← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17715

شرح ألفية ابن مالك المسمى تحرير الخصاصة في تيسير الخلاصة

ابن الوردي الجد، زين الدين

Полный текст (792 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرح ألفية ابن مالك المسمى «تحرير الخصاصة في تيسير الخلاصة» تأليف زين الدين أبي حفص عمر بن مظفر بن الوردي (٦٩١ هـ - ٧٤٩ هـ) تحقيق ودراسة الدكتور عبد الله بن علي الشلال [الجزء الأول] مكتبة الرشد

стр. 2

المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسّلام على آله وصحبه الطيبين الطاهرين. أما بعد: فقد حظيت مؤلفات ابن مالك ﵀ من اهتمام العلماء، دراسة وشرحا وتعليقا، قديما وحديثا - بما لم تحظ به مصنفات غيره، وتنافسوا في تقديم مصنفاته للمتعلمين بأيسر الطرق وأسهلها. ولعلّ انقطاع ابن مالك للعلم، وصلاح نيته وإخلاصه، وما رزق من توفيق الله، ومن سهولة الأسلوب، وقرب المأخذ، وتفرغه للعلم والتعليم، كان سببا في تميز مؤلفاته، وإقبال الناس عليها. وفي مقدمة ما اهتم به العلماء من مؤلفاته: (الخلاصة) المشتهرة بالألفية، فقد أقبلوا عليها حفظا، ودراسة، وشرحا، وإعرابا، وتيسيرا لطلاب العلم في مختلف العصور حتى يومنا هذا، فهي لا تزال تدرّس في الجامعات والكليات المتخصصة، من خلال شروحها المتعددة التي زادت على الخمسين (١)، فضلا عن النظم والاختصار والحواشي على تلك الشروح التي زادت

стр. 3

على العشرين حاشية (١)، ومن تلك الشروح شرح ابن الوردي الموسوم ب: (تحرير الخصاصة في تيسير الخلاصة) الذي نحن بصدد دراسته وإخراجه للقراء والدارسين. وقد تعرّفت على ابن الوردي ومؤلفاته من خلال دراستي لكتابه (شرح التحفة الوردية) فوجدته عالما فذّا، وأديبا متميزا، له أسلوبه الخاص في طرح القضايا النحوية والصرفية، ولم تحظ مؤلفاته في اللغة بالنشر، لغلبة شهرته الأدبية على غيرها. لذا عقدت العزم على متابعة دراسة ما أمكن لي من مؤلفاته، وإخراجها للقراء ومحبي العربية، فكان أن اطلعت في أثناء عملي في شرح التحفة على شرحه ألفية ابن مالك، وما يتميّز به هذا الشرح من الوسطية في تناول أبيات المنظومة، فتح به مغلقها، وفصّل مجملها، وقيّد مطلقها، فلا هو بالطويل الممل، ولا بالمختصر المخل، مما يحتاجه طالب العلم، فيشفي غلته، ويشبع نهمته، إضافة لما يتميز به من سهولة العرض، ونصاعة الأسلوب، فهو الأديب العالم، البارع في جميع فنون عصره، إضافة إلى أن ابن الوردي من أوائل شرّاح الألفية. كل ذلك شجعني على دراسة هذا الكتاب الجليل ونشره، وضمه إلى ما سبقه من شروح الألفية الثلاثة عشر التي نشرت حتى الآن؛ ليستفيد منه العالم، وينهل منه المتعلم.

стр. 4

وإذا كان لاسم الكتاب دلالة على مضمونه، فإن ابن الوردي قصد إلى ذلك عند ما سمّى شرحه للخلاصة ب (تحرير الخصاصة في تيسير الخلاصة) فقد برز في عمله هذا المعنى، فهو لا يقف في شرحه عند تحليل ألفاظ الخلاصة وعباراتها كما فعل كثير من شرّاحها، بل تجاوزه إلى الاستدراك على عبارات الناظم، ووضع البديل، وإكمال ما يراه من نقص تدعو الحاجة إليه، بما يضيفه من شروط ومحترزات، وتتمات، إضافة إلى مناقشة بعض المسائل النحوية والرد على الناظم وابنه في شرحه لألفية والده. وقد تمت دراسة هذا العمل الجليل من خلال ثلاثة أقسام: القسم الأول: الدراسة وتشتمل على فصلين: الفصل الأول: ابن الوردي: حياته وآثاره. الفصل الثاني: دراسة الكتاب، وتشمل: منهجه في الشرح، مصادره، استدراكاته على آراء ابن مالك في الألفية وغيرها، وكذا على شرح ابن الناظم، ثم مذهبه النحوي، وتوثيق اسم الكتاب. القسم الثاني: إلمامة مختصرة عن ابن مالك: حياته وآثاره. القسم الثالث: تحقيق كتاب (تحرير الخصاصة في تيسير الخلاصة) ويشمل: مقدمة التحقيق، وصف نسخ الكتاب، عملي في التحقيق. وتفصيل ذلك ما يلي:

стр. 5

القسم الأول [الدراسة]

стр. 6

الفصل الأول ابن الوردي: حياته وآثاره (١): نسبه: هو زين الدين (٢) أبو حفص، عمر بن مظفر بن عمر بن محمد ابن أبي الفوارس بن علي بن أحمد بن عمر بن سعيد بن القاسم ابن النضر بن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁ (٣). وكان ﵀ يفتخر باتصال نسبه إلى أبي بكر الصديق ﵁، ويذكره في أشعاره يقول: مع أني أحمد الله على ... نسبي إذ بأبي بكر أتّصل (٤) ويقول: جدّي هو الصدّيق واسمي عمر ... وابني أبو بكر وبنتي عائشه (٥)

стр. 7

أسرته: لم تسعف المصادر التي كتبت عن ابن الوردي، حتى ما كتب هو نفسه، بالتعرّف على أسرة ابن الوردي إلا باليسير، فوالده توفي في معرة النعمان في يوم الجمعة منتصف شهر رمضان سنة (٧٢٣ هـ (١) وقد خلّف سبعة أولاد، عرف منهم أحمد ويوسف، وأنهما من أهل العلم والفضل، عملا في القضاء والتدريس (٢)، وأن والدته ينتهي نسبها إلى أويس القرني، ﵁، وقد توفيت في الثالث من المحرم سنة (٧٢٠ هـ) (٣). ولابن الوردي من الأبناء شرف الدين أبو بكر، تفقه على أبيه وعمه، ودرّس بالبهائية بدمشق، وناب في الحكم، وله نظم ونثر، ومات في حلب سنة (٧٨٧ هـ) (٤). وقد رزق عددا من البنات لم يذكر من هنّ إلا واحدة اسمها عائشة (٥)، ويظهر أن اسم الأخرى (ثريّا) وقد توفيت في حياته فرثاها (٦).

стр. 8

مولده ووفاته: ولد في معرة النعمان بسوريا سنة (٦٩١ هـ) على الصحيح، فقد قال في كتابه (تتمة المختصر) عن أحداث سنة (٦٩١ هـ): «وفيها والملك الأشرف نازل على معرة النعمان متوجها إلى قلعة الروم، كان مولدي (١)» وقيل: غير ذلك (٢). وتوفي ﵀ في حلب بمرض الطاعون في السابع والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وأربعين وسبع مئة من الهجرة (٢٧/ ١٢ / ٧٤٩ هـ) كما ذكر أكثر المؤرخين (٣). ورثاه الصفدي (٤).

стр. 9

شيوخه: ولد ابن الوردي وقضى حياته، في إقليم الشام من الدولة الإسلامية المملوكية، وتنقّل بين مسقط رأسه معرة النعمان، وسرجة، والفوعة، ومنبج، وشيزر، وحماة، ودمشق، وغيرها من حواضر وقرى الشام، متعلما ومعلما وقاضيا، واستقر به المقام في حلب. وقد انتقل لطلب العلم من المعرة مبكرا، فقد ذكر أنه أخذ عن شيخه عبس السرجاوي المتوفى بسرجة سنة (٧٠٧ هـ) (١)، وكان موجودا بحلب سنة (٧١١ هـ) حيث شارك في استقبال (قرة سنقر) مع شيخه ابن الوكيل (٢)، كما أن شيخه هبة الله بن البارزي حدّثه سنة (٧١٣ هـ) عن اختلاف العلماء في صوم الدهر (٣)، وذلك في حماة. ويظهر أنه لم يزر دمشق قبل سنة (٧١٥ هـ) حيث حضر فيها مجلس بيع ملك عند القاضي نجم الدين بن صرصرى (٤). وقد ذكر من مشايخه من طالت ملازمته له، أو اشتهرت محاورته له في قضايا الفقه والفرائض والنحو والأدب، ودوّن بنفسه في تتمة المختصر أشهرهم، ورثى عددا منهم، مثل: ١ - عبس بن عيسى بن علي بن علوان السرجاوي العليمي،

стр. 10

المتوفى في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة سبع وسبع مئة من الهجرة (٢٥/ ٦ / ٧٠٧ هـ) وقد رثاه ابن الوردي (١). ٢ - صدر الدين أبو عبد الله محمد بن زين الدين عثمان المعروف بابن الوكيل، وبابن المرحل، فقد انتقل مع أبيه من مصر إلى دمشق، وأقام مدة بحلب، وتوفي في القاهرة سنة ستّ عشرة وسبع مئة من الهجرة (٧١٦ هـ) (٢) وأثنى عليه ابن الوردي ثناءا عظيما. ٣ - شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد الولي بن جبارة المرادي الحنبلي، الفقيه الأصولي المقرئ النحوي، تلقى عنه ابن الوردي في حلب. توفي بالقدس في جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة (٧٢٨ هـ) (٣). ٤ - برهان الدين إبراهيم بن الشيخ تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري، تصدى للاشتغال والفتوى في المذهب الشافعي، توفي بدمشق في جمادى الأولى سنة تسع وعشرين وسبع مئة من الهجرة (٧٢٩ هـ) (٤). ٥ - مهنا بن إبراهيم بن مهنا الفوعي المتوفى في الخامس عشر

стр. 11

من شوال سنة ست وثلاثين وسبع مئة من الهجرة (٧٣٦ هـ) ورثاه ابن الوردي (١). ٦ - قاضي قضاة حماة، شرف الدين أبو القاسم هبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم البارزي الجهني الحموي الشافعي المتوفى في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة من الهجرة (٧٣٨ هـ) (٢) وهو أكثر من أخذ عنه العلم، وقد أجاز ابن الوردي في الفقه، وفي الخلاصة لابن مالك، ورثاه ابن الوردي (٣). ٧ - قاضي قضاة حلب، فخر الدين أبو عمرو عثمان بن زين الدين علي بن عثمان المعروف بابن خطيب جبرين، اشتهر بالفقه والأصول والنحو والتصريف والقراءات. توفي في المحرم سنة تسع وثلاثين وسبع مئة من الهجرة بمصر (٧٣٩ هـ) ورثاه ابن الوردي (٤). ٨ - يوسف بن مظفر بن عمر جمال الدين بن الوردي، شقيق ابن الوردي الأكبر، قاض وفقيه، ولد سنة (٦٨٠ هـ) ومات في

стр. 12

العشر الوسطى من ذي القعدة سنة تسع وأربعين وسبع مئة من الهجرة (٧٤٩ هـ) قبل أخيه فرثاه (١). ٩ - إبراهيم بن عيسى بن عبد السّلام، ولعله أول من تلقى عنه ابن الوردي بمعرة النعمان، ولم أقف على شيء من أخباره، إلا أنه قال في تتمة المختصر في حوادث (٧٣٩ هـ): «وفيها في أوائل رجب توفي بمعرة النعمان ابن شيخنا العابد إبراهيم .. (٢)». ١٠ - الشيخ تاج الدين جعفر السراج الحلبي (٣). واستفاد ابن الوردي من غير هؤلاء من علماء عصره في شتى العلوم والفنون فقد جالس الكثير وسمع منهم وحاورهم، ومنهم: أ - شيخ الإسلام أبو العباس، تقي الدين ابن تيمية، أحمد ابن عبد الحليم الدمشقي الحنبلي (٤)، المتوفى سنة (٧٢٨ هـ) بدمشق (٥).

стр. 13

ب - نجم الدين اللخمي القبائي الحنبلي المتوفى بحماة سنة سبع مئة وأربعة وثلاثين (٧٣٤ هـ) سأل ابن الوردي عن المسألة الأكدرية إذا كان بدل الأخت خنثى، فأعجب نجم الدين بجوابه، وذلك في بلدة الفوعة (١). ج - العلامة فخر الدين محمد بن علي المصري الشافعي، المعروف بابن كاتب قطلوبك، المتوفى سنة سبع مئة وواحد وخمسين (٧٥١ هـ) (٢) سمع منه وباحثه عند ما قدم حلب سنة (٧٣٨ هـ) (٣). د - التاج اليماني، تاج الدين أبو المحاسن عبد الباقي بن عبد المجيد بن عبد الله اليمني المخزومي المكي، النحوي اللغوي الكاتب العروضي الشاعر، المتوفى سنة سبع مئة وثلاثة وأربعين (٧٤٣ هـ) باحثه، وأنشده التاج من شعره، عند ما قدم حلب سنة (٧٤١ هـ) (٤). هـ - الشيخ شهاب الدين أحمد بن المرحّل الحرّاني النحوي المتوفى في مصر سنة سبع مئة وأربعة وأربعين ٧٤٤ هـ، ذكر ابن الوردي أنه لقيه في حلب، وتحاورا في مسائل نحوية (٥).

стр. 14

و - القاضي محمد بن أبي بكر شمس الدين بن النقيب المتوفى في ذي القعدة سنة سبع مئة وخمس وأربعين (٧٤٥ هـ) ذكر أنه جرت معه مذاكرة ومجالسة في حلب في مشكلات وقضايا فقهية (١). ز - الشيخ صافي بن نبهان، سمع منه في (جبرين) في الحديث (٢). والمتتبع لديوانه ولتتمة المختصر يقف على غير هؤلاء من علماء الشام، وعلماء مصر الذين قدموا الشام. إجازات ابن الوردي لتلاميذه وعلماء عصره: سمع من ابن الوردي كثير من علماء عصره، وتلقى عليه الكثير من طلاب العلم ومحبي الأدب، وأجاز عددا من هؤلاء وهؤلاء رواية مؤلفاته في مختلف الفنون والعلوم، ذكر عددا منهم في ديوانه، إلا أنه لا يذكر أحيانا اسم المجاز كاملا، وممن ذكرهم: ١ - القاضي أبو المحاسن نور الدين يوسف بن محمد بن منصور الأنصاري الفيومي الخزرجي الشافعي، أجازه ابن الوردي في رواية مؤلفاته، وكان ذلك سنة (٧٤٣ هـ) وأثنى على علمه وشعره، وقال: إنه استجازه، وكان الحق الاستجازة منه (٣).

стр. 15

وقال في الدرر: توفى سنة بضع وأربعين وسبع مئة من الهجرة (١). ٢ - العلامة صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله، الصفدي المولد، الدمشقي الوفاة سنة ٧٦٤ هـ، له زهاء مئتي مصنف، أجازه في رواية ما له من منقول ومقول، وفروع وأصول، ونظم ونثر، وأدب وعلم، وشرح وتأليف، وأثنى ابن الوردي على أدبه وعلمه (٢). ٣ - كمال الدين عمر بن محمد بن الضياء بن شهاب الدين محمد ابن العجمي الحلبي، المتوفى سنة ٧٤٤ هـ، باحثه في شرح الشافية الكافية (٣). ٤ - القاضي شهاب الدين أحمد بن ريان، قرأ عليه (الخلاصة) لابن مالك وشرحها لابنه (٤). ٥ - الفقيه الفاضل محمد بن عمر بن علي اليمني، قرأ عليه منظومته (بهجة الحاوي) وكان وفد عليه من اليمن (٥).

стр. 16

٦ - ضياء الدين سليمان الفارسي، قرأ عليه (البهجة) وأجازه في رواية ما له من منقول ومقول (١). ٧ - الفقيه الجليل ابن شجرة، قرأ عليه كتابي: (الجمل) لعبد القاهر الجرجاني، و (الخلاصة) لابن مالك (٢). ٨ - كمال الدين إبراهيم بن بهاء الدين حسين بن جمال الدين بن سليمان بن ريان، المعروف بابن ناظر الجيش، عرض عليه (الوافية) في نظم الكافية لابن الحاجب (٣). ٩ - ابن العطار، عرض عليه كتاب التنبيه في الفقه الشافعي للشيرازي (٤). ١٠ - محمد بن الحسن الحنفي، عرض عليه مواضع من كتاب: (بداية المبتدي) لأبي الحسن المرغيناني الحنفي (٥). ١١ - تقي الدين أبو بكر، قرأ عليه مواضع من كتابه: (بهجة الحاوي) وأثنى عليه كثيرا (٦). ابن الوردي والعمل في القضاء: عمل ابن الوردي في القضاء مدة تزيد على اثنتي عشرة سنة ما

стр. 17

بين ٧٢٤ هـ إلى ٧٣٦ هـ في دمشق (١)، وحلب، والقرى التابعة لها كمنبج، وقرى أعمال حمص كشيزر، ولم يرق له العمل في البرّ، وكتب في ذلك أشعارا إلى قضاة حلب يعاتبهم على إقصائه وتقريب من هو أقل منه، ويطلب إقالته، رغبة منه في القرب من مراكز العلم ومجالس العلماء. قال يخاطب كمال الدين محمد بن علي الزملكاني قاضي قضاة حلب (٢): أمنقذها (٣) من بؤسها وعنائها ... فديتك أنقذني فقد نفد العمر فإني أرى عيبا بأني مضيّع ... وكسي من الحكم الخصومات والوزر مقيما بأرض الحرث جارا لمعشر ... وجوههم غبر وأثوابهم حمر تقدمني من كان خلفي وساءني ... خمولي ولكن هكذا يفعل البرّ بليت بحجر الحكم من زمن الصبا ... فهل بكمال الحجر يرتفع الحجر على أنني راض بأن ألي القضا ... وأعزل عنه لا أثام ولا أجر

стр. 18

لئن زاد مال المرء مع نقص علمه ... فذلك خسر لا يقابله خسر أيا أوحد الإسلام إني معوّل ... عليك وما المملوك في قصده غرّ أقلني من الأحكام في البرّ محسنا ... إليّ بفصلي عنه، يا من هو البحر شغلت بحبّ العلم عن رفعة القضا ... أيلوي على الأصداف من قصده الدّرّ تعجب قوم كيف أترك منصبي ... وأرفضه عمدا وما أنا مضطرّ وقالوا: ترى من حلّ في رتبة القضا ... وفارقها حتى يواريه القبر أرى العلم أعلى رتبة لي من القضا ... ولو لم يكن إلّا فوائدك الزّهر وفيّ لتحصيل العلوم بقيّة ... فلا كبر عنها يصدّ ولا كبر ولم يستجب الزملكاني لرغبة ابن الوردي في الإقالة من القضا في البر. وعند ما تولى الشيخ فخر الدين أبو عمرو عثمان بن خطيب جبرين، قضاء قضاة حلب وما يتبعها في جمادى الآخرة سنة ٧٣٦ هـ، طلب منه ابن الوردي الإعفاء من القضاء فاستجاب لطلبه، وبذلك تحققت رغبته في التفرغ للبحث والتدريس في حلب، وقد عبّر عن ذلك في إحدى قصائده، قال (١): إني تركت عقودهم وفسوخهم ... وفروضهم والحكم بين اثنين ولزمت بيتي قانعا ومطالعا ... كتب العلوم وذاك زين الزين (٢)

стр. 19

أهوى من الفقه الفروق دقيقة ... فيها يصح تفرّز النصين وأحبّ في الإعراب ما هو غامض ... عن نصف نحوي وعابر عين وأقول في علم البديع معانيا ... مقسومة بين البيان وبيني وتركت نظم الشعر إلا نادرا ... كالبيت في سنة أو البيتين ما الشعر كالعلم الشريف نباهة ... فالعلم فيه سعادة الدارين منزلته العلمية والأدبية: لئن طغت شهرة ابن الوردي الأدبية على مكانته العلمية، بما اشتهر به من نظم ونثر أدبي متميز، فإن الدارس لحياته وتراثه العلمي، وعمله في القضاء، وتفرغه للتدريس، وقصد العلماء مجلسه، ودراستهم مؤلفاته، وطلبهم الإجازة منه، فضلا عن تلاميذه الذين يصعب حصرهم، ليعلم أن ابن الوردي كان عالما متميزا في كل الفنون التي ألّف فيها، من نحو وفقه وفرائض وتصوف وتاريخ وتفسير أحلام وجغرافيا، وأن ما ترك من منظوم ومنثور في هذه الفنون، يشهد بعمق فكره وتنوع ثقافته، فقد نظم الفقه الشافعي، وألف في النحو تسعة مؤلفات بين منظوم ومنثور، ففاق بذلك كثيرا ممن سبقه، ومن جاء من بعده. وأثنى عليه علماء عصره، ومن جاء بعدهم ممن اطلع على مصنفاته. قال الصفدي ﵀: «أحد فضلاء العصر، وفقهائه، وأدبائه، وشعرائه، تفنن في علومه، وأجاد في منثوره ومنظومه، وعربيته تلافيها ما أنّس غريبها بتلافيها، وقربها إلى التعقل بعد تجانفها

стр. 20

وتجافيها (١)». وقال: «فقهه للطلبة روضة، ولأصحاب الفتاوى قد شرّع حوضه، نظم الحاوي وزاده مسائل، وجعله بعد وحشة الأذهان منه خمائل (٢)». وقال ابن حجر: «من نظم الفقه بعد ابن الوردي فقد أتعب نفسه (٣)». مصنفاته العلمية: ١ - البهجة الوردية (٤)، وتسمى (بهجة الحاوي) نظمها في فروع الفقه الشافعي في ثلاثة وستين وخمسة آلاف بيت (٥٠٦٣)، ظمنها (الحاوي الصغير) للشيخ نجم الدين عبد الغفار القزويني المتوفى سنة (٦٦٥ هـ) وقال ابن حجر عنه: «أقسم بالله لم ينظم أحد بعده الفقه إلا قصر دونه (٥)». وقد حظيت البهجة بعدة شروح (٦). ٢ - الوسائل المهذبة في المسائل الملقبة (٧)، وتسمى (الملقبات

стр. 21

الوردية) منظومة في علم الفرائض على المذاهب الأربعة. شرحها الشيخ عبد الله بن محمد العجمي الشّنشوري، المتوفى سنة (٩٩٩ هـ) وسماه (الفوائد المرضية في شرح الملقبات الوردية (١). ٣ - منطق الطير لإرادة الخير (٢)، في التصوف، نظما ونثرا. ٤ - الشهاب الثاقب والعذاب الواصب في التصوف (٣). ٥ - التحفة الوردية، منظومة في النحو في (١٥٣) بيتا (٤) ٦ - شرح التحفة الوردية (٥). ٧ - تحرير الخصاصة في تيسير الخلاصة (٦)، وعبر عنه في إجازاته ب (شرح الخلاصة الألفية في علم العربية) (٧). وهو

стр. 22

محط الدراسة والتحقيق. ٨ - ضوء الدرة، في شرح ألفية ابن معطي (١). ٩ - قصيدة اللباب في علم الإعراب (٢). ١٠ - شرح قصيدة اللباب في علم الإعراب (٣). ١١ - تذكرة الغريب في النحو نظما (٤). ١٢ - شرح تذكرة الغريب (٥). ١٣ - أحاج في النحو على حروف المعجم (٦). ١٤ - تتمة المختصر في أخبار البشر (٧)، ويعرف بتاريخ ابن الوردي، لخص فيه تاريخ أبي الفداء، إسماعيل بن علي الأيوبي ملك حماة، المتوفى سنة (٧٣٢ هـ) وذيّل عليه من حيث وقف أبو الفداء سنة (٧٠٩ هـ) إلى وفاة ابن الوردي سنة (٧٤٩ هـ) (٨).

стр. 23

١٥ - المسائل المهذبة في المسائل الملقبة، منظوم في (٧١) بيتا من الرجز في الأنساب (١). ١٦ - أرجوزة في علم الأحجار والجواهر (٢). ١٧ - ضوء درة الأحلام في تعبير المنام، ويسمى الألفية الوردية (٣). ١٨ - خريدة العجائب وفريدة الغرائب (٤)، في تقويم البلدان وغيره. ١٩ - أحوال القيامة، وهو مستخلص من (خريدة العجائب) (٥). آثاره الأدبية: سبق أن أشرنا إلى أن ابن الوردي اشتهر أديبا أكثر منه عالما، ولقد كان لقصيدته اللامية التي سارت بها الركبان، منذ عصر ابن

стр. 24

الوردي إلى يومنا هذا، أثر في شهرته تلك، وتتبّع الناس لأدبه، المنظوم والمنثور، وقد صوّر أدبه الحالة الدينية والاجتماعية والسياسية في العصر المملوكي خير تصوير، وطرق أغراض الشعر بعيدا عن المدح المتزلف، والهجاء المذموم. كما أجاد في أغراض النثر من رسائل وإجازات وتهان وتعاز وخطب، ومحاورات وإجابات لعلماء عصره وأدبائه، بأسلوب رقيق، وسبك جيد. ومن آثاره الأدبية: ١ - ديوان ابن الوردي: وقد جمعت فيه معظم أدبياته، فشمل إلى جانب شعره خمس مقامات (١)، و (رسالة السيف والقلم) و (رسالة الزلزلة) الحادثة في بلاد الشام سنة (٧٤٤ هـ) و (رسالة النبأ عن الوبأ) في الطاعون الذي أصاب الشام وتوفي فيه، و (رسالة الحرقة للخرقة) في القاضي الرباحي، و (الكلام على مئة غلام، مئة مقطوع) و (الدراري السارية في مئة جارية، مئة مقطوع) و (نصيحة الإخوان ومرشدة الخلّان)، وتعرف بلامية ابن

стр. 25

الوردي، وقد عني الأدباء بشرحها (١) وترجمتها (٢). ٢ - أبكار الأفكار في مشكل الأخبار (٣). ٣ - تحفة الأحباب من ملحة الإعراب (٤). * * *

стр. 26

الفصل الثاني تحرير الخصاصة في تيسير الخلاصة دراسة تحليلية منهجه في الشرح: رسم ابن الوردي في مقدمته دوافع شرح الخلاصة (الألفية) ومنهجيته في هذا الشرح، فذهب إلى تحليل أبيات الألفية تحليلا ميسرا، فصّل فيه مجملها، وقيّد مطلقها، وفك مغلقها، مستخدما في ذلك غالب أمثلة ابن مالك في الألفية، ولم يكن مسترسلا في ذكر أقوال النحاة وخلافاتهم، وإن كان يذكر منها ما يعضده الدليل، بأسلوب مختصر غير مخل، وقال: إنه وضع هذا الشرح ليكتفي به من أراد دراسة النحو دون توسع وتخصص، وأنه مع شموله واختصاره جاء مقاربا لربع شرح ابن الناظم لألفية والده، مع أنه حلّ ما لم يحله في شرحه وذكر ما لم يذكره، وأورد شواهد لم يوردها، وزاد قيودا لم يزدها (١). وأضاف في شرحه فوائد وتتمّات، لم يوردها الناظم في الألفية ولا ولده في شرحه، مما تقتضيه بعض المسائل النحوية، التي يحتاجها دارس علم النحو.

стр. 27

فابن الوردي إذا له طريقة خاصة في شرح الألفية تختلف عن ابن الناظم أول شرّاح الألفية، فابن الوردي لا يذكر أبيات الألفية قبل الشرح، ولا يحلل جملها كما عمل أكثر شراحها، وإنما يعرض مضمون البيت أو الأبيات التي تخص قضية من قضايا النحو، ويمثّل لذلك، ويكثر من الاستشهاد بالقرآن الكريم، والحديث الشريف، وبالشعر العربي، منها ثلاثة أبيات (١) لم أطلع على من أوردها في كتب النحو قبله، وهي: ١ - أقلّ فعالي بله أكثره مجد ... وذا الجدّ فيه نلت أم لم أنل جدّ وهو للمتنبي، وقد مثل به على أنه إذا جرّ ما بعد (بله) فهو مصدر. ٢ - أقبلت لا سعيا ذي اعتراض ... لست بغضبان ولا براضي وهذا البيت لم أقف على قائله، وأورده في الاستشهاد على أن (من) تأتي بمعنى (إلى) وليس فيه شاهد على ذلك لعدم ورود من في البيت. ٣ - أرى الصبر محمودا وعنه مذاهب ... فكيف إذا ما لم يكن عنه مذهب وهذا البيت لابن ارومي، وقد مثل به ابن الوردي في شرح التحفة الوردية، وأورده البغدادي في شرحه شواهد شرح التحفة الوردية ولم يذكرا قائله.

стр. 28

كما أنه يورد أقوال العرب وأمثالهم للاحتجاج على مسألة من المسائل، ويعرض لبعض اختلاف النحاة ويختار ويردّ، ويعرض رأي ابن مالك ويختاره على غيره أحيانا، وينتقده أحيانا، ويستدرك على ابن مالك بعض ألفاظ الألفية، فيذكر حينئذ بيت الناظم أو جزأه، ويضع بيتا بديلا له، ويعلق على ما يراه تناقضا بين بعض كتب ابن مالك، مما سيأتي تفصيله. كما ينتقد في مواضع شرح ابن الناظم للألفية، ويذكر النقص فيه، ويذكر ما لم يذكره في بعض المسائل النحوية الواردة في الألفية، مما سيرد ذكره، وذلك بأسلوب العالم الذي ينشد الحق، دون استنقاص غيره، أو تعال عليه. قال: «ولم أرد بذلك طعنا عليهما (يعني ابن مالك وولده) ولم أسئ ظنّا بأحدهما أو كليهما (١)». بل أثنى عليهما في مقدمته، قال: «وهما لفضيلة السبق من الحائزين، فالله يكتبنا جميعا من الفائزين (٢)». مصادره: صدر ابن الوردي في (تحرير الخصاصة وتيسير الخلاصة) عن كتب ابن مالك كثيرا، وفي مقدمتها الكافية الشافية وشرحها، وعمدة الحافظ وعدة اللافظ وشرحها، وكتاب التسهيل، وكذا صدر عن شرح ابن الناظم للألفية، ولا غرو في ذلك، فهو يشرح

стр. 29

الألفية أحد مصنفات ابن مالك التي سبقه ابنه إلى شرحها، ويعمل على أن يكون مختصرا بحيث يقارب ربع شرح ابن الناظم. وأخذ من غير كتبهما كثيرا، فأخذ من أقوال إمام النحاة (١)، وما ورد في كتابه من أقوال العرب (٢)، والعلماء السابقين، كالخليل (٣) ويونس (٤). كما أخذ من كتب وأقوال العلماء الآخرين، كالفراء، والمبرد، والأخفش، وأبي علي الفارسي، وغيرهم كثير، إضافة إلى احتفاله بالقراءات للاستشهاد بها على المسائل النحوية التي يرى الأخذ بها، وإن خالف بذلك كبار علماء النحو، مع أنه يقدم رأي البصريين على غيرهم في الغالب. ابن الوردي وابن مالك: درس ابن الوردي ألفية ابن مالك على يد شيخه شرف الدين أبي القاسم هبة الله بن عبد الرحمن البارزي الجهني، الذي صنفت الخلاصة له وفي داره كما ذكر ابن الوردي (٥)، وقد أجازه فيها، فكانت علاقته بها مبكرة، وقد اهتم بها ابن الوردي فمنحها

стр. 30

اهتمامه، وأعطاها جلّ وقته، دراسة وتمعنى وتدريسا، فعرف دقائقها، وما لها من قيمة علمية، وما عليها من استدراكات، كما يراها هو، وما تحتاجه بعض موضوعاتها من إضافات وتتمات يحتاجها دارس هذا الفن. وقد درّسها طلابه مدة ليست بالقصيرة، وأجاز فيها عددا كبيرا منهم (١)، كما أجاز فيها عددا من العلماء الذين عاصروه. وقد أشغلت هذه المنظومة عشاق هذا الفنّ منذ وضعها ابن مالك ﵀، تعلّما وتعليما، ولم يحظ كتاب في النحو بما حظيت به الألفية من العكوف على دراستها وحفظها والاجتهاد في شرحها والتعليق على شروحها، إلى يومنا هذا. وإذا كان العلماء يأخذون من بعضهم دون الإشارة إلى مصادرهم أحيانا، وخاصة فيما اشتهر من سياقات وتعريفات، والتمثيل لها، فإن ابن الورد قد استفاد من كتب ابن مالك كثيرا، أخذ منها نصا، أو بتغيير قليل في بعض العبارات، وخاصة في بعض التعريفات والقضايا الخلافية دون إشارة، مما يؤخذ على ابن الوردي ﵀، ومن ذلك: ١ - قوله في (الإضافة): «وتعرف اللفظية بتقدير انفصال المضاف، إمّا لكونه وصفا يعمل فيما أضيف إليه عمل الفعل ....

стр. 31

وإمّا لتأوّله بما رأيته كذلك، كمرّ برجل مثلك، وشبهك، وغيرك، وحسبك، و: بمنجرد قيد الأوابد هيكل تأويلها بمثالك (١)، ومشبهك، ومغايرك، ومحسبك، وممسك الأوابد. وإمّا لجعله بمباشرة أو عطف معمول ما لا يعمل إلّا في نكرة، مثال المباشرة: لا أبا لك، ولا يدي لك، ولا أخا للمقتّر، فاللام مقحمة، وإضافتها مقدرة الزوال؛ إذ لا تعمل (لا) إلّا في نكرة، ومثال العطف: كم ناقة لك وفصيلها؟ . وربّ رجل وأخيه (٢)». هو قول ابن مالك في العمدة وشرحها (٣). ٢ - وقوله في (التعجب) عند الاستشهاد بقول علي ﵁: وفي الحديث أنّ عليّا مرّ بعمّار ﵁ فمسح التّراب عن وجهه، فقال: «أعزز عليّ أبا اليقظان أن أراك صريعا مجدّلا! وفي هذا ثلاثة شواهد، أحدها: الفصل بالجار والمجرور. الثاني: الفصل بالنداء.

стр. 32

الثالث: حذف الباء من المتعجّب منه بعد أفعل؛ لكونه أن (١)». وهذا نص ابن مالك في شرح العمدة (٢). ٣ - وقوله في (المفعول له): «ينصب المفعول له، وهو كل مصدر أبان تعليلا، نحو جد شكرا، ودن شكرا، ولا بدّ من ظهوره ومشاركته المعلّل في الوقت والفاعل (٣)». هو لفظ العمدة (٤) مع اختلاف قليل. وغير ذلك من التعريفات والقضايا النحوية التي يجدها المتتبع لشرح ابن الوردي وكتب ابن مالك، والمقارن بينهما. كما أن من الأمور المسلم بها أن التعرض لعمل الآخرين، وخاصة عند شرح المتون، والنظم العلمي بصفة أخص، مما يعتمد فيه صاحبه على الإيجاز الشديد، والاكتفاء بالتمثيل دون سرد الشروط، والإشارة إلى القاعدة دون تفصيل، والاكتفاء بالإيماء إلى الخلاف، كل ذلك وغيره يتيح للشراح مجالا لاستكمال قاعدة ما، أو شروط لم تذكر، أو الاختلاف في مسألة، وخاصة إذا اختلفت المدرسة، والمذهب النحوي، فقد يأخذ الشارح بالرأي ويرجحه، وقد يختلف معه، ويضعفه أو يردّه.

стр. 33

وهذا ما جرى بين ابن الوردي وابن مالك في شرح الألفية. فقد وافقه في مسائل، ورجح رأيه فيها، وخالفه في أخرى، واستدرك عليه، وتعقب أقواله في بعض كتبه، وما وقع فيها من اختلاف أو إيجاز وتفصيل. وقد سبق ابن الوردي إلى الاستدراك على الناظم ابنه أول شرّاح الألفية، وكذا من جاء بعده كالمرادي والأشموني. وهذه نماذج من تلك المسائل والمواقف: أ - مما وافق فيه ابن الوردي ابن مالك وأيد رأيه، أو عرضه دون تعليق ما يأتي: ١ - قوله في وصل الضمير وفصله مع كان وأخواتها، وما ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر أو لا: «والمبيح لجواز اتصال الضمير وانفصاله، كونه إمّا ثاني ضميرين أولهما أخصّ وغير مرفوع، نحو: سلنيه، ومنعكها، وإمّا خبرا لكان أو إحدى أخواتها، كقوله ﷺ في ابن صياد: إن يكنه فلن تسلّط عليه، وإلّا يكنه فلا خير لك في قتله. وحكى سيبويه: عليه رجلا ليسني. ودليل الانفصال قوله: لئن كان إيّاه فقد حال بعدنا ... عن العهد والإنسان قد يتغيّر وخلتنيه من باب سلنيه، والشيخ ﵀ يختار الاتصال، ومنهم من يختار الانفصال. ومّما يشهد للاتصال وينصره قوله تعالى: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ ولا يكاد يعثر على

стр. 34

الانفصال إلّا في الشعر كقوله: أخي حسبتك إيّاه وقد ملئت ... أرجاء صدرك بالأضغان والإحن (١)» ٢ - وقوله في الإخبار عن المبتدأ: «وممّا يخبر به عن المبتدأ الجار والمجرور، والظرف، ك الْحَمْدُ لِلَّهِ * والسفر غدا؛ لتضمنهما معنى صادقا على المبتدأ، ولك تقديره بمفرد نحو كائن ومستقر، وهو الأرجح، أو جملة نحو: كان أو استقر (٢)». فقد رجح رأي ابن مالك، الوارد في شرح الكافية الشافية قال: «وكونه اسم فاعل أولى لوجهين: أحدهما: أن تقدير اسم الفاعل لا يحوج إلى تقدير آخر، لأنه واف بما يحتاج إليه في المحل من تقدير خبر مرفوع ... (٣)». ٣ - وقوله في (كان وأخواتها): «وتقديم الخبر جائز إلّا مع دام، ومع المقرون بما النافية، ومع ليس، وهو اختيار الشيخ رحمه الله تعالى (٤)». ٤ - وقوله في (إنّ وأخواتها): «الخامس: أن تقع بعد القول المضمن معنى الظنّ، كقوله: أتقول إنّك بالحياة ممتّع ... وقد استبحت دم امرئ مستسلم؟

стр. 35

أجاز فيه الشيخ في تنبيهاته الوجهين (١)». يعني كسر همزة إن وفتحها. قال ابن مالك في شرح الكافية الشافية: «والمراد بقولي مطلقا التنبيه على أن القول صالح لأن تكسر بعده (إنّ) حين يقصد به معنى الظن، لأن أصل ما علّق به أن يكون محكيّا (٢)». وقد أورد ابن الوردي نص شرح العمدة (٣). ٥ - وقوله في (التمييز): «وإن كان عامل التمييز غير فعل، أو فعلا غير متصرف لم يتقدمه التمييز بإجماع، وإن كان فعلا متصرّفا فمنعه سيبويه وأجازه الكسائي والمازني والمبرد والشيخ ﵏، ودليلهم كثير كقوله: رددت بمثل السّيد نهد مقلّص ... كميش إذا عطفاه ماء تحلّبا ومثله: إذا المرء عينا قرّ بالأهل مثريا ... ولم يعن بالإحسان كان مذمّما (٤)» ٦ - وقوله في (الإضافة): «وخالف الشيخ الجمهور وأجاز الفصل بين المضاف والمضاف إليه في صور: الأولى: فصل المصدر المضاف إلى الفاعل بما تعلّق

стр. 36

بالمصدر من مفعول به أو ظرف، مثل: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ وكقوله: يفركن حبّ السّنبل الكنافج ... بالقاع فرك القطن المحالج ويدلّ على أنه ليس بضرورة إنشاد الأخفش: فزججتها بمزجّة زج ... ج القلوص أبي مزاده إذ يمكن زجّ القلوص أبو. الثانية: فصل اسم الفاعل عن المضاف إلى مفعوله الأول بالثاني، كقوله: ما زال يوقن من يؤمّك بالغنى ... وسواك مانع فضله المحتاج وقرأ بعضهم: فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله وفي الحديث: «هل أنتم تاركو لي صاحبي». فلو كان الفاصل في الصورتين فاعلا اختصّ بالضرورة، كقوله: ما إن وجدنا للهوى من طبّ ... ولا عدمنا قهر وجد صبّ وهذا يفهم لمن حقّق كلام الشيخ في الألفية، وإن لم ينبه عليه ابنه. الثالثة: فصل المضاف بالقسم، كقولهم: هذا غلام - والله - زيد، وإنّ الشاة لتسمع صوت - والله - ربّها.

стр. 37

ومعنى البيت: أجز أن يفصل المضاف المشبه للفعل عن المضاف إليه بما نصبه المضاف في حال كونه مفعولا أو ظرفا، ف (ما) فاعل مرفوع بالمصدر وهو فصل، والفصل بغير ذلك ضرورة كبالأجنبي من المضاف في قوله: كما خطّ الكتاب بكفّ يوما ... يهوديّ يقارب أو يزيل وقوله: هما أخوا في الحرب من لا أخا له ... ... وقوله: يمرّ على ما تستبنه وقد شفت ... غلائل عبد القيس منها صدورها وقوله: أنجب أيّام والداه به ... إذ نجلاه فنعم ما نجلا أراد نجب والداه به أيام إذ نجلاه. وكالنعت في قوله: نجوت وقد بلّ المراديّ سيفه ... من ابن أبي شيخ الأباطح طالب أراد من ابن أبي طالب شيخ الأباطح. وكالنداء في قوله: كأنّ برذون أبا عصام ... زيد حمار دقّ باللجام

стр. 38

أي: كأنّ برذون زيد يا أبا عصام (١)». وواضح موافقة ابن الوردي للناظم في هذه المسألة وإن خالف رأي البصريين. ٧ - وقال في العطف على الضمير المجرور: «ولا يعطف على الضمير المجرور إلّا بإعادة الجارّ عند الأكثرين، مثل: وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ، * فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، وأجاز يونس والأخفش والكوفيون العطف دون إعادة الخافض، ووافقهم الشيخ لوروده نظما ونثرا كثيرا، مثل: تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ. وحكى قطرب: ما فيها غيره وفرسه، ومثله: لو كان لي وزهير ثالث وردت ... من الحمام عذابا شرّ مورود (٢)» ٨ - وفي حذف حرف النداء قال: «ويجوز حذف حرف النداء من غير الله تعالى ومندوب ومضمر ومستغاث. ووافق الشيخ الكوفيين فجعل حذفه من اسم الجنس واسم الإشارة مطّردا مستشهدا للأول بنحو قوله ﷺ : «اشتدّي أزمة تنفرجي». «ثوبي حجر»، وقولهم: «أصبح ليل، أطرق كرا»، وللثاني بقوله تعالى: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ وقول ذي الرمة: إذا هملت عيني له قال صاحبي ... بمثلك هذا لوعة وغرام

стр. 39

وقول طائي: ذي دعي الّلوم في العطاء فإنّ ال ... لوم يغري الكريم في الإجزال أي: ياذي (١)». وغير ذلك مما اختاره ابن الوردي مما ذهب إليه الناظم مخالفا فيه رأي جمهور البصريين (٢). ب - وفي مقابل هذا فإن ابن الوردي - كما سبق - استدرك على الناظم بعض ألفاظ المنظومة باقتراح تعديل فيها لعدم شمولها بعض المسائل أو الشروط إلا بذلك التعديل، ويعبر بأسلوب فيه أدب جم مع الشيخ رحمهما الله تعالى، كقوله: «لكان ذلك أكثر فائدة، لعمّ، أو لكان أوضح، أو لكان أكمل، لخلص من ذلك» وغيرها من العبارات التي تدل على تقديره لابن مالك واحترامه لعلمه، فهي مسائل ليست جوهرية، وإنما هي من باب المحترزات أو المكملات. ومن ذلك: ١ - قوله في (المعرب والمبني): «ولو كان الشيخ ﵀ قال نحو هذا البيت: والرفع فيهما انو، والكلّ انحذف ... جزما وقد صححه بعض السلف لكان أكثر فائدة؛ فإنّ بعض العرب يجري المعتلّ مجرى

стр. 40

الصحيح، وعليه قراءة من قرأ: إنه من يتق ويصبر وقول من قال: .. (١)». وذكر ثلاثة شواهد غير الآية الكريمة، وذلك استدراكا على قول ابن مالك في الألفية: والرفع فيهما انو واحذف جازما ... ثلاثهن تقضي حكما لازما (٢) ٢ - وقوله في (النكرة والمعرفة): «ولم يذكر الشيخ في الألفية اسم الفعل، ولو قال بدل البيت نحو قولي: ومن ضمير الرفع ما يستتر ... كقم، أقم، نزال، تأتي، نشكر لعمّ اسم الفعل المذكور (٣)». يعني أن المصنف لم يذكر في الألفية اسم الفعل مما يستتر فيه الضمير وجوبا حيث قال: ومن ضمير الرفع ما يستتر ... كافعل، أوافق، نغتبط، إذ تشكر (٤) ولقائل أن يقول: لم يرد ابن مالك الحصر، وإنما مثل ببعض ما يستتر فيه الضمير وجوبا، وترك غير اسم الفعل كالمصدر النائب عن فعله، مثل: توضيحا المسألة، ولم يستدركه ابن الوردي، وابن الوردي نفسه مثل لاسم فعل الأمر دون المضارع.
следующие страницы →