Полный текст (1 332 стр.). Показаны 1296–1332 · переход к 1301.
стр. 1296
نسبته كتب النحو، والمعاني لحسان بن ثابت. وجعلوه من مشكل الشعر، وانبروا لإيجاد التأويلات له، لأنه قال: «فلم نعدل سواه بغيره» وسواه، هو غيره فأيّ مدح في هذا لرسول الله ﷺ . فقال قوم: (سواه) مقحمة زائدة وقال آخرون، (سوى) بمعنى نفس، فيكون المعنى: فلم نعدل نفسه بغيره فيختلف عود الضمير، ويصح المعنى، وأحسن ما في هذه المعارك المفتعلة، أنها تجبر العلماء على التعمق في البحث، والإتيان بالمعاني الجديدة، والشواهد الجديدة ومما استحضروه من الشواهد على أنّ (سوى) بمعنى «نفس، قول الحطيئة:
أبى لك أقوام، أبى لك مجدهم ... سوى المجد، فانظر صاغرا من تفاخره
وقول الآخر:
وكنت إذا مولاك خاف ظلامة ... أتاك فلم يعدل سواك بناصر
ولكن تبيّن للباحثين فيما بعد، أن المعركة أثارها أهل الفتنة اللغوية وكانت فتنا مستحبّة - لأن البيت ليس لحسان بن ثابت، وإنما هو لعبد الله بن رواحة أو لكعب بن مالك من قصيدة رواها ابن هشام في السيرة: ورواية البيت هكذا:
أطعناه لم نعدله فينا بغيره .. البيت.
وفي رواية:
أطعنا ولم نعدله فينا بغيره.
ومعنى «لم نعدله» لم نسوّه. [شرح أبيات المغني/ ٤/ ١٣].
٢٢ - وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومة الحيّين خلو كما هيا
خولان: حيّ باليمن. وجملتا: هذه خولان، فانكح فتاتهم: مقول القول. وعمل «قائلة» عمل اسم الفاعل لأنه معتمد على موصوف محذوف، أي: رب جماعة قائلة وربّ: للتكثير، وجوابها محذوف، أي: أدركتها. والأكرومة: فعل الكرم، مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: ومكرمة الحيّين، وأراد بالحيّين: حيّ أبيها وحيّ أمها. والخلو:
بالكسر: الخالية من الزوج.
стр. 1297
وقوله: كما هيا: صفة لخلو، أي: كعهدها من بكارتها؟ فحذف المضاف إلى الهاء، ولما كانت الكاف لا تدخل على المضمر المتصل، جعل مكانه المنفصل، فصار: كهي، ثم زادوا «ما» عوضا عن المحذوف.
والشاهد: أن الفاء «فانكح، زائدة في خبر المبتدأ، وهو فانكح. ويرى سيبويه أنها غير زائدة والأصل: هذه خولان، فانكح فتاتهم. ومن جعل الفاء زائدة أجاز في خولان النصب والرفع. كقولك: زيدا فاضربه، وعلى قول سيبويه. الفاء إما لعطف الإنشاء على الخبر، وهو جائز فيما له محل من الإعراب، وإما لربط جواب شرط محذوف، أي: إذا كان كذلك فانكح. وقال السيرافي الجمل كلها يجوز أن تكون أجوبتها بالفاء، نحو «زيد أبوك فقم إليه». فإن كونه أباه سبب وعلة للقيام إليه. وكذلك الفاء في «فانكح» يدل على أن وجود هذه القبيلة علة لأن يتزوج منهم ويتقرب إليهم. [شرح أبيات المغني/ ٤/ ٣٧، وسيبويه/ ١/ ٧٠].
٢٣ - كلانا غنيّ عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا
لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. ووجد البيت في شعر لحارثة بن بدر وفي قصيدة: لسيّار بن هبيرة. انظر (شرح أبيات المغني، للبغدادي).
والبيت شاهد على أنّ مراعاة لفظ «كلا» هنا متعين. لأن معناها، كلّ منا غني عن أخيه، والضابط: أنه متى نسب إلى كل منهما حكم الآخر بالنسبة إليه، لا إلى ثالث، تعيّن الإفراد. [الأشموني/ ٢/ ٢٦٠، واللسان «غنا» وشرح أبيات المغني/ ٤/ ٢٦٦].
٢٤ - لئن كان ما حدّثته اليوم صادقا ... أصم في نهار القيظ، للشمس باديا
وهو شاهد على أنّ اللام في «لئن» زائدة. والجواب للشرط، وقال الفرّاء إنّ الشرط قد يجاب مع تقدم القسم عليه.
وقوله «ما» حدثته: ما: اسم موصول. أي: الكلام الذي حدثته: بالبناء للمجهول.
والهاء: عائدة على «ما» وصادقا خبر كان. وأصم: جواب الشرط. وباديا: حال من فاعل: أصم. والجار والمجرور متعلقان بقوله: باديا. [شرح أبيات المغني/ ٤/ ٣٧١].
٢٥ - وحلّت سواد القلب لا أنا باغيا ... سواها ولا في حبّها متراخيا
стр. 1298
للنابغة الجعدي حسان بن قيس. صحابي من المعمرين، وفد على رسول الله ﷺ وأنشده وقال له: لا فضّ فوك. والبيت شاهد على أن «لا» النافية العاملة عمل ليس، عملت في المعرفة. ويروى البيت:
وحلت سواد القلب لا أنا مبتغ .. البيت:
والقافية منصوبة ولا شك. لأنه مسبوق، وملحوق بقواف منصوبة. وعلى الرواية الثانية، فإن كانت «لا» عاملة، فإن «مبتغ» خبرها، وكان حقه أن ينصب، ولكن أسكن الياء في موضع النصب - وإذا كان كذلك فالنصب في قوله «متراخيا»: بالعطف على «مبتغ» لأنه منصوب الموضع.
فإن جعلت «لا» الأولى ملغاة، كان قوله: أنا مبتغ: مبتدأ وخبر، ولزم إعمال الثانية، ويكون اسمها محذوفا تقديره «ولا أنا عن حبها متراخيا» وحسن حذفه لتقدم ذكره. [شرح أبيات المغني/ ٤/ ٣٧٨، والهمع/ ١/ ١٢٥، والأشموني ج ٢/ ٢٥٣].
٢٦ - لقيت المرورى والشناخيب دونه ... وجبت هجيرا يترك الماء صاديا
للمتنبي من قصيدة يمدح فيها كافورا الأخشيدي. والمرورى: جمع المروراة وهي الفلاة الواسعة. والشناخيب: جمع شنخوب، وهي ناحية الجبل المشرفة وفيها حجارة ناتئة. والصادي: العطشان. يذكر ما لقي من التعب في الطريق إليه وما قاسى من حر الهواجر التي تيبّس الماء، والماء لا يكون صاديا، ولكنه مبالغة.
٢٧ - يقولون لا تبعد وهم يدفنونني ... وأين مكان البعد إلا مكانيا
لمالك بن الريب، من قصيدة رثى بها نفسه، وكان لصا ثم تاب وغزا، فاستشهد.
والبيت شاهد على أن «لا» فيه للدعاء. وقولهم للميت «لا تبعد: تنبيه على شدة الحاجة إليه، وتناهي الجزع وغلبة التحسّر عليه.
٢٨ - وتضحك منّي شيخة عبشمية ... كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا
من قصيدة لعبد يغوث الحارثي، مطلعها:
ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا ... فما لكما في اللوم خير ولا ليا
ألم تعلما أن الملامة نفعها ... قليل وما لومي أخي من شماليا
стр. 1299
أيا راكبا .... البيت سبق في هذا الباب. والقصيدة في «المفضليات». وكان الشاعر فارسا جاهليا. قال الجاحظ «ليس في الأرض أعجب من طرفة بن العبد، وعبد يغوث فإن ناقشنا جودة أشعارهما في وقت موتهما، فلم تكن دون سائر أشعارهما في حال الأمن والرفاهية» وكان عبد يغوث قد أسر يوم الكلاب الثاني، وأسره فتى من بني عبد شمس، فقالت أمه: من هذا، فقال عبد يغوث: أنا سيد القوم، فضحكت، وقالت:
قبّحك الله من سيد قوم حين أسرك هذا الأهوج وإليه أشار بقوله في البيت الشاهد.
وتضحك مني.
والشاهد: «لم ترى» يروى بالألف، على الإخبار، ولم يجزم - بحذف الألف - ضرورة ويروى: «لم تري» بالياء حيث رجع من الإخبار إلى الخطاب. وبذلك يكون مجزوما وعلامة جزمه حذف النون. [شرح المفصّل/ ٥/ ٩٧، وشرح أبيات المغني/ ٥/ ١٣٧، والمفضليات].
٢٩ - ولو أنّ واش باليمامة داره ... وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا
البيت من شعر مجنون ليلى. واليمامة: في نواحي مدينة الرياض بالسعودية.
وحضرموت: معروفة في اليمن الجنوبي.
وقوله: اهتدى ليا: اللام بمعنى إلى.
والشاهد: أنّ واش: أصله «أن واشيا» فسكّن الياء لضرورة الشعر، ثم حذفها لالتقاء الساكنين، بسبب التنوين ويروى: «فلو كان واش» فلا شاهد فيه. [شرح أبيات المغني/ ٥/ ١٨٩، والهمع/ ١/ ٥٣، والأشموني/ ١/ ١٠٠].
٣٠ - لما نافع يسعى اللبيب فلا تكن ... لشيء بعيد نفعه الدّهر ساعيا
البيت شاهد على أن «ما» نكرة موصوفة «بنافع» في قوله «لما نافع» و «بعيد» بالجر صفة جرت على غير من هي له (نعت سببي)، ونفعه: فاعل بعيد. والدهر: ظرف لما بعده. [شرح أبيات المغني/ ٥/ ٢١٢، والأشموني/ ١/ ١٥٤].
٣١ - فإمّا كرام موسرون لقيتهم ... فحسبي من ذي عندهم ما كفانيا
البيت لمنظور بن سحيم الفقعسي، شاعر إسلامي مخضرم. وقبل البيت:
стр. 1300
ولست بهاج في القرى أهل منزل ... على زادهم أبكي وأبكي البواكيا
فإما كرام موسرون ... البيت.
وإمّا كرام معسرون عذرتهم ... وإمّا لئام فادّخرت حيائيا
وعرضي أبقى ما ادخرت ذخيرة ... وبطني أطويه كطيّ ردائيا
ومعنى الشعر التمدح بالقناعة والكفّ عن أعراض الناس. يقول: الناس ثلاثة أنواع:
موسرون كرام، فاكتفي منهم بمقدار كفايتي. ومعسرون كرام، فأعذرهم وموسرون لئام فأكف عن ذمهم حياء.
وقوله: في القرى: بكسر القاف: طعام الضيف، وفي للسببية.
وقوله: على زادهم .. الخ صورته الإثبات ومعناه النفي، لأنه تفسير لخبر ليس. وإن قدّر خبرا ثانيا فلا إشكال. وذكر البكاء: تمثيل، والمعنى أنه لا يأسف لما يرى من الحرمان، أسف من يبكي ويبكي غيره.
وقوله: فإمّا: بكسر الهمزة. وهي: إمّا: التي في قولك: جاءني إما زيد وإمّا عمرو وأن الاسم بعدها خبر لمبتدأ مقدّر قبله، أي: فالناس إما كرام، بدليل قوله: وإمّا لئام، وجعلها بعضهم «إمّا» الشرطية المكونة من «إن» الشرطية و «ما» زائدة. والاسم بعدها معمول لفعل محذوف، وبعده فعل يفسر المحذوف. والجملتان: من قوله: لقيتهم، وعذرتهم، صفتان.
والشاهد: من ذي عندهم على أن «ذو» الموصولة، معربة في لغة طيئ. وإعرابها كإعراب الأسماء الستة بالحروف، فذو، مجرورة هنا بالياء.
ويروى «فحسبي من ذو عندهم» على أنه اسم موصول مبني، بلفظ واحد. [شرح أبيات المغني/ ٦/ ٢٥٠، وشرح التصريح/ ١/ ٦٣، والأشموني/ ١/ ١٥٧، والمرزوقي/ ١١٥٨، والهمع/ ١/ ٧٤].
٣٢ - ألم تر أنّي يوم جوّ سويقة ... بكيت فنادتني هنيدة ماليا
... البيت للفرزدق من قصيدة هجا بها جريرا وقومه. ويوم جوّ سويقة: من أيام العرب وحروبها. وجوّ سويقة: موضع قرب المدينة النبوية. ويروى «نعف سويقة»
стр. 1301
والنعف: ما ارتفع عن الوادي إلى الأرض. وهنيدة عمة الفرزدق.
والشاهد: (ماليا) على أن الأصل «مالك» لأنه خطاب منها له، لكنه عدل عنه، فحكى قولها بالمعنى. [شرح أبيات المغني/ ٦/ ٢٦٢].
٣٣ - عليّ إذا ما زرت ليلى بخفية ... زيارة بيت الله رجلان حافيا
... البيت لمجنون ليلى قيس العامري ... ومن القصيدة قوله:
أصلّي فما أدري إذا ما ذكرتها ... أللشرق أم للغرب كانت صلاتيا
أصلي فما أدري إذا ما ذكرتها ... أثنتين صليت الضحى أم ثمانيا
على أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا عليّ ولا ليا
واشترط في البيت الشاهد - الزيارة خفية، ليتمكن من الكلام معها. والرجلان:
الراجل، والجمع رجلى، ورجال.
والبيت شاهد على أن «رجلان - وحافيا» حالان متعددان من فاعل المصدر المحذوف، والأصل: زيارتي بيت الله، فلما حذف الفاعل، وهو الياء، أضيف المصدر إلى المفعول،. ويجوز أن يكون صاحب الحال، الياء في «عليّ» أو ضمير المتكلم في رواية: «نذرت إذا لاقيت ليلى». [شرح أبيات المغني ٧/ ١٨، والأشموني/ ٢/ ٨٤، وشرح التصريح/ ١/ ٣٨٥].
٣٤ - ولست مقرّا للرجال ظلامة ... أبى ذاك عمّي الأكرمان وخاليا
لا يعرف قائله. والشاعر يمدح نفسه بالعزّة، وأنه لا يقدر أحد على أن يظلمه.
والشاهد: «أبى ذاك عمي الأكرمان وخاليا» يريد أبى ذلك عمي وخالي الأكرمان فقدم النعت على أحد المنعوتين.
وقوله: مقرا اسم فاعل من أقرّ الشيء بحاله إذا تركه ولم يزله، وليس من الإقرار بمعنى الاعتراف. [شرح أبيات المغني/ ٧/ ٢٨٩، والهمع/ ٢/ ١٢٠، والأشموني/ ٣/ ٥٨].
٣٥ - بأهبة حزم لذ وإن كنت آمنا ... فما كلّ حين من توالي مواليا
стр. 1302
غير معروف القائل. والأهبة: التأهب: والحزم: التيقظ من جميع الأمور. و «لذ» فعل أمر من لاذ به، أي: اعتصم به. وكلّ حين: ظرف لتوالي والموالاة: مخالصة الودّ. و «من» اسم ما، ومواليا: خبرها. أي: إنّ «ما» عملت عمل ليس. و «من» اسم موصول في محل رفع اسمها. وكلّ حين: نصب على الظرف، وهو معمول الخبر «مواليا» فلما تقدم، لم يبطل عمل «ما».
وفيه الشاهد: لأن معمول الخبر إذا كان ظرفا أو مجرورا، لا يبطل به العمل إذا تقدم على اسمها. [شرح التصريح/ ١/ ١٩٩، والأشموني/ ١/ ٢٤٩].
٣٦ - فأبلوني بليّتكم لعلّي ... أصالحكم وأستدرج نويّا
لأبي دواد الإيادي.
وقوله: أبلوني: أعطوني البليّة، وهي الناقة تربط عند قبر صاحبها حتى تموت. نويّا:
أصلها: نواي، والنوى: الجهة التي ينويها المسافر.
وقوله: استدرج: من قولك: رجع أدراجه، أي: من حيث جاء. وكان أبو دواد قد جاور هلال بن كعب. من تميم. فبينما الغلمان يلعبون في مستنقع ماء، غطّسوا ابن أبي دواد فمات فقال أبو دواد البيت الشاهد وقبله.
ألم تر أنني جاورت كعبا ... وكان جوار بعض الناس غيّا
وأراد بكعب: كعب بن مامة الجواد المشهور.
والشاهد: أستدرج حيث جاء بالجزم. وليس قبله ما ظاهره الجزم ليعطف عليه فقيل:
سكنه، لكثرة الحركات. وقيل: حمل على موضع الفاء المحذوفة وما بعدها من «لعلي» لأنه مجزوم جواب الأمر. [شرح أبيات المغني/ ٦/ ٢٩٢].
٣٧ - يا ربّ قائلة غدا ... يا لهف أمّ معاويه
لهند بنت عتبة ترثي قتلى بدر من قومها المشركين. وقولها: يا ربّ: يجوز أن تكون «يا» للنداء لمنادى محذوف ويجوز أن تكون للتنبيه ورب للتكثير وجملة «يا لهف» مقولة بقائلة. والبيت شاهد على أن فيه دليلا على جواز استقبال ما بعد «ربّ» وليس بواجب دخولها على الماضي. فإن قائلة: مستقبل، لعمله في الظرف المستقبل. [شرح أبيات
стр. 1303
المغني/ ٣/ ٢٠٢].
٣٨ - إنّي إذا ما القوم كانوا أنجيه ... واضطرب القوم اضطراب الأرشيه
وشدّ فوق بعضهم بالأروية ... هناك أوصيني ولا توصي بيه
هذا الرجز في كتاب الحماسة لأبي تمام، ولم ينسبه، ونسبه المحقق إلى سحيم ابن وثيل اليربوعي. شاعر مخضرم عاش في الجاهلية أربعين سنة وفي الإسلام ستين سنة.
وقوله كانوا أنجية: جمع نجيّ، ويقع النجيّ للواحد والجمع. ومعنى كانوا أنجية أي:
صاروا فرقا لما حزبهم من الشرّ ودهمهم من الخوف يتناجون ويتشاورون.
وقوله: واضطرب القوم. أي: أخذهم القيام والقعود وفارقهم القرار والهدوّ فأقبل بعضهم يمشي إلى بعض.
فشبّه ميلانهم وترجحهم في اختلافهم بترجح الأرشية (الحبال) عند الاستقاء عليها من الآبار البعيدة القعر، وميلانها.
وقوله وشدّ فوق بعضهم بالأروية. يعني أنهم ركبوا الليل وداوموا السير فغلب النعاس على طائفة منهم حتى خيف عليهم السقوط، فشدّت الحبال فوقهم. والأروية: جمع الرّواء: وهو الحبل الذي يروى به، أي: يستقى. وفيه قيل: الراوية.
وقوله هناك أوصيني. الخطاب لأنثى. فالفعل مبني على حذف النون والمعنى: في ذلك الوقت يوجد الكفاء والغناء عندي ويحصل الصبر والمداومة مني، والمعنى: إني أهل لأن يوصى إليّ حينئذ في غيري ولا يوصى غيري بي.
وقوله: إني. إنّ واسمها وخبر إنّ أوصيني. وهو فعل أمر. وهو شاهد على صحة وقوع خبر اسم إنّ جملة إنشائية. [شرح أبيات المغني/ ٧/ ٢٣١، والمرزوقي/ ٦٥٦، واللسان «روى»].
٣٩ - مهما لي الليلة مهما ليه ... أودى بنعليّ وسرباليه
مطلع قصيدة للشاعر، عمرو بن ملقط الطائي. شاعر جاهلي.
وقوله: مهما: بمعنى (ما) الاستفهامية.
والشاهد: أن الباء زائدة في الفاعل للضرورة في قوله «بنعليّ» والأصل: أودى نعلاي.
стр. 1304
وقد تكون الباء زائدة في المفعول به والفاعل مضمر. [شرح أبيات المغني/ ٢/ ٣٦١، والهمع/ ٢/ ٥٨، واللسان «مهه»].
٤٠ - ألفيتا عيناك عن القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه
من قصيدة عمرو بن ملقط الطائي.
وقوله: أولى: كلمة تهديد بمعنى: وليك الشرّ، أي: قرب منك. مبتدأ، ولك: خبره.
وحذف خبر أولى الثانية للدليل، وكرر للتوكيد، والجملة معترضة بين صاحب الحال.
والحال: فإنّ «ذا واقية» حال من الكاف. وصح مجيء الحال من المضاف إليه، لكون المضاف جزءا من المضاف إليه. يصفه بالهروب ويقول: أنت ذو وقاية من عينيك عند فرارك تحترس بهما ولكثر تلفتك إلى خلفك حينئذ، صارت عيناك كأنهما في قفاك.
والبيت شاهد على أن الألف في «ألفيتا» حرف علامة الاثنين. وعيناك فاعل ألفيتا.
[شرح أبيات المغني/ ٦/ ١٥٤، وشرح التصريح/ ١/ ٢٧٥].
٤١ - أليس عجيبا بأنّ الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه
البيت شاهد على أن الباء زيدت في اسم ليس المؤخر (بأن الفتى) يقول: أتعجب من أن الرجل يعزّى على تلف ماله ولا يعزى على تلف شبابه. ويفهم هذا المعنى من قوله بعد البيت السابق:
فمن بين باك له موجع ... وبين معزّ مغذّ إليه
ويسلبه الشيب شرخ الشبا ... ب فليس يعزّيه خلق عليه
والأبيات لمحمود الورّاق. متوفى في خلافة المعتصم. في حدود ٢٣٠ هـ وأكثر شعره في الوعظ، ومنه:
ما إن بكيت زمانا ... إلا بكيت عليه
ولا ذممت صديقا ... إلا رجعت إليه
[شرح أبيات المغني/ ٢/ ٣٨٥].
٤٢ - أطربا وأنت قنّسريّ ... والدهر بالإنسان دوّاريّ
стр. 1305
من أرجوزة للعجاج. ولد في الجاهلية ومات في أيام الوليد بن عبد الملك، وهو أول من رفع الرجز وشبهه بالقصيد وجعل له أوائل.
والقنسري: المسنّ. ودوّاري: أراد: دوّار، وأدخل عليه ياء النسب والدوار الذي يدور بالناس من حالة إلى حالة.
والبيت استشهد به سيبويه على نصب «طربا» بفعل مضمر دلّ عليه الاستفهام لأنه بالفعل أولى. والتقدير: أتطرب طربا. وإنما ذكر المصدر دون الفعل لأنه أعمّ وأبلغ في المراد.
واستشهد به ابن مالك على وجوب حذف عامل المصدر الواقع في التوبيخ. فالمصدر منصوب بفعل محذوف وجملة (وأنت قنسري) حال من ضمير تطرب المحذوف. [شرح أبيات مغني اللبيب/ ١/ ٥٤، وسيبويه/ ١/ ١٧٠، والمرزوقي/ ١٨١٨ والهمع/ ١/ ١٩٢، ٢/ ١٩٨].
٤٣ - له ما رأت عين البصير وفوقه ... سماء الإله فوق سبع سمائيا
لأمية بن أبي الصلت. وأرد بسماء الله: العرش وهو مبتدأ خبره الظرف في صدر البيت. وضمير فوقه عائد على «ما».
والشاهد: سمائيا: حيث حرّك الياء في الجرّ ضرورة. ويضاف إلى هذا ضرورتان أخريان: جمع سماء على فعائل -
مثل شمال وشمائل. والمستعمل فيها سماوات والأخرى أنه لم يغيرها إلى الفتح والقلب فيقول: سمايا، كما يقال: خطايا. [سيبويه ٢/ ٥٩، والخزانة ١/ ٢٤٤].
٤٤ - هي الدار إذ ميّ لأهلك جيرة ... ليالي لا أمثالهنّ لياليا
قاله ذو الرّمة: يقول: هي الدار التي أحمل لها في نفسي أطيب الذكرى حيث كان الشمل مجتمعا والأحياء متجاورة زمن المرتبع، فليس كلياليها في التنعّم بالوصال والتئام الشمل.
والشاهد: نصب أمثالهنّ ب «لا» و «ليالي» على البيان لها ولو حمل على المعنى وهو الرفع لجاز. ويجوز نصب «ليالي» على التمييز، كما تقول: لا مثلك رجلا. وفيه قبح
стр. 1306
لأن حكم التمييز أن يكون واحدا يؤدي عن الجميع. [سيبويه/ ١/ ٣٥٢، وشرح المفصل/ ٢/ ١٠٣].
٤٥ - ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى ... من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا
قاله زهير بن أبي سلمى: وبعده:
بدا لي أنّ الناس تفنى نفوسهم ... وأموالهم ولا أرى الدهر فانيا
قال الشنتمري: وكذب، لا بدّ من فناء الدهر.
والشاهد: دخول «أو» العاطفة بعد الاستفهام على حدّ قولك: هل تقوم أو تقعد. ولو جاء بأم وجعلها استفهاما منقطعا لجاز كما تقول: هل تجلس أم تسير. بمعنى. بل هل تسير، استفهاما منقطعا بعد استفهام. [سيبويه/ ١/ ٤٨٦].
٤٦ - فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكنّ عبد الله مولى مواليا
قاله الفرزدق: يقوله لعبد الله بن أبي إسحاق النحوي، وكان يلحّن الفرزدق فهجاه بذلك، وكان عبد الله مولى آل الحضرمي، وآل الحضرمي كانوا حلفاء لبني عبد شمس بالولاء، يقول: لو كان ذليلا (مولى) لهجوته، ولكنه أذلّ من الذليل، لأنه مولى الموالي.
والشاهد: مولى مواليا: فالاسم المنقوص المستحق المنع من الصرف، كجوار، وغواش تحذف ياؤه رفعا وجرّا، وينوّن، نحو جاءت جوار ومررت بجوار وهؤلاء موال.
ويكون الجرّ بفتحة مقدرة على الياء المحذوفة، والرفع بضمة مقدرة عليها كذلك أما في حالة النصب فتثبت الياء مفتوحة.
وأما في بيت الفرزدق فقد أثبت الياء في حالة الجرّ. وكان حقه أن يقول: ولكن عبد الله مولى موال، بحذف يائها وتنوينها تنوين العوض. [سيبويه/ ٢/ ٥٨، واللسان «ولي» وشرح التصريح/ ٢/ ٢٢٩].
٤٧ - ونحن اقتسمنا المال نصفين بيننا ... فقلت لهم: هذا لها هاوذاليا
البيت قاله لبيد بن ربيعة.
والشاهد: الفصل بين «ها» و «ذا» بالواو والتقدير «وهذا لي» كما قالوا: هأنذا،
стр. 1307
والتقدير هذا أنا. [شرح المفصل/ ٨/ ١١٤، والهمع/ ١/ ٧٦، وسيبويه/ ٢/ ٣٥٤، هارون].
٤٨ - لها بعد إسناد الكليم وهدئه ... ورنّة من يبكي إذا كان باكيا
هدير هدير الثور ينفض رأسه ... يذبّ بروقيه الكلاب الضواريا
للنابغة الجعدي. وصف طعنة جائفة تهدر عند خروج دمها وفوره. والكليم:
المجروح. والهدء: بالفتح: السكون والنوم. والرنة: الصوت بالبكاء. وإسناد الكليم:
إقعاده معتمدا بظهره على شيء ليمسكه. وينفض: أو ينغض: بالغين. يذب: يدفع.
والروق: القرن.
والشاهد: لها هدير هدير الثور: حيث نصب المصدر (هدير) الثاني بفعل متروك إظهاره، لأنه مصدر مشبه به. [سيبويه/ ١/ ١٧٨].
٤٩ - وكانت قشير شامتا بصديقها ... وآخر مرزيّا وآخر رازيا
للنابغة الجعدي ... قشير: قبيلة هجاهم فجعل منهم من يشمت بصديقه إذا أصيب بنكبة، ومن يرزأ الآخر للؤمهم واستطالة قويّهم على ضعيفهم. وأصل: مرزيا: مرزوءا خفف الهمزة بقلبها واوا ثم قلب تلك الواو ياء طلبا للخفة. كما قالوا: رحل معدوّ عليه ومعديّ عليه.
والشاهد: مرزيا. ورازيا حيث نصب الكلمتين على البدل من (شامت) ولولا ذلك لقال: مرزيّ عليه وراز، على الابتداء. [سيبويه/ ١/ ٢٢٢، والخزانة/ ٥/ ٣٤].
٥٠ - فتى كملت خيراته غير أنه ... جواد فلا يبقي من المال باقيا
للنابغة الجعدي.
والشاهد: (غير أنه) استثنى جوده وإتلافه للمال من الخيرات التي كملت له، مبالغة في المدح، فجعلهما في اللفظ
كأنهما من غير الخيرات، كما جعل تفلّل السيوف من عيوب الممدوحين في قول النابغة الذيباني.
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب
[الخزانة/ ٣/ ٣٣٤، سيبويه/ ١/ ٣٦٧، والحماسة/ ٩٦٩].
стр. 1308
٥١ - ألا ليت شعري هل تغيّرت الرّحا ... رحا الحزن أو أضحت بفلج كما هيا
قاله مالك بن الريب عند ما حضرته الوفاة بخراسان. وهو مازني تميمي. والحزن: بلاد تميم وكذلك فلج. والرحا: مكان مستدير غليظ يكون بين الرمال ويروى البيت «أم أضحت».
والشاهد: أم أضحت: على الرواية الثانية، على الانقطاع والاستئناف. [سيبويه/ ١/ ٤٨٧، والخزانة/ ١١/ ٢٩٤].
٥٢ - أبلغ الحارث بن ظالم المو ... عد والناذر النّذور عليّا
أنّما تقتل النيام ولا تقتل ... يقظان ذا سلاح كميّا
لعمرو بن الإطنابة. كان الحارث بن ظالم توعده بالقتل ويشير إلى أنّ الحارث قتل خالد بن جعفر بن كلاب غيلة وهو نائم في قبته.
والشاهد: فتح «أنما» حملا على أبلغ وجريها مجرى (أنّ) لأنّ «ما» فيها صلة فلا تغيرها عن جواز الفتح والكسر فيها. [سيبويه/ ١/ ٤٦٥، وشرح المفصل/ ٧/ ٥٦].
٥٣ - كأنّ العقيليين حين لقيتهم ... فراخ القطا لاقين أجدل بازيا
والشاهد: «أجدل» حيث منعه من الصرف، مع أنه اسم للصّقر وليس صفة وكذلك في البيت. وقد منعه من الصرف لامحا فيه معنى الصفة على وزن أفعل. وهي صفة القوة، والبيت للقطامي، أو لجعفر بن علبة الحارثي. [شرح التصريح/ ٢/ ٢١٤، والأشموني/ ٣/ ٢٣٧].
٥٤ - ماذا على من شمّ تربة أحمد ... أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا
من كلام السيدة فاطمة ﵂، ترثى أباها محمدا ﷺ . ويشم: بفتح الشين من باب (علم يعلم) هذه هي اللغة الفصحى، وفيها لغة أخرى، وهي ضمّ الشين من باب (ردّ يرد).
والغوالي. جمع غالية وهي أخلاط من الطيب.
والشاهد «أحمد» حيث صرف لضرورة الشعر.
стр. 1309
٥٥ - إذا كان لا يرضيك حتى تردّني ... إلى قطريّ لا إخالك راضيا
أي: إذا كان ما تشاهده مني لا يرضيك. فاسم كان ضمير يعود إلى ما دلت عليه الحال، وفاعل يرضيك كذلك، وجملة يرضيك خبر كان. وقطري: هو ابن الفجاءة.
الخارجي.
والشاهد: حذف الفاعل عند ما دلت عليه الحال المشاهدة. وذلك في «يرضيك». والبيت لسوار بن المضرب يقوله حين هرب من الحجاج خوفا على نفسه. [شرح التصريح/ ١/ ٢٧٢، والأشموني/ ٢/ ٤٥].
٥٦ - لا هيثم الليلة للمطيّ ... ولا فتى مثل ابن خيبريّ
والشاهد: لا هيثم. وقع اسم لا النافية للجنس معرفة مؤولة بنكرة يراد بها الجنس، لأنّ هيثم رجل مشهور بصفة. أي: لا حادي حسن الحداء كهيثم. ومنه قول عمر: قضية ولا أبا حسن لها: [الخزانة/ ٤/ ٥٩ وشرح المفصل/ ٢/ ١٠٢، والهمع/ ١/ ١٤٥، والأشموني/ ٢/ ٤].
٥٧ - متى أنام لا يؤرقني الكري ... ليلا ولا أسمع أجراس المطي
الكري: المكاري، وهو الذي يكريك دابته. والكراء: الأجر، والأجراس جمع جرس، بالتحريك: وهو الجلجل الذي يعلق في عنق الدابة.
والشاهد: جزم يؤرقني، على، جواب الاستفهام. والرجز غير منسوب. [سيبويه/ ١/ ٤٥٠، والخصائص/ ١/ ٧٣، واللسان «مطا»].
٥٨ - فاومأت إيماء خفيّا لحبتر ... فلّله عينا حبتر أيّما فتى
البيت للراعي النميري. يقول: إني أشرت إلى حبتر (غلامه) إشارة خفيّة فما كان أحدّ بصره وأنفذه، لأنه رآني مع خفاء إشارتي.
والشاهد: «أيّما فتى» حيث أضاف «أيّ» الوصفية إلى النكرة. وتعرب «أيّ» هنا حالا من حبتر. و «ما» زائدة. وهذه إحدى حالتي «أيّ» الوصفية التي تضاف إلى النكرة - والحالة الثانية تعرب صفة إذا جاءت بعد نكرة كقولك: مررت برجل أيّ رجل. [سيبويه/ ١/ ٣٠٢، الهمع/ ١/ ٩٣، والأشموني/ ١/ ١٦٨. والحماسة/ ١٥٠٢].
стр. 1310
٥٩ - ويركب يوم الرّوع منّا فوارس ... بصيرون في طعن الأباهر والكلى
لزيد الخير (الخيل) الطائي. والأباهر والكلى: مقتلان. والأبهر عرق في المتن. أي:
هم بصراء عالمون بمواضع الطعن، والكلى: بضم الكاف، وللإنسان والحيوان كليتان والواحدة كلية: بضم الكاف.
والشاهد: «بصيرون في طعن ..» على أنّ في بمعنى الباء.
وقوله: يوم الروع منا، يروى: (فيها) أي: من أجلها. من أجل شيء تخاصموا فيه.
[شرح أبيات المغني/ ٤/ ٧١].
٦٠ - فلمّا تبيّنّا الهدى كان كلّنا ... على طاعة الرحمن والحقّ والتّقى
للإمام علي كرم الله وجهه.
والشاهد: كان كلنا. على أنّ كلنا وقع اسما لكان. وحمله ابن مالك على أنه مبتدأ وما بعده خبر، وقدر في كان ضمير الشأن اسمها. [شرح أبيات المغني/ ٤/ ١٩٠].
٦١ - على مثل أصحاب البعوضة فاخمشي ... لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى
البيت لمتمم بن نويرة من الصحابة. والبعوضة: اسم ماء في حمى «فيد» أو رملة في أرض طيّ. والبيت رثاء في أخيه مالك.
والبيت شاهد على حذف لام الأمر الجازمة من قوله: أويبك. والتقدير: أو ليبك. من بكى. ويرى سيبويه أنّ لام الأمر تعمل مضمرة.
٦٢ - ثمّت لاح في الملبّين إلى ... حيث تحجّى المأزمان ومنى
من مقصورة ابن دريد. وثمت: مخصومة بعطف الجمل بخلاف ثمّ فإنها تعطف المفرد والجملة. وتحجىّ بالمكان: إذا أقام فيه والمأزمان: جبلان بين المزدلفة وعرفة.
والشاهد: «حيث» على أنها تجردت هنا عن الظرفية إلى الاسمية. وصارت بمعنى «مكان» فالجملة بعدها صفة لها، وكان حقها أن تجرّ بالكسرة وتنون ولا وجه لبقاء (بنائها) على الضم. [شرح أبيات المغني/ ٦/ ٢٧٤].
٦٣ - يا ظبية أشبه شيء بالمها ... ترعى الخزامى بين أشجار النّقى
стр. 1311
إمّا ترى رأسي حاكي لونه ... طرّة صبح تحت أذيال الدجا
واشتعل، المبيضّ في مسودّه ... مثل اشتعال النار في جزل الغضى
فكان كالليل البهيم حلّ في ... أرجائه ضوء صباح فانجلى
من مطلع مقصورة ابن دريد.
والشاهد في البيت الثالث وإنما ذكرت هذه الأبيات لجمال لفظها وعذوبة رونقها ومائها، وسهولة الترنمّ بها.
والشاهد: ذكره ابن هشام في المغني، مثالا لتعلق المجرور بالفعل وبشبهه. فقال:
وقد تقدر (في) الأولى متعلقة بالمبيض فيكون تعلق الجارين بالاسم. ولكن تعلق الثاني بالاشتعال يرجح تعلق الأول بفعله لأنه اسم لمعنى التشبيه، وقد يجوز تعلق «في» الثانية بكون محذوف حالا من النار ويبعده أن الأصل عدم الحذف.
وفيه شاهد آخر وهو انتصاب «مثل» على الحال، من ضمير مصدر الفعل والتقدير:
واشتعل الاشتعال. ويرى بعضهم إعراب «مثل» نعتا لمصدر محذوف تقديره: اشتعالا مثل اشتعال النار.
٦٤ - إنّ امرأ القيس جرى إلى مدى ... فاعتاقه حمامه دون المدى
من مقصورة ابن دريد. وجرى إلى مدى: إلى غاية، وهي طلب الملك، ويدل عليه قوله لصاحبه.
فقلت له لا تبك عينك إنّما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
واعتاقه: حبسه. والحمام: بالكسر: الموت، ودون المدى: أي: دون تلك الغاية وهي طلب الموت. والمدى: يكتب بالياء.
قال ابن هشام. فإن المتبادر، تعلق «إلى» ب «جرى» ولو كان كذلك، لكان الجري قد انتهى إلى ذلك المدى، وذلك مناقض لقوله:
«فاعتاقه حمامه دون المدى»
وإنما (إلى مدى) متعلق بكون خاص، منصوب على الحال، أي: طالبا إلى مدى
стр. 1312
ونظيره قوله أيضا يصف الحاج، من المقصورة نفسها لابن دريد.
٦٥ - ينوي التي فضّلها ربّ العلا ... لمّا دحا تربتها على البنى
ينوي: يقصد، وفاعله، ضمير يعود على مذكور في بيت سابق. وجملة ينوي صفة لهذا المذكور. والتي ينوي: هي مكة المكرمة. والبنى: بكسر الموحدة بعدها نون: جمع بنية: كقرب، جمع قربة، وفيها الضمّ أيضا فيكون، مثل «عرى» جمع عروة، وتكتب بالياء.
قال ابن هشام: فإن قوله «على البنى» متعلق، بأبعد الفعلين، وهو فضّل لا، بأقربهما، وهو «دحا» بمعنى «بسط» لفساد المعنى. [والبيت لابن دريد في المقصورة].
٦٦ - فإن عثرت بعدها إن وألت ... نفسي من هاتا، فقولا: لا، لعا
من مقصورة ابن دريد. فإن عثرت: أي: سقطت. ووألت، بالهمز: نجت ومضارعه «تئل» ومنه «الموئل» وهو الملجأ. وهاتا: بمعنى، هذه. قال الخليل: «لعا» كلمة تقال عند العثرة، وقال ابن سيده: كلمة يدعى بها للعاثر معناها، الارتفاع. وقال ابن السيّد.
وهو اسم فعل، مبنيّ على السكون، والتنوين فيه للتنكير. والفعل الذي يدل عليه «نعشك الله، ورفعك».
والمعنى: إن نجوت من هذه القصة، ثم إن عثرت ثانية، فقولا لي: لا لعا، أي: لا نجاة.
والبيت شاهد على أنه إذا اعترض شرط على آخر، فإن الجواب المذكور للسابق منهما. وجواب الثاني محذوف مدلول عليه بالشرط الأول وجوابه. كما قالوا: في الجواب المتأخر عن القسم والشرط.
٦٧ - ومن مالئ عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى
لعمر بن أبي ربيعة. ومن شيء غيره: نساء غيره. والجمرة: موضع رمي الجمار بمنى. والبيض: النساء. والدمى: صور الرخام. شبه النساء بها لأن الصانع لا يدخر جهدا في تحسينها وتلطيفها، ولما لهنّ من السكينة والوقار.
والشاهد: إعمال «مالئ» عمل الفعل بعد تنوينه، لأنه في معناه ومن لفظه. [العيني/ ٣/ ٥٣١].
стр. 1313
٦٨ - لم يعن بالعلياء إلا سيّدا ... ولا شفى ذا الغيّ إلا ذو هدى
بالعلياء: مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه نائب فاعل «ليعن» وسيدا مفعول به له، وقد أناب المجرور مع وجود المفعول الصريح وحقه أن يقول: لم يعن بالعلياء إلا سيد.
الرجز، للعجاج، أو لرؤبة. ويروى الشطر الثاني «ولا جفا» «ويروى» «ولا شجى».
[شرح التصريح/ ١/ ٢٩١، والأشموني/ ٢/ ٦٨، وابن عقيل/ ١/ ١٧١]. والدرر/ ١/ ١٤٤].
٦٩ - إذا رمت ممّن لا يريم متيمّا ... سلوّا فقد أبعدت في رومك المرمى
قوله: سلوّا: مفعول به لرمت.
والشاهد إعمال «لا يريم» عمل «ما يزال» الناقصة. والتقدير: لا يزال. أو لا يبرح، متيّما. [الهمع/ ١/ ١١٢، والدرر/ ١/ ٨٢].
٧٠ - أطرق كرا أطرق كرا ... إنّ النّعام في القرى
الكرا: الكروان: وقولهم: أطرق كرا مثل يضرب للرجل الحقير إذا تكلم في الموضوع الذي ليس له، ولا لأمثاله
الكلام فيه. كأنه قيل: اسكت يا حقير، فإنّ الأجلّاء أولى بهذا الكلام. وقيل: معناه: إنّ الكروان ذليل في الطير، والنعام عزيز، أي: اسكن عند الأعزة ولا تستشرف الذي لست له بندّ، ويشبه الأعزة بالنعام، والأذلة بالكروان.
والشاهد: أطرق «كرا» فإن كرا، منادى، حذف معه حرف النداء والكرا: ذكر الكروان، وليس مرخما للنداء.
وقلّ أن يحذف حرف النداء من النكرة المقصودة بالنداء. [الخزانة/ ٢/ ٣٧٤].
٧١ - يشكو إليّ جملي طول السّرى ... صبر جميل فكلانا مبتلى
والشاهد: رفع «صبر» على الابتداء أي: وصبر جميل أمثل. أو: على الخبر أي:
أمرك صبر جميل. والبيت للراجز ملبد بن حرملة. [سيبويه/ ١/ ١٦٢، والأشموني/ ١/ ٢٢١].
٧٢ - قد وعدتني أمّ عمرو أن تا ... تدهن رأسي وتفلّيني وا
وتمسح القنفاء حتّى تنتا
стр. 1314
رجز لحكيم بن معية التميمي. والقنفاء: الكمرة. وتنتا: أي: تنتأ وتبدو. وهو بفتح التاء وكسرها.
والرجز شاهد على حذف المعطوف وبقاء حرف العطف، لضرورة الشعر، ولأنه أعاد الحرف في أول البيت التالي، فجاز الغاء حرف العطف الأول بعد أن دعمه بحرف الإطلاق وأعاده، فعرف ما أراد بالأول. [الهمع/ ٢/ ٢١٠، واللسان «نتأ، والخصائص/ ١/ ٢٩١].
٧٣ - من اللّواتي والتي واللاتي ... زعمن أني كبرت لداتي
البيت من الرجز، أنشده الرضيّ في شرح الكافية، ولم ينسبه. واستشهد به على أنّ جملة «زعمن» صلة الموصول الأخير، وصلة كلّ من الموصولين الأوّلين محذوفة للدلالة عليها بصلة الثالث. ومثله: قول العجّاج.
بعد اللّتيّا واللّتيّا والتي ... إذا علتها أنفس تردّت
وقول سلمى بن ربيعة السّيدي:
ولقد رأبت ثأي العشيرة بينها ... وكفيت جانبها اللّتيّا والّتي
واللتيّا: مصغرّ من التي، للتعظيم. وحذف الصلة من هذا الضرب من الموصولات لتعظيم الأمر وتفخيمه. [الخزانة/ ٦/ ١٥٤].
٧٤ - أغض ما اسطعت فالكريم الذيّ ... يألف الحلم إن جفاه بذيّ
لا يعرف قائله، وقد ذكره السيوطي شاهدا على تشديد ياء الذي، لتكون (الّذيّ) مضمومة. وقال أبو حيّان: وظاهر
كلام ابن مالك أن الكسر والضمّ مع التشديد بناء، وبه صرّح بعض أصحابنا، وصرّح أيضا مع البناء بجواز الجري بوجوه الإعراب. [الهمع ج ١/ ٨٢، والدرر ج ١/ ٥٦].
٧٥ - فكأنّها بين النساء سبيكة ... تمشي بسدّة بيتها فتعيّ
البيت رواه الفرّاء في مسألة الإدغام: والسبيكة، قطعة مستطيلة من فضة وسدّة البيت:
بضم السين: بابه.
стр. 1315
وقوله: فتعيّ: مضارع، أعيا، وهو في الأصل «تعيي، بيائين، وقبل الياء الأولى
ساكن. فلما أدغم الياء في الياء، اقترضت العين كسرة جارتها الياء، عند إرادة ادغامها في الياء الثانية. والفرّاء يرى جواز أن نقول: أعيا، يعيي، إذا سكن ما قبل الياء الأولى، ونقول: يعيّ، بالإدغام للمذكر، وتعيّ، بالإدغام للمؤنث، وأنشد البيت على جواز الإدغام، وأنكر عليه النحويون هذا المذهب، ووصفوا ما جاء في البيت بالشذوذ، وقالوا: إن هذا الإدغام يكون في الماضي فتقول: عيي، وعيّ، وحيي، وحيّ، مما عينه ولامه ياءان، لازم تحريكهما. ومضارعهما يعيا، ويحيا، وفي القرآن «وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» [الأنفال: ٤٢] وفي القرآن أيضا «يُحْيِي وَيُمِيتُ» * بدون إدغام. قلت: ومسألة الإعلال والإدغام في حروف العلة من أكثر المسائل التي ثار حولها الجدل بين النحويين، ولذلك قال القائل:
إذا اجتمعوا على ألف وواو ... وياء ثار بينهم جدال
[اللسان - عيا، والأشموني ج ٤/ ٣٤٩، والهمع ج ١/ ٥٣].
٧٦ - على أطرقا باليات الخيا ... م إلّا الثّمام وإلّا العصي
البيت لأبي ذؤيب الهذلي خويلد بن خالد، جاهلي إسلامي من قصيدة أولها:
عرفت الدّيار كرقم الدواة ... يزبرها الكاتب الحميري
يزبرها: يكتبها، وذكر الحميري: لأن الكتابة أصلها من اليمن. يقول: عرفت رسوم الديار وآثارها، خفيّة كآثار الخط القديم.
وقوله: على أطرقا: أراد: عرفت الديار على «أطرقا» والثمام: شجر يلقى على الخيام. والعصيّ: خشب بيوت الأعراب والخيمة عند العرب: بيت من عيدان. والثمام:
نبت ضعيف يحشى به خصاص البيوت ويستر به جوانب الخيمة، فالثمام والعصي استثناء من الخيام، ويكون الاستثناء متصلا.
وقوله: على أطرقا: نصب على الحال من الديار، وكذلك، باليات الخيام: حال.
وقوله: إلا الثمام: يروى برفع الثمام ونصبه، فمن نصب فهو استثناء من موجب ومن رفع، فبالابتداء، والخبر محذوف، والتقدير: إلا الثمام وإلا العصي. لم تبل. ومن نصب
стр. 1316
الثمام ورفع العصي، فإنه يحمله على المعنى، وذلك أنه لما قال: بليت إلا الثمام كان معناه: بقي الثمام، فعطف على المعنى وتوهّم اللفظ.
والشاهد في البيت: «أطرقا» بصيغة فعل الأمر مع ألف المثنى. فهو علم منقول عن هذا الفعل. وكأن الرجل كان يقول لصاحبيه في هذا المكان: أطرقا، مخافة ومهابة ومعنى: اطرقا: اسكتا. [الأشموني ج ١/ ١٣٢، والخزانة ج ٧/ ٣٣٦، ٣٤٢ واللسان (طرق)، وشرح المفصل ج ١/ ٢٩).
٧٧ - وركضك لولا هو لقيت الذي لقوا ... فأصبحت قد جاورت قوما أعاديا
البيت لم يعرف قائله. وذكره السيوطي شاهدا، على أن تسكين الواو من (هو) لغة قيس وأسد. و (هو) في البيت ساكنة الواو، والبيت من البحر الطويل، ولا يقرأ إلا بتسكين الواو من (هو) [الهمع ج ١/ ٦٠ والدرر ج ١/ ٣٧].
٧٨ - وأركب حمارا بين سرج وفروة ... وأعر من الخاتام صغرى شماليا
لامرأة من عقيل، وقبل البيت:
لئن كان ما حدّثته اليوم صادقا ... أصم في نهار القيظ للشمس باديا
وقد مضى هذا البيت، في حرف الياء شاهدا على الجزم في جواب الشرط مع سبق أداة الشرط باللام الموطئة للقسم، والأغلب في حال وجودها أن يكون الجواب للقسم، ويقدر جواب الشرط، أو يكتفى به.
والبيت الثاني: وأركب: معطوف بالجزم على أصم. وركوب الحمار على الهيئة التي ذكرت تكون لمن يندد به ويفضح بين الناس. وقولها: وأعر، مجزوم بحذف الياء للعطف على أصم، وهو مضارع أعراه إعراء، أي: جعله عاريا. والخاتام: لغة في الخاتم. وأراد بصغرى شماله: الخنصر، فإن الخاتم يكون زينة للشمال، فإن اليمين لها فضيلة اليمن - فجعل الخاتم في الشمال للتعادل. يقول: إن كان ما نقل لك عني من الحديث صحيحا، جعلني الله صائما في تلك الصفة، وأركبني حمارا للخزي والفضيحة وجعل خنصر شمالي عارية من حسنها وزينتها، بقطعها.
قال أبو أحمد:
وقوله «وأعر من الخاتام صغرى شماليا» يؤخذ منه أنّ وضع الخاتم في إصبع اليد
стр. 1317
اليسرى عادة قديمة، فالمتزوج اليوم يضع خاتم الزواج في يده اليسرى وكذلك المرأة.
وفي أيام الخطبة يكون في اليمين ثم ينقل إلى الشمال بعد الزواج. [الخزانة ج ١١/ ٣٣٦، واللسان ختم، والأشموني ج ٤/ ٢٩ والهمع ج ٢/ ٤٣].
٧٩ - من آل أبي موسى ترى الناس حوله ... كأنّهم الكروان أبصرن بازيّا
البيت لذي الرّمة. قال البغدادي. وزعم الرياشي أن الكروان، والكروان، للواحد.
قال: ويردّه قول ذي الرّمة (البيت) لأن الشاعر قال: أبصرن فجعل الضمير جمعا، وهذا يدل على أن الكروان، للجمع. [الخزانة ج ٢/ ٣٧٧].
٨٠ - ألا هل إلى ميّ سبيل وساعة ... تكلّمني فيها شفاء لما بيا
نسبه هارون في معجمه إلى ذي الرمّة، وليس في الديوان، ولا في ملحقاته. وذكر أنه في الهمع ج ٢/ ٩٥ والذي في الهمع «هذا الشطر»: فإنّ كلامها شفاء لما بيا» ذكره السيوطي شاهدا لعمل اسم المصدر (كلامها).
٨١ - وقد يجمع الله الشّتيتين بعد ما ... يظنّان كلّ الظّنّ ألّا تلاقيا
البيت لقيس بن الملوح، مجنون ليلى.
والشاهد: كلّ الظنّ. حيث نصب «كلّ» نيابة عن المصدر، لإضافته إلى المصدر (الظنّ) ويعرب نائب مفعول مطلق.
وقوله: ألّا: أن: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن (أنه) لا: نافية للجنس وتلاقي: اسمها وخبرها محذوف. وأن المخففة واسمها وخبرها سدّت مسدّ مفعولي (يظنان). [الأشموني ج ٢/ ١١٣، وعليه العيني واللسان (شتت). والخصائص ج ٢/ ٤٤٨].
٨٢ - ألكني إليها عمرك الله يا فتى ... بآية ما جاءت إلينا تهاديا
من قصيدة لسحيم عبد بني الحسحاس. وألكني إليها: معناه أبلغ رسالتي إليها.
والألوك: الرسالة. وعمرك الله: دعاء، منصوب بفعل محذوف تقديره: أسأل الله عمرك بمعنى تعميرك.
стр. 1318
وقوله: بآية: علامة: وآية هنا مضافة إلى الجملة بعدها، أو إلى المصدر المؤول من (ما والفعل) وتهاديا: منصوب ب جاءت، إما على أنه مصدر وإما على أنه مصدر مؤول بالحال أي: جاءت متهادية.
هذا، وقالوا إن سحيما هذا كان عبدا حبشيا، ونسبوا إليه مع غيره أشياء يشكك في صحتها.
منها أنه كان يرتضخ لكنة حبشية، وأنه كان ينشد الشعر ويقول: أهشند والله يريد:
أحسنت. وأنه أنشد عمر قصيدته التي فيها (كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا) فقال له عمر: (لو قدمت الإسلام لأجزتك) فقال: ما سعرت - يعني ما شعرت أما كونه كان يرتضخ لكنة أعجمية في الجاهلية وهو يقول الشعر الممتاز، فهذا لا يكون لأن قوله الشعر، يعني أنه ولد بين العرب وأخذ لغتهم وأجاد نطقهم ونسي لهجة قومه. وميله إلى لهجة الحبشة الأعجمية يعني أنه جاء إلى الجزيرة كبيرا، فتعلم العربية. وهذا لا يؤهله لقول هذا الشعر الفصيح ولعله إذا قال «سعرت، أو أهشند» كان ذلك بسبب عيب خلقي في اللفظ، فصادف ذلك شبها باللكنة الأعجمية. وقد كذبوا على بلال أيضا وزعموا أنه كان يقول في الأذان (أسهد أن لا إله إلا الله) وهذا لم يثبت.
أما قولهم إن عمر قال له: لو قدمت الإسلام .. الخ لأجزتك: فهذا أيضا مشكوك فيه فعمر لم يكن يجيز الشعراء على قول الشعر، وإنما كان يعطي كل مسلم عطاءه من بيت مال المسلمين. وقول عمر لو قدّمت الإسلام .. الخ فإن عمر لا يقول هذا: لأنه يعلم أن هذا شعر، وتقديم الإسلام يفسد البيت. وأن الواو العاطفة لا تعني الترتيب ولا تعني أنه يجعل الشيب أكثر نهيا من الإسلام.
وكيف يجيزه عمر على هذه القصيدة، وفيها من الفحش والفجور، ما لو سمعه عمر لجلده وغربه عليه. اسمع ماذا يقول في قصته مع عمرة، أو (عميرة) يصف خلوة بها:
توسدني كفّا وتثني بمعصم ... عليّ وتحوي رجلها من ورائيا
فما زال بردي طيّبا من ثيابها ... إلى الحول حتى أنهج البرد باليا
وفي قصته أشياء كثيرة متناقضة، تجعله شخصية أقرب إلى الخيال.
وعلماء النحو واللغة والأدب الأقدمون، مع علوّ منزلتهم في فهم النص الأدبي
стр. 1319
واللغوي، إلا أنهم يروون القصص الكاذب تاريخيا ولا يحققون فيه فلا يهمهم من القصة إلا النص الشعري أو الأدبي أما ما يقال حوله من القصص، فهذه لا تعنيهم، وقلما تجد أديبا يكذّب قصة أو يحقق في ما هيتها، ولذلك لا تأخذن كلّ ما يرويه الأدباء من القصص المتعلقة بالنصوص، على أنها تاريخ واقع، فخذ منهم الشعر، وفهم اللغة فقط واترك ما حوله من القصص. وقد عدّ ابن العربيّ في كتابه (العواصم) أهل الأدب من الكذابين ولم يوثّق منهم إلا (ثعلب) صاحب المجالس المشهورة. والله أعلم.
وانظر في قصة سحيم، مع تحليل النصوص التاريخية ونقدها: [شرح شواهد مغني اللبيب ج ٢/ ٣٣٨ - ٣٤٤، والخزانة ج ٢/ ٩٩ - ١٠٦] وكلاهما للبغدادي.
قلت: وما رأيت في القديم والحديث أقدر على نقد الشعر وفهمه، كالبغدادي ولكن إذا روى القصص، نقل ولم يحقق.
٨٣ - وأنت غريم لا أظنّ قضاءه ... ولا العنزيّ القارظ الدّهر جائيا
أنشده الأشموني ولم ينسبه، وقال الصبان في حاشيته: قال بعضهم هو من كلام ذي الرّمة. وأنت: الخطاب للمحبوبة، والعنزي: منسوب إلى قبيلة عنزة، وهو أحد رجلين خرجا يجنيان القرظ، فلم يرجعا أصلا فضرب بهما المثل، في استحالة العودة، فقالوا:
لا يرجى إيابه حتى يؤوب العنزي القارظ، والقرظ: شجر يدبغ به.
والشاهد في البيت، تقديم المعطوف على المعطوف عليه، وتقدير الكلام: لا أظنّ قضاءه جائيا هو ولا العنزي. هكذا قدّره الأشموني، والله أعلم. [الأشموني ج ٣/ ١١٩].
٨٤ - رضيت بك اللهمّ ربّا فلن أرى ... أدين إلها غيرك الله راضيا
البيت لأمية بن أبي الصلت في ديوانه، وشرح التصريح ج ٢/ ١٦٥ والعيني ج ٤/ ٢٤٣. والشاهد: حذف يا النداء، من لفظ الجلالة، ولم يعوض في آخره الميم المشددة، في قوله «الله» وهذا نادر شاذ. وأدين: مضارع، دان بالشيء، والأصل: أن أدين، فحذفت أن، فارتفع المضارع، على حدّ قولهم: «تسمع بالمعيديّ» إلها: مفعوله.
وراضيا: منصوب برضيت، إما على الحالية من فاعله، أو على المفعولية المطلقة، على حدّ قولهم: قم قائما، أي: قياما، وعلى الوجهين، فهو مؤكد له، وما بينهما اعتراض.
стр. 1320
وربّا: مفعول: رضيت، والمعنى: رضيت رضى بك ربا يا الله، فلن أرى أن أتخذ إلها غيرك يا الله.
٨٥ - ألم تعلما أنّ الملامة نفعها قليل ... وما لومي أخي من شماليا
البيت لعبد يغوث الحارثي اليمني من قصيدة قالها بعد أن أسر، يوم الكلاب الثاني، في الجاهلية. وزعموا أنهم عند ما همّوا بقتله، قال: اقتلوني قتلة كريمة: اسقوني الخمر ودعوني أنوح على نفسي، فسقوه خمرا وقطعوا عرقه الأكحل وتركوه ينزف، وتركوا عنده رجلين، فقالا له: جمعت أهل اليمن وجئت تقتلنا، كيف رأيت صنع الله بك، فقال القصيدة التي منها البيت ومطلعها:
ألا لا تلوماني كفى اللّوم ما بيا ... فما لكما في اللوّم خير ولا ليا
فهو يخاطب اثنين حقيقة. واللوم: مفعول مقدم و «ما» فاعل مؤخر، أي كفى اللوم ما أنا فيه، فلا تحتاجون إلى
لومي مع ما ترون من إساري.
وشمال: في البيت الشاهد بكسر الشين، بمعنى الخلق والطبع، واستشهد به صاحب الشافيه أن «شمال» يأتي مفردا وجمعا، وفي هذا البيت جمع، أي: من شمائلي.
[الخزانة ج ٢/ ١٩٧، واللسان: شمل].
٨٦ - أبى الهجر أنّي قد أصابوا كريمتي ... وأن ليس إهداء الخنا من شماليا
هذا البيت قاله صخر بن عمرو أخو الخنساء. وقبل البيت:
وقالوا ألا تهجو فوارس هاشم ... ومالي وإهداء الخناثم ماليا
وكان قد قتل أخوه معاوية في حروب، فقال له الناس ألا تهجو هؤلاء الذين قتلوا أخاك. فأجابهم. ومالي ... وإهداء: انتصب بفعل مضمر، وتكريره «ماليا» دلالة على استقباحه لما دعي إليه.
وقوله: أبى الهجر: الهجر: الفحش والقول البذيء والهجر: مفعول به، وفاعله: أنيّ قد أصابوا، المصدر المؤول. والكريمة: التاء للمبالغة، وفي الحديث: إذا أتاكم كريمة قوم فأكرموه».
стр. 1321
وقوله: وأن ليس: أن مخففة واسمها ضمير، وجملة «ليس» خبره. وموضع أن ومدخولها عطف بالرفع على أنّي الأولى. [الحماسة بشرح المرزوقي ص ١٠٩٤].
٨٧ - لقد أغدوا على أشق ... ر يغتال الصّحاريّا
البيت للوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان.
وقوله: لقد أغدو: الغدو، ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس. والأشقر من الخيل الذي حمرته صافية، والشّقرة في الإنسان، حمرة يعلوها بياض ويغتال: يهلك. واستعار يغتال لقطع المسافة بسرعة شديدة. والصحراء: الفضاء الواسع.
والشاهد: أنه جمع صحراء، فلما قلبت الألف بعد الراء في الجمع ياء، قلبت الهمزة التي أصلها ألف التأنيث أيضا. فاجتمعت ياءان وأدغمت. [الإنصاف ص ٨١٦، والخزانة ج ٧/ ٤٢٤، وشرح المفصل ج ٥/ ٥٨].
٨٨ - دعاهنّ ردفي فارعوين لصوته ... كما رعت بالجوت الظماء الصواديا
٨٩ - وأوده ردفي فارعوين لصوته ... ... الصواديا
وقع البيت في شعري شاعرين. الأول في شعر عويف بن معاوية، من شعراء الدولة الأموية، وقيل له «عويف
القوافي» لقوله:
سأكذب من قد كان يزعم أنني ... إذا قلت قولا لا أجيد القوافيا
وأما الثاني، فهو في شعر سحيم عبد بني الحسحاس - كما قال البغدادي - وهو شاعر مخضرم عاش الجاهلية والإسلام، واختلفوا في معنى بيت عويف: فقالوا: أراد بالرّدف:
تابعه من الجنّ، وضمير دعاهنّ: للقوافي: أي: دعا شيطاني القوافي فأجبنه وانثلن عليه، يعني: أن الشعر أطاعه، وكانوا يزعمون أن لكل شاعر تابعا من الجنّ يوحي له بالشعر.
والرّدف في الأصل: الذي يركب خلف الراكب والارعواء: النزوع عن الجهل، وحسن الرجوع عنه ورعت بالخطاب، وهو من قولهم: هذه شربة راع بها فؤادي، أي: برد بها غلّة روعي - بالضم - وهو القلب أو موضع الفزع منه وقيل: هو من راعه، بمعنى أعجبه. والظماء: جمع ظمآنة، وظمآن من ظمئ كفرح أي: عطش أو اشتد عطشه.
والصوادي: جمع صاديه، من الصدى وهو العطش. والجوت - صوت نداء الإبل للماء.
стр. 1322
والمعنى الثاني للبيت: أن رديفه لما دعا النساء، اجتمعن ورجعن عما كنّ عليه من الشغل، كما لو دعت إلى الشرب الإبل، فالتففن وتضاممن للشرب. فضمير دعاهن للناس. والبيت مفرد، لا يمكن الحكم بأيّ المعنيين أصحّ.
وأما قول سحيم «أوده: فهو فعل ماض: أي: صاح بالإبل لتشرب.
والشاهد: أن بعض الأصوات قد يدخله أداة التعريف كما في (جوت) صوت دعاء الإبل، وأصله «جوت» مفتوح الجيم. فإما أن يبقى مبنيا على الكسر، أو على الضم، أو على الفتح، حيث يروى بالثلاث. وإما أن يعرب بالحركات، كما قال ابن الناظم في شرح الألفية. [الخزانة ج ٦/ ٣٨١، وشرح المفصل ج ٤/ ٧٥، ٨٢].
٩٠ - وقد علمت عرسي مليكة أنني ... أنا الليث معديّا عليه وعاديا
البيت للشاعر عبد يغوث الحارثي من أهل الجاهلية من قصيدة قالها يوم أسر.
وعرس الرجل: امرأته، ومليكه: عطف بيان أو بدل. من عرسي. أنني: سدت مسدّ مفعولي علمت.
والشاهد في «معدي». فهو من الفعل «عدا» يعدو. واسم المفعول منه «معدوّ» ولكنه جاء في البيت «معديّ» فقالوا: إنه شاذ، لأنه بناه من (عدي، يعدي) ولكن الرواية جاءت في الخزانة على الأصل «معدوّا» وكذلك جاء في المفضليات (معدوّا) فهو إذن من تحريفات الرواة، وجاء عند الزمخشري في المفصل (مغزيّا عليه وغازيا) وهو
مثل «معديّ» في حكمه.
وقوله: معديّا: حال. وعاديا. معطوف على الحال. [شرح المفصل ج ٥/ ٣٦، والأشموني ج ٤/ ٣٢٦، وسيبويه ج ٢/ ٣٨٢، واللسان (عدا) والمفضليات].
٩١ - علمتك منّانا فلست بآمل ... نداك ولو ظمآن غرثان عاريا
لم أعرف قائله. وعلمت: بمعنى تيقنت نصبت مفعولين. الكاف - ومنانا.
وقوله «ولو ظمآن» شاهد على حذف كان واسمها بعد «لو» الشرطية. وظمآن خبر.
وغرثان: جائع. [الهمع ج ١/ ١٢١، والأشموني ج ٢/ ٢١].
стр. 1323
٩٢ - ضاحكا ما قبّلتها حين قالوا ... نقضوا صكّها وردّت عليّا
في المقتضب ٤/ ١٧٠.
٩٣ - أبلغ الحارث بن ظالم المو ... عد والناذر النّذور عليّا
٩٤ - أنّما تقتل النيام ولا تقت ... ل يقظان ذا السلاح كميّا
البيتان لعمرو بن الإطنابة الأنصاري، يقولهما للحارث بن ظالم المريّ وكان قد توعده بالقتل ونذر دمه إن ظفر به. وقال: تقتل النيام، لأن الحارث كان قد قتل خالد ابن جعفر بن كلاب غيلة وهو نائم في قبته.
والشاهد فيهما: أنما تقتل. بفتح همزة «أنما» ذلك أن «ما» إذا دخلت على (أنّ) تكفها عن العمل فيما بعدها، وتدخل على الجمل الفعلية، أو الاسمية، ولكنّ دخول «ما» عليها أعطاها حكمها في الفتح .. و «أنّما» وما بعدها في محل مفعول ثان ل «أبلغ» في البيت الأول. وإذا وقعت أن ومدخولها مفعولا تفتح، كما لو قلت: «أنّك تقتل» وقد أجاز سيبويه الكسر في «إنما» في البيت على الابتداء. [شرح المفصل ج ٨/ ٥٦، وسيبويه ج ١/ ٤٦٥].
٩٥ - يا أيها الذّكر الذي قد سؤتني ... وفضحتني وطردت أمّ عياليا
البيت لأبي النجم العجلي في المقتضب ٤/ ١٣٢ وأمالي ابن الشجري ٢/ ١٥٢.
٩٦ - أقاتلي الحّجاج إن لم أزر له ... دراب وأترك عند هند فؤاديا
البيت لسوّار بن المضرّب السعدي. قاله عند ما قدم الحجاج الكوفة وأمر الناس باللحق بالمهلّب بن أبي صفرة، لقتال الخوارج. ودراب: هي درا بجرد: كورة في بلاد فارس.
[الخزانة ج ٧/ ٥٥، والدرر ج ١/ ١٥٩، والعيني ج ٢/ ٤٥١] وقد أنشده السيوطي شاهدا على ترخيم المركب
المزجي في غير النداء للضرورة حيث رخم الشاعر «درا بجرد» وقال: (دراب) والمسألة خلافية في الجواز وعدمه. [انظرها في الهمع ج ١/ ١٨٢].
٩٧ - أعان عليّ الدّهر إذ حلّ بركه ... كفى الدهر لو وكّلته بي كافيا
стр. 1324
البيت غير منسوب في الإنصاف ص ١٦٩. وبركه: صدره، وكلكله، شبه الدهر بالبعير.
٩٨ - إذا أعجبتك الدّهر حال من امرئ ... فدعه وواكل أمره واللياليا
وقوله «واكل» أمر من واكلت فلانا مواكلة، إذا اتكلت عليه واتكل هو عليك.
والشاهد في «واللياليا» حيث نصب لأنه مفعول معه، وهذا أرجح من يقول إنه منصوب باعتبار العطف: ومعنى أعجبتك: هنا: أوقعتك في عجب والفاعل: الحال.
وهذا البيت شاهد على أنّ «الحال» أي لفظه جاء هنا مؤنثا، لأن الفعل أنث له. وقد يأتي مذكرا. [الأشموني ج ٢/ ١٣٩، ١٦٩ والعيني] والبيت لأفنون التغلبي في حماسة البحتري.
٩٩ - لها بحقيل فالنّميرة منزل ... ترى الوحش عوذات به ومتاليا
البيت للراعي. وحقيل: ونميرة: مكانان. والعوذات: النياق الحديثة العهد بالنتاج.
والمتالي: أصلها النياق تفطم أولادها فتتلوها، والولد تلو وجمعه أتلاء، ويقال كذلك لولد الحمار، وبالهاء للأنثى.
والشاهد في البيت: في جمع «عوذ» الذي هو جمع «عائذ» ثم جمع الجمع على «عوذات» جمع مؤنث وعوذات: هنا تعرب حالا منصوبة بالكسرة. لأن ترى: بصريّة.
[شرح المفصّل ج ٥/ ٧٧ واللسان (عوذ) و «تلا» وسيبويه ج ٢/ ٢٠٠].
١٠٠ - وقد شفّني أن لا يزال يروعني ... خيالك إمّا طارقا أو مغاديا
منسوب للأخطل، وليس في ديوانه. والطارق: الذي يطرق ليلا. ومغاديا: في الصباح قال السيوطي: ويجب للحال إذا وقعت بعد (إمّا) أن تردف بأخرى، معادا معها «إمّا» أو «أو» كقوله تعالى: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان: ٣].
وقول الشاعر: (البيت). قال: وإفرادها بعد إمّا ممنوع في النثر والنظم. [الهمع ج ١/ ٢٤٥، والدرر ج ١/ ٢٠٢].
١٠١ - هببت ألوم القلب في طاعة الهوى ... فلجّ كأنّي كنت باللوم مغريا
غير منسوب.
стр. 1325
والشاهد قوله «هببت ألوم» حيث جاء هبّ من أفعال الشروع التي تحتاج إلى اسم وخبر. واسمه التاء، وخبره الفعل المضارع ألوم. [الهمع ج ١/ ١٢٨، والدرر ج ١/ ١٠٣، وشذور الذهب].
١٠٢ - فما برحت أقدامنا في مقامنا ... ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا
قاله عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ابن عمّ النبي ﷺ . ويحكي قصة يوم بدر ومبارزته الكفار، هو وعلي وحمزة. وهم المقصودون بثلاثتنا. وكان عبيدة قد قطعت رجله يوم بدر وتوفي بالصفراء في طريق العودة بعد بدر نحو المدينة. وأزيروا: مبني للمجهول من «أزار» ويريد بهم الكفار. والمنائيا: المنايا جمع منية.
والشاهد: مجيء «ثلاثتنا» بدلا من ضمير المتكلمين في «مقامنا» بدل كلّ من كلّ، حيث دلّ على الإحاطة.
وقوله: المنائيا، وحقه أن يقول: المنايا. [الأشموني ج ٣/ ١٢٩، وج ٤/ ٢٩٢].
١٠٣ - قعيدكما الله الذي أنتما له ... ألم تسمعا بالبيضتين المناديا
البيت للفرزدق، ونسبه ابن منظور مرة للفرزدق، ومرة لجرير، وقعيدكما: لفظ قسم، وهو مصدر استعمل منصوبا، بفعل مضمر، والمعنى: بصاحبك الذي هو صاحب كلّ نجوى، كما يقال: نشدتك الله. وقيل: إنه استعطاف وليس بقسم (والبيضتان) مكانان، كلاهما يسمى «البيضة».
وقوله: ألم تسمعا. جواب القسم. [اللسان - قعد، وبيض - والهمع ج ٢/ ٤٥، والدرر ج ٢/ ٥٤].
١٠٤ - بأهبة حزم لذ وإن كنت آمنا ... فما كلّ حين من توالي مواليا
مجهول. والأهبة: الاستعداد. والحزم: ضبط الأمر. ولذ: من لاذ، يلوذ وبأهبة:
متعلق ب لذ. و «ما» نافية. كلّ: منصوب على الظرفية، لإضافته إلى الظرف والظرف متعلق ب (مواليا) خبر «ما» و «من» اسم «ما» وجاز تقدم معمول الخبر، على الاسم، لأنه ظرف. [الأشموني ج ١/ ٢٤٩، والعيني وشرح التصريح ج ١/ ١٩٩].
١٠٥ - أقول لصاحبيّ وقد بدا لي ... معالم منهما وهما نجيّا
стр. 1326
قال السيوطي: تحذف نون المثنى وجمع المذكر السالم، للإضافة، ولشبه الإضافة كما في (اثني عشر) ولتقصير الصلة، صلة الألف واللام وما ثني وجمع من الأسماء الموصولة.
قال وحذفها فيما عدا ذلك ضرورة. وأنشد البيت.
والشاهد (وهما نجيّا) أي «نجيّان» تثنية «نجيّ». [الهمع ج ١/ ٥٠، واللسان (نجا)].
١٠٦ - لعمر أبي دهماء زالت عزيزة ... عليّ وإن قلّلت منها نصيبيا
مجهول.
والشاهد: تقدير النفي قبل «زال» وبقاء عملها. والتقدير: لا زالت عزيزة. [الهمع ج ١/ ١١].
١٠٧ - فيا ليت شعري هل تغيّرت الرّحى ... رحى المثل أو أمست بفلج كما هيا
لمالك بن الرّيب من قصيدته المشهورة التي مطلعها:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بجنب الغضى أزجي القلاص النّواجيا
والغضى: شجر. أزجي: أسوق. والقلاص: النوق. النواجي: السريعة جمع ناجية ورحى المثل: بضم الميم، موضع في فلج، وفلج موضع في طريق البصرة إلى مكة وفي رواية سيبويه «رحى الحزن» وأورده سيبويه في باب «أو» وقال: وكذلك سمعناه ممن ينشده من بني عمه. وقال: قال أناس أم أضحت. على أن «أم» هي المنقطعة. و «أم» إذا جاءت بعد «هل» يجوز أن يعاد معها هل، ويجوز أن لا يعاد. وفي البيت جاءت بدون تكرار «هل» لو وضعنا «أم» مكان «أو». [الخزانة ج ١١/ ٢٩٤، وسيبويه ج ١/ ٤٨٧].
١٠٨ - خليليّ ما إن أنتما الصادقا هوى ... إذا خفتما فيه عذولا وواشيا
لم يعرف قائله. قال السيوطي: وتحذف نون المثنى وجمع المذكر السالم، للإضافة ولشبه الإضافة في (اثنا عشر واثني عشر) ولتقصير الصلة: صلة الألف واللام، وما ثني أو جمع من الموصول. وأنشد البيت شاهدا على حذف النون من المثنى الذي يكون صلة (ال) وهو قوله: الصادقا. والأصل: الصادقان هوى. بتقدير: ما أنتما اللذان تصدقان
стр. 1327
هوى. [الهمع ج ١/ ٤٩، والدرر ج ١/ ٢٣].
١٠٩ - فأشهد عند الله أن قد رأيتها ... وعشرون منها إصبعا من ورائيا
زعموا أنّ هذا البيت لشاعر يدعى سحيما عبد بني الحسحاس، وأنه من القصيدة التي مطلعها:
عميرة ودع إن تجهزت غازيا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
وزعموا أن عمر بن الخطاب سمع منه القصيدة، ولم يعبه إلا في تقديم الشيب على الإسلام. وهذا كله كذب وبهتان. فكيف يسمعها عمر، وفيها هذا البيت المفحش، ولو أن الشاعر قاله في زوجته حليلته ما كان مرضيا. فهذا البيت يقول: إنها كانت تحتضنه بيديها ورجليها، فأصابع اليدين عشرة، وأصابع القدمين عشرة، والمجموع عشرون ومما يدلك على أن هذا البيت مصنوع، أنه جاء بالقافية نفسها، بصورة أخرى يقول:
توسدني كفّا وتثني بمعصم ... عليّ وتحوي رجلها من ورائيا
وهنا تكون الأصابع التي وراءه عشر فقط لأن إحدى يديها تطوقه، وكفها وسادة له، وتحوي قدما واحدة وراءه.
وقد استشهدوا بالبيت للفصل بين العدد وتمييزه (عشرون - منها - إصبعا) وذلك للضرورة. ولو كان الذي قال هذا البيت شاعرا ما اقترف هذه الضرورة القبيحة - وإنما هذه صناعة نحوي سمج.
قلت: في التعليق على أبيات سابقة له: إن الأدباء، ورواة الأدب، لا يهمهم إلا أن يقال: إن هذا الشعر منسوب لفلان، ولا يحققون في قصة الشعر، ولذلك فإنهم يسخرون من عقول القرّاء عند ما يسجلون أحداثا كاذبة في كتبهم تنافي وتخالف الواقع التاريخي.
فزعموا أنّ سحيما هذا أحرقه أهل عميرة التي يشبب بها بالنار. ومتى كان هذا؟ في عهد الخلفاء الراشدين. ألم يكن هناك خليفة يحكم بما أنزل الله؟ وهل هناك حدّ للزنى أكثر من الرجم؟ ثم إنّ سحيما لم يثبت عليه الزنى، وإنما قال شعرا يذكر أنه فعل الفاحشة بعمرة. فهلّا ساقوه إلى الخليفة - وكان في أيام عثمان كما زعموا - فإن أقرّ على نفسه رجم إن كان محصنا وجلد وغرّب إن كان أعزبا. وإن لم يقرّ، ولم يشهد عليه شهود غرّب عن موطنه الذي فيه الحبيبة، كما روي أن عمر كان يفعل. وينقل ابن حجر في الإصابة -
стр. 1328
وهذه غريبة منه - سبب قتله: أن يهوديا أسر امرأة من بني الحسحاس وجعلها في حصن له، فبلغ ذلك سحيما فأخذته الغيرة فخلص المرأة من اليهودي، وأوصلها إلى قومها.
فأرادت أن تكافئه، فكان بينهما هوى، وغزل ففطنوا له وقتلوه خشية العار.
أما القتل خشية العار، فهذا إما جاهلي، وإما أن يكون في العقود المتأخرة عن صدر الإسلام، لأن القصاص في عصر الخلفاء الراشدين، لم يكن إلا بحكم شرعي. وتقول قصته أنه قتل في عهد عثمان، وأنه خلّص امرأة من يهودي .. الخ. أين كان هذا اليهودي صاحب الحصن؟ والمعروف المشهور الثابت أنه لم يبق يهوديّ في الجزيرة العربية في عهد عمر بن الخطاب: أما المدينة التي تدور فيها أحداث قصته فقد خلت من اليهود تماما في العهد النبويّ، وبقيت قلّة في خيبر ووادي القرى، فلما تولى عمر أجلاهم، لأن رسول الله قال: لا يجتمع في جزيرة العرب دينان: فأين كان هذا اليهودي الذي يأسر الفتيات وله قوة وحصن؟.
وقد يقول قائل: ما بالك تخلط في هذا المعجم بين الشواهد النحوية والتاريخ؟ قلت:
وما أرهقت نفسي في إخراج هذا المعجم. إلا من أجل هذا، لأنني وجدت أكثر ما يرّوج من التاريخ الكاذب، عن طريق الشواهد النحوية.
وقولي هذا، لا يطعن في هذه الشواهد كلّ الطعن، ولكنني أطعن فيما حاكوه حول الشاهد من القصص.
فالبيت الشاهد، قد يكون قاله الشاعر المنسوب إليه ولكن الأدباء عند ما دونوا هذه الأشعار وصلتهم في عهد متأخر عن زمن قولها فأرادوا أن يقدموا مناسبة القول بين يدي النصّ، فضلوا وأضلوا، لأنهم لا يملكون أخبارا مسندة إلى زمن الشاعر. فلجأوا إلى أهل القصة وأخذوا منهم ما قالوه دون تحقيق.
١١٠ - ولكلّ ما نال الفتى ... قد نلته إلّا التحيّه
البيت لزهير بن جناب، وهو جاهليّ قديم، وكان قد عمّر طويلا، فقال قبل البيت الشاهد:
الموت خير للفتى ... فليهلكن وبه بقيّه
من أن يرى الشيخ الكبير ... يقاد يهدى بالعشيّه
стр. 1329
قال المرزوقي. المراد بالتحيّة هنا: تحيّة الملوك خاصة، وهو قولهم: أبيت اللعن.
[المرزوقي ص ١٠٠، والشعر والشعراء، ترجمة الشاعر ص ٢٩٤، واللسان (حيا) والخزانة ج ٥/ ٢٩٨].
١١١ - تبكيهم أسماء معولة ... وتقول سلمى وا رزيّتيه
لعبيد الله بن قيس الرقيات. قال النحاس: أراد، وا رزيّتي، فأدخل الهاء لتحرك الياء.
[سيبويه ج ١/ ٣٢١، والنحاس ٢٢٥، والعيني ٤/ ٢٧٤].
١١٢ - فإياكم وحيّة بطن واد ... هموز النّاب ليس لكم بسيّ
البيت للحطيئة من قصيدة مدح بها عديّ بن فزارة وعيينة بن حصن وحذيفة بن بدر.
وقوله: وإياكم وحيّة، إيّاكم: محذّر، وحيّة: محذّر منه منصوبان بفعلين، أي: أبعدوا أنفسكم، واحذروا الحية، وأراد بالحية نفسه يعني أنه يحمي ناحيته، ويتّقى منه، كما يتقى من الحيّة الحامية لبطن واديها وهموز: فعول من الهمز، بمعنى، الغمز والضغط.
والسيّ: المثل، أي لا تستوون معه، بل هو أشرف منكم.
وقوله: ليس لكم .. الخ هذا يدل على تذكير الحيّة. ولو كانت مؤنثة لقال:
ليست. والمشهور في رواية البيت بجرّ هموز. وقد استدل به سيبويه على جرّ الجوار، لأن هموز، نعت لحيّة المنصوبة، وجرّ لمجاورته لأحد المجرورين، وهو بطن، أو واد. [الخزانة ج ٥/ ٨٦، وشرح المفصل ج ٢/ ٨٥، واللسان (سوا)، والمرزوقي ٤١٧].
١١٣ - منعّمة تصون إليك منها ... كصونك من رداء شرعبيّ
[البيت للحطيئة في ديوانه، والخصائص ج ٢/ ٣٧٢].
١١٤ - وليس المال فاعلمه بمال ... وإن أغناك إلّا للذيّ
يريد به العلاء ويصطفيه ... لأقرب أقربيه وللقصيّ
لا يعرف قائلهما. وجملة (يريد) في أول البيت الثاني، صلة الموصول (الذي) في آخر البيت الأول. والبيتان، ذكرا على أن «كسرة الياء المشددة من الذي، كسرة بناء. [الخزانة ج ٥/ ٥٠٤، والإنصاف ص ٦٧٥، والهمع ج ١/ ٨٢].
стр. 1330
١١٥ - وبلدة ليس بها طوريّ ... ولا خلا الجنّ بها إنسيّ
هذا رجز للعجاج. تقول العرب، ما بالدار طوريّ ولا دوريّ، أي: أحد. ويروى «طوئيّ» والمعنى واحد. والرجز جاء به السيوطي شاهدا على جواز تقديم المستثنى على المستثنى منه. والتقدير: ولا بها إنسيّ خلا الجنّ. فالجنّ، مستثنى والإنسيّ، مستثنى منه. [الهمع ج ١/ ٢٢٦، ٢٣٢، وفيه أن «خلا» تنصب فتكون فعلا، وتجرّ فتكون حرفا، ولا متعلق لها. واللسان (طور، وطأى)].
١١٦ - يا مرحباه بحمار ناجيه ... إذا أتى قرّبته للسّانيه
يا مرحباه: المنادى محذوف، ومرحبا: مصدر منصوب بعامل محذوف، أي: صادف رحبا وسعة، حذف تنوينه، لنية الوقف، ثم بعد أن وصل به هاء السكت، عنّ له الوصل فوصل. وناجية: اسم رجل، وبنو ناجية قوم من العرب والباء بحمار متعلق بقوله مرحبا.
والسانية: الدلو العظيمة وأداتها، والنّاقة التي يسنى عليها، أي: يستقى عليها من البئر، وأراد بتقريب الحمار للسانية: أن يستقى عليه من البئر بالدلو العظيمة. وذكروا الرجز، على أن هاء السكت الواقعة بعد الألف، يضمها بعض العرب، ويفتحها في حالة الوصل في الشعر. [الخزانة ج ٢/ ٣٨٧، والخصائص ج ٢/ ٣٥٨، وشرح المفصل ج ٩/ ٤٦، والهمع ج ٢/ ١٥٧].
١١٧ - لا هيثم الليلة للمطيّ ....
رجز في كتب اللغة والنحو، ينسب لرجل لم يسمّ. وهيثم: اسم رجل كان حسن الحداء للإبل، أو جيد الرّعية. والمطيّ: الركائب.
ولا: نافية للجنس. وهي لا تدخل إلا على نكرات فكيف دخلت على العلم؟
وقد تأولوه بأحد تأويلين: الأول: على حذف مضاف، وهو «مثل» باعتبار أن الإضافة إلى العلم لم تعرّف المضاف
والتقدير: لا مثل هيثم.
والتأويل الثاني: بتأويل العلم باسم جنس، والمعنى: لا حادي للمطي. ومثله: لا حاتم اليوم، باعتبار حاتم مثلا للكرم لا يراد العلم. وقد نقول لا صلاح الدين للقدس.
وهذا الجزء من الرجز أحد أبيات تمثل بها الحجاج يوم دخل الكوفة، ومنها:
стр. 1331
قد حشّها الليل بعصلبيّ ... مهاجر ليس بأعرابيّ
أروع خرّاج من الدويّ ... عمرّس كالمرس الملويّ
وحشها: حثها، والعصلبيّ: الشديد. ومهاجر: يريد خبيرا بالحياة. والأروع: الحديد الفؤاد. والدويّ: الصحراء. والعمرّس: الشديد. والمرس: الحبل. [الخزانة ج ٤/ ٥٧، وشرح المفصل ج ٢/ ١٠٢، وسيبويه ج ١/ ٣٥٤].
١١٨ - وهي تنزّي دلوها تنزّيا ... كما تنزّي شهلة صبيّا
رجز غير منسوب. وتنزّي: تحرك. والشهلة: العجوز. يصف ناقة، وشبه يديها إذا أخذت الدلو بهما لتخرجه من البئر بيدي امرأة عجوز ترقص صبيّا، وخصّ الشهلة، لأنها أضعف من الشابة.
والشاهد: تنزيّا: مصدر الفعل: نزّى، والقياس فيه «تنزية» على وزن تفعلة فحذف الهاء، حمله على ما هو بمعناه، أي: تحرك دلوها تحريكا. [التصريح/ ٢/ ٧٦، والأشموني/ ٢/ ٣٠٧، وابن عقيل/ ٢/ ٢٠٩، واللسان «نزا»].
١١٩ - بنيته بعصبة من ماليا ... أخشى ركيبا أو رجيلا عاديا
الرجز لشاعر يثربي قديم، هو أحيحة بن الجلاح، يذكر الحصن الذي بناه في الموقع المسمى «العصبة» والشاهد كونه جعل الركب، ضد الرجل، وضد الرجل يدخل فيه راكب الفرس وراكب الحمار وغيرهما، وفيه ردّ على من قال: إن الركب، أصحاب الإبل، وأن الراكب يقال لراكب البعير خاصة. [الخزانة/ ٦/ ٢٥٣، وشرح المفصّل/ ٥/ ٧٧، واللسان «رجل»].
١٢٠ - ذكّرتني الطّعن وكنت ناسيا
لرهيم بن حزن الهلالي، في شرح شواهد الشافية/ ١٠٩.
١٢١ - حيدة خالي ولقيط وعلي ... وحاتم الطائيّ وهّاب المئي
لامرأة من بني عقيل. وحيدة، ولقيط، وعلي: أعلام أشخاص. وفي البيت حذف التنوين من «حاتم» للضرورة. وفيه حذف النون من «المئين» لضرورة الشعر.
[الخزانة/ ٧/ ٣٧٥، والإنصاف/ ٦٦٣].
стр. 1332
انتهى كتاب «شرح الشواهد الشعرية في أمّهات الكتب النحوية» الذي صنفته في حيّ النصر بالمدينة النبوية في السنوات الأخيرة من الجوار الطيب الذي انتهى جسما، ودام روحا سنة ١٤١٤ هـ.
وفرغت من قراءة تجربة التنضيد في داريا الشام جوار أبي مسلم الخولاني، ليلة الاثنين الحادي والعشرين من ربيع المولد النبويّ ١٤١٧ هـ الموافق الخامس من آب سنة ١٩٩٦ م.
والحمد لله على نعمائه.
محمد محمد حسن شرّاب