، عظيم الهيبة جريئا على سفك الدماء. خطب له على منابر مصر والشام وإفريقية. وكان يتشبه بالمأمون ويقصد مقاصده واشتغل بعلوم الأوائل، واعتدّ بعلوم النجوم، وعمل له رصدا، ووقف الكواكب، واتخذ بيتا بالمقطم ينقطع فيه عن الناس ويخلو لمخاطبة الكواكب. وكان يركب الحمار وعليه ثياب الرّهبان، ووراءه غلام اسمه مفلح يحمل الدّواة والسّيف والورق فى كيس معلّق فى كتفه وهو يمشى وراءه؛ فإذا مرّ بسوق انهزم الناس واستتروا عنه، ويطرق أبواب الحوانيت فلا ينظرون إليه، إلاّ أن يكون لأحد منهم حاجة فإنّه يقف عليه ويكتب العبد بين يديه ما يأمره به فى رقعة إلى الوزير. وكان لا يحضره الجيش إلا فى الأعياد، فيركب فى ذلك اليوم بثيابه على الفرس. وكان مهابا عند أهل مملكته، وكان لا يحضر مجالس الجدل ويحتجب أياما كثيرة مشتغلا بما هو فيه، وكان له سعى فى إظهار كلمته، فبعث دعاته إلى خراسان وأقام فيها مذهب الشيعة، واستجاب له عالم عظيم؛ فبعث إلى البلاد بالأموال فى استمالة الرجال إلى ما يريد.

стр. 486

وكان أبو عبد الله أنوشتّكين النّجارى (١) الدّرزى أول رجل تكلم بدعوته، وأمر برفع ما جاء به الشرع، وسيّر مذهبه إلى بلاد الشام والساحل، ولهم مذهب فى كتمان السّرّ لا يطلعون عليه من ليس منهم. وكان الدرزى يبيح البنات والأمهات والأخوات. فقام الناس عليه بمصر وقتلوه، فقتل الحاكم به سبعين رجلا. وأنفذ الدّرزى إلى الحجر الأسود برجل ضربه وكسره؛ وادعى الربوبية. وقدم رجل يقال له يحيى اللباد، ويعرف بالزّوزنى الأخرم، (٢) فساعده على ذلك، ونشط جماعة على الخروج عن الشريعة. وركب يوما من القاهرة فى خمسين رجلا من أصحابه إلى مصر، ودخل الجامع بدابّته، وأصحابه كذلك، فسلم إلى القاضى رقعة فيها: باسم الحاكم الرحمن الرحيم، فأنكر القاضى ذلك، وثار الناس بهم وقتلوهم، وشاع هذا فى الناس فلعنوه (٣). ويقال إنه خرج يوما وعليه قباء أطلس وفى وسطه سيف، فخلع القباء وقال: هذا الظاهر قد خلعته، ثم جرّد السيف وقال: هذا الباطن قد سللته. قال: وفى السنة التى قتل فيها الحاكم أشاع أنه يريد أن ينزل فى أول رمضان إلى الجامع ومعه الطعام، فمن أبى الأكل قتله. وكان دعاته إذا ركب يقولون: السلام عليك يا واحد يا أحد، ويغلون فيه الغلوّ المفرط. وادّعى أنه حصل له كتاب الجفر. ولما غلب على الحرمين وعد العلويين أهل المدينة إذا هم مكّنوه من فتح دار جعفر بن محمد الصادق بوعود كثيرة، ففتحها، وكانت مغلقة، فإذا فيها قعب خشب ومصحف وسرير سعف وقدرة؛ ولم تكن

стр. 487

فتحت قبل ذلك (١)، فرأى بالسرير «وأخذ أعداءه وهدم بيعة قمامة فى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة»؛ وخرج رسمه إلى الوزير على لسان خادم أن يكتب: أمرت حضرة الإمامة بهدم قمامة، وأن يجعل علوّها خفضا، وسماؤها أرضا. وبلغه أن المغاربة تلعنه، فقرب الفقهاء المالكية وأمرهم بتدريس مذهب مالك بن أنس فى الجامع. وكان يحب العلماء ويقدم ما يرد فيه، وإذا رأى رأيا عزم عليه وأمضاه. وكتب إليه رجل: إن فلانا مات وخلّف مالا، فوقع بخطه على ظهر الرقعة: السعاية قبيحة إن كانت صحيحة. وكتب إليه آخر: إنّ فلانا مات وخلف بنتا، وقد أخذت جميع مال أبيها، فوقع على ظهر الرقعة: المال مال الله، واليتيم جبره الله، والسّاعى لعنه الله، وعلى مذهبنا يجوز أن ترث البنت جميع مال أبيها. ومنع النساء الخروج من البيوت، فقيل إن فيهنّ من لا تجد من يقوم بشأنها فتموت جوعا، فأمر الباعة بالتطواف فى السكك وأن يبيعوهن من خلف الأبواب ويناولوهن بمغارف طوال السّواعد. وكان أمر ألاّ يكشف مغطّى، فسكر رجل ونام فى قارعة الطريق وغطى نفسه بمنديل، فصار الناس يمرّون به ولا يقدر أحد أن يكشف عنه. فمرّ به الحاكم وهو كذلك، فوقف عليه وقال له: ما أنت؟ فقال: أنا مغطّى، وقد أمر أمير المؤمنين ألاّ يكشف مغطّى. فضحك وطرح عنده مالا، وقال: استعن بهذا على ستر أمرك. وقرر الحاكم بعد ابن الفرات ذا الرئاستين قطب الدولة أبا الحسن على بن جعفر بن فلاح، واستمرّ إلى أن قتل الحاكم. انتهى ما ذكره ابن أبى طى، وفيه تحامل شعر به واحد من مؤرخى مصر ذكره. وقال الروحى على ما حكاه عنه ابن سعيد: ولم يزل الحاكم خليفة إلى سنة إحدى عشرة وأربعمائة، فخرج ليلة الاثنين السابع والعشرين من شوال، فطاف ليلته كلها على رسمه

стр. 488

وأصبح عند قبر الفقاعى (١)، ثم توجه إلى شرقىّ حلوان، وتبعه ركابيان، فأعادهما. وبقى الناس على رسومهم يخرجون يلتمسون رجوعه إلى يوم الخميس سلخ الشهر المذكور، ثم خرج خواص من بطانته فبلغوا دير القصير، ثم أمعنوا فى الدخول فى الجبل؛ فبينما هم كذلك إذ بصروا بالحمار الذى كان راكبه على قنّة الجبل وقد ضربت يداه بسيف فأثر فيهما وعليه سرجه ولجامه. وتتبّع الأثر فقاد إلى أثر الحمار فى الأرض وأثر راجل خلفه وراجل قدّامه؛ فلم يزالوا يقصّون هذا القصّ حتى انتهوا إلى البركة التى فى شرقىّ حلوان، فنزل فيها رجل فوجد فيها ثيابه وهى سبع جباب، ووجدت مزرّرة فيها آثار السكاكين، فلم يشك فى قتله (٢). فكانت مدته ستا وثلاثين سنة وسبعة أشهر، وكانت ولايته خمسا وعشرين سنة وشهرا. وكسفت الشمس يوم موته. وكان جوادا بالمال سفّاكا للدماء قتل عددا كثيرا من أماثل دولته وغيرهم صبرا، وكانت سيرته من أعجب السير. قال: ومنع النساء من الخروج إلى الطّرقات ليلا ونهارا، ومنع الأساكفة من عمل الخفاف المنجدة لهن؛ فأقمن على ذلك سبع سنين وسبعة أشهر إلى خلافة الظاهر. قال أحمد بن الحسين بن أحمد الروذبارى فى كتاب (٣) الأدباء على ما نقله ابن سعيد: وقتل الحاكم ركابيا له بحربة فى يده على باب جامع عمرو بن العاص وشقّ بطنه بيده. وعمّ بالقتل بين وزير وكاتب وقاض وطبيب وشاعر ونحوى ومغنّ ومختار وصاحب ستر

стр. 489

وحمّامىّ وطباخ وابن عم وصاحب حرب وصاحب خبر ويهودى ونصرانى، وقطع حتى أيدى الجوارى فى قصره. وكان فى مدته القتل والغيلة حتى على الوزراء وأعيان الدولة يخرج عليهم من يقتلهم ويجرحهم. وخطفت العمائم جهارا بالنهار، وكان لعبيد الشراء فى مدته مصائب وخطوب فى الناس. وكان المقتول ربّما جرّ فى الأسواق، فأوقع ذلك فتنة عظيمة. قال: كان الحاكم يركب حمارا يسمّى القمر ويعبر به على النّاس. وكان له صوفيّة يرقصون بين يديه ولهم عليه جار مستمر. ووقف رجل للحاكم فصاح عليه، فمات لوقته. وكانت غيبته إلى يوم جلوس ولده الظاهر ثلاثة وأربعين يوما. قال ابن سعيد عن مجموع وقف عليه: وواصل الحاكم فى ركوبه الوقوف على المعروف بابن الأرزق الشواء ومحادثته بدار فرح، وخلع عليه وأجازه. وفى يوم استدعى الحاكم أحد الركابيّة السودان المصطنعة ليحضر إلى حانوت ابن الأزرق الشواء، فوقفه بين اثنين ورماه برمح، ثم أضجعه، واستدعى سكينا فذبحه بيده، ثم استدعى شاطورا ففرق بين رأسه وجسده، ثم استدعى ماء فغسل يده بأشنان ثم ركب. وحمل المقتول إلى الشرطة فأقام ليلة ثم دفن بالصحراء. ثم بعث المؤتمن بعد ثلاثة أيام فنبشه وغسله وأنفذ إليه أكفانا كفن بها، ثم أمر قاضى القضاة بالصلاة عليه، وأمر ألا يتخلف أحد فحضر الشهود وأهل السوق، وصلى عليه قاضى القضاة، ودفن بالقرافة، وواراه قاضى القضاة وجعل التراب تحت خده، وأمر ببناء قبره وتبيضه فى وقته؛ ففعل ذلك. وتظلم إليه رجل فى ركوبه إلى مصر فى ناصح الركابى، فوقف عليه وسأل ناصحا عن دعواه فظهر أنها صحيحة، فأمر أن يدفع ماله إليه، فلم يجد معه فى الوقت ذلك القدر، فألزمه ببيع فرسه الذى كان راكبا عليه، فباعه ووفّى الرجل ما كان له عليه، كل ذلك بحضرته وهو واقف على ظهر دابته، ثم سار.

стр. 490

وقال الفوطى: كان الحاكم أجود الخلفاء بماله، وبه تفشت حاله فيما سفكه من الدماء التى لا يحصيها إلا الله. وكان الأمر فى مدة العزيز فيه انحلال وعفو كبير عن الناس، وظنوا أن ذلك يجوز فى مدة الحاكم وجروا على رسمهم، فتجرّد له منهم مطّلع على جميع أمورهم غير مطّرح لعقوبة، فهلك الجم الغفير منهم. وكان فى مدة أبيه العزيز بالله قد تكشف على أقوام ممن يطعن فى الدولة ويسيء المقالة فيها، فلما صارت له الخلافة انتقم منهم أشد انتقام وعمّهم بالعقوبة. قال: ومن حكايته المشهورة فى العدل أن رجلا عربيا ورد على مصر من سجلماسة (١) يريد الحج، فأودع ماله عند رجل فى السوق، فلما عاد من الحجّ طلب ماله فأبى أن يدفعه إليه. فتوصّل إلى أن أطلع الحاكم على أمره، فقال له اجلس فى دكان مقابلا لدكانه، فإذا جزت فى ذلك السوق فاعمل كأنك تعرفنى وكأنى أعرفك. فلما مر الحاكم وقف على الرجل وسأل عن حاله وأكثر معه الوقوف، وانصرف فجاء الرجل الذى عنده الوديعة إلى الرجل وأكب عليه وسأله الصفح عما سلف منه، وأحضر إليه جميع ماله. فعرف الحاكم بذلك، فأصبح الذى أنكر الوديعة مقتولا معلقا برجله. وكان نقش خاتمه: بنصر الولى العلى ينتصر الإمام أبو على (٢).

стр. 491

وخطب له معتمد الدولة، أبو المنيع قرواش بن المقلد (١) بالموصل والأنبار وقصر ابن هبيرة (٢) والمدائن. ومن خط ابن الصيرفى يروى أن الإمام الحاكم بأمر الله قال لبعض الأعيان الذين شرفهم بمجالسته وميزهم بمحاورته، فقال: أكلت حتى شبعت، وشربت حتى رويت، والشّبع والرّىّ غايتا الأكل والشرب؛ فإذا قلت ونمت، فنقول: حتى إذا أىّ شيء جعلته غاية النوم؟ فلم يحر جوابا ورغب إلى كرمه فى الإفادة، فقال نمت حتى ريثت، والروث غاية النوم، وأنشد: فأما تميم بن مرّ فألفاهم القوم روثا نياما (٣)

стр. 492

الظّاهر لإعزاز دين الله أبو الحسن على ابن الحاكم بأمر الله أبى على منصور أمه أم ولد تدعى رقية، ويقال اسمها آمنة بنت الأمير عبد الله بن المعز، وإنّ ست الملك سلطانة، أخت الحاكم، كانت تعادى آمنة هذه. ومولده بالقصر من القاهرة على مضى ثلاث ساعات من ليلة الأربعاء عاشر شهر رمضان، سنة خمس وتسعين وثلاثمائة؛ وبويع بالخلافة فى يوم عيد الأضحى سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وله من العمر ست عشرة سنة وثلاثة أشهر (١) واتفق فى هذا اليوم أن صلّى للحاكم فى خطبة العيد، ثم بويع الظاهر بعد عودة القاضى من المصلّى، فكان بين الدعاء فى الخطبة للحاكم وبين أخذ البيعة للظاهر ثلاث ساعات، ولم يتفق مثل ذلك. وتوفى ببستان الدكة (٢) خارج القاهرة، فى ليلة الأحد النصف من شعبان سنة سبع

стр. 493

وعشرين وأربعمائة، وعمره إحدى وثلاثون سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيام. ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام، كانت فيها قصص وأنباء. ذلك أنه لمّا فقد الحاكم استدعت السيدة ست الملك سيف الدولة حسين بن على بن دوّاس الكتامى إلى حيث كانت جالسة وقالت له: المعول فى قيام هذه الدّعوة عليك، وهذا الصبى ولدك، وينبغى أن تتولى الخدمة إلى غاية وسعك وتبذل فيها كل ما عندك. فقبّل الأرض وشكر ودعا، ووعد بالإخلاص فى الطاعة، وبلوغ ما فى القدرة والاستطاعة. فأخرجت علىّ بن الحاكم بأمر الله ولقبته الظاهر لإعزاز دين الله؛ وألبسته تاج المعز جد أبيه، وهو تاج مرصع بالجواهر الفاخرة، وجعلت على رأسه مظلة مرصعة. وأركبته فرسا رائعا بمركب ذهب مرصع، وأخرجت بين يديه الأمير الوزير رئيس الرؤساء خطير الملك أبا الحسن عمار بن محمد ونسيما صاحب السيف، فى عدّة من الأستاذين (١) تخدم. فلما برز وشوهد تقدم الوزير وصاح: يا عبيد الدولة، مولاتنا تقول لكم هذا مولاكم أمير المؤمنين فسلموا عليه، فقبل ابن دوّاس الأرض ومرّغ خدّيه بين يديه، وفعل ما يتلوه من سائر طبقات العسكر مثل ذلك؛ وضربت البوقات والطبول، وعلا الصياح بالتكبير والتهليل، والظاهر يسلم على الناس يمينا وشمالا. وفتحت أبواب القصر، وأدخل الناس على العموم حتى سلّموا ومدحوا؛ ولم يزل واقفا لهم إلى الظهر. ثم صرفوا وجمعوا من غد وأخذت البيعة عليهم، ووضع العطاء، وأطلق مال الفضل للجند كافة؛ ولم يجر خلاف من أحد، إلا أنّ غلاما تركيا كان يحمل الرمح بين يدى الحاكم قال لا أبايع حتى أعرف خبر مولاى؛ فأخذ وسحب على وجهه وغرق فى النيل؛ وقامت الهيبة.

стр. 494

وكتب إلى بلاد الشام والمغرب بوفاة الحاكم وقيام الظاهر، ورسم لهم أخذ البيعة على نفوسهم ومن عندهم من سائر طبقات الناس. وأقيمت المآتم على الحاكم فى القصور والقاهرة ثلاثة أيام. وجمعت السيدة عامة أهل مصر وخاطبتهم بالجميل والملاطفة، ووعدتهم حسن السيرة والمعاملة، وأمرتهم بذكر حوائجهم ومصالحهم فى كل وقت، والمطالعة بحيف إن لحقهم من عامل أو ناظر ليفعل فى ذلك ما توجبه السياسة العادلة. وأطلقت للنساء الخروج من منازلهن والتصرّف فى أمورهن. وارتجعت جواهر كان الحاكم وهبها، وحلّت إقطاعا، أقطعها ورتبت الأمور ترتيبا أصلحها وهذبها. وزارت ابن دوّاس فى منزله، وجعلت مصادر التدبير على يده. فلما أحكمت ما أحكمته وأكّدت ما أكّدته، أحضرت ابن دواس وقالت له: قد علمت ما بينى وبينك من المواثيق والعهود، وأنا امرأة، وإنما أريد هذا الملك لهذا الصبى؛ وقد أحسن الله المعونة، وأجرى الأمور على المحبة؛ وأنت زعيم الدولة فيها والمنظور إليه منها؛ وقد رأيت أن أنجز وعدك وأظهره، وأردّ إليك أمر السيادتين، مضافا إلى الشرطتين، وأجعل أمرك فى الأمور والخزائن نافذا، ورأيك فى التقريرات والتدبيرات معتمدا، إذ كنت المولى المخلص والشريك المخالط؛ وأشرفك بخلع وحملان (١) يظهر للخاصّ والعامّ بها موضعك ومحلك، وتخصّصك وتحققك. فادخل الخزائن واختر كل ما تريد لفخامته ولجلالته، واطلب يوما تختار لتفاض فيه عليك الخلع ويقرأ العهد بتقليدك. فلما سمع من ذلك ما سمع سرّ به وقبّل الأرض شكرا عليه. وشاع هذا الحديث فركب الناس إليه وهنئوه بالنعم المتجردة له. وأحضرت السيدة بعد ذلك كاتب ابن دوّاس وقالت له: قد تقدمنا إلى سيف الدولة بما عرفته، وبما اعتمد التخفيف فيما أطعمه أو وقف فيه دون الغاية التى نريدها، وينبغى لك أن تعمل أنت تذكرة بجميع ما يستوفى فيه شروط المنزلة التى قدمناه إليها، والحال

стр. 495

التى أهّلناه لها، وتستظهر له لا عليه فى ذلك، وتحضرها لنقف عليها وننجز ما فيها. فقبّل الأرض وقال: السّمع والطّاعة. فقالت له واكتب أيضا رقعة واذكر فيها مبلغ جاريك لنوقع بإضعافه، وقد أمرنا عاجلا باعطائك ألف دينار وعشرين قطعة ثيابا وبغلين بمركبين. فأعاد الشكر والدعاء، وصار إلى ابن دواس فأعلمه ما خوطب به وعومل به من حسن الاعتقاد فيه؛ فتضاعف سروره بذلك، ووافقه على ما كتب به التذكرة من الثياب، والسيوف المحلاة، والمناطق المرصعة، والدواب والمراكب الذهب الثقيلة، وغير ذلك من أسباب التشريفات الزائدة؛ وعاد الكاتب بها فعرضها، وتقدم باعداد جميع ما فيها، وكتب له العهد. وأحضر ابن دوّاس وبنو عمه وكاتبه، وامتلأ القصر بالخاصّة والعامة، وخرج معضاد الخادم، وكان قريبا من السيدة، وهو أستاذ الظاهر، فحمل ابن دوّاس إلى الخزانة حتى يشاهد ما أعد له، وكان عظيما جليلا، وقال له: السيدة تقول لك إن أردت مزيدا فاطلبه، فقبّل الأرض ودعا، وعاد فجلس فى صفّة على باب السّتر ووجوه الدولة بين يديه، وكل منهم يتطأطأ له ويعطيه من نفسه كل ما يتقرب إليه به. فلما تعالى النهار خرج نسيم الصقلبى صاحب الستر والسيف، وبين يديه مائة رجل تعرف بالسّعدية، يختصون بركاب السلطان ويحملون سيوفا محلاة بين يديه، ويعرفون لأجلها بأصحاب سيوف الحلى؛ وقد جرت عادتهم فى أيام الحاكم بأن يتولوا قتل من يؤمر بقتله. وقال لابن دوّاس: أمير المؤمنين يسلم عليك. فقام وقبل الأرض، وفعل الناس مثل ما فعله؛ وقال: قد جعل هؤلاء القوم - يعنى أصحاب السيوف - برسمك إكراما لك وتنويها بك. فقبّل الأرض ثلاثا ومرّغ خديه، ودعا هو والحاضرون للظاهر بما يدعى لمثله به؛ ووقف القوم قياما بين يديه. فعاد نسيم فألقى ما جرى، فرسمت له السيدة أن يخرج ويضبط أبواب القصر بالخدم والصقالبة، ففعل. وقالت له بعد ذلك، اخرج وقف بين يدى ابن دوّاس وقل: يا عبيد مولانا، أمير المؤمنين يقول لكم هذا قاتل مولانا
следующие страницы →