← Адаб

Адаб · id 17724

شرح شواهد المغني

الجلال السيوطي

Полный текст (981 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرح شواهد المغني تأليف الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ [الجزء الأول]

стр. 2

بين يدي الكتاب عني علماء العربية برواية الشعر وحفظه، واستشهدوا به في كلامهم، واستدلوا على صحة قواعد اللغة وشواذها بالبيت يستشهدون به، كما مثلوا بالمثل يضربونه، وعلى صحة اللفظ بالآية يتلونها، وهم أيضا كما عنوا بحفظ الشعر وروايته عنوا بمعرفة اسم الشاعر، وحددوا عصره، ولذلك فقد قسموا الشعر الى عصور، والشعراء الى طبقات، فكان (١): ١ - الطبقة الأولى: الشعراء الجاهليون، وهم قبل الاسلام، كامرئ القيس والأعشى .. ٢ - الطبقة الثانية: الشعراء المخضرمون، وهم الذين أدركوا الجاهلية والاسلام، كلبيد وحسان ... ٣ - الطبقة الثالثة: الشعراء المتقدمون - ويقال لهم الاسلاميون - وهم الذين كانوا في صدر الاسلام كجرير والفرزدق ... ٤ - الطبقة الرابعة: المولدون - ويقال لهم المحدثون - وهم من بعدهم كبشار وأبي نواس ... وعلى أساس هذا التقسيم اتفقوا على أن الطبقتين الاوليتين يستشهد بشعرهما إجماعا، وأن الطبقة الثالثة، فالصحيح صحة الاستشهاد بكلامها، وأما الطبقة الرابعة فانه لا يستشهد بكلامها مطلقا. ثم فيما بعد قسمت الطبقة الاخيرة - أي الرابعة - الى طبقات: طبقة المولدين، وطبقة المحدثين، وطبقة المتأخرين. واختلف فيمن يستشهد من الشعراء بشعرهم من هذه الطبقات. وكان الجلال السيوطي ممن يؤيد الرأي القائل بعدم الاحتجاج بشعر هذه الطبقات الاخيرة، فقد ذكر في الاقتراح: أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين

стр. 3

والمحدثين في اللغة والعربية، وذلك بخلاف الزمخشري صاحب الكشاف، وليس استشهاد سيبويه بشعر بشار مما يؤخذ فيه أو يعتبر حجة على الاستشهاد بأقوال المولدين، لأن أستشهاده كان خوفا من هجاء بشار. وهم لهذا كله عنوا أيضا بمعرفة قائل الشعر، وصحة نسبة الشعر اليه. فقد تبين من تقسيم الشعراء الى طبقات من يصح الاستشهاد بشعرهم، ومن لا يصح. وأنه لا يجوز الاحتجاج بشعر وكذا بنثر لا يعرف قائلة (وعلة ذلك مخافة أن ذلك الكلام مصنوعا أو لمولد، أو لمن لا يوثق بكلامه) (١). وما ذلك الا حفظا للغة القرآن الكريم، وليتضح حديث النبي المرسل ومعرفة الدخيل في اللغة من الأصيل، كما وضعت قواعد اللغة وأصل الاعراب لتجنب اللحن كما هو معروف ... سقنا هذه المقدمة القصيرة لتبيان الغاية التي توخاها الامام الجليل السيوطي في كتابه (شرح شواهد المغني) والذي نقوم على نشره الآن. وقد ألفت في النحو كتب كثيرة وقام على خدمتها رجال أفاضل علماء، كان أبعدهم صيتا واكثرهم ذكرا جمال الدين بن هشام الانصاري المتوفي سنة ٧٦١ هـ فقد ألف في هذا الباب عدة كتب أشهرها وأعظمها (مغني اللبيب عن كتب الاعاريب) والذي أصبح أهم مرجع في نحو اللغة العربية لا زال يتدارسه أهل العربية حتى زماننا، لذلك وضعت عليه عشرات الحواشي والشروح ليسهل حفظه، وابن هشام من أكثر النحويين استثمار للشواهد وايرادا لها سواء كان من القرآن أو الحديث أو المثل السائر، أو بالشعر والنثر. وقد لاحظ الجلال السيوطي أن اتمام الفائدة وتحقيقا لصحة الاستشهاد ان ينسب كل قول لقائله ويحل ما يشكل من لفظ أو معنى لفظ، وان يعرّف بصاحب الشاهد فكان كتابه هذا (شرح شواهد المغني). والكتاب على ضخامته ليس للسيوطي فيه الا الجمع والترتيب، وان كان لا يخلو من بدوات أو فقرات يعبر السيوطي عن رأيه فيها. وهو مع هذا كله كلف نفسه جهدا وصبرا ومشقة، اذ لم يكتف بذكر الشاهد واسم قائله، وانما يدرج القصيدة كاملة التي منها الشاهد، وان لم يكن فقسما كبيرا منها، أو اشهر أبيات القصيدة مع تفسير ما أشكل من كلماتها وصعب. وان كان يوجد اختلاف في الرواية فانه يدرج كافة الاختلافات والروايات مع اسناد كل قول الى قائله، وقد أودع كتابه كثيرا مما حوته كتب اللغة والشعر، وبذل مجهودا مشكورا في ترتيب ما نقله ووضعه في محله، وهو مما يدل على سعة اطلاعه واحاطته الشاملة، الى امانة في النقل وذكر المرجع الذي نقل عنه، ولربما نجد احيانا انه يتصرف في العبارة أو يبتر قسما منها، وأنا بذلك لا أتهم السيوطي وانما ارجع السبب الى اختلاف نسخ كتب الأدب أو اللغة التي ينقل عنها السيوطي مما نلاحظه الآن في مخطوطاتنا وان الاصل بذلك تخليط الذي يخط الكتاب أو صعوبة قراءة الخط ...

стр. 4

وهذا الكتاب قد طبع للمرة الاولى بالمطبعة البهية بالقاهرة سنة ١٣٢٢ هـ وقام على نشره المرحوم أمين افندي الخانجي بتصحيحات العالم العلامة الشيخ محمد أمين الشنقيطي بن التلاميد التركزي وقد حافظنا على هذه التصحيحات مع تعليقاته لما فيها من بعد نظر وفائدة كبيرة تدل على ما لهذا الرجل الكبير من علم وذكاء وعبقرية كما هو واضح من الاطلاع عليها، وللشيخ تعليقات كثيرة على أكثر كتب الأدب والشعر واللغة كانت منارا لمن أتى من بعده. وأما عملنا نحن في هذا الكتاب فلم يعد الترتيب والتبويب واصلاح اخطاء الطبعة السابقة مع تقويم اعوجاجها ان أمكن، كما أحلنا إلى المراجع التي استند اليها السيوطي كدواوين الشعراء وكتب الأدب والمعجمات اللغوية، مع تكملة مالا بد من تكملته من عبارة أو قول أو شعر وتحقيق ما يمكن تحقيقه. وقد رأينا ان هناك كثيرا من الالفاظ في حاجة الى شرح لغرابتها أو ندرتها فأثبتنا ذلك تعليقا بحواشي الكتاب مستفيدين في ذلك من امهات كتب اللغة والادب والتي أشار الى أكثرها السيوطي في نقوله. راجين بهذا العمل ان نكون قد أدينا بعض الواجب تجاه لغتنا الشريفة فان نكن أحسنا فحسب والا فاننا نتمثل بقول الشاعر: كفى المرء نبلا أن تعد معايبه * * * الإمام السيوطي: هو الامام جلال الدين عبد الرحمن بن الكمال بن محمد بن سابق الدين بن الفخر عثمان بن ناظر الدين محمد بن سيف الدين خضر بن نجم الدين أبي الصلاح أيوب بن ناصر الدين محمد بن الشيخ همام الدين الخضيري الاسيوطي. هذا نسبه كما ذكره هو عن نفسه في كتابه حسن المحاضرة ٢/ ١٤٠، ولد مستهل رجب سنة تسع واربعين وثمانماية بأسيوط، فنشأ يتيما وحفظ القرآن وهو دون ثمان سنين، وتتلمذ على الشيخ شهاب الدين الشارمساجي ثم من بعده ولده، وعلى شيخ الاسلام شرف الدين المناوي وتقي الدين الشبلي الحنفي ومحي الدين الكافيجي والشيخ سيف الدين الحنفي وغيرهم. ظل السيوطي طوال عمره مشتغلا بالتدريس والفتيا، متفرغا للعلم والتأليف، وبلغت كتبه ثلاثماية كتاب في التفسير والقراءات والحديث والفقه والاجزاء المفردة والعربية والأداب، كما ذكر في حسن المحاضرة، وعد له بروكلمان ٤١٥ مصنفا بين كتب كثيرة ورسائل ومقامات، وقد طبع منها اكثرها وهو مما يدل على علمه الغزير، وسعة اطلاعه وصبره وجلده على التأليف مع عفة نفسه وعلو قدره.

стр. 5

وقد توفي ﵀ تاسع عشر جمادي الأولى سنة احدى عشرة وتسعماية بعد ان عاش اثنين وستين عاما. أما صاحب كتاب المغني ابن هشام الأنصاري فاننا نكتفي هنا عن ترجمة حياته بكلمة ابن خلدون: (ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية يقال له ابن هشام، انحى من سيبويه) وهى شهادة حق من إمام عدل. وكلمة اخيرة لا بد منها: وهي كلمة تقدير واعجاب لشيخنا الجليل محمد محمود ابن التلاميد التركزي الشنقيطي لما له من فضل على المكتبة العربية وتقيدات كانت منارا للعارفين وهداية للمؤمنين بهذه اللغة الشريفة. ولا يسعنا أيضا في هذه العجالة الا ان نشيد بذكر صاحب الفضل الاول الاستاذ امين الخانجي الذي كان من الرواد الاوائل الذين عنوا بنشر وطبع التراث العربي، وكان أن حفظ له قدره الغرب، بعد ان نسيه ابناء جلدته في الشرق، فأطلق اسمه على احدى قاعات جامعة برلين. كما اشكر القائمين على لجنة التراث العربي لبذلهم الجهد والمال لاخراج هذا الكتاب الى ابناء العربية، وأخص منهم بالشكر السيد رفيق حمدان لملاحظاته القيمة وعلى ثقته الغالية بتكليفي للاشراف على تصحيحه واخراجه بهذا الشكل الجميل. أحمد ظافر كوجان.

стр. 6

شرح شواهد المغني للامام السيوطي وقف على طبعه وعلق حواشيه أحمد ظافر كوجان

стр. 7

[مقدمة] بسم الله الرّحمن الرّحيم (ربّ يسّر وأعن) الحمد لله الذي فتق ألسن العرب العاربة بالفصاحة فكانت تجري بذلك ولا تجارى، ومنحهم الافهام القويمة التي فضلوا بها على من سواهم من اليهود والمجوس والنصارى، وفتح أذهانهم لاستخراج المعاني الدقيقة فلم تكن تخفى عليهم ولا تتوارى، وتمم فخرهم بأن أرسل منهم نبيا، وأنزل عليه كتابا عربيا لا تدانيه الكتب مقدارا. فقمع بسيفه الملحدين، وشرع لأتباعه حدود الدين، ورفع له منارا، صلّى الله وسلم عليه وعلى آله أقرباء وأصهارا، وأصحابه مهاجرا وأنصارا. وبعد: فإن لنا حاشية على مغنى اللبيب لابن هشام مسماة بالفتح القريب، أودعتها من الفوائد والفرائد، والغرائب والزوائد، ما لو رامه أحد غيري لم يكن له الى ذلك سبيل ولا فيه نصيب، وكان من جملة ذلك شرح ما فيه من الشواهد على وجه مختصر، مع التعرّض لأمور فيها، لم يذكرها من كتب عليه لاحتياجها الى سعة الاطلاع وكثرة النظر؛ ثم خطر لي أن أفرد الكلام على الشواهد فشرعت في كتاب بسيط وجامع محيط أورد فيه عند كل بيت القصيدة بتمامها، وأتبعها بفوائد ولطائف يبهج الناظر حسن نظامها. فرأيت الأمر في ذلك يطول، والانسان كثير السآمة ملول، بحيث أني قدّرت تمام ذلك في أربع مجلدات، فعدلت الى طريقة وسطى عن تلك الطريقة الأولى، مع ضمان الفوائد التي لا يستطيعها إلا ذو يد طولى، فأورد أولا البيت المستشهد به، ثم أتبعه بتسمية قائله والسبب الذي لأجله قيلت القصيدة، ثم أورد من القصيدة أبياتا أستحسنها إما لكونها مستشهدا بها في مواضع أخر من الكتاب فاوردها ليعلم أن الجميع من قصيدة واحدة، أو لكونها مستشهدا بها في غيره من كتب العربية والبيان، أو لكونها مستعذبة النظر مستحسنة

стр. 8

المعنى لاشتمالها على حكمة أو مثل أو نادرة أو وصف بليغ أو نحو ذلك. وإن كان البيت من مقطوعة وهي ما لم يزد على عشرة أبيات ذكرتها بكمالها، وقد أذكر قصيدة بكمالها لقلة أبياتها وكونها كلها مما يستحسن كقصيدة السموأل التي أوّلها: إذا المرء لم يدنس من اللّؤم عرضه (١) أو لكون المصنف استشهد بكثير من أبياتها، كقصيدة الأعشى التي أولها: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا (٢) ثم أتبع ما أورده من الأبيات بشرح ما اشتملت عليه من الغريب والمشكل، وبيان ما تضمنته من الاستشهادات العربية والنكت الشعرية، وما يتعلق بها من فائدة ونادرة ومواردة، وأتبع ذلك بالتعريف بقائلها وذكر نسبه وقبيلته وعصره، وهل هو جاهلي أو مخضرم أو إسلامي، مراعيا في كل ذلك الطريق الوسط، لا مجحفا في الاختصار ولا مبالغا في الاطناب والاكثار. وقد تتبعت لذلك شروح الدواوين المعتبرة، وكتب الأمالي والشواهد المشتهرة، كشرح ديوان امرئ القيس، وزهير، والنابغة الذبياني، وطرفة، وعنترة، وعلقمة بن عبدة، وأوس بن حجر، والأعشى، ومالك بن خريم، والحرث بن حلزّة، وفروة بن مسيك، والأفوه، وحسان بن ثابت، وجميل، والأخطل، وجرير، والفرزدق، وليلى الأخيلية، والمقنع الكندي،

стр. 9

والنمر بن تولب، وشرح المفضليات لابن الأنباري، وشرح شعر الهذليين لأبي سعيد السكري، والكامل للمبرد، ونوادر ابن الأعرابي، ونوادر أبي عمرو الشيباني، ونوادر أبي زيد، ونوادر اليزيدي، وأمالي ثعلب، وأمالي الزجاجي الكبرى والوسطى والصغرى، وأمالي ابن الأنباري، وأمالي القالي، وشرح الحماسة الطائية للمرزوقي وللتبريزي ولليباري، والحماسة البصرية، وشرح المعلقات السبع، وما ضم اليها للتبريزي ولأبي جعفر النحاس، وشرح السبع العاليات للكميت، وشرح القصائد المختارة للتبريزي، وشرح شواهد سيبويه للسيرافي والأعلم والزمخشري، وشرح شواهد الايضاح لابن يسعون، وشرح شواهد إصلاح المنطق لابن السيرافي والتبريزي، وشرح شواهد الجمل للخضراوي، وللبطليوسي وللتدمري، ومنتهى الطلب من أشعار العرب لابن ميمون، وهي تشتمل على أكثر من ألف قصيدة خلا المقاطيع وعدّة ما فيه أربعون ألف بيت، وكتاب النساء الشواعر للحسن بن الطراح، والأغاني لأبي الفرج الأصبهاني، والمؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء لأبي القاسم الآمدي، وطبقات الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي، ومعاني الشعراء لأبي عثمان الأشنانداني، وأبيات المعاني لابن قتيبة، وأيام العرب المشهورة لأبي عبيدة معمر بن المثنى، مقاتل الفرسان له، تهذيب الخطيب التبريزي، والمرقص لمحمد بن المعلى الأزدي، خارجا عما ظفرت به أثناء ذلك من المجامع والتذكرات وتخاريج المحدّثين وتواريخهم، وأرجو إن تمّ هذا الكتاب أن يكون جامعا في هذا الباب، مغنيا للطلاب عن التطلاب، كافيا في جميع الشواهد العربية وافيا لما يحتاج إليه في أبيات الكتب الأدبية، والى الله الضراعة في التوفيق لاتمامه والاعانة على اختتامه بمنه وإنعامه. * * *

стр. 10

[الكتاب الأول] شواهد الخطبة ١ - أنشد: أشارت كليب بالأكف الأصابع هذا عجز بيت للفرزدق صدره: إذا قيل أيّ النّاس شرّ قبيلة من قصيدة يهجو بها جريرا ويردّ عليه قصيدة له على هذا الروي وأول هذه القصيدة (١): ومنّا الّذي اختير الرجال سماحة ... وجودا إذا هبّ الرّياح الزّعازع ومنّا الّذي أعطى الرّسول عطيّة ... أسارى تميم، والعيون دوامع ومنّا الذي يعطي المئين ويشتري ... العوالي ويعلو فضله من يدافع الى أن قال: أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع ومنها: فوا عجبا حتى كليب تسبّني ... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع

стр. 11

ومنها: تنحّ عن البطحاء إنّ قديمها ... لنا والجبال الرّاسيات الفوارع ومنها: أخذنا بآفاق السّماء عليكم ... لنا قمراها والنّجوم الطّوالع ومنها: أتعدل أحسابا لئاما أدقة ... بأحسابنا إنّي إلى الله راجع قوله: (ومنّا الّذي اختير الرجال)، قال ابن الشجريّ في أماليه: هو منصوب بنزع (من) على حد قوله: (واختار موسى قومه) وقد استشهد به سيبويه على ذلك (١). والزعازع، جمع زعزاع، وزعزوع، وزعزع: الرياح الشديدة. قال الأعلم: وصف قومه بالجود والتكرّم عند اشتداد الزمان وهبوب الرياح. وأراد بذلك زمن الشتاء ووقت الجدب. والعرب تمدح بالقرى في الشتاء لأنه وقت الجدب. وسماحة وجودا، نصب على التمييز أو المفعول له أو الحال من الرجال، قاله المصنف في شواهده. وكونه مفعولا له، قاله من لا يشترط فيه الاتحاد في الفاعل، لأن السماحة ليست فعل الذي اختار، وكونه تمييزا على أنه محوّل من نائب الفاعل، أي أختيرت سماحته. ثم صار اختير هو سماحة. وقوله: (أولئك آبائي) استشهد به أهل المعاني على استعمال الاشارة للتعريض بغباوة السامع، بحيث أنه لا يفهم إلّا المحسوس المشار اليه. وقوله: (فجئني بمثلهم) قال شارح أبيات الايضاح البياني: هو أمر تعجيز، لأنه قد تحقق عنده أن ليس للمخاطب مثل آبائه. قال: وقوله: (يا جرير المجامع) أورده جار الله في أساس البلاغة مستشهدا

стр. 12

به في قوله: (١) جمعتهم جامعة، أي أمر من الأمور التي يجتمع لها. وقوله: (فواعجبا) قال التدمري في شرح أبيات الجمل: يروى بالتنوين وطرحه. وقوله: (حتى كليب تسبّني)، استشهد به المصنف في مبحث «حتى» على دخولها على جملة الابتداء. وكليب بن يربوع رهط جرير، جعلهم في الضعة بحيث لا يسابون مثله لشرفه. ونهشل ومجاشع رهط الفرزدق، وهما ابنا دارم. والبطحاء: الموضع الواسع، وأراد هنا ببطحاء مكة. والراسيات: الثابتات. والفوارع، بفاء وراء وعين مهملة: الطوال، وآفاق السماء: نواحيها. وقمراها: الشمس والقمر، من باب التغليب. وقد أورد المصنف هذا البيت في الباب الثامن شاهدا عليه. وقيل: أراد بالقمرين هنا محمدا وإبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسّلام، وبالنجوم الطوالع: الخلفاء الراشدين. ولئام، جمع لئيم، ضدّ الكريم. وأدقه، جمع دقيق، ضدّ الجليل. وقوله: (أشارت كليب) بالجر على حذف الجار وابقاء عمله، أي إلى كليب. ورواه ابن حبيب بالرفع، وقال: هو على تقدير: هذه كليب. وقال المصنف في شواهده: الأصل، أشارت الى كليب الأكف بالأصابع، فأسقط الجار وقلب الكلام، فجعل الفاعل مفعولا وعكسه. وقال غيره: يروى (أشرت) بدل أشارت. يريد أشارت إليها بأنها شرّ الناس. يقال: لا تشر فلانا ولا تشنعه، يعني لا تشر اليه بشرّ ولا تذكره بأمر قبيح. فائدة: [الفرزدق] الفرزدق اسمه همّام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم (٢) بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم، مقدّم شعراء العصر أبو فراس التميمي البصري. روى عن علي بن أبي طالب، وأبي هريرة، والحسين، وابن عمر، وابن سعيد، والطرماح الشاعر، وعنه الكميت الشاعر، ومروان الأصغر، وخالد الحذاء،

стр. 13

وأشعث بن عبد الملك، والصعق بن ثابت، وابنه لبطة بن الفرزدق، وحفيده أعين بن لبطة. ووفد على الوليد وسليمان ومدحهما. وذكر الكلبي إنه وفد على معاوية. قال الذهبي: ولم يصح. قال ابن دريد: كان غليظ الوجه جهما، فلذلك لقب بالفرزدق، وهو الرغيف الضخم. وذكره الجمحي في الطبقة الاولى من الشعراء الاسلاميين (١). قال أبو عمرو (٢): وكان شعر ثلاثة من شعراء الاسلام يشبّه بشعر ثلاثة من شعراء الجاهلية، الفرزدق بزهير، وجرير بالأعشى، والأخطل بالنابغة. قيل: فهلا شبهوا جريرا بامرئ القيس؟ قال: هو بالأعشى أشبه، كانابازيين يصيدان ما بين الكركي الى العندليب. وشبه شعر الفرزدق بشعر زهير لمتنانتهما واعتسارهما. والأخطل بالنابغة لقرب مأخذهما وسهولتهما. قال: وأفضل الثلاثة الأخطل، ولو أدرك من الجاهلية يوما واحدا ما قدمت عليه جاهليا ولا إسلاميا. وكان يونس يفضل الفرزدق على جرير ويقول: ما تهاجا شاعران قط في جاهلية ولا إسلام إلا غلب أحدهما على صاحبه، غيرهما فإنهما تهاجيا نحوا من ثلاثين سنة فلم يغلب واحد منهما على صاحبه. وقال أبو عمرو بن العلاء: لم أر بدويا أقام بالحضر إلا فسد لسانه غير رؤبة والفرزدق. وقال ابن شبرمة: كان الفرزدق أشعر الناس. وقال يونس بن حبيب: ما شهدت مشهدا قط ذكر فيه جرير والفرزدق فأجمع أهل ذلك المجلس على أحدهما.

стр. 14

وقال ابن دابر: الفرزدق أشعر عامّة، وجرير أشعر خاصة. وأخرج أبو الفرج في الاغاني عن يونس قال: لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب. وقال الجاحظ: كان الفرزدق صاحب نساء وزنى، وكان لا يحسن بيتا واحدا في صفاتهن واستمالة أهوائهن ولا في صفة عشق وتباريح حب. وجرير ضده في ارادتهنّ، وخلافه في وصفهن، أحسن خلق الله تشبيبا وأجودهم نسيبا (١). قال أبو عمرو بن العلاء: حضرت الفرزدق وهو يجود بنفسه، فما رأيت أحسن ثقة بالله منه. قال: وذلك في أول سنة عشر ومائة، فلم أنشب أن قدم جرير من اليمامة فاجتمع إليه الناس، فما أنشدهم ولا وجدوه كما عهدوه. فقلت له في ذلك، فقال: والله أطفأ الفرزدق جمرتي، وأسال عبرتي، وقرّب منيتي. ثم رد الى اليمامة فنعي لنا في رمضان من السنة. وقيل إنهما ماتا سنة احدى عشرة ومائة، وقيل سنة أربع عشرة ومائة. وأخرج ابن عساكر عن أبي الهيثم الغنوي قال: لما مات الفرزدق بكى جرير، فقيل له: أتبكي على رجل يهجوك وتهجوه منذ أربعين سنة؟ قال: إليكم عني، فو الله ما تسابّ رجلان ولا تناطح كبشان، فمات أحدهما إلا تبعه الآخر عن قريب. فمات بعده بأربعين يوما. وصعصعة جدّ الفرزدق صحابي قدم على رسول الله ﷺ ، وله رواية، وكان يحيي الموؤدات. وأخرج ابن مندة وابن أبي الدنيا وابن عساكر عن مغيرة قال: لم يكن أحد من أشراف العرب بالبادية كان أحسن دينا من صعصعة جدّ الفرزدق، وهو الذي أحيا ألف موؤدة، وحمل على ألف فرس، وهو الذي افتخر به الفرزدق فقال: وجدّي الذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم يؤاد وجدّه محمد بن سفيان أحد من سمى محمدا في الجاهلية.

стр. 15

فائدة: [شاعر يكنى أبا الفرزدق] قال الآمدي في المؤتلف والمختلف: في الشعراء شاعر يكنى أبا الفرزدق، وهو العجير بن عبد الله السلولي، مولى لبني هلال. ٢ - وأنشد: كما عسل الطّريق الثّعلب هذا بعض بيت لساعدة بن جوية يصف فيه الرمح، وأول القصيدة (١). هجرت غضوب وحبّ من يتجنب (٢) ... وعدت عواد دون وليك تشعب شاب الغراب ولا فؤادك تارك ... ذكر الغضوب ولا عتابك يعتب وقوله: فتعاوروا ضربا وأشرع بينهم ... أسلات ما صاغ القيون وركّبوا من كلّ أظمى عاتر لا شانه ... قصز ولا راشي الكعوب معلّب خرق من الخطّيّ أغمض حدّه ... مثل الشّهاب رفعته يتلهّب لدن بهزّ الكفّ يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثّعلب قوله: (غضوب) هو اسم امرأة، بدليل أنه لم يصرفه، فإدخاله اللام فيه في قوله: (ذكر الغضوب) إما للضرورة كقوله: باعد أمّ العمرو من أسيرها أو انها للمح، فإنه منقول من الوصف. وقوله (حب من يتجنب) قال السكري: أي حب بها إلى متجنبة. وقال أبو نصر: يريد ما أحب إلينا من تتجنبنا، يعني هذه المرأة. وقال أبو عمرو: أي، أحب بها. وعدت عواد: أي صرفت صوارف. وقيل:

стр. 16

شغلت شواغل، والمفرد عادية. والولي: القرب. وتشعب، بفتح أوّله والعين المهملة، تصرف. وقيل: لا تجئ على القصد، بل تأتي غير مستقيمة. ويروى: (عن طلابك تشغب) باعجام العين، أي تخالف بك. قوله: (شاب الغراب) أي طال عليك الأمر حتى كان ما لا يكون، لأن شيب الغراب لا يكون. ويروى (شاب القذال) وهو آخر ما يشيب من الرأس. ولا عتابك: يعتب بالبناء للمفعول، أي لا يستقبل بعتبى ولا رجوع. تعاوروا: تداولوا، أي ضرب بعضهم بعضا، هذا مرة وهذا مرة. ويروى (ضبرا) بالمعجمة والموحدة، أي وثوبا (١). واشرع: أورد الطعن كما تشرع الدابة للشرب. والأسل، بفتحتين، الرماح. والقين: الحداد. قال السكرى: وكل صانع قين إلا الكاتب. وأظمى: أسمر. وعاتر، بالمهملة والفوقية وراء، شديد الاضطراب. ويروى (من كل أسمر ذابل). والذابل: ما جف بعض الجفاف، وفيه لين. وشانه: عابه. والراشي: الخوار الضعيف (٢). ومعلب، بالمهملة، أي مشدود بالعلباء، وهو عصب العنق. أي لم يشنه قصر فيه ولا شدّ لضعف فيه. وقوله: خرق، بكسر الخاء وسكون الراء، قال السكرى: ضربه مثلا فجعله في الرماح مثل الخرق في الرجال الذي يتخرق في الخير والمال. قال: ويقال الخرق الذي يتصرّف في الأمور. وقال الجمحي: خرق: ماض من حديد. وأغمض: ألطف وأرق. والشهاب: السراج. ولدن: أي ناعم، هكذا رواه سيبويه، والباء بمعنى في متعلقة به، أي لدن إذا هز، وإن كان صلبا إذا عجم. ورواه السكري: لذ، وفسره باللذيذ. وقال المصنف في شواهده: أي مستلذ عند الهز للينه. قال: والباء متعلقة بيعسل، ويعسل بالمهملتين أي يضطرب اضطراب الثعلب في عسلانه. وقال المصنف: العسلان: الاضطراب، وهو في الأصل سير سريع في اضطراب. وقال أبو عبيدة: يقال في الذئب عاسل، ومتنه: ظهره. قال ابن يسعون: شبهه بمتن الثعلب لما وصفه بالعسلان، وهو جريه الذي يضطرب فيه متنه. قال: ويحتمل أن يريد ثعلب الرمح، وهو طرفه الداخل في السنان، أي يضطرب وسطه كما يضطرب طرفه لاعتداله واستوائه. قال: ويجوز أن يكون نبه

стр. 17

بالأبعد على الأقرب، لأنه إذا اهتز وسطه فأطرافه أولى وبهذا جزم المصنف. قال السكري: ويروى (يعسل نصله). وقوله: فيه، قال السكري: أراد في كله، يقول: يضطرب نصله كما يضطرب الثعلب في الطريق إذا عدا، فأعاد الضمير على الرمح. وقال ابن يسعون: أي في الهز. وقال المصنف: الضمير للدن أو للهز، وصف رمحا لين المتن، فشبه اضطرابه في نفسه، أو في حال هزه بعسلان الثعلب في سيره. والكاف للتشبيه، وما مصدرية، أي كعسلان الثعلب. وقوله: الطريق أي في الطريق، فأسقط الجار وعدّى الفعل اتساعا. وقد أعاد المصنف هذا البيت في الكتاب الرابع والخامس. فائدة: [ساعدة بن جوية] قائل هذه الأبيات ساعدة بن جوية، بضم الجيم وفتح الواو بلا همز، وضبطه المصنف في شواهده بضم الجيم وفتح الهمزة وتشديد الياء، وقيل ابن جوين، بالنون، ابن عبد شمس بن كليب بن كعب بن صبيح بن كاهل بن الحارث بن تميم ابن سعد بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن معد بن عدنان، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والاسلام، وأسلم. وليست له صحبة. ذكره ابن حجر في الاصابة في القسم الثالث فيمن له إدراك ولا رؤية له (١). * * *

стр. 18

الباب الأول شواهد الهمزة ٣ - أنشد: أفاطم مهلا بعض هذا التّدلّل هذا صدر بيت لامرئ القيس بن حجر الكندي، من معلقته المشهورة، وتمامه: وإن كنت قد أزمعت صرما فاجملي وبعده: وإن كنت قد ساءتك منّي خليقة ... فسلّي ثيابي من ثيابك تنسلي أغرّك منّي أنّ حبّك قاتلي ... وأنّك مهما تأمري القلب يفعل وقد استشهد المصنف من هذه المعلقة بنحو من عشرين بيتا تأتي في محالها، وسيأتي مطلعها في حرف الفاء. وفاطم، بالفتح، منادى مرخم على لغة الانتظار، وهي فاطمة بنت العبيد بن ثعلبة العذرية. ومهلا: مصدر أمهل، وأصله امهالا، حذف زائدة وجعل بدلا من التلفظ بالفعل كضربا زيدا، وهو الناصب لبعض. وقيل: الناصب محذوف تقديره امهلي، وقيل اتركي. والتدلل، بالمهملة، من الدل بالفتح. والازماع بالزاي الاجماع على الشيء وتصميم العزم عليه. قال الكسائي: يقال أزمعت الأمر، ولا يقال أزمعت عليه. وقال الفرّاء: أزمعته وأزمعت عليه بمعنى. والصرم، بفتح الصاد المهملة، مصدر صرم الشيء قطعه، وبضمها اسم للقطيعة. والاجمال: الاحسان. والبيت استشهد به المصنف على ورود الهمزة لنداء القريب، واستشهد به في التوضيح على أن نداء ما فيه التاء مرخما أكثر من

стр. 19

ندائه تاما. أخرج ابن عساكر عن الاصبغ بن عبد العزيز قال: سألت نصيبا، أي بيت قالت العرب أنسب! فقال قول امرئ القيس: أفاطم مهلا بعض هذا التدّلل ... البيت فائدة: [امرئ القيس هذا، هو ابن حجر] امرئ القيس هذا، هو ابن حجر، بتقديم الحاء المضمومة على الجيم الساكنة، ابن الحارث بن عمرو المقصور بن حجر آكل المرار ابن عمر بن معاوية ابن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد، يكنى أبا يزيد، ويقال أبو وهب، ويقال أبو الحارث، وبه جزم ابن دريد في الوشاح. وقال العسكري في كتاب التصحيف: سألت ابن دريد عن كنية امرئ القيس واسمه فتوقف، ثم قال: يقال عدي. فسألت عنهما أبا الحسين النسابة فذكر إن اسمه مليكة وكنيته أبو كبشة، وأن أباه كان ينهاه عن قول الشعر ويرفع نفسه وولده عن ذلك، وانه سمع منه شعرا فأمر غلاما له بقتله وأن يأتيه بعينيه، فانطلق الغلام فاستودعه جبلا منيفا، وعلم أن أباه سيندم على قتله، وعمد الى جؤذر كان عنده فنحره وامتلخ عينيه فأتى بهما حجرا حتى همّ بقتل الغلام، فقال له: أبيت اللعن، إني لم أقتله. قال: أين هو؟ قال: استودعته جبل كذا. قال: فائتني به، فأتاه به، فلم يقل بعدها شعرا حتى قتل أبوه. قال الأصمعي: وكان يقال لامرئ القيس الضّليل، ولجده عمرو الملك المقصور لأنه اقتصر على ملك أبيه. ووقع لامرئ القيس في الملك وقائع مع المنذر ابن ماء السماء وغيره وورد الروم واتبعه بحلة مسمومة فلما لبسها أحس بالموت ومات بانقرة من بلاد الروم. ومن الأقوال في اسم امرؤ القيس حندج، بضم الحاء والدال المهملتين وسكون النون بينهما وآخره جيم، حكاه ابن يسعون في شرح شواهد الايضاح. وقال التبريزي في شرح أبيات إصلاح المنطق: النسبة الى امرئ القيس مرقسي، وأشعر المراقسة ابن حجر هذا، وبعده امرؤ القيس الذائد، وهو أوّل من تكلم في نقد الشعر.

стр. 20

وقال العسكري في التصحيف: أئمة الشعر أربعة امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى. وفي تاريخ النحويين للمرزباني: قال أبو عمرو: اتفقوا على أن أشعر الشعراء امرؤ القيس والنابغة وزهير والأعشى. فامرؤ القيس من اليمن، والنابغة وزهير من مضر، والأعشى من ربيعة. قال: وأشعر الأربعة امرؤ القيس ثم النابغة ثم زهير ثم الاعشى، ثم بعدهم جرير والفرزدق والأخطل. وقال يونس: كان علماء البصرة يقدّمون امرأ القيس، وأهل الكوفة يقدمون الأعشى، وأهل الحجاز والبادية يقدمون زهيرا والنابغة. وقال ابن سلام (١): مرّ لبيد بالكوفة في بني نهد (٢) فسألوه: من أشعر الناس؟ قال: الملك الضليّل. قيل: ثم من؟ قال: الغلام القتيل، يعني طرفة. قيل: ثم من؟ قال: الشيخ أبو عقيل الجليل، يعني نفسه. وقال الأصمعي: سألت بشارا من أشعر الناس؟ فقال: أجمع أهل البصرة على امرئ القيس وطرفه. وقيل للفرزدق: من أشعر الناس؟ قال: امرؤ القيس اذا ركب، والنابغة اذا رهب، وزهير اذا رغب، والأعشى اذا طرب. وقد ذكر محمد بن سلام الجمحي (٣) امرأ القيس في الطبقة الأولى من الشعراء الجاهليين. وقال الفرّاء: كان زهير واضح الكلام مكتفية بيوته، البيت منها بنفسه كاف، وكان جيد المقاطع، وكان النابغة جزل الكلام حسن الابتداء والمقطع، يعرف في شعره قدرته على الشعر، لم يخالطه ضعف الحداثة. وكان امرؤ القيس شاعرهم الذي علم الناس الشعر والمديح والهجاء بسبقه إياهم، وكان لطرفة شيء ليس بالكثير وليس كما يذهب اليه بعض الناس لحداثته، وكان لو منع لبث حتى يكثر معه شعره كان خليقا أن يبلغ المبالغ. وكان الأعشى يضع لسانه من الشعر حيث شاء. وكان الحطيئة نقي الشعر قليل السقط حسن الكلام مستويه. وكان لبيد وابن مقبل يجريان مجرى واحدا في خشونة الكلام وصعوبته، وليس ذلك بمحمود عند أهل الشعر وأهل العربية، يشتهونه لكثرة عربيته، وليس يجود الشعر عند أهله حتى

стр. 21

يكون صاحبه يقدر على تسهيله وإيضاحه، فإذا نزلت عن هؤلاء فجرير والفرزدق فهما اللذان فتقا الشعر وعلما الناس وكادا يكونان خاتمي الشعراء. وكان ذو الرمة مليح الشعر يشبه فيجيد ويحسن، ولم يكن هجّاء ولا مدّاحا فيرفع، وليس الشاعر إلا من هجا فوضع أو مدح فرفع، كالحطيئة والأعشى، فإنهما كانا يرفعان ويضعان. وقال عمر بن شبّة في طبقات الشعراء: للشعر والشعراء الأول لا توقف عليه. وقد اختلف في ذلك العلماء وادعت القبائل كل قبيلة لشاعرها أنه الأوّل، ولم يدعوا ذلك لقائل البيتين والثلاثة لأنهم لا يسمون ذلك شعرا. فادّعت اليمانية لامرئ القيس. وبنو أسد لعبيد بن الأبرص. وتغلب لمهلهل، وبكر لعمرو بن قميئة والمرقش الاكبر، وإياد لأبي دواد. قال وزعم بعضهم أن الأفوه الأودي أقدم من هؤلاء، وأنه أوّل من قصد القصيد. قال: وهؤلاء النفر المدّعى لهم التقدّم في الشعر متقاربون، لعل أقدمهم لا يسبق الهجرة بمائة سنة أو نحوها. وقال أبو عمرو: افتتح الشعر بامرئ القيس وختم بذي الرمة. وقال أبو عبيدة، معمر بن المثنى: الشعراء المتقدّمون، يعني النوابغ، منهم: امرؤ القيس بن حجر، والنابغة زياد بن عمرو، وزهير ابن أبي سلمى، والأعشى رابعهم. وأخرج ابن عساكر عن ابن الكلبي قال: أتى قوم رسول الله ﷺ فسألوه عن أشعر الناس فقال: ائتوا حسان، فأتوه. فقال: ذو القروح، يعني امرأ القيس، لأنه لم يعقب ولدا ذكرا بل أناثا، فرجعوا فأخبروا رسول الله ﷺ ، فقال: صدق، رفيع في الدنيا خامل في الآخرة، شريف في الدنيا وضيع في الآخرة، هو قائد الشعراء إلى النار. وفي المؤتلف للآمدي: ان امرأ القيس كان يلقب ذا القروح لأنه لما لبس الحلة المسمومة تقرّح جلده ومات فقيل له ذا القروح. وأخرج ابن عساكر في تاريخه من حديث أبي هريرة مرفوعا: امرؤ القبس قائد الشعراء إلى النار، لأنه أوّل من أحكم قوافيه. وأصل الحديث في الصحيح بدون آخره بلفظ: حامل لواء الشعراء إلى النار. وقال ابن أبي شيبة في المصنف: حدثنا أبو أسامة عن أبي سراعة عن عبادة بن نسى قال: ذكر الشعراء عند النبي ﷺ ، فذكروا امرأ القيس، فقال النبي ﷺ : مذكور في الدنيا منكور في الآخرة، حامل لواء الشعراء في جهنم يوم القيامة. قال ابن سلام (١): سبق امرؤ القيس العرب إلى أشياء ابتدعها، استحسنتها

стр. 22

العرب واتّبعته فيها الشعراء، منها: استيقاف صحبه، والبكاء في الديار (١)، ورقة التشبيب، وقرب المأخذ، وتشبيه النساء بالظباء والبيض، وتشبيه الخيل بالعقبان والعصى، وقيّد الأوابد، وأجاد في التشبيه، وفصل بين التشبيه وبين المعنى. وكان أحسن طبقته تشبيها. وأحسن الاسلاميين تشبيها ذو الرمة. وقال أبو عمرو ابن العلاء (٢): سألت ذا الرمة عن أي قول الشعراء الذين وصفوا الغيث أشعر؟ فقال: قول امرئ القيس: ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرّى وتدرّ تخرج الودّ إذا ما أشجذت ... وتواريه إذا ما تشتكر وترى الضبّ خفيفا ماهرا ... ثانيا برثنه ما ينعفر وترى الشّجراء في ريّقها ... كرؤوس قطّعت فيها الخمر ساعة، ثم انتحاها وابل ... ساقط الأكناف واه منهمر راح تمريه الصّبا ثم انتحى ... فيه شؤبوب جنوب منفجر ثجّ حتّى ضاق عن آذيّة ... عرض خيم فخفاف فيسر قد غدا يحملني في أنفه ... لاحق الإطلين (٣) محبوك ممرّ الديمة: المطر الدائم. والهطلاء: الغزيرة. ووطف: استرخاء. وتحرّى: تقصد. وتدر: تصب الماء. والودّ: جبل. وأشجذت: أقلعت. وتواريه: تستره. وتشتكر: يكثر ماؤها. وبرثنه: مخلبه. وينعفر: يلصق بالتراب. والشجراء: جماعة الشجر. وريقها: أوّلها. والخمر: جمع خمار. وانتحاها: قصدها. ووابل: أعظم المطر. وأكناف: النواحي. وواه: مسترخ. ومنهمر: سائل. وراح: جاء

стр. 23

بالعشي. وتمريه: تستخرج ماءه. وشؤبوب: مخففة. ومنفجر: سائل. وثج: صبّ. وآذيه: موجه. وعرض: سعة. وخيم بالفتح، وخفاف بالضم، ويسر بضمتين: مواضع. وأنفه: أوّل نباته. والاطلان: الخصران. ومحبوك: قوي. وممرّ: معتدل الخلق. وقال أبو عمرو بن العلاء: كان امرؤ القيس ينازع من يدّعي الشعر فنازع التوءم اليشكري (١)، فقال: إن كنت شاعرا فملط (٢) انصاف ما أقول فأجزها، فقال: نعم، فقال امرؤ القيس: كأنّ هزيزه بوراء غيب (٣) فقال التوءم: عشار واله لاقت عشارا فقال امرؤ القيس: فلما أن دنا لقفا أضاخ (٤)

стр. 24

فقال التوءم: وهت أعجاز ريّقه فحارا قال أبو حيان: في هذه القصة ردّ على من شرط في الكلام صدوره من ناطق واحد. فائدة: [المسمون بامرئ القيس غير هذا جماعة] المسمون بامرئ القيس غير هذا جماعة منهم: امرؤ القيس مهلهل بن ربيعة، وسيأتي الاستشهاد بشعره في لو، وامرؤ القيس بن حمام بن عبيدة بن هبل بن أبي زهير بن جناب بن هبل، وكلاهما كانا في عصر ابن حجر. وامرؤ القيس بن عمرو ابن معاوية بن السمط بن ثور، وامرؤ القيس بن النعمان بن الشقيقة، وامرؤ القيس ابن عانس الكندي، أدرك الاسلام فأسلم وله صحبة، وامرؤ القيس بن الأصبغ الكلبي، صحابي أيضا. وامرؤ القيس بن بكر الذائد، من كندة جاهلي. وامرؤ القيس بن الفاخر بن الطمّاح الخولاني، صحابي، وامرؤ القيس الكندي الملقب بالجفشيش بالجيم، ويقال بالحاء، ويقال بالخاء، له صحبة. وامرؤ القيس بن عديّ، من بني عليم، أسلم في زمن عمر. وامرؤ القيس بن جبلة السكوني، وامرؤ القيس بن عمرو بن الحارث السكوني، كندي جاهلي. وامرؤ القيس بن بحر الزهيريّ من ولد زهير بن جناب. وامرؤ القيس بن كلام بن رزام العقيلي. وامرؤ القيس بن مالك النميريّ. فائدة: [القصائد الحوليّات والمنقحات والمحكمات] قال الجاحظ في البيان (١): كان الشاعر من العرب يمكث في القصيدة الحول، ويسمون تلك القصائد الحوليّات والمنقحات والمحكمات، يصير قائلها فحلا خنذيذا، وشاعرا مفلقا. قال: وفي بيوت الشعراء الأوابد والأمثال، ومنها الشواهد والشوارد. والشعراء عندهم أربع طبقات: أوّلهم الفحل الخنذيذ، وهو التام، ودون الخنذيذ، الشاعر المفلق. ودون ذلك: الشاعر فقط، والرابع: الشّعرور. وقال بعضهم: طبقات الشعراء ثلاثة: شاعر، وشويعر، وشعرور.

стр. 25

٤ - وأنشد: دعاني إليها القلب إني لأمره ... سميع فما أدري أرشد طلابها هذا من قصيدة لأبي ذؤيب الهذلي أوّلها: (١) أبا الصّرم من أسماء حدّثك الّذي ... جرى بيننا يوم استقلّت ركابها زجرت لها طير الشمال فإن تكن ... هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها وقد طفت من أحوالها واردتها ... سنين فأخشى بعلها وأهابها ثلاثة أحوال فلمّا تجرّمت ... علينا بهون واستحار شبابها فقلت لقلبي: يا لك الخير إنّما ... يدلّك للموت الجديد حبابها دعاني إليها القلب إنّي لأمره ... سميع فما أدري أرشد طلابها (٢) قال السكري: العرب تتشاءم بطير الشمال. وقوله: (فإن تكن هواك) يعني إن كانت الطير التي زجرها هواه يعني نفسها، يريد إن صدق هذا الطير سيصيبك اجتنابها، أي تنحيها وتباعدها (٣). واستقلت: احتملت. والركاب: الابل. وقوله: زجرت، يروى بفتح التاء وضمها، وفيه التفات على الثاني، وعلى الفتح الالتفات في طفت أو في بيننا. وقوله: من أحوالها: أي حولها، فمن زائدة. والأحوال: جمع حول. وأهابها: أستحى أن أواجهها. وثلاثة أحوال: عطف بيان لسنين أو بدل. وتجرّمت، بالجيم، انقضت تلك السنون وتكملت. والهون: الهوان. واستحار، بالحاء المهملة، تم واجتمع. ودعاني: جواب لما، ويروى عصاني. قال الأصمعي: أي جعل لا يقبل منى وذهب إليها سفها. وروى مطيع بدل سميع، وهو ودعاني رواية

стр. 26

أبي عمرو. قال الأصمعي: والمعنى: فما أدرى أرشد أم غيّ، فحذف الغيّ، وهو محل الشاهد، وجوّز بعضهم. وقوله: يا لك الخير، قال السكري: أي يا قلب لك الخير، فهو على حذف المنادى. انتهى. ويجوز أن يكون (يا) للتنبيه، وهو الأولى في أمثاله عند ابن مالك. قلت: ويحسنه هنا أن القلب لما اشتغل بحبها فكأنه دخل في غمرة وغفلة فحسن تنبيهه بحرفه. والموت: الجديد. قال الاخفش: المغافص (١). وقال الباهلي: جديد الموت أوّله. والحباب: مصدر بمعنى الحب، يقال حابيته حبابا ومحابة. ومن أبيات هذه القصيدة وهي آخرها: فأطيب براح الشّأم صرفا وهذه ... معتّقة صهباء وهي شيابها فما إن هما في صحفة بارقية ... جديد حديث نحتها واقتضابها بأطيب من فيها إذا جئت طارقا ... من اللّيل والتفّت عليك ثيابها رأتني صريع الخمر يوما فسؤتها ... بقرّان إن الخمر شغب صحابها ولو عثرت عندي إذا ما لحيتها ... بعثرتها ولا أسيء جوابها ولا هرّها كلبي ليبعد نفرها ... ولو نبحتها بالشّكاة كلابها أطيب: صيغة تعجب. والشياب المزاج والخلط. وضمير هي راجع للشهدة، وهمالها وللخمر. والبارقية: نسبة إلى بارق، رجل كان يصنع الصحاف. والجديد والحديث: صفتان بمعنى. والاقتضاب: أخذها من شجرها حديثة. ويجوز أن يكون نحتها لأحد الوصفين، واقتضابها للآخر. فيكون فيه لف ونشر. وفي البيت «من» (٢) أنواع البديع: التفضيل، وهو كثير في شعر العرب جدّا، وهو أن ينفي بما ونحوها عن ذي وصف أفعل تفضيل، فناسب لذلك الوصف فعدى بمن إلى ما يراد مدحه أو ذمّه، فتحصل المساواة من الاسم المجرور بمن وبين الاسم الداخل عليه ما،

стр. 27

لأنها نفت الأفضلية. فتبقى المساواة. وقرّان واد (١). وقوله: (ان الخمر ... الخ) هو النوع المسمى في المعاني بالتذييل. وفي البيت الذي يليه شاهد لجواب لو بإذن، ولحيتها: لمتها. وأسى: ماض مبنى للمفعول. قوله: (ولا هرّها. الخ) قال الأصمعي وغيره: هذا مثل، أي لا يأتيها من قبلي أذى ولو أتاني الأذى من قبلها. والنفر: مصدر نفر. والشكاة، بالفتح والقصر، القول القبيح. فائدة: [أبو ذؤيب هو خويلد بن خالد بن محرّث] أبو ذؤيب هو خويلد بن خالد بن محرّث، بالتشديد وكسر الراء، عند ابن دريد، وفتحها غيره، ابن زبيد، مصغر، بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل، شاعر مجيد أدرك الجاهلية والاسلام، ورحل الى المدينة، والنبي ﷺ في مرضه فمات قبل قدومه بليلة، وأدركه وهو مسجى، وصلى عليه وشهد دفنه. وغزا الروم في خلافة عمر ومات بها. وقيل: مات بطريق أفريقية في غزوتها. وقيل بمصر منصرفا عنها مع ابن الزبير. وقيل في طريق مكة في زمن عثمان. حكى ذلك ابن عبد البرّ في الاستيعاب. وفي الاغاني (٢): قال أبو عمرو ابن العلاء: سئل حسان من أشعر الناس؟ فقال: حيّا أم رجلا؟ قالوا: حيا، قال: هذيل، وأشعر هذيل غير مدافع أبو ذؤيب قالوا: وتقدّم أبو ذؤيب على جميع شعراء هذيل بقصيدته العينية التي أوّلها (٣): أمن المنون وريبها تتوجّع وقال الجمحي: أبو ذؤيب في الطبقة الثالثة من شعراء الجاهلية (٤). قال: وأخبرني محمد بن معاذ المعمري قال (٥): مكتوب في التوراة: أبو ذؤيب مؤلّف زوراء (٦) واسم الشاعر بالعبرانية (مؤلف زوراء) أخرجه في الأغاني وذكره ابن عساكر في

стр. 28

تاريخه فقال: شاعر مجيد مخضرم كان أشعر هذيل، وهذيل أشعر أحياء العرب. روى عنه صعصعة والد الهرماس الهذلي، ثم أخرج من طريق الهرماس بن صعصعة عن أبيه قال: حدثني أبو ذؤيب الشاعر قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ عليل، وقع ذلك النبأ عن رجل من الحي قدم، فأوجس أهل الحيّ خيفة، فبت بليلة باتت النجوم طويلة الاباء لاينجاب ديجورها ولا يطلع نورها فظلت أقاسي طولها وأقارن عولها، حتى إذا كان دوين السفر وقرب السحر خفت، فهتف الهاتف وهو يقول: خطب أجلّ أناخ بالإسلام ... بين النخيل ومعقد الآطام قبض النّبيّ محمد فعيوننا ... تبدي الدّموع عليه بالتسجام قال أبو ذؤيب: فوثبت من نومي فزعا، فنظرت إلى السماء، فلم أر إلّا سعد الذابح، فتفاءلت به ذبحا يقع في العرب. وعلمت أن النبي ﷺ قد قبض، أو هو ميت، فركبت ناقتي وسرت، فلما أصبحت طلبت شيأ أزجره، فعنّ لي شيهم، يعني القنفذ، قد قبض على صلّ، يعني الحية، فهو يلتوي عليه، والشيهم يقضمه، حتى أكله. فزجرت ذلك وقلت: تلوّى الصل انفتال الناس عن الحق على القائم بعد رسول الله ﷺ ، ثم أوّلت أكل الشيهم إياه غلبة القائم على الأمر. فحثثت ناقتي حتى إذا كنت بالعلية زجرت الطائر فأخبرني بوفاته، ونعب غراب سانح، فنطق بمثل ذلك فتعوّذت من شرّ ما عنّ لي في طريقي، وقدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج اذا أهلوا بالاحرام، فقلت: مه، فقيل: قبض رسول الله ﷺ . فجئت إلى المسجد فوجدته خاليا فقلت: أين الناس؟ قيل: هم في سقيفة بني ساعدة، فشهدت مبايعة أبي بكر بها ورجعت فشهدت الصلاة على النبي ﷺ ودفنه. قال صعصعة: وأنشد أبو ذؤيب يبكي النبي ﵌: لمّا رأيت النّاس في أحوالهم ... ما بين ملحود له ومضرّح

стр. 29

فهناك صرت إلى الهموم ومن يبت ... جار الهموم يبيت غير مروّح كسفت لمصرعه النّجوم وبدرها ... وتزعزعت آكام بطن الأبطح وتحرّكت آجام يثرب كلها ... ونخيلها لحلول خطب مفدح ولقد زجرت الطير قبل وفاته ... بمصابه وزجرت سعد الأذبح وزجرت إذ نعب المسحج سانحا ... متفائلا فيه بفأل أقبح قال: ثم انصرف أبو ذؤيب إلى باديته فأقام بها. وأخرج صاحب الأغاني أبو الفرج بن الحسين، وابن عساكر من طريقه، عن أبي عمر وعبد الله بن الحارث الهذلي قال: خرج أبو ذؤيب مع ابنه وابن أخ له يقال له أبو عبيد حتى قدموا على عمر بن الخطاب، فقال له: أيّ العمل أفضل يا أمير المؤمنين؟ قال: الايمان بالله ورسوله. قال: قد فعلت، فأية أفضل بعده. قال: الجهاد في سبيل الله. قال: ذلك كان عليّ ولا أرجو جنة ولا أخاف نارا. ثم خرج فغزا الروم مع المسلمين، فلما قفلوا أخذه الموت فدفن هناك فليس وراء قبره قبر يعلم للمسلمين. وقال وهو يجود بنفسه: أبا عبيد وقع الكتاب ... واقترب الموعد والحساب وعند رجلي جمل نجاب ... أحمر في حاركه انصباب ٥ - وأنشد: بدا لي منها معصم حين جمّرت ... وكفّ خضيب زيّنت ببنان (١) فو الله ما أدري وإن كنت داريا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان

стр. 30

هذان من قصيدة لعمر بن أبي ربيعة قالها في عائشة بنت طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، كذا قال الزبير بن بكار، أورد قبلهما: لقد عرضت لي بالمحصّب من منى ... مع الحجّ شمس شبّهت بيمان وبعدهما: فلمّا التقينا بالثّنيّة سلّمت ... ونازعني البغل اللّعين عناني فقلت لها: عوجي فقد كان منزلي ... خصيب لكم ناء من الحدثان فعجنا فعاجت ساعة فتكلّمت ... فظلّت لها العينان تبتدران قوله: بدا، بلا همز أي ظهر. والمعصم، بكسر الميم وفتح الصاد، موضع السوار من الساعد. وجمرت، بالفتح وتشديد الميم: رمت الجمار، والمصدر التجمير. وكف خضيب: خضبت بالحناء ونحوه. والكف الخضيب أيضا نجم. والبنان: أطراف الأصابع واحدها بنانة بالباء. وقوله: (وان كنت داريا) يحتمل أن تكون إن فيه نافية، أي: وما كنت داريا، فتكون تأكيدا للجملة قبلها. ويحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة، أي وإني كنت قبل ذلك من أهل الدراية والمعرفة حتى بدا لي ما ذكر فسلبت الدراية. وهذا الاحتمال عندي أظهر ويؤيده ما سيأتي. وقوله: بسبع، على حذف همزة الاستفهام، أي أبسبع، وهو محل الاستشهاد. وقوله: رمين، قال البدر الدماميني: ضميره عائد إلى البنان، أو الى المرأة وصواحبها. قلت: البيت أنشده الزبير بن بكار بلفظ: فو الله ما أدري وإني لحاسب ... بسبع رميت الجمر أم بثمان بتاء المتكلم في رميت (١) وهذا أوجه بلا شك، فإن الاخبار بذهوله عن فعله يشغل قلبه بما رأى، أبلغ من الاخبار بذهوله عن فعل الغير، وفيه سلامة من التأويل المذكور.

стр. 31

فائدة: [عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة عمر بن المغيرة] قائل هذه القصيدة عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة عمر بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر بن كنانة المخزومي، أبو الخطاب، أحد فحول شعراء الحجاز. كان اسم أبيه بحيرا فسماه النبي ﷺ عبد الله، وولد له في زمن عمر بن الخطاب. وقيل: بل ليلة قتل فسمي باسمه، وذكر ذلك لابن عباس فقال: أي حق رفع وأي باطل وضع، حكاه الجاحظ في البيان (١)، ووفد على عبد الملك بن مروان فوصله بمال عظيم لشرفه وبلاغة نظمه. ووفد على عمر بن عبد العزيز، وحدّث عن سعيد بن المسيب، روى عنه مصعب بن شيبة وعطاف بن خالد، أخرج ابن عساكر عن عمر بن زيد، كان يقال: من أراد رقة الغزل والنسيب فعليه بشعر عمر بن أبي ربيعة. وأخرج عن الهيثم بن عديّ قال: بعث عبد الملك بن مروان إليه وإلى جميل بن معمر العذري وإلى كثير عزة، وأوقر ناقة ذهبا وفضة، ثم قال: لينشدني كل واحد منكم ثلاثة أبيات فأيكم كان أغزل شعرا فله الناقة وما عليها، فقال عمر (٢): فياليت أنّي حيث تدنو منيّتي ... شممت الذي ما بين عينيك والفم وليت طهوري كان ريقك كلّه ... وليت حنوطي من مشاشك والدّم وليت سليمى في المنام ضجيعتي ... لدى الجنّة الخضراء أو في جهنّم (٣) وقال جميل: حلفت يمينا يا بثينة صادقا ... فإن كنت فيها كاذبا فعميت حلفت لها بالبدن تدمي نحورها ... لقد شقيت نفسي بكم وعييت ولو أنّ راقي الموت يرقى جنازتي ... بمنطقها في النّاطقين حييت

стр. 32

وقال كثير: بأبي وأمّي أنت من معشوقة ... ظفر العدوّ بها فغيّر حالها ومشى إليّ ببين عزّة نسوة ... جعل المليك خدودهنّ نعالها ولو أنّ عزّة خاصمت شمس الضّحى ... في الحسن عند موفّق لقضى لها فقال عبد الملك: خذ الناقة وما عليها يا صاحب جهنم. وأخرج ثعلب وابن عساكر عن محمد بن الحارث قال: دخل ابن أبي ربيعة على عبد الملك فقال: ما بقي من فسقك يا ابن أبي ربيعة؟ قال: بئست تحية الشيخ ابن عمه على بعد المزار (١). وأخرج ابن عساكر من طريق الأصمعي عن صالح بن أسلم قال: قال لي عمر بن أبي ربيعة: إني قد أنشدت من الشعر ما قد بلغك، ورب هذه البنية ما حللت إزاري على فرج حرام قط. قال الذهبي: وروى أن عمر بن أبي ربيعة غزا البحر فاحترقت سفينته واحترق ﵀. وهو من طبقة جرير والفرزدق وعبيد الله بن قيس الرقيات. وكانت وفاته سنة ثلاث وتسعين. ٦ - وأنشد: طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ... ولا لعبا مني، وذو الشّيب يلعب هذا مطلع قصيدة للكميت يمدح بها أهل البيت ﵈، وبعده (٢): ولم تلهني دار ولا رسم منزل ... ولم يتطربني بنان مخضّب ولا أنا ممّن يزجر الطّير همه ... أصاح غراب أم تعرّض ثعلب

стр. 33

ولا السّانحات البارحات عشيّة ... أمرّ سليم القرن أم مرّ أعضب ولكن إلى أهل الفضائل والتّقى ... وخير بني حوّاء والخير يطلب إلى النّفر البيض الذين بحبّهم ... إلى الله فيما نابني أتقرّب بني هاشم رهط النبيّ وأهله ... بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب ومنها: فمالي إلّا آل أحمد شيعة ... ومالي إلّا مذهب الحقّ مذهب بأيّ كتاب أم بأيّة سنّة ... ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب وجدنا لكم في آل حم آية ... تأوّلها منا تقيّ ومعرب على أيّ جرم أم بأيّة سيرة ... أعنّف في تقريظهم وأكذّب ومنها: ألم ترني من حبّ آل محمّد ... أروح وأغدو خائفا أترقّب فطائفة قد أكفرتني بحبّهم ... وطائفة قالت: مسيء ومذنب قوله: طربت، بكسر الراء، والطرب: خفة تصيب الانسان لشدّة سرور أو حزن، وأطربه غيره، وتطربه. وقد استشهد الجوهري بقوله: ولم يتطربني على ذلك. واستشهد أبو حيان بالبيت على تقديم المفعول على عامله، ردّا على من يمنع ذلك، فإن شوقا مفعول له مقدّم على عامله، وهو أطرب. والبيض من النساء: جمع بيضاء.

стр. 34

واللعب واللهو قيل مترادفان، وفرّقت طائفة بينهما بفرق دقيق بينته في أسرار التنزيل. وقوله: وذو الشيب، على حذف همزة الاستفهام الانكاري، وهو محل الاستشهاد (١). ورسم المنزل والدار ما بقي من آثارهما لاصقا بالأرض. وبنان مخضب: قال في الصحاح: شدّد للمبالغة، أي لم أقف على الديار فأتذكر من عهدته بها فأطرب لذلك شوقا إليهنّ، ولم تطربني البنان المخضوبة لأني حبيب اللهو بالنساء. والزجر: العيافة، وهو ضرب من التكهن. تقول زجرت أن يكون كذا وكذا، وفاعل يزجر: همه، والطير مفعول. والسانح: ما مرّ من مياسرك الى ميامنك من طير أو ظبي. والبارح: ما مرّ من ميامنك الى مياسرك. والعرب تتيمّن بالسانح وتتشاءم بالبارح. وفي المثل: من لي بالسانح بعد البارح، والأعضب، بالعين المهملة والضاد المعجمة والباء الموحدة: المكسور القرن الداخل، وهو المشاش. ويقال المكسور أحد قرنيه. وقوله: ولكن إلى أهل الفضائل: عطفا على قوله: شوقا الى البيض. وقوله: إلى النفر، بدل من أهل الفضائل. ورهط الرجل: قومه وقبيلته. وقوله: بهم ولهم، فيه لف ونشر مرتب. فأرضى راجع إلى بهم. وأغضب راجع إلى لهم. وقوله: ومالي ... البيت. استشهد به النحاة على تقديم المستثنى على المستثنى منه. والشيعة: القوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض. وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره. يقال شايعه كما يقال والاه، والمشايع أيضا اللاحق. وقوله: أم بأية سنة، استشهد به على تأنيث أي بالتاء. وقوله: وتحسب، استشهد به المصنف في التوضيح على حذف مفعولي باب ظن للدليل. وآل حم: اسم للسور السبع التي أوّلها حم، ويقال لها أيضا الحواميم. والآية التي أشار اليها قوله تعالى في سورة حمسق (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى). وقوله: تقي ومعرب، قال في الصحاح: المعنى الساكت عن التفضيل للتقية، والمفصح بالتفضيل. والجرم: الذنب. والسيرة: الطريقة. والتعنيف: التعيير

стр. 35

واللوم. والتقريظ، بظاء معجمة، ويقال بالضاد الساقطة أيضا: المدح. وقيل: يختص بمدح الأنسان وهو حيّ. فائدة: [الكميت بن زيد بن خنيس] الكميت بن زيد بن خنيس (١) بن مجالد، أبو السهيل الأسدي الكوفي، شاعر زمانه. يقال إن شعره أكثر من خمسة آلاف بيت. روى عن الفرزدق، وأبي جعفر الباقر، ومذكور مولي زينب بنت جحش، وعنه والبة بن الحباب الشاعر، وحفص ابن سليمان القاضوي، وأبان بن ثعلب، وآخرون. وحديثه في البيهقي في نكاح زينب بنت جحش. ووفد على يزيد وهشام ابني عبد الملك. قال أبو عبيدة: لو لم يكن لبني أسد منقبة غير الكميت لكفاهم (٢). وقال أبو عكرمة الضبي: لولا شعر الكميت لم يكن للغة ترجمان، ولا للبيان لسان. أخرجه ابن عساكر، وأخرج من طريق المبرد عن الزيادي قال: كان عم الكميت رئيس قومه فقال يوما: يا كميت، لم لا تقول الشعر؟ ثم أخذه فأدخله الماء، فقال: لا أخرجك منه أو تقول الشعر، فمرّت به قنبرة فأنشد متمثلا (٣). يا لك من قنبرة بمعمر ... خلا لك الجوّ فبيضي واصفري ونقّري ما شئت أن تنقّري فقال له عمه ورحمه: قد قلت شعرا، فقال هو: لا أخرج أو أقول لنفسي.

стр. 36

فما رام حتى عمل قصيدته المشهورة، وهي أوّل شعره، ثم غدا على عمه فقال: اجمع لي العشيرة ليسمعوا فجمعهم له فأنشد: طربت وما شوقا إلى البيض أطرب القصيدة الى آخرها. وأخرج عن محمد بن عقير قال: كانت بنو أسد تقول: فينا فضيلة ليست في العالم ليس منزلا منّا إلا وفيه بركة وراثة الكميت، لأنه رأى النبي ﷺ في النوم فقال له: أنشدني: طربت، فأنشده، فقال له: بوركت وبورك قومك. وكان الكميت شيعيا. قال المبرد: وقف الكميت، وهو صبي، على الفرزدق وهو ينشد فلما فرغ قال: يا غلام: أيسرك أني أبوك؟ قال: أما أبي فلا أريد به بدلا، ولكن يسرني أن تكون أمي. فحصر الفرزدق وقال: ما مر بي مثلها! أخرجه ابن عساكر، ويقال: ما جمع أحد من علم العرب ومناقبها ومعرفة أنسابها ما جمع الكميت، فمن صحح الكميت نسبه صح، ومن طعن فيه وهن. أخرجه ابن عساكر، وقال بعضهم: كان في الكميت عشر خصال لم تكن في شاعر: كان خطيب بني أسد، وفقيه الشيعة، وحافظ القرآن، وثبت الجنان، وكان كاتبا حسن الخط، وكان نسابة، وكان جدلا، وهو أول من ناظر في التشيع، وكان راميا لم يكن في بني أسد أرمى منه، وكان فارسا، وكان شجاعا، وكان سخيا دينا، أخرجه ابن عساكر. وأخرج عن محمد بن سهل قال: قال الكميت: رأيت في النوم، وأنا مختف، رسول الله ﷺ فقال: مم خوفك؟ قلت: يا رسول الله، من بني أمية. وأنشدته: ألم ترني من حبّ آل محمّد ... البيت فقال: اظهر، فإن الله قد أمّنك في الدنيا والآخرة. وأخرج عن الجاحظ قال: ما فتح للشيعة الحجاج إلا الكميت بقوله: فإن هي لم تصلح لحيّ سواهم ... فإنّ ذوي القربى أحقّ وأوجب

стр. 37

يقولون لم يورث ولولا تراثه ... لقد شركت فيها بكيل وأرحب (١) وأخرج عن أبي عكرمة الضبي عن أبيه قال: أدركت الناس بالكوفة من لم يرو: طربت وما شوقا إلى البيض أطرب فليس بهاشميّ، ومن لم يرو: ذكر القلب إلفه المهجور فليس بأموي، ومن لم يرو: وهلّا عرفت منازلا بالأبرق فليس بمهلبيّ، ومن لم يرو: طربت وهاجك الشوق الحبيب فليس بثقفي. وقال المفضل: ليس الكميت والطرماح وكثير وذو الرمة بحجة. دكره ابن الأعرابي في نوادره. قال ابن عساكر: ولد الكميت سنة ستين ومات سنة ست وعشرين ومائة. قال ابن يسعون: والكميت هذا هو الكميت الآخر، والكميت الأوسط هو الكميت بن معروف بن الكميت الأول ابن ثعلبة بن نوفل بن الأشتر بن حجوان بن فقعس الأسدي. ٧ - وأنشد قول عمر بن أبي ربيعة: ثمّ قالوا: تحبّها؟ قلت بهرا ... عدد الرّمل والحصى والتّراب (٢) هذا من قصيدة له كتب بها إلى الثريا بنت عبد الله بن الحارث العبشمية لما صرمته. كذا أخرجه ابن عساكر عن الزبير بن بكار. وأول القصيدة:

стр. 38

قال لي صاحبي، ليعلم مابي: ... أتحبّ القتول أخت الرّباب قلت: وجدي بها كوجدك بالعذ ... ب إذا منعت برد الشّراب (١) من رسولي إلى الثّريّا بأنّي ... ضقت ذرعا بهجرها والكتاب أزهقت أم نوفل إذ دعتها ... مهجتي ما لقاتلي من متاب حين قالت: قومي أجيبي، فقالت (٢) ... من دعاني؟ قالت: أبو الخطّاب فأجابت عند الدّعاء كما لبّى ... رجال يرجون حسن الثّواب أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمس كواعب أتراب فتبدّت، حتّى إذا جنّ قلبي ... حال دوني ولا ند بالثّياب وهي مكنونة تحيّر منها ... في أديم الخدّين ماء الشّباب حين شبّ القبول والعتق منها (٣) ... حسن لون يرفّ كالزرياب ذكرتني من بهجة الشمس لما ... طلعت في دجنّة وسحاب دمية عند راهب قسّيس ... صوّروها في مذبح المحراب فارجحنّت في حسن خلق عميم ... تتهادى في مشيها كالحباب ثم قالوا: تحبّها؟ قلت: بهرا ... عدد القطر والحصى والتّراب سلبتني مجاجة المسك عقلي ... فسلوها بما يحلّ اغتصابي

стр. 39

القتول: علم لامرأة منقول من الوصف، يقال: امرأة قتول، أي قاتلة. والرباب، بالفتح: علم لامرأة منقول من اسم السحاب. والوجد: الشغف. والعذب: الماء الطيب. ويقال: ضقت بالأمر ذرعا، إذا لم تطقه ولم تقو عليه. وأصل الذرع بسط اليد كأنك تريد: مددت يدي إليه فلم تنله. وقوله: والكتاب: قسم. والازهاق: اخراج الروح، يقال زهقت نفسه، خرجت. وأزهقها غيره. قال المدرج: الزهق بكسر الهاء القاتل. والزهق، بالفتح المقتول. وقوله: مهجتي، تنازع فيه ازهقت ودعتها. ويقال: خرجت مهجته، أي روحه. وأصل المهجة الدم. وقيل: دم القلب خاصة. والمتاب التوبة. وأبو الخطاب: كنية عمر ابن أبي ربيعة. والمهاة بفتح الميم، البقرة الوحشية، والجمع مها، بالفتح أيضا. وتهادى: مضارع حذف منه احدى التاءين، يقال: تهادت المرأة إذا تمايلت في مشيتها. والكواعب، جمع كاعب، وهي الجارية حين يبدو ثديها للنهود. والأتراب، جمع ترب، بالكسر، يقال: هذه تربة هذه أي لدتها. والولائد، جمع وليدة، وهي الصبية والأمة. وجارية مكنونة: مستورة. وتخير الماء: اجتمع. وأديم الخدّين: جلدهما. وماء الشباب: رونقه ونضارته. وشب: أظهر وحسن. والعتق: الكرم والجمال، يقال: ما أبين العتق في وجه فلان. ورف لونه يرف، بالكسر، برق وتلألأ. الزرياب، بزاي ثم راء تحتية وآخره موحدة، هو الذهب أو ماؤه كما في القاموس. والدجنة، بضم المهملة والجيم وفتح النون المشدّدة، الغيم المطبق والظلمة. والدمية، بضم المهملة، الصورة من العاج. ومذبح المحراب: من إضافة البيان. قال في الصحاح: المذابح المحاريب سميت بذلك للقرابين. وارجحنت، بجيم ثم حاء مهملة ونون مشددة، مالت واهتزت. والحباب بالضم: الحية. وقوله بهرا، قال في الصحاح أي عجبا، وجزم به ابن مالك في شرح التسهيل، وجعله مصدرا لا فعل له. وأورد البيت شاهدا على نصبه بعامل لازم الاضمار لانه بدل اللفظ بفعل قيل له موضع، وقيل التقدير: أحبها حبا بهرني بهرا، أي غلبني غلبة. وأورد الزبير بن بكار البيت بلفظ «قلت ضعفي عدد الرمل ... الخ.» وقوله: تحبها، على حذف همزة الاستفهام، وهو محل الاستشهاد وبه جزم أبو حيان. وقال ابن الأعرابي في نوادره: المبهور المكروب وأنشد البيت. وقيل:

стр. 40

معناه جهرا لا أكاتم، من قولهم: القمر الباهر أي الظاهر ضوءه. وقيل معناه: تبا كأنه قال: تبا لهم لما أنكروا عليه حبها، لأن قوله: تحبها على الانكار. والمجاجة، بجيمين، الريق يمج من الفم. والثريا المذكورة، قال إسحق الموصلي: كانت من أكمل النساء وأحسنهم خلقا، فكانت تأخذ جرّة من الماء فتفرغها على رأسها فلا يصيب باطن فخذها قطرة من عظم كفلها، وهي التي قال فيها ابن أبي ربيعة أيضا لما تزوجت سهيل بن عبد الرحمن بن عوف: (١) أيّها النّاكح الثّريّا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقلّ يماني ٨ - وأنشد: أصطبار لسلمى أم لها جلد (٢) هو لقيس بن الملوح، وتمامه: إذا ألاقي الّذي لاقاه أمثالي؟ أي من الموت كني عنه بذلك تسلية لهذه المرأة، واستشهد به المصنف على دخول الهمزة على النفي. فإن الاستفهام هنا على حقيقته وكذا النفي. ٩ - وأنشد: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح (٣)
следующие страницы →