← История

История · id 176

اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا

المقريزي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

سنة خمس وتسعين وثلاثمائة (١): فى سابع محرم قرئ سجل فى الجوامع يأمر اليهود والنصارى بشدّ الزّنّار ولبس الغيار (٢)، وشعارهم بالسواد شعار الغاصبين العباسيين. وفيه فحش كثير وقدح فى حقّ الشيخين ﵄. وقرئ سجل فى الأطعمة بالمنع من أكل الملوخية المحبّبة كانت لمعاوية بن أبى سفيان، والبقلة المسماة بالجرجير المنسوبة إلى عائشة ﵂، والمتوكلية المنسوبة إلى المتوكل (٣). وفيه المنع من عجن الخبز بالرجل، والمنع من أكل الدلنيس (٤)، والمنع من ذبح البقر التى لا عاقبة لا عاقبة لها إلا فى أيام الأضاحى، وما سواها من الأيام لا يذبح منها إلاّ ما لا يصلح للحرث. وفيه النكير على النّخّاسين والتشديد عليهم فى المنع من بيع العبيد والإماء لأهل الذمة. وقرئ سجّل آخر بأن يؤذّن لصلاة الظهر فى أول الساعة السابعة، ويؤذّن لصلاة العصر فى أول الساعة التاسعة. وإصلاح المكاييل والموازين والنهى عن البخس فيهما، والمنع من بيع الفقّاع (٥) وعمله البتّة لما يؤثر عن علىّ ﵁ من كراهة شرب الفقّاع. وضرب فى الطرقات بالأجراس ونودى ألا يدخل الحمام أحد إلاّ بمئزر؛ وألا تكشف امرأة وجهها فى طريق ولا خلف جنازة، ولا تتبرّج. ولا يباع شيء من السمك بغير قشر،

стр. 422

ولا يصطاده أحد من الصيادين. وتتبّعت الحمّامات وقبض على جماعة وجدوا بغير مئزر فضربوا وشهّروا. وفيه برزت العساكر لقتال بنى قرّة وسارت. وكتب فى صفر على سائر المساجد، وعلى الجامع العتيق من ظاهره وباطنه فى جميع جوانبه، وعلى أبواب الحوانيت والحجر والمقابر والصّحراء بسبّ السّلف ولعنهم، ونقش ذلك ولوّن بالأصباغ والذهب؛ وعمل كذلك على أبواب القياسر وأبواب الدور، وأكره على عمل ذلك. وأقبل الناس من النواحى والضّياع فدخلوا فى الدعوة، وجعل لهم يوم وللنساء يوم؛ فكثر الازدحام ومات فى الزحمة عدّة (١). ولما دخل الحاجّ نالهم من العامة سبّ وبطش؛ فإنهم طلبوا منهم سبّ السلف ولعنهم، فامتنعوا. ونودى فى القاهرة: لا يخرج أحد بعد المغرب [إلى] الطريق ولا يظهر بها لبيع ولا شراء فامتثل الناس لذلك. وفى ربيع الأول تتبّعت الدّور ومن يعرف بعمل المسكرات، وكسر من أوعيتها شيء كثير. وفيه أمر الحاكم بشونة تحت الجبل ملئت بالسّنط والبوص والخلفاء؛ فتخوّف الناس كافة، من يتعلّق بخدمة الدولة من الأولياء والقواد والكتاب، وسائر الرعية من العوامّ. وقويت الشّفاعات وكثر الاضطراب، فاجتمع سائر الكتاب والمتصرّفين من المسلمين والنصارى، وخرجوا بأجمعهم فى خامسه إلى الرياحين (٢) بالقاهرة؛ وما زالوا يقبلون الأرض

стр. 423

حتى وصلوا إلى القصر، فوقفوا على بابه يدعون ويتضرعون، ويضجّون ويسألون العفو عنهم، ومعهم رقعة قد كتبت عن الجميع. ثم دخلوا باب القصر وهم يسألون أن يعفى عنهم ولا يسأل فيهم قول ساع يسعى فيهم. وسلّموا رقعتهم لقائد القوّاد، فأوصلها إلى الحاكم، فعفا عنهم وأمرهم على لسان قائد القواد بالانصراف والبكور لقراءة سجلّ بالعفو عنهم؛ فانصرفوا بعد العصر. وقرئ من الغد سجلّ كتب نسخة للمسلمين ونسخة للنصارى ونسخة لليهود بالأمان والعفو عنهم. وفى ليلة التاسع منه ولد للحاكم ولد، فجلس فى صبيحتها للهناء، وأمر بإحراق الشونة فأحرقت. وكان سابع المولود (١)، فأخرج على يد خادم إلى قائد القواد، فتسلّمه حتى أعد المزين شعره؛ وذبح عنه الشريف أبو الحسن النرسى العقيقة بيده، وحمل عثمان الحاجب الدّم والعقيقة، فأمر له بألف دينار وفرس ملجم وعدّة ثياب من أجل حمل الدم والعقيقة؛ ودفع إلى المزيّن مائتا دينار وفرس. وسمّى المولود بالحارث وكنّى بأبى الأشبال. وخرج قائد القواد إلى سائر الأتراك والديلم والعرفاء وقال: مولانا يقرأ عليكم السلام ويقول قد سمّيت مولاكم الأمير الحارث وكنّيته أبا الأشبال. فقبّل الجميع الأرض وأكثروا الدعاء، وانصرفوا. وزيّنت البلد أربعة أيام. وفيه رسم الحاكم لجماعة من الأحداث أن يتقافزوا من موضع عال فى القصر، ورسم لكل منهم بصلة؛ فحضر جماعة وتقافزوا، فمات منهم نحو ثلاثين إنسانا من أجل سقوطهم خارجا عن الماء على صخر هناك؛ ووضع لمن قفز ماله. وفى ربيع الآخر اشتد خوف كافة الناس من الحاكم، فكتب ما شاء الله من الأمانات للغلمان الأتراك الخاصة وزمامهم ومن معهم من الحمدانية، والبكجورية، والغلمان العرفاء،

стр. 424

والمماليك، وصبيان الدار، وأصحاب الإقطاعات، والمرتزقة، والغلمان الحاكمية القدم. وكتب أمان لجماعة من خدم القصر الموسومين بخدمة الحضرة بعد ما تجمّعوا وساروا إلى تربة العزيز وضجّوا بالبكاء وكشفوا رءوسهم. وكتبت عدة سجلات بأمانات للديلم والخيل والغلمان الشرابية، والغلمان المرتاحية، والغلمان البشارية، والغلمان المفرقة العجم وغيرهم، والنقباء، والروم المرتزقة (١). وكتبت عدة أخرى بأمان الزّويلين، والمنادين، والبطالين، والبرقيّين، والعطوفية، والجوانية، والجودرية، والمظفرية، والصنهاجيين، وعبيد الشراء بالحسينية، والميمونية، والفرجية. وكتب أمان لمؤذنى أبواب القصر، وأمانات لسائر البيازرة والفهّادين والحجالين، وأمانات أخرى لعدة أقوام، كل ذلك بعد سؤالهم وتقرّبهم. وفيه أمر بقتل الكلاب، فقتل منها ما لا يحصى حتى لم يبق منها بالأزقة والشوارع شيء، وطرحت بالصحراء وبشاطئ النيل؛ وأمر بكنس الأزقّة والشوارع وأبواب الدور فى كل مكان، ففعل ذلك. وفى جمادى الآخرة فتحت دار الحكمة (٢) بالقاهرة، وجلس الفقهاء فيها، وحملت الكتب اليها، ودخلها الناس للنّسخ من كتبها وللقراءة. وانتصب فيها الفقهاء والقرّاء والنّحاة وغيرهم من أرباب العلوم، وفرشت، وأقيم فيها خدام لخدمتها، وأجريت الأرزاق على من بها من فقيه وغيره؛ وجعل فيها ما يحتاج إليه من الحبر والأوراق والأقلام.

стр. 425

وفيه اشتد الطلب على الركابية (١) المستخدمين فى الرّكاب بعد أن قتل منهم فى يومين أكثر من خمسين نفسا فتغيّبوا؛ وامتنع أحد من الناس أن يمشى بين يديه غلام أو شاكرى (٢)، فكانت القواد ومن جرى رسمه أن يكونوا بين يديه يسيرون وحدهم، وإذا نزل أحدهم للسّلام أمسك خادمه الدابة؛ ثم عفى عنهم وكتب لهم أمان. وكتب لعدّة من الناس عدّة أمانات. وفيه منع كلّ أحد ممّن يركب أن يدخل من باب القاهرة راكبا؛ ومنع المكاريّون أن يدخلوا بحميرهم؛ ومنع الناس من الجلوس على باب الزهومة (٣) من التجار وغيرهم؛ ومنع كلّ أحد أن يمشى ملاصق القصر من باب الزّهومة إلى باب الزّمرد. ثم أذن للمكاريين فى الدخول وكتب لهم أمان. وتخوّف الناس، فخرج أهل الأسواق على طبقاتهم، كل طائفة تسأل كتابة أمان، فكتب ما ينيف عن المائة أمان لأهل الأسواق خاصة، قرئت كلّها فى القصر ودفعت لأربابها، وكلّها على نسخة واحدة. وهى بعد البسملة: «هذا كتاب من عبد الله ووليّه المنصور أبى علىّ الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، لأهل مشهد عبد الله إنكم من الآمنين بأمان الله الملك الحقّ المبين، وأمان سيّدنا محمد خاتم النبيين، وأبينا علىّ خير الوصيّين، وذرية النبوّة المهديين آبائنا، صلى الله على الرسول ووصيّه وعليهم أجمعين. وأمان أمير المؤمنين على النّفس والأهل والدم والمال. لا خوف عليكم، ولا تهديد بسوء إليكم، إلاّ فى حدّ يقام بواجبه، وحقّ يوجد لمستوجبه. فليوثق

стр. 426

بذلك وليعوّل بأمان الله. وكتب فى جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة. والحمد لله وصلى الله على محمّد سيد المرسلين، وعلىّ خير الوصيين، وعلى الأئمة المهديين ذرية النبوّة، وسلّم تسليما». وفى يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان ولد للحاكم ولد ذكر، فجلس الحاكم يوم الخميس للهناء. وكان السابع يوم الثلاثاء، فحمله شكر الخادم، وحضر أبو الحسن على ابن إبراهيم النرسى وعقّ عنه، وحضر المزيّن فحلق شعره وتناول ما له من الرسم. وسمّاه الحاكم عليّا وكناه أبا الحسن؛ وهو الذى ولى الخلافة وتلقب بالظّاهر. وفيه فرش جامع راشدة. وركب الحاكم يوم عيد الفطر وعليه ثوب مصمت (١) أصفر، وعلى رأسه منديل منكر، وهو محنك (٢) بذؤابة والجوهر بين عينيه. وقيد بين يديه ستّة أفراس بسروج مرصعة بالجوهر، وست فيلة، وخمس زرافات؛ فصلى بالناس صلاة العيد وخطبهم، فلعن فى خطبته ظالمه حقّه والمرجفين به؛ وأصعد معه قائد القواد وقاضى القضاة عز الدين. وفيه اضطرب السّعر واختلف الناس فى الدّراهم والصرف، فكانت المعاملة بالدراهم الزائدة والقطع، واستقر سعرها على ستة وعشرين درهما بدينار (٣).

стр. 427

وفى أول ذى القعدة برزت قافلة الحاجّ إلى مصلّى القاهرة، ثم رفعت إلى جبّ عميرة فى سابعه، وسارت ليلة العاشر منه بالكسوة للكعبة والرّسوم على العادة. وفيه كسر الخليج والماء على خمسة عشر ذراعا وسبعة أصابع، وهو آخر يوم من مسرى. وحضر الحاكم وعلى رأسه تاج مكلّل بالجواهر. ونودى فى الناس بأن يلعبوا بالماء فى النّوروز على عادتهم، ففعلوا. ونزل الحاكم يوم النّحر إلى المصلّى، فصلّى بالناس وخطب، ونحر بها ثلاث بدن، وعاد إلى القصر فحضر السّماط، ثمّ نحر فى الملعب إحدى وعشرين بدنة؛ وواصل النحر أيّاما. وفيها قتل القاضى حسين بن النعمان؛ ضربت رقبته ثم أحرق بالنار. وذلك أن متظلّما رفع رقعة إلى الحاكم يذكر فيها أن أباه توفّى وترك له عشرين ألف دينار، وأنّها فى ديوان القاضى، وقد أخذ منها رزق أوقاف معلومة، وأنّ القاضى حسين بن النعمان عرّفه أن ماله قد نجز. فدعا به وأوقفه على الرّقعة، فقال كقوله للرجل من أنّه قد استوفى ماله من أجرة. وأمر بإحضار ديوان القاضى، فأحضر من ساعته، فوجد أنّ الذى وصل إلى الرّجل أيسر ماله. فعدّد على القاضى حسين ما أقطعه وأجرى له وما أزاح من علله لئلا يتعرض إلى ما نهاه عنه من هذا وأمثاله. فقال: العفو والتوبة؛ فأمر به فضربت عنقه وأحرق. وقتل عدّة أناس يزيد عددهم على مائة نفس؛ ضربت أعناقهم وصلبوا، وقتل عبد الأعلى بن هاشم من القرابة، لأنه كان يتحدث بأنه يلى الخلافة، وأنه كان يجمع قوما ويعدهم بولاية الأعمال. وقد تقدّم خبره.

стр. 428

سنة ست وتسعين وثلاثمائة (١): فيها ذكر المسبّحى خبر أبى ركوة الوليد بن هشام بن عبد الملك بن عبد الرحمن الأموى (٢) ولد بالأندلس وقدم القيروان، فانتصب يعلّم الصّبيان بها القرآن، ثم دخل إلى مصر فأقام بها وبأريافها يعلم الصّبيان مدّة، ثم خرج إلى الإسكندرية وقد أكثر الحاكم من الإيقاع ببنى قرّة وأكثر من قتلهم وتحريقهم بالنار، فخلعوا طاعته. وسبب ذلك أن بنى قرّة كان شيخهم مختار بن القاسم، فلما بعث الحاكم يحيى بن على الأندلسى يخرج فلفول بن سعيد بن خزرون بطرابلس على صنهاجة ساروا معه إلى طرابلس، وجرت الهزيمة عليه ورجعوا إلى برقة. فتنكر لهم الحاكم، فامتنعوا عليه، فبعث لهم بالأمان؛ فقدم وفدهم إلى الإسكندرية فقتلهم عن آخرهم سنة أربع وتسعين. وكان عندهم معلّم القرآن واسمه الوليد بن هشام، ينسب إلى المغيرة بن عبد الرحمن من بنى أمية؛ وكان يزعم أن له أثارة من علم، ويخبر بأنه سيملك ما ملكه آباؤه، وكان يقال له أبو ركوة. فدعاهم إلى نفسه فبايعوه، وتلقب بأمير المؤمنين الناصر لدين الله. ثم بعث إلى لواتة ومزانة وزناتة فاستجابوا له؛ ورحل إلى برقة، والناس يباكرونه فى كلّ يوم فيسلّمون عليه بالخلافة ويقبّلون له الأرض، فيجلس فى وسطهم ويقول: أنا واحد منكم وما أريد شيئا من هذه الدّنيا، ولا أطلبها إلاّ لكم، وليس معى مال أعطيكم

стр. 429

وإنّما لى عليكم طاعة، وإن نصرتمونى نصرتم أنفسكم، وإن قاتلتم معى أخذتم حقكم بأيديكم فيقولون له: يا أمير المؤمنين نحن مبايعون لأمرك مطيعون لك، فمرنا بأمرك. فلم يزل معهم يطوف قرى برقة ويأخذ البيعة، إلى أن عظم أمره وهو فيما بين الإسكندرية وبرقة. فبعث إليه الحاكم جيشا عليه ينال الطويل التركى فى نصف شعبان سنة خمس وتسعين، فواقعه أبو ركوة وقتله ومعظم عسكره، وظفر من الأموال والخيل والسّلاح والنّعم الجليلة بما قوى به، واشتدّ بأسه. وكان فى ظهور أبى ركوة طلع كوكب الذؤابة، فكان يضيء كالقمر وله بريق ولمعان، ويقوى ويكثر نوره وأمر أبى ركوة يشتد ويعظم. فأقام هذا الكوكب شهورا، ثم اضمحلّ نوره وضعف لمعانه وأخذ أمر أبى ركوة ينقص ويضعف إلى أن أخذا أسيرا، فغاب الكوكب ولم ير بعد ذلك؛ فكان شأن هذا الكوكب فى دلالته على أبى ركوة من أعجب العجب. وابتدأ الحاكم فى تجريد العساكر شيئا بعد شيء، ونزل أبو ركوة بعد ظفره على برقة فحاصرها، وصندل الحاكم أميرها يقاتله، حتى اشتد الحصار ومنع أهل برقة من الميرة، ففرّ صندل، ومعه شيوخ البلد، إلى الحاكم، وحثّه على بعث الجيوش، وأعلمه بقوة أبى ركوة واستفحال أمره. ودخل أبو ركوة إلى مدينة برقة واستخرج الأموال، وأقطع بنى قرّة أعمال مصر، مثل دمياط وتنّيس والمحلة وغيرها، وكتب خطه بذلك؛ وأقطع دور القواد والأكابر التى بالقاهرة ومصر؛ وجدّد البيعة لنفسه. فندب الحاكم لقتاله القائد أبا الفتوح فضل بن صالح (١) فى ربيع الأول سنة ستّ وتسعين، وأتبعه بالعساكر فاجتمعت

стр. 430

بالإسكندرية، وسار بها، فلقيه أبو ركوة بذات الحمام (١). وكانت بينهما حروب آلت إلى هزيمة العسكر والاحتواء على ما فيه من مال وسلاح؛ فعظم شأن أبى ركوة. ووردت الجند على الحاكم بذلك للنّصف من رمضان، فكان من تدبير الحاكم أن دعا بوجوه رجاله وقوّاده، فأمرهم أن يكاتبوا أبا ركوة ويعرّفوه أنّهم على مذهبه ورأيه، وأنه إن توجّه إليهم وقرب منهم صاروا فى جملته وقاتلوا معه؛ وذكروا ما يقاسونه من قتل وجوههم وأكابرهم، وأنهم لا يأمنون فى ليلهم ولا نهارهم، مع ما يسمعونه من انتقاص الشرف ونحو هذا. فكتبوا بذلك وأنفذوا إليه عدّة كتب من كل واحد منهم كتابا مع رسوله. فلما تواتر ذلك عليه وثق به ولم يشكّ فيه، وحشد جموعه ووعدهم بأموال مصر ونعمها، وسار. فخلع الحاكم على أبى الحسن علىّ بن فلاح، وسيّره إلى ضبط بركة الحبش فى عسكر، فأقام بها أياما؛ ثم عدّى إلى الجيزة، وتلاحقت به العساكر برّا وبحرا. واضطربت الأسعار بمصر، وعدم الخبز وبيع مبلولا ستّة أرطال بدرهم، وكان يباع عشرة أرطال بدرهم، وأنفق فى العساكر المتوجهة لكلّ واحد أربعة وعشرين دينارا. وكوتب على بن صفوح بن دغفل بن الجراح الطائى، فحضر فى سابع عشر شوال، وخلع عليه، وطوّق بطوق من ذهب، وحمل. وتزايد سعر الدقيق والخبز وروايا الماء، وازدحم الناس عليها. وخلع على القائد فضل بن صالح ثوب ديباج مثقل طميم أحمر ومنديل ذهب، وقلّد بسيف وحمل على فرس بمركب ذهب، وبين يديه تسعة من الخيل وثلاثون بندا مذهبة

стр. 431

وأربعة عشر سفطا فيها أنواع الثياب. وسار إلى الجيزة، وأكمل لكلّ واحد من العساكر السّائرة خمسون دينارا. ونزلت إليه خزانة السلاح (١). وورد الخبر بنهب الفيّوم؛ فجهزت إليها سرية، فأوقعوا بأصحاب أبى ركوة وبعثوا إلى القاهرة بعدّة رءوس طيف بها. وسار القائد فضل من الجيزة فى رابع ذى القعدة والغلاء بالعسكر، فبيعت الويبة من الشعير بخمسة دراهم والخبز ثلاثة أرطال بدرهم. وأقام على بن فلاح فى مضاربه بالجيزة، وحمل إليه خيمة وخمسة أفراس بمراكبها، وسيف، وألفا دينار وثلاثون ثوبا، فأنفق فى أصحابه. فلما كان فى ثامن عشر ذى القعدة وقع فى الناس خوف فى اللّيل وضجيج، فنزلت العساكر طائفة بعد طائفة، والناس جلوس فى الشوارع وعلى أبواب الدّور ليلهم كلّه، يبتهلون بالدعاء بالنّصر، فلحقت هذه العساكر بابن فلاح وهو بالجيزة؛ فسيّر عسكرا إلى الفيّوم، وأقام على خوف ووجل. فبلغ أبا ركوة إقامة علىّ بن فلاح بالجيزة، فأسرع إليه وكبس عسكره ونهب سواده؛ وأخذت خزائن السلاح؛ ووقع القتال الشديد فقتل خلق كثير من أصحابه وجرح خلق لا يحصى. ولما نزلت خزائن السلاح من عند الحاكم مع قائد القوّاد، وعظم البكاء والضّجيج على شاطئ النيل لكثرة القتلى فى العسكر، منع ابن فلاح من حمل الموتى إلى مصر، وأمر بدفنهم فى الجيزة. وافتقد كثير من العسكر فلم يعلم لهم خبر، ولم يسلم من العسكر إلاّ القليل؛ فغلّقت الأسواق، وجلس الناس بالشوارع

стр. 432

غمّا لما جرى على العسكر؛ وتزايد البكاء من الناس على فقد آبائهم ومعارفهم. وباتوا وأصبحوا يوم السبت العشرين منه، فورد الخبر بدخول أبى ركوة فى جموعه إلى الفيّوم؛ وسار فضل بن صالح لقتاله، فالتقى معه فى ثالث ذى الحجة وحاربه، فكانت وقعة عظيمة قتل فيها ما لا يحصى كثرة. وانهزم أبو ركوة، واستأمن بنو كلاب وغيرهم من العرب. فسارت العساكر فى طلب أبى ركوة، وحضرت الرءوس من الفيوم ومعها الأسرى، وهى تجاوز ستة آلاف رأس ومائة أسير، فطيف بها بالبلد، وقتل الأسرى بالسّيوف بعد ما لحقهم أنواع البلاء بيد العامة، يصفعون أقفيتهم وينتفون لحاهم، ويضربونهم، حتى تفتّحت أكتاف كثير منهم، فكان أمرا مهولا. وتواتر مجئ من أخذ من عسكر أبى ركوة فجئ بخلق كثير وعدّة رءوس. ودخل ابن فلاح من الجيزة فخلع عليه. واستمر القائد فضل فى طلب أبى ركوة وهو يبعث بمن قبض عليه من الرجال وبرءوس من يقتلهم شيئا بعد شيء. وعاد علىّ بن الجراح من عند القائد فضل فخلع عليه. وفى الثانى من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ورد الخبر من القائد الفضل بن صالح بحصول أبى ركوة ووقوعه فى يده، فابتهج الناس لذلك؛ وخلع على قائد القواد وعلى أولاده وعلى البدوىّ الذى خرج فى طلب أبى ركوة حتى أدركه ببلد النوبة؛ وعلى أبى القاسم علىّ بن القائد فضل، وعلى ابنه. وذلك أن أبا ركوة دخل بعد هزيمته إلى بلد النوبة، فتبعه القائد فضل وبعث إلى ملك النوبة بالقبض على أبى ركوة، وسيّر إليه عسكرا مع الكتاب. فلما بلغوا أطراف النّوبة وجدوا أبا ركوة قد اختفى بدير هناك وله فيه أربعة عشر يوما؛ فدلّهم عليه رجل من العرب (١)، فقبضوا عليه فى ربيع الأول منها

стр. 433

وأتوا به إلى القائد فضل. فسار به إلى مصر ونزل بركة الحبش (١) يوم الجمعة للنصف من جمادى الآخرة، فخرج إليه قائد القواد بسائر [رجال] الدولة، وسلم عليه، وأبو ركوة فى مضرب ومعه القائد فضل؛ فأقام هناك إلى بكرة يوم الأحد سابع عشره؛ فسار من بركة الحبش بعساكره وأبو ركوة على جمل فوق سرير، وعليه ثوب مشهّر، وفوق رأسه طرطور طويل ومعه رجل يمسكه. وذلك أنه لما ألبس الطرطور صاح: يا فضل، يا أبا الفتوح، ما كذا ضمنت لى. فصفع صفعة منكرة وأمسك يديه هذا القائد خلفه، وقد اجتمع الناس من كل جهة، فكان جمعا لم ير مثله كثرة، وأوجرت الدور والحوانيت بحمله (٢) وبات الناس على الطرقات حتى وصل به إلى القصر، فأوقف ساعة على باب القصر وهو يشير بإصبعه ويطلب العفو، والصفع فى قفاه؛ ويقال له قبّل الأرض فيقبّل؛ ثم سير به إلى مسجد تبر. فلما خرج من باب القاهرة أشار إلى الناس يرجمونه بالحجر والآجرّ، ويصفعونه وينتفون لحيته، حتى عاين الموت مرارا، إلى أن بلغ مسجد تبر، فضرب عنقه وصلب جسده؛ وحمل رأسه إلى الحاكم؛ فخلع على القائد فضل وغيره من القوّاد والعرفاء الذين كانوا معه، وخلع على قائد القواد. فكان يوما عظيما مهولا لكثرة اجتماع الناس.

стр. 434

وأقاموا ليلتين فى الحوانيت والشوارع وعلى أبواب الدور يظهرون المسرّة والفرح (١). وأظهر أبو ركوة فى مواقف الألم صبرا وتجلّدا؛ وكان لا يخاطب القائد الفضل إلا باسمه أو بكنيته. ولما أقام فى بركة الحبش، وخرج الناس ورأوه، كان يسأل من يلقاه عن اسمه وكان يتلو القرآن ويترحّم على السّلف. وكان شابا أسمر تعلوه حمرة، مستنّ الوجه طويل الجبهة، أشهل (٢) بزرقة، أقنى، صغير اللحية، أصهب (٣) إلى الشّقرة ظاهر القطوب تبين فيه الجد، لا يكاد يتجاوز ثلاثين سنة يوم قتل. ويقال إنه ولد رجل من موالى بنى أمية. ولما قتل أبو ركوة نفذت الكتب إلى الأعمال كلها بخبر الفتح. فلما كان فى رجب ورد شيوخ كل ناحية وقضاتها، وقضاة الشام وشيوخه، لتهنئة الحاكم بالظفر وأخذ أبى ركوة. وقدم أبو الفتوح حسن بن جعفر الحسنى أمير مكة فى شعبان لتهنئته، فخلع عليه وأكرمه، وأنزل بدار برجوان. وفيه أرجف الناس بأن القائد فضل بن صالح ينظر فى أمور الدولة وتدبيرها بدل قائد القواد حسين بن جوهر؛ وكان بينهما فى الباطن تباعد من جهة الرّتبة والحسد عليها: وكان القائد فضل قد تفاقم وعظم تيهه وترفّعه على قائد القواد فى قوله وفعله: قال المسبحى: قال لى الحاكم بأمر الله وقد جرى حديث أبى ركوة: ما أردت قتله ولكن جرى فى أمره

стр. 435

ما لم يكن عن اختيارى، فقلت له: يا أمير المؤمنين، ما قصّر عبدك الفضل بن صالح فى خدمته، قال: وإيش تظن أن فضل أخذ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، هذا قول الناس. فقال: والله العظيم ما أفلح فضل فى حركته تلك، ولا أنجح ميزاننا. أنفقنا ألف ألف دينار ذهبا صناعا، وإنما أخذه ملك النوبة وأنفذ به إلىّ. فقلت صدقت يا أمير المؤمنين وعلمت أن هذا مما قرّر قائد القوّاد الحسين بن جوهر فى نفسه ليبطل فعل فضل وخدمته، فاستقر. وأما خبر القاهرة فإنه جرى الأمر فى يوم عاشوراء على العادة من تعطيل الأسواق وخروج المنشدين والنّاحة إلى جامع القاهرة (١)، فتظاهروا فيه بسبّ السّلف، فقبض على رجل ونودى عليه: هذا جزاء من سب عائشة وزوجها؛ وضربت عنقه. وتقدّم الأمر إلى أصحاب الشرطة ألا يتعرّض أحد لسبّ السّلف، ومن فعل ذلك قبض عليه، فانكفّ الرعاع عن السبّ والتعرّض للحاجّ. وللنصف من صفر وردت قافلة الحاج. وفى نصف ربيع الأول جمع الحاكم نحو ألفى باقة نرجس وأتحف بها الأولياء. واستهل رجب بيوم الأربعاء، فخرج أمر الحاكم إلى أصحاب الدواوين بأن يؤرخوه بيوم الثلاثاء. وفيه هبّت ريح عاصفة، ثم أرعدت ونزل المطر وفيه برد كهيئة الصفائح إذا سقط إلى الأرض تكسر، فكان فيه ما يبلغ وزنه زيادة على أوقيتين، وفيه ما هو قدر البيضة، فغطى الأرض؛ وأقام الناس أياما يتبعونه فى الأسواق. ولم يعهد مثل ذلك بمصر.

стр. 436

وجرى الرسم فى شهر رمضان كل ليلة على العادة، وصلى الحاكم فيه بالناس صلاة الجمعة وخطب ثلاث مرات. وصلى يوم عيد الفطر بالناس وخطب بالمصلّى على عادته. وللنصف من ذى القعدة (١) سارت قافلة الحاج بكسوة الكعبة وصلات الأشراف وغيرها على [ما جرى به الرسم] (٢). وفتح الخليج فى السابع والعشرين من مسرى (٣) والماء على خمس عشرة ذراعا وأصابع، فلم يركب الحاكم لفتحه؛ ولم يوف ست عشرة ذراعا إلى ثامن توت؛ فخلع على ابن أبى الردّاد، وحمل. واجتمع الناس الذين جرت عادتهم بحضور القصر لسماع ما يقرأ من كتب مجالس الدعوة، فضربوا بأجمعهم، ولم يقرأ عليهم شيء. وفيها رحل بنو قرّة من البحيرة بأرض مصر إلى ناحية من عمل برقة مع كبيرهم مختار بن قاسم.

стр. 437

سنة سبع وتسعين وثلاثمائة (١): فى شهر ربيع الأول تزايد أمر الدراهم القطع المتزايدة، فبلغت أربعة وثلاثين درهما بدينار؛ ونزع السعر واضطربت أمور الناس. فرفعت هذه الدراهم، وأنزل من بيت المال بعشرين صندوقا فيها الدراهم الجدد لتفرّق على الصّيارفة. وقرئ سجل برفع تلك الدراهم والمنع من المعاملة بها؛ وانظر من فى يده منها شيء ثلاثة أيام، وأمر الناس بحمل ما كان منها إلى دار الضرب؛ فقلق الناس، وبلغ كل درهم من الجدد أربعة دراهم من القطع. وبيع الخبز كل ثلاثة أرطال بدرهم، فنودى أن يكون الخبز كل اثنى عشر رطلا بدرهم جديد، واللحم رطلين بدرهم؛ وسعّر أكثر الأشياء؛ واستقرّ كلّ دينار بثمانين درهما من الجدد. وسكن أمر الناس بعد ما ضرب كثير من الباعة بالسّياط وشهّروا. وقبض على جماعة من أصحاب الفقّاع والسّمّاكين، وكبست الحمّامات، وضرب جماعة لمخالفتهم ما نهوا عنه وشهّروا. وفى تاسع ربيع الآخر أمر الحاكم بمحو ما هو مكتوب على المساجد والأبواب وغيرها من سبّ السّلف، فمحى بأسره، وطاف متولّى الشرطة حتى أزال سائر ما كان منه. وقرئ سجل بترك الخوض فيما لا يعنى، واشتغال كل أحد بمعيشته عن الخوض فى أعمال أمير المؤمنين وأوامره. وجرى الأمر فى الفطر على السّماط ليالى رمضان، وفى صلاة الحاكم بالناس يوم الجمعة على ما تقدّم.

стр. 438

وركب الحاكم لفتح الخليج فى ذى القعدة والماء على أربعة عشر ذراعا وأصابع، وهو تاسع توت، فانتهى بعد فتح الخليج ماء النيل إلى ستة عشر إصبعا من خمسة عشر ذراعا، ثم نقص، فتحرك السعر وازدحم الناس على شراء الغلال وابتدأت الشدة. وفيها مات يعقوب بن نسطاس النّصرانى، طبيب الحاكم، سكران فى بركة ماء، فحمل إلى الكنيسة فى تابوت، وشقّ به البلد، ثم أعيد إلى داره فدفن بها، وسائر أهل الدولة فى جنازته ومعه شموع كثيرة تتّقد، ومداخن عدّة فيها بخور. وكان طبيب وقته، عارفا بالطب، آية فى الحفظ، ما يغنّى له قط صوت إلا حفظه. ولو غنّاه مائة مغنّ فى مجلس واحد لحفظ سائر ما غنّوه به وتكلم على ألحانها وأشعارها. وكانت له يد فى الموسيقا، وانفرد بخدمة الحاكم فى الطّبّ فأثرى، وترك زيادة على عشرين ألف دينار عينا، سوى الثياب وغيرها. وتوفى الأمير منجوتكين لأربع خلون من ذى الحجة، فصلى عليه الحاكم.

стр. 439

سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة (١): فى المحرم ابتدأ نقص ماء النيل من ثامن عشر توت، فاشتدّ الأمر، وبيع الخبز مبلولا؛ وضرب جماعة من الخبّازين وشهّروا لتعذّر وجود الخبز بالعشايا. ووصل الحاجّ لثمان بقين من صفر. وفى ربيع الأول خلع على علىّ [بن جعفر] بن فلاح بولاية دمشق حربا وخراجا (٢). واشتد الغلاء. فلما كان ليلة عيد الشعانين (٣) منع النّصارى من تزيين كنائسهم على ما هى عادتهم، وقبض على جماعة منهم فى رجب، وأمر باحضار ما هو معلّق على الكنائس وإثباته فى دواوين السلطان؛ وكتب إلى سائر الأعمال بذلك. وأحرق صلبان كثيرة على باب الجامع وفى الشرطة. وفى يوم الجمعة سادس عشر رجب ولى مالك بن سعيد الفارقى القضاء وخلع عليه فى بيت المال قميص مصمت وعمامة مذهبة وطيلسان محشى مذهب، وقلد بسيف. وقرأ سجله أحمد بن عبد السميع وهو قائم، فخرج وبين يديه سفط ثياب، وحمل على بغلة وبين يديه بغلتان. وكان مالك بن سعيد لما قرئ سجلّه قائما على قدميه، وكلما مرّ ذكر

стр. 440

أمير المؤمنين قبّل الأرض. ثم سار من القصر إلى الجامع العتيق، وكلما مرّ بباب من أبواب القصر نزل عن بغلته وقبّل الباب. فلما وصل إلى الجامع وقف خلف المنبر قائما حتى انتهت قراءة السجلّ، وقبّل الأرض كلما ذكر أمير المؤمنين. ثم عاد إلى داره بالقاهرة وتسلم كتب الدّعوة التى تقرأ بالقصر على الأولياء (١). وفى يوم الجمعة سابع شعبان اجتمع أهل الدولة فى القصر بعد ما طلبوا لذلك، وأمروا ألا يقام لأحد، فخرج خادم وأسرّ إلى صاحب السّتر كلاما، فصاح: صالح بن علىّ؛ فقام صالح بن علىّ الرّوزبارى، فأخذ بيده ولا يعلم أحد ما يراد به. فأدخل إلى بيت المال، ثم خرج وعليه درّاعة مصمتة وعمامة مذهبة، ومعه مسعود صاحب الستر، فجلس بحضرة قائد القواد، وأخرج سجلاّ قرأه ابن عبد السميع، فإذا فيه ردّ سائر الأمور التى ينظر فيها قائد القوّاد حسين بن جوهر إليه. فعند ما سمع فى السجل صالح ذكره قام وقبّل الأرض. ولما انتهى ابن عبد السميع من القراءة قام قائد القواد وقبل خدّ صالح وهنأه وانصرف. فخرج صالح وبين يديه عدة أسفاط وثلاث بغلات بسروجها ولجمها. قال المسبّحى: قال لى الحاكم بأمر الله، أحضرت ابن سورين وحلفته على الإنجيل أن يكتب سجلّ صالح بن علىّ ولا يطلع عليه أحدا من ابن جوهر ولا غيره، وقلت له إنك تعرف ما أجازى به من يخالف أمرى فكن منه على يقين. فو الله ما اطلع عليه أحد غيرى وغيره، حتى كان. وجلس صالح فى مجلس قائد القواد من القصر، ووقّع عن الحاكم: ورفع إليه الأولياء وسائر المتصرّفين قصصهم وأحوالهم؛ ونفّذ أوامر الحاكم، وطالعه بما تجب مطالعته به. وقلّد ديوان الشام، الذى كان يتولاه، لأبى عبد الله الموصلى الكاتب. وخلع على الشريف

стр. 441

أبى الحسن على بن إبراهيم النرسى لنقابة الطالبيين وحمل على فرسين، وقرئ سجله فى القصر والجامع. وخلع على صقر اليهودى وحمل على بغلة، وقيد إليه ثلاث بغلات بسروج ولجم ثقال وحمل معه عشرون سفط ثياب؛ وأنزل فى دار فرشت وزينت، وعلق على أبوابها وحجرها الستور، وأعطى فيها جميع ما يحتاج إليه، وقيل له هذه دارك؛ فحصل له فى ساعة واحدة ما قيمته عشرة آلاف دينار. واستقر طبيب الحاكم عوضا عن ابن نسطاس. وورد الخبر بأن ابن الجراح فرّ بعد قتل جماعة من أصحابه. وخلع على ياروخ وسار إلى دمشق وتبعه عسكر كثير. واستهل رمضان، فحضر الأسماط مع الحاكم القائد صالح قائد القواد (١)، والقاضى مالك بن سعيد، وجلس فوق القاضى عبد العزيز بن النعمان. وقد صلّى الحاكم بالناس صلاة الجمعة فى جامع راشدة؛ وصلى صلاة عيد الفطر وخطب على ما جرت عادته به، وأصعد معه المنبر وقت الخطبة قائد القواد صالح بن علىّ ومالك بن سعيد القاضى والشريف النرسى وجماعة. وفى ثالث شوال أمر الحاكم قائد القواد [السابق] (٢) حسين بن جوهر والقاضى عبد العزيز بن النعمان بأن يلزما داريهما (٣)، ومنعا من الركوب وسائر أولادهما، فلبسوا الصوف وامتنع الداخل إليهم، وجلسوا على الحصر. وفى ذى القعدة ولى غالب بن مالك الشرطتين والحسبة والنظر فى البلد، وقرئ سجله بالجامع العتيق وجامع ابن طولون؛ وصرف خود ومسعود.

стр. 442

وفى ثالث عشره سارت قافلة الحاج. وفى تاسع عشره عفا الحاكم عن قائد القواد والقاضى عبد العزيز، وأذن لهما فى الركوب فركبا إلى القصر بزيهما من غير حلق شعر ولا تغيير حال. وتوقفت زيادة النيل؛ فاستسقى الناس، وخرجوا ومعهم النساء والصبيان مرتين. وقرئ سجلء بإبطال المكوس والمؤن التى تؤخذ من المسافرين عن الغلال والأرز. وصلّى الحاكم صلاة عيد النحر، وخطب ونحر فى المصلى والملعب على عادته ورسمه وبيع الخبز ثلاثة أرطال بدرهم. وتعذّر وجوده. وجرى الرسم فى عيد الغدير على عادته. واشتد تكالب النّاس على الخبز، فاجتمعوا وضجّوا من قلّته وسواده؛ ورفعوا للحاكم قصة مع رغيفة، وكانت الحملة الدقيق (١) قد بلغت ستة دنانير. وفتح الخليج فى رابع توت والماء على خمسة عشر ذراعا، فبلغ التليّس (٢) أربعة دنانير والويبة من الأرز بدينار، واللّحم كلّ رطلين بدرهم، ولحم البقر رطلين ونصفا بدرهم، والبصل عشرة أرطال بدرهم والخبز ثمان أواق بدرهم، وزيت الوقود الرطل بدرهم. وفيها خرج النصارى من مصر إلى القدس لحضور الفصح بقمامة (٣) على عادتهم فى كل

стр. 443

سنة بتجمّل عظيم كما يخرج المسلمون إلى الحج، فسأل الحاكم ختكين الضّيف العضدى (١)، أحد قوّاده، عن ذلك لمعرفته بأمر قمامة، فقال هذه بيعة تعظمها النصارى ويحجّ إليها من جميع البلاد، وتأتيها الملوك، وتحمل إليها الأموال العظيمة، والثياب والسّنتور والفرش والقناديل، والصلبان المصوغة من الذهب والفضة، والأوانى من ذلك؛ وبها من ذلك شيء عظيم. فإذا كان يوم الفصح واجتمع النصارى بقمامة، ونصبت الصّلبان، وعلّقت القناديل فى المذبح، تحيّلوا فى إيصال النّار إليه بدهن البيلسان مع دهن الزئبق، فيحدث له ضياء ساطع يظن من يراه أنها نار نزلت من السماء. فأنكر الحاكم ذلك، وتقدّم إلى بشر بن سورين كاتب الإنشاء، فكتب إلى أحمد بن يعقوب الدّاعى أن يقصد القدس ويهدم قمامة وينهبها الناس حتى يعفى أثرها. ففعل ذلك. ثم أمر بهدم ما فى أعمال مملكته من البيع والكنائس، فخوّف أن تهدم النصارى ما فى بلادها من مساجد المسلمين فأمسك عن ذلك (٢).

стр. 444

سنة تسع وتسعين وثلاثمائة (١): فى ثالث المحرم نظر أبو نصر بن عبدون الكاتب النصرانى فى ديوان الخراج بانفراده من غير شريك. وفى تاسعه، وهو نصف توت، أشيع وفاء النيل، وخلع على ابن أبى الردّاد (٢)، فابتدأ فى النقص قبل أن يوفى ستة عشر ذراعا من تاسع عشر توت؛ فأمر الناس كافّة بألا يتظاهر أحد منهم على شاطئ النيل بشيء من الغناء، ولا يسمع فى دار ولا يشرب فى المراكب. وكبست عدّة دور، وقبض على جماعة. وقدم الحاجّ فى حادى عشرى صفر. ونودى ألا يدخل أحد الحمام إلا بمئزر، ولا يمشى اليهود والنصارى إلا بالغيار، وضربوا على ترك ذلك. وكبست الحمامات وأخذ منها جماعة وشهّروا من أجل أنهم وجدوا بغير مئزر. ومنع أن يدخل أحد إلى سوق الرقيق إلا أن يكون بائعا أو مشتريا؛ وأفرد الجوارى من الغلمان، وجعل لكل منهم يوم. ومنع من نصب الشّراعات التى كانت النساء تنصبها فى المقابر أيام الزيارة. وأشيع بين الناس بأن النبيذ يمنع من بيعه، فازدحموا على شرائه، وبيع منه شيء كثير، فعزّ حتى بيع كل عشر جرار بدينار، ولم يوجد لكثرة طلابه.

стр. 445

ومنع كلّ أحد من الناس أن يخرج من منزله قبل صلاة الصبح وبعد صلاة العشاء (١)، واشتد الأمر فى هذا، واعتقل جماعة خالفوا ما أمر به. وقرئ سجل بترك الخوض فيما لا يعنى، والاشتغال بالصّلوات فى أوقاتها، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وألا يخوض أحد فى أحوال السلطان وأوامره وأسرار الملك. وقرئ سجل فى ربيع الأول بالمنع من حمل النبيذ والموز، وحذّر من التظاهر بشئ منه أو من الفقاع، والدّلينس، والسمك الذى لا قشر له، والتّرمس المعفّن. وقرئ آخر فى سائر الجوامع بتسكين قلوب الناس وتطمينهم، لكثرة ما اشتهر عندهم وداخلهم من الخوف بما يجرى من أوامر الحضرة فى البلد. وفى حادى عشر جمادى الآخرة قبض على عبد العزيز بن النعمان؛ وطلب حسين بن جوهر ففرّ هو وابناه وجماعة. وكثر الصّياح فى دار عبد العزيز؛ وغلّقت حوانيت القاهرة وأسواقها. فأفرج عن عبد العزيز ونودى فى القاهرة بألا يغلق أحد. ثم ردّ حسين بعد ثلاثة أيام بابنيه، وصاروا إلى الحاكم فأمرهم بالانصراف إلى دورهم؛ وخلع عليه وعلى عبد العزيز وعلى أولادهما، وكتب لهما أمانان. وفى رجب كثرت الأمراض فى الناس، وفشا الموت. وتخوّف الناس من الحاكم فكتب عدة أمانات لأناس شتى. وأقطع مالك بن سعيد ناحية برنشت (٢).

стр. 446

وفى شعبان تراخت الأسعار. وفى رمضان قرئ سجل فيه «يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون (١)، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون، ويفطرون؛ وصلاة الخمسين للذين بما جاءهم فيها يصلون وصلاة الضحى وصلاة التراويح لا مانع لهم منها ولا هم عنها يدفعون (٢)؛ ويخمّس فى التكبير على الجنائز المخمّسون، ولا يمنع من التربيع عليها المربّعون؛ يؤذّن بحىّ على خير العمل المؤذّنون، ولا يؤذّى من بها لا يؤذّنون؛ لا يسبّ أحد من السّلف؛ ولا يحتسب على الواصف فيهم بما يصف، والحالف منهم بما حلف؛ لكل مسلم مجتهد فى دينه اجتهاد». وفيه ركب سائر العرائف والأولياء وأكثر أهل البلد إلى القصر وقد عظمت الزّحمة، واصطفت العساكر حول القصر بالسّلاح، ولم يعرف أحد ما هذا الاجتماع؛ فخرج صالح ابن على بالخلع على فرس بسرج ولجام ذهب، وبين يديه فرسان وسفط ثياب، وسجلّ يتضمن أنه لقب بثقة ثقات السيف والقلم. وأعيد عبد العزيز بن النعمان إلى النظر فى المظالم. وتزايدت الأمراض وكثر موت الناس، وعزّت الأدوية؛ فبلغ السكّر أربعة دراهم للرطل، وبذر الرمان كل أوقية بدرهم، ودهن البنفسج كل أوقية بدينار، والعناب والإجّاص كل أوقيتين بدرهم وباقة لينوفر بدينار، والبطيخة بثلاثة دنانير.

стр. 447

ولم يركب الحاكم لصلاة عيد الفطر وصلى القاضى مالك بن سعيد بالناس فى المصلّى وخطب. وفى ذى القعدة أعيدت المكوس التى كانت رفعت. وسارت قافلة الحاجّ فى النصف منه. وحمل سماط عيد النحر يوم التاسع من ذى الحجة على عادته، غير أنه أبطل منه الملاهى والخيال واللعب الذى كان يعمل فى كل سنة. وصلى القاضى بالناس صلاة عيد النحر وخطب. وفى يوم عيد الغدير (١) منع الناس من عمله. ودرست كنائس كانت بطريق المكس وكنيسة بحارة الرّوم من القاهرة ونهب ما فيها. وقتل فى هذه الليلة كثير من الخدم والصّقالبة والكتّاب بعد أن قطعت أيديهم بالساطور على خشبة من وسط الذراع. وفيها مات أبو الحسن على بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس المنجم لثلاث خلون من جمادى الأولى (٢)، وقتل القائد فضل بن صالح، ضربت رقبته لتسع بقين من ذى القعدة.

стр. 448

وقتل أبو أسامة جنادة أسامة بن محمد اللغوى (١) لثلاث عشرة خلت من ذى الحجة، ومعه الحسن بن سليمان الأنطاكى النحوى؛ واستتر عبد الغنى بن سعيد؛ وكان ذلك بسبب اجتماعهم بدار العلم وجلوسهم فيها. وقتل رجاء بن أبى الحسين من أجل أنه صلى صلاة التراويح فى شهر رمضان. وقتل أصحاب الأخبار عن آخرهم لكثرة أذيّتهم الناس بالكذب عليهم وأخذهم الأموال من الناس. وفيها قتل أبو على بن ثمال الخفاجى متولى الرحبة (٢) من قبل الحاكم، وملكها بعده صالح بن مرداس الكلابى متملك حلب (٣).

стр. 449

سنة أربعمائة (١): فى حادى عشر صفر صرف أبو الفضل صالح بن على الروزبارى ثقة ثقات السيف والقلم، وقرّر مكانه أبو نصر بن عبدون الكاتب النصرانى؛ فوقّع من الحاكم فيما كان يوقّع فيه صالح، ونظر فيما كان ينظر فيه، وأذن لصالح فى الركوب إلى القصر. وسار ابن عبدون فى الموكب مع الشيوخ فى المنتهى وقال مثلى لا يساير أمير المؤمنين بأعلى من ذلك. وكتب من إنشاء ابن سورين لخدم قمامة بالقدس. وأحدث الحاكم ديوانا سماه الديوان المفرد برسم من يقبض ماله من المقتولين وغيرهم. ووصل الحاجّ فى حادى عشر منه. وفى ربيع الأول كثرت الأمراض والموت، وعزت الأدوية المطلوبة للمرضى. وشهّر جماعة وجد عندهم فقاع وملوخية وترمس ودلينس بعد ضربهم. وهدم دير القصير (٢) ونهب. ولقب ابن عبدون بالقاضى، وكتب له سجلّ بذلك، وحمل على بغلتين. واشتدّ الأمر على اليهود والنصارى فى إلزامهم لبس الغيار. وردّ إقطاع حسين بن جوهر إليه وإلى أولاده وصهره عبد العزيز بن النعمان، وقرئ لهم بذلك سجلّ.

стр. 450

وصلّى القاضى بالناس صلاة عيد الفطر على الرسم. وقرئ سجل بإبطال ما كان يؤخذ على أيدى القضاة من الخمس والفطرة والنجوى. فى تاسع ذى القعدة فرّ حسين بن جوهر وأولاده وصهره عبد العزيز بن النعمان وأولاده بجماعة منهم فى أموال وسلاح، وخرجوا ليلا، فلما أصبحوا سيّر الحاكم خيلا فى طلبهم نحو وجرة فلم يدركوهم. وأحيط بدورهم، فأخذت للديوان المفرد. وفرّ أبو القاسم الحسين بن المغربى (١) فى زىّ حمّال إلى حسّان بن على بن مفرج بن دغفل بن الجراح. وفيه قرى عدّة أمانات بالقصر للكتاميين من جند إفريقية، والأتراك، والقضاة، والشهود، وسائر الأولياء والأمناء، والرعية، والكتاب، والأطباء، والخدام السود، والخدام الصقالبة؛ لكل طائفة أمان. وحمل سائر ما فى دور حسين بن جوهر وعبد العزيز بن النعمان إلى القصر بعد أن احصاه القاضى مالك بن سعيد وضبطه. وقرئ سجلّ بقطع مجالس الحكمة التى كانت تقرأ على الأولياء فى يومى الخميس والجمعة. وقرئ سجلّ فى الجامع العتيق بإقبال الناس على شأنهم وتركهم الخوض فيما لا يعنيهم وسجلّ آخر بردّ التثويب فى الأذان، والإذن للناس فى صلاة الضّحى وصلاة القنوت. ثم جمع فى سائر الجوامع وقرئ عليهم سجلّ بأن يتركوا الأذان بحىّ على خير العمل، ويزاد فى أذان الفجر: الصلاة خير من النوم؛ وأن يكون ذلك من مؤذّنى القصر عند قولهم: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله؛ فامتثل الناس وعمل.

стр. 451

وسار محمد بن نزال بعسكر إلى الشام (١). وقرئ سجلّ مندّد فيه بشرب النبيذ وجميع أنواع المسكر. وصلّى الحاكم بالناس فى المصلّى صلاة عيد البحر، وخطب ونحر، وحضر السّماط على رسمه. وقرئت عدة أمانات بالقصر. وفيه سارت العساكر بعدة مواضع تطلب قائد القواد حسين بن جوهر وصهره عبد العزيز، وشاع الخبر بأنه عند بنى قرة. وقرئ سجلّ فى الجوامع بالرّخصة فيما كان يشدّد فيه فى الجمعة الماضية من أمر النبيذ. وقتل فى هذه السنة عدّة كثيرة من الخدّام والفراشين والكتاب وغيرهم. ومات أبو منصور بشر بن عبيد الله بن سورين كاتب السجلات فى صفر. وتوفى صقر اليهودى، طبيب الحاكم فى ربيع الآخر. وتوفى أبو عبد الله اليمنى المؤرخ، وله تاريخ النحاة، وسيرة جوهر القائد. وقتل أبو الفضل صالح بن على الروزبارى ليلة الثانى عشر من شوال. وقتل غالب بن هلال متولّى الشرطتين والحسبة فى شوال.

стр. 452

سنة احدى وأربعمائة (١): فى رابع المحرم صرف ابن عبدون النّصرانى، وخلع على أحمد بن محمد القشورى الكاتب، وقرئ سجله فى القصر بأنه تقلّد الوساطة والسّفارة بين أولياء أمير المؤمنين الحاكم وبينه، وأمر الرّعايا، وفوّضت له الأمور وعوّل عليه فيها. وكان سبب صرف ابن عبدون عن الوساطة والسّفارة أنّ كتب الحاكم تكرّرت إلى قائد القواد حسين بن جوهر وإلى صهره عبد العزيز بن النعمان بأمانهم وعودهم، فأبى ابن جوهر أن يدخل وابن عبدون واسطة، وقال: أنا أحسنت إليه أيام نظرى فسعى فىّ إلى أمير المؤمنين ونال منى كل منال؛ لا أعود أبدا وهو وزير. فصرف لذلك، وحضر حسين وعبد العزيز ومن خرج معهما، فنزل سائر أهل الدولة إلى لقائه، وتلقّته الخلع، وأفيضت عليه وعلى أولاده وصهره عبد العزيز؛ وقيد بين أيديهم الدواب. فعند ما وصلوا إلى باب القاهرة ترجّلوا ومشوا، ومشى معهم سائر الناس إلى القصر؛ فمثلوا بحضرة الحاكم، ثم خرجوا وقد عفى عنهم. وأذن للحسين أن يكاتب بقائد القوّاد، ويكون اسمه تاليا للقبه، وأن يخاطب بذلك؛ فانصرف إلى داره؛ فكان يوما عظيما. وحمل إليه جميع ما قبض له من مال وغيره، وأنعم عليه. وواصل هو وعبد العزيز الركوب إلى القصر. وكتب لابن عبدون أمان خطّه الحاكم بيده؛ وكان يقول عنه: ما خدمنى أحد ولا بلغ فى خدمته ما بلغه ابن عبدون. ولقد جمع لى من الأموال ما هو خارج فى أموال الدواوين ثلاثمائة ألف دينار.

стр. 453

وأقام ابن القشورى على رسمه ينظر عشرة أيام، إلى ثالث عشره؛ فبينا هو يوقع إذ قبض عليه وضربت رقبته من أجل أنه بلغ الحاكم عنه أنه يبالغ فى تعظيم حسين بن جوهر، وأكثر من السؤال فى حوائجه. وفى يومه أجلس أبو الخير بن زرعة بن عيسى بن نسطورس الكاتب النصرانى فى مكان ابن القشورى؛ وأمر أن يوقّع عن الحاكم فى أوامره، فجلس ونظر فى الوساطة والسفارة بغير خلع. ومنع من الركوب فى المراكب بالخليج؛ وسدت أبواب القاهرة التى مما يلى الخليج، وأبواب الدّور والطاقات المطلّقة عليه والخوخ (١). وخلع على قاضى القضاة مالك، وقلّد النظر فى المظالم مع القضاء؛ وقرئ سجلّه بالجامع. وكتب سجلّ بإعادة مجالس الحكمة. وأخذ النحوىّ (٢). وشدّد على النصارى فى لبس الغيار بالعمائم الشديدة السواد، دون ما عداها من الألوان. وفيه قبض على حسين بن جوهر وعبد العزيز بن النعمان، واعتقلا ثلاثة أيام، ثم حلفا أنهما لا يغيبان عن الحضرة وأشهدا على أنفسهما بذلك، وأفرج عنهما؛ وحلف لهما الحاكم فى أمان كتبه لهما. واعتقل ابن عبدون، وأمر بعمل حسابه؛ ثم ضربت عنقه وقبض ماله.

стр. 454

وفى سابع عشر صفر وصل الحاجّ من غير زيارة المدينة النبويّة، فأمر أن يكون مسير الحاج للنّصف من شوال (١) وأن يبدءوا بزيارة المدينة؛ وكتب بذلك إلى سائر الأعمال. وفى سابع ربيع الآخر خلع على زرعة بن عيسى بن نسطورس، وحمل، وقرئ له سجلّ فى القصر لقّب فيه بالشّافى. وخلع على أبى القاسم على بن أحمد الزيدى، وقرئ له سجلّ بنقابة الطالبيين (٢). وقرئ سجلّ فى سائر الجوامع، فيه النّهى عن معارضة الإمام فيما يفعله، وترك الخوض فيما لا يعنى؛ وأن يؤذّن بحىّ على خير العمل، ويترك من أذان الصبح قول: الصلاة خير من النوم؛ والمنع من صلاة الضحى وصلاة التراويح؛ وإعادة الدعوة والمجلس على الرسم. فكان بين المنع من ذلك والإذن به خمسة أشهر. وضرب جماعة وشهّروا لبيعهم الملوخية والسّمك الذى لا قشر له. وقبض على جماعة بسبب بيع النبيذ واعتقلوا، وكبست مواضع ذلك. ومنع النصارى من الغطاس فلم يتظاهروا على شاطئ البحر بما جرت عادتهم به. وفى ثانى عشر جمادى الآخرة ركب حسين بن جوهر وعبد العزيز بن النعمان على رسمهما إلى القصر، فلما خرج المتسلم قيل لحسين وعبد العزيز وأبى على أخى الفضل،

стр. 455

أطيعوا لأمر تريده الحضرة منكم. فجلس الثلاثة وانصرف الناس، فقبض على ثلاثتهم وقتلوا فى وقت واحد، وأحيط بأموالهم وضياعهم ودورهم؛ فوجد لحسين بن جوهر فى جملة ما وجد سبعة آلاف مبطنة حريرا من سائر أنواع الديباج والعتّابى وغيره، وتسع متارد صينى مملوءة حبّ كافور قنصورى وزن الحبة الواحدة ثلاثة مثاقيل. وأخذت الأمانات والسجلات التى كتبت لهم. واستدعى أولاد حسين وأولاد عبد العزيز ووعدوا بالجميل وخلع عليهم، وحملوا على دوابّ. وفيه ذبحت نعجة فوجد فى بطنها حمل وجهه كوجه انسان. وفى شعبان وقّع قاضى القضاة مالك إلى سائر الشهود بخروج الأمر العالى المعظم أن يكون الصوم يوم الجمعة والعيد يوم الأحد. واشتد الأمر فى منع المسكرات، وتتبّع مواضعها. وأبطلت عدّة جهات من جهات المكوس والرسوم. ومنع الغناء واللهو، وأمر ألا تباع مغنية؛ وألا يجتمع الناس فى الصحراء ومنع النساء من الحمام. وأن يكون الخروج للحجّ فى سابع شوّال. وركب الحاكم لصلاة العيد على رسمه. وفى ثانى شوال سار على [بن جعفر] بن فلاح بالعساكر لقتال حسّان بن علىّ بن مفرّج بن دغفل بن الجراح عند هزيمته ياروخ وقبضه عليه وعلى أصحابه بالرملة؛ فقاتلهم فى ثالث عشرة وقتل منهم وظهر عليهم؛ وخلع طاعة الحاكم، وأقام الدعوة لأبى الفتوح حسين بن جعفر بن محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب الحسنى، أمير مكة. وقتل ياروخ (١).

стр. 456

وفيه تأخر الحاجّ إلى نصف ذى القعدة، فخرجوا فى سابع عشره، ورجعوا فى ثالث عشريه من القلزم؛ فلم يحجّ أحد من مصر فى هذه السنة. وصلّى مالك بن سعيد بالناس صلاة عيد النحر، وخطب، ونحر فى المصلّى والملعب مدة أيام النحر. ولم يركب الحاكم ولا نحر. وفيها مات أبو الحسن على بن ابراهيم النرسى نقيب الطالبيّين فى رابع ربيع الآخر وقد أناف على السبعين. وقتل فيها من الكتاب والرؤساء والخدام والعامة والنساء عدد كثير جدا؛ قتلهم الحاكم. وفيها خطب قرواش بن المقلّد بن المسيّب، أمير بنى عقيل (١)، للحاكم بالموصل والأنبار والمدائن والكوفة وغيرها؛ فكان أول الخطبة: «الحمد لله الذى انجلت بنوره غمرات الغضب، وانهدّت بعظمته أركان النّصب، وأطلع بقدرته شمس الحق من المغرب». ثم بطلت الخطبة بعد شهر وأعيدت لبنى العباس.

стр. 457

سنة اثنتين وأربعمائة (١): فى المحرّم قلّدت الشرطتان لمحمد بن نزال، وأمر بتتبّع المنكرات والمنع منها، وألاّ يباع زبيب أكثر من خمسة أرطال، ولا تباع الجرار. ومنع النّصارى من الاجتماع فى عيد الصليب (٢)، وأن يظهروا فى المضىّ إلى الكنائس. وأوفى النيل ستّة عشر ذراعا فى رابع عشر صفر، وهو سادس عشر توت. وفى تاسع ربيع الآخر خلع على غين الخادم وقلّد بسيف، وقرئ سجلّه بأنه لقّب بقائد القواد فليكاتب بذلك ويكاتب به؛ وقيد معه عشرة أفراس بسروجها ولجمها. وهدمت اللؤلؤة (٣). وفى جمادى الآخرة منع بيع قليل الزبيب وكثيره، وكوتب بالمنع من حمله، وألقى فى النيل منه شيء كثير. وفى رجب قطع الرسم الجارى من الخبز والحلوى الذى كان يقام فى الثلاثة أشهر لمن يبيت بجامع القاهرة فى ليالى الجمع والأنصاف. وحضر القاضى مالك إلى جامع القاهرة فى ليلة النصف من رجب. واجتمع الناس بالقرافة (٤) على عادتهم فى كثرة اللعب والمزاح.

стр. 458

وقرئ سجلّ فى القصر بأنّ أحدا لا يلتمس من أمير المؤمنين زيادة رزق ولا صلة ولا إقطاع ولا غير ذلك من المنافع. واستهلّ شعبان يوم الاثنين، فأمر أن يجعل أوّله يوم الثلاثاء؛ وأخذ جميع ما عند التجار من السلاح بثمنه للخزانة. ومنع النساء من الخروج بعد العشاء الآخرة. وفى ليلة النصف من شعبان كثر إيقاد القناديل فى المساجد، وتنافس الناس فى ذلك. وصلى مالك بن سعيد بالناس صلاة العيد. وتشدّد الأمر فى الإنكار على بيع الفقاع والملوخية والسّمك الذى لا قشر له. ومنع الناس من الاجتماع فى المآتم ومن اتّباع الجنائز. وأحرق زبيب كثير كان فى محارق التجار. وجمع الشطرنج من أماكن متعدّدة وأحرق. وجمع الصيادون وحلّفوا أنهم لا يصطادون سمكا بغير قشر، ومن فعل ذلك ضربت رقبته. وتوالى إحراق الزبيب عدة أيام بحضرة الشهود؛ وتولّى مئونة الإنفاق على حمله وإحراقه متولّى ديوان النفقات؛ فأحرق منه ألفان وثمانمائة وأربعون قطعة بلغت مئونة الإنفاق عليها خمسة آلاف دينار فى مدة خمسة عشر يوما. وقرئ سجلّ بمنع الناس من السفر إلى مكّة فى البرّ والبحر، ومن حمل الأمتعة والأقوات إليها؛ فردّ قوم خرجوا إلى الحجّ من الطريق.

стр. 459

ومرض غين الخادم، فركب الحاكم لعيادته، وسيّر إليه خمسة آلاف دينار وخمسة وعشرين فرسا مسرجة ملجمة؛ وقلّد الشرطة والحسبة بمصر والقاهرة والجزيرة، والنظر فى جميع الأموال والأحوال. ونزل إلى الجامع العتيق ومعه سائر العسكر بخلعه، وقرئ سجلّه وفيه تشدّده فى المسكرات والمنع من بيع الفقاع والملوخية والسمك الذى لا قشر له، والمنع من الملاهى ومن اجتماع الناس فى المآتم واتباع الجنائز، والمنع من بيع العسل إلاّ أن يكون ثلاثة أرطال فما دونها. وفى ذى الحجة وردت هدية تنّيس على العادة فى كل سنة. ولم يركب الحاكم لصلاة عيد النحر، فصلى بالناس مالك بن سعيد وخطب. ولم يخرج من النساء إلى الصحراء فلم تر امرأة على قبر. ومنع من الاجتماع على شاطئ النيل، ومن ركوب النساء المراكب مع الرجال وخروجهن إلى مواضع الحرج مع الرجال. وفيه عمل عيد الغدير على رسمه وفرّقت فيه دراهم كثيرة. ومنع من بيع العنب وألاّ يتجاوز فى بيعه أربعة أرطال، ومنع من اعتصاره، فبيع كلّ ثمانية أرطال بدرهم، وطرح كثير منه فى الطرقات، وأمر بدوسه؛ ومنع من بيعه البتة؛ وغرّق ما حمل منه فى النيل. وبعث شاهدين إلى الجيزة فأخذ جميع ما على الكروم من الأعناب وطرحت تحت أرجل البقر لدوسه، وبعث بذلك إلى عدة جهات. وتتبّع من يبيع العنب، واشتد الأمر فيه بحيث لم يستطع أحد بيعه؛ فاتفق أنّ شيخا حمل خمرا له على حمار وهرب، فصدفه الحاكم عند قائلة النهار على جسر ضيّق، فقال له: من أين أقبلت؟ قال من أرض الله الضّيّقة. فقال: يا شيخ، أرض الله ضيقة؟ فقال: لو لم تكن ضيّقة ما جمعتنى وإياك على هذا الجسر. فضحك منه وتركه.

стр. 460

وفيها أخذ بنو قرجه هدية باديس بن المنصور صاحب إفريقية وزحفوا إلى برقة، ففرّ عاملها فى البحر وفتحوها. وفيه نزع السعر. وفيها مات أبو القاسم ولىّ الدولة ابن خيران الكاتب فى شهر رمضان. وانتهى ماء النيل فى زيادته إلى ستة عشر ذراعا ونصف [ذراع] (١).
следующие страницы →