← История

История · id 176

اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا

المقريزي

Полный текст (1 046 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

والشيخ العميد محسن بن بدواس جالس وبين يديه حسباناته، فقال له: اجمع يا شيخ هذه القراطيس واختمها. فجمعها وختمها بخاتمه، ثم أقامه وختم الخزائن، وأخرجه راجلا، فاعتقله بحجرة من القصر. وركب رفق فختم بيت المال والخزانة الخاصة ودار ابن بدواس وسائر ما يتعلق به. فلما كان العشاء أخرج ابن بدواس فضربت عنقه وهو يصيح: والله ما خنت ولا سرقت ولا غششت، وهذه منصوبة نصبت علىّ. وقيل إنه وجد عنده خطّ حسان بن جراح، وخطّه عند حسان يحثّه على الإيقاع بالدولة. وقيل إن هذا صنع عليه من أعمال الشريف العجمى. وقيل فى سبب قتله معاندته لمعضاد وعدوله عنه إلى رفق الخادم وأنه كان استشار خليل الدولة محمد بن على بن العداس صديقه لمّا عاداه هذه الطائفة، فأشار عليه أن يباينهم بالعداوة ويكاشفهم بها. واستشار أيضا شمس الملك مسعود بن الوزان، مع ما بينه وبينه من العداوة، فأشار عليه بمثل ذلك. وقيل إن الظاهر أخرج كتابا مختوما إلى الشريف العجمى فنظره، ثم رفعه إلى أبى القاسم الجرجرائى فنظره ثم قال: هذا خطّ ابن بدواس، فقرئ، فإذا فيه طعن على الدولة، وبآخره: إذا وافيت بالعساكر لم تجد أحدا تلقّاك ولا يمانعك، وإذا كاتبتنى فلا تنفذ كتبك إلاّ على أيدى الرّهبان فإنهم الثقات المأمونون. فقال الظاهر: أىّ شيء يستحق هذا؟ فقال الجرجرائى: مولانا مالك العفو والسيف. فقال: انصرفوا. فلما خرجوا أمر بضرب عنقه. وقيل إنه وجد أغلف لأنه كان نصرانيّا. ومن العجب أنه كان فى غاية التحفظ والتحرز، وكان يخاف أن يقتله الحاكم بأمر الله فنجا منه، ثم لما أمن واطمأن كان حتفه. فى يوم الثلاثاء لليلة بقيت منه أحضر عزّ الدّولة معضاد الكتاميين وأمرهم بالبكور من الغد، وأمر الأتراك وجميع العسكر بلبس السلاح، وأن يتسلموا من الخزانة ما يخرج لهم من ذلك، ويقف الجميع حول القصر حتى يؤمروا بما يفعلونه. فوقفوا من الغد بأجمعهم حول القصر إلى ضحوة النهار، فجاءهم الأمر بأنّ مولانا صلوات الله عليه يركب

стр. 527

فى غد، فليحضر من ليس له منكم سلاح ليدفع إليه من الخزانة؛ فقال الكتاميون قد شغلنا الجوع وطلب الخبز عن هذا. فلما كان آخر النهار حمل قوم من مترجّلة الكتاميين على سبعين فرسا، وفرّق فيهم وفى غيرهم السلاح. شهر رمضان؛ أوله الخميس. فيه ركب الظاهر فى عساكره وعليه قميص مديّر مذهب دبيقى وعمامة مثله، وعلى رأسه المظلة المذهبة يحملها بهاء الدولة مظفر الصقلبى، وخلفه ابن فتوح الكتامى يحمل الرمح، وبين يديه الأتراك والكتاميون والقيصرية والعبيد والباطلية والديلم وسائر الطوائف؛ وركب رجال الدولة خلفه مع نسيم الصقلبى، وسار إلى مسجد تبر، وعاد. وكان يوما حسنا من توافر الناس وكثرة الجمع والزى الحسن. وفى يوم الجمعة ثانيه ركب أيضا إلى صلاة الجمعة فى الجامع الأزهر، وعليه طيلسان شرب مفوط بعمامة بياض مذهبة، وثياب دبيقية، والمظلة دبيقية مذهبة، وطلع معه المنبر قاضى القضاة أحمد بن أبى العوّام وإبراهيم الصانع المؤدب المعروف بالجليس، فأرخيا عليه سجف القبة التى فى أعلى المنبر، وهى مغشاة بمصمت بياض، والعنبر يبخّر بين يديه فى المباخر الذهب والفضة والجوهر. فخطب، ثم كشف عنه القاضى ونزل، فصلى وعاد إلى قصره. فى رابعه ورد الخبر بانصراف صالح بن مرداس عن دمشق إلى حلب، وأنّ كاتبه باع جميع ما كان له بحلب من غلة ودار وآلة، وخرج فجمع العرب وقصد حصار المدينة. فى خامسه ولى طيب الخازن بيت المال، وخلع عليه، وحمل على بغلة بسرج ولجام؛ وخلع على ميسرة الخازن، وحمل على فرس بسرج ولجام مذهب؛ وولى خزانة الخاصة وجعل عدّة الدولة رفق الخادم الأسود، يخرج إليهما بالأوامر ويدخل. وخلع على ثلاثة من أولاد ابن جراح وحملوا على ستة أفراس.

стр. 528

وفى ثانى عشره أخذ ديوان الشام من محمد بن أحمد الجرجرائى وردّ إلى أبى طالب الغرابيلى. وفى يوم الجمعة سادس عشره ركب الظاهر إلى الجامع الأنور (١) خارج باب الفتوح وعليه رداء بياض محشّى قصبا، وثياب بياض دبيقية، وعمامة بياض مذهبة، وفى يده القضيب الجوهر، وعلى رأسه مظلة مديّرة فخطب، ثم صلى، وعاد. وقدم الخبر بأن أهل دمشق هادنوا سنان بن علوان إلى آخر الكوانين (٢). وقدم كتاب حسّان بن جرّاح بأنه تحت الطّاعة، فلا يجب أن يشغل السلطان قلبه بأمر الشام، وأنه يقوم بأمر فلسطين ويجبى خراجه وينفقه فى رجاله، ودمشق فيها ابن عمّه سنان، صمصام الدّولة، وحلب مردود تدبيرها إلى صالح بن مرداس أسد الدّولة؛ وأنه قد كفى السّلطان أمر الشّام كلّه. فطرد رسوله ولم يكتب له جواب. وفى خامس عشريه زيد فى لقب منتخب الدولة أنوشتكين الدّزبرى أمير الأمراء (٣). وفى سابع عشريه هرب ابنا جراح ولحقا بحسان بن جراح، وأخذا جميع ما كان فى الدار التى أنزلا فيها (٤)، وتركا أخا لهما مريضا، فوكل به. فى سلخه حمل نجيب الدولة أبو القاسم على بن أحمد الجرجرائى سماط العيد على العادة، وفيه مائتا قطعة من التماثيل السكر، وسبعة قصور كبار من السكر، وشقّ البلد بالخيال والطّبّالين والفرحية.

стр. 529

[شهر] شوال؛ أوّله السبت. فيه ركب الظّاهر فى عساكره، وبين يديه فيل وزرافات وبنود مذهبة بقصب وفضة، والطبول تضرب والجنائب تقاد أمامه؛ وجميع قواد الأتراك والمصطنعة فى السّلاح، وعليه ثوب خز بعمامة نظيره، وفى يده القضيب، وعليه السّيف ومعه الرمح، وعلى رأسه المظلّة المذهبة يحملها مظفر، وبين يديه الخدم السّودان وعليهم أصناف المذهبات - إلى المصلّى. فصلّى ورقى المنبر، واستدعى قاضى القضاة، فطلع؛ ثم استدعى إبراهيم الجليس المؤدّب، فطلع؛ ثم استدعى شمس الملك أبا الفتح مسعود بن طاهر الوزّان، فطلع، ثم استدعى تاج الدولة (١) ابن أبى الحسين، صاحب صقلّية كان، ثم استدعى زين الملك على بن مسعود بن أبى الحسين، ثم استدعى علىّ بن فضل، ثم عبد الله بن الحاجب؛ ثم جلّل بالبندين المنصوبين على المنبر (٢)؛ وخطب؛ ثم نزل وعاد إلى قصره. وأحضر السّماط فحضر أهل الدولة، ولم يحضر الظاهر، وكان فى منظرة يشاهدونه. وفى ثامنه صرف نجيب الدولة مجلى بن نسطورس عن ديوان الأحباس بأبى غالب الصّيفىّ النصرانى كاتب ديوان الخراج. فيه ضربت خيمة بظاهر باب الفتوح؛ ووقع الاهتمام بتجريد العساكر إلى الشام. وفى هذا الشهر تحرك السعر، وبلغ التليّس القمح دينارين وثلثين، والتليس الشعير دينارا واحدا، والخبز رطلين بدرهم. وقدم الخبر بأن الحرب بمكة قامت بين الحسنيين والصليحيين، فخرج منها أبو الفتوح حسن بن جعفر؛ وأن الغلاء بها شديد.

стр. 530

وقدم الخبر بمحاربة الدّزبرى لأصحاب حسّان بن جراح على عسقلان، وأن عدّة جند الدّزبرى خمسة آلاف قد نهكتهم الحرب والغارات. وقبض على رجل قدّمه حسان بن جراح إلى بنى قرّة بالبحيرة يدعوهم إلى نصرته ويعدهم مواعيد كثيرة، فأجابوه بالموافقة؛ وأخذت منه الكتب وحبس. وكانت ليلة الميلاد (١) فى يوم الخميس عشريه، فاشتغل الناس عمّا كانوا يبتاعونه فيها من الفواكه والحلوى بما هم فيه من الأمراض؛ وتواتر الموت، بحيث لم تخل دار أحد من عدّة مرضى من الدّم وأوجاع الحلق؛ وبلغت الرّمّانة ثلاثة دراهم، والبطيخة البرلسى ثلاثين درهما، والأوقية الشراب بدرهم، والقمح ثلاثة دنانير التّلّيس، والأردب الشعير؛ بدينار، والرطل اللحم ثمانية دراهم. وعز وجود شيء من الحيوان مثل الدجاج والفراريج؛ وبلغت راوية الماء ثلاثة دراهم. فتهالك الناس من كل جهة، وكسرت الأسواق، فكانت الثياب والأمتعة ينادى عليها فلا يوجد من يدفع درهما فما فوقه. وفيه قطع على حاجّ المغاربة الخارجين فى البرّ عند تعذّر أمر الحج، فتقدمت جماعة من المغاربة القادمين من بلاد المغرب بغير أمير، فلما جاوزوا بركة الجبّ قطع عليهم الطّريق وأخذت أموالهم، فهلك منهم عدة وعاد من بقى. ذو القعدة؛ أوله الأحد. فيه اشتدت عقوبة جوارى محسن بن بدواس فى طلب المال. وكانت ليلة الغطاس (٢) فى ليلة الأربعاء رابعه، فجرى من هو صحيح على العادة فى شراء

стр. 531

الفواكه والحملان وغير ذلك. ونزل الظاهر إلى قصر جده العزيز بالله بمصر لنظر الغطاس، شكرا، مع حرمه، بعد ما نزل القائد عدة الدولة رفق بأصناف الفرش لبسطه، ونقل جميع المجاورين له ممن يسكن على النيل بالقرب منه، وأزال المراكب المرساة هناك. وضرب بدر الدولة نافذ الخادم الأسود متولّى الشرطتين، خيمة عند رأس الجسر، وجلس على مرتبة مثقلة ومرتبة ديباج؛ ووقف ابن كافى متولى الشرطة السفلى بين يديه. ونودى فى الناس ألاّ يختلط المسلمون مع النّصارى عند نزولهم فى البحر بالليل. وأمر الظاهر القائد نافذا أن يزيد فى وقيد النّار والمشاعل فى الليل، ففعل، وكان وقيدا طويلا. وحضر القسّيسون والشّمّاسة بالصّلبان والنيران فقسّسوا طويلا وانصرفوا إلى حيث يغطسون. فمات فى هذه الليلة للظاهر طفلة سنّها ثلاث سنين وشهور، وهى آخر ولد بقى له، فعاد من آخر الليل إلى قصره بالقاهرة، فشاهد فى طريقه عدة أموات على الطرقات، فأمر لهم بخمسمائة شقّة (١) لأكفانهم، والنّفقة عليهم حتى يدفنوا. وفى ثامنه حنّك ثلاثة من الخدم (٢) وألبسوا العمائم الشرب البيض، فتشبهوا بمن تقدّم من مقدّمى قواد الخدم كميمون وبدر ونصر العزيزى ونظرائهم. وهؤلاء المقوّدون هم معضاد ومناد ورفق، وأضيف إليهم فاتك ورجاء وسرور النصارى، ونامق؛ فجلسوا بحضرة الظاهر وهنأهم الناس بذلك. وفيه اجتمع وفد الحجاز بباب القصر واستغاثوا، وقالوا: يا قوم قد جئناكم

стр. 532

وفارقنا أهلينا وقد هلكنا من الجوع، فإن لم يكن لكم حاجة بإقامة الدعوة بمكّة والمدينة فاصرفونا فإنا قد بذل لنا الرغائب فى إقامة الدعوة لغير إمامكم فلم نأخذها، ونريد إنسانا يكلّمنا. فلم يجابوا بشئ. وكانوا قد مضوا قبل ذلك إلى رجال الدولة، كمعضاد وغيره، فصار يدفعهم هذا إلى هذا. فلمّا انصرفوا عن باب القصر خائبين بعث إليهم جمال الدولة مظفر الصقلبى، صاحب المظلة، ألف دينار من ماله، فقالوا: لا نأخذ إلاّ ما يصلنا به أمير المؤمنين، وهذه الصّلة قد قبلناها، والله مجازيك عليها، ونحن نفرقها على ضعفائنا وعبيدنا؛ ففرّقوها على خمسمائة نفس، لكل واحد ديناران. واشتدّ الغلاء والقحط بمصر، فبيع الخبز السميد رطلين بدرهم، والحملة الدقيق بأربعة دنانير وثلثين، والتليّس القمح بثلاثة دنانير، واللحم أربع أواق بدرهم. وعظم الموت سيما فى الفقراء؛ وبلغ بالناس الجهد حتى إن جزّارا طرح عظما لكلب فطرد رجل الكلب وأخذ العظم منه وابتلعه نيئا؛ وأكل المساكين الصماليخ من القنبيط (١) واقتاتوا باليسير من كسب الوز وكسب السمسم، وغلت عامّة الحبوب. وغلا الماء لتعذر علف الدّواب وعدم من يستقى عليها؛ وبيعت راوية الجمل بثلاثة دراهم، وراوية البغل بدرهمين؛ واشتدت المسغبة. وقدم الخبر بشدة الموت بدمشق، فمات من أهلها ألوف. وفى نصفه ركب الظاهر وشقّ مدينة مصر، وخلفه المقوّدون والمصطنعة، وبين يديه الرقاصون، فاستغاث الناس بضجة واحدة: الجوع يا أمير المؤمنين، الجوع؛ لم يصنع بنا هكذا أبوك ولا جدّك؛ فالله الله فى أمرنا. فارتجّت البلد بالضجيج حتى نزل إلى قصر العزيز على البحر، فحضر أبو عبد الله محمد بن جيش بن الصّمصامة الكتامى وقد اختلّ

стр. 533

عقله وحاله، فوقف تحت القصر وشتمه أقبح شتم، وبالغ فيما شتم به، فضربه الرّقاصون حتى سقط، وجرّوه برجله وسحبوه إلى السجن بالشرطة، فضربه متوليها ثلاثين درة واعتقله. وتزايد أمر الغلاء؛ ونزل دواس المحتسب برجاله ومعه السعدية، وكتب مائة وخمسين مخزنا قمحا وختم عليها؛ فأصبح الناس يوم الاثنين سادس عشره على أقبح صورة، وكثر الصياح: الجوع الجوع؛ ولم يظهر خبز ولا دقيق. وبيع الدقيق رطلا ونصفا بدرهم، والخبز الأسود رطلين بدرهم وربع. وفيه خرج حاجّ المغاربة إلى مكة، فلم يصحبهم أحد من أهل مصر؛ وعند ما عدّوا بركة الجب خرج عليهم طائفة من القيصرية والعبيد، وكانت بينهم وقعة هزمهم فيها المغاربة وجرحوا كثيرا منهم. وفيه طلب المحتسب إلى القصر، وهدّد، وقيل له: قد قتلت الناس جوعا وخربت البلاد على مولانا، وهذا خطّك بضمانك عمارة البلد بالأخباز والقمح إلى حين إدراك الغلّة. فوعد بتلافى الأمر، ونزل؛ وأطلق القمح من المخازن للطّحّانين، وسعّر عليهم دينارين ونصفا للتليس، وأمرهم ببيع الحملة الدقيق بأربعة دنانير، والخبز رطلين ونصفا بدرهم، فسكن الحال قليلا (١). وفيه أفرج عن محمد بن جيش بن الصّمصامة. وفى عشريه ركب الظاهر إلى الصّيد بسردوس (٢)، وعاد. وفى ثالث عشريه عاد

стр. 534

من خرج من حاج المغاربة بعد ما نهبوا وجرحوا وسلبوا، فلم يحجّ أحد فى هذه السنة من مصر. وفيه قرئ سجل بحطيطة جميع مكوس الغلّة المباعة بساحل مصر، وأن يبيع الناس بغير تسعير. وكثرت الأخباز، وبيع القمح بدينارين ونصف وربع للتليس، والخبز السميد رطلان بدرهم وربع، والخبز الحوّارى رطلان بدرهم. وضرب عدّة من الخبّازين على خلطهم الطّفل المسحوق فى الأخباز. وقدم الخبر أنّ حسّان بن جرّاح أنفذ ألفى فارس فلم يعلم جهة قصدهم، فاضطرب الناس لذلك؛ ثم تبيّن أنها وردت إلى الفرما مع أبى الغول، ففرّ الناس فى المراكب إلى تنّيس؛ وأخذ النّاس بمصر فى إحراز أموالهم، وفقد الخبز القمح والدقيق. ونفذت الكتب إلى الحوف (١) بدخول الرّجال الجوّالة إلى الحضرة لتجدّد عسكرا لحفظ البلاد؛ ثم أبطل ذلك خوفا من نهبهم المدينة وكثرة كلفتهم. ذو الحجة؛ وأوله الثلاثاء. فى رابعه ركب الظّاهر فى خاصّته إلى عين شمس وعاد. وفى خامسه أطلق لوفد مكة ألف دينار يرتفقون بها وأمرت لهم أمّ الظاهر أيضا بشئ من عندها. وكثرت نقل الناس خوفا من النّهب فى يوم الأضحى. وعمل سماط العيد السّكر من عند نجيب الدولة على بن أحمد الجرجرائى، وعدد قطعه وتماثيله مائة وسبع وخمسون قطعة وسبعة قصور كبار، كلّها من السكر، وحمل فى تاسعه إلى القصر ومعه الفرحيّة الطبّالون، وأفراس الخيل، والسّودان والصّقالبة على العادة.

стр. 535

وفى عشية النهار تهارب الناس من دب عظيم سقط من الجبل إلى المقابر، فانجفل النّاس فى درب الصحراء ظنا أن العبيد كبستهم؛ فكان خوف شديد. وفى يوم الخميس عاشره كان عيد النحر، فركب الظاهر إلى المصلّى من باب الفتوح على عادته بعد أن رسم لسائر العرائف أن تلزم كلّ عرافة مكانها وحارتها، وتكون صلاة العسكر بأجمعهم فى حاراتهم مع أزمّتهم؛ فامتثلوا ذلك. وصلّى وخطب بعد أن استدعى داعى الدعاة قاسم بن عبد العزيز بن النعمان وسلّمه الثبت بأسماء من جرت عادته بطلوع المنبر، فاستدعى شمس الملك، وبهاء الدّولة مظفر صاحب المظلة، وعلى بن مسعود، وحسن ابن رجاء بن أبى الحسين، وعلى بن فضل، وإبراهيم الجليس، وعبد الله بن الحاجب، وتأخر القاضى وغيره لمرضهم فلم يشهدوا صلاة العيد. فلمّا انقضت الخطبة نزل الظاهر إلى المنحر بالمصلّى، فنحر ناقة وعاد إلى قصره؛ ومشى إلى المنحر بصحن القصر تجاه ديوان الخراج فنحر تسعا من النّوق ثم انصرف. فحضر أبو الحسن على بن محمد الطّريقى، كاتب قاضى القضاة، لتفرقة لحم الأضاحى على أرباب الرسم، فنهبته العسكر وجرى عليه كلّ قبيح. ومدّ السّماط بحضرة الظاهر، فلما جلس أهل الدّولة عليه للأكل كبس العبيد القصر وهم يصيحون: الجوع، نحن أحقّ بسماط مولانا ﵇؛ ونهبوا جميع ما على السّماط وضرب بعضهم بعضا والصقالبة تضربهم فلا يبالون. فكان أمرا صعبا وحسب الحاضرين أن نجوا سالمين. فلما كان الغد ركب الظاهر إلى الرّحبة فى القصر تجاه ديوان الخراج، فنحر ثلاث عشرة ناقة، وعاد، ففرقها الطريقى. وشدّ من الغد، ثالث عيد النحر، فى مكان النحر خمس عشرة ناقة لتنحر، فلم يخرج الظاهر، فخلّى عنها، ثم شدّ خمس نوق غيرها نحرها الطريقى وفرّقها.

стр. 536

وقدم الخبر بنهب العبيد الجوالة بلدا بالأشمونين؛ حصل لرجل واحد تسعمائة رأس من البقر وثلاثة آلاف رأس من الضأن. وفى ثالث عشره ورد الخبر بأن الدّزبرى أسرى من عسقلان وكبس حلّة لحسّان بن جراح، فقتل ثلاثين أسيرا وعدّة من النّاس يبلغون آلافا، ونهب نساء العرب؛ وطلب نجدة ولو بألف فرس؛ وأخبر أنه نزل فلسطين وصلّى بها العيد وهو خائف من اجتماع العرب لحربه. فأخرج مضرب ظاهر باب الفتوح لتجرّد العساكر؛ فدافع أهل الدولة عن إمضاء ذلك. فورد الخبر بأن الدّزبرى بعد ما صلّى العيد بمدينة الرملة انتقل إلى لدّ بعد ما أوقع بحلّة فيها ولد لأبى الغول فقتله، وضرب أعناق أربعين رجلا من الغمازين الذين كانوا يدلّون حسّان بن جرّاح على الناس، وأنه ينتظر النجدة بلدّ، فلم يخرج إليه أحد. وفى يوم عيد الغدير (١) ورد الخبر بإقامة الدّعوة الظاهريّة بالبصرة والكوفة والموصل وعدة من بلاد المشرق؛ وذلك لغلبة الأتراك على بغداد وإخراج الدّيلم عنها إلى البصرة؛ فدعا الدّيلم للظاهر بها وبالكرخ (٢)، ودعا الأتراك ببغداد للقادر. وفيه جرى الناس بمصر فى عيد الغدير على رسمهم، وتزيّوا بأفخر زيهم، وطلع المنشدون إلى القصر يدعون وينشدون. وفيه نصبت خيمة خارج باب الفتوح ليخرج تجريدة الدّزبرى.

стр. 537

وفى حادى عشريه نهبت الدّوابّ بسفط ونهيا (١) من ثلاثين رجلا من بنى قرّة، وقتلوا قاضى سفط، واستاقوا مائة وخمسين فرسا لأهل الدولة، وساقوا ثلاثمائة رمكة (٢) لمعضاد وأربعة آلاف رأس من الضأن؛ فلم يخرج أحد لطلبهم، ولا أنكر شيء من ذلك. وفى ثانى عشريه خرج معضاد والشريفان وابن حمّاد الغرابيلى ونجيب الدولة الجرجرائى إلى الخيمة خارج باب الفتوح، وحضر الكتاميّون، فطلب منهم مائة فارس لينفق فيهم (٣)، فلم يحضروهم، ونزعت الخيمة فعادوا أقبح عود. وفى خامس عشريه سار وفد مكة وقد دفع إليهم نصف واجبهم، ولم يرسل إلى أبى الفتوح بشئ، فمضوا غير راضين. وفيه حمل مظفر صاحب المظلة إلى الحضرة عشرة آلاف دينار قرضا؛ واستدعى من الشريف أبى طالب العجمى متولّى الصناعة عشرة آلاف قرضا، فدافع ثم أجاب إلى حمل خمسة آلاف بعد أن يضمن له أمر عادتها إليه، فضمن له الشيخ نجيب الدولة أبو القاسم على بن أحمد الجرجرائىّ ذلك، فحملها. واشتد الغلاء؛ فبيع القمح بأربعة دنانير وثلث التليس والحملة الدقيق بستة دنانير، والخبز رطل وربع بدرهم؛ ونزل بالناس مسغبة شديدة. وفى ثالث عشريه تجمّع العبيد ومعهم عدة من النّهابة، فبلغوا نحو الألفين، يريدون نهب مدينة مصر، فركب إليهم بدر الدولة نافذ فى عسكر بالسّلاح، وأذن للناس عامّة بأن من تعرض لهم من العبيد فليقتلوه؛ فتحفظ الناس واستعدّوا. ثم ركب معضاد ونسيم إلى حيث تجمع العبيد، وأحضروا

стр. 538

أزمّتهم وألزموهم بعود العبيد إلى حارتهم؛ فقالوا: ما أردنا النّهب، ولا نريد إلا ما نأكله من الجوع فإن الجوع قد اشتد بنا وأكلنا الكلاب. فوعدوا بالنفقة من الغد؛ فعاد الجميع إلى حاراتهم. واجتمعوا من الغد وقصدوا الساحل، ونهبوا دورا وطرحوا فيها النّار، وأخذوا ما وجدوه فى السّاحل من القمح والشعير وغير ذلك مما فى الحوانيت؛ ودخلوا إلى منازل أهل السّلاح فنهبوا ما وجدوا. فركب إليهم نافذ وقاتلهم، فجرح له فرس وقتل فارس من غلمانه، فانصرف عنهم. وخرج إليهم عامّة المصريّين بالسلاح فقاتلوهم؛ ورماهم النساء من أعلى الدّور بالحجارة والطّوب والجرار، حتى هزموهم؛ وأغلق الناس دورهم، وحفروا دونها خنادق. وركب معضاد وجميع الصّقالبة والقوّاد، فطردوا العبيد عن البلد إلى المقس، ولقوا فى طريقهم قوما معهم كثير من أمتعة النّاس التى نهبت، فقبضوا عليهم، وضرب معضاد رقاب تسعة أنفس منهم ورمى جثثهم إلى الكلاب عند الحمراء والمشتهى. ثم لقى ستة نفر منهم فضرب رقابهم بالقاهرة. وتعذّر وجود الخبز فلم يقدر عليه، وبيع رطلا بدرهم. وبات الناس ليلة الجمعة على حرس، وأصبحوا يترقبون المكروه، فطاف النّهّابة أسواق القاهرة والسويقة التى عند باب زويلة، فخرج إليهم حظىّ الصقلبى ومعه سيف من الحضرة، فقبض على طائفة منهم، ضرب رقابهم ورمى جثثهم إلى الكلاب على باب زويلة وعلى باب الفتوح وفى سوق السلاح وعند شرطة القاهرة؛ وعدتهم اثنا عشر رجلا. ووجد كتاميا يقال له سليمان، قد أخذ حمارا محمّلا دقيقا، فضرب عنقه. وأحضر عرفاء العبيد إلى القصر وشدّد عليهم فى إحضار الجناة من العبيد، ووعدهم بالنّفقة فى العبيد. وأصبح الناس يوم الأحد سابع عشريه يستغيثون إلى متولّى الشرطة السفلى من العامّة التى نهبتهم، فقبض على طائفة منهم بكوم دينار، وعوقبوا حتى أقروا بما عندهم من النّهب، فسيقوا حتى أخرجوه من كوم دينار وأخذه أربابه.

стр. 539

وقدم الخبر من حلب بأن صالح بن مرداس حاصر حلب، وما زال بأهل البلد حتى فتحوا له أبوابها، فدخل أصحابه وشرعوا فى هدم أبراج السور، فظنّ الناس أنه يريد بذلك أن يسلّم حلب إلى الروم، فاجتمعوا بمن فى القلعة، وقد تحصّن بها موصوف الصقلبى، وحاربوا أصحاب صالح حتى أخرجوهم وقتلوا منهم مائتين وخمسين رجلا، وامتنعوا منهم بالمدينة. ومن خبر ذلك أن صالح بن مرداس نزل على مدينة حلب فى جمع كثير من بنى كلاب وغيرهم، فحصرها أشدّ حصر حتى أخذ المدينة صلحا من أهلها، ودخلها فى رابع عشر ذى القعدة سنة خمس عشرة هذه، وتلقب بأسد الدولة. وامتنع موصوف الصّقلبى بالقلعة، فاستخلف صالح على مدينة حلب كاتبه أبا منصور سليمان بن طوق، ومضى إلى بعلبك فأخذها عنوة، وقتل بها خلائق. واشتدت محاصرة سليمان بن طوق لقلعة حلب، وصعد قلعتها حتى قلّ الماء والزاد بها، فطلب موصوف منه أشياء اشترطها عليه وسلّمه القلعة؛ فأتى صالح حلب وصعد قلعتها، وقتل موصوفا، ورتّب أموره، وصار بيده من بعلبك إلى عانة (١). وقدم الخبر بأن حسان بن جراح جمع من العرب خلائق وقصد الرملة، فمضى الدّزبرى إلى عسقلان وتحصّن بها، فقبض حسان على جماعة من أهل الرملة ممّن سعى به وبأصحابه إلى الدّزبرى، وضرب أعناقهم، وملك المدينة. فاجتمع الدّزبرى مع مبارك الدولة فتح، متولّى القدس، وفتاح بن بويه الكتامى، وصار إليهم نحو الخمسة آلاف مقاتل، وأوقعوا بحلة كبيرة لإخوة حسان، وقتلوا ولدا لعلى بن جرّاح، وهزموا من بها. وقال ابن الرقيق: وكان بمصر من الغلاء والشّدّة وعدم الأقوات ما لم ير مثله من زمن

стр. 540

بعيد. بلغ الخبز، إذا وجد، رطلا بدرهم، واللحم أربع أواق بدرهم، والرمانة الواحدة بدينار. وكان الناس فى كل ناحية يصيحون بالجوع حتى يموتوا؛ ويكون مع الرجل جملة من الدنانير فيطلب من يشبعه خبزا فلا يجده؛ هذا مع الموت الذّريع. والوباء الفظيع. وورد كتاب بعض ثقات التجار يصف أنه أحصى من مات ممّن عرف وكفّن ودفن من آخر شهر رمضان إلى بعض ذى القعدة فكانوا مائة ألف وسبعين ألف نفس؛ وأما الغريب ومن لا يعرف ومن يلقى فى النيل ولا يجد من يقبره فأكثر من هذه العدّة أضعافا لا تحصى. وبلغ ماء النيل ستة عشر ذراعا وثمان أصابع. ومات فى هذه السنة ممّن له ذكر أبو جعفر بن الوزير أبى الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات المعروف بابن حنزابة، يوم الخميس سادس المحرم؛ وكان يعمل بيده أعمالا متقنة. وفى يوم الأربعاء عاشر صفر توفى مفضّل بن أبى أحمد المهلبى بعد ما ساءت حاله؛ وكان أديبا جمّ الأدب غير منكور السيرة. وفى سابع عشره توفى أبو محمد بن يحيى الدّقاق من شيوخ الحديث ومؤرخى أخبار مصر. وفى يوم الأربعاء ثالث عشرى ربيع الأول توفى ابن أبى الحسين بن زولاق، وكان أديبا، ذيّل على تاريخ أبيه المعروف بأبى الحسين. وفى يوم الخميس ثانى عشرى ربيع الآخر توفى أبو الحسن بن نحرير الشويزانى، وهو أكبر من بقى من عرفاء الإخشيذيّة، فبعث الظاهر لكفنه مائتى دينار وعدة ثياب وطيبا كثيرا. وفى يوم الأحد عاشر جمادى الأولى توفى النمل الشاعر، واسمه: ومن شعره (١): وتوفى سند الدولة أبو محمد حسن بن محمد بن محمد بن نقيان الكتامى، متولّى مدينة حلب، بها، فى يوم الخميس لثمان بقين من ربيع الآخر. وفى يوم الاثنين سادس

стр. 541

شعبان توفى عصب الدولة الحسين بن مفلح ابن أبى صالح القلعى، وقد ساءت حاله وغلبه الدّين. وفى ليلة الأحد تاسع عشره قتل الشيخ العميد محسن بن بدواس متولى بيت المال وجابى الضرائب. وفى يوم الاثنين ثانى عشر شهر رمضان توفى نزار بن حسين بن يمن الكتامى، متولّى الشرطة السفلى بمصر، بعد ما ساءت حاله. وفى رابع عشره توفى الشريف العبّاسى الرابض لدواب الحاكم بأمر الله، وكان شرّيرا، فلم يشهد أحد جنازته بغضا له. وفى يوم الخميس سادس شوال توفى أبو عيسى ملامان بن محساس بن بيوط الكتامى، فصلّى عليه الظاهر. وفى تاسعه توفى مخلص الدولة منصور البكجورى، أحد وجوه القوّاد الحمدانيّة القادمين من الشام، وترك ستّين ألف دينار ورثها ابنه، فدفن فى مقابر القاهرة. وفى ثالث عشريه توفى الأمير أبو هاشم العبّاس بن شعيب بن داود بن عبيد الله المهدى، ولىّ عهد المؤمنين كان، فدفن فى تربة القصر، وترك ولدا اسمه مسلم. وفيه توفيت عائشة جارية الأمير عبد الله بن المعز لدين الله؛ وكانت من وجوه عجائز القصر؛ وخلّفت أربعمائة ألف دينار. وفى يوم السبت رابع عشر ذى القعدة توفى جعفر بن أبى فروخ الكتامى الذى كان يتولّى الشرطة بمصر. وفى سابع عشريه توفى أبو الفتح منصور المعروف بالتينى الشاعر، ودفن بمقابر القاهرة. ومن شعره: شديد من الدّنيا على الحرّ حاجة … يؤمّ بها من ليس من نظرائه وقال من أبيات: وما الناس إلاّ كالنّبات: مصوّح … ليذوى، ومخضرّ لينمى، ومعشب يسربله ماء الشّباب نضارة … ويفرغ عنه حسنه حين ينضب ومنها: تفرّق أنواع المذمّات فى الورى … ويجمعها خلق الفتى حين يكذب إذا كان للإنسان عقل، فحيثما … توجّه لاقاه صديق ومكسب

стр. 542

ينال الفتى بالخفض بلغة عيشه … فيسعى إلى شيء سواها، وينصب يخرّب من أخراه ما ليس فانيا … ويعمر من دنياه ما يتخرّب على أنّ فى الأيّام للمرء واعظا … بليغا، وفى صرف الزّمان مؤدّب وماتت السيدة العزيزة ستّ الملك ابنة العزيز بالله أبى منصور نزار بن المعز لدين الله أبى تميم معدّ، مستهل جمادى الآخرة (١)، بعلة الذرب. وقد دبّرت أمور الدولة بعد فقد أخيها الحاكم بأمر الله خمس سنين وثمانية أشهر، أعادت فيها للملك غضارته، واستردّت بهجته، وملأت الخزائن بأصناف الأموال، وقلّدت الأكفاء جلائل الأعمال، واصطنعت الرجال (٢).

стр. 543

سنة ست عشرة وأربعمائة (١) فيها أمر الظّاهر بنفى من وجد من الفقهاء المالكيّة وغيرهم. وأمر الدعاة أن يحفّظوا الناس كتاب دعائم الإسلام (٢) وكتاب الوزير يعقوب بن كلس فى الفقه على مذهب آل البيت (٣)؛ وفرض المظاهر لن يحفظ ذلك مالا. وجلس الدعاة بالجامع للمناظرة (٤). سنة سبع عشرة وأربعمائة (٥) فيها ثار بالناس فى مصر رعاف عظيم. وزاد النيل فوق المعتاد حتى غرقت القرى (٦). وفيها سقط الظّاهر عن فرس، وأرجف بموته، ثم عوفى، فتصدّق بمائة ألف دينار، حمل منها إلى مكة والمدينة أربعون ألف دينار، وإلى بلاد الشام عشرون ألف دينار، وإلى بلاد المغرب عشرون ألف دينار، وفرّق بمصر عشرون ألف دينار (٧).

стр. 544

سنة ثمان عشرة وأربعمائة (١): فيها وقعت الهدنة بين متملّك الروم (٢) وبين الظّاهر عن ديار مصر والشام، وكتب بينهما كتاب؛ وتفردت الخطبة للظاهر ببلاد الرّوم. وفتح الجامع الذى بقسطنطينية، وعمل له الحصر والقناديل، وأقيم به مؤذّن؛ وعند ذلك أذن الظاهر فى فتح كنيسة القمامة التى بالقدس (٣)، فحمل إليها ملوك النّصارى الأموال والآلات، وأعادوها، وارتدّ إلى دين النّصرانية كثير ممّن أسلم كرها فى أيام الحاكم بأمر الله. وفيها عزل الظاهر عميد الدولة وناصحها أبا محمد الحسن بن صالح الروذبارى، وولّى عوضه الوزير الأجل الكامل أوحد أمير المؤمنين وخالصته أبو القاسم على بن أحمد الجرجرائى. وفيها اجتمع عسكر مصر، ورافع بن أبى اللّيل مقدّم طائفة الكلبيين، وأنوشتكين الدّزبرى لحرب حسّان بن جرّاح (٤)؛ فالتقوا لخمس بقين من ربيع الآخر على الأقحوانة (٥)؛ فقتل صالح بن مرداس، وانهزم حسّان، وقتل عدّة ممّن معه، واستولى الدّزبرى على البلاد. فقدم شبل الدّولة نصر، ومعزّ الدّولة ثمال بعد أبيهما صالح بن مرداس، وملكا أيضا الرّحبة إلى بالس (٦) ومنبج (٧).

стр. 545

سنة عشرين وأربعمائة (١): فيها كانت فتنة بمصر بين المغاربة والأتراك، قتل فيها جماعة، وكان الظّفر للأتراك؛ ثم استظهرت المغاربة بمعاونة العامّة لهم، فقتلوا عدّة كثيرة من الأتراك، وأخرجوا من بقى منهم عن مصر. وكان خبط عظيم، فأخرج الظّاهر رأسه من المنظرة وأشار إلى النّاس، فقبّلوا الأرض؛ ثم بعث إليهم بالصّلح، فمشى الدّعاة بينهم حتى اصطلحوا. وفيه بعث المعزّ بن المنصور بن بلكّين بن زيرى (٢) هديّة فيها عشرون جارية لم ير كحسنهنّ، وعلى نهودهنّ حقاق الفضة؛ وثلاثة أفراس، فيها كميت بسرج ذهب زنته قنطار ذهب، وأشقر بسرج لؤلؤ، وأدهم (٣) بسرج فضة زنتها قنطار؛ وثلاثة آلاف منا (٤) زعفرانا؛ وخمسون درقة بأغشية ديباج، واثنا عشر صقلبيّا؛ وعشرون خادما سودا؛ وألف وخمسمائة ثوب خزّ وأربعمائة غفارة؛ ورماح كثيرة جدا؛ وألف قنطار شمعا؛ وثياب سوسيّة وصقليّة؛ وعمائهم عدّة ألوف. فجلس الظاهر فى الإيوان على السرير الذهب، وقرئ عليه كتابه، وعرضت هديته فى يوم الأحد

стр. 546

ثامن شوال. وبعث إليه بهديّة من دقّ تنّيس ودمياط وطرائف الهند واليمن، وزرافة، وبختا خراسانية تحمل قبابا فيها جوارى، وأشياء عظيمة. وفيها جهّز الظاهر أمير الجيوش أنوشتكين الدّزبرى لقتال صالح بن مرداس؛ فالتقيا بالأقحوانة من عمل طبريّة على نهر الأردن، واقتتلا أشدّ قتال؛ فقتل صالح وولده الأصغر فى جمادى الأولى من سنة عشرين هذه (١)، وحمل رأساهما إلى القاهرة. ونجا شبل الدولة أبو كامل نصر بن صالح، وأخوه أبو علوان عز الدّولة ثمال إلى حلب، فملكاها شركة بينهما. فكانت مدّة ملك صالح لحلب أربع سنين وأشهرا.

стр. 547

سنة احدى وعشرين وأربعمائة (١): بايع النّاس بولاية العهد للمستنصر بن الظاهر، وعمره ثمانية أشهر؛ فخلع على كافّة أهل الدولة وعمل من الطعام ما كفى أهل القاهرة ومصر والطّرائين من البلاد، ونثر مال عظيم؛ فلم يبق أحد حتى وصل إليه من خير هذه البيعة. واجتمعت العامّة تحت المنظرة من القصر، واستغاثوا أن يشرفوا برؤية أمير المؤمنين، فأشرف عليهم الظّاهر من المنظرة، فقبّلوا الأرض وانصرفوا. وكان مرتضى الدولة أبو نصر منصور بن لؤلؤ قد طمع فى حلب بعد تملّك صالح بن مرداس لها، فكاتب متملّك (٢) الروم يرغّبه فى حلب ويعده، إلى أن خرج من القسطنطينية فى هذه السنة ومعه ثلاثمائة ألف، حتى لم يبق بينه وبين حلب سوى يوم واحد اعتزل عنه ابن لؤلؤ ومعه رجل جليل من الروم يقال له ابن الدوقس فى عشرة آلاف؛ فخاف متملّك الروم ورحل، ثم قبض على ابن لؤلؤ وابن الدوقس فى جماعة وولّى منهزما لا يلوى على شيء. وتبعه من عرب كلاب ونمير نحو الألفى فارس فى طائفة الأرمن، ونهبوا الروم، فاخذوا من خاصّ الملك أربعمائة بغلة تحمل المال والثياب، سوى ما ظفروا به لعامّتهم، بحيث أبيع البغل فى حلب بدينارين؛ ولولا أن العرب تشاغلت بالغنيمة لما أفلت أحد من الروم. ووجد من الروم آلاف كثيرة موتى عطشا. وكانت هذه الهزيمة يوم السبت خامس شعبان.

стр. 548

سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة (١): فيها نقص النّيل نقصانا فاحشا، فتحرك السعر، وحملت غلال كثيرة من الشام إلى مصر؛ ثم زاد النيل بعد أوان الزيادة بأربعة أشهر، فكثر العجب من ذلك. وكان الدّزبرى لمّا استرجع البلاد الشامية من أيدى المتغلّبين عليها، إلاّ حلب فإنها بقيت بيد بنى صالح بن مرداس، انهزم حسّان بن جرّاح وإخوته من الدّزبرى، ولم يجدوا ملجأ، فحملهم ذلك على أن دخل حسّان فى طاعة ملك الروم، وحمل على رأسه صليبا وصار فى جملته. ثم سار فى هذه السّنة بعسكر الروم وعلى رأسه الصّليب، ووصل إلى أفامية، وهى من عمل الدّزبرى، فهزمها وسبى كثيرا منها. فنادى الدّزبرى بالغزاة، وخرج؛ فخافه نصر بن صالح وقرّر لملك الروم على نفسه خمسمائة ألف درهم، صرف ستين درهما بدينار، على أن يحميه، وذلك فى جمادى الأولى؛ فاتفق مرض الدّزبرى بدمشق، وأرجف به، ثم عوفى (٢). [١٨٢] سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة (٣) فيها أمر الظاهر بقتل دعاته، فاضطربت الرّعية وكثير من الجند لذلك، وأخذ الدّعاة فى إفساد أمره والتحدّث بخلعه؛ فأنفق أموالا جمّة حتى استقرّ أمره (٤).

стр. 549

سنة أربع وعشرين وأربعمائة (١): ركب ولىّ العهد، ابن الظّاهر، من القاهرة إلى مصر وقد زيّنت، فكان إذا أقبل على الناس قبّلوا له الأرض. ونثر يومئذ على العامّة خمسة آلاف دينار، ونثر على الخاصّة عشرون ألف دينار؛ فكان يوما عظيما. وفى يوم الأحد ثامن عشر ذى القعدة قدمت هديّة المعز بن باديس، وهى جليلة القدر (٢). سنة خمس وعشرين وأربعمائة (٣): فيها قدم الخبر باستيلاء الأتراك على الأمر ببغداد، وقلّت بها الأموال والرجال، فبث الظاهر دعاته فنشروا دعوته ببغداد فى الناس. وفيها ظهرت الطائفة الدّرزية بجبل السّمّاق (٤) من الشام يدعون إلى الحاكم بأمر الله. فيها ظهرت الزلازل ببلاد الشام، فخربت ريحا (٥)، ونصف الرملة وأكثر عكّا فى قرى كثيرة، وبعد الماء من سواحل البحر المالح ساعتين، ثم عاد كما كان (٦).

стр. 550

سنة ست وعشرين وأربعمائة (١): فيها كثر الفأر بأراضى مصر وأكل زروعا كثيرة. وفيها كثر الوباء بمصر. وفيها قتل الدّزبرى شبل الدولة ثمال بن صالح بن مرداس، فى شعبان، وملك حلب، وبعث إلى الظاهر بهدايا جليلة (٢). سنة سبع وعشرين وأربعمائة (٣): فيها انعقدت الهدنة بين الظاهر وبين ميخائيل (٤) ملك الروم عشر سنين متوالية. وفيها توفى الظاهر عن استسقاء طال به من نيّف وعشرين سنة، فى يوم الأحد النّصف من شعبان؛ فكانت مدّته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوما. وكانت أيامه كلها سكونا ولينا (٥)، وهو مشغول بملاذّه ونزهه وسماع المغنى، وأمور الدّولة بيد عمته السيدة العزيز ستّ الملك، وهى التى عدلت بالخلافة إليه عن ولّى العهد أبى هاشم العبّاس بن دواد ابن عبيد الله المهدى، وجئ بأبى هاشم فبايع والسّيف على [رأسه]، ثم جلس فكان آخر

стр. 551

العهد به. وكان يشار بالخلافة إلى عبد الرحيم بن إلياس بن أحمد بن المهدى، فأدخل عليه الشّهود وهو يتشحّط (١) فى دمه، فأشهد أنه فعل ذلك بنفسه، ثم قضى نحبه. وأقامت سيّدة الملك سيف الدين الحسين بن دوّاس والوزير عمّار بن محمد فى تدبير الدولة عن رأيها، حتى قتلت ابن دوّاس، فانفرد عمّار بالأمور إلى أن رتّبت له فى دهليز القصر من قتله. فتحدّث حسن بن موسى الكاتب، والأمر لستّ الملك، ولسانها ويدها أبو القاسم على بن أحمد الجرجرائىّ. فلما ماتت السيدة ست الملك استقل الجرجرائى بالتدبير (٢).

стр. 552

المستنصر بالله أبو تميم معدّ بن الظاهر لإعزاز دين الله أبى الحسن على بن الحاكم بأمر الله أبى على منصور أمه السيدة رصد. ولد يوم الثلاثاء السادس عشر من جمادى الأولى سنة عشرين وأربعمائة بالقاهرة؛ والطالع عند ولادته من برج السرطان ثمان درج؛ والشمس فيه على خمس عشرة درجة، والمشترى فيه على ستّ درج، وعطارد فيه على اثنتى عشرة درجة؛ والقمر فى الدلو على ثلاث عشرة درجة؛ وزحل فى برج الثور على تسع وعشرين درجة؛ والمرّيخ فيه أيضا على إحدى عشرة درجة؛ والزهرة فى برج الجوزاء على ثلاث عشرة درجة؛ والجوزهر؟ فى برج السّنبلة على خمس وعشرين درجة. وبويع بالخلافة يوم الأحد للنصف من شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة (١)؛ والطالع عند ولادته من برج السّنبلة إحدى وعشرون درجة، وزحل فى برج السنبلة على اثنتين وعشرين درجة؛ والمشترى فى برج الدلو على ثمانى درج، والمريخ فيه أيضا على اثنتى عشرة درجة؛ والشمس فى برج الجوزاء على ثمان وعشرين درجة؛ والزهرة فى برج السرطان على ثلاث درج، وعطارد فى برج الجوزاء على ست عشرة درجة؛ والقمر فى برج الجدى على ثمانى عشرة درجة والجوزهر فى برج الثور على إحدى وعشرين درجة. وأقام فى الخلافة ستين سنة وأربعة والجوزهر فى برج الثور على إحدى وعشرين درجة. وأقام فى الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر وثلاثة أيام. وقام بأمره الوزير أبو القاسم الجرجرائى؛ وأخذ له البيعة على النّاس؛ وأطلق للجند

стр. 553

أرزاقهم وشيئا آخر على سبيل الصّلة؛ وسكنت الأمور واستقامت الأحوال؛ وكتب له المستنصر سجلاّ بإقراره على الوزارة. وفيها سيّر من القاهرة مبلغ ألفى دينار على يد بدوىّ لعمارة قنطرة الجاروفة التى منها شرب الكوفة، وقد خربت وفسدت الجهات التى تحتها بفسادها. وكانت تلك الجهات جارية فى إقطاع العربان بالعراق، فأريد بذلك استمالة من هناك إلى الطّاعة؛ فقام بنو خفاجة مع البدوىّ فى الإنفاق على عمارة القنطرة. فبلغ ذلك الخليفة القادر بالله أبا العباس أحمد بن اسحاق بن المقتدر، فلم يجد مالا يبعثه عوضا من المال المذكور، ولم يمكنه الردّ، فدعته الضرورة إلى التّغاضى. فشرع البدوىّ فى العمل، ثم منع بعد ما تمّ منه جانب كبير (١).

стр. 554

سنة ثمان وعشرين وأربعمائة (١): فيها فسد ما بين نصر بن صالح بن مرداس وبين المستنصر، فكاتب ملك الروم (٢)، وبعث إليه بما عليه من القطيعة مع هديّة (٣)؛ فأشار عليه بالدخول فى طاعة المستنصر (٤)، فقبل منه. وبعث بهدية جليلة إلى القاهرة مع وفد كبير؛ فحصل الرّضا عنه، وأضيف إليه أعمال حمص، ولقّب بمختصّ الأمراء خاصّة الإمام، شمس الدّولة ومجدها، ذى العزمتين. فشقّ ذلك على الدّزبرى متولى دمشق، وأخذ فى مناكدة أصحاب نصر بن صالح (٥).

стр. 555

سنة تسع وعشرين (وأربعمائة) (١): فيها بعث الدّزبرى عساكره إلى حماة، فأخذها. وخرج شبل الدولة نصر بن صالح لدفعه، فالتقيا بلطمين (٢) من عمل كفرطاب (٣)، فانكسر وقتل فى يوم الاثنين نصف شعبان، وحمل رأسه إلى دمشق. فبادر أخوه معزّ الدولة ثمال بن صالح إلى حلب وملكها من الغد، وأخذ قلعتها، واستخلف فيها ابن عمه مقلّد بن كامل بن مرداس، وفى المدينة خليفة بن جابر الكعبى. وشرّق بأهله ليستنجد بأخواله بنى خفاجة، فنزلت عساكر الدّزبرى على حلب وأخذت المدينة؛ ثم قدم إليها الدّزبرى وتسلّم القلعة فى يوم الثلاثاء ثامن رمضان، وأخرج منها إلى درباس، واستولى على بالس ومنبج؛ وولى قلعة لغلاميه فاتك وسبكتكين. وعاد إلى دمشق يوم الخميس تاسع عشر ذى الحجة. وعمل فى طريقه على أخذ جبلة (٤) فلم يطق. وفيها ثار علىّ بن محمد بن على الصّليحى فى اليمن فى ستين (٥) رجلا على رأس جبل، وأقام دعوة المستنصر؛ وما زال أمره يزيد حتى استولى على ممالك اليمن. وفيها هادن المستنصر ملك الروم على أن يطلق خمسة آلاف أسير ليمكّن من عمارة قمامة التى فرّ بها الحاكم، فأطلق الأسرى، وعمر قمامة، وأطلق عليها مالا جلّ وصفه (٦).

стр. 556

سنة ثلاثين وأربعمائة (١): سنة احدى وثلاثين وأربعمائة (٢) فيها أقيمت دعوة المستنصر بحران (٣): سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة (٤): فيها نقض ملك الروم الهدنة وأغار على بلاد حلب وعلى بلاد أفامية، وكسر عسكر الدّزبرى المقيم هناك؛ فخرج إليه عسكر حلب فكسرهم على أرمناز (٥). وكان ثمال بن صالح وعمّه المقلّد بالرّقّة مالكين لها، فبعثا إلى متملّك الروم بمال وثياب، فطلب منهما ابتياع الرّقة كما ابتيعت الرّها؛ فضاق الدّزبرى ذرعا بذلك وكتب إليهما يرغّبهما ويرهّبهما، فأجاباه بالاعتذار. وكان قد مضى قوم من بنى جعفر بن كلاب إلى مضيق أفامية وعاثوا فى أعمال الروم، فمكّن لهم الروم ثمّ أوقعوا بهم. فبعث الدّزبرى عسكرا، فلقى الرّوم فيها بين حماة وأفامية، فظهر المسلمون عليهم وقتلوا منهم عدة كبيرة؛ فأجمع الدّزبرى على النّهوض إليهم؛ فهادنوه وما زالوا به حتى سكنت الحرب بينهم وبينه. ثم إن الجند طمعوا فى الدّزبرى وهموا به فساروا له إلى حماة، فقضى عليه أهلها؛ فكاتب مقلّد بن منقذ، فحضر إليه من كفرطاب فى ألفى راجل واجتمع به؛ ومضى إلى حلب فأقام بها مريضا إلى أن مات يوم الأحد نصف جمادى الآخرة.

стр. 557

سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة (١): وبعد ما أقام بحلب اثنين وأربعين يوما قدم إليها ثمال بن صالح وعمّه المقلّد، وحصرا القلعة سبعة أشهر، وتسلّماها فى صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وقتلا من بها. فلما بلغ ذلك المستنصر بعث إلى ثمال الخلع والتحف وسجلاّ بتوليته؛ وكان بقلعة حلب مائتا ألف دينار فأخذها ثمال. وفيها توفّى شهم الدّولة ميمون، صاحب السّيّارة فى أسفل الأرض، فى شهر ربيع الآخر، وحمل إلى مصر، فوصلوا به يوم الثلاثاء تاسعه، ودفن بتربته بالقرافة. وكان من أهل الخير؛ وحج بالناس من مصر فى سنة ست وعشرين وأربعمائة (٢). سنة أربع وثلاثين وأربعمائة (٣): فيها خرج بالقاهرة فى شهر رجب شخص اسمه سليمان كان يشبه الحاكم بأمر الله، وادّعى أنه الحاكم، وبثّ دعاته سرّا فى البلاد، وقصد القصر وقت خلوّه من العساكر، وقال للخدّام: قولوا هذا الحاكم. فارتاع من كان فى باب القصر وثارت ضجّة؛ فقبض عليه، وصلب، وأخذت أصحابه فقتلوا، ومن جملتهم محمد بن عانى الكتامى أحد دعاته (٤).

стр. 558

سنة خمس وثلاثين وأربعمائة (١): فيها قطع المعزّ بن باديس الخطبة للمستنصر، ودعا ببلاد إفريقية للخليفة القائم بأمر الله العباسى، فبعث إليه الخلع من بغداد على طريق القسطنطينية (٢). سنة ست وثلاثين وأربعمائة (٣): فيها توفّى الوزير الأجل أبو القاسم علىّ بن أحمد الجرجرائى، يوم الأربعاء سادس شهر رمضان. والحاصل يومئذ فى بيت المال البرّانى، تحت يد أمين الدولة مسرّة الرّومى، برسم النفقات، ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار وستمائة دينار وواحد وعشرون دينارا ونصف وثمن دينار. ووجد له سبعمائة صينية من ذهب وفضة، ومائة ألف مثقال من العنبر، وغير ذلك. وكان عالما فطنا نحريرا؛ وقّع مرة بين يدى الظّاهر لإعزاز دين الله على مائة كتاب، فلم تتشابه فيها لفظة بلفظة. وكانت مدّة ولايته للظّاهر والمستنصر سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وثمانية عشر يوما (٤). ووزر بعده أبو على الحسن بن على الأنبارىّ، فانفسد أمره بسبب أبى سعيد سهل بن

стр. 559

هارون التّسترى (١) وأخيه أبى ثمر إبراهيم، اليهوديين. وكان من أمرهما أنّ أبا سعيد هذا كان قد استخدمه الظّاهر لبيوعه، فباع عليه فى جملة ما باع جارية سوداء تحظّاها الظاهر، فولدت له المستنصر؛ فراعت ذلك لأبى سعيد وقدّمته عند ولدها المستنصر لمّا صارت الخلافة إليه ورتبته فيما يخصها؛ فعظم شأنه إلى أن صار ناظرا فى جميع أمور الدولة. فلمّا وزر الأنبارى قصده أبو ثمر إبراهيم؛ فجبهه غلام له، فأحفظه، وأعلم أخاه أبا سعيد؛ فثنى رأى المستنصر عن ابن الأنبارىّ لهذا السبب، وأشار عليه أن يستوزر أبا نصر صدقة بن يوسف الفلاحى (٢)، وكان يهوديّا قد أسلم، فاستوزره بعد الجرجرائىّ فى يوم الثلاثاء حادى عشر شهر رمضان، ولقّب بالوزير الأجلّ، تاج الرّئاسة، فخر الملك، مصطفى أمير المؤمنين. وكان يهوديّا موصوفا بالبراعة فى ضروب الكتابة. ولى أوّلا نظر الشام؛ ثم خاف أمير الجيوش أنوشتكين الدّزبرى ففرّ منه؛ وقد اجتهد فى طلبه فلم يظفر به. وقدم إلى القاهرة، فرعى له الجرجرائىّ حرمة انفصاله عن الدّزبرى، ورقّاه، وأشار فى مرضه بأن يستوزر من بعده. فلما تقررت له الوزارة أملى سجلّ تقليده ليلة اليوم الذى خلع عليه فيه. وتولى أبو سعيد التّسترى الإشراف عليه. وقبض على ابن الأنبارىّ، وصودر، حتى هلك تحت العقوبة، ودفن بخزانة البنود (٣) وكان مسجونا بها. وصار الفلاحى لا يعمل إلا بما يحدّه له أبو سعيد ويمثله. وكان المستنصر قد بثّ دعاته سرّا إلى الآفاق يدعون إليه، ويستميلون من تصل القدرة إلى استمالته. فلمّا كان فى هذه السنة دفع جماعة منهم إلى ما وراء النّهر، ودعوا هناك بعد أن

стр. 560

دعوا بخراسان؛ فاستجاب لهم طوائف من الناس. وحصلوا عند بغرا خان، أخى رسلان خان صاحب ما وراء النهر (١). فلمّا علم بهم تلطّف فى الكشف عنهم بأن استمالهم وقرّبهم، وأطمعهم أنّه يريد الدّخول فيما هم فيه؛ فأنس به طائفة منهم، وأرادوا أن يأخذوا عليه العهود والمواثيق، فخدعهم بإطلاق المال، واستخبر به ما عندهم، حيث إنّه أنفق عليهم فى مدة سنتين ثلاثمائة ألف درهم، حتى اطّلع على عددهم، وعرف مواضعهم؛ وهم يطالبونه باليمين والعهد إلى أن أجابهم على شرط أن يكتبوا أيمانهم، ويطلعوه على باطنهم. فكتبوا ذلك ودفعوه إليه ليتفكّر به، وقد كتب كتابا على قدر كتابهم وشكله، يقسم فيه بالأيمان المغلّظة أنه متى انكشف له من أمرهم ما يدلّ على الإلحاد والخروج عن تشريع الإسلام ذبحهم بيده تقرّبا إلى الله تعالى. ثم استدعاهم وأعلمهم استجابته إلى ما دعوه إليه، وردّ إليهم الكتاب حتى شاهدوه وعرفوه، واستعاده ليحلف به. فلمّا حصل فى يده أخرج الكتاب الذى كتبه وحلف أنه يفى بجميع ما تضمّنه ولا يعدل عنه؛ فوثقوا بذلك، وخفى عليهم فرق ما بين الكتابين. ثم جمعهم وقال لهم ما أتمكّن من إظهار نفسى والمبادرة بنصرتكم إلاّ فى عدد قوى، فإنّ بلاد التّرك تشتمل على ثلاثمائة ألف سيف مشهور تخالف هذا المذهب؛ فإن كنتم فى عدد قويت به. فذكروا له دعاتهم ببلاد المشرق وسمّوهم له، وأفضوا إليه بجميع سرّهم، ودفعوا إليه كتبهم إلى جميع أصحابهم بما استقرّ العزم عليه. ثم جمعهم وأحضر فقهاء بلده لمناظرتهم، وفيهم عبد الملك بن محمد البلخى الفقيه بن محمد شيخ البلد، ونصر بن عطاء، وجعلهما

стр. 561

من وراء ستر؛ فذكر الدّعاة أسرار مذهبهم على غرّة منهم وغفلة بما دبّر عليهم، وبغرا خان يستخبرهم حتى صرّحوا بعقائدهم. فأخرج حينئذ عبد الملك ونصرا، وقبض على الدّعاة وقيدهم، ونادى فى الناس ليجتمعوا، وقد نصب جذعا، وصلب عليه الدعاة واحدا بعد واحد، ورماهم بالنّشّاب، فقتل منهم ستة عشر رجلا، وذبح منهم واحدا بين يديه، ذبحه بعض عبيده فأعتقه؛ وتصدّق بمائة ألف درهم. وتتبع كلّ من فى أعماله من الدّعاة، فقبض على مائة وثلاثة وثلاثين رجلا، وأوثقهم بالحديد، وألقاهم فى جبّ مظلم؛ وكتب إلى جميع بلاد ما وراء النهر بقتل من عندهم من هذه الطائفة. وكتب إلى بغداد بما فعله، فقدم رسوله فى هذه السنة، فأجيب بالشكر والثناء. وفيها سيّر المستنصر إلى قرواش [بن المقلد (١)] أعلاما وخلعا، فلبسها؛ فأنفذ إليه الخليفة القائم من بغداد يعاتبه على ذلك، فاعتذر، ولبس السّواد، ورجع عن دعوة المستنصر (٢).

стр. 562

سنة سبع وثلاثين وأربعمائة (١): اشتهر انتقاض الهدنة التى قرّرها الظاهر لإعزاز دين الله بينه وبين متملّك الروم، وسعى الرّسل فى تقريرها بين المستنصر وبينه؛ وكان انتقاضها على الحقيقة من مدّة أربع سنين مضين. فلما كان فى ثامن ذى الحجّة وردت هديّة متملّك الروم من القسطنطينية إلى القاهرة، وقيمتها ثلاثون قنطارا من الذهب، والقنطار عندهم سبعة آلاف دينار ومائتا دينار. وكان من جملتها بغل وحصان من أحسن الدواب وأعلاها قيمة، كلّ منهما عليه ثوب ديباج رومىّ منقوش ثقيل؛ وخمسون بغلا عليها مائة صندوق مصفحة بالفضة، فيها آنية الذهب والفضة، منها مائة قطعة بميناء؛ وفيها من الدّيباج والسندس والإبريسم والعمائم المعلمة ما لا يقدر على مثله. فعوّض عن هديته بمثلها من حقّ مصر ومن الجوهر والمسك والعود والطّراز، عمل تنّيس ودمياط، ما هو أكثر قيمة مما بعثه (٢). سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة (٣): فى سادس عشر المحرم قتل أبو على الحسن بن على الأنبارى فى خزانة البنود بالقاهرة (٤).

стр. 563

سنة تسع وثلاثين وأربعمائة (١): فيها عمل الوزير أبو منصور الفلاحى على أبى سعيد سهل بن هارون التّسترى اليهودى وقتله عند خان العبيد. وذلك أن أمّ المستنصر كانت جارية أبى سعيد هذا، فأخذها منه الظاهر وتسرّاها، فولدت له ابنه المستنصر، فرقت أبا سعيد درجة عليه بعد وفاة الظاهر (٢). وكان يخاف الوزير الجرجرائىّ، فلم يظهر ما فى نفسه. فلما مات الجرجرائىّ وتولّى الفلاحى انبسطت كلمة أبى سعيد فى الدّولة، بحيث لم يبق للفلاحىّ معه فى الوزارة أمر ولا نهى، سوى الاسم فقط وبعض التنفيذ لا غير، وأبو سعيد يتولّى ديوان أم الخليفة المستنصر. فغضّ الفلاحى بأبى سعيد وشغب عليه الجند حتى قتلوه. وذلك أن بنى قرّة، عرب البحيرة، أفسدوا فى الأعمال، فخرج إليهم الخادم عزيز الدولة ريحان، وأوقع بهم وقتل منهم، وعاد وقد عظم فى نفسه لمعالجة النّصر على بنى قرّة والظفر بهم. فثقل على أبى سعيد أمره واستمال المغاربة وزاد فى واجباتهم، ونقص من أرزاق الأتراك ومن ينضاف إليهم؛ فجرى بين الطائفتين حرب بباب زويلة. واتفق مرض ريحان وموته، فاتّهم أبو سعيد أنه سمّه؛ وتجمّع الطوائف المنحرفة عنه على قتله. فركب من داره على العادة يريد القصر، فى يوم الأحد لثلاث خلون من جمادى الأولى، فى موكب عظيم؛ فلما قرب من القصر اعترضه ثلاثة من الأتراك وضربوه حتى مات. فأمر المستنصر بإحضار من قتله، فاجتمع الطوائف وقالوا نحن قتلناه. فلم يجد المستنصر بدّا من الإغضاء. وقطّع الأتراك أبا سعيد قطعا، وتناولت الأيدى أعضاءه فتمزّقت؛ واشترى أهله ما قدروا على تحصيله من جثّته بمال. وجمع الأتراك ما قدروا عليه من أعضائه ورمّته، وحرقوا ذلك بالنار، وألقوا عليه من التراب

стр. 564

ما صار به تلاّ مرتفعا. وضمّ أهله ما وصل إليهم منه فى تابوت وأسدلوا عليه سترا، وتركوه فى بيت مؤزّر بالسّتور وأوقدوا الشموع، وأقاموا عزاءه. فتعلقت من بعض الشموع شرارة فى الستور التى هناك ومضت فيها، فاحترق التابوت بما فيه. وكان مقدار ما حصل فى بيت المال البرّانى على يدى أبى نصر صدقة الوزير وأبى سعيد إبراهيم التّسترى من يوم مات الوزير علىّ بن أحمد الجرجرائى وإلى أن قتل أبو سعيد سبعمائة ألف دينار. والذى مات عنه الجرجرائىّ، وهو حاصل بيت المال المذكور برسم النفقات، ألف وسبعمائة ألف وستمائة وواحد وعشرون دينارا ونصف ونصف ثمن دينار. فصار حاصل بيت المال برسم النّفقات إلى أن قتل أبو سعيد ألقى ألف دينار وأربعمائة ألف دينار وستمائة دينار وواحد وعشرون دينارا ونصف ونصف ثمن دينار. وردّ المستنصر لأبى نصر، أخى أبى سعيد، خزانة الخاصّ، ولولدى أبى سعيد النظر فى بعض الدّواوين. وحقدت أمّ المستنصر على الوزير أبى منصور صدقة بن يوسف الفلاحى بسبب قتل أبى سعيد، وما زالت به حتى صرفته عن الوزارة واعتقلته بخزانة البنود. وقيل كان صرفه فى سادس المحرّم سنة أربعين. واتّفق أنه لما قبض عليه وسجن بخزانة البنود وأمر بقتله بها، حفرت له حفيرة ليوارى فيها، فظهر للفعلة عند الحفر رأى، فلما رفع سئل عنه الفلاحى، فقال هذا رأس ابن الأنبارىّ، وأنا قتلته ودفن فى هذا الموضع؛ وأنشد: ربّ لحد قد صار لحدا مرارا … ضاحك من تزاحم الأضداد وكان أبوه أحد الكتاب البلغاء؛ وتولى ديوان دمشق (١).

стр. 565

ومن أحسن ما قيل فى أبى سعيد، وقد كره أذاه للمسلمين أنه كان يحلف: «وحقّ النعمة على بنى إسرائيل»، قول الرضىّ فيه: يهود هذا الزّمان قد بلغوا … غاية آمالهم، وقد ملكوا العزّ فيهم والمال عندهم … ومنهم المستشار والملك يأهل مصر إنّي قد نصحت لكم … تهوّدوا قد تهوّد الفلك وفيها استقر فى الوزارة بعد الفلاحى أبو البركات الحسين بن عماد الدولة بن محمّد بن أحمد الجرجرائى، ابن أخى الوزير صفىّ الدّين، ولقّب بالوزير الأجلّ الكامل الأوحد، علم الكفاة، سيد الوزراء، ظهير الأئمة، عماد الرؤساء، فخر الأمة، ذى الرئاستين، صفىّ أمير المؤمنين. وفيها ابتدأ أمر أبى محمد الحسن بن على بن عبد الرحمن اليازورىّ. وكان من خبره أن أباه علىّ بن عبد الرحمن كانت له حال واسعة ببلد يعرف بيازور (١)، من ضياع فلسطين، وكان مقدّما فيها؛ فلما كبرت حاله انتقل إلى الرّملة واستوطنها، وصارت له وكلاء فى الضّياع. فاشتهر هناك وعرف بالعفّة والصّدق وسماح النفس، فردّ إليه قضاء بعض أعمال الرملة. ونشأ له ابنان نجيبان، ولى أحدهما الحكم بعد أبيه إلى أن توفى، ثم خلفه أخوه عبد الرحمن هذا من بعده، فعرف بسعة النفس وسعة الأخلاق؛ فاتصل بخدمة الوزير الجرجرائى، فصار بذلك ممنوعا ممّن يريده بسوء. واتفق أنه حجّ قبل قدومه إلى مصر، فلما زار قبر رسول الله نام فى الحجرة الشريفة، فسقط عليه خلوق من الزّعفران الملطّخ فى حوائط الحجرة، فجاء بعض الخدّام وأيقظه من نومه وقال: أيّها الرجل، إنك تلى ولاية عظيمة وقد بشّرتك، فلى منك الحباء والكرامة.
следующие страницы →