من وراء ستر؛ فذكر الدّعاة أسرار مذهبهم على غرّة منهم وغفلة بما دبّر عليهم، وبغرا خان يستخبرهم حتى صرّحوا بعقائدهم. فأخرج حينئذ عبد الملك ونصرا، وقبض على الدّعاة وقيدهم، ونادى فى الناس ليجتمعوا، وقد نصب جذعا، وصلب عليه الدعاة واحدا بعد واحد، ورماهم بالنّشّاب، فقتل منهم ستة عشر رجلا، وذبح منهم واحدا بين يديه، ذبحه بعض عبيده فأعتقه؛ وتصدّق بمائة ألف درهم. وتتبع كلّ من فى أعماله من الدّعاة، فقبض على مائة وثلاثة وثلاثين رجلا، وأوثقهم بالحديد، وألقاهم فى جبّ مظلم؛ وكتب إلى جميع بلاد ما وراء النهر بقتل من عندهم من هذه الطائفة. وكتب إلى بغداد بما فعله، فقدم رسوله فى هذه السنة، فأجيب بالشكر والثناء.
وفيها سيّر المستنصر إلى قرواش [بن المقلد (١)] أعلاما وخلعا، فلبسها؛ فأنفذ إليه الخليفة القائم من بغداد يعاتبه على ذلك، فاعتذر، ولبس السّواد، ورجع عن دعوة المستنصر (٢).
стр. 562
سنة سبع وثلاثين وأربعمائة (١):
اشتهر انتقاض الهدنة التى قرّرها الظاهر لإعزاز دين الله بينه وبين متملّك الروم، وسعى الرّسل فى تقريرها بين المستنصر وبينه؛ وكان انتقاضها على الحقيقة من مدّة أربع سنين مضين. فلما كان فى ثامن ذى الحجّة وردت هديّة متملّك الروم من القسطنطينية إلى القاهرة، وقيمتها ثلاثون قنطارا من الذهب، والقنطار عندهم سبعة آلاف دينار ومائتا دينار. وكان من جملتها بغل وحصان من أحسن الدواب وأعلاها قيمة، كلّ منهما عليه ثوب ديباج رومىّ منقوش ثقيل؛ وخمسون بغلا عليها مائة صندوق مصفحة بالفضة، فيها آنية الذهب والفضة، منها مائة قطعة بميناء؛ وفيها من الدّيباج والسندس والإبريسم والعمائم المعلمة ما لا يقدر على مثله. فعوّض عن هديته بمثلها من حقّ مصر ومن الجوهر والمسك والعود والطّراز، عمل تنّيس ودمياط، ما هو أكثر قيمة مما بعثه (٢).
سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة (٣):
فى سادس عشر المحرم قتل أبو على الحسن بن على الأنبارى فى خزانة البنود بالقاهرة (٤).
стр. 563
سنة تسع وثلاثين وأربعمائة (١):
فيها عمل الوزير أبو منصور الفلاحى على أبى سعيد سهل بن هارون التّسترى اليهودى وقتله عند خان العبيد. وذلك أن أمّ المستنصر كانت جارية أبى سعيد هذا، فأخذها منه الظاهر وتسرّاها، فولدت له ابنه المستنصر، فرقت أبا سعيد درجة عليه بعد وفاة الظاهر (٢). وكان يخاف الوزير الجرجرائىّ، فلم يظهر ما فى نفسه. فلما مات الجرجرائىّ وتولّى الفلاحى انبسطت كلمة أبى سعيد فى الدّولة، بحيث لم يبق للفلاحىّ معه فى الوزارة أمر ولا نهى، سوى الاسم فقط وبعض التنفيذ لا غير، وأبو سعيد يتولّى ديوان أم الخليفة المستنصر. فغضّ الفلاحى بأبى سعيد وشغب عليه الجند حتى قتلوه. وذلك أن بنى قرّة، عرب البحيرة، أفسدوا فى الأعمال، فخرج إليهم الخادم عزيز الدولة ريحان، وأوقع بهم وقتل منهم، وعاد وقد عظم فى نفسه لمعالجة النّصر على بنى قرّة والظفر بهم. فثقل على أبى سعيد أمره واستمال المغاربة وزاد فى واجباتهم، ونقص من أرزاق الأتراك ومن ينضاف إليهم؛ فجرى بين الطائفتين حرب بباب زويلة. واتفق مرض ريحان وموته، فاتّهم أبو سعيد أنه سمّه؛ وتجمّع الطوائف المنحرفة عنه على قتله. فركب من داره على العادة يريد القصر، فى يوم الأحد لثلاث خلون من جمادى الأولى، فى موكب عظيم؛ فلما قرب من القصر اعترضه ثلاثة من الأتراك وضربوه حتى مات. فأمر المستنصر بإحضار من قتله، فاجتمع الطوائف وقالوا نحن قتلناه. فلم يجد المستنصر بدّا من الإغضاء. وقطّع الأتراك أبا سعيد قطعا، وتناولت الأيدى أعضاءه فتمزّقت؛ واشترى أهله ما قدروا على تحصيله من جثّته بمال.
وجمع الأتراك ما قدروا عليه من أعضائه ورمّته، وحرقوا ذلك بالنار، وألقوا عليه من التراب
стр. 564
ما صار به تلاّ مرتفعا. وضمّ أهله ما وصل إليهم منه فى تابوت وأسدلوا عليه سترا، وتركوه فى بيت مؤزّر بالسّتور وأوقدوا الشموع، وأقاموا عزاءه. فتعلقت من بعض الشموع شرارة فى الستور التى هناك ومضت فيها، فاحترق التابوت بما فيه.
وكان مقدار ما حصل فى بيت المال البرّانى على يدى أبى نصر صدقة الوزير وأبى سعيد إبراهيم التّسترى من يوم مات الوزير علىّ بن أحمد الجرجرائى وإلى أن قتل أبو سعيد سبعمائة ألف دينار. والذى مات عنه الجرجرائىّ، وهو حاصل بيت المال المذكور برسم النفقات، ألف وسبعمائة ألف وستمائة وواحد وعشرون دينارا ونصف ونصف ثمن دينار. فصار حاصل بيت المال برسم النّفقات إلى أن قتل أبو سعيد ألقى ألف دينار وأربعمائة ألف دينار وستمائة دينار وواحد وعشرون دينارا ونصف ونصف ثمن دينار.
وردّ المستنصر لأبى نصر، أخى أبى سعيد، خزانة الخاصّ، ولولدى أبى سعيد النظر فى بعض الدّواوين. وحقدت أمّ المستنصر على الوزير أبى منصور صدقة بن يوسف الفلاحى بسبب قتل أبى سعيد، وما زالت به حتى صرفته عن الوزارة واعتقلته بخزانة البنود. وقيل كان صرفه فى سادس المحرّم سنة أربعين.
واتّفق أنه لما قبض عليه وسجن بخزانة البنود وأمر بقتله بها، حفرت له حفيرة ليوارى فيها، فظهر للفعلة عند الحفر رأى، فلما رفع سئل عنه الفلاحى، فقال هذا رأس ابن الأنبارىّ، وأنا قتلته ودفن فى هذا الموضع؛ وأنشد:
ربّ لحد قد صار لحدا مرارا … ضاحك من تزاحم الأضداد
وكان أبوه أحد الكتاب البلغاء؛ وتولى ديوان دمشق (١).
стр. 565
ومن أحسن ما قيل فى أبى سعيد، وقد كره أذاه للمسلمين أنه كان يحلف: «وحقّ النعمة على بنى إسرائيل»، قول الرضىّ فيه:
يهود هذا الزّمان قد بلغوا … غاية آمالهم، وقد ملكوا
العزّ فيهم والمال عندهم … ومنهم المستشار والملك
يأهل مصر إنّي قد نصحت لكم … تهوّدوا قد تهوّد الفلك
وفيها استقر فى الوزارة بعد الفلاحى أبو البركات الحسين بن عماد الدولة بن محمّد بن أحمد الجرجرائى، ابن أخى الوزير صفىّ الدّين، ولقّب بالوزير الأجلّ الكامل الأوحد، علم الكفاة، سيد الوزراء، ظهير الأئمة، عماد الرؤساء، فخر الأمة، ذى الرئاستين، صفىّ أمير المؤمنين.
وفيها ابتدأ أمر أبى محمد الحسن بن على بن عبد الرحمن اليازورىّ. وكان من خبره أن أباه علىّ بن عبد الرحمن كانت له حال واسعة ببلد يعرف بيازور (١)، من ضياع فلسطين، وكان مقدّما فيها؛ فلما كبرت حاله انتقل إلى الرّملة واستوطنها، وصارت له وكلاء فى الضّياع. فاشتهر هناك وعرف بالعفّة والصّدق وسماح النفس، فردّ إليه قضاء بعض أعمال الرملة. ونشأ له ابنان نجيبان، ولى أحدهما الحكم بعد أبيه إلى أن توفى، ثم خلفه أخوه عبد الرحمن هذا من بعده، فعرف بسعة النفس وسعة الأخلاق؛ فاتصل بخدمة الوزير الجرجرائى، فصار بذلك ممنوعا ممّن يريده بسوء.
واتفق أنه حجّ قبل قدومه إلى مصر، فلما زار قبر رسول الله نام فى الحجرة الشريفة، فسقط عليه خلوق من الزّعفران الملطّخ فى حوائط الحجرة، فجاء بعض الخدّام وأيقظه من نومه وقال: أيّها الرجل، إنك تلى ولاية عظيمة وقد بشّرتك، فلى منك الحباء والكرامة.
стр. 566
ثم انتقل بتلطّفه وكثرة مداخلته إلى خدمة السيدة أم المستنصر، فتقرّب بخدمتها، ولازم بابها عند ما صرف عن الحكم بفلسطين يسأل عوده إلى وطنه وخدمته فيها؛ وهو مع ذلك يواصل الوزير الفلاحى ويؤانسه، فيبدأه بما فى نفسه من أبى سعيد التسترى، فيفاوضه فى التّدبير على المذكور، ويفتح له من العمل عليه ما يظهر له صوابه. فثقل مكانه على أبى منذر لقربه من أمّ المستنصر ولمما لأنه الوزير الفلاحىّ؛ وهمّ به، ثم تراخى عنه، حتى كان من أمره ما كان؛ وأمر اليازورى فى كل يوم يتزايد وحاله يقوى. إلا أن قاضى القضاة وداعى الدعاة قاسم بن تاميلا كان يمتنع من ردّ الحكم إليه ببلده، لما يعلم من سوء رأى أبى سعيد فيه، وأنه يريد القبض عليه؛ فكان ينحرف عنه ولا يلتفت إليه.
واتّفق أن حضر قاضى القضاة ذات يوم بباب البحر من القصر، على عادته فى كل يوم اثنين، لتقبيل الأرض والسلام أو خروج السّلام عليه، ويجلس معه من الشهود من جرى رسمه بذلك. فلمّا جلس بباب البحر وخليفتاه القضاعى وابن أبى زكرى والشّهود دخل أبو محمّد اليازورى وجلس معهم؛ فقال له قاضى القضاة: بأمر من جلست ههنا! أتظنّ أنّ المجالس كلّها مبذولة لكلّ أحد أن يجلس فيها؟ هذا مجلس لا يجلس فيه إلا من أذنت له حضرة الإمامة وشرّفته به؛ اخرج، فو الله لا تصرّفت على أيامى أبدا. فخرج ورجلاه لا تكادان تحملانه، فوقف بباب البحر إلى أن خرج قاضى القضاة، فسار وخليفتاه والشهود معه، فسار فى أعقابهم، وسبقهم ووقف بباب دار القاضى؛ فلما نزل صنع له استعطافا، فلم يعره طرفه وانصرف. فلقيه القضاعى وقال: يا أبا محمد، كان يجب ألاّ تريه وجهك عقب ما جرى لك معه. وفارقه. فلقيه ابن أبى زكرى وخاطبه بجفاء. فردّ إلى داره مغموما، فوجد ثلاثين حملا من تفاح قد وصلت إليه من ضياعه لتباع بمصر، فأنفذ منها خمسة أحمال إلى الوزير، ولقاضى القضاة خمسة أحمال، وللقائد الأجلّ عدّة الدولة رفق خمسة أحمال، ولمعزّ الدولة معضاد خمسة أحمال، ولابن أبى زكريّا ثلاثة أحمال، وللقضاعى
стр. 567
خمسة أحمال، وفرّق حملين على حرّاسهم. فلم يلتفت أحد منهم إليه، ولا عطف عليه، ما خلا القائد الأجلّ عدة الدولة رفق فإنه شكره وأثنى عليه. وهو مع ذلك يقف بباب البحر، فإذا أقبل عدة الدولة رفق يريد القصر تلقّاه وسلّم عليه، فيكرمه ويسأل عن حاله، ثم يدخل إلى القصر؛ فإذا خرج وجده واقفا على حاله فيسلم عليه ويتبعه إلى داره؛ فإذا دخل انصرف عنه. فأقام على ذلك أياما، فخفّ على قلبه ورغب فى اصطناعه؛ فصار إذا وصل الى داره أمره بالنّزول معه، فينزل، ويتحدثان - وكان حلو الحديث - فيطيل عنده، ثم ينصرف. فصار يشتاقه إذا غاب، ويمسكه إذا أراد الانصراف حتى تحضر المائدة.
وكانت أمّ المستنصر لمّا هلك أبو سعيد توقّفت أمور خدمتها، فأحضرت أخاه وأمرته بخدمتها، فامتنع خوفا من الوزير والأتراك؛ واستمرت ثلاثة أشهر تسأله وهو يمتنع. فحضر أبو محمد اليازورى يوما، فجلس عدة الدولة رفق، وجرى بينهما امتناع أبى نصر، أخى أبى سعيد، من خدمة أم المستنصر، فقال له رفق: أرى أن تكتب رقعة تلتمس خدمتها وتعرض نفسك عليها. فقال أبو محمد: قد كنت أظن جميل رأيك فىّ وإيثارك مصلحة حالى، وأكذبنى ظنّى. فقال: بماذا؟ فقال: الهزء بى، فإنّى قد أجهدت فى العود إلى قرية كنت فيها فبخل علىّ بها. فكيف أتعرّض لهذا الأمر الكبير ومناوأة الوزراء! فقال له: أما ترضانى سفيرا لك فى هذا الأمر، وعلىّ استفراغ الوسع فيه، لوجوب حقّك علىّ، فإن قضت الأقدار ببلوغ الغرض فى ذلك فقد أدركنا ما نؤثره، وإن تكن الأخرى فقد أكثر من العطلة ما تحصّل. فأجاب إلى ذلك، وكتب إلى السّيدة رقعة يعرض نفسه وماله عليها، ويخطب خدمتها، ويبذل الاجتهاد فيها؛ وأخذها منه رفق.
فلما كان من الغد ركب إلى القصر، ودخل إلى السيدة وقد أحضر أبو نصر، وعاودته الخطاب فى خدمتها وهو يمتنع؛ حتى أضجرها؛ فانتهز عز الدولة رفق الفرصة بضجرها وقال: يا مولاتنا، قد طال غلق بابك ووقف خدمتك فى امتناع الشيخ أبى نصر
стр. 568
ممّا نريده منه؛ وههنا من أنت تعرفينه، وهو رجل مسلم وقاض، وكبير المروءة، وهو مستغن بماله وأملاكه عن التعرّض لما لك، وهو ثقة ناهض كاف فقالت:
من هو؟ فقال القاضى أبو محمد اليازورى، وهذه رقعته. فأمرته بتسليمها إلى أبى نصر، وقالت: ما تقول فيه؟ فلم يصدّق بذلك. فقال يا مولاتنا، هو والله الثقة الأمين الناهض الذى يصلح لخدمتك، وفيه لها جمال، وما تظفرين بمثله. فوقع ذاك منها بالموافقة.
فقال لرفق: قل له يجلس فى داره غدا حتى أنفذ إليه؛ فسرّ بذلك وخرج، فإذا أبو محمد فى انتظاره على عادته، فسار، ولحق به أبو محمد، فقال له: أقمح أم شعير؟ فقال: بل برّ يوسفى، وقصّ عليه الخبر. فلما كان الغد جاء الرسول مستدعيا له، فركب إلى بابها، فأحضرته وأدخلته وراء المقطع وردّت إليه أمر بابها والنظر فى ديوانها، الذى هو باب الربح، وجميع أحوالها؛ ونزل. فبلغ ذلك الوزير، فكبر عليه وأقلقه أن تمّ على غير يده، وأنه لا يقبل قوله عند السّيدة لما فى نفسها منه لقتل أبى سعيد.
وأقبل الأمراء الأتراك إلى القاضى أبى محمد، فهنئوه بما صار إليه؛ فقام إليهم وتلقّاهم، وأعظم سعيهم إليه وشكرهم، وقال: ما أنا إلاّ خادم ونائب لموالى الأمر، أسأل فى تشريفى بما يعيّن لهم من خدمة لأنهض فيها. ثم لما قاموا نهض قائما لوداعهم. وأخذ الوزير الفلاحى فى العمل عليه، فلم يمض إلا أيام حتى قبض عليه وقتل.
стр. 569
سنة أربعين وأربعمائة (١):
فيها سار ناصر الدولة أبو محمد الحسن بن الحسين بن الحسن بن حمدان، أمير دمشق، وشجاع الدّولة جعفر بن كليد، والى حمص (٢)، بالعساكر وقبائل العربان إلى حلب لقتال أميرها ثمال بن صالح بن مرداس. وذلك أن ثمال بن صالح كان قد قرّر على نفسه فى وزارة الفلاحى أن يحمل كل سنة عشرين ألفا، فأخّر الحمل سنتين؛ وأخذ شجاع الدّولة يغرى الوزير على ثمال ويسهّل أمر حلب. فخرج الأمر إلى ابن حمدان أن يسير هو ووالى حمص بجموع العرب؛ فنزل بمن معه على حماة وفتحها، وأخذ المعرّة (٣)، وأقدم فنزل على حلب لخمس بقين من ربيع الآخر. وحارب ابن مرداس حروبا آلت إلى رحيل ابن حمدان بغير طائل، فى سادس عشر جمادى الأولى. ففى عوده أصابه سيل هلك فيه أكثر ما معه من الخيل والرّجال والأمتعة، وعاد إلى دمشق. فبعث ثمال إلى المستنصر يسأل عفوه، وكان المتوسّط بينهما أبو نصر إبراهيم، أخو أبى سعيد [التّسترى]، فأجيب إلى ذلك؛ وانفصل رسوله من الحضرة. فورد الخبر بأن ثمال بعث واليا إلى معرة النّعمان، وأنه أساء التدبير، فانحرف عنه الناس، وفر منهم إلى حلب؛ وأن جعفرا، أمير حمص، بادر إلى المعرّة، فلقيه مقلّد بن كامل بن مرداس وحاربه، فقتل فى الوقعة
стр. 570
لستّ بقين من شعبان، وحملت رأسه وشهّرت بحلب، وأسر كثير من عسكره؛ فبعث المستنصر إلى رسول ثمال وردّه، وأفهمه ما ورد من المكاتبة.
ووجد الوزير أبو البركات السّبيل إلى الإغراء بأبى نصر إبراهيم، فما زال يبلّغ المستنصر بأنه حمله الحقد لقتل أخيه على السّعى فيما يضرّ الدّولة من التوسّط بين ثمال والحضرة، وأنّ ابن حمدان أساء التدبير فى رجوعه عن حلب. فقبض على أبى نصر، وأخذت عامّة أمواله، وعوقب حتى مات.
وولى دمشق بهاء الدولة مظفّر الخادم الصقلبى، وخرج إليها على جرائد الخيل (١)، فدخلها على حين غفلة، وقبض على ناصر الدّولة ابن حمدان وحمله إلى صور، ونقله إلى الرّملة وصودر، وأقام مظفّر الخدمة بدمشق. وقبض على راشد بن سنان بن عليان، أمير بنى كلاب، واعتقله بصور.
وخرج أمير الأمراء المظفر، فخر الملك، عدة الدولة وعمادها، رفق الخادم، فى ثامن عشر ذى القعدة بتجمّل كثير وأبّهة عظيمة، وقوة قوية، وعدّة وافرة، وآلات طبله، وعساكر تبلغ عدتهم ثلاثين ألفا؛ وكان المنفق فيه عينا مع قيمة العروض أربعمائة ألف دينار. فبرز ظاهر القاهرة يريد حلب، وخرج المستنصر لتشييعه، وكتب لجميع أمراء الشام بالانقياد له والطّاعة لأمره، وأن يترجّلوا له إذا لقوه. وسار فوافى الرّملة وقد وصل رسول صاحب القسطنطينية بالصّلح بين المستنصر وبين بنى مرداس، ففشل رفق وانخرقت حرمته، وجرت بالرملة وبدمشق أمور آلت إلى حرب بين العسكر عدة أيام، فبات يوما ظاهر دمشق.
стр. 571
وفيها قتل الوزير صدقة بن يوسف الفلاحى يوم الاثنين، النصف من المحرم، بخزانة البنود ودفن فيها. واتفق فى وفاته عجب، وهو أنه لما ولى الوزارة سعى فى اعتقال أبى على الحسن بن على الأنبارىّ، واعتقله بخزانة البنود، ثم قتله، فى سنة ستّ وثلاثين وأربعمائة، ودفنه بخزانة البنود. فلما قبض عليه بعد صرفه عن الوزارة سجن فى المكان الذى كان فيه ابن الأنبارى من خزانة البنود، وقتل فيها، ودفن معه. وكان ابن الأنبارى من جماعة الوزير الجرجرائى ورفيقا للفلاحى وصاحبه، ولما ولى الوزارة تخوّف منه، وما زال يعمل عليه حتى قتله، كما تقدم.
وفيها أقبلت حال أبى محمد اليازورى تزيد، ومنزلته ترتفع، وخلع عليه ثانيا، وأمر ألا يقوم لأحد إذا دخل عليه ولو عظم قدره؛ فكان يعتذر إلى من يغشاه من الجلّة والرؤساء الأكابر، وأنه لو ملك اختياره لبالغ فى تكرمتهم بما يستحقونه؛ خلا القائد عدّة الدولة الذى كان سفيره، فإنه كان إذا أقبل وثب إليه قائما. فبلغ السيدة ذلك، فقالت له: لا تتحرك لأحد بالجملة، فكان إذا جاءه اعتذر إليه. ولقب بالمكين عمدة أمير المؤمنين؛ وترقّت أحواله حتى صار يحضر بحضرة الخليفة إذا أراد أن يستدعى الوزير كما كان أبو سعيد مع الفلاحى. فعظم ذلك على الوزير، لأنه كان إذا حضر القاضى أبو محمد اليازورى تحدّث طويلا والسيدة من وراء المقطع، ثم يستدعى الوزير فيعرض ما يريد من أمر الدّولة، ولا يكون المجيب له إلاّ القاضى أبو محمد، فإذا أجابه التفت إلى المستنصر وقال أليس هذا الصّواب؟ فيقول المستنصر نعم؛ ثم يخرج الرّسول من وراء المقطع ويقول هذا الصّواب. فكان الوزير كأنه يعرض على اليازورى الأمور دون الخليفة، فيشق عليه ذلك، ولا يتمكن من مخالفته، ولا يستطيع الصبر على ما به.
وكان من جملة أصحاب الدّواوين رجل يعرف بالشيخ الأجل عبد الملك زين الكفاة أبى المفضل صاعد بن مسعود، وإليه ديوان الشام يومئذ، وهو شيخ خود؛ وكان الوزراء
стр. 572
يعتمدون عليه ويرجعون إلى رأيه. فأحضره الوزير، وفاوضه فى أمر اليازورى، وأخذ رأيه فيما يعمل معه؛ فأشار عليه بأن يحسّن للخليفة أن يقلّده القضاء، ظنّا منه أنه إذا تقلّد القضاء فإنه يقع فى أمر كبير، ويشغله ذلك عن ملازمة السيدة، فيجد الوزير سبيلا إلى استخدام ولده مكانه، ويتقوّى له الأمر فيه، ويملك جهة الخليفة والسيدة. وكان قد تكلّم فى قاضى القضاة من أيام أبى سعيد، وذكر أنّ أمور النّاس ناقصة فى حكوماته، وأنّ له غلمانا قد استحوذوا على الحكم، وهم الذين يوقفون أمور النّاس؛ فاستخدم أبو سعيد شاهدا يعرف بابن عبدون، خليفة القاهرة، وتقدم إلى قاضى القضاة ألا يفصل حكما بين اثنين إلاّ بحضوره. وضبط ابن عبدون أمر الحكم ضبطا شديدا؛ وكان الخصوم يجتمعون بباب القاضى والشّهود بين يديه، فلا يمضى حكما إلا فى دعوى بين اثنين، وما يحتاج إليه من إقامة بينة، أو منازعة امرأة مع بعل لها فى فرض، وما يجرى هذا المجرى. وأمّا فى تثبيت أو قصص مستعجمة الحكم، وما يحتاج فيه إلى مناظرات ومنازعات فلا يتكلّم فى شيء من ذلك إلا عند حضور ابن عبدون؛ وحجج الناس يحتاط عليها فى قمطر، وتحمل بين يدى القاضى؛ فإذا حضر ابن عبدون أحضرت وفصل الحكم فيما بين أصحابها. وما زال كذلك حتى حضر إليه خصم فى مرّات، فخاف عليه وتشفع إليه بأصدقائه، فلم يعره فرصة يوما حتى خرج من مجلس قاضى القضاة وركب، فتقدم إليه وقبّل ركابه، وخضع له وتلطّف فى أمره، فلم يلتفت إليه؛ فعاد إلى من خرج إليه من الشهود وسألهم سؤاله، فانتهره. فلما أيس منه وثب عليه بخنجر وخرق به بطنه، فخرّ إلى الأرض ميتا. وأخذ الرّجل إلى أبى سعيد، فنكّل به وقطع يديه ورجليه، وضرب عنقه. ثم استخدم أبو سعيد بعد ابن عبدون القضاعىّ وابن أبى زكرى وأقامهما خليفتى قاضى القضاة، وأمرهما بسلوك طريق ابن عبدون فى الأحكام، فلم يقوما مقامه، وكانا يجاملان القاضى؛ فعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل ابن عبدون، إلاّ فى فصل الأحكام فإنها كانت لا تنفصل إلاّ بحضورهما. فثقل ذلك على القاضى لاستيلاء غلمانه عليه، واتّهامه أنّ أمور الناس واقفة، وأنّه لا ينفذ له حكم ولا أمر ولا نهى.
стр. 573
وكان يحضر مجلس الوزير يوم الخميس فى القصر بعد قضاء خدمة المجالس، ثم فى الدّار يوم الاثنين مسلّما عليه. فحضر دار الوزارة يوم الاثنين على رغمه، فقرّبه الوزير وسأل عن حاله؛ فأجاب بأنه لا حكم له ولا أمر، والأحكام مردودة إلى خليفتيه ولهما الحكم دونه، فإذا حضرا فتح باب الحكم، وإذا غابا أغلق بابه. فقال له: كفيت يا قاضى القضاة. وخرج من عنده وحضر بعده القضاعى وابن أبى زكرى، فقال لهما الوزير:
ما لقاضى القضاة يتضرّر منكما ويشكو استيلاء كما على الحكم دونه، وأنه لا تنفذ أوامره معكما؟ فقالا: وأىّ أمر لنا دونه، هل أوقفنا أمر أحكامه، أو لنا غلمان يمسكون حجج النّاس حتى يصانعوهم عليها؟ يعرّضان بغلمان القاضى! إنما نحن فى حضورنا كبعض الشهود والأمر إليه فى إمضاء الأحكام؛ وإنا لنشاهد ما لا يتّسع لنا الكلام فيه. فقال: كفيتما أيها القضاة. وانصرفا وقد انفتح له باب الحيلة فى صرف القاضى وتولية أبى محمد اليازورى.
واتفق مع ذلك توعّك أبى محمد وانقطاعه أياما فى داره عن مجلس الخليفة، فخلا له وجه السلطان وأعاد عليه النّوبة، ثم قال له: أنت يا أمير المؤمنين لسان الشرع، ومقيم مناره، ومنفّذ أحكامه؛ وقاضى القضاة إنما ينطق بلسانك، وينفّذ الأحكام عنك؛ فإذا اشتهر فى الأقطار ما يتمّ على الناس فى أحكامهم كان سوء السمعة فى ذلك على الدولة، وإثارة الشّناعة القبيحة عليها؛ وفى الخصوم من هو من المشرق والمغرب واليمن وما وراءه، والرّوم؛ وفى استفاضة ذلك غضاضة على الدّولة. ونحن إنّما نطول على الممالك والدّول بإقامة سنن الشريعة وإظهار العدل الذى عفت آثاره فى غيرها من الدّول؛ وقد كبر قاضى القضاة واستولى عليه غلمانه وغلبوا على أمره. فقال المستنصر: نحن نحفظ فيه خدمة سلفه لنا ومهاجرتهم معنا. فقال: يا أمير المؤمنين، حفظك الله وشكرك؛ أما كان من كرامة سلفه أن يستتر حتى لا يشيع هذا عنه؟ وما زال حتى قال الخليفة: من فى الدولة يجرى مجراه؟ فقال: يا أمير المؤمنين: عبيدك كثير، ومع ذلك فبين يديك من يتحمّل
стр. 574
الحكم به مع ثقته وأمانته وقربه من خدمتك، القاضى أبو محمد. فقال: ذلك فى خدمة مولاتنا الوالدة، ولا يفسح له فى ذلك. فقال: يا أمير المؤمنين، هى - خلّد الله ملكها - أغير على دولتك وأحسن نظرا لها من أن تحول بينها وبين ما يجمّلها؛ ومع ذلك، فلم ينقل مما هو فيه إلى ما هو دونه، بل إلى ما هو أوفى منه. فأجاب إلى ذلك، وقام، فشرع فى كتب سجلّه وإعداد الخلع له. وسمع هذه النّوبة القائد عدّة الدولة، فأوفد إلى أبى محمد يخبره، وقال له تلطّف فى أمرك كما تريد. فعظم ذلك عليه، وخاف من بعده عن خدمة السيدة إذ كانت أجلّ الخدم، فإنّ كلّ من فى الدولة من وزير وأمير وغيرهما محتاج.
فلما كان عشاء الآخرة حمل على نفسه وهو محموم وركب إلى باب الرّيح (١)، ودخل، وأنفذ يعلم السيّدة مكانه؛ فخرجت وراء المقطع وسألته عن حال مرضه، وما الذى دعاه للعناء فى هذا الوقت. فقصّ عليها القصة وقال: إنما الغرض إبعادى عن خدمتك ليقع التمكّن منى. فقالت: وما الذى تكره من ذلك؟ فقال: يا مولاتنا هوى الحكم واسع، وأحوال قاضى القضاة ابن النعمان فيه مشهورة، ولو كانت جارية على النظام المستقيم لشغلت عن خدمتك، فكيف، والحاجة داعية إلى إصلاحه وإحكام نظامه؛ وفى هذا شغل كبير. فقالت: لا يضيق صدرك بهذا الأمر، فبابى لك، وخدمتى موفورة عليك، ولا أستبدل بك أبدا. فقال: يا مولاتنا قد قدّمت القول أن هوى الحكم كبير واسع، وانشغالى به يحول بينى وبين ملازمة بابك. فقالت: خليفتاك (٢) فى الحكم، القضاعى وابن أبى ذكرى، هما ينفذان من الأحكام ما يجوز تنفيذه، فإذا تحرّرت إلى فصل الأحكام نزلت ففصلت
стр. 575
ذلك، وقررت لنزولك يومين فى الجمعة لفصل الأحكام؛ وإذا نزلت كان ولداك ينوبان عنك فى تنفيذ أمور خدمتى؛ وهذا التقرير لا يغلبك فعله. فقبّل الأرض، ودعا، وشكر، وانصرف.
وكانت إذا قالت قولا وفت به وثبتت عليه، فإنها كانت وثيقة العقد، حافظة العهد، غير ناقضة له، ولا متغيّرة عنه مع من تطّلع من أمره على ما يقتضى التغيير عليه، فكيف بمن ترتضى طريقته، وتحمد خلائقه.
وفيها ولى القائد بهاء الدولة وصارمها، طارق الصقلبى المستنصرى، دمشق، فقدمها صبيحة يوم الجمعة مستهل شهر رجب (١)، وساعة وصوله دخل القصر وقبض على ناصر الدولة أبى محمد الحسن بن الحسين بن حمدان.
стр. 576
سنة احدى وأربعين وأربعمائة (١):
فى ثانى المحرم صرف قاضى القضاة أحمد بن عبد العزيز بن النعمان عن القضاء.
وكانت هذه ولايته الثانية، وله فيه ثلاث عشرة سنة وشهر وأربعة أيام. واستدعى إلى حضرة المستنصر القاضى أبو محمد اليازورى وخلع عليه مكانه فى رابع عشره، وقرئ سجلّه فى الديوان؛ وخرج والدولة بأسرها بين يديه. واستناب ابنه الأكبر أبا الحسن محمدا ولقّب بالقاضى الأجل خطير الملك؛ وأقام ابنه الآخر فى جهات السيدة.
وشرع الوزير فى الإرسال إلى السيدة بأن يستقر ابنه فى بابها؛ فامتنعت من ذلك وقالت ما كنت بالذى يستبدل به بوجه ولا سبب. فسقط فى يده وقال: أردنا وضعه والله تعالى يريد رفعه. فقال له أبو الفضل: أما إذ جرى الأمر بخلاف ما ظننّاه فليس إلاّ مجاملة الرجل.
وكان أبو محمد اليازورى لا يسلّم على الوزير، ولا يجتمعان إلاّ يوما فى الشهر، يحضر إلى دار الوزير، فإذا حضر إليه احتجب عن كلّ أحد، وتلقّاه قائما، وأجلسه على مخدّة، وأعطاه من المجاملة فوق ما يؤثره منه؛ وهو مع ذلك يبطن له السّوء، ويعمل فى التدبير عليه.
وكانت أيام الوزير كلها رديئة لكثرة القبض على الناس، والمصادرات، واصطفاء الأموال، والنفى، ونحو ذلك؛ فكثر الذّامّ له. وكان أيضا يبطش بمن يبطش به من غير علم الخليفة ولا استئذانه، فتغيّر خاطر الخليفة عليه، وتكثّر منه تغيّظه. إلا أنّ العادة جرت بألاّ يعترض الوزير فيما يفعله، ويمدّ له فى النّفس، ويصبر على ما يكون منه.
стр. 577
وفيها قبض على أبى نصر إبراهيم بن سهل، واتّهم أنه مالأ ثمال بن صالح حتى قتل جعفر بن كليد [صاحب حمص]؛ وسلّم إلى الوزير أبى البركات الجرجرائى فضيّق عليه وصادره حتى مات تحت العقوبة. وكان هو الذى سعى به إلى المستنصر فقال إنه عين لثمال.
واتفق وصول الخادم رفق إلى دمشق وخروجه منها فى سادس صفر يريد حلب، فوصل إلى جبل جوشن (١) فى ثانى عشرى ربيع الأوّل، وأقام هناك؛ ثم بدا له فبعث بما معه من الأثقال إلى المعرّة، فظنّ من معه من العساكر أنّه يريد أن ينهزم، فأجدّوا فى الرّحيل وقد حاصر قلوبهم الوجل وداخلهم الخوف؛ فأمر بردّهم إليه، فأبوا ذلك عليه. وفطن أهل حلب لهم (٢). فتبعوهم ونهبوا ما قدروا عليه منهم؛ وكانت بينهما حرب جرح فيها رفق فى عدة مواضع من رأسه وبدنه، وأسر، وانهزم العسكر بأسره. وحمل رفق على بغل وهو مكشوف الرأس، ومعه جماعة من وجوه عسكره، فلم يحتمل ما أصابه، واختلط عقله، ومات بقلعة حلب بعد ثلاثة أيام، فى مستهل ربيع الآخر؛ واعتقل عامّة من كان معه من القوّاد والكتّاب بحلب.
فلما ورد الخبر بذلك على المستنصر أمر بالإفراج عن ناصر الدولة أبى محمد الحسن بن الحسين بن حمدان من الاعتقال، وقلّد إمارة دمشق الأمير المؤيد مصطفى الملك معز الدولة؛ ذا الرئاستين، حيدرة بن الأمير عصب الدولة حسين بن مفلح، فى رجب، وخرج معه ناظرا فى أعمال الشام أبو محمد الحسين بن حسن الماسكى (٣).
стр. 578
ووجد أعداء الوزير أبى البركات الحسين بن محمد الجرجرائى سبيلا إلى إغراء المستنصر به، وأنه تسرّع فيما عادت مضرّته على الدولة من تجهيز العساكر إلى حلب. فحركت هذه الأقوال وما يشبهها عليه ما يحقده الخليفة من استبداده بأمور من غير أمر ولا استئذان، فأمر به فقبض عليه ونقى إلى صور فى منتصف شوال، فاعتقل بصور. فكانت وزارته سنة وتسعة أشهر وعشرة أيام. ثم أفرج عنه ومضى إلى دمشق (١).
وبقى الأمر فى الوزارة عدة أيام والخليفة يعرض لقاضى القضاة أبى محمد اليازورى بالوزارة وهو يمتنع عليه؛ فأسند إلى أبى الفضل صاعد بن مسعود، من الأمراء، وأقيم واسطة لا وزيرا، وخلع عليه ولقّب بعميد الملك زين الكفاة، وجعل يرسم عليه عرض ما يختص بالرّجال دون الأموال. وكان إذا أراد الاستئذان على ما يفعل جلس اليازورى بحضرة الخليفة واستدعى أبو الفضل، فعرض ما يحتاج إليه؛ فيتقدّم إليه اليازورى بما يفعله. ويخرج وفى نفسه من اليازورى ما كان يدور بينه وبين الوزراء فى معناه. فأخذ يحمّل عليه الرجال ويوهمهم أنه إذا سأل لهم فى زيادة أو ولاية يعترضه اليازورى ويفسد عليه.
فلمّا كان فى بعض الأيام قال ناصر الدولة حسن بن حسين بن حمدان لبعض ثقاته: اعلم أنّ القاضى له الثناء الجميل الكثير، ونحن شاكرون له، مقيّدون بجميله، مفتقرون
стр. 579
إلى جاهه فى جميع أمورنا؛ واعتفاؤه من هذا الأمر لا يبرئه من ذمّنا إن وقفت حوائجنا، ويكون الشكر فيه لغيره إن قضيت؛ وهذا الرّجل عميد الملك هو ذا يحمّل الرجال عليه ويشعرهم أنه يجتهد فى قضاء حوائجهم، وأنه يعترضه بما يبطلها عليهم؛ وفى هذا الأمر ما تعلمه. فقل أنت له عنى: يا سيّدنا، إما أن تزيد شكر الرجال وسلامة صدورهم لك وخلاص نياتهم فى طاعتك، فادخل فى هذا الأمر، فإن أحسنت عرفوا ذلك لك، وشكروه منك وإن أسأت كان عليك ضرره وشرّه؛ وإلاّ فاعتزل جانبا ولا تلعب بروحك مع الرجال؛ وإلاّ أبلغك أبو الفضل. فبلّغه الرجل ذلك؛ فقال: أمهلنى الليلة ثم بكرّ إلىّ. فلما كان فى السّحر بكر إليه؛ فقال: أعد علىّ قول ناصر الدولة؛ فأعاده. فقال: أقره عنى السلام، وقل له: والله الاّ أدخل فيه ويكون لى خيره وشرّه. وأبلغ ناصر الدولة رسالته؛ فقال:
هذا هو الصّواب.
стр. 580
سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة (١):
فى سابع المحرّم قرئ سجلّ القاضى أبى محمد اليازورى بالوزارة، ولقّب بالوزير الأجلّ المكين، سيد الوزراء، تاج الأصفياء، قاضى القضاة، وداعى الدّعاة، علم المجد، خالصة أمير المؤمنين؛ وخلع عليه (٢). فنظر فى الوزارة وليس من أهلها، ولا من أرباب الكتابة، فمضى فيها مضىّ الجواد، ونهض مسرعا نهوضا عزّ به فى وجوه من تقدّمه، مع ما بيده من قضاء القضاء، والدّعوة، والنظر فى ديوان السيدة. وكاتب ملوك الأطراف، فأجابوه، بوفور حقّه، إلاّ معزّ الدولة بن باديس الصّنهاجى صاحب إفريقية (٣)، فإنه قصّر فى المكاتبة عما كان يكاتب به من تقدّم من الوزراء، فإنّه كان يكاتب كلا منهم «بعبده» فجعل مكاتبته «صنيعته». فاستدعى الوزير أبا القاسم ابن الإخوة، وكيل ابن باديس بمصر، وعتب صاحبه عنده، وقال: أظنّ معزّا ينقصنى عمّن تقدّمنى؛ إذا لم أكن من أهل صناعة الكتابة، وإن لم أكن أوفى منهم فما أنا دونهم؛ ومن رفعه السّلطان ارتفع وإن كان خاملا، ومن وضعه اتّضع وإن كان جليلا نبيلا؛ فاكتب إليه بما يرجعه إلى الصواب. فكتب إليه بذلك؛ وقد أذكى الوزير عليه عيونا يطالعونه بأنفاسه. فلمّا وقف على كتاب ابن الإخوة قال: ما الذى يريد منى هذا الفلاح؛ لا كنت عبده ولا كان؛ هذا
стр. 581
لا يكون أبدا، وما كتبت إليه فكثير. فطالعه عيونه بقوله؛ فأحضر ابن الإخوة وقال له:
قد جرى صاحبك على عادته فى الجهل، فاكتب إليه بما يردعه فيه، وإلاّ عرّفته بنفسى إذ لم يعرفنى. فكتب إليه بذلك، فأجاب بما هو أقبح من الأوّل. فدسّ إليه الوزير من تلطّف فى أخذ سكّين دواته؛ فلما وصلت إليه أحضر ابن الإخوة وقال له: كنت أظنّ بصاحبك أنّ الذى حمله على ما كان منه ثروة الشّبيبة، وقلّة خبره بما تقضى به الأقدار، وأنّه إذا نبّه تنبّه، فإذا الجهل مستول عليه، وظنّه أنّ بعد المسافة بيننا وبينه يمنع من الانتصاف منه والوصول إليه بما يكره؛ وقد تلطّفنا فى أخذ سكين دواته، وها هى [ذى]، فأنفذها إليه وأعلمه أنّا كما تلطّفنا فى أخذها أنّا نتلطف فى ذبحه بها. ودفعها إليه. فكتب ابن الإخوة بذلك، فازداد شرّا وبطرا. فدسّ عليه من أخذ نعله، وكان يمشى فى الأحذية السنديّة، فلما وصلت إليه أحضر ابن الإخوة وقال له: اكتب إلى هذا البربرىّ الأحمق، وقل له إن عقلت وأحسنت أدبك، وإلاّ جعلنا تأديبك بهذه. فجرى على عادته فى القول القبيح.
وفيها توسّل ثمال بن صالح فى الصّفح عنه وأطلق المأسورين، وسعى فى ذلك علىّ بن عياض قاضى صور؛ وسيّر ثمال زوجته عليّة بنت وثّاب بن جعفر النّميرى وولده وثّابا إلى القاهرة، ومعهما مال سنتين، أربعون ألف دينار. فقام اليازورى بأمرهم، فقبلهم المستنصر، وبالغ فى الإحسان إليهم، وزاد فى ألقاب ثمال وألقاب مقلّد ابن عمه، ولقّب قاضى صور عين الدولة.
وفيها ملك المستنصر حصن المنيعة بالشام.
стр. 582
سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة (١):
فيها أظهر المعزّ بن باديس صاحب إفريقية، الخلاف على المستنصر، وسيّر رسولا إلى بغداد ليقيم الدّعوة العبّاسية، واستدعى منهم الخلع؛ فأجيب إلى ذلك. وجهّزت الخلع على يد رسول يقال له أبو غالب الشّيزرىّ، ومعه العهد واللّواء الأسود؛ فمرّ ببلاد الرّوم ليعدّى منها إلى إفريقية، فقبض عليه صاحب الروم (٢). وبلغ ذلك المعزّ بن باديس، فأرسل إلى قسطنطين ملك الروم فى أمره، فلم يجبه رعاية لحقّ المستنصر. واتّفق قدوم رسول طغرلبك (٣) يستأذنه فى مسيره إلى مصر؛ فأظهر المودّة التى بينه وبين المستنصر، وأنه لا يرخّص فى أذيّته. واتفق قدوم رسول المستنصر إليه بهديّة عظيمة، فبعث معه برسول القائم بما على يده، فدخل إلى القاهرة على جمل، وأحرق العهد واللّواء والهديّة فى حفرة بين القصرين؛ وكان القادر قد فعل مع الظاهر والد المستنصر مثل ذلك بالخلعة التى سيّرها إلى محمود بن سبكتكين (٤). ثم أقرّ المستنصر ردّ الرّسول إلى صاحب القسطنطينية.
وكان سبب عصيان ابن باديس ما تقدّم من تقصيره فى مكاتبة الوزير اليازورى وما دار فى ذلك (٥).
стр. 583
وكان بطرابلس الغرب وما والاها زغبة ورياح، وهما قبيلتان من العرب، وبينهما حروب وعداوة، فأحضر الوزير مكين الدولة أبا على الحسن بن على بن ملهم بن دينار العقيلى، أحد أمراء الدولة، وكان رجلا عاقلا، وسيّره إلى زغبة ورياح بخلع سنية وأنعام كثيرة، وأمره أن يصلح ذات بينهما، ويتحمّل ما بينهما من ديات، ويفديه بالزّيادة فى إقطاعاتهما. فلمّا تمّ له ذلك أمرهم بالمسير إلى المعزّ بن باديس، وأباحهم دياره، وتشدّد فى هذا الأمر حتى توجه المذكورون إلى ديار ابن باديس وملكوها، وجمعوا ذيوله عليه، وقلّموا أظفاره، وضيّقوا خناقه حتى لم يتمكن من قتالهم إلاّ مستندا إلى حيطان إفريقية.
وذلك أنهم ملكوا برقة، فسار إليهم المعزّ فهزموه، وتبعوه إلى إفريقية، وحصروا المدن، فنزل بأهل إفريقية بلاء لا يوصف، فخرج إليهم المعزّ فى أربعين ألفا وقاتلهم، فهزموه إلى القيروان. ثم جمع ثمانين ألفا وقاتلهم، فهزموه، وأكثروا من القتل فى أصحابه، وحصروه بالقيروان. وأقاموا يحاصرون البلاد وينهبون إلى سنة تسع وأربعين، فانتقل المعز إلى المهدية (١) فى شهر رمضان منها، حتى نفدت أمواله، وقلّت عدده، وتفلّت منه رجاله، وأشرف على التّلف؛ فلم يجد سبيلا غير إعمال الحيلة فى خلاصه. فخرج متخفّيا فى زىّ امرأة حتى انتهى إلى المهديّة، فاستولت العربان على حرمه وداره وغلمانه، وقتلوا الرجال وسبوا النساء، وانتهبوا ما كان فى دوره وقصوره؛ وعاثوا فى البلد ينهبون ويأسرون ويقتلون، فخربت القيروان حينئذ إلى اليوم. ووصل كثير مما نهب من قصور بنى باديس من الأسلحة والعدد والآلات والخيام وغيرها إلى القاهرة، فكان ليوم دخولها إلى القاهرة أمر عظيم من اجتماع الناس واعتبار أهل البصائر بتقلّب الأحوال.
وكان من خبر دخول العرب إلى المغرب أن بطون هلال وسليم من مضر لم يزالوا فى البادية، ونجعوا من نجد إلى الحجاز؛ فنزل بنو سليم مما يلى المدينة النبويّة، ونزل بنو
стр. 584
هلال فى جبل غزوان عند الطائف؛ وكانوا يطرقون العراق فى رحلة الشتاء والصيف فيغيرون على أطراف الشام والعراق؛ وكانت بنو سليم تغير على الحاجّ أيام الموسم وزيارتهم المدينة.
ثم تجهّز بنو سليم وكثير من ربيعة بن عامر إلى القرامطة عند ظهورهم، وصاروا جندا لهم بالبحرين وعمان، وقدموا معهم إلى الشام. فلما غلبت القرامطة فى أيام المعزّ لدين الله أبى تميم معدّ، ثم فى أيام ابنه العزيز بالله أبى منصور نزار، وانهزموا من الشام إلى البحرين نقل العزيز بالله من كان معهم من بنى هلال وسليم إلى مصر، وأنزلهم بالجانب الشرقى من بلاد الصعيد. وأقاموا هنالك وأضرّوا بالبلاد إلى أن ملك المعزّ بن باديس القيروان فى سنة ثمان وأربعمائة، وهو ابن ثمانى سنين، من قبل الظاهر لإعزاز دين الله علىّ بن الحاكم بأمر الله، فامتدّت أيّامه حتى قام فى الخلافة المستنصر بالله أبو تميم معدّ بن الظاهر، واستوزر أبا محمد اليازورى، فأنف من مكاتبته بالمولى؛ وكان ما تقدّم ذكره.
فحلف المعزّ بن باديس ليحوّلنّ الدّعوة إلى بنى العبّاس، ولجّ فى ذلك، وقطع الدعاء للمستنصر، وأزال اسمه من الطّرز والرّايات، ودعا للقائم أبى جعفر بن القادر فى سنة أربعين وأربعمائة، وكتب إليه بذلك. فكتب إليه بالعهد صحبة أبى الفضل بن عبد الواحد التميمى، فقرأ كتابه بجامع القيروان، ونشر الرايات السّود، وهدم دار الإسماعيلية. ووصل الخبر بذلك إلى القاهرة؛ فأشار اليازورى بتجهيز أحياء هلال بن جشم. والأشروزينية ورياح وعدى وربيعة إلى المغرب، وتولية مشايخهم أعمال إفريقية.
فقبلت مشورته. وأرسل إليهم فى سنة إحدى وأربعين، وحمل إلى مشايخهم الأموال، وأنعم على سائرهم بفرو ودينار لكل أحد، وأبيح لهم حمى المغرب.
وكتب اليازورى إلى المعزّ بن باديس: «أما بعد؛ فقد أنفذنا إليكم خيولا فحولا، وأرسلنا عليها رجالا كهولا «لِيَقْضِيَ﴾ ﴿اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً» (١).
стр. 585
فسارت العرب إلى برقة، وفتحوا أمصارها (١)؛ وكتبوا لإخوانهم الذين بشرقىّ الصّعيد يرغّبونهم فى البلاد؛ فأعطوا من الدولة دينارين لكل واحد، ومضوا إلى أصحابهم؛ فتصارعوا على البلاد، فحصل لسليم الشرق، ولهلال المغرب. وخربوا المدينة الحمراء وأجدابية (٢) وسرت (٣). وأقامت بطون من سليم وأحلافها بأرض برقة، وسارت قبائل دياب وعرق وزغب وجميع بطون هلال إلى إفريقية كالجراد المنتشر، لا يمرّون بشئ إلا أتوا عليه، حتى وصلوا إلى إفريقية سنة ثلاث وأربعين. وكان أول من وصل منهم أمير رياح مؤنس بن يحيى العنزى، فاستماله المعزّ بن باديس، وكثر عيثهم فى البلاد، ونادوا بشعار المستنصر. فبعث إليهم المعزّ العساكر فأوقعوا بها؛ فخرج إليهم فى ثلاثين ألفا فهزموه؛ وفرّ بنفسه وخاصته إلى القيروان، فنهبوا جميع ما كان معه، وقتلوا خلقا كثيرا، وحصروه بالقيروان حتى هلكت الضّواحى والقرى.
واقتسم العرب بلاد إفريقية فى سنة ستّ وأربعين؛ وكان لزغبة طرابلس وما يليها، ولمرداس بن رياح باجة وما يليها. ثم اقتسموا البلاد ثانيا، وكان لهلال من قابس (٤) إلى المغرب، وهم رياح وزغبة والمعقل وجشم وترنجة والأسيح وشداد والخلط وسفيان.
وتصوّح الملك من المعز بن باديس فركب البحر فى سنة تسع وأربعين؛ فدخل العرب القيروان واستباحوه وخرّبوا مبانيه، فتفرّق أهله فى البلاد. ثم أخذوا المهديّة وحاربوا
стр. 586
زناتة من بعد صنهاجة، وغلبوهم على الضواحى واتصلت الفتنة بينهم فخربت إفريقية بأسرها، وصيروا البربر لهم خولا. ومات المعزّ بن باديس سنة أربع وخمسين وأربعمائة.
وكان المستنصر لما بعثهم إلى إفريقية جعل المؤنس (١) بن يحيى المرداسى ولاية القيروان وباجة (٢)، وأعطى زغبة طرابلس وقابس، وجعل الحسن بن مسرة فى ولاية قسنطينة؛ فلما غلبوا صنهاجة ملك كل منهم ما عقد عليه، فاشتدّ عيثهم وإفسادهم.
وفيها كانت وقعة البحيرة. وذلك أنها فى إقطاع بنى قرة (٣) وقد ملكوها وعمروا ضياعها، وكثرت فيها أموالهم واشتدت شوكتهم، وخشن جانبهم، وكثر المقدّمون فيهم حتى انتشر ذكرهم، وذلّ لهم عددهم؛ وثقل أمرهم على الولاية بالإسكندرية؛ فجاورهم الطّلحيّون واستذمّوا منهم، وكانت لهم واجبات على الدولة من غير إقطاع، وهم يأخذون واجباتهم محمولة مع واجبات العسكر بالإسكندرية عند ما تحمل إليها. فاتفق أن ناصر الدولة ابن حمدان أبا نصر الدولة حسين كان واليا بالإسكندرية. فاستحق الطّلحيون على الدولة، عن واجباتهم المذكورة، ثلاثة آلاف دينار، فواصلوا اقتضاء ناصر الدولة إنفاقهم فيهم، فوعدهم؛ وكتب إلى الحضرة يلتمس ذلك؛ فوعده الوزير أنه إذا حمل إلى رجال العسكر استحقاقهم حمل ذلك فى جملته. وكان قد بقى على حمل المال شهران، فاستبعدوا الصّبر إلى ذلك الوقت وواصلوا مطالبته؛ وحملوا القرّيّين (٤) على معونتهم
стр. 587
عليه، فاضطرّوه إلى المسير معهم إلى الحضرة لالتماس ذلك، فسار إلى الجيزة، وطلع إلى الوزير وعرّفه الحال؛ فقال ما أخّرنا ذلك عنهم إلاّ أنّ السّنة كثيرة النفقات والطوارئ، وهذه ألف دينار أنفقها فيهم إلى أن تحمل باقى مالهم مع مال العسكر. فأخذ الألف وعرّفهم ما قال الوزير. فامتنعوا عن الأخذ، وأبوا إلاّ قبض الثلاثة آلاف، وألزموه بالعود. فعاد، وعرّف الوزير؛ فاغتاظ، وأمر لهم بألف أخرى. فنزل إليهم، فأبوا إلاّ أخذ الجميع، وجفوا فى الخطاب؛ فعاد إلى الوزير، وعرّفه؛ فغضب وقال: إجابتهم إلى ما التمسوه دفعة بعد أخرى طمّعهم طمعهم؛ والله لا أطلق لهم درهما واحدا. واستعاد الألفى دينار، وتقدّم بتجريد العسكر لهم؛ فتسرّع يزحف مع ليث الدولة كافور الشرابى، ونزل إليهم؛ فإذا هم قد تأهّبوا للقائهم. فجرت بينهم وقفة قتل فيها اثنان من العسكر وحجز بينهما الليل.
وبلغ الوزير ذلك، فشقّ عليه إقدامهم على المحاربة، سيما بنو قرة فإنّهم صلوا الحرب وكانوا فيها أشدّ من الطّلحيين. فأخذ الوزير يجرّد إليهم العساكر، فانطردوا وجمعوا حشودهم، والتقوا بكوم شريك (١)، وكانت الدائرة عليهم وقتل منهم خلق كثير. وانهزموا والعساكر تتبعهم، فأحاطت بأموالهم من كلّ ما يملكونه؛ وفرّ بنو قرّة على وجوههم إلى برقة ومعهم الطلحيون، فانقطع أثرهم من البحيرة إلى اليوم، وصاروا مطردين فى قبائل العرب نحوا من أربعين سنة.
وكان كلّ من بالحضرة يفنّد رأى الوزير فى تجهيز العساكر إليهم ويحكمون بأنهم لا يفارقون إلى البحيرة، فجاء الأمر بخلاف ظنهم.
стр. 588
ثم إنّ الوزير رأى أن فى إقامة العساكر فى أعمال البحيرة كلفة كبيرة، فأرسل إلى بنى سنبس (١)، وكانوا بالدّاروم (٢) وفلسطين، وقد ثقلت وطأتهم هنالك وصعب أمرهم؛ فعدّى بهم إلى البحيرة، وهم أعداء قيس، وأوطأهم ديارهم، وأقطعهم أرضهم، فمحى اسم بنى قرّة من هناك.
وكان تجهيزه للعسكر فى شهر رمضان، وتسييره لهم إلى بنى قرّة فى مستهلّ شوال، فخطّأه الناس فى فعله، وقالوا لم يجرّد عسكر قط فى شوّال، فظنوا أنه لا يؤمن على العسكر أن ينهزم وينكسر. وكان شمس الدولة زمام الأتراك والقيصرية، وإليه زمّ القصور والخدمة فى الرسالة، وليس أحد فى الدولة يجرى مجراه جلالة وتقدّما، بينه وبين الوزير مباينة شديدة ويتربص به الدوائر، ويغتال له الغوائل؛ فكان ينتظر انهزام العسكر ليقبض عليه.
فلما أراد العسكر أن يسير من الجيزة، ومقدّمه ناصر الدولة، قرّر معه لقاءهم فى اليوم الخامس من شوّال بطالع يخبره به؛ وسيّر معه عدّة طيور من الحمام ليطالعه بما يكون يوما بيوم.
فلما كان فى ذلك اليوم، وهو يوم خميس جلس فى داره وقد اشتد قلقه وكثر اهتمامه بما يكون من العسكر؛ واحتجب عن النّاس لشغل سره، وجلس ينتظر الطائر. فلم يزل كذلك إلى السّاعة الخامسة من نهاره، فقام ليجدّد طهارة، فعبر البستان وقد أطلق الماء فى مجاريه، فرأى ورقة تمرّ على وجه الماء، فأخذها متفائلا بها، فوجدها أوّل كتاب كان قد وصل من القائد فضل إلى الحاكم بأمر الله، قد ذهبت طرّته وعنوانه وبقى صدره، وهو: «كتب عبد مولانا الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين من المخيّم المنصور فى الساعة
стр. 589
الخامسة من نهار الخميس الخامس من شوال، وقد أظفره الله بعدوّ الله تعالى وعدوّ الحضرة المطهرة، أبى ركوة المخذول، وهو فى قبضة الأسارى والحمد لله رب العالمين».
فلما وقف على ذلك سجد شكرا لله تعالى، وعجب من موافقة اليوم وعدّة الأيّام من شوال والإعلام بالظفر. ثم تجهّز للصلاة، فما فرغ حتى سقط الطائر بانكسار بنى قرّة وانهزامهم، وما منّ الله تعالى به من الظفر بهم. فأخذ الكتاب والطائر وركب إلى القصر، ودخل إلى المستنصر وأوقفه على الكتاب؛ فسرّ بذلك؛ وأراه الطير وقال: هذا أعجب يا أمير المؤمنين؛ وحدثه بحديثه، فعجب من هذا الاتفاق.
ثم تواصلت رسل ناصر الدولة بالبشرى وشرح الحال فى الظفر وانهزام القوم، فخلع على الوزير، وزيد فى ألقابه الناصر للدين، غياث الدين؛ فتمّ له النظر وقوى أمره، وذلّ من كان يعاديه؛ فجرى على عادته فى العفو والمجاملة.
وكان أهل جزيرة صقلية قد خالفوا الدولة غير مرّة (١)، لما فيهم من الشّرّ والغلظة، وطردوا الولاة. وصار إليهم المعزّ ابن باديس، فملّكوه عليهم وقد خرج عن طاعة الدولة، فأساء السيرة فيهم، وثقل عليهم، فوثبوا عليه وأخرجوه منها. وكاتبوا ملك الروم (٢)، فسار إليهم بطريق كبير، فولّوه أمرهم مدّة ثم وثبوا به وأخرجوه عنهم. وبعثوا إلى الحضرة يسألون إقالة عثرتهم والعفو عنهم ويسألون إيفاد وال. وكان بصقلية بنو أبى الحسين، لهم رئاسة وفيهم من يؤهل نفسه لولايتها؛ فسارت الخلع إلى رجل منهم يعرف بمستخلص الدولة؛ فمكث فيهم زمانا، ثم نفروا منه، وبعثوا يسألون تغييره عنهم. فسيّر الوزير
стр. 590
رجلا من أمراء الدولة يعرف بصمصام الدّولة ابن لؤلؤ، وأسرّ إليه أن يتلطّف فى إخراج بنى أبى الحسين من صقلية ويسيّرهم إلى الحضرة. فدخل إليها، وساس أمره، حتى بعث بجميع من كان فيها من بنى أبى الحسين. واستقام الأمر فى صقليّة بخروجهم عنها.
وقام ببلاد اليمن رجل يعرف بعلىّ بن محمد الصّليحى (١) يتشيع، فحسّن له الدعاة الدخول فى نصرة خلفاء مصر، فأعلن [ذلك] بها، ودعا أهل اليمن إليها، وحمل تجارتهم مع هدية جليلة القدر تبلغ زهاء عشرة آلاف دينار إلى المستنصر. وكان أبوه قاضيا باليمن سنّىّ المذهب، وزوجته أسماء ابنة عمّه شهاب، وكانت أجمل خلق الله، وهى أم الدّعاة باليمن؛ وعرفت بالحرّة. وكانت ذات عزّ وكرم، وتفاخر بنوها بها، ومدحت.
وكان باليمن الدّاعى عامر بن عبد الله الرّواحى، فاستمال أبا الحسن علىّ بن محمد بن علىّ الصّليحى، وهو صغير، حتى مال إليه، فلما مات عامر أوصى له بكتبه وعلومه، فدرسها حتى تضلّع من معارفه وصار من فقهاء الشيعة، وحج بالناس دليلا خمس عشرة سنة.
ثم ثار فى سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وتزايد أمره، ودعا للمستنصر، وكتب إليه بما هو عليه، واستأذنه فى المسير إلى تهامة، فأذن له. ولم تخرج سنة خمسين وأربعمائة حتى ملك السهل والجبل الوعر من بلاد اليمن.
وجهّز الوزير إلى النّوبة، فأضعف عليهم البقط (٢)، وحملوه؛ واستقر الأمر على ذلك.
стр. 591
سنة أربع وأربعين وأربعمائة (١):
فيها كتبت بغداد محاضر تتضمّن القدح فى نسب الخلفاء المصريين ونفيهم من الالتحاق بعلى بن أبى طالب، ﵁؛ وجمع سائر أعيان الفقهاء ببغداد وأشرافها وقضاتها، وعزوا نسبهم فى الدّيصانية (٢) من المجوس. وسيّرت المحاضر إلى البلاد، وشنّع عليهم تشنيع كبير. وسبب ذلك الغضب ما عمل مع الرّسول المرسل من المعز بن باديس، فإنّه لما شهّر بالقاهرة على جمل مقلوب، وكتاب العقد فى عنقه والهديّة بين يديه، ثم أحرقت الخلع والتقليد، أعيد الرسول إلى ملك الروم؛ فعزّ عليه ما فعل واعتذر إليه منه؛ فإنه كان قد ضمن له من مصر إعادته إليه سالما بعد ما جرت مخاطبة فى طلبه. ثم أعاده ملك الروم إلى بغداد، فوصل فى سنة أربع وأربعين هذه.
وسبب عوده أنّ المعزّ بن باديس بعث رسوله أبا القاسم بن عبد الرحمن إلى بغداد فى ذلك، فبعث معه الملك طغرلبك، أبا علىّ بن كبير ليخاطب ملك الروم فى ردّ أبى غالب، وكتب معه كتابا عنوانه: «من ركن الدين وغياث المسلمين، بهاء دين الله وسلطان بلاد الله، ومغيث عباد الله، أبى طالب يمين الخليفة أمير المؤمنين، إلى عظيم الروم». ومضمونه بعد البسملة: «الحمد لله القاهر سلطانه، الباهر برهانه، العلىّ شأنه، السابغ إحسانه»؛ ثم مرّ فيه إلى أن قال: «وقد نجم بمصر منذ سنين ناجم ضلالة يدعو إلى نفسه، ويغترّ بمن أغواه من حزبه، ويعتقد من الدّين ما لا يستجيزه أحد من أهل العلم فى الائمة الأول وهذا العصر، ولا يستحسنه عاقل من أهل الإسلام والكفر». ثم ذكر الرسول أبا غالب وعاتب فى أمره، وطلب تسييره مخفورا إلى المعزّ بن باديس. فقدم إلى قسطنطين، متملّك
стр. 592
الروم؛ بالقسطنطينية فى صفر من هذه السنة، فتلقاه الملك وأدخله عليه، وسأله عن السلطان طغرلبك؛ فذكر له الرّسالة، وطلب منه مقاطعة صاحب مصر، وإطلاق أبى غالب، وإرسال رسول المعزّ إليه. فقال له: صاحب مصر مجاور لنا (١)، وبيننا وبينه عهود وهدنة، وقد بقى منها سنتان، ولا يمكن فسخها؛ وأما رسل المعزّ والرسل إليه فهم قوم يسعون فى الفساد.
وتردّد القول إلى أن أطلق أبا غالب وأجازه إلى المعز، وعاد أبو على ورفيقه إلى بغداد فى بقية السنة.
وفيها قصر مدّ النيل (٢)، ولم يكن فى المخازن السلطانية شيء من الغلال، فاشتدت المسغبة بمصر. وكان لخلوّ المخازن السلطانية من الغلال سبب، وهو أن الوزير اليازورى لما تقلّد وظيفة قضاء القضاة فى وزارة أبى البركات الجرجرائى كان ينزل إلى الجامع بمصر فى يومى السبت والثلاثاء من كل جمعة، فيجلس فى الزيادة منه للحكم، على رسم من تقدّمه من القضاة، وإذا أقبل العصر طلع إلى القاهرة. وكان فى كلّ سوق من أسواق مصر على أرباب كل صنعة من الصنائع عريف يتولى أمورهم؛ وكانت عادة أخباز مصر فى أزمنة المساغبة متى بردت لا يرجع منها إلى شيء لكثرة ما تغشّ به. وكان لعريف الخبّازين دكان وكان يبيع الخبز، وبحذائها دكان لصعلوك يبيع الخبز أيضا، وكان سعره يومئذ أربعة
стр. 593
أرطال بدرهم وثمن. فرأى الصعلوك أن خبزه قد كاد يبرد، فخاف من كساده، فنادى عليه أربعة أرطال بدرهم ليرغّب الناس فيه؛ فمال إليه الزّبون فاشتروا خبزه لأجل تسمّحه بثمن درهم؛ وبار خبز العريف، فغضب ووكل به عونين من الحسبة (١) أغرماه دراهم. ووافق ذلك نزول قاضى القضاة إلى الجامع، فاستغاث به، فأمر بإحضار المحتسب وأنكر ما فعله؛ واعتذر بأن هذا من العريف وأنه لم يتحقق باطن الحال. فأمر القاضى بصرف ذلك العريف وأن يغرّم ما أخذ من الخباز؛ والتفت إلى صاحب ديوانه، وقال: ما معك فادفعه إلى هذا الخباز. فناوله قرطاسا فيه ثلاثون رباعيا، فكاد عقله يطير فرحا. وعاد فنادى على الخبز خمسة أرطال بدرهم، فمال إليه الناس، وهو ينادى بزيادة رطل برطل، إلى أن بلغ عشرة أرطال بدرهم. وانتشر ذلك فى البلد جميعه، وتسامع الناس به فتسارعوا إليه، فلم يبق فى البلد خباز حتى باع عشرة أرطال بدرهم.
وكانت العادة أن يبتاع فى كلّ سنة غلّة للسلطان بمائة ألف دينار ويمحل متجرا (٢).
فلما عاد القاضى إلى القاهرة مثل بحضرة الخليفة وعرّفه ما مرّ به فى يومه من إرخاص السعر بغير موجب؛ وقال: يا مولانا، إن المتجر الذى يقام بالغلّة فيه مضرة كبيرة على المسلمين، وربما انحطّ السّعر عن مشتراها فلا يمكن بيعها، فتتغير فى المخازن وتتلف، وأنه يقام متجر لا كلفة على الناس فيه، ويفيد أضعاف فائدة الغلّة، ولا يخشى عليه من تغيّر فى المخازن ولا انحطاط سعر؛ وهو الخشب والصابون والحديد والرصاص والعسل وما أشبه ذلك.
فأمضى الخليفة ما رآه، وبطل المتجر فى الغلة وتوسع الناس بذلك.
стр. 594
سنة ست وأربعين وأربعمائة (١):
فيها أيضا قصر مدّ النيل (٢)؛ ونزع السعر؛ ووقع الوباء. ولم يكن فى المخازن السلطانية إلاّ ما ينصرف فى جرايات من فى القصور ومطبخ الخليفة وحواشيه لا غير، فورد على الوزير من ذلك ما أهمّه. وصار سعر التليّس ثمانية دنانير، واشتد الأمر على الناس. وكان التجار بين نار المعاملين وضيق الحال عليهم فى القيام للدّيوان بما يجب عليهم من الخراج، ومطالبة الفلاحين بالقيام به، يبتاعون منهم غلاتهم على أن يصبروا عليهم إلى حين إدراكه بسعر يربحون فيه. فإذا استقرت مبايعتهم لهم حضروا معهم للدّيوان، وقاموا عنهم للجند بما يجب عليهم، وكتب ذلك فى روزنامج الجند مع مبلغ الغلة؛ فإذا أدركت الغلة وصارت فى الأجران يكتالونها ويحملونها إلى مخازنهم. فمنعهم الوزير من ذلك، وكتب إلى العمّال بجميع النّواحى أن يستعرضوا روزنامجات الجهابذة (٣)، ويحضروا منها ما قام به التجار من المعاملين، ومبلغ الغلة الذى رفع الإيقاع إليه، وأن يقدّموا للتجار ما وزنوه للدّيوان ويربحوهم فى كل دينار ثمن دينار؛ ويضعوا ختومهم على المخازن ويطالعوا ما يحصل تحت أيديهم بها. فلما تحصّلت بالنواحى جهّز المراكب بحمل العلات، وأودعها المخازن السلطانية بمصر، وقرر ثمن كلّ تليّس ثلاثة دنانير بعد أن كان ثمانية دنانير. وسلم إلى الخبازين ما يبتاعونه لعمارة الأسواق ووظّف ما تحتاج إليه القاهرة ومصر، فكان ألف تليّس فى كل يوم، لمصر سبعمائة وللقاهرة ثلاثمائة (٤). فقام بالتدبير أحسن قيام مدّة عشرين شهرا، حتى أدركت الغلة فتوسع الناس بها، وزال عنهم الغلاء.
стр. 595
وكان عند استقرار الهدنة مع قسطنطين ملك الروم، فى أيام وزارة أبى نصر الفلاحى، قد وصل رسولان أحدهما هو المتكلم المترجم، وكان داهية أديبا شاعرا نحويا فيلسوفا ولد بالرّوم ونشأ بأنطاكية، ودخل العراق، ولقن من العلوم والآداب ما بعد به صيته، وكان يعرف بابن أصطفانوس؛ والآخر متحمّل الهدية، وهو صاحب حرب يعرف بميخائيل.
فرأيا (١) من حسن زىّ الدولة وجميل سيرتها ما أعجبا (١) به، لا سيما ميخائيل، فإنه أطربه ما رأى وحسن موقعه فى نفسه. وسارا وقد امتلأت قلوبهما بمحبة ما شاهداه. فاتفق ملك الروم وتمليك ميخائيل هذا، فبلغه ما بمصر من الغلاء، فحمل إليها مائة ألف قفيز قمحا، وقدم كتابه أمامها يعيّن الغلة والكيل الذى تستوفى به إذا وصلت؛ فانتهت إلى أنطاكية. وأعدّ هدية الهدنة على ما جرت به العادة، وهدية من ماله. فلما رأى الرّوم ذلك ظنّوا به الميل إلى الإسلام، فقتلوه فى ثامن شوال؛ فكانت مدة ملكه اثنتى عشرة سنة وسبعة أشهر، وعمره أربع وخمسون سنة وشهر واحد. وأقاموا رجلا يعرف بابن سقلاروس من أهل أنطاكية، وكان لجوجا خبيثا حديدا، فاعترض الهديتين وأخذهما، وقال: أنا أنتفع بهما وأنفق ثمنهما على قتال المسلمين.
وكانت للوزير بالقسطنطينية عيون، فكتبوا إليه بذلك، فسيّر مكين الدولة الحسن ابن على بن ملهم الكتامى إلى اللاّذقية فى عسكر لحصارها والتضييق على من فيها؛ فحاصرها حتى اشتد على من فيها الأمر. فكتب ابن سقلاروس، متملك الروم، إلى الحضرة يستوضح ما الذى أوجب ذلك؛ فأجيب أن الذى أوجبه ما كان فعله فى نقض ما استقرّ مع من تقدّمه من الهدنة، وقبض الهديّة، والهديّة التى ليست من ماله. فأجاب بأنه يحمل الهديّة؛ فاشترط عليه إطلاق من فى بلاد الروم الأسرى. فأجاب بأنه إذا أطلق من لهم فى بلاد الإسلام من أسرى الرّوم أطلق من [فى] بلاد الروم من أسرى المسلمين. فأجيب بأنه
стр. 596
لا يصح التماسه لذلك، لأنّ من أسر من بلاد الرّوم تفرقوا فى الممالك بالعراق والدولة الفاطمية والمغرب واليمن وغير ذلك، ولا حكم للحضرة على جميع الممالك، ويرتجع منها ما صار فى أيدى أهلها؛ وبلاد الروم بخلاف ذلك، ومن حصل فيها من المسلمين كمن هو معتقل فى دار واحدة لا يمكنه الخروج منها إلاّ بإذن أهلها؛ وبين الحالين فرق كبير. فأجاب بأنه لا يطلق من فى بلاده من أسرى المسلمين. فاشترط عليه النّزول عما صار فى أيدى الروم من الحصون الإسلامية؛ فامتنع من ذلك وقال إذا سلّم إلينا ما صار فى أيدى المسلمين من حصون المسلمين من حصون الروم سلّم ما فى أيديهم من حصون المسلمين. فبدل الجيش بجيش آخر، وخرج مع مقدّمه الأمير السعيد ليث الدولة، فنازل اللاّذقية حتى فتحها، ووقع العنف فيها. وأجيب بأنه لا يصح أن يسلّم إليهم ما صار فى أيدى المسلمين من الحصون لأنهم قد أنبتوا فيها العقارات وأنشئوا فيها البساتين. فقال: يدفع لهم عن أملاكهم وما أنشئوه من البساتين وغيرها، وما أنفقوه فيها، وينتقلون عنها إلى غيرها من بلاد المسلمين. فأجابوا إلى أن يسلموا ما فى أيديهم من الحصون الإسلامية.
وكانت العادة جارية بأنه إذا وصلت هديّة من الرّوم إلى الحضرة تقوّم ويحمل إليهم هدية موضعها بثلثى قيمتها، ليكون للإسلام مزية عليهم بالثلث؛ فاشترط أن يكون قيمة ما يحمل إليهم من الهديّة عوضا عن قيمة هديتهم النّصف؛ فأجابوا إلى ذلك أيضا. فاشترط عليهم أن يردّوا كلّ من تضمّه دار البلاد، التى هى دار الملك ومحلّه؛ فامتنع من ذلك.
فأمدّ الجيش بجيش ثالث وعليه أميران، هما موفق الدولة حفاظ بن فاتك وأبو الجيش عسكر بن الحلى، ومقاد جميع الجيش إلى الأمير مكين الدولة وأمينها ابن ملهم. فأوغلوا فى بلاد الروم ينهبون ويقتلون ويأسرون حتى أعظموا النكاية فيها، والرسل والمكاتبات تتردد، إلى أن استقر القيام بالجزية التى التمسها أمراء البلاط، وجهزت الهدية. وبلغت الجزية المذكورة نيفا وثلاثين ألف دينار.
стр. 597
وحمل ذلك إلى أنطاكية؛ فبلغهم قتل الوزير، فأعيدت إلى القسطنطينية. وزينت بلاد الروم لموته، وكثر ابتهاجهم بما صرف عنهم من خشونة جانبه عليهم، وشدة شكيمته.
وأما ابن ملهم فإنه لما أوغل فى بلاد الروم وقارب أفامية وجال فى أعمال أنطاكية نهب وسبى، فقدمت من القسطنطينية قطائع يقال إن عدتها ثمانون قطعة، فكانت بينها وبين ابن ملهم حروب آلت إلى أن أسر هو وجماعة من أعيان العرب فى آخر ربيع الآخر.
وفيها استدعى راشد بن عليان بن سنان، أمير الكلبيين، فاعتقل بالقاهرة، وردّت إمارة بنى كليب لنبهان القريطى. وقبض على إقطاع راشد وأخيه مسمار، وهو مقيم بظاهر دمشق، ففرّ إلى غالب بن صالح. فكتب المستنصر إلى ثمال ينكر عليه تسيير هدية إلى ملك الروم، فتحيّر فى أمره واعتذر.
стр. 598
سنة سبع وأربعين وأربعمائة (١):
فيها سيّر المستنصر إلى كنيسة قمامة، فأحتاط بجميع ما فيها. وذلك أن القاضى أبا عبد الله القضاعى كان قد توجه من عند الخليفة برسالة إلى متملّك الروم، فقدم وهو بالقسطنطينية رسول السلطان طغرلبك بن سلجوق يلتمس من الملكة تيودورا (٢) أن تمكن رسوله من الصّلاة فى جامع قسطنطينية، فأذنت له فى ذلك؛ فدخل إليه وصلّى به، وخطب للخليفة القائم بأمر الله العباسى. فبعث القضاعى بذلك إلى المستنصر، فأحاط بما فى قمامة وأخذه، وأخرج البطرك منها إلى دار مفردة؛ وأغلق أبواب كنائس مصر والشام، وطالب الرهبان بالجزية لأربع سنين، وزاد على النصارى فى الجزية. وكان هذا ابتداء فساد ما بين الروم والمصريين.
وفيها تجمّع كثير من التركمان بحلب وغيرها، وأفسدوا فى أعمال الشام (٣).
وفيها تزايد الغلاء، وكثر الوباء، وعم الموتان بديار مصر.
وفيها سار مكين الدولة الحسن بن على بن ملهم من القاهرة بالعساكر؛ ونودى فى بلاد الشام بالغزو والجهاد. واستدعى راشد بن عليان بن سنان إلى القاهرة، وقرر معه أن يسير فى قومه الكلبيين مع ابن ملهم، ثم قبض عليه. وعقدت إمارة الكلبيين لنبهان، وقيل لسنان، فنزل ابن ملهم أفامية، ثم سار إلى حصن قسطول فحصره عشرين يوما حتى أخذه
стр. 599
بالأمان، فى ثامن ربيع الأول سنة سبع وأربعين. وعاد إلى أفامية فحصرها ورماها بالمجانيق، فطلبوا الأمان على أن يرحل عنهم؛ فلما رحل أحرقوا القلعة وانهزموا، فلحقهم وقتلهم، وأطفأ النّار من القلعة، وأغار على البلاد؛ فلم يكن بأنطاكية من يذب عنها، وجمع كل طامع فى النهب بحجة ابن ملهم. وتوسط ثمال بن صالح للصلح، فلم يتمّ. وسيّرت الملكة تيودورا أسطولا إلى أنطاكية، فوصل اللاّذقية ثمانون قطعة، وخرج دوقس أنطاكية وبطركها فى جماعة، فظفروا بشينيين (١) للمسلمين معهما الغنائم؛ فسار ابن ملهم نحوهم، وكشف الروم إلى طرف أنطاكية، واستنقذ الأسرى منهم وقتل منهم خلقا كثيرا. فدار الأسطول إلى طرابلس وقاتلوا أهلها، فقتل من الفريقين خلائق. وعاد الأسطول الرومى إلى اللاّذقية، فماتت الملكة تيودورا بعد سبع سنين من ملكها وتسعة أشهر واثنتى عشرة ليلة؛ وملك بعدها ميخائيل.
стр. 600
سنة ثمان وأربعين وأربعمائة (١):
فيها جهّزت الأموال لأبى الحارث البساسيرى، فخرج بها المؤيّد فى الله عبد الله بن موسى، وجملتها ألفا ألف وثلاثمائة ألف دينار، العين ألف ألف وتسعمائة ألف دينار، والعروض أربعمائة ألف دينار.
وكان من خبره أنه كان من جملة المماليك الأتراك فصار إلى بهاء الدّولة بن عضد الدّولة بن بويه (٢)، رجل من أهل فسا (٣)، إحدى مدائن فارس، فلذلك قيل له البساسيرى؛ وتنقل فى الخدم حتى صار مقدّم الأتراك ببغداد فى أيام الخليفة القائم بأمر الله أبى جعفر عبد الله بن أحمد القادر (٤)، وتلقب بالمظفر. وكان القائم لا يقطع أمرا دونه. فطار اسمه وتهيّبته أمراء العرب والعجم، ودعا له على منابر العراق والأهواز، وتجبّر. وأراد فى سنة ستّ وأربعين من الخليفة أن يسلم إليه أبا الغنائم وأبا سعد ابنى المحلبان، صاحبى قريش ابن بدران صاحب الموصل (٥)، فلم يمكّنه من ذلك. فسار إلى الأنبار ونصب عليها المجانيق، وهدم سورها وأخذها قهرا، وأسر أبا الغنائم ابن المحلبان (٦) ومائة رجل من بنى [خفاجة، وكثيرا من أهل الأنبار. ورجع إلى بغداد وأبو الغنائم بين يديه على جمل فى رجليه قيد؛ فصلب كثيرا من الأسرى.