Полный текст (1 332 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
قوله: من حدّثتموه، من اسم استفهام بمعنى النفي، وهي في محل رفع مبتدأ.
حدثتموه: حدث: ماض مبني للمجهول. والتاء: فاعل، والواو: للدلالة على الجمع، حرف. والهاء: مفعول ثان. و «له علينا»: يتعلقان بمحذوف خبر مقدم. والولاء: مبتدأ مؤخر. والجملة في محل نصب مفعول ثالث، لحدّث ... والشاهد إعمال حدّث في ثلاثة مفاعيل، [ابن عقيل ج ١/ ٣٨٩، والأشموني ج ٢/ ٤١، والهمع ج ١/ ١٥٩، والدرر ج ١/ ١٤١].
٢١ - لا أقعد الجبن عن الهيجاء ... ولو توالت زمر الأعداء
.. البيت مجهول القائل، واستشهد به ابن مالك، وابن عقيل، على جواز نصب المفعول لأجله المحلى بأل كما في قوله «الجبن» .. والأكثر استخدامه مجرورا باللام.
[ابن عقيل/ ٢/ ٢٧، والدرر/ ١/ ١٦٧، والهمع/ ١/ ١٩٥، وشرح التصريح/ ١/ ٣٣٦، والأشموني/ ٢/ ١٢٥].
٢٢ - فجاءت به سبط العظام كأنّما ... عمامته بين الرجال لواء
البيت غير منسوب وهو شاهد على ورود الحال وصفا ملازما، على خلاف الغالب فيه من كونه وصفا منتقلا .. فقوله «سبط العظام»، حال من الضمير المجرور «به»، وسبط العظام: أراد أنه سويّ الخلق حسن القامة. و «لواء» هو ما دون العلم، وأراد أنه تام الخلق طويل، فكنى بهذه العبارة عن هذا المعنى. وهو يصف مولودا له.
[المرزوقي/ ٢٧٠، والأشموني/ ٢/ ١٧٠، وابن عقيل/ ٢/ ٦٩].
٢٣ - يا لك من تمر ومن شيشاء ... ينشب في المسعل واللهاء
البيت: لأبي المقدام الراجز، وقيل: لغيره: وقوله: الشيشاء: بكسر الشين الأولى، هو الشيص؛ وهو أردأ التمر، أو التمر الذي لم يلقح. ينشب: يعلق. والمسعل:
موضع السعال من الحلق. واللهاء: بفتح اللام: هنة مطبقة في أقصى سقف الفم ..
وقوله: يا لك: يا: حرف نداء، قصد به هنا التنبيه. لك: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر، لمبتدأ محذوف: أي: لك شيء. و «من تمر» جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الكاف في «لك» ...
والشاهد في البيت قوله «اللهاء». حيث مدّه للضرورة، وأصلها «اللها» بالقصر، [الهمع
стр. 72
ج ٢/ ١٥٧، والدرر ج ٢/ ٢١١، والأشموني ج ٤/ ١١٠، والخصائص ج ٢/ ٢٣١ والإنصاف/ ٧٤٦].
٢٤ - دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
.. البيت لأبي نواس، وذكره ابن هشام في المغني، على أنّ (عن) هنا اسم، في رأي الأخفش، وذلك عند ما يكون مجرورها وفاعل متعلقها ضميرين لمسمى واحد .. وأنكر ذلك ابن هشام، لأن شرط اسميتها أن تكون بمعنى (جانب) .. [شرح المغني ج ٣/ ٣١٩ والخزانة ج ١١/ ٤٣٤].
٢٥ - لوما الإصاخة للوشاة لكان لي ... من بعد سخطك في رضاك رجاء
... جاء البيت في المغني، مثالا على ورود «لوما» بمعنى لولا .. حرف شرط. وهو مجهول القائل. [شرح أبيات المغني ج ٥/ ١٣١، والأشموني ج ٤/ ٥٠، وشرح التصريح ج ٢/ ٢٦٣].
٢٦ - أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء
البيت لحسان بن ثابت، شاهد على حذف الموصول الاسمي، في رأي الكوفيين وابن مالك، إذا كان معطوفا على موصول آخر .. والتقدير «ومن يمدحه» [شرح أبيات المغني/ ٧/ ٣٠٥، والدرر/ ١/ ٦٧، والهمع/ ١/ ٨٨].
٢٧ - كأنّ خبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء
هو لحسان من مقدمة القصيدة التي منها البيت السابق .. والخبيئة: الخمرة. وبيت رأس: بلد في الأردن عرفت بخمرها في الجاهلية .. والبيت قاله حسان قبل تحريم الخمر. والبيت شاهد على جواز أن يقع اسم «كان» نكرة، وخبرها معرفة، إذا اجتمعا.
«مزاجها: خبر يكون، وعسل: اسم يكون». [سيبويه ج ١/ ٢٣، وشرح المفصل ج ٧/ ٩٣ والخزانة ج ٩/ ٢٢٤، وشرح أبيات المغني ج ٦/ ٣٤٩، واللسان (سبأ)].
٢٨ - وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
.. البيت، لزهير بن أبي سلمى، من قصيدة هجا بها قوما من غير إساءة إليه، فلما ظهر له ذلك ندم، وحلف ألا يهجو أهل بيت أبدا ... وهو يهزأ بالقوم ويتوعدهم ويريد:
стр. 73
إن كانوا رجالا فسيوفون بعهدهم، ويبقون على أعراضهم وإن كانوا نساء، فمن عادة النساء الغدر وقلة الوفاء ... وقوله: «أقوم» هذه رواية من ادّعى أنّ «القوم» خاص بالرجال ... والأقوى أنها تجمع بين الرجال والنساء ولذلك رووا البيت: «رجال آل حصن أم نساء»، وتكون الهمزة مقدرة قبل «رجال» وفي البيت شواهد، منها:
١ - إلغاء «إخال» لأنها وقعت بين سوف، وما دخلت عليه، وهنا التقدير، وسوف أدري.
٢ - تعليق «أدري» فلم تعمل في «أقوم» بسبب همزة الاستفهام، ويكون عملها في الجملة.
٣ - الشاهد الثالث أن «أم» في البيت، متّصلة، أي أن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، وتسمى أيضا «معادلة» لمعادلتها للهمزة في إفادة الاستفهام ...
ولكنها هنا من النوع الذي تقدمت عليها همزة يطلب بها وب أم التعيين .. والاستفهام معها باق على حقيقته. [شرح أبيات المغني ج ١/ ١٩٤ والدرر ج ١/ ١٣٦، وأمالي ابن الشجري ج ٢/ ٣٣٤].
٢٩ - إنّ سليمى - والله يكلؤها - ... ضنّت بشيء ما كان يرزؤها
.. البيت للشاعر إبراهيم بن علي بن هرمة (١٧٠ هـ) وهو آخر من يحتج بشعره. وفي البيت شاهد على الجملة الاعتراضية - والله يكلؤها - بين اسم إنّ، وخبرها [شرح أبيات المغني/ ٢/ ٢٠٢، واللسان «كلأ»].
٣٠ - ولا أراها تزال ظالمة ... تحدث لي قرحة وتنكؤها
.. البيت لابن هرمة، وهو مع سابقه من قصيدة واحدة .. وفيه شاهد على الجملة تعترض بين حرف النفي ومنفيه ولا - أراها - تزال، والأصل: وأراها لا تزال ظالمة والقرحة: الجراحة. وتنكؤها: تقشرها [شرح أبيات المغني ج ٦/ ٢٢١].
٣١ - نعم الفتاة فتاة هند لو بذلت ... ردّ التحية نطقا أو بإيماء
.. البيت مجهول القائل .. وقد أورده ابن هشام في المغني، والشاهد فيه «فتاة» فالمبرد يرى أنها تمييز، وأن التمييز يأتي مؤكدا .. وابن هشام يرى أن التمييز يكون مبينا،
стр. 74
وفتاة هنا: حال مؤكّدة ... وفيه شاهد أيضا على أنه لا يؤنث الفعل «نعم» مع الفاعل المؤنث، استغناء عن التاء بتأنيث التمييز المفسّر. [الأشموني ج ٣/ ٣٤ و ٤/ ٢٠٣، والهمع ج ٢/ ٨٦، والمغني، وشرح أبياته ج ٧/ ٢٩].
٣٢ - غافلا تعرض المنيّة للمر .. ... ء فيدعى ولات حين نداء
.. غافلا: حال من المرء. وفيه جواز تقدم الحال على صاحبه المجرور بحرف الجرّ الأصلي. [الأشموني ج ٢/ ١٧٧، والعيني ج ٣/ ١٦١]. ويروى بقافية (إباء).
٣٣ - متى يأت هذا الموت لا تبق حاجة ... لنفسي إلّا قد قضيت قضاءها
.. الشاهد قوله: إلا قد قضيت، فقد اقترنت جملة الفعل الماضي بعد إلا، ب (قد) وهو شاذ مخالف للقاعدة، ويخالف المسموع في فصيح الكلام. والبيت لقيس بن الخطيم. [الخزانة/ ٧/ ٣٥، والمرزوقي ص ١٨٦، والأشموني ج ٢/ ١٩٢، والعيني ج ٣/ ٢٢٢].
٣٤ - إذا عاش الفتى مئتين عاما ... فقد ذهب المسرّة والفتاء
.. الشاهد: مئتين عاما: جاء تمييز المئة منصوبا شذوذا .. وحقه الجرّ بالاضافة.
وثبتت النون في مائتين، ولو أضاف لحذفها: ويروى (تسعين عاما) ولا شاهد فيه. ولكن الشاعر الربيع بن ضبع الفزاري، ذكره ابن حجر في المعمّرين، يقال: عاش أربعين وثلثمائة عام والله أعلم. [سيبويه ج ١/ ١٠٦، والهمع ج ١/ ١٥٣، والأشموني ج ٤/ ٦٧، والخزانة ج ٧/ ٣٧٩].
٣٥ - والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء
.. البيت لابن خفاجة الأندلسي .. والشاهد فيه: «ذهب الأصيل»، و «لجين الماء» فالإضافة هنا تشبيهية، على تقدير كاف التشبيه، حيث أضيف المشبه به إلى المشبه ...
٣٦ - ليت شعري وأين منّي ليت ... إنّ ليتا وإنّ لوّا عناء
.. البيت: لأبي زبيد الطائي .. يريد أن يقول: إنّ أكثر التمني يكذب صاحبه ويعنّيه ولا يبلغ فيه مراده ... والشاهد في البيت: تضعيف «لو» حين جعلت اسما وأخبر عنها، لأن الاسم المفرد المتمكن لا يكون على أقل من حرفين متحركين، والواو في «لو» لا
стр. 75
تتحرك، فضوعفت، لتحتمل بالتضعيف الحركة وأراد ب لو هنا التي للتمني .. والبيت من شواهد سيبويه .. و «ليت» في البيت أريد لفظها، فكانت مبتدأ، خبره اسم الاستفهام «أين». وليتا: اسم إن، يريد لفظها [شرح المفصل/ ٦/ ٣٠، وسيبويه/ ٢/ ٣٢، والخزانة/ ٧/ ٣١٩].
٣٧ - فقلتم تعال يا يزي بن مخرّم ... فقلت لكم إنّي حليف صداء
.. البيت للشاعر يزيد بن مخرّم، دعي إلى الحلف، فأبى أن ينقض حلفه لصداء ويحالف غيرها، وصداء اسم فرسه، أي: لا أحتاج مع فرسي والاعتزاز بها إلى حليف.
وقيل: صداء: حي من بني أسد. والبيت في «الكتاب» شاهد على ترخيم «يزيد». ووصفه ب (ابن) [الخزانة/ ٢/ ٣٧٨، واللسان (صدى) وسيبويه ج ١/ ٣٣٥].
٣٨ - حشى رهط النبيّ فإنّ منهم ... بحورا لا تكدّرها الدلاء
... رواه «اللسان» عن الفرّاء، لغة في «حاشا» التي يستثنى بها.
٣٩ - وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء
البيت لحسان بن ثابت من قصيدته الهمزية، التي هجا فيها المشركين، وخصّ أبا سفيان بن الحارث، لأنه كان يهجو رسول الله ﷺ ويشير في البيت إلى نزول الملائكة لنصرة المسلمين. والبيت شاهد على أن «جبريل» إحدى اللغات في اسم الملك. وفي القرآن قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [البقرة: ٩٧] ومنها «جبرئيل» بفتح الجيم والهمز، وجاء الأخير في المرويّ عن النبي ﷺ في صاحب الصّور (جبرئيل عن يمينه) [الخزانة ج ١/ ٤١٦].
٤٠ - فتجمع أيمن منّا ومنكم ... بمقسمة تمور بها الدّماء
البيت لزهير بن أبي سلمى ... والأيمن: جمع يمين. وقوله: فتجمع .. الخ أي:
تحلفون ونحلف، وقوله: بمقسمة: الموضع يحلف فيه. ويروى بفتح الميم ويراد به القسامة. وزن سحابة ... وهو أن يتحالف الفريقان بأن أحدهم لم يفعل القتل، أو أن المدّعى عليه فعله، وعلى هذا يكون المعنى: تؤخذ أيمان مثل الأيمان التي تؤخذ في القسامة. وتمار فيها الدماء، أي: تسيل، والمراد دم البدن التي تنحر.
стр. 76
ومحل الاستشهاد: «أيمن» فإنه جمع يمين، واستشهد به الكوفيون على أن «أيمن الله» في القسم جمع وليس مفردا كما يزعم البصريون [الإنصاف/ ٤٠٥].
٤١ - فلا والله ما يلفى لما بي ... ولا للما بهم أبدا دواء
.. للشاعر مسلم بن معبد الوالبي، يقوله في ابن عمه عمارة بن عبيد. وقوله: لما بي .. أي: لما استقرّ بي وفي نفسي من الحزن مما يفعل به قومه .. و «ما بهم»، ما في أنفسهم من الغلّ والحقد، ومحل الاستشهاد. للما بهم: حيث أكد
الشاعر اللام الجارة ..
لما بهم، فأعادها بلفظها فقال للما بهم .. وهذا شاذ ... واستشهد به الكوفيون في مجال قولهم إن «كي» حرف نصب فقط وليست جارة، لدخول اللام عليها وحروف الجرّ لا تدخل على بعضها البعض .. وما جاء في البيت شاذ .. ويروى الشطر الثاني (وما بهم من البلوى دواء) فلا شاهد فيه. [الخزانة/ ٢/ ٣٠٨، والهمع/ ٢/ ١٢٥، والأشموني/ ٣/ ٨٣ وشرح المفصل/ ٧/ ١٧، ٨/ ٤٣].
٤٢ - كيف نومي على الفراش ولمّا ... تشمل الشام غارة شعواء
تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلة العذراء
لعبد الله بن قيس الرّقيات، وكدت أن أهمل هذا الشاهد لأني أكره أن أنشده، وأكره للناس أن ينشدوه .. فأهلي وموطني في الشام الكبير، وما أحبّ أن أذكر الشام إلا بخير .. والشاعر كان زبيريا حاقدا، ومن أجل حقده على الأمويين تمنى الدمار لأهل الشام، فبئس ما تمنى. ولن يحقق الله له ما طلب ..
وقوله: وتبدي عن: ضمنه معنى تكشف فعدّاه ب عن .. والخدام: بكسر الخاء:
الخلخال. والعقيلة: المرأة الكريمة. وجملة (تذهل) صفة لغارة في البيت الأول. وجملة (وتبدي) معطوفة. والشاهد: «خدام» حذف التنوين في موضع لا يحذف فيه، للضرورة.
والعقيلة: فاعل تبدي. وقيل: حذف التنوين، لأنه على تقدير مضاف إليه وهو الهاء، والأصل «عن خدامها».
[شرح المفصل/ ٩/ ٣٦، والإنصاف/ ٦٦١].
وفي «معجم الشعراء للمرزباني» نسب البيتين إلى محمد بن الجهم بن هارون السمري صاحب الفراء، آخر أبيات مدح بها الفرّاء، وفضّله في علم النحو. وجاء البيتان في آخر
стр. 77
المدح ويبدو أنهما مزادان في آخر الشعر، لأنهما منبتّان عما قبلهما. ونسبتهما إلى ابن قيس الرقيات مشهور، وهما في ديوانه. وانظر معجم الشعراء، مع المؤتلف ص ٤٥٠.
٤٣ - فوا كبدا من حبّ من لا يحبّني ... ومن عبرات ما لهنّ فناء
البيت لقيس العامري .. والشاهد: وا كبدا: فالواو حرف نداء وندبه و «كبدا» منادى مندوب .. متوجّع له. والألف في آخره زائدة للندبة، وقد تزاد أيضا الهاء للسكت في غير هذا الموضع. [ديوان الشاعر، والأغاني ج ٢/ ٤٦٢، وشرح التصريح ج ٢/ ١٨١].
٤٤ - أيها الناطق المرقّش عنا ... عند عمرو وهل لذاك بقاء
لا تخلنا على غراتك إنّا ... طالما قد وشى بنا الأعداء
فبقينا على الشّناءة تنمي ... نا جدود وعزّة قعساء
الأبيات من معلقة الحارث بن حلّزة اليشكري. والشاهد في البيت الثاني، وذكرت ما قبله وما بعده ليفهم ..
وقوله: المرقش: المزيّن، أراد الذي يزين القول بالباطل. يقول يا أيها الناطق عند الملك (عمرو) الذي يبلغه عنا ما يريبه في محبتنا إياه ودخولنا تحت طاعته، هل لهذا التبليغ بقاء؟ وهو استفهام إنكاري، لأن الملك يبحث عنه فيعلم ذلك من الأكاذيب.
وقوله: لا تخلنا: أي: لا تحسبنا. وعلى: بمعنى (مع) والغراة بالفتح والقصر، اسم بمعنى الإغراء، وروي على «غرائك» بالمد. وهو مضاف إلى فاعله، والمفعول محذوف، أي: الملك. وطالما: أي كثيرا ما، وهو فعل مكفوف عن الفاعل لاتصاله بما الكافة.
والشناءة: بالفتح والمد: البغض. وتنمينا: ترفعنا. والجدود: جمع جدّ، بالفتح، وهو الحظ والبخت. والقعساء: الثابتة.
والشاهد: حذف أحد مفعولي باب «علم» للقرينة. وهنا حذف المفعول الثاني للفعل «تخلنا» (نا) مفعول أول .. والثاني محذوف تقديره لا تخلنا هالكين أو جازعين [الخزانة ١/ ٣٢٤ و ٩/ ١٣٨، وشروح المعلقات].
٤٥ - فهم بطانتهم وهم وزراؤهم ... وهم الملوك ومنهم الحكماء
.. الشاهد غير منسوب، وهو في الهمع ج ١/ ٥٩، قال السيوطي: قد تكسر ميم
стр. 78
الجمع بعد الهاء قبل ساكن، وإن لم تكسر الهاء وأنشد البيت. بكسر الميم من «وهم» و «منهم» في الشطر الثاني. وانظر: الدرر ج ١/ ٣٤. ونقل عن الفرّاء أن العرب يقولون جميعا أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ [البقرة: ١٢] فيرفعون الميم من «هم» عند الألف إلا بعض بني سليم، فإنهم يكسرون الميم، وفيه أن القافية «ومنهم الحجّاب» فهما روايتان.
٤٦ - فذاك ولم - إذا نحن امترينا ... تكن في النّاس يدركك المراء
البيت غير منسوب. وهو شاهد على الفصل بين «لم» الجازمة، والفعل الذي جزمته .. والأصل في البيت: فذاك ولم تكن يدركك المراء إذا نحن امترينا .. قال أبو أحمد: إنّ البيت لم يقله شاعر، لأن الشاعر يريد ايصال معانيه إلى السامعين .. وهذا الفصل يحول دون ذلك. [شرح شواهد المغني ج ٥/ ١٤٢ والأشموني ج ٤/ ٥].
٤٧ - بادت وغيّر آيهنّ من البلى ... إلا رواكد جمرهنّ هباء
ومشجّج أمّا سواء قذاله ... فبدا وغيّر ساره المعزاء
[البيتان في كتاب سيبويه ج ١/ ١٧٣، هارون].
وقوله: بادت، أي: هلكت. ويريد بها المنازل. وآيهن: علامتهنّ. والرواكد: أحجار الأثفية. وهبا الرماد يهبو، إذا اختلط بالتراب ومشجج: المراد به وتد الخباء الذي شجّ رأسه من الدقّ. وساره: بقيته. وسواء قذاله: وسطه. والمعزاء: الأرض الصلبة ذات الحصى. يقول: لم يبق من آثار منازل الأحباب سوى أحجار الأثافي ورمادها المختلط بالتراب ووتد الخباء المكسور الرأس، المتغير بطول بقائه في الأرض.
والشاهد: رفع مشجج، ولم يعطفه على رواكد - المنصوب - على تقدير «وفيها مشجج» وحمل مشجج بالرفع على المعنى، لأن المعنى: بادت إلا رواكد، بها رواكد، فحمل مشجج على ذلك، ومثله بيت الفرزدق الذي سيأتي:
«لم يدع .. من المال إلا مسحتا أو مجلّف»
[وقد استشهد الزمخشري في الكشاف، بالبيتين في تفسير سورة الواقعة عند قوله تعالى وَحُورٌ عِينٌ بالرفع، على تقدير «وفيها حور عين»، والخزانة/ ٥/ ١٤٧].
٤٨ - هيهات قد سفهت أميّة رأيها ... فاستجهلت حلماءها سفهاؤها
стр. 79
حرب تردّد بينها بتشاجر ... قد كفّرت آباؤها، أبناؤها
.. البيتان نسبهما ابن منظور إلى الفرزدق. قال: والتكفير: أن يتكفّر المحارب في سلاحه ومنه قول الفرزدق ... قال: رفع «أبناؤها» بقوله «تردّد» ورفع «آباؤها» بقوله «قد كفرت» أي: كفّرت آباؤها في السلاح، [اللسان - مادة كفر، والمقرّب ج ١/ ١٣٠].
٤٩ - فكسوت عار لحمة فتركته ... جدلا يسحّب ذيله ورداءه
البيت غير منسوب في الهمع ج ١/ ٥٣، وأنشده شاهدا على تقدير الفتحة على الياء في قوله «عار» ولو جرى على الأصل لقال: فكسوت عاريا، وقد أثبت صورة الشاهد كما جاءت في الهمع ولكن محقق الدرر، أثبته هكذا «وكسوت عاري لحمه» بإثبات الياء في «عاري» وإضافته إلى «لحمة» ولا ضرورة في هذه الصورة، لأن البيت من البحر الكامل، ويصحّ في هذه الصورة إظهار الفتحة على الياء. [انظر الدرر بتحقيق عبد العال مكرم ج ١/ ١٦٥].
٥٠ - غافلا تعرض المنيّة للمر ... ء فيدعى ولات حين إباء
البيت شاهد على تقدم الحال (غافلا) على صاحبه المجرور (للمرء) ولات بمعنى ليس، واسمها محذوف، وحين خبرها، والتقدير: وليس الوقت وقت إباء، وقد مرّ البيت بقافية (نداء) [الأشموني ج ٢/ ١٧٧ / والعيني ٣/ ١٦١].
٥١ - إنّ الذي - وهو مثر - لا يجود، حر ... حر بفاقة تعتريه بعد إثراء
البيت غير منسوب، وهو في الهمع ج ١/ ٨٨، وذكره شاهدا على الفصل بين الموصول وصلته بجملة الحال. (وهو مثر)، و «لا يجود»، جملة الصلة وحر: خبر إن.
٥٢ - لا يني الخبّ شيمة الخبّ ما دا ... م فلا تحسبنّه ذا إرعواء
البيت [في الهمع ج ١/ ١١٢، وأنشده شاهدا على إعمال لا يني «عمل» لا يزال، على أن لا تكون من «ونى» بمعنى فتر، [الهمع ج ١/ ١١٢، والدرر ج ١/ ٨٢]. والخب، الأول بالكسر الخداع والخبث. والثاني بالفتح، صفة لمن قام به ذلك، يقال: رجل خبّ.
٥٣ - قالوا أخفت فقلت: إنّ وخيفتي ... ما إن تزال منوطة برجائي
стр. 80
البيت أنشده ابن مالك في فصل عقده ل إنّ ترادف «نعم» من شرح التسهيل ونسبه لبعض الطائيين.
والهمزة في قوله «أخفت»؟ للاستفهام. وإنّ، بمعنى «نعم» حذف جملة الكلام بعدها والتقدير، فقلت: نعم، خفت، لكن خيفتي مقترنة بالرّجاء، فليست بخيفة محضة. وإن، بعد «ما» زائدة [شرح أبيات المغني/ ٨/ ٦].
٥٤ - فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها ... ومن بعد أرض بيننا وسماء
.. البيت ليس منسوبا، والشاعر يتوجع لما يصيبه من الأسى والحزن، عند تذكره محبوبته، ولما بينهما من بعد المسافة وطول الشقة ... والشاهد: مجيء أوه بسكون الواو وكسر الهاء، وهو اسم فعل مضارع، وفيه لغات، انظر (شرح المفصل ج ٤/ ٣٩ والخصائص ج ٢/ ٨٩، والهمع ج ١/ ٦١)
٥٥ - ما إن رأيت ولا أرى في مدّتي ... كجواري يلعبن بالصحراء
البيت غير منسوب. وقوله: ما إن رأيت: إن، زائدة، مؤّكدة لما النافية. وفي مدتي، أي: في عمري. وجملة «ولا أرى ..» معترضة بين أرى البصرية وبين مفعولها، وهو الكاف من قوله «كجوار». فإنها اسمية ولا يصّح جعلها حرفّية، والجواري: جمع جارية، وهي الشّابّة. والصحراء: البرّية، والخلاء.
والشاهد «كجواري» على أنّ ظهور الجّر والتنوين على الياء، ضرورة.
[الخزانة/ ٨/ ٣٤١ وشرح المفصل ج ١٠/ ١٠١].
٥٦ - ألا أبلغ بنيّ بني ربيع ... فأنذال البنين لكم فداء
بأني قد كبرت ودّق عظمي ... فلا تشغلكم عنّي النساء
البيتان للربيع بن ضبع الفزاري، جاهلي عاصر النبي ﷺ ولم يلقه، وكان قد عمّر طويلا.
.. وقوله: فأنذال البنين .. الخ جملة دعائية معترضة .. وقوله بأني .. متعلقة بقوله:
أبلغ في البيت المتقدم [الخزانة ج ٧/ ٣٨١].
٥٧ - ألا أيّهذا النّابح السّيد إنّني ... على نأيها مستبسل من ورائها
стр. 81
البيت في حماسة أبي تمام، للشاعر الأخضر بن هبيرة، والسّيد: بكسر السين:
اسم قبيلة، والنابح: مستعار للمتعرض المؤذي.
قال المرزوقي: وصف أيّ بذا، غير جار على سنن ما يجلب له الصفات، لأن الصفة شرح الكلام وتبيينه ومزيل اللبس عنه، وإذا كان أيّ وذا، مبهمين، فالانشراح غير حاصل، بهما، لكنه لما كان المعول على ما يتبعه من المعرف بالألف والام، صار «ذا» كأنه لا اعتداد به في الشرح.
وقوله: على نأيها: موضعه نصب على الحال، لأن المعنى، استبسل من ورائها بعيدة.
[الحماسة، القطعة ١٩١، والمقرّب ج ١/ ١٧٦].
стр. 82
باب الباء
١ - له ملك ينادي كلّ يوم ... لدوا للموت وابنوا للخراب
منسوب للإمام علي. والضمير في «له» يعود إلى الله تعالى. والبيت شاهد على أن اللام في قوله للموت تسمى لام العاقبة، أو الصيرورة، وهي فرع لام الاختصاص. وهو مذهب الكوفيين [الخزانة/ ٩/ ٥٢٩، والهمع/ ٢/ ٣٢، وشرح التصريح/ ٢/ ١٣].
٢ - سراة بني أبي بكر تسامى ... على كان المسوّمة العراب
.. مجهول. وسراة: قيل: جمع سريّ، وقيل: اسم جمع له، وهو الشريف.
والمسوّمة: الخيل التي جعلت عليها علامة. وتسامى: أصله تتسامى بتائين، من السمو، وهو العلو، ويريد: الركوب. والعراب: الخيل العربية. والبيت شاهد على أن «كان» فيه زائدة بين الجار والمجرور لا تعمل، ولا تفيد
شيئا إلا محض التوكيد. [شرح المفصل/ ٧/ ٩٨، ١٠٠، والتصريح/ ١/ ١٩٢، والهمع/ ١/ ١٢٠، والأشموني/ ١/ ٢٤١].
٣ - إنّ السيوف غدوّها ورواحها ... تركت هوازن مثل قرن الأعضب
.. البيت للأخطل من قصيدة مدح بها العباس بن محمد بن عبد الله بن العباس.
والشاهد: غدوّ: فإنّه بدل من السيوف، وهو بدل اشتمال، روعي المبدل منه في اللفظ، بإرجاع الضمير إليه من الخبر، ولم يراع البدل، ولو روعي لقيل: تركا بالتثنية.
ونصب غدوّها: على الظرف كأنه قال: إن السيوف وقت غدوها ورواحها. [اللسان - عضب. والأشموني ج ٣/ ١٣٢، والخزانة ج ٥/ ١٩٩].
٤ - لا أشتهي يا قوم إلّا كارها ... باب الأمير ولا دفاع الحاجب
стр. 83
للشاعر موسى بن جابر الحنفي .. والشاهد «باب الأمير»، منصوب «بلا أشتهي» ..
ونفوا أن يكون «كارها» حال من أشتهي، لأن الشهوة والكره لا يجتمعان ولكنه حال من فعل مقدر، والمعنى: لا أشتهي باب الأمير ولا آتيه إلا كارها.
وليس كما قالوا: فهو يشتهي باب الأمير كارها الذلّ، قال المرزوقي: يصف بهذا الكلام ميله إلى البدو، وتفضيله رجاله على رجال الحضر، فيقول: لا أتمنى ورود باب الأمراء، ومدافعة الحجّاب، ولا أعلّق شهوتي بهما إلا على كره، وعن داعية عارضة، قال: وانتصب كارها على الحال.
هذا: والشاعر موسى: .. شاعر نصراني جاهلي .. قال أبو العلاء: موسى منقول عن العبرانية ولم أعلم أن في العرب من سمي موسى زمان الجاهلية، وإنما حدث هذا في الإسلام .. قال محقّقا الحماسة المرزوقية: وهذا معترض بما ذكره المرزباني في معجمه ..
قال أبو أحمد: ولا اعتراض على كلام أبي العلاء، فقد ذكر المرزباني عشرة شعراء ممن تسمّوا ب (موسى) وتتبّعت هؤلاء الشعراء، فوجدتهم إسلاميين ما عدا موسى بن جابر صاحب الشاهد. وموسى بن حكيم العبشمي، لم يذكر المرزباني زمنه. وعلى هذا، فقول أبي العلاء هو الصحيح. والله أعلم.
[الخزانة ج ١/ ٣٠٠، والمرزوقي ص ٣٦٣].
٥ - كأنّه وجه تركيّين إذ غضبا ... مستهدف لطعان غير تذبيب
البيت للفرزدق من قصيدة رائية، وليست بائية، هجا بها جريرا، يتهكم به، وجعله امرأة ... والبيت في سياق ما قبله
هكذا:
ولا يحامي عن الأحساب منفلق ... مقنّع حين يلقى فاتر النّظر
هدرت لما تلقتني بجونتها ... وخشخشت لي حفيف الريح في العشر
ثم اتّقتني بجهم لا سلاح له ... كمنخر الثور معكوسا من البقر
كأنه وجه ... ... ... غير منجحر
.. فهو يتحدث عن فرج المرأة التي وصف جريرا بها: شبّه كل فلقة من الفرج بوجه تركي: قال: والأتراك غلاظ الوجوه عراضها، حمرها، وعند غضبهم تشتدّ وجوههم
стр. 84
حمرة. ومستهدف: صفة لوجه، وهو اسم فاعل من «استهدف». واستهدف: انتصب.
كما قال النابغة:
وإذا طعنت طعنت في مستهدف ... رابي المجسّة بالعبير مقرمد
.. وشيء مستهدف: أي: عريض ... وقوله: غير منجحر: في رواية البيت الصحيحة: اسم فاعل من انجحر، أي: دخل حجره.
والشاهد: كأنه وجه تركيّين ...
على أنه إذا أضيف الجزآن لفظا ومعنى إلى متضمّنيها المتحدين بلفظ واحد، فلفظ الإفراد في المضاف أولى من لفظ التثنية كما في البيت. فإن تركيّين متضمّنان، ولفظهما متّحد، لجزأيهما وهما الوجهان، فإن وجه كل أحد جزء منه، فلما أضيف إليهما أضيف بلفظ المفرد. وهو أولى من التثنية ... والقاعدة: أن كل ما في الجسد منه شيء واحد لا ينفصل: كالرأس والأنف واللسان والظهر والبطن والقلب، فإنك إذا ضممت إليه جاز فيه ثلاثة وجوه:
١ - الجمع، وهو الأكثر، لقوله تعالى فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [التحريم: ٤].
٢ - الإفراد: كقولك «ضربت ظهر الزيدين». وكما في البيت الشاهد.
٣ - التثنية: كقولك: ما أحسن رأسيهما.
... وقوله في الأبيات التي سبقت الشاهد: «منفلق» كناية عن ذات الفرج. والجونة، بضم الجيم: العلبة، ودرج الطيب. والخشخشة: صوت السلاح، ونحوه. وحفيف:
مفعول مطلق، أي خشخشته كحفيف الريح، وهو صوت الريح إذا مرت على الأشجار.
والعشر شجر عظيم له شوك. والهدير: صوت شقشقة الجمل. يقول: لما برزت لمحاربتي، وكان سلاحها جونتها، وكان صوتها مؤنثا ضعيفا كصوت الريح المارة بالأشجار، هدرت عليها كالفحل الهائج، فأدهشتها.
وقوله: ثم اتقتني بجهم لا سلاح له: الجهم: الغليظ الشفتين، كناية عن الفرج وأراد بالسلاح: الشعر النابت حوله، وشبهه بمنخر الثور حالة كونه معكوسا. والعكس: أن يشدّ حبل في منخره إلى رسغ يديه ليذل. وحينئذ يرى شقّه أوسع. [الخزانة/ ٧/ ٥٤٠، واللسان (طعن)].
стр. 85
٦ - إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة ... سهيل أذاعت غزلها في القرائب
لم أعرف قائله ... والخرقاء: المرأة التي لا تحسن عملا. أذاعت: فرّقت.
والقرائب: نساء الحيّ. وسهيل: نجم: عطف بيان لكوكب الخرقاء. يريد: أنها لما فرطت في غزلها في الصيف، ولم تستعد للشتاء، استغزلت قرائبها عند طلوع سهيل سحرا، وهو زمن وجود البرد.
والبيت شاهد: على أنّ الشيء قد يضاف إلى الشيء لأدنى ملابسة، فأضاف الكوكب إلى الخرقاء، لأنها بدأت تغزل حين طلع ... وهذه الإضافة: من المجاز اللغوي، وقيل:
من المجاز العقلي [اللسان - قرب، وشرح المفصل ج ٣/ ٨، والخزانة/ ٣/ ١١٢].
٧ - كأنّ فعلة لم تملأ مواكبها ... ديار بكر ولم تخلع ولم تهب
.. البيت للشاعر الفاسق، المتنبي، يرثى «خولة» أخت سيف الدولة وكنى عنها بلفظ «فعلة». ومنعها من الصرف، لأن موزونها ممنوع كذلك ... ويذكر من مآثرها: المواكب، والأموال التي كانت تمنحها .. وهذه من مساوئها، وليست من محاسنها، ولو كانت شريفة الفعال ما فعلت ذلك، لأن فعلها ينافي الشرع والمصالح العامة. فهذه الأموال التي تنفقها، كانوا يسرقونها من أقوات المظلومين ... وما جرّ النكبات على أمة العرب إلا أمثالها، وأمثال أخيها سيف الدولة، لانفصاله عن جسم الأمة، وتكوين دولة، وكانت عواقب هذا الصنيع وخيمة، مع ما صوّره الشعراء الكاذبون من معارك مع الروم، وما جنينا من تاريخ هذه الدويلات الهزيلة التي قامت في القديم، إلا هذا التمزق الذي نجده اليوم، واعتبار هذا التمزق أمرا شرعيا ندافع عنه، وندعمه بالقوانين والدساتير الأرضية، وقرارات هيئة الأمم مجمع الكفر والضلال ... قبّح الله خولة أخت سيف الدولة، وقبّح الله منافقا، ذكرها بخير ... وصدق الفرزدق في قوله، وهو يهجو جريرا، ويشبهه بامرأة:
ولا يحامي عن الأنساب منفلق ... مقنّع حين يلقى فاتر النّظر
وإذا كنت قد مدحت المتنبي في مواطن من هذا الكتاب، فإنني أمدح فصاحته وقوة شعره، ولصوقه بكلام العرب الأعراب. أما أخلاقه فهي غير محمودة عندي. لأنّ أمثاله من الشعراء الذين كانوا يطلبون المال، هم الذين جعلوا الأقزام عماليق.
٨ - فقام أبو ليلى إليه ابن ظالم ... وكان إذا ما يسلل السّيف يضرب
стр. 86
البيت للفرزدق، يذكر الحارث بن ظالم، وكنيته أبو ليلى، وهو جاهلي ضرب المثل بفتكه وحمايته الجار .. والبيت شاهد للجزم ب: إذا ما، حيث جزمت فعل الشرط، «يسلل» وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين. ويضرب: مجزوم، وحرّك بالكسر للشعر.
ولكن البيت يروى أيضا «وكان متى ما يسلل ... الخ».
وقبل البيت الشاهد:
لعمري لقد أوفى وزاد وفاؤه ... على كلّ جار جار آل المهلّب
كما كان أوفى إذ ينادي ابن ديهث ... وصرمته كالمغنم المتنهّب
... وقوله: أوفى: لغة في «وفى بالعهد، كوعى» ضد غدر. والجار: هنا: المجير - اسم فاعل -. وفاعل «أوفى» الأول ضمير سليمان بن عبد الملك، فإنه أجار يزيد ابن المهلب من الحجاج لما هرب من حبسه وجاء إليه، فأرسله مع ابنه أيوب إلى أخيه الوليد ابن عبد الملك، وكتب إليه يشفع فيه، فقبل شفاعته.
وفاعل «أوفى» الثاني، ضمير أبي ليلى، تنازعه هو و «قام» في البيت الشاهد. وابن ديهث: فاعل «ينادي». والصرمة: القطعة من الإبل ما بين العشرين إلى الثلاثين. يشير إلى قصة امرأة اسمها «ديهث» استجارت بأبي ليلى ومعها ابنها، حيث نهبت إبلها، فأجارها وردّ عليها ما أخذ منها. [الخزانة/ ٧/ ٧٧].
٩ - كم دون ميّة من خرق ومن علم ... كأنّه لامع عريان مسلوب
... البيت للشاعر ذي الرّمّة: وميّة: اسم محبوبة ذي الرمّة، ولقبها الخرقاء.
والخرق: الأرض الواسعة. والعلم: الجبل، والمنار الذي يهتدى به في الطرق. وجملة «كأنّه» صفة للعلم. شبهه برجل عريان سلب ثوبه فهو يشير إلى القوم. واللامع: من لمع الرجل بيده، إذا أشار، والموصوف محذوف أي: رجل لامع. وكم: في البيت للتكثير.
والشاهد: عريان: فقد جاء في ضرورة الشعر ممنوع الصرف، تشبيها بباب «سكران».
ومذهب الكوفيين جواز منع التنوين في كل اسم للضرورة. وعريان: حقّه التنوين، لأنه مذكر عريانة، والذي يمنع
من الصرف ما كان مؤنثه على وزن «فعلى» مثل «سكران، وسكرى، وعطشان وعطشى»، [الخزانة/ ١/ ٢٥٣].
стр. 87
١٠ - معاذ الإله أن تكون كظبية ... ولا دمية ولا عقيلة ربرب
هذا البيت، من أبيات عشرة للبعيث أوردها أبو تمام في الحماسة، وهي من أرقّ الشعر وأجمله وأصدقه، وأولها:
خيال لأمّ السّلسبيل ودونها ... مسيرة شهر للبريد المدئّب
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ... فردّ بتأهيل وسهل ومرحب
معاذ الإله ...
ولكنها زادت على الحسن كلّه ... كمالا ومن طيب على كلّ طيّب
... أم السلسبيل: امرأة. والبريد: الدابة المركوبة، معرّب (دم بريدة) أي: محذوفة الذنب، لأن الرسل كانت تركب البغال المحذوفة الذنب، ويطلق على الرسول أيضا لركوبه إياها ... و «معاذ الله» منصوب على المصدر، أي: أعوذ بالله معاذا. وكأنه أنف وتبرّأ من أن تكون هذه المرأة في الحسن. بحيث تشبّه بالظبية، أو الصورة المنقوشة، أو بكريمة من بقر الوحش. والدمية: الصورة من العاج ونحوه، سميت دمية لأنها كانت أولا تصوّر بالحمرة، فكأنها أخذت من الدمّ.
والشاهد: أن «أل» في «الله» بدل من همزة «إله». فلا يجمع بينهما إلا قليلا. كما في هذا البيت. [المرزوقي ص ٣٧٨، والخزانة ج ٢/ ٢٧٧].
١١ - لقد علم الحيّ اليمانون أنّني ... إذا قلت أمّا بعد إني خطيبها
البيت لسحبان وائل .. وقد روي «أني» الثانية بكسر الهمزة وفتحها. أما الكسر فعلى أن جملة «إني خطيبها» خبر أنني المفتوحة الهمزة. ولا يجوز فتحها لئلا يؤدّي إلى الإخبار بالحدث عن اسم العين.
وأما فتحها، فعلى أنها تكرير للأولى على وجه التوكيد، وخطيبها خبر أنّ الأولى ولا خبر لأنّ الثانية لأنها جاءت مؤكدة للأولى.
وأما بعد: كلمة يبتدئ بها الخطباء والكتّاب كلامهم، كأنهم يستدعون بها الإصغاء لما يقولونه .. وكثيرا ما تأتي عقب «الحمد لله» وتسمّى حينئذ فصل الخطاب، كأنها فصلت
стр. 88
بين الكلام الأول والثاني. وتأتي عقب البسملة وتأتي ابتداء كأنها عقب الفكر والرّوية [الخزانة/ ١٠/ ٣٦٩،
واللسان (سحب)].
١٢ - ويلمّها روحة والريح معصفة ... والغيث مرتجز والليل مقترب
هذا البيت من قصيدة طويلة لذي الرّمّة، وهذا البيت من أواخرها. شبه بعيره بالنعام في شدة العدو، ثم وصف النعام بما يقتضي شدّة إسراعه ... والروحة، تكون عودة المساء، ومعصفة: شديدة، من الفعل المزيد «أعصف» ويقال أيضا: «عصف». والغيث هنا: الغيم. ومرتجز: مصوّت، يريد صوت الرعد. ومقترب: قد قرب. وقوله: ويلمها:
.. هناك كلام في «تركيبها» وإعرابها، وكلام في معناها: أما المعنى: فهو مدح خرج بلفظ الذمّ. والعرب تستعمل لفظ الذم في المدح يقال: أخزاه الله ما أشعره! ولعنه الله ما أجرأه. ويستعملون لفظ المدح في الذم: يقال للأحمق: يا عاقل، وللجاهل: يا عالم ومعنى هذا: يا أيها العاقل عند نفسه، أو عند من يظنه عاقلا. أما قولهم: أخزاه الله ما أشعره! ونحو ذلك من المدح الذي يخرجونه بلفظ الذم فلهم في ذلك غرضان: أحدهما:
أن الإنسان إذا رأى الشيء فأثنى عليه ونطق باستحسانه، فربما أصابه بالعين وأضرّ به، فيعدلون عن مدحه إلى ذمه، لئلا يؤذوه. والثاني: يريدون أنه قد بلغ غاية الفضل وحصل في حد من يذم ويسب، لأن الفاضل يكثر حساده، والمعادون له، والناقص لا يلتفت إليه.
والشاهد: روحة. على أن «روحة» تمييز عن المفرد، لأن الضمير في «ويلمها» مبهم، لم يتقدم له مرجع، فإذا كان الضمير غير مبهم، يكون التمييز عن النسبة كقول امرئ القيس في المعلقة، «فيا لك من ليل» حيث يعود على قوله: «ألا أيها الليل الطويل» [الخزانة/ ٣/ ٢٧٣].
١٣ - فبيناه يشري رحله قال قائل ... لمن جمل رخو الملاط نجيب
والرواية الصحيحة ذلول بدل نجيب
البيت، منسوب للعجير السلولي، وينسب للمخلّب الهلالي، في قصيدتين، تتقارب معانيهما، ولكن القصيدتين بقافية اللام. [الخزانة/ ٥/ ٢٥٧، هارون].
وسبب هذا التحريف، أن النحويين يعتمدون على الأبيات المفردة غالبا، لأنهم يهتمون
стр. 89
باللفظ المفرد في البيت، ولذلك وقعوا في أخطاء كثيرة، وأساءوا إلى القصيدة العربية، لإشاعة فكرة أن البيت وحدة القصيدة وأنّ القصيدة، مفككة المعاني لاستقلال البيت بالمعنى.
وقوله: يشري: هنا بمعنى يبيع، وهو من الأضداد. والرحل: كل شيء يعدّ للرحيل من وعاء للمتاع، ومركب للبعير ورسن .. الخ. والملاط: بكسر الميم الجنب. ورخو الملاط: سهله وأملسه .. وصف بعيرا ضلّ عن صاحبه فيئس
منه، وجعل يبيع رحله، فبينما هو كذلك سمع مناديا يبشّر به، وإنما وصف ما ورد عليه من السرور بعد الأسف والحزن .. ومطلع المقطوعة:
وجدت بها وجد الذي ضلّ نضوه ... بمكة يوما والرّفاق نزول
والبيت شاهد على أن واو «هو» قد يحذف ضرورة، كما في البيت في قوله «فبيناه»، فإن الأصل: فبينا هو يشري.
وبينا: ظرف زمان. هو: مبتدأ. وجملة يشري: خبر. والجملة مضاف إليه [الخزانة/ ٥/ ٢٥٧، والخصائص/ ١/ ٦٩، والإنصاف/ ٥١٢، وشرح المفصل/ ٣/ ٩٦].
١٤ - فقلت انجوا عنها نجا الجلد إنّه ... سيرضيكما منها سنام وغاربه
.. البيت منسوب لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت .. والنجا: ما سلخته عن الشاة والبعير، يكتب بالألف لأنه من «نجا ينجو» والبيت شاهد على أن الفراء يجيز إضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان، فإن النجاء والجلد مترادفان وقد تضايفا .. والظاهر أنه ليس كما قال الفرّاء، فالخطاب في قوله «انجوا» لضيفين طرقا الشاعر، فنحر لهما ناقة، فقالا: إنها مهزولة، فقال لهما: قشّرا عنها لحمها وشحمها كما يقشّر الجلد فإنها سمينة. وقوله: وغاربه: الغارب: ما بين السنام والعنق. يريد أن السنام والغارب، تجدان فيهما شحما ولحما. فقوله «نجا الجلد»، «النجا» هنا اسم مصدر بمعنى «النجو» منصوب على أنه مفعول مطلق وليس اسما للجلد. لأنه يقول: اقشرا عنها اللحم والشحم مثل قشر الجلد عن الجسم. [الأشموني ج ٢/ ٢٤٣، والخزانة ج ٤/ ٣٥٨].
١٥ - فهلّا أعدّوني لمثلي - تفاقدوا - ... إذا الخصم أبزى مائل الرأس أنكب
.. هذا البيت، من أبيات خمسة في الحماسة لبعض بني فقعس، أولها:
стр. 90
رأيت مواليّ الألى يخذلونني ... على حدثان الدّهر إذ يتقلّب
وبعد البيت الشاهد:
وهلّا أعدّوني لمثلي - تفاقدوا - ... وفي الأرض مبثوث شجاع وعقرب
... وقوله: أبزى: من قولهم: رجل أبزى وامرأة بزواء، وهو الذي يخرج صدره ويدخل ظهره، وأبزى هنا، مثل، ومعناه الراصد المخاتل، لأن المخاتل ربما انثنى فيخرج عجزه. والأنكب: المائل. ومائل الرأس: أي: مصعّر من الكبر ... ومواليّ: في بيت المطلع: أبناء العم. وعلى حدثان .. الخ: حال، أي: يخذلونني مقاسيا لما يحدث.
وقوله: في البيت الشاهد: «تفاقدوا» دعاء، اعترض به بين أول الكلام وآخره. يقول: هلا جعلوني عدة لرجل مثلي - فقد بعضهم بعضا، وقد جاءهم الخصم .. وكني في البيت الثالث عن الأعداء بالشجاع (الحية)، والعقرب.
والشاهد: أن إذا الشرطية، يجوز عند الكوفيين وقوع الجملة الاسمية بعدها، لكن بشرط كون خبرها فعلا، إلا في الشاذ، كهذا البيت، والجملة الاسمية «الخصم أبزى»، وقيل: أبزى: فعل، أي: تحامل على خصمه ليظلمه. وعليه: فالخصم مرفوع بفعل يفسره أبزى. (ومائل الرأس) بدل من الخصم [الخزانة/ ٣/ ٢٩، ٣٧، والمرزوقي/ ٢١٤].
١٦ - لنا إبلان فيهما ما علمتم ... فعن أيّة ما شئتم فتنكّبوا
.. بيت مفرد أنشده أبو زيد في نوادره، ونسبه الصاغاني في العباب لشعبة بن قمير، شاعر مخضرم، أسلم زمن النبي ﷺ ، ولم يره. وقوله: ما علمتم: أي ما علمتم من قرى الأضياف وتحمل الغرامات، فخذوا عن أيهما ما شئتم فإنها مباحة .. والتنكب: التجنب.
وقد يكون المعنى: فتجنبوا فإنها محفوظة بنا.
والشاهد: أنه يجوز تثنية اسم الجمع، على تأويل: فرقتين وجماعتين. لأن القياس يأبى تثنية الجمع، ذلك أن الغرض من الجمع الدلالة على الكثرة، والتثنية تدل على القلة فإذا جاء شيء من ذلك عنهم تأولوه على الإفراد [شرح المفصل/ ٤/ ١٥٤، واللسان (نكب)].
١٧ - ولولا دفاعي عن عفاق ومشهدي ... هوت بعفاق عوض عنقاء مغرب
لا يعرف قائله .. وهو شاهد على أن «عوضا» المبني قد يستعمل للمضيّ ومع الإثبات
стр. 91
لفظا، فإن (هوت) ماض مثبت وهو عامل في عوض، لكنه منفي معنى.
وعفاق: الذي دافع عنه الشاعر، لم يعرف، وممن سمي «عفاق» رجل كان على الشرطة مع على بي أبي طالب. والعنقاء: طائر خرافي لا وجود له. فإذا قيل: «عنقاء مغرب» بالوصف أو الإضافة، أرادوا «الداهية» وهذا ما يريده الشاعر هنا [الخزانة/ ٧/ ١٢٩].
١٨ - ولو ولدت قفيرة جرو كلب ... لسبّ بذلك الجرو الكلابا
هذا البيت من قصيدة لجرير يهجو بها الفرزدق، مطلعها:
أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت لقد أصابا
وهو من الشواهد في حرف الباء. وقبل البيت الشاهد:
وهل أمّ تكون أشدّ رعيا ... وصرّا من قفيرة واحتلابا
... وقفيرة: أم الفرزدق .. ذم الشاعر قفيرة بأنها لو ولدت جروا لسبّت جميع الكلاب بسبب ذلك الجرو، لسوء خلقه
وخلقه.
والبيت شاهد، على أن الكوفيين وبعض المتأخرين أجازوا نيابة الجار والمجرور عن الفاعل، مع وجود المفعول الصريح.
وقيل: «الكلاب» ليست مفعولا للفعل «سبّ» بل مفعول «ولدت» و «جرو» نصب على النداء، أو على الذم وقيل: الكلاب: نصب على الذم، وجمع لأن قفيرة، وجروا، وكلبا، ثلاثة ... وهو تخريج فيه بعد، لأنهم تمحّلوه للردّ على الكوفيين. [الهمع ج ١/ ١٦٢، والخصائص ج ١/ ٣٩٧، والخزانة ج ١/ ٣٣٧].
١٩ - دعني فأذهب جانبا ... يوما وأكفك جانبا
البيت منسوب للشاعر الفارس عمرو بن معديكرب ... وهو شاهد على أنه عطف «أكفك» مجزوما على جواب الأمر المنصوب بأن، بعد الفاء السببية، وهو (فأذهب)، أو على توهم سقوط الفاء وجزم أذهب في جواب الأمر ... وانتصب: «جانبا» الأول على الظرف، والثاني على أنه مفعول ثان لأكفك كأنّه خطاب لمن عذله على السفر والبعد،
стр. 92
أي: اتركني أذهب في جانب من الأرض، وأكفك جانبا من الجوانب التي تتوجّه إليها [الخزانة/ ٩/ ١٠٠ وشرح المفصل ج ٧/ ٥٦].
٢٠ - أنشأت أسأله ما بال رفقته ... حيّ الحمول فإنّ الركب قد ذهبا
البيت لعمرو بن أحمر، من شعراء الدولة الأموية.
وقوله: أنشأت: من أفعال الشروع .. أي شرعت أسأل غلامي، كيف أخذ الركب.
وقوله: ذهبا: جعل الركب بمنزلة الواحد، ولو راعى معناه لقال ذهبوا. وقوله: حيّ الحمول: أي: فقال الغلام حيّ الحمول، والشاهد في قوله «حيّ» بفتح الحاء وتشديد الياء مع فتحها. وهي التي تأتي مركبة مع «حيّهل». وتستعمل «حيّ» مركبة وغير مركبة، فإن كانت غير مركبة كانت بمنزلة أقبل، فتتعدى ب على «حيّ على الفلاح» وإذا كانت مركبة كانت متعدية، بمنزلة ائت.
ولكن الشاعر جاء بها هنا غير مركبة ومتعدية بنفسها، فنصبت الحمول، جمع حمل.
فالشاعر: أخذ يسأل غلامه: ما بال الرفقة، وأين أخذت؟ ثم قال له:
حيّ الحمول يا غلام، أي ائتها وحثّها.
ولكن البيت مروي برواية أخرى:
أنشأت أسأله عن حال رفقته ... ... فقال: حيّ فإن الركب قد ذهبا
وعليه، فليس بمتعد [الخزانة/ ٦/ ٢٥١، واللسان «حيا» وشرح المفصل/ ٤/ ٣٧].
٢١ - لا يمنع الناس منّي ما أردت ولا ... أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا
البيت للشاعر الفارس سهم بن حنظلة الغنويّ، من المخضرمين ... من قصيدة في «الأصمعيات»، مطلعها:
إنّ العواذل قد أتعبنني نصبا ... وخلتهنّ ضعيفات القوى كذبا
... وأقرب شروح البيت إلى المعنى المراد، أن الشاعر ينكر على نفسه أن يعطيه الناس، ولا يعطيهم ويمنعهم، لأن ما قبله يدل عليه، وهو قوله:
стр. 93
قد يعلم الناس أنّي من خيارهم ... في الدّين دينا وفي أحسابهم حسبا
والشاهد: «حسن ذا ..» على أن «حسن» للمدح والتعجب، ويجوز في مثله أن تنقل ضمة العين إلى الفاء كما فعل الشاعر، ويجوز فتح الحاء وسكون السين وأصلها «حسن» فشبّه بنعم، وبئس في نقل الحركة، وأصلهما «نعم وبئس» لأنه جاء للمدح. و «ذا» فاعل، و «أدبا»: تمييز. ومن الفوائد اللغوية في «أدبا» أن الأدب الذي كانت العرب تعرفه هو ما يحسن من الأخلاق وفعل المكارم، مثل ترك السفه وحسن اللقاء .. واصطلح الناس بعد الإسلام بمدة طويلة على أن يسمّوا العالم بالنحو والشعر وعلوم العرب أديبا، ويسمّون هذه العلوم، الأدب. وذلك كلام مولد، لأن هذه العلوم حدثت في الإسلام.
واشتقاقه من «الأدب» وهو العجب، أو من الأدب، بمعنى الدعوة إلى المحامد. [اللسان (حسن) والخصائص ج ٣/ ٤٠، والخزانة/ ٩/ ٤٣٢].
٢٢ - فأصبحن لا يسألنه عن بما به ... أصعّد في علو الهوى أم تصوّبا
للأسود بن يعفر، وصعّد في الجبل إذا علاه. والهواء: ما بين السماء والأرض.
والتصوّب: النزول. والشاهد: (عن بما به) على أنه من الغريب زيادة الباء في المجرور، فإنها زيدت مع (ما) المجرور ب (عن) [الأشموني/ ٣/ ٨٣، والهمع/ ٢/ ٢٢، والخزانة/ ٩/ ٥٢٧، واللسان «صعد»].
٢٣ - فيا لرزام رشّحوا بي مقدّما ... على الحرب خوّاضا إليها الكرائبا
البيت لسعد بن ناشب المازني، في الحماسة، شاعر إسلامي في الدولة المروانية.
قوله: يا لرزام: اللام مفتوحة للاستغاثة. ورزام: اسم قبيلة. والترشيح: التربية والتهيئة للشيء. ورشّح للأمر: ربّي
له وأهّل، يقال فلان يرشّح للخلافة: إذا جعل وليّ العهد. والكرائب: جمع كريبة، الأمر الشديد، فالكرائب: الشدائد. والمعنى: يا بني رزام هيئوا بي رجلا، يتقدم إلى الموت ولا يحيد عنه، مقتحما الشدائد غير متنكب عنها، وتلخيصه: رشّحوا بترشيحكم رجلا هذه صفته، فأقام الصفة مقام الموصوف.
والبيت شاهد: على أنّ «خوّاضا» صيغة مبالغة حوّل من اسم الفاعل الثلاثي، وهو خائض، ونصب الكرائبا.
وكان الشاعر قتل له حميم، فأوعده الأمير بهدم داره إن طالب بثأره فقال قبل البيت:
стр. 94
سأغسل عني العار بالسيف جالبا ... عليّ قضاء الله ما كان جالبا
وأذهل عن داري وأجعل هدمها ... لعرضي من باقي المذمّة حاجبا
فإن تهدموا بالغدر داري فإنّها ... تراث كريم لا يبالي العواقبا
إذا همّ لم تردع عزيمة همّه ... ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا
[الخزانة/ ٨/ ١٤١، والمرزوقي/ ٧٢].
٢٤ - سيري أمام فإن الأكثرين حصى ... والأكرمين إذا ما ينسبون أبا
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوّي بأنف الناقة الذّنبا
.. الشاهد للحطيئة يمدح بني أنف الناقة، وذكرت البيت الثاني، لتمام المعنى والإعراب به.
وقوله: أمام: منادى مرخم، أي: يا أمامة. وحصى: تمييز للأكثرين، وأبا: تمييز للأكرمين. ومعنى الحصى: العدد، وأطلق على العدد لأن العرب كانوا يعدون بالحصى، واشتق منه الفعل أحصى. وخبر «إنّ الأكرمين» في البيت الثاني: (قوم). والشاهد: «أبا» وحّد الأب لأنهم كانوا أبناء أب واحد، والظاهر أن يقول «آباء» إذا لم يجمعهم أب واحد. والبيت الثاني كان سبب افتخار بني أنف الناقة بنسبهم، وكانوا يخفون هذا اللقب، فعدّوا في باب من رفعهم الشعر. [الهمع ج ٢/ ٩٧، والدرر ج ٢/ ١٣١، والخزانة ج ٣/ ٢٨٨].
٢٥ - فأضحى ولو كانت خراسان دونه ... رآها مكان السّوق أو هي أقربا
.. البيت للشاعر عبد الله بن الزّبير الأسدي، من العصر الأموي: والزبير هنا: بفتح الزاي، ومعناها الحمأة والطين الأسود المنتن، والكدر. قال الشاعر:
وقد جرّب الناس آل الزّبير ... فلاقوا من آل الزّبير الزّبيرا
أي: الحمأة والكدر. وأما «الزّبير» بضم الزاي، مع التصغير، فهو من «الزّبر» وهو طيّ البئر بالحجارة وقيل للرجل العاقل، ذو زبر، كأن العقل قد شدده وقواه. وزبرة الحديد:
القطعة منه .. وللبيت قصة تقول: لما قدم الحجاج الكوفة، أمر الناس أن يلحقوا بابن المهلب لقتال الخوارج، فاعتذر له عمير بن ضابئ البرجمي بأنه شيخ، وطلب أن يرسل ابنه بدلا منه، فشهد شاهد أنّ عميرا كان من قتلة عثمان بن عفان، فأمر السياف أن يقطع
стр. 95
رأسه .. فخاف الناس، ولحقوا بابن المهلب، فقال عبد الله بن الزّبير:
أقول لعبد الله لما لقيته ... أرى الأمر أمسى منصبا متشعّبا
تجهز فإمّا أن تزور ابن ضابئ ... عميرا وإمّا أن تزور المهلّبا
فما إن أرى الحجاج يغمد سيفه ... يد الدهر حتى يترك الطفل أشيبا
فأضحى ... البيت.
وقوله: فأضحى: الفاء سببية، تسبّب ما بعدها عن قوله قبل البيت: تجهّز ...
وأضحى: فعل ناقص. اسمه ضمير مستتر يعود على عبد الله في البيت الأول.
وجملة رآها خبرها. وتكون «لو» وصلية، لا جواب لها. لأنه يريد أن عبد الله صار كأنه رأى خراسان مكان السوق، قريبة منه، أو هي أقرب من السوق فذهب إليها من غير تأهب واستعداد، لشدة خوفه، وإن كانت خراسان دونه بمراحل. - والسوق - مكان البيع.
وقيل: خبر أضحى محذوف، «ولو» شرطية، و «رآها» جوابها. والأول أقوى.
وقوله: دونه .. الضمير للسفر المفهوم من المقام، يعني: دون السفر، رأى خراسان مكان السوق للخوف.
والشاهد في: أو هي أقربا: وفيها أقوال: الأول: هي: توكيد للضمير في رآها.
وأقربا مفعول ثان. الثاني: ضمير فصل، بين (هاء) مفعول أول لفعل محذوف تقديره: أو رآها، والمفعول الثاني: أقرب. والثالث: أن يكون «أقرب» ظرفا، فتكون: هي، مبتدأ، و «أقربا» خبر والتقدير: أو هي أقرب من السوق ومثله قوله تعالى «والركب أسفل منكم» [الأنفال: ٤٢]. [الخزانة ج ٧/ ٥٠، والأغاني/ ١٣/ ٤٠].
٢٦ - فذاك وخم لا يبالي السّبّا ... الحزن بابا والعقور كلبا
هذا من رجز رؤبة بن العجاج. والحزن: الغليظ. وصف رجلا بشدة الحجاب ومنع الضيف كأنّ بابه وثيق لا يستطاع فتحه وأنّ كلبه عقور لمن ينزل بساحته باغيا معروفه، ولا يبالي أن يسبّ، ويرى المال أحبّ إليه من عرضه.
والشاهد فيه: نصب «بابا» و «كلبا» على حدّ قولهم «الحسن وجها» وهو من باب
стр. 96
التمييز. [الخزانة/ ٨/ ٢٢٧ والأشموني/ ٣/ ١٤، وسيبويه/ ١/ ١٠٣].
٢٧ - بأعين منها مليحات النّقب ... شكل التّجار وحلال المكتسب
من شواهد سيبويه .. يصف الراجز جواري ... والنّقب: بالضم: دوائر الوجه، ويروى بكسر النون: أراد جمع نقبة، من الانتقاب بالنقاب. وشكل التّجار: أي: هنّ مما يصلح للتجارة ويحلّ للكسب.
والشاهد: شكل التجار، وحلال المكتسب: بالجر، نعتا لما قبله ولو قطع بالنّصب والرفع لما فيه من معنى المدح لجاز [سيبويه/ ١/ ٢٥٠، واللسان «نقب»].
٢٨ - بنا تميما يكشف الضّباب
رجز لرؤبة بن العجاج، وهو من تميم. والشاهد: نصب «تميما» على الإختصاص، وأنه ربما كان علما.
والضّباب: جمع ضبابة، ندى كالغبار يغشي الأرض بالغدوات. وأضبّ يومنا:
بالهمزة، إذا صار ذا ضباب: فضرب الضباب مثلا لقمة الأمر وشدته، أي: بنا تكشف الشدائد في الحروب وغيرها. [الخزانة/ ٢/ ٤١٣، وسيبويه/ ١/ ٢٥٥، وشرح المفصل/ ٤/ ٣٠٢].
٢٩ - إنّ لها مركّنا إرزبّا ... كأنّه جبهة ذرّى حبّا
.. المركّن: الضرع المنتفخ. والإرزبّ: الغليظ. والشاهد: «ذرّى حبّا» فهو علم مركب تركيبا إسناديا. مثل «تأبط شرا» فيحكى على حاله. بحركات مقدرة.
.. [وهذا الرجز لراجز من بني طهية [سيبويه ج ٢/ ٦٤، وشرح المفصل ج ١/ ٢٨، واللسان، حبب، ورزب].
٣٠ - والله ما ليلي بنام صاحبه ... ولا مخالط اللّيان جانبه
... البيت مجهول القائل، مع كثرة استشهاد النحويين به ... وقائله يصف أنه أرق ليلته وطال سهره وجفا جنبه عن الفراش فكأنّه نائم على شيء خشن لا لين فيه.
.. والشاهد فيه: «بنام» حيث دخلت الباء على الفعل «نام» وحروف الجرّ لا تدخل على
стр. 97
الأفعال .. وإذا وجد في كلام العرب مثل هذا يؤولونه على أنّ الحرف داخل على اسم محذوف .. وتقديره هنا: «ما ليلي بليل نام صاحبه» ... ولذلك يعرب «ليلي» مبتدأ، أو اسم ما الحجازية. والاسم المحذوف خبر .. وقوله: «ولا
مخالط» معطوف على محل قوله «بليل نام صاحبه» وفيها النصب إن جعلت (بليل) خبر ما. والرفع إن جعلته خبر المبتدأ ... و «جانبه» فاعل، لاسم الفاعل «مخالط» ويرى ابن منظور أنّ الباء داخلة على كلام محكي، كالأعلام المحكية مثل «شاب قرناها» [الهمع/ ١/ ٦، وشرح المفصل/ ٣/ ٦٢، والإنصاف/ ١١٢، والأشموني/ ٣/ ٢٧ والخصائص/ ٢/ ٣٦٦].
٣١ - يسرّ المرء ما ذهب الليالي ... وكان ذهابهنّ له ذهابا
ليس للبيت قائل، إلا كتب النحو، وهو شاهد على «ما» المصدرية التي تسبك مع ما بعدها بمصدر، وهو هنا «ما ذهب»، والتقدير: يسرّ المرء ذهاب الليالي، فالمصدر المؤول فاعل الفعل «يسرّ»، [الهمع/ ١/ ٨١، وشرح المفصل ١/ ٩٧، والدرر/ ١/ ٥٤].
٣٢ - إذن والله نرميهم بحرب ... تشيب الطفل من قبل المشيب
.. البيت منسوب إلى حسان بن ثابت، وليس فيه مذاق شعره. وتذكره كتب النحو شاهدا على نصب المضارع إذا فصل عن (إذن) بالقسم .. وهو هنا الفعل «نرميهم» ولم يفطن أحد إلى أن البيت يستقيم وزنه برفع الفعل «نرميهم»، [شذور الذهب/ ٢٩١، والهمع/ ٢/ ٧، والأشموني/ ٣/ ٢٨٩، وشرح أبيات المغني/ ٨/ ١٠٨].
٣٣ - أضحى يمزّق أثوابي ويضربني ... أبعد شيبي يبغي عندي الأدبا ؟
.. البيت غير منسوب ... وقد استشهد به ابن هشام على أنّ الفعل الناقص «أضحى» يمكن أن يستعمل بمعنى «صار» التي تفيد التحويل من حال إلى حال ... وليس ببعيد أن تكون «أضحى» هنا على معناها الأصلي، وهو تقييد وقوع الخبر على المبتدأ بوقت الضحى.
٣٤ - ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب
.. البيت لأبي العتاهية، للتمثيل لا للإحتجاج، ... وفيه شاهدان: الأول: ليت:
الناسخة، ومعناها، التمني، وهو طلب ما لا طمع فيه ...
стр. 98
والثاني: نصب المضارع بأن مضمرة وجوبا بعد فاء السببية (فأخبره) في جواب التمني ...
٣٥ - لكلّ عيش قد لبست أثوبا .
رجز صاحبه (معروف بن عبد الرحمن)، ومعناه تصرفت في ضروب العيش وذقت حلوه ومرّه. والشاهد: جمع ثوب على أثوب والأكثر تكسيره على أثواب، [اللسان (ثوب)، وسيبويه/ ٢/ ١٨٥، والأشموني/ ٤/ ١٢٢، والعيني/
٤/ ٥٢٢].
٣٦ - ومعتد فظّ غليظ القلب ... كأن وريديه رشاء خلب
غادرته مجدّلا كالكلب
.. رجز لرؤبة بن العجاج. وقوله: وريديه: الوريدان: عرقان يكتنفان جانبي العنق.
والرشاء: الحبل. والخلب: بالضم: الليف .. ورشاء، بالإفراد، وهو جائز في كلام العرب، فقد يخبر بالمفرد عن المثنى ويروى «رشاءا» ... بالتثنية.
والشاهد: إعمال (كأن) مخفّفة كإعمالها مشدّدة، تشبيها لها بالفعل الذي يخفّف ولا يتغير عمله، كما تقول: لم يك زيد منطلقا. والوجه الرفع إذا خفّفت لخروجها عن شبه الفعل في اللفظ، [سيبويه/ ١/ ٤٨٠، واللسان (خلب) وشرح المفصل/ ٨/ ٨٣، والخزانة/ ١٠/ ٣٩٢، والإنصاف ص ١٩٨].
٣٧ - وبعض الأخلّاء عند البلا ... ء والرّزء أروغ من ثعلب
وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب
من شعر النابغة الجعدي، والخلالة: بضم الخاء وكسرها وفتحها الصداقة المختصة التي ليس فيها خلل. وأبو مرحب: كنية الظلّ وهو سريع التحول، وقيل: كنية «عرقوب» المشهور بخلف الوعد.
والشاهد: «كأبي مرحب» فالجار والمجرور خبر لأصبح، وأصل معمولي أصبح مبتدأ وخبر، ولا يصلح أن يكون «كأبي مرحب» خبرا عن الخلالة التي هي الصداقة لأن هذا الخبر ليس هو عين المبتدأ، فلزم أن يكون ثمة مضاف محذوف، تقديره: أصبحت خلالته كخلالة أبي مرحب [سيبويه/ ١/ ١١٠، والإنصاف ص ٦٢، ونوادر أبي زيد/ ١٨٩].
стр. 99
٣٨ - ولمّا أن تحمّل آل ليلى ... سمعت ببينهم نعب الغرابا
.. مكان الشاهد: «سمعت نعب الغرابا»، وهذه العبارة من باب الاشتغال حيث تقدم فعلان، كلاهما يطلب «الغرابا» معمولا له، الأول يطلبه مفعولا والثاني يطلب فاعلا، فعمل فيه الأول، حيث جاء مفعولا لسمعت، وأضمر فاعل «نعب» وإعمال الأول منهما مذهب الكوفيين أما إعمال الثاني فهو مذهب البصريين .. وكلا المذهبين جاءت به الشواهد، فلا يفضّل أحدهما على الآخر [الإنصاف ص ٨٦].
٣٩ - زعمتني شيخا ولست بشيخ ... إنّما الشيخ من يدبّ دبيبا
.. هذا البيت، لأبي أمية الحنفي، واسمه أوس. يقول: ظنت هذه المرأة أنني قد كبرت سني، وضعفت قوّتي، ولكنها لا
تعلم حقيقة الأمر، لأن من كان مثلي يسير سيرا قويا لا يقال عنه شيء من ذلك ... والشاهد في البيت «زعم» التي تدل على الرجحان، ونصبت مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر - الأول: الياء - والثاني «شيخا». [شذور الذهب، والأشموني/ ٢/ ٢٢٣، وشرح أبيات المغني/ ٧/ ٢٦١].
٤٠ - القوم في أثري ظننت فإن يكن ... ما قد ظننت فقد ظفرت وخابوا
.. البيت مجهول القائل. ويقول: إني أظنّ أن القوم يتعقبونني وهم خلفي، فإن كان هذا الذي أظنه واقعا فسوف أفلت منهم، أو أوقع بهم أعظم وقيعة فأخيّب فألهم وأظفر عليهم .. والبيت شاهد على إلغاء «ظنّ» لأنها تأخرت عن المبتدأ والخبر: «القوم في أثري ظننت» فلم تنصب المبتدأ والخبر وبقيا مرفوعين .. أما «ظننت» في الشطر الثاني، فقد حذف مفعولاها -[قطر الندى/ ٢٤٣].
٤١ - وإنّما يرضي المنيب ربّه ... ما دام معنيّا بذكر قلبه
.. هذا من الرجز المجهول قائله .. وقد ذكره النحويون شاهدا على إنابة الجار والمجرور عن الفاعل مع وجود المفعول به في الكلام، وهو قوله «معنيا بذكر قلبه» معنيا: اسم مفعول يحتاج إلى نائب فاعل .. بذكر: جار ومجرور، نائب فاعل، قلبه:
مفعول به منصوب ل «معنيا» والدليل على نصبه، أنه نصب، (ربّه) .. وهذا الذي فعله الشاعر، شاذ، لضرورة الشعر [الأشموني/ ٢/ ٦٨، والعيني ٢/ ٥١٩، وشرح التصريح/ ١/ ٢٩١].
стр. 100
٤٢ - يبكيك ناء بعيد الدار مغترب ... يا للكهول وللشبّان للعجب
.. البيت من شواهد النحويين يقول: إني أبكي عليك ولست من أهلك لأنني من ديار بعيدة عن ديارك، وأنا ناء شديد البعد عن أهلي، ثم دعا الكهول والشبان ليعجبوا من هذه الحال ... والشاهد فيه: يا للكهول وللشبان، حيث جرّ الشبان بلام مكسورة، لكونه معطوفا من غير أن يعيد معه «يا» الاستغاثة، وقوله: يا للكهول: يا: حرف نداء واستغاثة.
للكهول: اللام مفتوحة، حرف جرّ، والجار والمجرور متعلقان ب (يا) لأن فيها معنى الفعل، أو بفعل محذوف، أو زائدة لا تحتاج إلى متعلق .. للعجب: جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف أي: أدعوكم للعجب ... والبيت في باب «الاستغاثة»، فالمستغاث يجرّ بلام مفتوحة، والمستغاث له يجر بلام مكسورة، والعطف على المستغاث به بدون تكرار ياء النداء، يجعل المعطوف مجرورا بلام مكسورة. [الخزانة/ ٢/ ١٥٤، والهمع ج ١/ ١٨٠، والأشموني/ ٣/ ١٦٥، والدرر/ ١/ ١٥٥].
٤٣ - وكمتا مدمّاة كأنّ متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب
... البيت للشاعر طفيل بن كعب الغنوي، من شعراء الجاهلية، اشتهر بوصف الخيل، حتى قال عبد الملك بن مروان، من أراد أن يتعلم ركوب الخيل فليرو شعر طفيل .. والبيت في وصف الخيل أيضا.
والكمت: جمع أكمت، وإن لم يكن هذا المفرد مستعملا، وإنما المستعمل كميت بزنة المصغر. وهو الذي لونه الحمرة يخالطها سواد. ومدمّاة: شديدة الحمرة. وجرى:
سال. واستشعرت لون مذهب: جعلت هذا اللون شعارها، وأصل الشعار: بوزن كتاب:
العلامة يتخذها المحارب ليعرف بها، أو هو ما يلي الجسد من الثياب. والمذهب:
المموه بالذهب.
والشاهد: جرى فوقها واستشعرت لون مذهب، فإن هذا الكلام من التنازع، فقد تقدم عاملان هما: جرى - واستشعرت وتأخر عنهما معمول - وهو لون مذهب - وكلاهما يطلبه وقد أعمل الشاعر العامل الثاني في لفظ المعمول، فنصبه على المفعولية. ولو أعمل الأول لرفع «لون مذهب» لأن الأول يطلبه فاعلا، ولأتى بضمير المعمول بارزا مع العامل الثاني، فكأنه يقول: جرى فوقها واستشعرته لون مذهب [سيبويه/ ١/ ٣٩، والإنصاف ص ٨٨، والأشموني/ ٢/ ١٠٤].
стр. 101
٤٤ - ألا يا اسلمي يا ترب أسماء من ترب ... ألا يا اسلمي حيّيت عني وعن صحبي
.. للشاعر الكميت بن زيد الأسدي ... والترب: بكسر التاء وسكون الراء الذي يساويك في سنّك ... والشاهد في البيت: «يا اسلمي»، حيث اقترن حرف النداء بالفعل «اسلمي» ويرى الكوفيون أن المنادى إنما يقدر إذا دخلت ياء النداء على الأمر، وما جرى مجراه ... أما دخولها على «نعم»، فلا يقدر معه منادى، لأنها في رأيهم اسم [الإنصاف/ ص ١٠١].
٤٥ - وقالت: ألا يا اسمع نعظك بخطّة ... فقلت: سميعا، فانطقي وأصيبي
.. لا يعرف قائله: ونعظك: مجزوم في جواب الأمر. وسميعا: مفعول ثان لفعل محذوف تقديره: وجدتني سميعا. أو حال حذف عامله. والشاهد: دخول ياء النداء على فعل الأمر «اسمع» ... وكون المنادى محذوف ودخول ياء النداء على كلمة لا يدل على اسميتها، لجواز أن يكون في الكلام حذف، [الإنصاف ص ١٠٢].
٤٦ - ألا يا قوم للعجب العجيب ... وللغفلات تعرض للأريب
البيت من شواهد ابن هشام، والمعنى: يدعو قومه ليتدبروا في العواقب، وينتبهوا لما يجري من الأمور، ويعجبهم أشد العجب من غفلة المجرب عن عقبى الأمور مع علمه بما يترتب على ذلك من فساد ... والشاهد فيه «يا قوم» حيث استعمل المستغاث به استعمال المنادى، فلم يلحق به اللام في أوله، ولا الألف في آخره، وهذا الاستعمال أول الاستعمالات الثلاثة .. ويجوز في «يا قوم» البناء على الضم ... ويجوز نصبه بفتحة مقدرة على الميم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة ياء المتكلم المحذوفة.
[الأشموني ج ٣/ ١٦٦، والعيني/ ٤/ ٢٦٣].
٤٧ - وما لي إلّا آل أحمد شيعة ... وما لي، إلا مذهب الحقّ مذهب
... البيت للكميت بن زيد الأسدي، من قصيدة هاشمية يمدح بها آل رسول الله ﷺ والشاهد فيه «إلا آل أحمد» و «إلا مذهب الحقّ» حيث تقدم المستثنى على المستثنى منه، فوجب نصبه في جميع حالات الاستثناء، وأصل التركيب:
«وما لي شيعة إلا آل أحمد» و «ما لي مذهب إلا مذهب الحق». [الإنصاف/ ٢٧٥،
стр. 102
واللسان (شعب)، والأشموني ج ٢/ ١٤٩، وابن عقيل، والخزانة ج ٤/ ٣١٤ (مشعب)، وشرح أبيات المغني/ ٦/ ٣٣٣].
٤٨ - وابأبي أنت وفوك الأشنب ... كأنّما ذرّ عليه الزّرنب
... البيت لراجز من بني تميم، لم يعيّنوا اسمه .. وقوله: وا: معناه أعجب بأبي:
يريد: أفديك بأبي. والأشنب: الذي فيه الشّنب - بفتحتين - وهو عبارة عن رقة الأسنان وعذوبتها، أو نقط بيض فيها. والزرنب: نبات طيب الرائحة ... والشاهد فيه «وا» اسم فعل مضارع بمعنى أعجب، فاعله ضمير مستتر.
وقوله: بأبي: جار ومجرور، خبر مقدم. وأنت: ضمير في محل رفع مبتدأ مؤخر.
وفوك: معطوف عليه. [الأشموني/ ٣/ ١٩٨، والهمع/ ٢/ ١٠٦، والمغني/ ٦/ ١٤٣].
٤٩ - وعدت وكان الخلف منك سجيّة ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
.. هذا البيت نسبه في اللسان للأشجعي، ولا نعلم من هو .. : وعرقوب: رجل يضرب به المثل في خلف الوعد. ويثرب: ضبطه بعضهم بفتح الراء: مكان في اليمامة، ومنهم من كسر الراء، وهو الاسم القديم لمدينة رسول الله ... والشاهد في البيت:
«مواعيد عرقوب أخاه» فإنّ مواعيد، جمع ميعاد، أو موعد - مصدر ميمي - وقد أعمل الشاعر هذا الجمع في فاعل، ومفعول، فأضافه إلى الفاعل، ثم نصب المفعول به (أخاه) فدلّ على أنّ المصدر إذا جمع جاز أن يعمل كما يعمل وهو مفرد .. وهو مذهب بعض النحويين، ويرى ابن مالك أن المصدر المجموع لا يعمل، وأن البيت شاذ لا يقاس عليه.
[سيبويه/ ١/ ١٣٧، وشرح المفصل/ ١/ ١١٣، والهمع/ ٢/ ٩٢، ونسب البيت للشماخ أيضا].
٥٠ - فإن أهجه يضجر كما ضجر بازل ... من الأدم دبرت صفحتاه وغاربه
.. البيت للأخطل، في هجاء كعب بن جعيل. وضجر: بسكون الجيم هو الفعل «ضجر» بكسر الجيم. والبازل من الجمال الذي انشقت نابه إذا بلغ التاسعة. والأدم:
جمع آدم: الأسمر اللون. ودبرت: أصل الفعل (دبر) بكسر الباء، أصابه الدّبر وهو جروح مع قيح يصيب الدابة من أثر الرحل. والشاهد: ضجر - ودبر: (بسكون وسطهما ..) ذكرا، توجيها لمن قال: «نعم» بسكون العين في «نعم» مع فتح أولها ..
стр. 103
حيث حذفت كسرة العين من «نعم» لأن أصلها كذلك عند البصريين (نعم) [اللسان (ضجر) والإنصاف ص ١٢٣، والمنصف ج ١/ ٢١].
٥١ - ولمّا تعيّا بالقلوص ورحلها ... كفى الله كعبا ما تعيّا به كعب
قاله رجل من الأزد، وتعيّا عليه الأمر: أثقله وأعجزه .. والشاهد: كفى الله كعبا ما تعيّا: فإن كفى هنا بمعنى «وفى» تتعدى إلى مفعولين ولا يقترن فاعلها بالباء نحو وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [الأحزاب: ٢٥] ... وتكون كفى بمعنى «حسب» وهي قاصرة لا تتعدى، وهي التي يغلب اقتران فاعلها بالباء الزائدة (نحو/ «كفى بالله شهيدا». وتكون «كفى») بمعنى أجزأ وأغنى، فتتعدى إلى واحد ولا يقترن فاعلها بالباء الزائدة نحو:
قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل
[الإنصاف ص ١٦٧].
٥٢ - إنّ من لام في بني بنت حسّا ... ن ألمه وأعصه في الخطوب
.. هذا البيت للأعشى ميمون بن قيس من قصيدة يمدح فيها أبا الأشعث بن قيس الكندي ... وحسّان: أحد تبابعة اليمن .. والشاهد: دخول إنّ، على (من) اسم الشرط، واسم الشرط له الصدارة في جملته، ولذلك يقدّر اسم (إنّ)
ضمير الشأن. ومن: مبتدأ، تصدرت جملتها، والجملة خبر (إنّ)، ومثله بيت الأخطل:
إنّ من يدخل الكنيسة يوما ... يلق فيها جآذرا وظباء
... وبيت الأعشى يروى (من يلمني على بني بنت حسان). ولا شاهد فيه [سيبويه/ ١/ ٤٣٩، والإنصاف ص ١٨٠، وشرح المفصل ج ٣/ ١١٥، والخزانة ج ٥/ ٤٢٠].
٥٣ - أجدّك لست الدهر رائي رامة ... ولا عاقل إلّا وأنت جنيب
ولا مصعد في المصعدين لمنعج ... ولا هابط ما عشت هضب شطيب
.. لم ينسبا لقائل .. ورامة، وعاقل، ومنعج وشطيب: أماكن بأعينها.
وقوله: أجدّك: الهمزة للاستفهام. وجدّ: مفعول مطلق لفعل محذوف، أو منصوب
стр. 104
على نزع الخافض. والشاهد: ولا مصعد، فهو مجرور معطوف على خبر ليس المنصوب، متوهّما جرّ خبر ليس بالباء. وربما توهم العطف على «ولا عاقل». [الإنصاف ص ١٩١ - ١٩٢].
٥٤ - وداويّة قفر يحار بها القطا ... أدلّة ركبيها بنات النجائب
يحايي بها الجلد الذي هو حازم ... بضربة كفّيه الملا نفس راكب
.. الداوية: الصحراء الواسعة .. يحايي. يحيي. الجلد: الصبور. والملا: التراب ..
وليس للبيتين قائل معين .. والمعنى: ربّ صحراء واسعة لا أنيس فيها - يستعمل المسافر فيها الماء لإحياء نفسه للشرب، ويتيمم بدلا من الوضوء .. وأصل التركيب: «يحيي الجلد نفسه بالماء، بضربة كفيه التراب».
وقوله: بضربة: جار ومجرور متعلقان ب «يحايي». وهو مضاف - وكفيه: مضاف إليه مجرور بالياء، والهاء مضاف إليه. الملا: مفعول به ل: ضربة. نفس: مفعول به للفعل يحايي ..
والشاهد فيه: قوله: ضربة كفيه الملا، فإن ضربة: مصدر محدود، بسبب لحاق تاء الوحدة به .. والمصدر المحدود، لا يعمل عمل فعله، لبعد شبهه بالفعل، لأن الفعل يدل على الحدث من غير تقيّد بمرة واحدة أو مرتين، والمصدر ذو التاء يدل على الحدث مقيدا بالمرة الواحدة .. وكذلك يقال في المصدر المصغّر والمجموع .. وعمل المصدر في البيت هنا، شاذ.
[الهمع/ ٢/ ٩٢، والأشموني ج ٢/ ٢٨٦، والدرر ج ٢/ ١٢٢].
٥٥ - يا للرجال ليوم الأربعاء أما ... ينفكّ يحدث لي بعد النّهى طربا
إذ لا يزال غزال فيه يفتنني ... يأتي إلى مسجد الأحزاب منتقبا
لكنّه شاقه أن قيل ذا رجب ... يا ليت عدّة حول كلّه (رجب) رجبا
.. الأبيات للشاعر عبد الله بن مسلم بن جندب الهذلي .. وقافية الأبيات منصوبة ..
وفي البيت الثالث نصبت ليت الجزئين، وهي لغة ضعيفة لبعض العرب ولكن البيت الثالث ترويه النحاة بالرفع، لأنهم لم يطلعوا على ما قبله، ولأن الشاهد ليس في القافية، ..
والشاهد في البيت قوله «حول كلّه» حيث أكّد النكرة «حول» ب «كلّ» وهو شاذ عند بعض
стр. 105
النحويين، ويرى ابن مالك صحة توكيد النكرة إن أفاد توكيدها، وتحصل الفائدة بأن تكون النكرة محدودة والتوكيد من ألفاظ الإحاطة ... و «حول» هنا، نكرة محدودة، لها أول وآخر معروفان، والتوكيد من ألفاظ الإحاطة وهو «كلّه» ... ، وقصة الأبيات في معجم البلدان (أحزاب) شذور الذهب، والأشموني/ ٣/ ٧٧، والإنصاف/ ٤٥١، وشرح المفصل/ ٣/ ٣٥، والأشموني ج ٣/ ٦٦، ويروى في كتب النحو (رجب) بالضم والصواب ما أثبت.
٥٦ - أيا أخوينا عبد شمس ونوفلا ... أعيذكما بالله أن تحدثا حربا
.. هذا البيت من كلام طالب بن أبي طالب، أخي علي بن أبي طالب، من قصيدة، يمدح فيها رسول الله، ويبكي على أصحاب القليب، أوردها ابن هشام في السيرة.
... والشاهد فيه: أيا أخوينا عبد شمس ونوفلا، فإن قوله «عبد شمس» عطف بيان على قوله: أخوينا، ولا يجوز أن يكون بدلا منه، لأنه لو كان بدلا لكان حكمه وحكم المعطوف بالواو عليه واحدا، واستلزم أن يكون كل واحد منهما كالمنادى المستقل، لأن البدل من المنادى يعامل معاملة نداء مستقل، لكونه على نية تكرار العامل الذي هو هنا حرف النداء، وهذا يستدعي أن يكون قوله «نوفلا» مبنيا على الضم، لكونه علما مفردا، ولكن الرواية وردت بنصبه، فدلت على أنه لا يكون قوله «عبد شمس» بدلا. وإنما هو عطف بيان .. لكونه عطف عليه بالنصب، ولو قال «ونوفل» لجاز أن يكون بدلا.
[الهمع/ ٢/ ١٢١، والدرر/ ٢/ ١٥٣، والأشموني/ ٣/ ٨٧].
٥٧ - كأنّ كبرى وصغرى من فقاقعها ... حصباء درّ على أرض من الذّهب
.. هذا البيت لأبي نواس، يصف فيه الخمر في الكأس .. وقد أورده النحويون لإظهار خطأ أبي نواس في قوله «صغرى وكبرى». لأنهم عدّوا اللفظتين من أفعل التفضيل، وحقّ أفعل التفضيل إذا كان مجردا من أل والإضافة أن يكون مفردا مذكرا، مهما يكن أمر الموصوف به، فكان عليه أن يقول: أصغر، وأكبر، من فقاقعها، أو «كأن
الكبرى والصغرى ..» ولكن الشاعر لم يرد معنى التفضيل وإنما أراد معنى الصفة المشبهة، اي:
كأنّ الفقاعة الصغيرة والفقاعة الكبيرة .. والصفة المشبهة تطابق ما تجري عليه .. وعلى هذا، لم يلحن أبو نواس. [شرح المفصل/ ٦/ ١٠٠، والأشموني/ ٣/ ٤٨، والعيني/ ٤/ ٥٤].
стр. 106
٥٨ - لم تتلفّع بفضل مئزرها ... دعد ولم تسق دعد في العلب
.. البيت منسوب إلى جرير، وإلى عبيد الله بن قيس الرقيات، وهو من شواهد سيبويه/ ٢/ ٢٢.
.. ومعنى: تتلفع: تتقنّع. والعلب: جمع علبة، وعاء من جلد يشرب فيه الأعراب، يصف هذه المرأة بأنها حضريّة رقيقة العيش، فهي لا تلبس لباس الأعراب، ولا تتغذى غذاءهم ..
والشاهد: (دعد) علم مؤنث ثلاثي ساكن الوسط غير أعجمي، وقد أتى به الشاعر منونا في أول الشطر الثاني، وغير منون بعده، فدل ذلك على جواز صرفه وعدمه ولكن هذا شعر ويجوز للشاعر صرف الممنوع، ومنع المصروف. [وشرح المفصل/ ١/ ١٧٠].
٥٩ - عجب لتلك قضية وإقامتي ... فيكم على تلك القضية أعجب
.. البيت منسوب إلى ثلاثة شعراء، ولم يتفقوا على واحد منهم، ونسبه سيبويه لرجل من مذحج ولم يعينه. والشاهد فيه: كلمة «عجب» فهي نكرة دلت على معنى التعجب، ولذلك جاز الابتداء بها، وكان ذلك مسوّغا لها .. وأما خبرها فهو الجار والمجرور بعدها، أو خبره محذوف، وقضية: حال من اسم الاشارة.
وفيه أقوال أخرى فانظر [الخزانة/ ٢/ ٣٤، وسيبويه/ ١/ ١٦١، وشرح المفصل ج ١/ ١١٤، والهمع/ ١/ ١٩١، والدرر/ ١/ ١٦٤، والأشموني/ ٢/ ١٨٨]، ويروى البيت للشاعر هنيّ بن أحمر، وهو جاهلي، وله أبيات في المؤتلف ص ٣٨، على الوزن والقافية. وقد ظنّ هارون أنّ البيت فيها، وليس كذلك وهو في قطعة أوردها البغدادي في الخزانة ج ٢/ ٣٧ ومنها البيت المشهور:
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
٦٠ - لك الخير علّلنا بها علّ ساعة ... تمرّ وسهواء من الليل يذهب
.. البيت للعجير السلولي .. والسهواء: بفتح السين ممدودا، ساعة من الليل وصدر منه .. والشاهد في «علّ ساعة» فإن استعمال (عل) في معنى لعلّ، دليل عند البصريين على أنّ اللام الأولى زائدة، [الإنصاف ص ٢٢٠].
стр. 107
٦١ - يا ليت أمّ العمرو كانت صاحبي ... مكان من أشتى على الركائب
هذا رجز يرويه أهل اللغة، وهم موثّقون فيما يروون من الأبيات المفردة إذا لم يذكروا أصحابها، لأنهم كانوا يجوبون البوادي لسماع اللغة من أصحابها، أو يتلقون الأعراب في الأسواق. والشاهد: أم العمرو، حيث أدخل الألف واللام على العلم، وهذا عند البصريين قليل لا يقاس عليه.
قالوا ذلك في مجال الردّ على الكوفيين الذين نقلوا أن العرب يعرّفون جزئي العدد المركب، فيقولون: «جاء الخمسة العشر راعيا». قال أهل اللغة: وقد يشيع العلم، ويكون واحدا من الأمّة المسماة به، ويجري مجرى رجل وفرس فتصحّ إضافته وإدخال اللام عليه، وعندها يخرج عن أن يكون معرفة .. فيقولون: جاء المحمدون، وللقفطي كتاب «الشعراء المحمدون».
قلت: وإخواني الخمسة، سمّى كل واحد منهم ابنه باسم والدنا «محمد» ﵀ تبركا بالاسم، ولإظهار الحبّ والودّ للوالد، بإبقاء ذكراه بين الأسرة، وكان الإخوان الخمسة متجاورين في السكن، فإذا نودي «محمد» أجاب اثنان أو ثلاثة، وإذا تحدثت المجالس عن «محمد» من أبناء الأسرة، حصل لبس، أي: المحمّدين يريد المتحدث، فاهتدت سليقتهم البدوية إلى طريقة في التمييز عن طريق الإضافة، فقالوا: محمد حسن، ومحمد عبد الله، ومحمد حسني .. بإضافة «محمد» إلى أبيه. وأظنّ أن صنيعهم هذا عربي، وقد يؤول على حذف «ابن» ويكون التقدير محمد بن حسن، ومحمد بن عبد الله، وليس هو من مثل «محمد عليّ» لأن الأخير يفسد المعنى المقصود بإضافته، إذ المقصود، البركة من الاسم النبويّ، وفيه إضافة الأعلى إلى الأدنى، وهو فاسد، ولعلّ أول من عرف ب (محمد علي) في بلاد العرب هو محمد علي باشا، مؤسس الأسرة التي حكمت مصر، وجلبت الويلات إلى بلاد العرب. [الإنصاف ص ٣١٦، وشرح المفصل/ ١/ ٤٤].
٦٢ - فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
.. هذا البيت للشاعر، نصيب بن رباح، مولى عبد العزيز بن مروان، يمدح سليمان ابن عبد الملك: يقول: إن هؤلاء الناس الذين لقيتهم وسألتهم عنك قد أثنوا عليك، وذكروا من كرمك ومحاسن أخلاقك ما أنت أهل له، ولو أنهم لم يمدحوا بألسنتهم لتكلّمت حقائبهم، يريد أن حقائبهم كانت ممتلئة بعطاياه.
стр. 108
وشاهده: «أثنت عليك الحقائب». فإنه قد أثبت للحقائب ثناء، والحقائب لا تتكلم بلسان المقال، وإنما كلامها بلسان الحال، والمراد أن ما في الحقائب يحدث بلسان الحال عن جودك وكرمك إذا سكت المعطون .. وهو من
شواهد (الشذور). على أن الكلام منه ما هو لفظي، ومنه ما هو لغويّ. [شذور الذهب ص ٣٠].
٦٣ - إنّ الشباب الذي مجد عواقبه ... فيه نلذّ ولا لذّات للشّيب
.. هذا البيت للشاعر سلامة بن جندل السعدي .. شاعر جاهلي، والبيت من قصيدة في المفضليات مطلعها:
أودى الشباب حميدا ذو التّعاجيب ... أودى وذلك شأو غير مطلوب
.. يقول في بيت الشاهد: إذا تعقبت أمور الشباب وجدت في عواقبه العزّ وإدراك الثأر والرحلة في المكارم، وليس في الشيب ما ينتفع به، إنما فيه الهرم والعلل.
والشاهد فيه: قوله «لا لذات» فهو جمع مؤنث سالم وقد وقع اسما للا النافية للجنس، ووردت فيه روايتان، الأولى بالفتح، والثانية بالكسر، فيدل مجموع هاتين الروايتين على أنّ جمع المؤنث السالم إذا وقع اسما ل (لا) جاز فيه أمران البناء على الفتح، والبناء على الكسر نيابة عن الفتحة، كما هو الحال حين يكون معربا منصوبا ...
وقوله: (مجد عواقبه): مجد: خبر مقدم. وعواقبه: مبتدأ مؤخر. [شذور الذهب ص ٨٥ والهمع/ ١٤٦، والدرر/ ١/ ١٢٦، والخزانة ج ٤/ ٢٧].
٦٤ - هذا لعمركم الصّغار بعينه ... لا أمّ لي - إن كان ذاك - ولا أب
.. ينسب البيت، لهمّام بن مرّة، وينسب لضمرة بن ضمرة بن قطن، وينسب لغيرهما.
.. هذا: مبتدأ. الصغار: خبره مرفوع، لأنه لا يشير إلى الصغار، والصغار خبر لأنه يريد الإخبار عن معنى الصغار .. لعمركم: اللام للابتداء، وعمر: مبتدأ خبره محذوف وجوبا. والكاف مضاف إليه.
وقوله: (إن كان ذاك) كان: تامة فعل الشرط. وذاك: اسم اشارة فاعل.
стр. 109
والشاهد: لا أمّ لي ولا أب، لا: نافية للجنس، أمّ: اسمها مبني على الفتح.
لي: الجار والمجرور خبرها. (ولا أب) فيه ثلاثة أوجه:
الأول: ولا: الواو: عاطفة، لا زائدة للتوكيد، أي توكيد النفي. أب: معطوف على محل لا، مع اسمها.
الثاني: لا: نافية عاملة عمل ليس .. أب: اسمها.
الثالث: لا: مهملة غير عاملة. أب: مبتدأ ...
فهذه الوجوه الثلاثة يخرج عليها رفع الاسم الواقع بعد «لا» الثانية إذا كان الاسم الواقع بعد «لا» الأولى، مفتوحا. [شذور الذهب/ ٨٦، والأشموني ج ٢/ ٩] والخزانة/ ٤/ ٣٧ وهو في قطعة منها الشاهد رقم (٥٨) في حرف الباء، ومنها البيت المشهور:
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
٦٥ - فإني وقفت اليوم والأمس قبله ... بابك حتى كادت الشمس تغرب
البيت للشاعر نصيب بن رباح الأموي. والشاهد فيه: «الأمس». فإن الظرف في اللفظ قد دخلت عليه «أل» وليس في العرب من يبنيه في هذه الحال. وذلك لأنّ أل من خصائص الأسماء، فوجودها في الكلمة مبعد من شبهها بالحرف الذي هو علّة البناء ..
وقد وردت الكلمة في البيت بروايتين: الأولى «بالفتح» وهذه لا إشكال فيها، فيكون معربا منصوبا معطوفا على ما قبله .. والثانية: بالكسر وهي محلّ إشكال: وخرّجها العلماء على أحد وجهين: الأول: البناء .. باعتبار «أل» زائدة غير معرّفة. والثاني: أنه معرب، وإنما جرّه بالتوهم، على أنه وضع «في» قبل اليوم. [الإنصاف/ ٣٢٠، وشرح المفصل/ ٢/ ٢٦٠، والشذور/ ١٠١، والهمع/ ١/ ٢٠٩].
٦٦ - ربّه فتية دعوت إلى ما ... يورث المجد دائبا فأجابوا
.. البيت غير منسوب، وقد أنشده ابن هشام في الشذور ..
ربّه: ربّ: حرف جر شبيه بالزائد، والهاء: في محل رفع بالابتداء. فتية: تمييز للضمير. وجملة (دعوت) خبر المبتدأ.
стр. 110
والشاهد فيه: «ربّه فتية» حيث دخلت ربّ على الضمير ... والضمير معرفة وربّ لا تجر إلا النكرات ... ولكن ابن هشام يرى أن الضمير هنا نكرة لأنه يعود على نكرة، وتعرب (فتية) تمييزا والتمييز لا يكون إلا نكرة .. ولكن الذي يرجّحه النحويون أن الضمير لا يكون إلا معرفة، ودخول ربّ عليه، شاذ. [الشذور/ ١٣٣، والأشموني/ ٢/ ٦٠، ٢٠٨، والهمع/ ٢/ ٢٧].
٦٧ - فأدرك لم يجهد ولم يثن شأوه ... يمرّ كخذروف الوليد المثقّب
.. البيت من قطعة لامرئ القيس، كان قد ساجل بها علقمة الفحل أمام امرأة اسمها أم جندب وتحاكما إليها في أن يصف كل واحد منهما فرسه بقصيدة. ومطلع قصيدة امرئ القيس:
خليليّ مرّا بي على أم جندب ... لنقضي حاجات الفؤاد المعذّب
.. يصف في البيت الأول فرسه بأنه أدرك الصيد من غير أن يجهد، وأنه كان سريعا سرعة تشبه خذروف الوليد. والخذروف: لعبة للصبيان يديرونها بخيط في أكفّهم فلا تكاد ترى لسرعة دورانها.
والشاهد في هذا البيت: قوله: «كخذروف الوليد المثقّب» فإن قوله «المثقب» نعت لقوله «خذروف الوليد». وهذا
النعت محلى بأل، والمنعوت مضاف إلى المحلى بأل، والنعت لا يجوز أن يكون أعرف من المنعوت، فدلنا ذلك على أن المحلى بأل ليس أعرف من المضاف إلى المحلى بأل، وثبت أن المضاف إلى معرفة يكون في رتبة هذه المعرفة. [شرح شذور الذهب/ ١٥٦].
٦٨ - نتج الربيع محاسنا ... ألقحنها غرّ السّحائب
هذا البيت لأبي فراس الحمداني، ويورد النحويون أشعار المولّدين للتمثيل لا للاحتجاج ... ومحل التمثيل: «ألقحنها غرّ السحائب»، حيث ألحق بالفعل ألقح نون النسوة، مع ظهور الفاعل «غرّ». وتخريج مثل هذا البيت أن نجعل نون النسوة علامة تأنيث، حرفا، وغرّ: فاعل. أو: نون النسوة هي الفاعل وغرّ: بدل منها. وهي التي يسمونها لغة «أكلوني البراغيث» وسيأتي لها شواهد كثيرة .. ، بل عليها شواهد من القرآن الكريم، ومنها حديث «يتعاقبون فيكم ملائكة».
следующие страницы →