← Адаб

Адаб · id 17712

شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية

محمد حسن شراب

Полный текст (1 332 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

والشاهد في البيت الثاني، ويروي النحويون مطلعه (بأيدي رجال). ولكن ما أثبتّه يتناسب ونسق الأبيات المرويّة. والبيت الثاني من المشكل في معناه، قالوا: شام: من الأضداد: شام سيفه: إذا سلّه وشام سيفه، إذا أغمده. ولذلك أعطوه تفسيرين: الأول: لم يغمدوا سيوفهم إلا بعد أن كثرت بها القتلى، كما تقول: لم أضربك ولم تجن عليّ، أي: إلا بعد أن جنيت عليّ. والمعنى الثاني: لم يسلّوا سيوفهم إلا وقد كثرت القتلى كما تقول: لم ألقك ولم أحسن إليك، أي: إلا وقد أحسنت إليك. والقولان صحيحان .. والشاهد في البيت الثاني: أنّ الواو دخلت على الجملة الفعلية الحالية، وهي هنا جملة (ولم تكثر القتلى) فهي حال من الواو في (يشيموا). والأصل أنّ الواو الحالية تدخل على الجملة الاسمية، وتكون مع (قد) مع جملة الحال الفعلية ولذلك يقدرون: (وقد لم) .. قالوا: ووجب أن تكون الواو هنا للحال، لأن تقدير العطف يفسد المعنى، وينقلب المدح ذما. والله أعلم. [الإنصاف/ ٦٦٧، وشرح المفصل/ ٢/ ٦٧، وشرح أبيات المغني/ ٦/ ١٠٨]. ٢٣ - وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلّت هذا البيت من قصيدة فريدة النسج والمحتوى، للشاعر كثيّر عزّة، وقد مضى منها شاهدان، وهذا الثالث؛ وهي التي يقول في بعض أبياتها: خليليّ هذا ربع عزّة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلّت ومسّا ترابا كان قد مسّ جلدها ... وبيتا وظلّا حيث باتت وظلّت ولا تيأسا أن يمحو الله عنكما ... ذنوبا إذا صليتما حيث صلّت وما كنت أدري قبل عزّة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولّت ... كأنّي أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصّمّ لو تمشي بها العصم زلّت أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها ... وحلّت تلاعا لم تكن قبل حلّت فليت قلوصي عند عزّة قيّدت ... بقيد ضعيف فرّ منها فضلّت وغودر في الحيّ المقيمين رحلها ... وكان لها باغ سواي فبلّت وكنت كذي رجلين ...

стр. 212

أريد الثواء عندها وأظنّها ... إذا ما طلبنا عندها المكث ملّت فما أنصفت أما النساء فبغّضت ... إلينا وأما بالنوال فضنّت يكلفها الغيران شتمي وما بها ... هواني ولكن للمليك استذلت هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلت وإني وتهيامي بعزّة بعد ما ... تخلّيت مما بيننا وتخلّت لكالمرتجي ظلّ الغمامة كلما ... تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت كأني وإياها سحابة ممحل ... رجاها فلما جاوزته استهلّت أما معنى الشاهد ففيه قولان: قيل: أراد أنها عاهدته وواثقته أن لا تحول عنه فثبت هو على عهده ولم تثبت هي. وقيل: إنما تمنى أن تضيع قلوصه فيجد سبيلا إلى بقائه عندها، فيكون من بقائه عندها كذي رجل صحيحة ومن ذهاب قلوصه الحاملة له وانقطاعه عن سفره كذي رجل شلّاء. وقوله: رمى فيها الزمان: المفعول محذوف، تقديره «الداء». وشلّت: مبني للمعلوم. والفاء عطفت جملة على جملة «رمى». والشاهد في البيت: قوله «رجل» في الموضعين، بالجرّ بدل من «رجلين» ويسمى بدل مفصّل من مجمل. ويجوز فيهما الرفع، بتقديرهما خبرين لمبتدأين محذوفين أو مبتدأين لخبرين محذوفين تقديرهما: «منهما رجل صحيحة، ومنهما رجل ...». [سيبويه/ ١/ ٢١٥، وشرح المفصل/ ٣/ ٦٨، وشرح أبيات المغني/ ٧/ ٣٨، والخزانة/ ٥/ ٢١١]. ٢٤ - وأيّ فتى هيجاء أنت وجارها ... إذا ما رجال بالرجال استقلّت البيت مجهول، وأنشده سيبويه في كتابه. قوله: فتى هيجاء. الهيجاء: الحرب. وفتاها: القائم بها، وجارها: المجير منها، الكافي لها، ومعنى استقلت: نهضت. والشاهد فيه: عطف «جارها» بالجرّ على «فتى هيجاء». والتقدير أيّ فتى هيجاء، وأيّ جارها أنت. فجارها نكرة، لأنّ «أيّ» إذا أضيفت إلى واحد، لم يكن إلا نكرة، لأنّه في معنى الجنس «فجارها» وإن كان مضافا إلى ضمير «هيجاء». فهو نكرة في المعنى، لأن ضمير «الهيجاء» في الفائدة مثلها، فكأنه قال: أي فتى هيجاء، وأيّ جار هيجاء أنت ... ولا يجوز رفع (وجارها) لأنه إذا رفع فهو على أحد وجهين: إما أن يكون عطفا على

стр. 213

«أيّ». أو عطفا على «أنت». فإن كان عطفا على «أيّ». وجب أن يكون بإعادة حرف الاستفهام، وخرج عن معنى المدح فيصير: أي فتى هيجاء، وأيّ جارها أنت. وإن كان عطفا على «أنت» صار التقدير: أيّ فتى هيجاء أنت، والذي هو جار الهيجاء، وكأنه قال: أنت ورجل آخر جار هيجاء، ولم يقصد الشاعر إلى هذا والله أعلم. [سيبويه/ ١/ ٢٤٤]. ٢٥ - علام تقول: الرمح يثقل عاتقي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرّت هذا البيت للشاعر الفارس، عمرو بن معد يكرب، وقبله: ولما رأيت الخيل زورا كأنها ... جداول زرع أرسلت فاسبطرّت فجاشت إليّ النفس أول مرة ... فردّت على مكروهها فاستقرت علام ... والأبيات في الحماسة الطائية، يصف الشاعر نفسه في الحرب. وقوله: زورا: جمع أزور، وهو المعوجّ الزّور، أي: الصدر. يقول: رأيت الفرسان منحرفين للطعن، وقد خلّوا أعنة دوابّهم وأرسلوها علينا كأنها أنهار زرع أرسلت مياهها، فاسبطرت أي: امتدت. والتشبيه وقع على جري الماء في الأنهار، لا على الأنهار فكأنه شبه امتداد الخيل في انحرافها عند الطعن، بامتداد الماء في الأنهار، وهو يطرد ملتويا ومضطربا. وهذا تشبيه بديع. وقوله: فجاشت: أي: ارتفعت من فزع، وهذا ليس لكونه جبانا، بل هذا بيان حال النفس، ونفس الجبان والشجاع سواء فيما يدهمها عند الوثبة الأولى، ثم يختلفان، فالجبان يهرب، والشجاع يدفع نفسه فيثبت، وقوله: فجاشت: الفاء زائدة. وجاشت: جواب «لمّا»، أو: الفاء عاطفة، والجواب في بيت سابق هذا البيت، حذفه أبو تمام من مختاره، وهو قوله: هتفت فجاءت من زبيد عصابة ... إذا طردت فاءت قريبا فكرّت وقوله: علام: على حرف جرّ، و «ما» استفهامية، ولهذا حذفت ألفها، وهي متعلقة ب «تقول»، والعاتق: ما بين المنكب والعنق. وهو موضع الرداء. وأما جواب (إذا) الأولى فهو يثقل. والثانية: أطعن. وقيل: جواب الأول محذوف، وإذا الأولى وما ناب عن جوابها في موضع جواب الثانية كأنه قال: إذا الخيل كرت وجب إلقائي الرمح مع تركي الطعن به. وفي البيت شاهدان: الأول: أن «على» فيه للتعليل. وهو مذهب ابن مالك والكوفيين.

стр. 214

والثاني: استعمال: قال، بمعنى ظنّ، ونصب «الرمح» ويجوز رفع (الرمح) على الابتداء. [الهمع/ ١/ ١٥٧، والأشموني/ ٢/ ٣٦، ٢٢٢، وشرح المغني/ ٣/ ٢٣٦]. ٢٦ - بعد اللّتيّا واللّتيّا والّتي ... إذا علتها أنفس تردّت البيت من رجز العجّاج، وقوله: اللّتيا: تصغير «التي» ويصغرون «التي» على هذا اللفظ للدلالة على معنى شناعة الشيء وعظمه، وقد وصف العجاج دواهي شنيعة. والعجاج: اسمه عبد الله، ولقب بالعجّاج ببيت قاله وهو: «حتى يعجّ عندها من عجعجا» وهو راجز مجيد، عده الجمحي من الشعراء الإسلاميين، قيل: ولد في الجاهلية ومات أيام الوليد بن عبد الملك، وهو أول من رفع الرجز، وشبهه بالقصيد وجعل له أوائل، قال ابن رشيق: تسمى الأرجوزة قصيدة، طالت أبياتها أم قصرت، ولا تسمى القصيدة أرجوزة، إلا أن تكون من أنواع الرجز ولو كانت مصرّعة الشطور، فالقصيدة تطلق على كل الرجز، لا العكس. وقوله في البيت «تردّت» من الردى، وهو الهلاك، فعله «ردي يردى». وإن شئت جعلته من التردّي الذي هو السقوط من علوّ، ومنه «المتردية» الشاة التي تسقط من جبل أو في بئر فتموت. وقوله: علتها؛ من العلوّ والضمير لأسماء الموصولات التي هي بمعنى الدواهي، وإذا: شرطية، علتها: شرطها. وتردّت: جزاؤها، والجملة الشرطية صلة «التي». والشاهد في هذا البيت: حذف صلة الموصولين الأولين، لأن صلة الموصول الثالث دلّت على ما أراد. [شرح المفصل/ ٥/ ١٤٠، وشرح المغني/ ٧/ ٣١٠، واللسان (لتى) والمقتضب/ ٢/ ٢٨٩]. ٢٧ - علّ صروف الدهر أو دولاتها ... تدلننا اللّمّة من لمّاتها فتستريح النفس من زفراتها الرجز مجهول القائل: وصروف الدهر: حوادثه. والدولة: بالفتح والضم: الانتقال من حال البؤس إلى حال السرور. وتدلننا: من الإدالة، وهو النصر، يتعدى إلى مفعولين أحدهما ب (على) ف (اللمة) في البيت منصوبة على نزع الخافض وهو «على» والتقدير: تدلننا على اللمة. وزفرات: جمع زفرة، بسكون الفاء، وهي تردد النفس في الجوف،

стр. 215

وسكنت الفاء للضرورة. وفي الرجز شاهد على أنه يجوز نصب جواب «لعل» بعد الفاء عند الكوفيين، و «علّ» بمعنى «لعلّ» .. وشاهد آخر في «علّ» روي بنصب «صروف» على أن «علّ» من أخوات إنّ، وروي بالجرّ على أنها حرف جرّ. [الإنصاف/ ٢٢٠، والأشموني/ ٣/ ٣١٢، واللسان «لمم» وشرح المفصل/ ٥/ ٢٩، والأشموني/ ٣/ ٣١٢، وشرح أبيات المغني/ ٣/ ٣٨٤]. ٢٨ - شهدت بأن قد خطّ ما هو كائن ... وأنّك تمحو ما تشاء وتثبت لا أعرف قائل البيت، وذكروه شاهدا على الفصل بين (أن) المخففة والفعل ب (قد) واسمها في مذهب الجمهور ضمير محذوف. وفي مذهب سيبويه والكوفيين تعدّ ملغاة. [الأشموني/ ٢/ ٢٩٢]. ٢٩ - أفي الولائم أولادا لواحدة ... وفي العيادة أولادا لعلّات البيت غير منسوب، وأولاد العلات: أولاد الرجل من نسوة شتّى. والشاهد: كونه نصب «أولادا» بإضمار فعل كأنه قال: أتثبتون مؤتلفين في الولائم؟ ونصب أولادا الثانية، بإضمار فعل، كأنه قال: أتمضون متفرقين في وقت الشدّة؟ وهو يهجوهم بالشراهة وخسة النفس. [سيبويه/ ١/ ١٧٢، واللسان «علل»]. ٣٠ - رحم الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطّلحات البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات يرثي طلحة بن عبد الله الخزاعي. والشاهد فيه «طلحة» يروى بالجر على حذف مضاف، وبقاء المضاف إليه على حاله، ويروى بالنصب بالرد على الأعظم والحمل على إعرابها. وفيه شاهد على أن طلحة يجمع على طلحات، ويرى الكوفيون أنه يقال «طلحون». [الإنصاف/ ٤١، وشرح المفصل/ ١/ ٤٧، والهمع/ ٢/ ١٢٧، والخزانة/ ٨/ ١٠]. ٣١ - إذا روّح الراعي اللقاح معزّبا ... وأمست على آنافها عبراتها البيت للأعشى، يصف شدة الزمان وكلب الشتاء. واللقاح: جمع لقحة، بالكسر وهي من الإبل ذات اللبن. معزّبا: مبعدا بإبله في المرعى لعدم الكلأ، وتطلبه. والعبرات:

стр. 216

الدموع، أي: انحدرت دموعها على أنوفها لشدة البرد. والشاهد: جمع أنف على آناف، شذوذا. والمشهور «أنوف». [سيبويه/ ٢/ ١٧٦، وشرح المفصل/ ٥/ ١٧]. ٣٢ - فلست أبالي بعد موت مطرّف ... حتوف المنايا أكثرت أو أقلّت البيت من شواهد سيبويه المجهولة. والحتوف: جمع حتف: المنية. وأضاف الحتوف إلى المنايا، توكيدا، وسوّغ ذلك اختلاف اللفظين: يقول: لا أبالي بعد فقد مطرف كثرة من أفقد أو قلّته، لعظم رزيته، وصغر كلّ رزء عنده. والشاهد فيه: جواز الإتيان ب (أو) مجردا عن الهمزة، بعد «سواء» و «لا أبالي» بتقدير حرف الشرط، والتقدير: إن أكثرت أو أقلت فلست أبالي. [سيبويه/ ١/ ٤٩٠، والخزانة/ ١١/ ١٦٩]. ٣٣ - أتيت مهاجرين فعلموني ... ثلاثة أحرف متتابعات وخطّوا لي أبا جاد وقالوا ... تعلّم صعفصا وقريشيات البيتان استشهد بهما سيبويه على جري (أبي جاد) بوجوه الإعراب وعلى لفظ لا يجوز أن يكون إلا عربيا، تقول: هذا أبو جاد ورأيت أبا جاد ومررت بأبي جاد. وفرّق بين أبي جاد، وهوّاز وحطّي، فجعل الأوليين عربيين والبواقي عجميات، لأن الأوليين مفهومتان عربيا، ولهما اشتقاق عربي أما غيرهما فلا يعرف معناها .. وهي معارف لا تدخلها الألف واللام. ٣٤ - لحا الله جرما كلّما ذرّ شارق ... وجوه كلاب هارشت فازبأرّت هذا البيت للشاعر الفارس عمرو بن معد يكرب الزبيدي، قوله: لحا الله: أصل اللحو، نزع قشر العود، يدعو عليهم بالهلاك، وهارشت: الهراش: تحريش بعضها على بعض. وازبأرت: أي: انتفشت حتى ظهر أصول شعرها، وتجمعت للوثب، وهذه الحالة أشنع حالات الكلاب، وهذا تحقير للمشبّه وتصوير لقباحة منظره، شبه وجوههم بوجوه الكلاب في هذه الحالة. والبيت شاهد على أن قوله «وجوه كلاب» منصوب على الذمّ. [الحماسة/ ١٦٠، والأصمعيات ١٢٢، والخزانة/ ٢/ ٤٣٦].

стр. 217

٣٥ - قل لابن قيس أخي الرّقيّات ... ما أحسن العرف في المصيبات البيت في ديوان أبي دهبل الجمحي. والعرف: بكسر العين: الصّبر. والبيت شاهد على أن هذا البيت يدل على أنّ «الرقيات» في قولهم قيس الرقيات بالإضافة، ليس من باب إضافة الاسم إلى اللقب، بل هو من باب الإضافة لأدنى ملابسة، لنكاحه لنسوة اسم كل منها «رقيّة»، وقيل: هنّ جداته، وقيل: شبب بثلاث كذلك. ولو كان الرقيات لقبا لقيل: قل لابن قيس الرقيات. والله أعلم. [اللسان، عرف، والخزانة/ ٧/ ٢٧٨]. ٣٦ - فمن يك سائلا عني فإنّي ... بمكّة مولدي وبها ربيت وقد ربيت بها الآباء قبلي ... فما شنئت أبيّ وما شنيت القائل، قصيّ بن كلاب، والشاهد: «أبيّ» فإنها جمع «أب» على «أبين» فلما أضافه إلى الياء أسقط النون للإضافة. ٣٧ - يا لقوم لزفرة الزّفرات ... ولعين كثيرة العبرات الشاهد: لزفرة: بكسر اللام وهي لام الاستغاثة، تكسر لام المستغاث له، وتفتح لام المستغاث به. ٣٨ - زعمت تماضر أنّني إمّا أمت ... يسدد أبينوها الأصاغر خلّتي البيت للشاعر سلميّ بن ربيعة بن زبّان (من أهل الجاهلية) وقد أورد أبو تمام في حماسته قصيدة البيت، ومطلعها: حلّت تماضر غربة فاحتلّت ... فلجا وأهلك باللّوى فالحلّة وتماضر: زوجه. وكانت غاضبة عليه، فارتحلت إلى أهلها وهو يقول: إنّ تماضر تظنّ أن أولادها الصغار يسدّون مكانة الشاعر، وهو يريد القول: لا يسدّ مكانه أحد. والبيت شاهد على تصغير الجمع «بنون» لقوله «أبينوها» ووصفوا هذا التصغير بأنه شاذّ. وليس كما قالوا، لأنّ الشاعر قال ما قال، وهو يعلم أنّ الذين يسمعونه من بني

стр. 218

قومه، يستخدمون هذا الأسلوب ويفهمونه، وإلا، فكيف يخاطبهم بلغة لا يفهمونها، وهو حريص على أن يوصل لهم المعنى الذي يريده؟ أنظر تفصيل المسألة في [الخزانة/ ٨/ ٣٠، وشرح المفصل/ ٩/ ٥، ٤١، والهمع/ ٢/ ٦٣، والحماسة/ ٥٤٧]. ٣٩ - ألا يا بيت بالعلياء بيت ... ولولا حبّ أهلك ما أتيت البيت مطلع قصيدة للشاعر عمرو بن قعاس المرادي. وهو من شواهد سيبويه. قال الأعلم: الشاهد فيه رفع البيت، لأنه قصده بعينه ولم يصفه بالمجرور بعد فينصبه، لأنه أراد: لي بالعلياء بيت، ولكني أوثرك عليه لمحبتي في أهلك. وقال النحاس في شرح أبيات سيبويه، المعنى: بالعلياء بيت، ولولا حبّ أهلك ما أتيت ألا يا بيت، ولولا هذا المعنى لنصب، كما تقول: ألا يا رجلا بالمدينة. ٤٠ - ليت شعري وأشعرنّ إذا ما ... قرّبوها منشورة ودعيت البيت منسوب للسموأل: وفيه توكيد «أشعرنّ» شذوذا بدون مسوّغ. [الهمع/ ٢/ ٧٩، والأشموني/ ٣/ ٢٢١]. ٤١ - يا أيها الراكب المزجي مطيّته ... سائل بني أسد ما هذه الصوت البيت لرويشد بن كثير الطائي في الحماسة برقم ١٦٦ بشرح المرزوقي. قال ابن جني: إنما أنث الصوت لأنه أراد الاستغاثة، وهذا من قبيح الضرورة. أعني تأنيث المذكر، لأن التذكير هو الأصل. [الخزانة/ ٤/ ٢٢١]. ٤٢ - ألا يا ليتني والمرء ميت ... وما يغني عن الحدثان ليت البيت لعمرو بن قعاس المرادي. قال البغدادي: جعل المخفف (ميت) الحيّ الذي لم يمت، ألا ترى أن معناه، والمرء سيموت. فجرى مجرى قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠] وقوله «ليت» أراد اللفظ، فتعرب فاعلا. [الخزانة/ ٦/ ٥٣٠]. ٤٣ - في فتوّ أنا كالئهم ... في بلايا عورة باتوا

стр. 219

البيت لجذيمة الأبرش، وقد مضى قبله: ربّما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات وقوله: في فتوّ: جمع فتى، وهو السخيّ الكريم، والشاب أيضا، جمع على فعول و «في» بمعنى مع. متعلقة بأوفيت بالبيت الذي سبقه، وكالئهم: حارسهم. والبلايا: جمع بلية، و «في بلايا» متعلقان بباتوا. والعورة: موضع خلل يتخوف منه في ثغر أو حرب. و «بات» له معنيان، أشهرهما اختصاص الفعل بالليل، كما اختص الفعل في «ظلّ» بالنهار، فإذا قلت: بات يفعل كذا فمعناه فعله بالليل، ولا يكون إلا مع سهر. والثاني: بمعنى صار. يقال: بات بموضع كذا، أي: صار. سواء أكان في ليل أم في نهار. هذا والبيت له روايات أخرى، وقوافي مختلفة. فشعر ينسب إلى جذيمة الأبرش، لا بدّ أن يكون فيه هذا الخلاف. فمن يجزم بأنه قال هذا الشعر؟ ونحن لا نعرف له ولادة أو وفاة، ولا نعرف من الذي سمعه فنقله إلى الرواة، فأكثر ما ورد في كتب الأدب من قصص جذيمة يمتزج بالخيال والأسطورة، وبخاصة قصته مع الزبّاء. ٤٤ - أبلغ أمير المؤمنين ... - أخا العراق - إذا أتيتا أنّ العراق وأهله ... سلم إليك فهيت هيتا لم ينسبوا البيتين، وأمير المؤمنين هنا: قال ابن يعيش: يريد علي بن أبي طالب. وقوله: «أخا العراق» منادى، حذف منه حرف النداء. وقوله «سلم» بالتحريك: هو الانقياد والطاعة. وأراد: أنهم مطيعون منقادون لأوامره. والمعنى: إذا جئت أمير المؤمنين، يا أخا العراق، فقل له: إن العراق وأهله قد انقادوا لأمرك وخضعوا لرأيك فأسرع إليهم. والشاهد: هيت هيت. حيث أراد «أسرع أسرع» وهيت: اسم فعل أمر بمعنى أسرع. لازم لا يتعدى إلى مفعول، وفي غير هذا المكان فيه ثلاث لغات «هيت» بالفتح وهيت، بالضم. وهيت، بالكسر. و «لك» من قولك «هيت لك» تبيين للمخاطب جيء به بعد استغناء الكلام عنه، كما كان كذلك في «سقيا لك» فقد جيء ب (لك) تأكيدا فهي في هيت لك كذلك. [شرح المفصل ج ٤/ ٣٢، وسيبويه ج ١/ ٣٣٧، واللسان «هيت»]. ٤٥ - قلت إني كأنت ثمّة لمّا ... شبّت الحرب خضتها وكععتا البيت في الهمع ٢/ ٣١، والشاهد، دخول الكاف على ضمير الرفع. وكععت: جبنت.

стр. 220

٤٦ - وذلك حين لات أوان حلم ... ولكن قبلها اجتنبوا أذاتي مجهول القائل. وهو شاهد على إضافة «حين» إلى «لات» لفظا. [الخزانة ج ٤/ ١٧٨]. ٤٧ - من كان أسرع في تفرّق فالج ... فلبونه جربت معا وأغدّت إلا كناشرة الذي ضيعتم ... كالغصن في غلوائه المتنبّت البيتان في كتاب سيبويه لعنز بن دجاجة. وفي الخزانة ج ٦/ ٣٦٢، للشاعر كابية بن حرقوص بن مازن، والله أعلم. والبيتان يتصلان بقصة حرب جاهلية كان أحد طرفيها عمرو بن معد يكرب، والطرف الثاني بنو مازن. وكان بنو مازن قتلوا أخا عمرو، فأكب عليهم قتلا، وتفرقت بطونهم، مازن وفالج، وناشرة، فقال القائل في ذلك. وقوله: وأغدّت: أصابتها الغدّة، وهي من أدواء الإبل. وقوله: المتنبّت: المتأصل. وقوله: «إلا كناشرة» قال النحاس في (شرح أبيات سيبويه): هذا حجة أنه جعل «إلا» في معنى الواو كأنه قال: وكناشرة، وفي «اللسان - نبت»: وقوله: إلا كناشرة أراد إلا ناشرة فزاد الكاف. ورواية الخزانة ج ٦/ ٣٦٢، هلّا كناشرة، وهو المعنى المناسب، فكأنه قال: هلّا أعطيتموني مثالا لناشرة، يريد: لا يوجد مثلها. وقوله: (كناشرة الذي .. ، وصف ناشرة بالذي، كأنه يريد اسم الجدّ، ولو أراد القبيلة لقال: كناشرة التي. [سيبويه ج ١/ ٣٦٨، واللسان (نبت)]. ٤٨ - ولقد رأبت ثأى العشيرة بينها ... وكفيت جانيها اللّتيّا والّتي البيت للشاعر سلميّ بن ربيعة. من أبيات في حماسة أبي تمام. وفي «الأصمعيات» لعلباء ابن أرقم، وفي الحيوان: لعمرو بن قميئة. وقوله: رأبت: أي: أصلحت، والثأى: الفساد، وقوله: جانيها، من جنى يجني: إن فتحت الياء كان واحدا وإن أدى معنى الجمع، وإن سكّنت الياء جاز أن يكون جمعا سالما وأن يكون واحدا قد حذفت فتحته. وفي رواية (جانبها) بالباء. وقوله «اللتيا» تصغير التي فجعلهما اسمين للكبيرة من الدواهي والصغيرة، ولهذا استغنيا عن الصلة، وانتقلا عن كونهما وصليّتين، ويذهب بعضهم إلى أن صلتيهما محذوفتان لدلالة الحال عليهما. يقول لقد سعيت في إصلاح ذات البين من العشيرة ولمّ شعثها، وكفيت من جنى منها الجناية الصغيرة والكبيرة بالمال والنفس والجاه والعزّ. [الحماسة/ ٥٥١].

стр. 221

٤٩ - وكأنّ في العينين حبّ قرنفل ... أو سنبلا كحلت به فانهلّت البيت للشاعر سلميّ بن ربيعة من قصيدة البيت السابق. وكان الشاعر قد فارقته امرأته عاتبة عليه في استهلاكه المال وتعريضه النفس للمعاطب، فلحقت بقومها، وأخذ هو يتلهف عليها ويتحسر في أثرها ... والقرنفل والسنبل، من أنواع الطيب، ولكنه قال: كحلت به ... ولا أدري كيف تكحل العينان بهما. فهو يقول: ألفت البكاء لتباعد زوجتي، فساعدت العينان وجادتا بإسالة دمعهما، فكأن في العينين أحد هذين المهيجين الحاليين للعيون. وقوله «كحلت» إخبار عن إحدى العينين. قال المرزوقي: وساغ ذلك لما في العلم من أنّ حالتيهما لا تفترقان. وقال البغدادي: كان الظاهر أن يقول: كحلتا، فأفرد لأنهما لا يفترقان. [الخزانة/ ٥/ ١٩٧، والحماسة/ ٥٤٧]. ٥٠ - كأنّ بها البدر ابن عشر وأربع ... إذا هبوات الصّيف عنها تجلّت غير منسوب وهو في الهمع ٢/ ١٥٠، وفيه تقديم العشر على أربع في العدد «أربع عشرة». ٥١ - إنّ العداوة تستحيل مودّة ... بتدارك الهفوات بالحسنات الشاهد غير منسوب في الهمع ١/ ١١٢، وفيه «تستحيل» فعل ناقص، من «استحال». ٥٢ - فرم بيديك هل تسطيع نقلا ... جبالا من تهامة راسيات البيت غير منسوب، وهو في الهمع ٢/ ٩٢، وفيه أن المصدر «نقل» يقدر بأن والفعل المستقبل. (هل تستطيع أن تنقل). ٥٣ - وإذا العذارى بالدّخان تقنّعت ... واستعجلت نصب القدور فملّت دارت بأرزاق العفاة مغالق ... بيديّ من قمع العشار الجلّة البيت للشاعر سلميّ بن ربيعة، وذكرت تاليه لأن جواب الشرط فيه. وهو من قطعة في حماسة أبي تمام، مضت بعض أبياتها. يقول الشاعر في الشاهد: وإذا أبكار النساء صبرت على دخان النار حتى صار كالقناع لوجهها، لتأثير البرد فيها ولم تصبر على إدراك القدور بعد تهيئتها ونصبها، فشوت في الملّة قدر ما تعلل به نفسها من اللحم، لتمكن الحاجة والضّرّ منها، ولإجداب الزمان واشتداد السّنة على أهلها، أحسنت. وجواب إذا في البيت

стр. 222

بعده. وخصّ العذارى بالذكر لفرط حيائهن وشدة انقباضهن ولتصونهنّ عن كثير مما يتبذل فيه غيرهنّ. وجعل «نصب القدور» مفعول (استعجلت) على المجاز والسعة، ويجوز أن يكون المراد استعجلت غيرها بنصب القدور، فحذف. ويريد في البيت الثاني أنه يطعم الناس من شحم العشار وأنه يذبح صحاح الإبل وخيارها. [الحماسة/ ٥٥٠، وشرح المفصل/ ٥/ ١٠٤، والهمع/ ١/ ٦٠]. ٥٤ - ألا ليت شعري ما يقولن فوارس ... إذا حارب الهام المصيّح هامتي البيت بلا نسبة في الهمع ٢/ ٧٨، وفيه توكيد المضارع «يقولن» بنون التوكيد الخفيفة بعد «ما» الاستفهامية، ورواه أبو زيد في النوادر: «ألا ليت شعري ما يقول مخارق» وعليه فلا شاهد فيه. والهام: طائر يخرج من قبر المقتول إذا لم يؤخذ بثأره ويقول: اسقوني اسقوني (زعموا). ٥٥ - لو صنت طرفك لم ترع بصفاتها ... لمّا بدت مجلوّة وجناتها البيت بلا نسبة في الهمع ٢/ ١٠١، وفيه رفع «وجناتها» ب «مجلوّة» قال السيوطي: وأجري، كعمل الصفة المشبهة، في رفع السببي ونصبه وجرّه، اسم مفعول المتعدي لواحد، وأنشد البيت. وانظر [التصريح ٢/ ٧٢].

стр. 223

قافية الثاء ١ - فعادى بين هاديتين منها ... وأولى أن يزيد على الثلاث البيت مجهول القائل، ولكنه مروي على ألسنة رواة اللغة، أمثال الأصمعي، وثعلب. وهما لا ينقلان إلا عن الأعراب، وقوله: عادى: من العداء، بكسر العين، وهو الموالاة بين الصيدين بصرع أحدهما على أثر الآخر في طلق واحد، ومنه قول امرئ القيس: فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكا ولم ينضح بماء فيغسل والهادية: أول الوحش. وأولى أن يزيد: قارب أن يزيد. وأولى: من مرادفات «كاد» ولا تستعمل إلا مع «أن» والظاهر أنه فعل تام متعد و «أن يزيد» مفعوله. وذلك للزوم «أن» معه أما أفعال المقاربة الناقصة فلا تلزمها أن. وأما أولى المستعمل مع اللام في قولهم «أولى لك، وأولى له» فهو اسم للوعيد غير منصرف، لأنه على وزن أفعل، وهو من الولي، وهو القرب. [الخزانة/ ٩/ ٣٤٥، والهمع/ ١/ ١٢٨، واللسان «ولي»]. ٢ - كم عمّة لك يا خليد وخالة ... خضر نواجذها من الكرّاث البيت منسوب لجرير من قصيدة هجا بها خليد عينين العبدي. قال المبرد: وإنما هجاه بالكراث لأن قبيلة عبد القبس يسكنون البحرين (نواحي القطيف في شرق السعودية) والكراث من أطعمتهم. [الخزانة/ ٦/ ٤٩٣]. ٣ - لروضة من رياض الحزن أو طرف ... من القريّة حزن غير محروث أشهى وأحلى لعيني إن مررت به ... من كرخ بغداد ذي الرّمان والتوث

стр. 224

البيتان لمحبوب النهشلي، والبيت الثاني شاهد على ان التوث، بالثاء المثلثة في آخره، لغة في التّوت، بالتاء المثناة. [الخزانة/ ١١/ ٢٥٨]. ٤ - فأنت طلاق والطلاق أليّة ... بها المرء ينجو من شباك الطوامث هذه رواية أخرى لبيت سيأتي في حرف الميم بقافية (أعقّ وأظلم) [الخزانة/ ٣/ ٤٦٠]. ٥ - متى ما تنكروها تعرفوها ... متى أقطارها علق نفيث البيت لصخر الغيّ الهذلي. وهو شاهد على أن «متى» بمعنى «من» أراد: من أقطارها. وقيل: بمعنى «وسط» وروي قول أحدهم «جعلته في متى كمّي». وقيل معناها «في». [الخزانة/ ٧/ ٩٨]. ٦ - الحمد لله الذي ... لم يخلق الخلق عبث ولم يخلّنا سدى ... من بعد عيسى واكترث أرسل فينا أحمدا ... خير نبيّ قد بعث صلى عليه الله ما ... حجّ له ركب وحثّ الأبيات منسوبة إلى هاتف من الجنّ، [الخزانة/ ٢/ ٨٢].

стр. 225

قافية الجيم ١ - متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا قوله: تأججا: التأجج الاحتراق والالتهاب، وهو فعل مسند لألف الاثنين هما الحطب والنار ... يصف الشاعر أنفسهم بالكرم وأنهم يقرون الأضياف. فمن جاءهم وجدهم يوقدون النار، ومن عادة العرب، إذا كانوا في جدب، أن يوقد كرامهم النار ليهتدي بها إليهم السالك، والبيت لعبيد الله بن الحرّ، أو الحطيئة. والشاهد فيه: متى تأتنا تجد، فعل الشرط وجوابه، وقوله تلمم: فعل مضارع مجزوم، لأنه بدل من فعل الشرط، ولو أمكن رفعه على تقدير الحال لجاز. والبيت لعبيد الله بن الحرّ، أو للحطيئة. [سيبويه/ ٤٤٦، والإنصاف/ ٥٨٣، وشرح المفصل/ ٧/ ٥٣]. ٢ - سقى أمّ عمرو كلّ آخر ليلة ... حناتم سود ماؤهنّ ثجيج شربن بماء البحر ثم ترفّعت ... متى لجج خضر لهنّ نئيج البيتان من شعر أبي ذؤيب الهذلي، يدعو لامرأة اسمها أمّ عمرو بالسقيا بماء سحب موصوفة بأنها شربت من ماء البحر، وأخذت ماءها من لججه ولها في تلك الحال صوت عال مرتفع. والشاهد في البيت الثاني، وإنما ذكرت الأول لتوضيح معنى البيت الثاني: وفي البيت شاهدان: الأول: قوله «بماء»، الباء بمعنى (من) الابتدائية أو على تضمين «شرب» معنى روي، فتكون الباء سببية. والشاهد الثاني: (متى لجج) متى هنا حرف جرّ، حيث جرّت (لجج) في لغة هذيل،

стр. 226

وتكون بمعنى (من) والجار والمجرور بدل من الجار والمجرور الأول (بماء) إذا قدرت الباء بمعنى (من) وإلا فالجار والمجرور متعلقان ب (شرب). [الهمع/ ٢/ ٣٤، والأشموني/ ٢/ ٢٠٥، وشرح المغني/ ٢/ ٣٠٩، والخزانة/ ٧/ ٩٧]. ٣ - أومت بعينيها من الهودج ... لولاك في ذا العام لم أحجج أنت إلى مكة أخرجتني ... ولو تركت الحجّ لم أخرج البيتان للشاعر عمر بن أبي ربيعة، وقوله: أومت: أي: أومأت: والهودج: مركب يوضع فوق البعير يركب فيه النساء، يقول: أشارت هذه الفتاة بعينيها من داخل مركبها مخافة الرقباء، وحدثتني أنها لم تخرج للحج إلا رغبة في لقائي. والشاهد: في البيت الأول فقط، قوله «لولاك» لولا: حرف جرّ شبيه بالزائد لا يحتاج إلى متعلق، والكاف ضمير المخاطب: مبتدأ في محل رفع، والخبر محذوف، وقس عليه، (لولاه) و (لولاي). وللتذكير: إن قول الشاعر هذا، إن صحّت نسبته إليه هو خيال محض، ليس له شيء من الواقع الاجتماعي. [الخزانة/ ٥/ ٣٣٣، والإنصاف/ ٦٩٣، وشرح المفصل/ ٣/ ١١٨، والهمع/ ٢/ ٣٣]. ٤ - عشيّة سعدى لو تراءت لراهب ... بدومة تجر دونه وحجيج قلى دينه واهتاج للشّوق إنّها ... على الشّوق إخوان العزاء هيوج البيتان للراعي، وقوله: دومة: هي دومة الجندل، في شمال السعودية. تجر: اسم جمع لتاجر، مثل شرب، وصحب، وسفر، وحجيج: اسم جمع لحاج، قلى: كره. يقول: كان الأمر الفلاني في العشيّة التي لو ظهرت فيها سعدى لراهب من عبّاد النصارى مقيم بدومة الجندل، وكان عنده تجار وحجاج يلتمسون ما عنده لأبغض دينه وتركه، وثار شوقا لها. وقوله: بدومة: الجار والمجرور متعلقان بصفة الراهب، وتجر: مبتدأ، ودونه: الظرف خبر، وجملة المبتدأ والخبر، صفة ثانية لراهب، وسعدى: في أول البيت: مبتدأ، وقلى: جواب شرط «لو»، والجملة: لو الشرطية خبر المبتدأ (سعدى). إنها هيوج: إنّ واسمها وخبرها، وهيوج: وزن فعول، من صيغ المبالغة، نصبت «إخوان» على المفعولية قبلها.

стр. 227

والشاهد: قوله «إخوان العزاء هيوج»: حيث أعمل قوله «هيوج» وهو من صيغ المبالغة إعمال الفعل، فنصب المفعول به «إخوان» وهو معتمد على المسند إليه الذي هو اسم (إنّ) وفي البيت دليل على أنّ هذا العامل وإن كان فرعا عن الفعل، لم يضعف عن العمل في المعمول المتقدم عليه، وهو خلاف مذهب الكوفيين، ومنه في رواية سيبويه «أما العسل فأنا الشرّاب» بنصب العسل، لصيغة المبالغة (شرّاب). [س/ ١/ ٥٦، والأشموني/ ٢/ ٢٩٧، واللسان (هيج)]. ٥ - نحن بنو جعدة أرباب الفلج ... نضرب بالسّيف ونرجو بالفرج هذا الرجز للنابغة الجعدي، مما قيل في يوم الجمل، والفلج: موضع بعينه أو الماء الجاري، ولعله المسمى اليوم الأفلاج، في منطقة الرياض بالسعودية، والشاهد فيه زيادة الباء في المفعول به (نرجو بالفرج) وقيل: ضمّن نرجو معنى (نطمع) فتعدّى بالباء. وبنو جعدة: خبر المبتدأ، وأرباب: منصوب على الاختصاص، ويروى: بني جعدة منصوب على الاختصاص وأرباب: خبر. [الإنصاف/ ٣٨٤، وشرح أبيات المغني/ ٢/ ٣٦٦، والخزانة/ ٩/ ٥٢٠]. ٦ - أخيل برقا متى حاب له زجل ... إذا تفتّر من توماضه حلجا قائله ساعدة بن جؤية، وهو في ديوان الهذليين، يصف سحابا، وقوله: أخيل: مضارع أخال البرق، أي: نظر إليه أين يمطر. والحابي: السحاب سمّي بذلك لثقله في الحركة فكأنه يحبو، وقيل: الحابي المرتفع، والتّوماض: اللمع الضعيف، وحلج: أمطر، نقول: حلج السحاب حلجا: أمطر، ويروى «خلجا» ويروى أوله: أخال برقا: فعل ماض أيضا. وهو الصحيح، لأن الشاعر يقول لصاحبته في سياق الأبيات إنه يحبّها حبّ إنسان فقير، ووصف الفقر بأنه مثل حمار وحش رأى سحابا .. الخ. وقوله: متى حاب، متى: حرف جرّ بمعنى من، في لغة هذيل، وقد مرّ بيت آخر في حرف الجيم «متى لجج خضر لهن نئيج»، والجار والمجرور صفة لبرق، أي: برقا لامعا من سحاب، وقوله «له زجل» الجملة الاسمية صفة للسحاب الموصوف في قوله «حاب» أي: سحاب حاب، وجملة إذا الشرطية صفة ثالثة للسحاب. [شرح أبيات

стр. 228

المغني/ ٦/ ١٦، واللسان (حلج)، والأشموني/ ٢/ ٣٣٤]. ٧ - قالت وعيش أبي وحرمة إخوتي ... لأنبهنّ الحيّ إن لم تخرج فخرجت خيفة قولها فتبسّمت ... فعلمت أنّ يمينها لم تحرج فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج الأبيات لعمر بن أبي ربيعة، يصف أحد خيالاته، وليس فيها من الحقيقة شيء لأنّ الشاعر عاش في النصف الثاني من القرن الأول، حيث كانت الحجاز تعجّ بالعلماء والأتقياء، وكانت المدينة ومكة مشغولتين بثوراتها على الأمويين، وليس من المعقول أن يكون لعمر هذا الميدان الذي يجول فيه ويصول ... وتنسب الأبيات لجميل بن معمر في الكامل وغيره، وهي نسبة لا تكون، لأننا لم نعهد في الغزل العذري هذا الوصف. والشاهد في البيت الثالث، وقوله: النزيف: المحموم الذي منع من الماء، وقوله: الحشرج: الحسي يكون في حصى، وهو مناسب، لأنه جعل تقبيل ثغرها وامتصاص ريقها - وفي الثغر الأسنان - كأنه ماء بارد على حصى. والقرون: جمع قرن بالفتح، وهو الضفيرة من شعر الرأس، ونصب «شرب» على المصدر المشبه به كأنه قال: شربت ريقها كشرب النزيف للماء البارد. والشاهد فيه: (ببرد) على أن الباء فيه للتبعيض بمعنى (من) وقيل: الباء زائدة، وقد تتضمن (شرب) معنى (الريّ) فتكون الباء أصلية، لأن روي يتعدى بالباء. [شرح أبيات المغني/ ٢/ ٣١٣، والهمع/ ٢/ ٢١]. ٨ - إني أتيحت لي يمانية ... إحدى بني الحارث من مذحج تمكث حولا كاملا كلّه ... لا نلتقي إلا على منهج الحجّ إن حجّت وماذا منى ... وأهله إن هي لم تحجج الأبيات للشاعر العرجي عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان، منسوب إلى «العرج» بالطائف، لإقامته به. وقوله على منهج: أي: طريق ... يتغزل الشاعر بامرأة ويقول: بعد هذا المكث الطويل لا نلتقي في خلوة، وإنما نلتقي في الطريق، وقوله: الحج إن حجت، أي: الحج الكامل إن حجّت، وماذا: أي شيء، وأهله: بالرفع يقول: إن لم تحج هذه المرأة فليس الحج حجا معتدا به، وهو كاذب فيما قال، وما كان لمثله أن يحجّ، وهو لم يقصد تطهير نفسه من الآثام.

стр. 229

والشاهد في البيت الثاني: على أنّ النكرة (حولا) أكدت بكلّ، وأراد النكرة المؤقتة المحدودة، كالحول والشهر والدهر. وهو مذهب ابن مالك ويرى البصريون امتناع تأكيد النكرة، مؤقتة كانت أو غيره، لأنّ التأكيد يشبه النعت من حيث كونه تابعا بلا واسطة حرف، ومن غير أن ينوى معه تكرار العامل وألفاظ التوكيد معارف، ويرون أنّ هذا ضرورة ... وقول ابن مالك مقبول معنى وسماعا وقياسا ما دام قد جاء في النصوص، وفي المثال المذكور، وصف النكرة، قد قرّبها من المعرفة. [شرح أبيات المغني/ ٤/ ١٨٧]. ٩ - أخلق بذي الصّبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا الشاهد في البيت قوله: ومدمن القرع، حيث حذف حرف الجرّ قياسا من قوله ومدمن القرع، أي: وبمدمن القرع، بعد كلام مشتمل على حرف جرّ مثله حيث سبقها: أخلق بذي الصبر. [الأشموني/ ٣٣٤]. ١٠ - أضحت ينفّرها الولدان من سبأ ... كأنّهم تحت دفّيها دحاريج البيت للنابغة الجعدي، وصف ناقة مرّ بها بحيّ سبأ مجتازا عليهم في زيّ الأعراب، فعرض له الصبيان منكرين له محيطين به تعجبا، فجعلوا ينفّرون ناقته عن يمين وشمال، فشبههم بالدحاريج، جمع دحروجة، بالضم، وهي ما يدحرجه الجعل، والدفان: الجنبان، تثنية جنب. والشاهد فيه تنوين (سبأ) على نية الحيّ، أو الأب: فإن أردت القبيلة منعته من الصرف، وقد جاءت في القرآن مصروفة. [سيبويه/ ٢/ ٢٨، واللسان «دحرج»]. ١١ - ودوّيّة قفر تمشّي نعامها ... كمشي النّصارى في خفاف الأرندج البيت للشماخ، والدوية: الصحراء. والأرندج: الجلد الأسود، وتمشي: تكثر المشي، شبّه أسوق النعام في سوادها بخفاف الأرندج، وخصّ النصارى، لأنهم كانوا معروفين بلبسها. والشاهد فيه حذف جواب «ربّ» لعلم السامع، والمعنى: وربّ دوية قطعت أو نحو ذلك، والبيت من شواهد سيبويه، ولم يصل إلى سيبويه ﵀ البيت الذي فيه الجواب، فنفى، ولكن بعد البيت: قطعت إلى معروفها منكراتها ... وقد خبّ آل الأمعز المتوهج

стр. 230

والآل: السراب، والأمعز: بفتح العين: المكان الكثير الحصى، الصّلب. [سيبويه/ ١/ ٤٥٤، والهمع/ ٢/ ٢٨، واللسان «ردج»]. ١٢ - أما النّهار ففي قيد وسلسلة ... والليل في قعر منحوت من السّاج هذا البيت من شواهد سيبويه التي لم تنسب. وصف الشاعر سجينا يقيّد بالنهار، ويغلّ في سلسلة، ويوضع بالليل في بطن محبس منحوت، أي: محفور من الساج، وهو شجر من شجر الهند، وشاهده: المجاز في جعل النهار في سلسلة، وإنما السجين هو المجعول فيها. [سيبويه/ ١/ ٨٠، والمقتضب/ ٤/ ٣٣١]. ١٣ - كأنّ أصوات - من إيغالهنّ بنا - ... أواخر الميس أصوات الفراريج البيت للشاعر ذي الرّمة، يصف صوت الرّحل على البعير: وأوغل في الأرض، إذا أبعد فيها، يعني الإبل، و (من) قبله، للتعليل. والأواخر: جمع آخرة الرّحل، وهي العود في آخره يستند إليه الراكب، والميس: شجر يتخذ منه الرحال، والأقتاب. والفراريج: صغار الدجاج، ويروى: «إنقاض الفراريج»، أي: تصويتها، وذلك من شدة السّير. والشاهد في البيت: الفصل بالجار والمجرور، بين المضاف والمضاف إليه، وهو أصوات، وأواخر، فصل بينهما «من إيغالهنّ بنا». [الخزانة/ ٤/ ١٠٨، والإنصاف/ ٤٣٣، وشرح المفصل/ ١/ ١٠٣، وج ٢/ ١٠٨، والديوان/ ٩٩٦]. ١٤ - وأمّا قولك الخلفاء منّا ... فهم منعوا وريدك من وداج ولولاهم لكنت كحوت بحر ... هوى في مظلم الغمرات داج وكنت أذلّ من وتد بقاع ... يشجّج رأسه بالفهر واجي الأبيات لعبد الرحمن بن حسان، من قصيدة يهجو فيها عبد الرحمن بن الحكم أخا مروان بن الحكم، وكان عبد الرحمن بن الحكم افتخر على الشاعر بأن الخلفاء منهم، أي: من قريش وابن حسان من الأنصار، فقال له الشاعر: لولا الخلفاء وانتسابك إليهم لكنت مغمورا كحوت في بحر مظلم، وكنت أذلّ من الوتد بقاع، أي: ما استوى من الأرض وصلب يدقّ رأسه بالحجر، والفهر: الحجر ملء الكف، والعرب تضرب المثل في الذلة بالوتد. ويشجج: يضرب ويكسر، وذلك في أثناء غرزه في الأرض، وقوله: واجي بالياء: أصله واجئ بالهمزة، وصف من وجأ عنقه، أي: دقّها.

стр. 231

والشاهد في البيت الثالث: إبدال الياء من الهمزة (واجئ) ضرورة. [سيبويه/ ٢/ ١٧٠، وشرح المفصل/ ٩/ ١١١، ١١٤، والهمع/ ٢/ ٣٣، والخصائص/ ٣/ ١٥٢]. ١٥ - يحدو ثماني مولعا بلقاحها ... حتى هممن بزيغة الإرتاج البيت للشاعر ابن ميّادة: شبه ناقته في سرعتها بحمار وحش، يحدو ثماني أتن أي يسوقها، مولعا بلقاحها حتى تحمل، وهي لا تمكّنه فتهرب منه، لأن الأنثى من الحيوان، لا تمكّن الفحل إذا حملت، والزّيغة: الميلة، عنى بها إسقاطها ما أرتجت عليه أرحامها، أي: أغلقتها، يقول: ساقها العير سوقا عنيفا حتى هممن بإسقاط الأجنّة. والشاهد فيه: ترك صرف (ثماني) تشبيها لها بما جمع على وزن (مفاعل) كأنّه توّهم واحدتها، ثمنية، كحذرية - الأرض الغليظة - ثم جمع فقال ثمان، كما يقال: حذار جمع حذرية، والمعروف صرفها على أنها اسم واحد أتى بلفظ المنسوب نحو: ثمان ورباع، فإذا أنّث قال: ثمانية. [سيبويه/ ٢/ ١٧، والخزانة/ ١/ ١٥٩، والأشموني/ ٣/ ٢٤٨]. ١٦ - ما زال يوقن من يؤمّك بالغنى ... وسواك مانع - فضله - المحتاج الشاهد: «مانع - فضله - المحتاج» فإنّ فضله: مفعول به لاسم الفاعل «مانع» فصل به بين المضاف «مانع» والمضاف إليه «المحتاج» والشواهد على الفصل بين المتضايفين كثيرة. [الأشموني/ ٢/ ٢٧٦، والتصريح/ ٢/ ٥٨]. ١٧ - يا ربّ بيضاء من العواهج ... أمّ صبيّ قد حبا أو دارج العواهج: جمع عوهج، وهي في الأصل: الطويلة العنق من الظباء، وأراد بها المرأة، حبا: زحف، ودرج الصبي: قارب بين خطاه. والشاهد: «قد حبا أو دارج» حيث عطف الاسم «دارج» على الفعل: «حبا» لتقاربهما في المعنى. ومنه قوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ [الأنعام: ٩٥] [الأشموني/ ٣/ ١٢٠، والتصريح/ ١/ ١٤٢، واللسان (عهج)]. ١٨ - فيا ليتي إذا ما كان ذاكم ... ولجت وكنت أوّلهم ولوجا البيت لورقة بن نوفل، والشاهد «ليتي» ليت، متصلة بياء المتكلم، ولم تفصل بينهما نون الوقاية، وقد أوجب النحويون اتصالها بنون الوقاية لقوة شبهها بالفعل، وعدّوا البيت

стр. 232

من الشذوذ، أو الشاذ، والله أعلم. [السيرة النبوية ١/ ١٩٢، والعيني/ ١/ ٣٦٥، والتصريح/ ١/ ١١١]. ١٩ - ألا سبيل إلى خمر فأشربها ... أم لا سبيل إلى نصر بن حجّاج البيت شاهد على أن «ألا» للتمنّي، ولهذا سمّيت قائلة هذا البيت «المتمنّية». ونصر بن حجاج بن علاط السلمي، من أولاد الصحابة، فأبوه حجاج صحابي، ونصر هذا، تقول الروايات إنه كان جميل المحيّا، فتمنته امرأة في المدينة سمعها عمر بن الخطاب تنشد هذا البيت وهو يعسّ ليلا، فطلبه عمر، فوجده كذلك، فأمر بنفيه إلى البصرة. هذا القدر من القصة، نقله ابن حجر في الإصابة عن ابن سعد في الطبقات، والخرائطي: وقال إن سنده صحيح، ولكن أهل الأدب والقصة والتاريخ، يذكرون أشياء ليس لها سند صحيح، ولا تصحّ روايتها. ١ - فقد زادوا إلى البيت أبياتا مصنوعة لا تصح، وإذا صحت القصة فإن المرأة لم تقل إلا البيت الذي ذكرناه شاهدا. ٢ - وسمّى بعض الرواة اسم المرأة، فقالوا اسمها «الذلفاء» وأنها أم الحجاج ابن يوسف، وكانت يوم تمنت تحت المغيرة بن شعبة الصحابي ﵁، وهذا افتراء على زوجة الصحابي، يقصد منه الإساءة إلى الحجاج بن يوسف، وقالوا إن عبد الملك ابن مروان كتب إلى الحجاج مرة يقول له «يا ابن المتمنّية»، وهذا لا يصحّ سندا. ٣ - وأساؤوا أيضا إلى صحابيّ آخر عند ما قالوا: إن نصر بن حجاج عند ما نفاه عمر إلى البصرة، قرّبه أميرها مجاشع السلمي، للقربى بينهما وأنّ زوجة مجاشع عشقت نصر ابن حجاج، وعشقها، وكان قد أخدمه إياها، وهي أجمل نساء البصرة، وإنهما تكاتبا على الأرض بحضرة مجاشع الذي كان أميّا لا يحسن القراءة. قالوا: ثم مرض نصر بن حجاج بعد فراقه دار مجاشع، لشدة حبه، فأمر زوجته بالذهاب إليه، وإطعامه وإسناده إلى صدرها، فانتعش ... وكل هذا يحدث من صحابي، وزوجة صحابي، في عهد عمر ابن الخطاب، أليس ذلك غريبا. ٤ - ونقلوا القصة إلى الشام، وأن زوجة الصحابي الأعور السلمي عشقت نصر ابن حجاج ..

стр. 233

٥ - وقول آخر إن أبا موسى الأشعري لما علم بقصة نصر، أمره أن يخرج إلى فارس، فجرت له هناك قصة تشبه ما سبق، فطلب منه أن يرحل، فهددهم بأن يلحق بأرض الشرك، فلما علم عمر أمر بحلق شعره، وأن يلزم المسجد ... فالقصة فيها شيء من قصة يوسف ﵇، لأن بعض رواياتها تقول أنه تمنّع ... وفيها شيء من قصة المجانين، وفيها دعوة إلى تبريز العشق ... فلا تسمع كلام أهل الأدب، فإذا قرأتها، فعدّ رجالها أشخاصا رمزيين لا حقيقة لهم، ولا تأخذ منها واقعا تاريخيا ... وقد أطلت في نقد القصة، وذكر رواياتها، في كتابي «المدينة النبوية، فجر الإسلام والعصر الراشدي» فانظرها هناك. [الخزانة/ ٤/ ٨٠، وشرح المفصل/ ٧/ ٢٧]. ٢٠ - ولم أر شيئا بعد ليلى ألذّه ... ولا مشربا أروى به فأعيج البيت غير منسوب، وعاج يعيج: انتفع، وزعموا أن هذا الفعل لا يأتي إلا منفيا فيقال: ما عاج بالدواء، أي: ما انتفع، وجاء الفعل في البيت مثبتا، ورواه أبو علي القالي عن ثعلب عن ابن الأعرابي. [شرح التصريح/ ٢/ ٩٢]. ٢١ - يا ليت شعري عن نفسي أزاهقة ... منّي ولم أقض ما فيها من الحاج البيت منسوب إلى الفريعة بنت همّام المعروفة بالذلفاء، في القصّة الموضوعة التي جعلت عمر بن الخطاب طرفا فيها، ونحن نروي ما جاء فيها من الشعر، ولا نلتفت إلى أحداث القصّة، لأنها غير ثاتبة، وأنشدوا هذا البيت على أنّ خبر ليت محذوف. ٢٢ - فتى ليس بالراضي بأدنى معيشة ... ولا في بيوت الحيّ بالمتولّج البيت للشماخ من قطعة في حماسة أبي تمام يصف مضيفا، يقول: هو فتى لا يرضى في دنياه بأقرب الهمتين وأدنى المعيشتين، ولكن يطلب غايات الكرم ونهايات الفضل، ولا يداخل بيوت الحيّ المجاورة ولا يخالط النساء للريبة والمغازلة، وقوله: «ولا في بيوت الحيّ» جعل (في بيوت) تبيينا، وقد حصل الاكتفاء بقوله «المتولج» فيكون موقعه منه كموقع بك بعد «مرحبا بك» لئلا يحصل تقديم الصلة على الموصول، وإن شئت جعلت الألف واللام في قوله: «المتولج» للتعريف، لا بمعنى الذي، فلا يحتاج إلى تقدير الصلة في الكلام. [شرح الحماسة للمرزوقي ج ٤/ ١٧٥٢، والهمع ١/ ٨٨]. ٢٣ - قطعت إلى معروفها منكراتها ... إذا خبّ آل الأمعز المتوهج

стр. 234

للشماخ، يصف الصحراء. وهو أيضا من مطلع قصيدة ذي الرمّة الحائية بقافية «المتوضح». [ديوانه ١١٨٩]. ٢٤ - كأنّما ضربت قدّام أعينها ... قطنا بمستحصد الأوتار محلوج لا يعرف قائله، والقطن: هو الذي نعرفه، ومستحصد الأوتار: من إضافة الصفة للموصوف، أي: الأوتار المستحصدة، ونقول: هذا حبل أحصد، كأحمر وحصد كفرح ومحصد ومستحصد، بكسر الصاد إذا كان قد أحكم فتله وصنعته، وهذا اللفظ يقال في كلّ ما أحكمت صناعته من الحبال والأوتار والدروع، وقالوا: هذا رجل محصد الرأي، أي: سديد الرأي، على التشبيه، وقالوا: هذا رأي مستحصد، أي: محكم وثيق، وهو في هذا بفتح الصاد. ومحلوج: اسم مفعول، من قولهم، حلج القطن، إذا ندفه، وقطن حليج ومحلوج، أي: مندوف، أي: قد استخرج منه الحب. والشاهد: قوله «محلوج» فإن الرواية بالجرّ، مع أنه نعت لقوله «قطنا» المنصوب، على أنه مفعول لقوله: ضربت، وذلك لأن هذه الكسرة ليست الحركة التي اقتضاها العامل، وإنما هي كسرة المجاورة، فهو منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل، بحركة المجاورة. [الإنصاف/ ٦٠٥]. ٢٥ - رأى الناس - إلا من رأى مثل رأيه - ... خوارج ترّاكين قصد المخارج البيت في «الهمع» ج ١/ ١٥٠، وأنشده السيوطي شاهدا على أنّ «رأى» بمعنى اعتقد، تنصب مفعولين، والناس: مفعوله الأول، وخوارج: مفعوله الثاني. ٢٦ - يا عديّا لقلبك المهتاج ... أن عفا رسم منزل بالنّباج البيت لأبي دواد الإيادي، والشاهد «يا عديّا» أنشدوه شاهدا على أن المنادى المفرد إذا نوّن لضرورة الشعر، فسبيله النصب، لأنه في موضع نصب، وإنما بني على الضم لمضارعته المضمر، فإذا نوّن فقد زال عنه البناء، وسبيله أن يرجع إلى أصله، ويرى بعضهم: أن يترك مضموما، ويروون بيت الأحوص «سلام الله يا مطر عليها» بالرفع، والنصب، كلّ فريق يؤيد به مذهبه، مع أن الشاعر قاله مرّة واحدة إما بالرفع، أو النصب، فأيّ القولين وافق نطق الشاعر؟ والله أعلم. [الخزانة/ ٦/ ٥٠٨].

стр. 235

٢٧ - نحن - بني جعدة أرباب الفلج ... نضرب بالسيف ونرجو بالفرج لا يعرف صاحب هذا الرجز. والفلج موضع. وقال ياقوت مدينة بأرض اليمامة ولعلها «الأفلاج» في يومنا. والشاهد: ونرجو بالفرج. وفيه أن الباء زائدة في المفعول به سماعا، وربما ضمن نرجو معنى «نطمع» فتكون الباء أصليّة. وربما غيّر النساخ هذا الرجز، فقالوا «نحن بني ضبة أرباب الفلج» ولكن الرجز الذي يذكر منه بنو ضبة، قافيته لاميّة، وهو «نحن بني ضبة أصحاب الجمل». ونحن: مبتدأ، وأرباب: خبر، وبني جعدة، منصوب على الاختصاص [الإنصاف/ ٢٨٤، والخزانة/ ٩/ ٥٢٠، وشرح أبيات المغني/ ٢/ ٣٦٦].

стр. 236

حرف الحاء المهملة ١ - إذا غيّر النأي المحبّين لم يكد ... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح البيت للشاعر ذي الرّمة: ورسيس الهوى: مسّه، ويبرح: يزول وهو فعل تام لازم، وميّة: اسم معشوقته، يقول: إنّ العشاق إذا تعدوا عمّن يحبون دبّ السلوّ إليهم، وزال عنهم ما كانوا يقاسون وأمّا أنا، فلم يقرب زوال حبّها عني، فكيف يمكن أن يزول. والبيت شاهد: على أن بعضهم قال: إنّ النفي إذا دخل على «كاد» تكون في الماضي للإثبات، وفي المستقبل كالأفعال، وقوله: للإثبات، أي: لإثبات الفعل الذي دخل عليه كاد، في الماضي، وقوله: في المستقبل كالأفعال، أي: إن نفي فهو منفي وإن لم ينف فهو مثبت. والمسألة خلافية، والخلاف نابع من تفاوت الأفهام في إدراك المعاني، فقال قوم إن الإثبات حاصل بعد «كاد ويكاد» المنفيين. أما «كاد» الماضي، فقد استدلوا له بقوله تعالى في سورة البقرة وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [الآية: ٧١] وزعموا أن المراد، أنهم فعلوا الذبح وأما المضارع، فاستدلوا له بقول ذي الرّمة في البيت الشاهد «لم يكد رسيس الهوى يبرح» فزعموا أن ذا الرّمة أنشد قصيدته التي منها البيت، في مجلس شعراء، فقال له أحدهم: يا ذا الرّمة، أراه قد برح، يريد أنك أثبّت زوال الحب. قالوا: ففكّر ساعة ثم قال: إذا غيّر النأي المحبين لم أجد .. البيت. فأبدل «لم أجد» ب «لم يكد» أقول: ربّما كانت القصة مصنوعة، لأنهم رووها عن عبد الصمد بن المعذل (- ٢٤٠ هـ) وهو شاعر فاسق خمير، ما كان يفيق من سكره، والصحيح أن النفي نفي، والإثبات إثبات، والمعنى في الآية، أنّ بني إسرائيل ما قاربوا أن يفعلوا للإطناب في السؤالات، وهذا التعنت دليل على أنهم كانوا لا يقاربون فعل الذبح فضلا عن نفس الفعل. ونفي المقاربة قد يترتب عليه الفعل، وقد لا يترتب. وأما إثبات الذبح

стр. 237

فمأخوذ من خارج النفي، وهو قوله «فذبحوها». أما البيت، فمعناه أنّ حبها لم يقارب أن يزول فضلا عن أن يزول، وهو مبالغة في نفي الزوال، فإنك إذا قلت «ما كاد زيد يسافر» فمعناه أبلغ من «ما يسافر زيد»، ومما أكّد معنى الإثبات في البيت قول الشاعر في القصيدة نفسها: أرى الحبّ بالهجران يمحى فينمحي ... وحبّك ميّا يستجدّ ويربح أي: يزيد الحبّ كما يزيد الربح، والبيت من قصيدة مطلعها وتابعه: أمنزلتي ميّ سلام عليكما ... على النأي والنائي يودّ وينصح فلا القرب يبدي من هواها ملالة ... ولا حبّها - إن تنزح الدار - ينزح [الخزانة/ ٩/ ٣٠٩، وشرح المفصل/ ٧/ ١٢٤، والأشموني/ ٣/ ٥٢، وديوانه/ ١١٩٢]. ٢ - أفي أثر الأظعان عينك تلمح ... نعم لات هنّا إنّ قلبك متيح البيت للراعي، والمتيح: الذي يأخذ في كل جهة، ورجل متيح: إذا كان قلبه يميل إلى كل شيء. والبيت شاهد على أن «هنّا» ظرف زمان مقطوع عن الإضافة، والأصل: لات هنّا تلمح، فحذف تلمح لدلالة ما قبله عليه، فهنّا، في موضع نصب على أنه خبر «لات» واسمها محذوف والتقدير: ولات الحين حين لمح عينك. ومعنى البيت: أن الشاعر خاطب نفسه لما رآها ملتفتة إلى حبائبها ناظرة إلى آثارها بعد الرحيل، فاستفهمها بهذا الكلام ثم أجاب جازما بأنّ عينها ناظرة إلى أثرهن، وسفهها في هذا الفعل، بأن اللمح ليس صادرا في وقته، لأنّ صاحبهن ملتزم أسفار ومقتحم أخطار، شأنه الذهاب وعدم الإياب، فلا ينبغي لها أن تكتسب من النظرة شدائد الحسرة. [الخزانة/ ٤/ ٢٠٣، واللسان «تيح»، «هنن». ٣ - كأن لم يمت حيّ سواك ولم تقم ... على أحد إلا عليك النوائح البيت للشاعر أشجع السلمي، عباسي، عاصر الرشيد، وشعره لا يستشهد به، وقوله: «كأن لم يمت» كأن مخففة، واسمها ضمير شأن، يقول: أفرط الحزن عليك حتى كأنّ

стр. 238

الموت لم يعهد قبل موتك، وكأن النياحة لم تقم على من سواك. والبيت شاهد على أنه إذا وقع مرفوع بعد المستثنى في الشعر، أضمروا له عاملا من جنس الأول، أي: قامت النوائح. والبيت من قطعة في حماسة أبي تمام برقم (٢٨٠) من شرح المرزوقي، وهي في رثاء (ابن سعيد) حيث يقول في أول القطعة: مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلا له فيه مادح وما كنت أدري ما فواضل كفّه ... على الناس حتى غيّبته الصفائح فأصبح في لحد من الأرض ميّتا ... وكانت به حيّا تضيق الصحاصح سأبكيك ما فاضت دموعي فإن تغض ... فحسبك منّي ما تجنّ الجوانح وما أنا من رزء وإن جلّ جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح كأن لم يمت ... البيت. لئن حسنت فيك المراثي وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح يرثي عمرو بن سعيد بن قتيبة الباهلي ولكنني أسأل: هل كانت لابن سعيد هذا مزارع، ينفق على المحتاجين من ريعها، وهل كانت له تجارة يديرها فتدر عليه ربحا ويتصدق على المحتاجين؟ فإذا لم يكن زارعا أو تاجرا، وكان ذا مال وفير، نسأله: من أين لك هذا؟ وليس عنده جواب إلا القول: إنه سرق حقوق الناس في بيت مال المسلمين، ثم فرّقه على من لا يستحقه من المادحين الكاذبين!! [الحماسة/ ٥٨٩، والخزانة/ ١/ ٢٩٥ وشرح الحماسة للأعلم/ ١/ ٤٧٣]. ٤ - أتى دونها ذبّ الرّياد كأنّه ... فتى فارسيّ في سراويل رامح هذا البيت من قصيدة لتميم بن أبيّ بن مقبل، يصف الثور الوحشي، وضمير دونها، لأنثاه، ودون بمعنى «قدّام» والذبّ: الثور الوحشي ويقال له: ذب الرياد: لأنه يرود، أي: يذهب ويجيء، ولا يثبت في موضع، شبه الشاعر ما على قوائم الثور الوحشي من الشعر، بالسراويل، وهو من لباس الفرس، ولهذا شبهه بفتى فارسي، وشبه قرنه بالرّمح، ولهذا قال: رامح، أي: ذو رمح. في سراويل: حال من ضمير «فارسي» إذ هو بمعنى منسوب إلى الفرس، أو صفة لفارسي، ورامح: صفة ثانية لفتى وجرّ سراويل بالفتحة لأنه

стр. 239

لا ينصرف، وهو مفرد، لكنه جاء على وزن صيغة منتهى الجموع «قناديل». والشاعر تميم: أدرك الجاهلية والإسلام، وكان يهاجي النجاشيّ الشاعر، وله مع عمر ابن الخطاب قصة. [الخزانة/ ١/ ٢٣٢، وشرح المفصل/ ١/ ٦٤]. ٥ - سواء عليك اليوم أنصاعت النّوى ... بصيداء أم أنحى لك السيف ذابح البيت لذي الرمّة، وقوله: أنصاعت: الهمزة للاستفهام، وأصله: أإنصاعت حذفت الهمزة الثانية لأنها همزة وصل، وانصاعت، أي: انشقت وذهبت بها النيّة إلى مكان بعيد، وعليك: متعلق بسواء، والنوى، والنية: الوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد، وقوله: بصيداء: متعلق بانصاعت وصيداء: اسم امرأة شبب بها ذو الرمة، وهي غير خرقاء، لقب ميّة التي يشبب بها غالبا، وأنحى: قصد نحوك. والبيت شاهد على أن الفعل بعد همزة التسوية وأم يستهجن ألا يكون ماضيا. كما في البيت. [الخزانة/ ١١/ ١٥٢، والديوان/ ٨٧٣]. ٦ - وإنّي لأكنو عن قذور بغيرها ... وأعرب أحيانا بها فأصارح البيت دون عزو، وقذور: امرأة، وأعرب: أبيّن، وأكنو: أذكرها باسم غيرها. والشاهد: أكنو، يقال: كنوته - وكنيته، بالواو والياء. [الخزانة/ ٦/ ٤٦٥]. ٧ - أخو بيضات رائح متأوّب ... رفيق بمسح المنكبين سبوح الرائح: الذي يسير ليلا، والمتأوب: الذي يسير نهارا، يصف ظليما وهو ذكر النعام، شبه به ناقته، فيقول: ناقتي في سرعة سيرها كظليم له بيضات يسير ليلا ونهارا ليصل إلى بيضاته، وسبوح: حسن الجري، وجعله أخا بيضات ليدل على زيادة سرعته في السير لأنه موصوف بالسرعة وإذا قصد بيضاته يكون أسرع. والبيت شاهد على أن هذيلا تفتح عين «فعلة» الاسميّ في الجمع بالألف والتاء كبيضات، بفتحات ثلاث. [الخزانة/ ٨/ ١٠٢، وشرح المفصل/ ٥/ ٣٠، والهمع/ ١/ ٢٣، والأشموني/ ٤/ ١١٨]. ٨ - رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغرّ من أنيابها بالقوادح

стр. 240

البيت لجميل صاحب بثينة، القوادح: جمع قادح، وهو السواد الذي يظهر في الأسنان والبيت شاهد على أن الشيء إذا بلغ غايته، يدعى عليه، صونا عن عين الكمال، لأن الناس يحسدون الشيء الكامل، كقولهم: قاتل الله فلانا ما أشجعه. ولكنهم اختلفوا في تفسير هذا البيت: فقيل: أراد بالعينين: رقيبيها، وبالغرّ من أنيابها كرام ذويها وعشيرتها، والمعنى: أفناهم الله وأراهم المنكرات، فهو في الظاهر يشتمها وفي النية يشتم من يتأذى به فيها. وقيل: أراد: بلغها الله أقصى غايات العمر حتى تبطل عواملها وحواسها، فالدعاء على هذا لها، لا عليها. وقال قوم: إنه يدعو عليها حقيقة، ويستدلون على ذلك، بما رواه أبو الفرج في الأغاني (ج ٧/ ٧٩ - ٨٠) أن جميلا لقي بثينة بعد تهاجر بينهما طالت مدّته، فتعاتبا فقالت له: ويحك يا جميل، أتزعم أنك تهواني وأنت الذي تقول: رمى الله في عيني بثينة .. البيت فأطرق جميل طويلا يبكي. وروى أبو الفرج قصة أخرى، تدل على أن جميلا انصرف عن بثينة وهجرها وقال البيت. قلت: تفسير البيت بأنه دعاء على بثينة حقيقة: ينافي قواعد الحبّ العذري العفيف ولعلّ الشاعر أراد من قوله ذاك، أن تبدو كذلك في عيني زوجها فيكرهها، ولا يستمتع بجمالها، ولكنه لا يتمنى أن تكون كذلك في واقع الحال. والله أعلم. [الخصائص/ ٢/ ١٢٢، والخزانة/ ٦/ ٣٩٨]. ٩ - وانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد يكون أخا دم وذبائح البيت لزياد الأعجم يرثي المهلب بن أبي صفرة، وقبل البيت: إنّ الشجاعة والسّماحة ضمّنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح فإذا مررت بقبره فاعقر به ... كوم الجلاد وكلّ طرف سابح

стр. 241

والبيت شاهد على أن المضارع (فلقد يكون) مؤول بالماضي، أي: ولقد كان. [الخزانة/ ١٠/ ٤] وانظر الشعر والشعراء، ترجمة زياد الأعجم. ١٠ - يا لقومي من للعلا والمساعي ... يا لقومي من للندى والسماح يا لعطّافنا ويا لرياح ... وأبي الحشرج الفتى النفّاح من شواهد سيبويه المجهولة، والبيت الثاني شاهد على أنّ اللام في المعطوف فتحت ك «لام» المعطوف عليه لإعادة «يا»، فأبي الحشرج معطوف على يا لعطّافنا، وعطّاف ورياح وأبو الحشرج أعلام رجال، والنفّاح: الكثير النفح، أي: العطية. رثى هذا الشاعر رجالا من قومه وقال: لم يبق للعلا والمساعي من يقوم بها بعدهم. [الخزانة/ ٢/ ١٥٤، وسيبويه/ ١/ ٣١٩، والمقتضب/ ٤/ ٢٥٧]. ١١ - وأنت من الغوائل حين ترمى ... ومن ذمّ الرجال بمنتزاح لإبراهيم بن هرمة يرثي ابنه، وقوله: منتزاح مصدر ميمي فعله انتزح. ينتزح، أي: بعد، وأنت بمنتزح من كذا، أي: بعيد منه، والشاهد «منتزاح» أصله «منتزح» لكنه لما اضطر لإقامة الوزن أشبع فتحة الزاي، فنشأت عن هذا الإشباع ألف، ولا يعجبني هذا القول في تعليل مجيء القافية على هذه الصورة، فالشاعر لم يضطر إلى ذلك وزنا، لأن الشاعر الفحل لا يعجز عن الإتيان بكلمة مناسبة لوزن بيته، وتكون متمشية على سنن العربية، ولولا أن الشاعر سمع أهل الفصاحة يقولون الكلمة ما قالها بل إن ذوقه الأدبي هذاه إلى هذا الاستعمال، فالشاعر حزين على فراق ولده، وما من حزين إلا يمدّ صوته في أواخر الكلمات التي يندب بها الفقيد، فهو لا يتصوّر نفسه واقفا على منبر يخطب الناس وإنما هو يبكي، وقد اختار الشاعر مدّ فتحة الزاي، ولم يختر مدّ كسرة الحاء، لأن الفتحة التي صارت ألفا أرأف بحال الحزين، حيث إنّ مدة الألف أرقّ من مدّة الياء. أقول هذا: لأنّ النحويين سامحهم الله أكثروا من القول بلجوء الشعراء إلى الضرورات، ليساير الشعر رأيهم الذي وضعوه في النحو، فنسبوا فحول الشعراء إلى الخطأ ... وما دام هذا المدّ قد كثر في الشعر لماذا لم يجعلوه قاعدة مباحة، بدلا من القول إنه من الضرورة الشعرية؟ وبذلك ندفع عن شعرنا هجمات الأعداء الذين قصّوا قوافي القصائد ولجؤوا إلى الشعر الحرّ، ركونا إلى ما يقال: إن القافية تؤدي إلى الحشو، والضرائر. [الإنصاف

стр. 242

٢٥، والخصائص/ ٢/ ٣١٦، والخزانة/ ٧/ ٥٥٧]. ١٢ - فتى ما ابن الأغرّ إذا شتونا ... وحبّ الزاد في شهري قماح قاله مالك بن خالد الهذلي، وقوله: فتى ما، معناه فتى أيّ فتى، فما، صفة لفتى، وقوله: إذا شتونا، لأن الشتاء عند العرب زمن القحط، لهذا يكون الكرم نادرا وقوله: حبّ - بضم الحاء: فعل مدح مثل نعم، وشهرا قماح - بضم القاف وكسرها هما كانون الأول، وكانون الثاني، آخر شهر وأول شهر من السنة الشمسية، والشاهد: «فتى ما، ابن الأغرّ» تقدم فيها الخبر «فتى» على المبتدأ (ابن الأغرّ) ولا يصح جعل «فتى» مبتدأ، لأنه نكرة، وابن الأغرّ معرفة، وأصل الكلام «ابن الأغر فتى ما إذا شتونا». [الإنصاف/ ٦٦، واللسان «قمح»، وأشعار الهذليين/ ٣/ ٥]. ١٣ - إنّ السّماحة والمروءة ضمّنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح البيت من شعر زياد الأعجم، من قصيدة يرثي بها المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، ومرو: أشهر مدن خراسان. والشاهد فيه: قوله «ضمنا» فإنّ ضمّن: فعل ماض مسند إلى ضمير المؤنث وهو الألف العائدة إلى السماحة والمروءة، وكان من حقه أن يؤنث هذا الفعل فيقول: ضمّنتا، لأن كل فعل أسند إلى ضمير مؤنث يجب تأنيثه، فترك الشاعر في هذا البيت تأنيث الفعل، وذلك شاذّ لا يقاس عليه وربما أعاد الضمير إلى مضاف محذوف تقديره: إن خلق السماحة وخلق المروءة. [الإنصاف/ ٧٦٣، والشذور/ ١٦٩، والعيني/ ٢/ ٥٠٢]. ١٤ - أخاك أخاك إنّ من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح البيت منسوب إلى إبراهيم بن هرمة، أو لمسكين الدارمي. أخاك: الأولى: مفعول به لفعل محذوف وجوبا تقديره الزم أخاك، والثانية: توكيد للأولى، لا أخا له: لا نافية للجنس، أخا: اسمها مبني على فتح مقدر على الألف، خبره (له) الجار والمجرور، والشاهد: (أخاك أخاك) فإنّ الشاعر ذكرهما على سبيل الإغراء، وهذا من النوع الذي يجب معه حذف العامل، لأنه كرر اللفظ المغرى به. [سيبويه/ ١/ ١٢٩، والشذور/ ٢٢٢، والهمع/ ١/ ١٧٠، والخزانة/ ٣/ ٦٥].

стр. 243

١٥ - سأترك منزلي لبني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا هذا البيت للشاعر المغيرة بن حبناء، وحبناء أمه: كنى بتركه منزله لبني تميم عن أنهم لا يحافظون على حرمة جارهم، ولا يرعون حقوقه. والشاهد: قوله «فأستريحا» حيث نصب المضارع، الذي هو «أستريح» بعد فاء السببية، مع أنها ليست مسبوقة بطلب أو نفي، وذلك ضرورة في الشعر، وقد يروى البيت «لأستريحا» ولا ضرورة فيه حينئذ. [سيبويه/ ٤/ ٢٣، والمفصل/ ١/ ٢٧٩، والشذور/ ٢٢٢، والهمع/ ١/ ٧٧، وج ٢/ ١٠، ١٦، والأشموني/ ٣/ ٣٠٥، وشرح المغني/ ٤/ ١١٤، والخزانة/ ٨/ ٥٢٢]. ١٦ - يا ناق سيري عنقا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا البيت لأبي النجم العجلي، واسمه الفضل بن قدامة، وقوله: ناق، مرخّم ناقة، عنقا: بفتح العين والنون، ضرب من السير السريع. فسيحا: واسع الخطى، سليمان: هو سليمان بن عبد الملك، يأمر ناقته أن تسرع السير به حتى يصل إلى ممدوحه، ليعطيه العطاء الجزل. يا ناق: منادى مرخم مبني على الضم في محل نصب ... عنقا: مفعول مطلق مبيّن للنوع وأصله صفة لموصوف محذوف وتقدير الكلام سيري سيرا عنقا. والشاهد: قوله فنستريحا، حيث نصب المضارع الذي هو نستريح بأن مضمرة وجوبا، بعد فاء السببية الواقعة في جواب الأمر (سيري). [سيبويه/ ١/ ٤٢١، وشرح المفصل/ ٧/ ٢٦، والشذور/ ٣٠٥، والهمع/ ١/ ١٨٢، والأشموني/ ٣/ ٣٠٢]. ١٧ - فكلتاهما قد خطّ لي في صحيفة ... فلا العيش أهواه ولا الموت أروح الشاهد: كلتاهما قد خطّ، حيث أعاد الضمير إلى كلتاهما مفردا في قوله «قد خطّ» فدلّ ذلك على أن لكلتا جهة إفراد، وهي جهة لفظه، لأنه من جهة المعنى، مثنى باتفاق العلماء، وكان على الشاعر أن يقول «قد خطت» بتاء التأنيث، لأن الفاعل ضمير يعود على «كلتاهما» المؤنثة اللفظ. [الإنصاف/ ٤٤٦]. ١٨ - بدت مثل قرن الشّمس في رونق الضّحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح بدت: أي: ظهرت، وقرن الشمس: أولها عند طلوعها، أو أول شعاعها ورونق الضحى: أوله، والشاهد: أو أنت أملح، فقد استدل الكوفيون بهذا البيت على أن «أو»

стр. 244

بمعنى «بل» فكأنّ الشاعر قال (بدت مثل) ثم رأى أنها أعلى من ذلك، فأضرب عما قال أولا، فقال: بل أنت أملح، والمعنى يطلب ما قال الكوفيّون. [الخزانة/ ١١/ ٦٥، الإنصاف/ ٤٧٨، وديوان ذي الرمة/ ٨٥٧]. ١٩ - ربع عفاه الدهر طولا فانمحى ... قد كاد من طول البلى أن يمصحا منسوب إلى رؤبة بن العجاج، والربع: المنزل، ويروى «رسم»، وهو ما بقي من آثار الديار، وعفا: درس، وقوله: عفاه، يكون الفعل متعديا، مثل محاه يمحوه، وقوله: يمصح: أي: يذهب. والشاهد قوله: أن يمصحا حيث اقترن المضارع الواقع خبرا لكاد بأن المصدرية، ومذهب سيبويه أنّ الأكثر بدون (أن) وأن ما جاء مقرونا بأن، ضرورة شعرية، وتشبيها بعسى، وسيبويه صادق في حدود ما وصل إليه من النصوص، ولكن اقتران خبر كاد بأن كثير ومنه في الحديث الشريف، في شأن أمية بن أبي الصلت «كاد أن يسلم» وفي حديث عمر «ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب»، وأما الشعر فهو كثير. [الإنصاف/ ٥٦٦، وشرح المفصل/ ٧/ ١٢١، والخزانة/ ٩/ ٣٤٧]. ٢٠ - يا ليت بعلك قد غدا ... متقلّدا سيفا ورمحا البيت لعبد الله بن الزّبعري، والشاهد: «متقلدا سيفا ورمحا»، فعطف «رمحا» على «سيفا» والرمح لا يتقلد، فلا يقال: تقلّد فلان رمحه، والتخريج في مثل هذا: أن ينصب «رمحا» بفعل مقدر مناسب، أو يتضمن العامل الأول «متقلد» معنى يصلح تسليطه على المعطوف. [الإنصاف/ ٦١٢، وشرح المفصل/ ٢/ ٥٠، والهمع/ ٢/ ٥١، والأشموني/ ٢/ ١٧٢، والخصائص/ ٢/ ٤٣١]. ٢١ - أبت لي عفّتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح وإمساكي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح وقولي كلّما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي لأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن عرض صحيح الأبيات للشاعر عمرو بن الإطنابة، والإطنابة اسم أمه، وهو عمرو بن زيد مناة، والشاهد في البيت الثالث، يخاطب الشاعر نفسه، ويقول لها اثبتي عند الخوف في المعركة، و «مكانك» اسم فعل أمر، و «تحمدي» مضارع مجزوم في جواب الأمر، مع أنه

стр. 245

مدلول عليه بصيغة اسم الفعل. [المفصل/ ٤/ ٧٤، والشذور/ ٣٣٥، وشرح أبيات المغني/ ٤/ ٢٤٣، والهمع/ ٢/ ١٣، والأشموني/ ٣/ ٣١٢]. ٢٢ - نحن اللذون صبّحوا الصّباحا ... يوم النّخيل غارة ملحاحا البيت منسوب إلى عدد من الشعراء، ولم يتفقوا أو يرجحوا واحدا منهم. وقوله: صبّحوا الصباحا، معناه: جاؤوا بعددهم وعددهم في وقت الصباح مباغتين للعدو. والنّخيل: بالتصغير اسم مكان، لعله شرق المدينة النبوية على بعد مائة كيل. والصباحا: تعرب ظرف زمان. غارة: مفعول لأجله ويجوز أن يكون حالا بتأويل المشتق، أي: مغيرين. وملحاحا: مأخوذ من قولهم: ألحّ المطر، إذا دام وأراد أنها غارة شديدة تدوم طويلا. والشاهد «اللذون» حيث جاء به بالواو في حالة الرفع، ولكنه لا يكون معربا بالواو، وإنما يكون مبنيا على هذه الصورة كما يبنى على صورته بالياء والنون، ولم أعرف من الذي سمعه من فصحاء البادية، بهذه الصورة. [الأشموني/ ١/ ١٤٩، وشرح أبيات المغني/ ٦/ ٢٥٣، والخزانة/ ٦/ ٢٣]. ٢٣ - وقد كنت تخفي حبّ سمراء حقبة ... فبح لان منها بالذي أنت بائح البيت لعنترة بن شداد، وقوله: لان: أي: الآن. فحذف همزة الوصل والهمزة التي بعد اللام، ثم فتح اللام لمناسبة الألف. وقيل: هي لغة في (الآن). والشاهد: قوله: (بالذي أنت بائح) حيث استساغ الشاعر حذف العائد على الاسم الموصول من جملة الصلة، لكونه مجرورا بمثل الحرف الذي جرّ الموصول وهو الباء. والعامل في الموصول متحد مع العامل في العائد مادة، الأول: «بح»، والثاني: (بائح) ومعنى: لأنهما جميعا من البوح، بمعنى الإظهار والإعلان. [الخصائص/ ٣/ ٩٠، والأشموني/ ١/ ٩٣، والعيني/ ١/ ٤٧٨]. ٢٤ - هلّا سألت النّبيتيّين ما حسبي ... عند الشتاء إذا ما هبّت الريح وردّ جازرهم حزما مصرّمة ... في الرأس منها وفي الأصلاء تمليح إذا اللّقاح غدت ملقى أصرّتها ... ولا كريم من الولدان مصبوح هذه الأبيات لرجل من بني النّبيت بن مالك - من اليمن - وكان قد اجتمع هو وحاتم والنابغة الذبياني عند امرأة يقال لها «ماوية» يخطبونها، فآثرت حاتما عليهما ... والرجل

стр. 246

يفخر بقومه حين الجدب، حيث يكونون كرماء. والشاهد في البيت الثالث. وقوله: اللقاح: النوق الحلوب. أصرّتها: جمع صرار، وهو خيط يشدّ بها رأس الضرع لئلا يرضعها ولدها، وإنما تلقى الأصرة حين لا يكون فيها درّ في سنيّ القحط، وقوله: مصبوح: شرب اللبن في الصباح. إذا: أداة شرط، اللقاح: اسم للفعل «غدت» المحذوف، فعل الشرط يدل عليه المذكور بعده، وخبره محذوف يدل عليه ما بعده والتقدير: إذا غدت اللقاح ملقى أصرّتها. وغدت الثانية: فعل ناقص واسمها مستتر. وملقى: خبره وهو اسم مفعول. وأصرّتها: نائب فاعل ل ملقى. لا: نافية للجنس، كريم: اسمها مبني على الفتح، من الولدان: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لكريم. مصبوح: خبر لا. والشاهد فيه: ذكر خبر لا النافية، لكونه ليس يعلم إذا حذف، وقد يحذف إذا دلّ عليه دليل، كقولهم: لا بأس - ولا ضير. [شرح المفصل/ ١/ ١٠٧، والخزانة/ ٤/ ٢١٧]. ٢٥ - إذا سايرت أسماء يوما ظعينة ... فأسماء من تلك الظعينة أملح هذا البيت لجرير، وقوله: سايرت: جارت وباهت، الظعينة: أصله الهودج تكون فيه المرأة، ثم نقل إلى المرأة في الهودج بعلاقة الحالّية والمحلّية، ثم أطلقوه على المرأة مطلقا، راكبة أو غير راكبة. والشاهد «من تلك .. أملح» حيث قدم الجار والمجرور، على أفعل التفضيل (أملح) في غير الاستفهام، وذلك شاذ، لأن أفعل التفضيل إذا كان مجردا من (أل والإضافة) جيء بعده ب (من) جارة للمفضّل عليه، نحو «زيد أفضل من عمرو»، ولا يتقدم الجار والمجرور على اسم التفضيل إلا إذا كان المجرور اسم استفهام نحو «ممن أنت خير»؟. [الأشموني/ ٣/ ٥٢، والتصريح/ ٢/ ١٠٣]. ٢٦ - ولو أنّ ليلى الأخيلية سلّمت ... عليّ ودوني جندل وصفائح لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح البيتان لتوبة بن الحميّر، صاحب ليلى الأخيلية. والجندل: الحجر. والصفائح: الحجارة العراض التي تكون على القبور. زقا: صاح. الصدى: ذكر البوم، أو ما تسمعه

стр. 247

في الجبال كترديد لصوتك. يريد: أن ليلى الأخيلية لو سلّمت عليه بعد موته وهو في القبر، لسلّم عليها أو لناب عنه في تحيتها صدى يصيح من جانب القبر. والشاهد: وقوع الفعل المستقبل في معناه بعد «لو» وهذا قليل، وهو مستقبل وإن كان معناه ماضيا، لأنه لم يمت بعد. وقوله: ولو أن ليلى .. أن واسمها وخبرها، والمصدر المؤوّل: إمّا مبتدأ خبره محذوف، أو فاعل لفعل محذوف، تقديره: لو ثبت. [شرح المغني/ ٥/ ٣٩، والهمع/ ٢/ ٦٤، والأشموني/ ٤/ ٣٨]. ٢٧ - الآن بعد لجاجتي تلحونني ... هلّا التقدّم والقلوب صحاح البيت مجهول القائل يقول: أبعد لجاجتي وغضبي وامتلاء قلوبنا بالحقد تلومونني، وتتقدمون إليّ بطلب الصلح وغفران ما قدمتم من الإساءة. وهلا كان ذلك منكم قبل أن تمتلئ القلوب إحنة، وتحمل الضغينة عليكم بسبب سوء عملكم. والشاهد: قوله: هلّا التقدّم، حيث ولي أداة التحضيض اسم مرفوع، فيجعل هنا فاعلا لفعل محذوف، لأنّ أدوات التحضيض مخصوصة بالدخول على الأفعال وهذا الفعل ليس في الكلام فعل آخر يدلّ عليه ... ومثل هذا البيت، بيت في حرف «التاء» «إلا رجلا ... تبيت»، في بعض تخريجاته. [العيني/ ٤/ ٤٧٤، وابن عقيل/ ٣/ ١١٦]. ٢٨ - وضيف جاءنا والليل داج ... وريح القرّ تحفز منه روحا فطرت بمنصلي في يعملات ... خفاف الأيد يخبطن السّريحا البيتان للشاعر مضرّس بن ربعي الأسدي، يفخر بكرمه. قوله: وضيف الواو: واو ربّ، وجملة جاءنا صفة، وجملة والليل داج: حال، وجملة ريح القرّ: معطوفة على جملة الحال، والقرّ: البرد، وتحفز: تدفع، كأنّ هذا الضيف لما قاسى من شدة البرد ضعفت روحه، فصارت ريح القرّ، تدفع روحه من جثته لتخرجها منه. وقوله: فطرت: الجملة معطوفة على جواب ربّ المحذوف، أي: وربّ ضيف جاءنا، تلقيته بالإكرام، والمنصل: السيف، اليعملات: بفتح أوله وثالثه، جمع يعمله، وهي الناقة القوية على العمل. وخفاف: جمع خفيفة ويروى (دوامي الأيدي) دميت أيديها من شدة السير ووطئها على الحجارة، ويخبطن السريحا: أي: يطأن بأخفافهنّ الأرض، وفي الأخفاف السريح وهي خرق تلفّ بها أيدي الإبل إذا دميت وأصابها وجع، وقوله: بمنصلي: في موضع الحال

стр. 248

من (التاء)، أي: أسرعت ومعي سيفي، وأقبلت على اليعملات فعقرت ناقة منها، وأطعمت لحمها لضيفي، يريد أنه نحر لضيفه راحلة من رواحله وهو مسافر مع احتياجه لهنّ. والشاهد في البيت الثاني: حذف الياء من (الأيدي) لضرورة الشعر واكتفى بالكسرة الدالة عليها، ويروى: خفاف الوطء ولا حذف فيه. [سيبويه/ ١/ ٩، و ٢/ ٢٩١، والإنصاف ٥٤٥، وشرح المغني ٤/ ٣٣٦]. ٢٩ - تغيّرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبرّ قبيح تغيّر كلّ ذي طعم ولون ... وقلّ بشاشة الوجه المليح هذان البيتان منسوبان إلى أبينا آدم ﵇، وقد يكون قالهما، ولكن ليس بلفظهما، وإنما قال معناهما، أو أن الشاعر ترجم عن حال آدم ﵇ عند ما قتل قابيل أخاه هابيل، أما واضع لفظ البيتين فهو من المتقدمين، وقد يكون من أهل القرن الثاني الهجري، وفي النصف الثاني على وجه التحديد، عند ما بدأت مسائل النحو في الظهور، وبدأ الصراع بين الآراء. ولأنّ البيتين ذكرا في قصة بمجلس ابن دريد، المتوفى سنة ٣٢٥ هـ، وكان أبو بكر ابن دريد يحفظهما، وقد أنشدهما واحد ممن يحضر مجلسه، فشيوع البيتين في أيام ابن دريد دليل على أنّ واضعهما متقدم. والشاهد: وقلّ بشاشة بنصب «بشاشة» دون تنوين، حيث حذف التنوين لالتقاء الساكنين، لا للإضافة. وبشاشة: نكرة منتصبة على التمييز. والوجه: مرفوع، فاعل «قلّ» والمليح: بالرفع صفة الوجه، ومنهم من يرفع «بشاشة» مضافة إلى الوجه، وتكون فاعل «قلّ» والمليح: مجرور، ويكون في البيت إقواء، والرواية للشاهد، على نصب «بشاشة». [الإنصاف/ ٦٦٢، والهمع/ ٢/ ١٥٦]. ٣٠ - فما حسن أن يمدح المرء نفسه ... ولكنّ أخلاقا تذمّ وتمدح قال في كتاب «الجمل» وإذا قدموا خبر «ما» كان في تقديم الخبر رفع ونصب، فالرفع على الابتداء، وخبره، والنصب على تحسين الباء، (كذا) وذكر البيت، قال: «وينصب». ٣١ - دامنّ سعدك لو رحمت متيّما ... لولاك لم يك للصبابة جانحا البيت مجهول القائل، والمتيّم: الذي جعله الحب تيما وهو العبد، والصبابة: الشوق،

стр. 249

وقيل: رقته، وجانحا: مائلا، ولو: للتمني، وقيل: للشرط وجوابها محذوف، يدل عليه ما قبلها. والشاهد في البيت: تأكيد الفعل الماضي بنون التوكيد، وهو شاذ، وهو من الضرائر الشعرية، وجملة دامنّ سعدك: دعائية، والمعنى: ليدم سعدك. [الهمع/ ٢/ ٧٨، والأشموني/ ٣/ ٢١٣، وشرح أبيات المغني/ ٦/ ٤٣]. ٣٢ - لئن كانت الدنيا عليّ كما أرى ... تباريح من ليلى فللموت أروح البيت للشاعر ذي الرّمة، والتباريح: العذاب والمشقة، ويذكرون البيت شاهدا على زيادة لام القسم قبل أداة الشرط (إن) والجواب (فللموت أروح) يكون للشرط، لأنه جاء مقرونا بالفاء والمذهب السائد أنه إذا اجتمع قسم وشرط، يكون الجواب للسابق، وأقرب ما قيل: مذهب ابن مالك، بجواز الاستغناء بجواب الشرط مع تأخره وتبقى اللام للقسم. [شرح أبيات مغني اللبيب ج ٤/ ٣٦٦، وديوان الشاعر/ ١٢١٢]. ٣٣ - أتقرح أكباد المحبّين كالذي ... أرى كبدي من حبّ ميّة تقرح البيت للشاعر ذي الرّمة، ومعنى «تقرح» تضعف، وقد ذكر ابن هشام هذا البيت شاهدا على أن أحد النحويين يرى أنّ (الذي) في البيت بمعنى (أن) وأنّ (أن) تأتي بمعنى الذي ويكون المعنى كرؤية كبدي تقرح، ومع قبول المعنى، فإنه يكون مقبولا أيضا قولنا: مثل الذي أرى كبدي تقرح. [ديوان ذي الرّمة/ ١١٩٤، وفيه (.. المحبين كلهم .. كما كبدي من ..) فلا شاهد فيه وشرح أبيات المغني/ ٧/ ١٧٥]. ٣٤ - رأيت رجالا يكرهون بناتهم ... وفيهنّ - لا تكذب - نساء صوالح وفيهنّ - والأيام يعثرن بالفتى - ... عوائد لا يمللنه ونوائح البيتان للشاعر معن بن أوس المزني؛ مخضرم عاش حتى أيام ابن الزبير، وقوله في البيت الأول - لا تكذب - لا: ناهية، وتكذب، بالبناء للمجهول، ومعناه «لا يقل لك كذبا»، أي: لا تسمع كذبا فيكذبوا في القول عندك. وجملة - لا تكذب - معترضة بين المبتدأ والخبر (وفيهن نساء). وعوائد: جمع عائدة من عيادة المريض. وقد ذكر ابن هشام البيت الثاني شاهدا على

стр. 250

أنّ جملة «والأيام يعثرن بالفتى» معترضة بين المبتدأ والخبر. [الهمع/ ١/ ٢٤٧، وشرح أبيات المغني/ ٦/ ١٨٦]. ٣٥ - فلا، وأبي دهماء، زالت عزيزة ... على قومها ما فتّل الزّند قادح البيت مجهول القائل، ودهماء: اسم امرأة. وذكره ابن هشام شاهدا على اعتراض الجملة القسمية (وأبي دهماء) بين «لا» وبين «زالت». والأصل «فو أبي دهماء لا زالت عزيزة» وأحسن منه أن نقول إن «لا» التي تسبق «زال» محذوفة، كما في قوله تعالى: تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ [يوسف: ٨٥]، ويؤيّد هذا التفسير رواية أخرى للبيت هي «لعمر أبي دهماء زالت عزيزة»، وعلى هذا تكون «لا» في أول البيت، لردّ شيء ذكر قبلها، أي: فليس الأمر كذلك، وأبي دهماء. كما قيل في قوله تعالى: لا، أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ [القيامة: ١] على أنّ «لا» لنفي كلام سابق، وجملة «لا زالت» في البيت، جواب القسم. و (ما) من قول «ما فتّل» مصدرية ظرفية، يريد بها استمرار الحدث، وقد بقي هذا المصدر الظرفي مستمرا حتى أيامنا هذه، مع أنه متعلق ببعض العادات البائدة، إلا أنّ هذه العادة رجعت مع الحضارة في صورة القدّاحة. [الخزانة/ ٩/ ٢٣٧، شرح أبيات المغني/ ٦/ ٢٢٣، والهمع/ ٢/ ١٥٦]. ٣٦ - لزمنا لدن سالمتمونا وفاقكم ... فلا يك منكم للخلاف جنوح البيت مجهول القائل، وفيه شاهد على أنّ «لدن» مضاف إلى الجملة الفعلية، و «وفاقكم» مفعول «لزمنا» والجنوح: الميل. [شرح أبيات مغني اللبيب/ ٦/ ٢٨٦]. ٣٧ - تركت بنا لوحا ولو شئت جادنا ... بعيد الكرى ثلج بكرمان ناصح البيت لجرير بن عطية من قصيدة يمدح بها عبد العزيز بن مروان، واللوح: العطش، فعله لاح يلوح، وجادنا: أروانا، بعيد: تصغير لتقريب الزمن، وشبه ريقها بالثلج وأضافه إلى كرمان، لأنّ ثلجه كثير لا ينقطع عنه، ناصح: خالص، صفة للثلج، يعني: أن ريقها يوجد باردا كالثلج عقب النوم بلا فاصلة، وهذا غاية في اعتدال المزاج، لأن الريق ورائحة الفم يتغيران في النوم، والشاهد في البيت (جادنا بعيد الكرى ثلج) حيث نقل ابن هشام أنّ الظرف «بعيد» لا يتعلق بالفعل «جاد» لضعفه في المعنى. وقالوا: ربما يكون الظرف متعلقا ب «ثلج» لما فيه من معنى الفعل وهو وإن كان جامدا فإن فيه معنى «بارد»،
следующие страницы →