و " جندل " و " زلزل ". وليس في كلامهم أكثر من أربع حركات متواليات في كلمة كانت أصلا أو مخففة. فلما صار: " أحد عشر ". بمحل اسم واحد، خففوا الحرف الرابع الذي بتحريكه يكون الخروج عن ترتيب حركات الأصول في كلامهم.
ومن يسكن العين في اللغة التي ذكرناها، لا يسكنها في " اثني عشر " لئلا يجتمع ساكنان، وليس في كلامهم جمع بين ساكنين، إلا أن يكون الساكن الثاني بعد حرف من حروف المد واللين مدغما في مثله؛ نحو: " دابة " وما
أشبهها.
فإن قال قائل: هلا بنيتم؛: " اثني عشر " على حد واحد، فلا يتغير في رفع ولا نصب ولا جر، كما فعلتم ذلك في أخواته؟
قيل له: من قبل أن الاثنين قد كان إعرابهما بالألف والياء، وكانت النون على حالة واحدة فيهما جميعا، كقولك: " هذان الاثنان " و " رأيت الاثنين " و " مررت بالاثنين ". فإذا أضفت سقطت النون، وقام المضاف إليه مقامها، ودخل حرف التثنية، من التغير في حال الرفع والنصب والجر مع المضاف إليه، ما كان يدخله مع النون. ولما كان: " عشر " في قولك: " اثنا عشر " حل محل النون وعاقبها، صار بمنزلة المضاف إليه، ولم يمنع تغير الألف إلى الياء في النصب والجر.
وتقول في المؤنث: " إحدى عشر " و " ثنتا عشر "، وإن شئت " " اثنتا عشرة ".
وتقول في: " ثماني عشرة ": " ثماني عشرة " بفتح الياء وهو الاختيار عند النحويين.
وقد يجوز: " ثماني عشرة " بتسكين الياء. فأما من فتحها فأجراها على أخواتها؛ لأنها جميعا في عدة واحدة وترتيب واحد. وأما من سكّنها فشبهها " بمعدي كرب " و " أيادي سبأ " و " قاليقلا " وأشباه ذلك.
وفي عشرة لغتان:
فأما أهل الحجاز فيقولون: إحدى عشر بتسكين الشين.
وأما بنو تميم فيقولون: " إحدى عشر " بكسرها.
وهذا عكس ما يعرف من اللغتين؛ لأن الغالب على بني تميم تسكين العين من فعل وفعلة، وعلى أهل الحجاز كسرها.
واعلم أنك إذا سميت رجلا بخمسة عشر، جاز أن تضم الراء، فتقول: " هذا خمسة عشر "، و " رأيت خمسة عشر " و " مررت بخمسة عشر " تجريه مجرى اسم لا ينصرف.
стр. 107
ولك أن تحكيه فتفتحه على كل حال. والأخفش كان يرى إعرابهما إذا أضفتها وهي عدد، فتقول: " هذه الدراهم خمسة عشرك ".
وقد ذكر سيبويه أن هذه لغة رديئة. والعلة في ذلك أن الإضافات ترد الأشياء إلى أصولها، وقد علمت أن خمسة عشر درهما، هي تقدير التنوين، وبه عمل في الدرهم. فإذا أضفتها إلى مالكها لم يجز تقدير التنوين فيها، لمعاقبة التنوين الإضافة، فصار بمنزلة اسم لا ينصرف، فإذا أضيف انصرف، وأعرب بما كان يمتنع من الإعراب قبل حال
الإضافة.
والكلام على هذا القول وعلته وتفصيله، له موضع نذكره فيه، إن شاء الله. وقال الخليل بن أحمد: من يقول: " هذا خمسة عشرك " لم يقل: " هذا اثنا عشرك " في العدد، من قبل أن عشر قد قام مقام النون، والإضافة تسقط النون، فلا يجوز أن يثبت معها ما قام مقام النون، ولكن تقول: " هذا اثنا عشرك ".
فإن قال قائل: فأضف وأسقط " عشرة " كما تسقط النون.
قيل: هذا لا يجوز، من قبل أنا لو أسقطناه كما تسقط النون، لم ينفصل في الإضافة " اثنان " من " اثني عشر "؛ لأنك تقول في اثنين: هذان اثناك، فلو قلت في: " اثني عشر ":
" هذا اثناك " لالتبسا، فإذا كان اسم رجل، جازت إضافته بإسقاط " عشر ".
ومن قال في رجل اسمه: " مسلمان ": " هذا مسلمان ومسلمانك "، جاز أن يقول:
" هذا اثنان عشرك "؛ لأنه يجعل هذه النون كنون " سعدان ".
واعلم أن الفراء ومن وافقه يجيز إضافة النيف إلى العشرة؛ فتقول: " هذا خمسة عشر ".
وأنشدوا فيه:
كلّف من عنائه وشقوته ... بنت ثماني عشرة من حجّته (١)
وهذا لا يجيزه البصريون ولا يعرفون البيت.
وإذا كان عشر مضافا، وجب عند الفراء إضافة النيف على عشر، كقولك:
" هذا خمسة عشرك "، وللاحتجاج له وعليه موضع غير هذا.
стр. 108
واعلم أن العرب تقول: " هذا ثاني اثنين " و " ثالث ثلاثة " و " عاشر عشرة ". وقد يقال: " ثاني واحد " و " ثالث اثنين " و " عاشر تسعة "؛ لأنه مأخوذ من ثنى الواحد، وثلث الاثنين، وعشر التسعة.
فإن نونت فهو بمنزلة قولك: " ضارب زيدا ". وإن أضفت فهو بمنزلة قولك:
" ضارب زيد ".
ولا يجوز التنوين في الوجه الأول، إذا قلت: " ثالث ثلاثة "؛ لأنك أردت به: أحد ثلاثة، وبعض ثلاثة. ولا يجوز التنوين مع هذا التقدير في قول أكثر النحويين؛ لأنه لا يكون مأخوذا من فعل عامل.
وإذا قلت: " هذا عاشر عشرة " قلت: " هذا حادي عشر " بتسكين الياء. ومنهم من يقول: " هذا حادي عشر " بفتح الياء. فأما من سكن الياء من " حادي "، فتقديره: هذا حادي الأحد عشر، كما تقول: " هذا قاضي بغداد "، وحذف " أحد " تخفيفا لدلالة المعنى عليه. وأما من فتح فإنه بنى " حادي " مع " عشر " حين حذف " أحد "، فجعل " حادي " قائما مقامه، ومنهم من يقول: " هذا الحادي أحد عشر ". فإذا قالوا ذلك لم يجز في الياء إلا التسكين؛ لأن ثلاثة أشياء لا يجوز أن يكن اسما واحدا، وتقول فيما جاوز أحد عشر من هذه اللغة: " هذا ثاني عشر " و " ثاني عشر " و " ثاني اثنى عشر " و " ثالث عشر " و " ثالث ثلاثة عشر " لا غير، على تسعة عشر، على ما بيناه.
فإن قال قائل: فلم قيل: " حادي عشر " وهو فاعل من واحد؟ وهلا قالوا:
" واحد عشر " أو " آحد عشر " من لفظ " أحد "؟
ففي ذلك جوابان:
أحدهما: أنه مقلوب من " واحد "، والواو من " واحد " في موضع الفاء منه، فجعلت الفاء في موضع اللام، فانقلبت الواو ياء، لانكسار الدال، كما قيل: " غازي "، وتقديره من الفعل: عالف والقلب في كلامهم كثير، كقولهم: " شائك السلاح " و " شاكي السلاح "، وكقولهم: " لائث " و " لاثي ". وكما قال الشاعر:
خيلان من قومي ومن أعدائهم ... خفضوا أسنّتهم وكلّ ناعي (١)
стр. 109
قال أبو عبيدة: أراد " نائع " أي: مائل، أو عطشان، من قولك: جائع نائع.
وقال الأصمعي: إنما أراد " الناعي " من: نعى ينعي.
والقول الثاني في: " حادي " أنه يتبع الإبل ويحدوها، مثل: حادي الإبل، وهو الذي يتبعها ويسوقها.
وتقول في المؤنث من هذا: " هذه حادية عشرة " و " حادية عشرة " و " حادية إحدى عشرة " بالضم لا غير، و " ثانية عشرة " و " ثانية عشرة " و " ثانية اثنتي عشرة " بالضم لا غير إلى: تسع عشرة، على هذا المنهاج. وعلة وجوه الإعراب فيها كعلة المذكر. فإذا أدخلت الألف واللام في شيء من هذا تركوه على حاله، تقول: " الحادي عشر " و " الحادي عشر " " الحادي أحد عشر " بتسكين الياء لا غير، وكذلك الباب على هذا المنهاج.
والألف واللام لا تخرج هذا من لفظه ولا تزيله عن بنائه، كما لا تزيل خمسة عشر؛ إذا قلت: أخذت الخمسة عشر درهما، وكما لا يزيل " الخازباز " عن بنائه، إذا قلت:
هذا الخازباز فاعلم. وسنذكر " الخازباز " في موضعه إن شاء الله.
فأما من يقول: " هذا ثالث اثنين " و " عاشر تسعة "، فإن كثيرا من النحويين يمنعون أن يقولوا فيما جاوز العشرة من هذا، وذلك أن القوم إذا كانوا تسعة، فصرت عاشرهم، جاز أن تقول: " عشّرتهم "، وإذا كانوا عشرة وكملتهم أحد عشر، لا يكون من هذا فعل مشتق في تكميلك العشرة أحد عشر، كما كان لك فعل مشتق في تكميلك التسعة العشرة، فلم يكن لك اسم فاعل فيما جاوز العشرة.
وهذا هو القياس. ومنهم من يجيزه ويشتقه من لفظ النيف، فيقول: " هذا ثاني أحد عشر " و " ثالث اثني عشر " وينّونه وإنما جاز له أن يشتق من لفظ النيف، من قبل أن العشرة معطوفة على النيف، فإذا قلت: " ثلاثة عشر " فمعناه: ثلاثة وعشرة، ويشتقه من الأول، ويجعل الثاني عطفا عليه. وقد حكى نحو من هذا عن العرب؛ قال الراجز:
أنعت عشرا والظليم حادي
أراد: الظليم حادي عشر، فاعرفه إن شاء الله.
ومن ذلك: العدد من واحد إلى عشرة، تقول: واحد، اثنان، ثلاثه، أربعة، بتسكين أواخر الأعداد إلى العشرة.
فإن قال قائل: ولم سكّنت؟
стр. 110
فالجواب في ذلك: أن هذه الأعداد إذا عددتها لم تقع فاعلة، ولا مفعولة، ولا مبتدأة ولا خبرا ولا في جملة كلام آخر، والإعراب في أصله للفرق بين اسمين في كلام واحد ولفظين مجتمعين في قصة، لكل واحد منهما معنى خلاف معنى صاحبه؛ فيفرق بين إعرابهما للدلالة على اختلاف معناهما، أو يكون الإعراب لشيء محمول على ما ذكرنا، فلما لم تكن هذه الأعداد على الحد الذي يستوجب الإعراب، ولا على الحد الذي يحمل- على ما استوجب الإعراب- سكّنّ وصرن بمنزلة الأصوات، كقولك: صه، ومه، وبخ بخ.
ويجوز أن تقول: " واحد اثنان " فتكسر الدال من: واحد.
فإن قال قائل: لم كسرت الدال من واحد؟ أللتقاء الساكنين؟ أم ألقيت كسرة الهمزة على الدال فكسرتها؟
قيل له: بل ألقيت كسرة الهمزة على الدال، ولا يصلح أن تكون الكسرة لالتقاء الساكنين، من قبل أن كل كلمة من هذه المقضية عليها بالوقف واستئناف ما بعدها، كأن لم يتقدمه شيء. وألف القطع والوصل يستويان في الابتداء ويثبتان، فألف اثنان ثابتة، إذا كان التقدير فيهما أن تكون مبتدأة، فهي بمنزلة ألف القطع، وألف القطع يجوز إلقاء حركتها على الساكن قبلها؛ فلذلك كانت الكسرة في الدال من: " واحد " هي الكسرة التي ألقيت عليها من همزة: " اثنان "، ويدل على صحة ذلك أنهم يقولون في هذا إذا خففوا الهمزة: " ثلاثة أربعة "؛ فيحذفون الهمزة من أربعة، ولا
يقلبون الهاء في ثلاثة تاء من قبل أن الثالثة عندهم في حكم الوقف، والأربعة في حكم الكلام المستأنف، وإنما تنقلب هذه الهاء تاء إذا وصلت، فلما كانت مقدرة على الوقف بقيت هاء، وإن ألقيت عليها حركة ما بعدها، كما تكون هاء إذا لم يكن بعدها شيء.
فإن قال قائل: لم قالوا: " اثنان "، فأثبتوا النون في العدد، ومن قولهم إنما تدخل النون عوضا عن الحركة والتنوين، وهذا موضع يسكن فيه العدد؟
فالجواب في ذلك أن " اثنان " صيغ بثبات النون على معناه، ولم يقصد إلى " اثن " فتضمه إلى مثله؛ إذ كان لا ينطق " باثن "، ولكنه لما كان حكم التثنية في الأشياء التي ينطق بواحدها، متى ثنيت أن تزاد النون فيها عوضا من الحركة والتنوين. وقد جاء اثنان وإن لم ينطق بإثن، على ما يجيء عليه الشيء المنطوق بواحده، حمل عليه وإن لم يكن له
стр. 111
واحد فيه حركة وتنوين وتثبت هذه النون على كل حال إلا أن تعاقبها الإضافة.
ومن ذلك حروف التهجي وهي مقصورة، إذا تهجيت بها؛ تقول: آ، با، تا، ثا تقصرها. وفي " زاي " لغتان؛ منهم من يقول؛ " زاي " بياء بعد ألف، كما تقول:
" واو " بواو بعد الألف. ومنهم من يقول " زي ".
وإنما وقعت هذه الحروف إذا قطعتها على هذا النحو؛ لأنها تشبه الأصوات، ولأنك لم تحدث عنها ولم تحدث بها، ولا جعلت لها حالة تستحق الإعراب لها، كما قلنا في العدد، وإن تهجيت اسما فإنك تقطع حروفه وتبنيها على الوقف، كقولك إذا تهجيت:
" عمرا ": عين، ميم، را، واو. فإن كان شيء من هذه الحروف بعده همزة جاز أن تلقى حركة الهمزة عليه، وتحذفها؛ كقولك في هجاء: " عامر ": عين، ألف، ميم، را، ويجوز أن تقول: عين ألف، ميم، را؛ فتحذف الهمزة، وتحرك النون من: عين.
قال الراجز:
أقبلت من عند زياد كالخرف ... تخطّ رجلاي بخط مختلف
تكتبان في الطريق لام ألف
ويروى: تكتبان، فألقى الهمزة من " ألف " على الميم من: " لام " وحذف الهمزة.
فمن روى: " تكتبان في الطريق " يعني؛ تؤثران لام ألف، ومن روى: " تكتبان " أراد:
تتكتبان، أي تصيران هما كلام ألف.
قال سيبويه: إذا قلت في باب العدد: واحد اثنان، جاز أن تشم الواحد الضم، فتقول: واحد اثنان، ولا يجوز ذلك في الحروف إذا قلت لام ألف أو نحوها. قال:
والفصل بينهما أن الواحد متمكن في أصله والحروف أصوات مقطعة، فاحتمل الواحد من إشمام الحركة لما له من تمكن الأصل، ما لم يحتمله الحرف. فإذا جعلت هذه الحروف أسماء، وخبرت عنها، وعطفت بعضها على بعض، أعربتها، ومددت منها ما كان مقصورا، وشددت الياء من: " زي " في قول من لا يثبت الألف. قال الشاعر يذكر النحويين:
стр. 112
إذا اجتمعوا على ألف وباء ... وتاء هاج بينهم القتال (١)
وإنما فعلوا ذلك من قبل أنها إذا صيرت أسماء، فلا بد من أن تجري مجراها وتعطي حكمها، وليس في الأسماء المفردة التي تدخلها الإعراب اسم على حرفين الثاني من حروف المد واللين- واوا أو ياء أو ألفا؛ لأن التنوين إذا دخله أبطله لالتقاء الساكنين، فيبقى الاسم على حرف واحد، وهو إجحاف شديد. وقد جاء من الأسماء المعربة ما هو على حرفين الثاني من حروف المد واللين، غير أن الإضافة تلزمه، فيمتنع التنوين، كقولهم:
" هذا فو زيد " و " رأيت فا زيد ". وربما اضطر الشاعر، فيجيء به غير مضاف.
قال العجاج:
خالط من سلمى خياشيم وفا (٢)
وإنما فعل ذلك؛ لأنه في آخر بيت في موضع لا يحتاج فيه إلى تنوين. فلما كان الأمر على ما وصفنا، وجعلت هذه الحروف أسماء زيد في كل واحد منها ما يكمل به اسما، وجعلت الزيادة مشاكلة لآخر المزيدة فيه، تقول في: با: " باء " تكون الهمزة مشاكلة الألف، وفي: زي: " زيّ ".
ومما يدل على صحة هذا المعنى قول الشاعر في ليت و " لو " التي هي حرف، حين جعلها اسما:
ليت شعري وأين منّي ليت ... إنّ ليتا وإنّ لوا عناء (٣)
وقال النمر بن تولب:
علقت لوّا تردّده ... إنّ لوّا ذاك أعيانا (٤)
ويجيز الفراء في هذه الحروف، إذا جعلت أسماء: القصر والمد، فتقول: " هذه حا فاعلم " و " يا فاعلم " وتثنى فتقول: " حيان " و " بيان " ولا تزيد فيهما شيئا. وقد بينا صحة القول الأول.
ويفرق الفراء بين هذه الأسماء المنقولة عن أحوال لها هي غير متمكنة فيها وبين ما
стр. 113
يصاغ من الكلام متمكنا في أول أحواله. والقول الأول أقوى. والله أعلم.
وهذه الحروف تذكر وتؤنث، إذا جعلت أسماء تقول: " هذه يا مخطوطة " وإن شئت قلت: " هذا ياء مخطوط "، فمن أنثها ذهب بها مذهب الكلمة، وهو الأغلب عليها، ومن ذكّرها ذهب بها مذهب الحرف. قال الشاعر في التأنيث:
... ... كما بيّنت كاف تلوح وميمها (١)
وقال آخر في التذكير:
كافا وميمين وسينا طاسما
ومن ذلك: " خاز باز " وفيه سبع لغات، وله خمسة معان. فأما اللغات التي فيها؛ فيقال: خازباز، وخازباز، وخازباز، وخازباز وخازباز، وخازباء، على مثل: قاصعاء ونافقاء، وخزباز؛ مثل: كرباس.
وأما معانيها، فخازباز؛ عشب، وهو أيضا؛ ذباب يكون في العشب، وقال بعضهم: هو صوت الذباب، وهو أيضا داء يكون في اللهازم وقالوا الخازباز: السّنور، وهو أغرب ما فيه.
والحجة على أنه العشب قول الشاعر:
والخازباز السّنم المجّودا (٢)
وقال آخر:
تفقأ فوقه القلع السّواري ... وجنّ الخازباز به جنونا (٣)
فهذا يحتمل أن يكون: العشب، ويحتمل أن يكون: الذباب؛ يقال: جن النبت إذا خرج زهره، وجن الذباب إذا طار وهاج. وقال المتلمس:
فهذا أوان العرض جنّ ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمّس (٤)
ويروى: حي ذبابه.
стр. 114
وقال آخر في الداء:
مثل الكلاب تهر عند درابها ... ورمت لهازمها من الخزباز (١)
وقال آخر:
يا خازباز أرسل اللهازما (٢)
فأما من قال: خازباز، فإنه جعلهما اسمين، ثم كسر كل واحد منهما لالتقاء الساكنين، مثل قوله: غاق غاق، وحاب حاب. ومن فتحهما، شبههما بخمسة عشر، وحضرموت، إذا فتحت آخره.
ومن ضم آخره وفتح أوله، فإنه يشبهه ببعلبك، وحضرموت، إذا جعلت الإعراب في آخره؛ تقول: " هذه بعل بك " و " حضرموت ".
قال امرؤ القيس:
لقد أنكرتني بعلبكّ وأهلها ... ولابن جريج في قرى الشام أنكرا (٣)
ومن قال: " الخازباز " فإنه بنى أوله على السكون، ثم كسره، لالتقاء الساكنين، وضم آخره حين صيرهما كشيء واحد. ومثله: " معد يكرب "، فمن أعرب آخره، فقال:
هذا معد يكرب، ورأيت معد يكرب، ومررت بمعد يكرب، يجعل الإعراب في آخره ويبنى أوله على السكون، إلا أنه اضطر إلى تحريك الأول حين التقى ساكنان، ولم يكن ذلك في معد يكرب؛ لأن ما قبل الياء الساكنة في معد يكرب متحرك.
وأما من قال: " خازباز " فإنه أضاف الأول إلى الثاني، كما يقول: " بعل بك " و " حضرموت " و " معد يكرب " فيمن أضاف، وجعل: كربا مذكرا، و " معديكرب " فيمن أضاف وجعل كرب مؤنثا.
ومثل هذا في الكلام أنا لو لقّبنا رجلا معروفا بلقب لأضفنا اسمه إلى لقبه، كقولك:
" هذا سعيد قفة "، فأضيف اسمه إلى " قفة " حين لقب بها، وكذلك كل اسم مفرد إذا لقبته.
واعلم أن " الخازباز " في هذه الوجوه التي يبنى فيها متى دخلت الألف واللام عليه، ترك على بنائه، كما قال:
стр. 115
... وجنّ الخازباز به جنونا
وكما تقول: " هذه الخمسة عشر درهما " فتدخل الألف واللام عليها وتدعها على بنائها.
وأما من قال: " خازباء " فإنه بناء اسما على فاعلاء، وجعل الهمزة للتأنيث.
وأما من قال: " الخزباز " فإنه بناء مثل: كرباس، ويكون متصرفا في جميع وجوه الإعراب، كما يكون الكرباس.
ومن ذلك قولهم عند الدعاء، وسؤالك الإجابة: " آمين ". وفيه لغتان: و " أمين " و " آمين " مقصور وممدود.
قال الشاعر:
تباعد مني فطحل وابن أمّه ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا (١)
وقال آخر في المد:
يا ربّ لا تسلبنّي حبّها أبدا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا (٢)
وإنما فتح آخرهما، وبنيا على ذلك من قبل أنهما صوتان وقعا موقع فعل الدعاء، وهو أنك إذا قلت: " أمين "، فمعناه: استجب يا ربنا، كما وقع: " صه " و " مه " في معنى؛ اسكت، وكف. فلما كان " أمين " على ما وصفنا كان من حقه أن يبنى على السكون، فالتقى في آخره ساكنان، ففتح ولم يكسر من قبل الياء التي قبلها، استثقالا للكسر مع الياء، كما قالوا: " مسلمين " وكما قالوا: " أين " و " كيف " حين كان قبل آخره ياء، فاعرفه إن شاء الله.
ومما جاء من الاسمين اللذين جعلا اسما واحدا، وآخر الأول منهما ياء مكسور ما قبلها: " معدي كرب " و " أيادي سبأ " و " قالي قلا " و " ثماني عشر " و " بادي بدا ".
فأما " معدي كرب " فهو اسم علم. وفيه لغات؛ يقال: " معدي كرب " و " معدى كرب " و " معدي كرب " فأما من قال: " معدي كرب " فإنه جعلهما اسما واحدا، وجعل الإعراب في آخره ومنعه الصرف لعلتين، إحداهما؛ التعريف، والأخرى؛ جعل الاسمين اسما
стр. 116
واحدا، وهو أحد موانع الصرف. وسواء قدرته في هذا الوجه مذكرا أم مؤنثا تجعله كاسم لا ينصرف، وتقول: " جاءني معدي كرب " و " رأيت معدي كرب " و " مررت بمعدي كرب ".
وأما من قال: " هذا معدي كرب "، فإنه جعل: " معدي " مضافا إلى " كرب " وجعل كربا اسما مذكرا.
فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما ذكرت، فهلا قالوا: " رأيت معدي كرب "، كما تقول: " رأيت قاضي واسط "؟
قيل له: " معدي كرب " لا يشبه: " قاضي واسط " من قبل أن الياء في " معدي " قد كانت ساكنة في الموضع الذي يجب فتح الحرف الصحيح فيه، وذلك إذا جعلته مع " كرب " بمنزلة اسم واحد، ألا ترى أنك تقول: " هذا حضرموت " و " بعل بك "، فيفتح آخر الاسم الأول في الصحيح، ويسكن الياء في " معدي "، فكما وجب تسكين هذه الياء في الموضع الذي ينفتح فيه غيرها من الصحيح، وإن كان فتحها بناء، أسكن في الموضع الذي يكون فتحها إعرابا؛ لأنه قد لزمها السكون في موضع الفتح.
ووجه ثان يؤيد هذا المعنى، وهو قولهم: " أرض وأرضون ". ويقال " أرضون " بتسكين الراء، وفتحها أكثر وأجود. وإنما فتحت هذه الراء في الجمع، وإن كانت في الواحد مسكنة من قبل أنهم يقولون: " أرض وأرضات "، كما يقولون: " دعد ودعدات وتمرة وتمرات " فلما كانت " أرضات " جمعا سالما قد لزمت فيه فتحة الراء التي كانت مسكنة في الواحد على علة " تمرات " و " دعدات "، فتحوها في: " أرضون "، ليعلموا أن لها حالا تنفتح فيها في جمع سالم مثل: أرضات.
ومن قال: " معدي كرب " على كل حال، فإنه على وجهين:
أحدهما: أن يكون بجعلهما اسما واحدا، فيكون مثل: " خمسة عشر " و " حضرموت " فكأنهما كانا مبنيين على الفتح قبل التسمية ثم حكى في التسمية.
والثاني: أن يجعل " معدي " مضافا إلى " كرب " ويجعل كربا اسما مؤنثا فلا ينصرف ويكون في موضع مخفوض.
وأما " قالي قلا " فإنك تجعله غير منون على كل حال إلا أن يجعل: " قالي " مضافا إلى " قلا " ويجعل " قلا " اسم موضع مذكر فتنونه، فتقول على هذا " قالي قلا " فاعلم.
стр. 117
والأكثر ترك التنوين. قال الشاعر:
سيصبح فوقي أقتم الرّيش كاسر ... بقالي قلا أو من وراء دبيل (١)
وتفسير " قالي قلا "، كتفسير " معدي كرب ". والوجه الذي ينون فيه كالوجه الذي ينون فيه " معدي كرب ".
وأما " أيادي سبأ " ففيه لغتان: " أيادي سبأ " و " أيدي سبأ " ومعناه: متفرقين، يقول:
" ذهب القوم أيدي سبأ " و " أيادي سبأ "، إذا تبددوا وتشتتوا. والأصل أن سبأ بن يشجب لما أنذروا بسيل العرم خرجوا من اليمن متفرقين في البلاد؛ فقيل لكل جماعة تفرقت؛ " ذهبوا أيدي سبأ ". وموضعه من الإعراب نصب بالحال، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه معرفة وقع موقع الحال كما قال:
فأرسلها العراك ولم يذدها ... ... (٢)
يريد: معتركة. كما قالوا: " القوم فيها الجماء الغفير " يريد مجتمعين، وغير ذلك مما وقعت المعرفة فيه موقع الحال.
والوجه الثاني: أن يجعل " سبأ " في تقدير منكور، وتضيف " أيدي " إليه فتكون منكورة، فإذا كانت كذلك فلا كلام في وقوعها حالا.
وللسائل أن يسأل فيقول؛ كيف يكون " سبأ " منكورا حالا وهو اسم رجل، فقد صارت له حالة في التفرق يجوز من أجلها أن يشبه غيره به، كما قيل: " قضية ولا أبا حسن لها "، وإنما القصد فيه إلى علي بن أبي طالب ﵇. كما قال الشاعر:
لا هيثم الليلة للمطى
فإنه وإن كان أراد عليّا ﵁ قصد الهيثم، فإن تقدير الكلام: لا مثل علي ولا مثل الهيثم؛ لأن (لا) لا تنصب إلا منكورا، فإنما جاز تقدير " مثل " وإن كان القصد إلى واحد؛ لأن التأسف إذا وقع لفقد إنسان، فإن وجود مثله يزيل ذلك، ويصير كأنه هو الأول المطلوب، فكذلك: تفرق القوم أيدي سبأ، يجوز أن يكون في التقدير: أيدي مثل سبأ، وسبأ في هذا الموضع على هذا التقدير معرفة؛ فلذلك لم ينون.
стр. 118
فإن قيل: ولم صار معرفة و " أيدي " المضاف إليه نكرة؟
قيل له: إذا رتبنا الكلام على ما ذكرناه، فأيدي هي مضافة إلى " مثل " ومثل منكور وإن كان مضافا إلى " سبأ "، كما
تقول: " لا عبد الله الليلة " فتعمل (لا) في (عبد الله) وإن كان معرفة؛ لأن تقدير عملها في " مثل " ونقل ذلك إلى " عبد الله ".
و" سبأ " مهموز في الأصل، وترك همزه في: " أيادي سبأ " لكثرته، وطوله، كما قيل:
" منساة "، وهي من: " نسأته ".
فأما " ثماني عشرة " فقد ذكرناها فيما تقدم.
وأما " بادي بدا "، ويقال: " بادي بديء " فمعناه أول كل شيء، وهو مأخوذ من الابتداء. وكان الأصل فيه: " بادي بداء " أو " بادي بديء "، غير أنهم خففوا الهمزة فيه، قلبوها ياء، وسكنوها كما سكنوا ياء " معدي كرب ". قال الشاعر:
وقد علتني ذرأة بادي بدي ... ورثية تنهض في تشدّدي (١)
و" بادي بدي " منكور بمنزلة: " خمسة عشر " لأنه حال، كأنه قال: وقد علتني مبتدئا، يعني أول كل شيء. وقد قيل: " بادي بدي " أي ظاهرا، من قولك: بدا يبدو.
والأول أجود.
فإن قال قائل: ولم وجب إسكان هذه الياءات من أواخر الأسماء الأولى؟
قيل له: من قبل أن الاسمين إذا جعلا اسما واحدا، وكان الأول منهما صحيح الآخر بنيا على الفتح، والفتح أخف الحركات، وقد علمنا أن الياء المكسور ما قبلها أثقل من الحروف الصحيحة، وأعطيت أخف مما أعطى الحرف الصحيح، وليس أخف من الفتحة إلا السكون، فاعرفه إن شاء الله.
ومن ذلك قولهم: " وقع الناس في حيص بيص "، إذا وقعوا في اختلاط وهذا الكثير المعروف. قال الهذلي:
قد كنت خرّاجا ولوجا صيرفا ... لم تلتحصني حيص بيص لحاص (٢)
وقيل: " حيص بيص " وقيل: " حيص بيص " وقد يكسر هذا فيقال: " حيص بيص ".
стр. 119
وحكي في هذا كله التنوين مع كسر الصاد.
وأقول: إن " حيص " يجوز أن يكون مشتقا من؛ حاص يحيص، وإذا فر، و " بيص " من: باص يبوص، إذا فات؛ لأنه
إذا وقع الاختلاط والفتنة، فمن بين الناس من يحيص عنها أو يبوص منها، وكان ينبغي أن يقال: " حيص بوص "، غير أنهم أتبعوا الثاني الأول كما قال الشاعر:
أزمان عيناء سرور المسرور ... عيناء حوراء من العين الحير (١)
والكلام: العين الحور؛ لأنها جمع حوراء، غير أنهم اتبعوها؛ العين. وكما قالوا:
" العدايا والعشايا "، فقالوا: " الغدايا " من أجل: " العشايا ". والغداة وحدها لا تجمع غدايا.
والذي أوجب بناء: " حيص بيص " تقدير الواو فيهما؛ كأنك قلت: " في حيص وبيص "، فلما حذف الواو، وتضمنتا معناها بنيتا كما تبنى " خمسة عشر " لما كان فيها معنى الواو. ومن كسر فلالتقاء الساكنين. ويجوز أن تجعله صوتا، فتحكى به ما يقع في الاختلاط والفتنة، ولا تجعله مشتقا من شيء فتكسره كما تقول: " غاق غاق " إذا قدرته تقدير المعرفة وتنونه، كما تقول: " غاق غاق " إذا قدرته تقديرا كنكرة فاعرفه إن شاء الله.
وقولهم: " ذهب الناس شغر بغر "، إذا تفرقوا تفرقا لا اجتماع بعده، و " ذهب الناس شذر مذر " في ذلك المعنى. ويقال: " شذر مذر، ويقال: " شذر بذر " و " شذر بذر " وكله في معنى التفرق الذي لا اجتماع بعده.
وإنما بنيت هذه الحروف لأن فيها معنى الواو، كأنه في الأصل: " ذهب الناس شغرا وبغرا "، فلما حذفت الواو وتضمنتا معناها بنيتا على الفتح مثل: " خمسة عشر ".
وشغر بغر عندي مشتق من قولهم: " شغر الكلب " إذا رفع إحدى رجليه فباعدها من الأخرى، و " بغر " من قولهم: " بغر الرجل " إذا شرب فلم يرو لما به من شدة الحرارة، فجعل من شغر في التفرق الذي هو لا اجتماع بعده، كما يكون البغر في العطش الذي لا ري معه.
وسائر هذه الحروف فيها معنى الواو على ما قدرت لك في " شغر بغر " ومن ذلك
стр. 120
قولهم: " ذهب فلان بين بين ". والمعنى: بين هذا وبين هذا، فلما اسقطت الواو بنيا. قال الشاعر:
... ... وبعض الناس يذهب بين بينا (١)
ومن ذلك: " لقيتك صباح مساء " و " يوم يوم " على هذا المعنى الذي ذكرناه من تضمن الواو، فكأنك قلت: " صباحا ومساء " أو " يوما ويوما " ولست تقصد صباحا واحدا ولا يوما واحدا.
ويجوز أن تقول: " أتيتك صباح مساء " فتضيف الصباح إلى المساء وتجعل " صباح " منسوبا. وإنما جاز إضافته
إلى " مساء " من قبل أنك أردت إتيانه في صباح مقترن بمساء، فلما اصطحبا في الإتيان، جاز إضافة أحدهما إلى الآخر، كما يضاف الشيء إلى ما يصحبه.
فإذا أدخلت عليهما شيئا من حروف الجر لم يكن إلا مضافا مخفوضا، تقول:
" أتيتك في كل صباح مساء "؛ لأنهم إذا أدخلوا عليه شيئا من حروف الجر خرج عن باب الظروف وصار اسما وتمكن أكثر من تمكنه الأول، فلم يقدر فيه الواو.
فإن قال قائل: فهلا أعربتم " خمسة عشر " ونحوها، وكل اسمين جعلا اسما واحدا إذا أدخلتم شيئا من حروف الجر عليه؟
فالجواب في ذلك أن " خمسة عشر " نحوها على كل حال لا يخلو من تقدير الواو فيه، فلم يجز غير البناء، و " صباح مساء " قد كان مرة يجوز بناؤه قبل دخول الجار على تقدير الواو، وإضافته على ما بينا، فإذا دخل الجار وصار اسما، وخرج عن حد الظرف، وتمكن لم يكن فيه إلا الإضافة التي توجب الإعراب له، إذ كانت الإضافة جائزة قبل دخول الجار.
ومن ذلك قولهم: " لقيته كفة كفة " وفيها معنى الواو، وأصله كفة وكفة. وإنما المعنى: كفة مني وكفة منك، وإن شئت: كفة على كفة، أو: كفة عن كفة. وذلك أن المتلاقيين إذا تلاقيا، فقد كف كل واحد منهما صاحبه عن مجاوزته إلى غيره في دفعه التقائهما، فكفة وكفة: مصدران وضعا موضع الحال، كأنك قلت: لقيته متكافّين، مثل
стр. 121
قولك: لقيته قائمين.
قال الشاعر:
متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا (١)
وقال آخر:
تعلقت ليلى وهي ذات موصّد ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا ... إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم (٢)
وتقول: " هذا جاري بيت بيت "، والمعنى: بيت إلى بيت. وإن شئت: بيت لبيت، فحذفت حرف الجر، وتضمنا معناه فبنيا لذلك، وجعلا في موضع: متلاصقا، كأنك قلت.
هو جاري ملاصقا، ويكون جاري هو العامل في موضع " بيت بيت ". ولو قلت: " هو بيت بيت جاري " لم يجز؛ إذ كان العامل ليس بفعل ولا اسم فاعل.
ويجوز في " كفة كفة " أن تقول: " كفة كفة لقيته "؛ إذ كان العامل فعلا. ولو قلت:
" هو مجاوري بيت بيت " أو " جاورني بيت بيت " جاز التقديم وأن تقول: " بيت بيت جاورني " و " بيت بيت مجاوري " فاعرفه إن شاء الله.
ومن ذلك ما أضفته من المعرب إلى غير المتمكن، من مثل قوله: مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ (٣). فأما قوله : مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٤) ففيه وجهان:
أحدهما: أن (مثل) مبني بإضافته إلى غير متمكن، وهو: ما أنكم تنطقون، كما قال النابغة:
على حين عاتبت المشيب على الصّبا ... فقلت ألما تصح والشّيب وازع (٥)
وينشد بالخفض.
فإن قال قائل؛ ولم إذا أضيف إلى غير متمكن بني؟
стр. 122
قيل له: من قبل أن ما أضيف إليه ليس باسم في لفظه، وإنما هو اسم في معناه، والإضافة الصحيحة ما كانت اللام مقدرة فيه، أو من، فهذه الأشياء التي أضيفت إلى غير متمكن لا يصح تقدير اللام في لفظ ما أضيفت إليه ولا تقدير " من " ألا ترى أنك إذا قلت: " هذا يوم يقوم زيد " كان معناه: هذا يوم قيام زيد. ويصلح هذا يوم لقيام زيد. وإذا قلت: " هذا يوم يقوم زيد " لم يجز أن تدخل اللام فتقول: يوم ليقوم زيد. وإذا قلت: " هذا يوم قيام زيد " جاز أن تدخل اللام، فعلمنا أن الإضافة إلى ما لا يتمكن ضعيفة فلذلك أجازوا البناء في المضاف إليه.
والوجه الثاني: في قوله: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (١) أن (مثل) منصوب على الحال، كأنه قال: إنه لحق مشبها لذلك.
وقوله: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ (٢) على قراءة من نصب على وجهين:
أحدهما: ما ذكرناه من الإضافة إلى غير متمكن.
والثاني: على الظرف، أي: هذا في ذلك اليوم، ويكون المشار إليه غير اليوم في هذا الوجه. وفي الوجه الأول المشار إليه هو اليوم.
وقوله تعالى: وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ (٣) على قراءة من قرأ بالنصب، لا يجوز إلا أن يكون بناء حين أضيف إلى غير متمكن.
رأيت بعض أصحابنا يقول في قول النابغة.
على حين عاتب المشيب على الصبا ... ...
لو قال: على حين أعاتب، ما كان يجوز أن يفتح (حين)، لأن أعاتب- زعم- معرب، وليس هذا بقول مرضى لقوله تعالى؛ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ إنما يبنى هذا وما شاكله؛ لأنه أضيف على ما ليس باسم في لفظه.
ومن ذلك قولك؛ " ما نفعني غير قيام زيد " رفع غير عند أصحابنا البصريين. فإذا قلت: " ما نفعني غير أن قام زيد "، فلك أن ترفعه على ما يستحقه من الإعراب، ولك أن
стр. 123
تبنيه وتفتحه؛ لأنك أضفته إلى (أن) وهي حرف. قال الشاعر:
لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت ... حمامة في غضون ذات أو قال
وزعم أهل الكوفة أنه يجوز نصبها في كل موضع تحسن فيه (إلا) سواء كان مضافا إلى اسم متمكن أو غير متمكن، فأجازوا: " ما جاءني غير زيد " و " ما غمني غير أن قمت "، ولم يفصلوا بينهما، ولم يجيزوا: " جاءني غير زيد " لأنه لا يقع موقعها (إلا).
قال أبو سعيد؛ واستشهدوا في جواز النصب في الاستثناء بالبيت الذي أنشدناه، فقال البصريون؛ لو قلنا: " ما قام
غير زيد " كان قد بقي " قام " بغير فاعل، ولا يجوز خلو الفعل من فاعل.
وإذا قلت: " ما غمني غير أن قمت " فهذا مبني موضعه رفع.
فإن قال قائل: فاجعلوا (غير) إذا كان مضافا إلى اسم في الاستثناء مبنيا وموضعه رفع.
قيل له: لا يجوز ذلك من قبل أن الإضافة إلى الاسم المحض لا توجب بناء الاسم المضاف. ولو أوجبت ذلك لفتحت (غير) في الاستثناء وغيره للإضافة التي فيها، وليس الاستثناء موجبا للبناء فتبينه بسبب الاستثناء. وقد رأينا لما ذكرنا من بناء المضاف إلى غير متمكن نظائر، وهي ما ذكرناه فحملناه عليه.
فإن قال قائل: اجعلوا (غير) في الاستثناء مبنيا، لأنه وقع موقع (إلا) و (إلا) حرف، والأسماء إذا وقعت موقع الحروف بنيت.
قيل له: لو جاز ذلك لجاز أن تقول: " زيد مثل عمرو " لأنا نقول: " زيد كعمرو " فتبنى " مثل " لوقوعه موقع الكاف، فلما بطل هذا بطل ما ادعاه هذا المدعي. فاعرفه إن شاء الله.
ومن ذلك ما ذكره بعض النحويين: " ما لقيته يوم يوم " وهذا نادر شاذ، وتفسيره أنه يجعل (يوم) الأول بمعنى: منذ، و (اليوم) الثاني معلوما قد حذف منه ما أضيف إليه، كأنه قال: " ما رأيته منذ يوم تعلم " وتبنيه كما بني: قبل وبعد، حين حذف ما أضيف إليه.
فإن قال قائل: فلم بني يوم الأول؟
قيل له: من قبل أنه حين جعلته بمعنى: مذ، ومذ إذا كان ما بعدها مرفوعا، كانت
стр. 124
فيهما على أحد تقديرين، هي فيهما جميعا في تقدير إضافة إلى شيء، وذلك أنك إذا قلت: " لم أره مذ يومان " أو " مذ شهران " أو نحو ذلك مما يكون جوابا لكم، فتقديره:
" لم أره وقتا ما "، ثم فسرت ذلك فقلت؛ أمد ذلك شهران، أو: مدة ذلك شهران، فقولك: " مذ شهران " جملة ثانية، هي تفسير للوقت المبهم في الجملة الأولى، فهذا أحد تقديري: " مذ " إذا رفعت ما بعدها.
والتقدير الآخر أن تقول: " ما رأيته مذ يوم الجمعة " فيكون تقديره: فقدت رؤيته وقتا أوله يوم الجمعة فمذ في هذين الوجهين بمنزلة اسم مضاف، إما على تقدير؛ أمد ذلك، أو: أول ذلك. فإذا حذفت المضاف إليه من (يوم) الذي هو في معناه في قولك:
" ما رأيته يوم يوم " بنيته على الضم كما فعلت بقبل، وبعد، وحين حذفت المضاف إليه ولا يجوز أن تقول: " ما رأيته شهر شهر " ولا: " دهر دهر " من قبل أن (يوم) اسم يستعمل للأوقات كلها ليلها ونهارها، والشهر اسم مؤقت
لشيء من الزمان والدهر لما كثر منه، وإن لم يكن مؤقتا.
والدليل على أن اليوم اسم يقع لكل جزء من الزمان ليل أو نهار قول الله جل ذكره:
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ (١) فهذا زجر عن الفرار في كل وقت من آناء الليل والنهار. ومن أبين ما يدل على هذا قول الشاعر:
يا حبذا العرصات يو ... ما في ليال مقمرات
أراد وقتا؛ فلما كان (يوم) يقع على كل شيء من الزمان كما يقع (مذ)، أقاموه مقامه، فاعرفه إن شاء الله.
ومن ذلك: لدن. وفيه ثماني لغات، وهي: لدن، ولدن، ولدن، ولدن، ولدا، ولد، ولد، ولد. ومعناها: عند، وهي مبنية مع دخول حرف الجر عليها.
فإن قال قائل: فهلا أعربت كما أعربت " عند "؟
فالجواب في ذلك: أن " عند " توسعوا فيها، وأوقعوها على ما بحضرتك، وما يبعد.
وإن كان أصلها للحاضر، فقالوا: " عندي مال " وإن كان بخراسان، وأنت بمدينة السّلام.
стр. 125
و " فلان عنده علم " وإن لم يعنوا به الحضرة. وقد كان حكم " عند " في البناء حكم " لدن " لولا ما لحقها من التصريف الذي ذكرناه، و " لدن " لا يتجاوز بها حضرة الشيء؛ فلذلك بني.
فأما من قال: لدن ولدن ولدا، فإنه يبنى آخره على السكون من جهة البناء.
وأما من قال: لد، فهو محذوف النون من: لدن.
فإن قال قائل: ولم زعمتم ذلك؟ وهلا كانت حرفا على حياله؟
فالجواب في ذلك أنها لو كانت حرفا على حياله، ولم تكن مخففة من " لدن " لكانت مبنية على السكون لا غير، لحكم البناء الذي ذكرناه. ومثل ذلك قولهم: رب، وربّ، مخففة ومشددة. ولو كانت المخففة كلمة على حيالها لكانت ساكنة لا غير؛ إذ كانت حرفا جاء لمعنى. ومثل ذلك: " منذ " و " مذ "، والأصل: منذ، و " مذ " مخففة منها. وعليها دليلان.
أحدهما: أن من العرب من يقول: " مذ ".
والثاني: أنّا نضم الذال لالتقاء الساكنين بالحركة التي كانت فيها مع النون في قولك:
منذ.
وأما من قال: لدن، ولدن، فكسر النون لالتقاء الساكنين.
وأما من سكن الدال، فإنه بنى باقي الكلمة بعد الحذف والتخفيف.
واعلم أن حكم " لدن " أن تخفض بها على الإضافة؛ لأن النون من أصل الكلمة بمنزلة الدال من " عند " كما قال الله : مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (١) غير أن من العرب من ينصب بها " غدوة " فيقول: " من لدن غدوة ".
قال الشاعر:
لدن غدوة حتى ألاذ بخفّها ... بقية منقوص من الظلّ قالص (٢)
وإنما يفعل ذلك، لأنه ينزع النون عنها، فيقول: " لد " ويدخلها فيقول: " لدن "، فشبهت بنون " عشرين " حين قالوا: " عشر وزيد " و " عشرون درهما "، إلا أن نون " عشرين "
стр. 126
زائدة، ونون " لدن " أصلية، فشبهت الأصلية بالزائدة حين ثبتت في حال وسقطت في حال، كما ثبتت الزائدة في حال وسقطت في حال.
وأما قول الشاعر:
من لد شولا فإلى إتلائها
فهذا فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون الشول مصدر: شالت بذنبها شولا. والناقة تشول بذنبها إذا لقحت. والإتلاء: أن تلد فيتلوها ولدها، ومعناه يتبعها. وقد أتلت فهي متلية، إذا تلاها ولدها؛ فيقول: مذ كانت في وقت شول ذنبها إلى وقت إتلائها، وحذف الوقت وجعل الشول ظرفا، كما تقول: " أتاني مقدم الحاج " و " خفوق النجم " وإنما تعني: في وقت مقدم الحاج، ووقت خفوق النجم. وصحة التقدير من طريق العربية: مذ لد وقت أن شالت شولا إلى وقت إتلائها؛ لأنه لا يصح أن تقول: مذ لد أن كانت الناقة في وقت شولها إلى وقت إتلائها؛ لأن ظروف الزمان لا تتضمن الجثث.
والقول الثاني: أن يكون الشول جمع شائل، وهي التي قل لبنها وليس من رفع الذنب. تقول: ناقة شائلة، ونوق شول، إذا قلت ألبانها. كما تقول: امرأة زائرة ونسوة زور. وناقة شائل إذا رفعت ذنبها ونوق شول.
قال أبو النجم:
كأن في أذنا بهن الشّول ... من عبس الصيف قرون الأيل
فيكون تقدير هذا: مذ لد وقت أن كانت النوق شولا إلى وقت إتلائها، أي إلى وقت أن ولدت وكثرت ألبانها.
والاختيار عند أصحابنا للأول، فاعرفه إن شاء الله.
قال سيبويه: " اعلم أنك إذا ثنيت الواحد لحقته زائدتان، الأولى منهما حرف المد واللين، وهو حرف الإعراب غير متحرك ولا منون، يكون في الرفع ألفا، ولم يكن واوا ليفصل بين التثنية والجمع الذي على حد التثنية، ويكون في الجرياء مفتوحا ما قبلها، ولم يكسر ليفصل بين التثنية والجمع الذي على حد التثنية، ويكون في النصب كذلك، ولم يجعلوا النصب ألفا ليكون مثله في الجمع، وكان مع ذا أن يكون
стр. 127
تابعا لما الجر منه أولى؛ لأن الجر للاسم لا يجاوزه، والرفع قد ينتقل إلى الفعل، فكان هذا أغلب وأقوى ".
قال أبو سعيد: اعلم أن العرب إذا ثنت اسما باسم زادوا على أحد الاسمين زيادة تدل على التثنية. وكان ذلك أخصر وأوجز من أن يذكروا الاسمين. فيعطفوا أحدهما على الآخر، كقولك: " زيد وزيد " و " رجل ورجل "، وجعلوا العلامة الدالة على ذلك حروفا؛ إذ كانت الحركات قد استوعبها الواحد، وجعلوا تلك الحروف هي الحروف المأخوذة منها الحركات؛ لأن حكم العلامات أن تكون بالحركات؛ إذ كانت أقل وأخف. فإذا كانت الحركات ممتنعة لما ذكرناه، فأولى العلامات الحروف التي تشبه الحركات، فإذا كانت والواو والألف، فكان حكم الواو أن تكون في تثنية المرفوع، وحكم الياء أن تكون في تثنية المجرور، وحكم الألف أن تكون في تثنية المنصوب. وكذلك الجمع الذي على حد التثنية، لما لم يمكن إبانته إلا بالحروف على حسب ما ذكرنا في التثنية، غير أنه لا بد من فصل بين التثنية والجمع، فلم يمكن الفصل بينهما بنفس الحروف؛ لأنها سواكن، فجعل الفصل بين التثنية والجمع بالحركات التي قبل الحروف. فكان ينبغي على الترتيب الذي رتبنا أن تكون تثنية المرفوع بواو مفتوح ما قبلها؛ كقولك: " مسلمون "، وتثنية المجرور:
" مسلمين " وتثنية المنصوب " مسلمين ".
وجمع المرفوع بواو مضموم ما قبلها كقولك: " مسلمون " وجمع المجرور بياء مكسور ما قبلها، كقولك: " مسلمين " وجمع المنصوب بالألف، والألف لا يمكن أن يكون ما قبلها إلا مفتوحا كقولك: " مسلمان ".
وإنما وجب أن يكون ما قبل هذه الحروف في التثنية مفتوحا، وفي الجمع على غير ذلك، من قبل أن حرف التثنية لما أضيف إلى الواحد- لعلامة التثنية- أشبه الهاء التي تضاف إلى الواحد لعلامة التأنيث، وهي تفتح ما قبلها، ففتح
ما قبل حرف التثنية لهذه المشابهة.
ووجه آخر، وهو: أن بعض علامات التثنية ألف لازمة لها مستعملة فيها، والألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، ففتحوا ما قبل غيرها من الحروف، لئلا يختلف؛ إذ ليس علة تضطر إلى المخالفة.
ووجه ثالث، وهو: أن التثنية أكثر في الكلام من الجمع السالم؛ لأنها على منهاج
стр. 128
واحد، والجمع يقع فيه مكسر وسالم، والمكسر لا علامة فيه من هذه العلامات، نحو:
" ثياب " و " مساجد " و " أفلس " و " أكلب "، فلما كانت التثنية أكثر اختاروا لها حركة خفيفة.
ووجه رابع، وهو: أنهم لما احتاجوا إلى تحريك ما قبل حرف التثنية لسكونه حركوه بأخف الحركات إذ كان ذلك يوصلهم إلى ذلك ولم يتكلفوا أثقل منها لاستغنائهم عنه، ثم غيروا في الجمع الحركات التي قبل هذه الحروف، لئلا يقع لبس، غير أنهم لما فعلوا ذلك وقع الفرق بين التثنية والجمع في المرفوع والمجرور؛ لأن ما قبل الياء والواو في التثنية مفتوح، وفي الجمع على غير ذلك، وما قبل الألف في التثنية والجمع مفتوح فالتبس تثنية المنصوب بجمعه، فأسقطوا علامة النصب لما ذكرنا من اللبس، فبقي النصب بلا علامة، فلم يكن بد من إلحاقه بأحدهما، إما بالرفع وإما بالجر.
وكان إلحاقه بالجر أولى من أربعة أوجه:
أولها: أن الجر يختص به الاسم، ولا يكون إلا فيه والرفع يكون فيه وفي الفعل، وما لزم شيئا واحدا واختص به فهو أقوى فيه، فلما قوي الجر في الاسم للزومه له، كان إلحاق النصب به أولى في المعنى الذي لا يكون إلا في الاسم وهو التثنية.
والوجه الثاني: أن المنصوب والمجرور يستويان في الكتابة، ويخالفهما المرفوع، وذلك قولك: " هذا غلامك " و " ضربتك "، فالكاف في: " غلامك " موضعها جر، وفي:
" ضربتك " موضعها نصب، وصيغتهما واحدة.
والوجه الثالث: أن المنصوب والمخفوض جميعا مشتركان في وصول الفعل إليهما ووقوعه عليهما، غير أن وقوعه على المنصوب بلا واسطة، وعلى المجرور بواسطة، وذلك قولك: " تعلقتك " و " تعلقت بك " و " نصحتك " و " نصحت لك " و " جئتك " و " جئت إليك "، فالفعل يكون مرة واصلا بحرف ومرة بغير حرف، والمعنى واحد، فلما اشتركا في معنى الكلام دون المرفوع، اشتركا في اللفظ دونه.
والوجه الرابع: وهو أنا لما احتجنا إلى إلحاق المنصوب بالمرفوع أو المجرور لزوال حروفه على ما تقدم من بيان
ذلك، وكانت الياء التي هي علامة المجرور أخف من الواو التي هي علامة المرفوع، كان إلحاقه بالأخف أولى إذ لا علة تضطر إلى الإلحاق بالأثقل، فتبقى علامة التثنية " مسلمون " للمرفوع بفتحة الميم، و " مسلمون " في الجمع المرفوع بضمة الميم، و " مسلمين " و " مسلمين " المجرور والمنصوب. فأزالوا الواو من التثنية، وجعلوا
стр. 129
مكانها ألفا، فصارت تثنية المرفوع بالألف. وإنما فعلوا ذلك لعلل منها: أنهم كرهوا أن يستعملوا حرفين من حروف المد واللين، ويطرحوا الثالث، وقد كانت الحركات المأخوذات منهن مستعملات في الواحد، واستعملوا الألف في التثنية دون الجمع، لأن ما قبل حرف التثنية مفتوح مشاكل للألف واستعملوه في المرفوع دون المجرور لثلاث علل.
إحداها: أن المجرور قد الحقوا به المنصوب فلو استعملوها فيه للحق به المنصوب وكان يعود المنصوب بالألف وقد أزيلت علامته بالألف لما وصفنا.
والعلة الثانية: أن المجرور ألزم في الاسم من المرفوع وأخص به وكان تغيير ما ليس بلازم أولى من تغيير اللازم.
والعلة الثالثة: وهي أنهم لما احتاجوا إلى إبدال الياء: أو إبدال الواو وبالألف وإزالة إحداهما كانت إزالة الواو وإبدالها أولى لأنها أثقل.
ومما أوجب أن تستعمل الألف أن تثنية المرفوع إذا استعملت بالواو فقيل:
مسلمون يشبه ما جمع من المقصور جمع السلامة نحو مصطفون ومعلون، وأشباه ذلك.
فإن قيل فأنتم إذا قلتم مسلمين، فهو يشبه معلين ومصطفين.
قيل له إذا وقع الفرق في وجه من التثنية، كان الفرق الواقع فيها دلالة على ما لم يفترق في اللفظ وما قل في اللبس كان أولى مما كثر واتسع، فإذا أبدلنا الألف من الواو في التثنية لئلا يشبه مصطفون وتركنا الياء في التثنية، وإن أشبهت في اللفظ " مصطفين " فقد فرقنا في المرفوع بين التثنية والجمع الذي على حدها وإن لم يفعل ذلك وقع اللبس بين المرفوع والمجرور جميعا.
فإن قال قائل: فهلا استعملوا النصب بالألف في التثنية أو الجمع، وأسقطوه في الآخر لأن اللبس إنما يقع باستعماله فيهما.
قيل له: لما كان جمع السلامة كالتثنية في تسليم لفظ الواحد وزيادة ما يدل على التثنية والجمع وقد وجب ما ذكرناه من إسقاط النصب من أحدهما، كرهوا استعماله في الآخر، لئلا يختلف طريقهما، وهذا مثله كثير في
العربية، منها أنهم قالوا: " يعد ويزن " والأصل يوعد ويوزن لأن فاء الفعل واو فحذفوها لوقوعها بين ياء وكسرة في يوعد ويوزن ثم اتبعوا الحذف بسائر الأفعال المضارعة فقالوا تزن وتعد وإن لم تقع الواو بين ياء وكسرة حتى لا تختلف الأفعال المضارعة إذا كانت طريقتها واحدة.
стр. 130
فإن قال قائل: فهلا جعلوا الألف للنصب في التثنية والواو له في الجمع وأسقطوا الرفع وألحقوه بالجر؟
قيل له: إن الرفع له المرتبة الأولى فلا بد له من علامة تسبق إليه على النحو الذي تكون فيه حركته وتلك العلامة الواو، وقد أمكن فيها الفصل على ما وصفنا فلم تكن بنا حاجة إلى إسقاطه وإلحاقه بغيره.
واعلم أن الألف والياء في التثنية والواو والياء في الجمع عند جمهور مفسري كتاب سيبويه هن حروف الإعراب بمنزلة الدال من زيد والراء من جعفر والألف من قفا وعصا.
واحتجوا في ذلك بحجج، منها: أنهم قالوا: حكم الإعراب أن يدخل الكلمة بعد دلالتها على معناها؛ لاختلاف أحوالها في فعلها، ووقوع الفعل بها، وغير ذلك من المعاني ومعنى ذاتها واحد، ألا ترى أنك تقول: " مررت بالرجل " و " رأيت الرجل "، و " هذا الرجل "، فمعنى " الرجل " واحد في هذه الأحوال، واختلف إعرابه لاختلاف ما يقع منه وبه، فلما كان الواحد دالا على مفرد وبزيادة حرف التثنية دل على اثنين، كان حرف التثنية من تمام صيغة الكلمة للمعنى الذي وضعت له فصارت الألف بمنزلة الهاء في " قائمة "، والألف في " حبلى "، لأن الهاء والألف زيدتا لمعنى التأنيث، كما زيد حرف التثنية لمعنى التثنية: قالوا: فإن قال قائل: إذا كانت هذه الحروف هي حروف الإعراب، كالألف في " حبلى " والنصب والهاء في " قائمة " وغير ذلك من الحروف التي هي أواخر الكلمة، فينبغي أن لا يتغيرن في حال الرفع والجر، لأن حروف الإعراب لا تتغير ذواتها في هذه الأحوال.
فالجواب في ذلك أن التثنية والجمع خاصة ينفردان بها، فاستحقا من أجلها التغيير وهي أن كل اسم معتل لا تدخله الحركات فله نظير من الصحيح تدخله الحركات نحو قفا وعصا وحبلى وسكرى، نظير قفا وعصا جبل وجمل، ونظير ألف التأنيث في حبلى وسكرى حمراء وفقهاء. لأن هذه الهمزة في حمراء وفقهاء هي ألف التأنيث، والتثنية وجمع السلامة لا نظير لواحد منهما إلا تثنية أو جمع فامتنع التثنية والجمع من نظير يدل إعرابه على مثل إعرابهما، كدلالة جمل وجبل وحمراء وفقهاء، على إعراب أمثالهن من المعتل فعوض التثنية والجمع من فقد النظير الدال على مثل إعرابهما تغيير الحروف فيهما.
стр. 131
ومما يدل على أن تغيير الحروف لا يدل على إعراب، أنا قد رأينا أسماء مبنية وقد تتغير صورها في حال النصب
والجر والرفع، وهي الكنايات المنفصلة والمتصلة؛ تقول في المنفصلة أنا وأنت في حال الرفع وإياك وإياي في حال النصب، وتقول في المتصلة " هذا غلامك " فتكون الكاف في موضع الخفض، وهي اسم المخاطب، و " رأيتك " فتكون في موضع نصب وتقول " قمت " وذهبت فتكون التاء في موضع الرفع وقد تغيرت صورة هذه الحروف في حال الرفع والنصب والجر، وهي مبنية مع ذلك فغير مستنكر أن تتغير حروف التثنية والجمع، وإن لم يكن تغيرها إعرابا.
فإن قال قائل: أخبرونا عن هذه الحروف هل فيهن حركة في النية وإن لم ينطق بها، استثقالا كما تكون في قفا وعصا حركة منوية فإن في هذا جوابين؛ أحدهما: أن فيه حركة مقدرة وإن لم ينطق بها استثقالا، كما تكون في قفا وعصا حركة منوية من قبل أن هذه الحروف لما دلت على تمام معنى الكلمة في ذاتها، وأشبههن ألف حبلى وقفا وعصا جرين مجراهن في نية الحركة فيهن إذ لا موجب للبناء.
والجواب الآخر أن لا حركة منوية فيه من قبل أن الحركات وضعن في أصولهن لدلالة على اختلاف أحوال ما دخلن عليه، ولا سبيل إلى إدخالهن في المثنى والمجموع، ولا في نظير لهما يبين اختلافهما في النظير لهما عن اختلافهما ويدل عليه كما أنبأت الحركة في حبل وجمل عن حركة قفا وعصا.
ومما احتج به الذاهبون إلى هذا الذين يقولون: إن الألف والياء في التثنية ليستا بإعراب من قول سيبويه أن قالوا: رأينا الإعراب المجمع عليه يجوز سقوطه من الشيء المعرب حتى لا يكون فيه، نحو الحركات في " زيد " والرجل وما أشبه ذلك، إذا وقفت عليه وكنحو النون في تثنية الفعل وجمعه وتأنيثه كقولك: " تفعلان " و " تفعلون " إعراب وهي علامة الرفع ثم تسقط في النصب والجزم فتقول " لم يفعلا " " ولن يفعلا ".
واحتجوا أيضا فقالوا: ليس يخلو القول في هذه الحروف من أن تكون بمنزلة الدال من زيد، والألف من عصا، كما قلنا، أو تكون بمنزلة الضمة في الدال من زيد، والفتحة والكسرة، كما قال قطرب ومن تابعه أو تكون دليلا على الضمة والكسرة والفتحة كما قال الأخفش ومن تابعه قالوا: ففاسد أن تكون هذه الحروف بمنزلة الحركات من قبل أن ارتفاع الحركات من الاسم حتى يبقى متعريا منها غير مخل بمعناه
стр. 132
وارتفاع الحروف من التثنية والجمع مبطل لمعناهما وفاسد أن تكون هذه الحروف دليل الإعراب من وجهين أحدهما أن الدليل إنما يدل على معنى في شيء، فإذا قلنا: الزيدان أو الرجلان أو رجلان فليس تخلو هذه الألف أن تكون دالة على حركة فيها أو حركة في غيرها فغير جائز أن تكون دالة على حركة في غيرها، لأنه لا شيء في الكلمة سواها يمكن تقدير الإعراب فيه. وإن كانت تدل على حركة فيها فهي الضمة، فينبغي أن يكون التغيير إذا وقع
دل على حركة أخرى في الألف ولا تتغير الألف لأن الألف الدالة إنما دلت على حركة فيها كما تكون ألف عصا في حال واحدة في حال الرفع والنصب والجر وتقدير الإعراب مختلف فيها، فيكون الدليل دالا على اختلاف الحركات في موضع واحد.
فإن عارض معارض في هذه الوجه فقال: الألف تدل على إعراب فيها والياء تدل على إعراب أيضا فيها سوى الإعراب الأول.
قيل له: فإذا كانت صورتا الألف والياء قد اختلفا وليس في غيرهما شيئان يدلان على اختلافهما باختلاف صورتيهما فلم لا يكونان إعرابين في أنفسهما وما الحاجة الداعية إلى أن تجعلهما دليلين على شيء في أنفسهما وهما قد أغنيا عنه بصوريهما.
والوجه الثاني: أن الإعراب دال على المعنى فإذا جعلنا هذه الحروف دليلة على الإعراب، والإعراب دال على المعنى، فهذه الحروف غير دالة على معنى الكلمة، وإنما الدال على معناها ما ليس في الكلام، وبعيد أن يجعل معنى الكلمة معلوما من غير لفظ الكلمة مع إمكان الاستدلال بلفظها على معناها.
قالوا: فإن قال قائل فإذا زعمتم أن هذه الحروف بمنزلة الدال في زيد والألف في عصا، وأنه لا إعراب فيها فلم سماها سيبويه حروف الإعراب؟
فالجواب في ذلك أن حروف الإعراب هي أواخر الكلم دخلها الإعراب أو لم يدخلها؛ لأنها في الموضع الذي يحل فيه الإعراب إذا وجد، ونظير هذا قول النحويين:
الحروف الزوائد عشرة ويجمعها: " اليوم تنساه "، وهذه الحروف قد تكون زائدة وأصلية؛ ألا ترى أن الألف في " أكل " أصلية، واللام في " لمح " كذلك، وسائر هذه الحروف العشرة تكون أصولا ثم سموها زوائد إذ كانت الحروف الزوائد لا تخرج عنها، فاعرفه إن شاء الله.
وذكر قوم مذهب سيبويه أن الألف والياء في التثنية، والواو والياء في الجمع، هن
стр. 133
إعراب بمنزلة الضمة والكسرة والفتحة في دال " زيد ".
فاحتج عليهم الآخرون فقالوا هذه الحروف إذا حذفت بطل معنى التثنية، والإعراب إنما يدخل الكلمة بعد تمام معناها.
فقال لهم أهل هذه المقالة: قد يجوز أن يكون الحرف من الكلمة نفسها ويكون أيضا إعرابا، وذلك أنا لا نختلف أن الأفعال التي في أواخرها الياء والواو والألف جزمها بسقوط هذه الحروف منها، كقولك: " لم يقض " و " لم يغز "
و" لم يخش "، فإذا جاز أن يكون الإعراب بحذف شيء من الكلمة نفسها جاز أن يكون بإثباته.
وقال أهل المقالة الثانية: ويدل على صحة ما قلت قول سيبويه: اعلم أنك إذا ثنيت الواحد لحقته زائدتان الأولى منهما حرف المد واللين، وهو حرف الإعراب غير متحرك ولا منون يكون في الرفع ألفا، والرفع لا يكون إلا إعرابا، وقد جعله سيبويه رفعا فصح أنه إعراب.
فإن قال قائل: فإن سيبويه قد سمى الضمة رفعا في نداء المفرد كقولك: " يا زيد " وليست بإعراب.
فإن الجواب في ذلك: أنه إنما سماها رفعا من حيث كانت ضمة لتشابه الصورتين ضمة الرفع وضمة البناء، والألف لا تكون علامة للرفع فيسمى ألف الاثنين رفعا لمشابهتهما، فصح أن نفس الألف هي الرفع.
قالوا: وقول سيبويه: " وهو حرف الإعراب " هو أيضا دليل على ما قلنا؛ لأن معناه الحرف الذي به أعرب الاسم، كما تقول: " الرجل " فضمة الإعراب التي على اللام دون الضمة الأخرى، وهي الإعراب، كذلك حرف الإعراب هو الحرف الذي أعرب به الاسم.
ثم نعود إلى تفسير الفصل من كلام سيبويه حرفا حرفا، وإن كنا قد أتينا على تفسير قوله " أعلم أنك إذا ثنيت الواحد لحقته زائدتان " يعني لحقته ألف ونون أو ياء ونون؛ وإنما أنث " زائدتان "، لأن حروف المعجم تؤنث وتذكر، والتأنيث أغلب فيها.
وقوله: " الأولى منهما حرف المد واللين وهو حرف الإعراب " يعني الأولى ألف أو ياء فأيهما كان فهو حرف المد واللين، وهو حرف الإعراب، يعني حرف المد واللين الذي ذكر هو حرف الإعراب. وقد ذكرنا فيه قولين أحدهما أنه بمنزلة الدال من زيد
стр. 134
والآخر أنه بمنزلة حركة الدال.
وقوله: " غير متحرك ولا منون " يعني أن حرف الإعراب الذي ذكره غير متحرك، لأنه ألف والألف لا تكون متحركة. أو ياء سبيلها سبيل الألف في علامة التثنية. ومعنى:
" ولا منون " يعني أن حرف الإعراب لا يدخل عليه التنوين كما يدخل على ألف قفا وعصا من قبل أن النون قد جعلت بمنزلة التنوين.
وقوله: " يكون في الرفع ألفا " يعني حرف الإعراب الذي ذكره وقد وصفنا أن منهم من يقول إنها هي الإعراب، ومنهم من يقول إنها بمنزلة الدال فيتأول قول سيبويه:
" يكون في الرفع ألفا " أي في الموقع الذي يقع فيه المرفوع وإن لم يكن هو مرفوعا، كما يقول ضمير المنصوب
المنفصل إياك وإياه، وضمير المرفوع هو وهي، وفي التثنية هما، وفي الجمع هم وهن، وليس شيء من هذا بمرفوع ولا منصوب ولكن ما يقع موقعه من الأسماء المعربة يكون مرفوعا ومنصوبا.
وقوله: " ولم يكن واوا ليفصل بين الاثنين والجمع الذي على حد التثنية " يعني ولم يكن حرف الإعراب في تثنية المرفوع واوا، وحكمه أن يكون واوا، لأن الضمة مأخوذة من الواو ليفصل بين التثنية إذا ثنيت مسلما على مسلمون بفتح ما قبل الواو وبين الجموع المعتل في حال الرفع، تقول مصطفون جمع مصطفى، وقد مر هذا.
وقوله: " ويكون في الجر ياء مفتوحا ما قبلها " يعني حرف الإعراب.
وقوله: " ولم يكسر ليفصل بين التثنية والجمع " لأنك لو كسرت فقلت في التثنية " مسلمين " بكسر ما قبل الياء وفي الجمع " مسلمين " لالتبس التثنية بالجمع.
وقوله: " الذي على حد التثنية " يعني الجمع السالم لأن الجمع على ضربين سالم ومكسر؛ فالسالم ما سلم فيه لفظ واحده وزيد عليه واو ونون أو ياء ونون كقولك:
" مسلم ومسلمون ومسلمين " والمكسر ما تغير فيه لفظ واحده كقولك " غلام وغلمان " و " درهم ودراهم " والتثنية لا تكون إلا على وجه واحد، وهو أن يسلم لفظ واحدها وتزاد عليه علامة التثنية فإنما قال: " الجمع الذي على حد التثنية " أي الذي يسلم لفظ واحده " ويكون في النصب كذلك " يعني ويكون حرف الإعراب في النصب كالجر الذي تقدم ذكره.
وقوله: " ولم يجعلوا النصب ألفا ليكون مثله في الجمع " يعني لو جعلوا النصب
стр. 135
بالألف في التثنية؛ لأن الألف مأخوذ منها الفتحة، للزمهم أن يجعلوا النصب بالألف في الجمع فكانت تلتبس التثنية بالجمع، وقد مر نحو هذا.
فإن سأل سائل فقال: ما معنى دخول اللام في: " ليكون " وأي لام هي؟ وما تقدير الكلمة؟
فإن الجواب في ذلك أن معناه تركوا جعل النصب بالألف لئلا يكون مثله في الجمع، كأن تركهم جعل النصب بالألف في التثنية أن تلزمهم جعله بالألف في الجمع كقوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا (١) ومعناه كراهة أن تضلوا وبعضهم يقول: لئلا تضلوا وكذلك لم يجعلوا النصب ألفا لكراهة أن يكون مثله في الجمع، وإن شئت: لئلا يكون مثله في الجمع. وظاهر أن تركهم الألف في تثنية المنصوب علة أن يكون مثله في الجمع، وليس كذلك؛ لأنهم ما تركوه في التثنية ليثبتوه في الجمع كما أن الله تعالى ما بين لهم ليضلوا. وهذه اللام هي لام المفعول له، وتكون داخلة على علة وقوع الفعل والسبب الفعل فكان هذا أغلب وأقوى " يعني إتباع النصب بالجر أولى؛ لأن الجر لا
يكون إلا في الاسم والرفع قد يكون في الاسم والفعل وقد أحكمنا هذا فيما مضى.
قال أبو الحسن الأخفش بعد الفصل الذي أمللناه من كلام سيبويه ولم يتبع الجر الرفع. لأنه أول ما يدخل الاسم، فقد ثبت الرفع قبل الجر وقد مر تفسير هذا.
وقال سيبويه: " وتكون الزائدة الثانية نونا كأنها عوض لما منع من الحركة والتنوين وهي النون وحركتها الكسر، وذلك قولك الرجلان ورأيت الرجلين ومررت بالرجلين ".
قال أبو سعيد: إن سأل سائل فقال ما الدليل على أن النون عوض من الحركة والتنوين؟
قيل له: الدليل على ذلك أنا رأينا الاسم المنفرد فيه حركة، وتنوين بحق التمكن والاسمية، فلما ضم إليه غيره وثني معه، زيد عليه حرف لمعنى التثنية، فامتنع ما قبل حرف التثنية من الإعراب والتنوين وألزم حركة واحدة، ولم تزل التثنية عنه ما كان له من الاسمية والتمكن، فعوض النون من الحركة والتنوين؛ لأن المعنى الذي أوجبها لم تزله التثنية.
стр. 136
فإن قال قائل: فلم يجعل النون عوضا؟
قيل له: قد كان ينبغي في القياس أن يكون ذلك العوض أحد حروف المد واللين والألف أو الياء أو الواو، غير أنهم لو جعلوا ذلك ألفا أو ياء أو واوا للزمهم قلبها أو تغيير ما قبلها أو حذفه، لأن علامة التثنية في الرفع ألف فلو وقعت الألف بعدها أو الياء أو الواو، انقلبت همزة وكذا حكمه في التصريف ألا تراهم قالوا: " أحمر وحمراء " الهمزة في " حمراء " منقلبة من ألف التأنيث وقالوا " سقاء " و " عطاء " والأصل " سقاي " و " عطاي ". وفي حال النصب والجر لو جعل العوض ألفا تحركت الياء التي هي علامة التثنية وانفتحت؛ لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا. ولو جعلت واوا أو ياء في حال النصب والجر، قلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء الأولى فتنكبوا هذه الحروف لهذا التغيير الذي ذكرنا.
فلم يكن بعد هذه الحروف حروف أشبه بها ولا أقرب منها من النون، لأنها قد تكون إعرابا في الرفع إذا قلت: " يضربان " وتزاد مع الإعراب علامة للتمكن في قولك:
" زيد " و " فرس " وغير ذلك من مواضعها.
وكسروا هذه النون لالتقاء الساكنين.
فإن قال قائل فإذا زعمتم أن النون عوض من الحركة والتنوين فلم تثبت مع الألف واللام ولا تنوين معهما؟ فإذا جاز أن يوجد في موضع ليس فيه تنوين فكيف صار عوضا من التنوين ولا تنوين؟
فإن في ذلك جوابين كلاهما مقنع، أحدهما: أن النون دخلت قبل دخول الألف واللام عوضا من الحركة والتنوين ثم دخلت الألف واللام للتعريف والدليل على ذلك أن ما فيه الألف واللام لا تجوز تثنيته لأنه معرفة بالألف واللام معين مقصود إليه، فإذا ثنيناه زال التعين وصار من أمة كل واحد منهم له مثل اسمه، ألا ترى أنه لو قيل: ثن زيدا وبقي فيه التعريف لقلت الزيدان، وذلك أنك قصدت إلى " زيد " الذي هو معرفة بالتسمية، فلما ثنيته قلت: " زيدان " فزالت التسمية والتلقيب الذي كان من أجله معرفة؛ لأنهما لم يسميا معرفة في موضع تلقيبهما وتسميتهما بالزيدين مثنى، ثم أدخلت الألف واللام عليهما فتعرفا بها لا بالتسمية والتلقيب؛ فصح بما ذكرنا أن النون حين أدخلوها دخلت عوضا من الحركة والتنوين، ثم لم تزلها الألف واللام، كما أزالت التنوين؛ لأن التنوين ساكن ساقط في
стр. 137
الوقف والنون متحركة ثابتة في الوقف وسلم قولنا من المناقضة والدخل؛ لأنا نقول إن النون تدخل عوضا من الحركة والتنوين فلم تدخل إلا كذلك.
والوجه الثاني من الوجهين أن النون لما دخلت عوضا من الحركة والتنوين، ثم رأيناها تسقط في المضاف مع ثبوت أحد بدليها وهي الحركة إذا قلت: " هذان غلاما زيد " فكان المضاف في سقوط النون عنه بمنزلة ما ليس فيه حركة؛ إذ قد سقطت عنه النون التي هي عوض من الحركة والتنوين، فجعلوا الحركة التي في المضاف ولم يعوض منها شيء مع الحركة التي في الألف واللام بمنزلة حركتين فعوضوا منها النون، وجعلوا سقوط النون في المضاف مع ثبوت أحد بدليها، كثبوت النون في الألف واللام مع سقوط أحد بدليها للاعتدال.
فإن قال قائل: فهلا أثبتوها مع المضاف وأسقطوها مع الألف واللام؟
فإن في ذلك ثلاثة أجوبة أحدها: أن المضاف إليه محله محل التنوين وجعلت الألف واللام في أول الكلام فكان حذف النون وإحلال المضاف إليه محلها أحسن وأجود.
والوجه الثاني أن المضاف إليه مع المضاف كالشيء الواحد، والنون والتنوين يفصلان الكلمة عما بعدها، والألف واللام تفصل الكلمة أيضا عما بعدها كفصل النون والتنوين، فكان زيادة النون مع الألف واللام تأكيدا لمعناها، ومع الإضافة نقصا لفحواها.
والوجه الثالث أن الألف التي هي مثل علامة التثنية قد تلحق الواحد مع الألف واللام في القوافي، وفي أواخر الآي
كقول الله تعالى: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (١) وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (٢) قال الشاعر:
أقلّى اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت لقد أصابا (٣)
فلو أسقط النون مع الألف واللام لجاز أن يظن في حال أنه واحد.
فإن قال قائل: فلم تدخل النون ما لا ينصرف إذا ثنيته كقولك: " أحمر وأحمران " ولا تنوين في الواحد؟
فإن الجواب في ذلك أن ما لا ينصرف من الأسماء أصله الصرف وإنما دخلته علة
стр. 138
أشبه بها الفعل، والتثنية تزيل عنه تلك العلة، فيعود إلى مثل حكم سائر الأسماء.
فإن قال: فلم دخل المبهمات النون إذا ثنيت، كقولك: " هذا " و " هذان " و " الذي " و " اللذان " ولا حركة ولا تنوين في شيء من ذلك.
فإن الجواب في ذلك من وجهين؛ أحدهما: أن هذه الأسماء المبهمة متى ثنيت فدخل عليها حرف التثنية سقط بدخوله آخر حرف فيها لالتقاء الساكنين كقولك في ثنية " ذا ":
" ذان " و " ذين " في حال النصب والجر، و " اللذين " و " اللذان " في ثنية " الذي " فلما سقط في التثنية ما ذكرنا جعلوا النون عوضا من الساقط، ومن العرب من يشدد النون المدخلة على المبهمات فيجعل تشديدها فرقا بين النون الداخلة عوضا من الحركة والتنوين، وبين النون الداخلة عوضا من حرف ساقط وبذلك قرأ ابن كثير إِنْ هذانِ لَساحِرانِ (١) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ (٢) إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى (٣).
وقال بعض النحويين إن تشديد النون في هذا فرق بين ما يضاف من المثنى فتسقط النون للإضافة كقولك: " غلاما زيد " وبين ما لا يضاف كنحو ما ذكرنا من المبهمات.
والوجه الثاني من الجوابين الأولين أن هذه المبهمات، كما جعلت في تغيير حرف التثنية منها كالأسماء الصحيحة المعربة، جعلت في إلحاق النون بمنزلتها، ولأن البناء إنما يلحق الواحد والجمع، ومنها جمع التثنية غير مختلف، فزال بالتثنية الفرق الذي كان يوجب البناء في الواحد؛ لاشتراك الجمع في علامة التثنية.
وكسرت نون الاثنين لعلتين إحداهما التقاء الساكنين وهما الألف أو الياء في قولك " مسلمان ومسلمين " والنون.
وحكم التقاء الساكنين أن يحذف الأول منهما إن كان حرفا من حروف المد واللين كقولك: " هذان غلاما القاسم " و " هؤلاء بنو القاسم " و " مررت بقاضي البلد "، أو بكسر الأول إن لم يكن حرفا من حروف المد واللين كقولك قامت المرأة و " مررت بعبدي الله " غير أنهم في التثنية لم يحذفوا الأول وهو حرف من حروف اللين وكسروا الثاني.
فأما ترك حذفهم الأول؛ فلأنه علامة التثنية والنون لازمة لها أو ما يقوم مقامها من
стр. 139
الإضافة، فلو حذفوه بطل علامة التثنية، فلم يتبين المثنى من غيره.
فإن قال قائل: فأنتم إذا قلتم " غلاما القاسم " فقد سقط علامة التثنية في اللفظ، وإن كانت تراد؛ فإن الفصل بينهما واضح بين وذلك أن " غلاما القاسم " غير واجب إضافته إلى ما فيه الألف واللام دون غيره؛ لأنك تقول: " غلاما زيد " كما تقول:
" غلاما القاسم " والذي يسقط الألف فيما يثني عارض غير لازم، فهي وإن سقطت في قولك: " غلاما القاسم " فهي ثابتة في قولك: " غلاما زيد وعمرو "، وما لا يحصى من الأسماء كثرة، فلم نحفل بسقوطها لالتقاء الساكنين إذا كان الساكن الثاني من كلمة أخرى، كما لم نحفل بتحريك اللام في قولك " لم يقل القاسم " في رد الواو التي كانت سقطت لالتقاء الساكنين، وليس نون الاثنين كذلك؛ لأنها من نفس الحرف والفصل بين ما كان من الحرف نفسه، وبين ما عرض له من غيره بين واضح في أشياء كثيرة من العربية، سنقف عليها في مواضعها إن شاء الله ولم يكسروا الأول لالتقاء الساكنين على ما ينبغي كسره؛ لأن الألف لا سبيل إلى تحريكها وحكم الياء حكم الألف.
فإن قال قائل: ولم وجب الكسر لالتقاء الساكنين دون غيره من الحركات؟
فإن في ذلك جوابين، أحدهما: أن الضم والفتح قد يكونان إعرابا ولا تنوين معهما، وذلك قولك فيما لا ينصرف: " جاءني عمر " و " رأيت عمر " ولا يكون الكسر إعرابا إلا والتنوين مقترن به، أو ما يقوم مقامه من الألف واللام والإضافة، كقولك: مررت برجل وغلام وبالرجل والغلام وبرجلكم وغلامكم، فلما اضطروا إلى التحريك لالتقاء الساكنين، أتوا بحركة لا يتوهم أنها حركة إعراب إذ لا تنوين معها وهي الكسرة.
والجواب الثاني: أن الكسر يشاكل الجزم لأن الكسر لفظه لفظ الجر، وتشاكلهما أن الجر يختص بالأسماء ولا يتعداها إلى غيرها، والجزم يختص بالأفعال ولا يتعداها على غيرها فلما اضطررنا إلى تحريك الساكن الذي هو في لفظ الجزم، حركناه بحركة نظيره الذي هو الجر، وكذلك نفعل في القوافي إذا كانت مجرورة ووقع في آخرها حرف مجزوم أو ساكن غير مجزوم.
فأما المجزوم فمثل قول زهير:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلّم ... بحومانة الدّراج فالمتثلم (١)
стр. 140
وأما كسر الحرف الساكن، فقول النابغة:
أزف التّرحّل غير أن ركابنا ... لم تزل برحالها وكأن قد (١)
والآخر من وجهي كسر النون، هو الفصل بين حركة النون الداخلة على المثنى وحركة النون الداخلة على الجمع؛ وذلك أنهم لما فصلوا بين الحروف الداخلة على التثنية والجمع باختلاف حركات ما قبلها واختلافها في أنفسها؛ كقولك في التثنية مسلمين وفي الجمع مسلمين فصلوا بين النونين أيضا، فكسروا نون الاثنين، وفتحوا نون الجمع.
فإن قيل: فإذا كان الأمر على ما وصفت، فلم وجب أن يكون الكسر لنون الاثنين والفتح لنون الجمع دون أن يكون الأمر على الضد من هذا؟
قيل له: لما كانت حركة النون فتحة أو كسرة، وكانت الكسرة أثقل من الفتحة والجمع أثقل من التثنية، جعلوا الأثقل للأخف، والأخف للأثقل؛ حتى يعتدلا، ولا يجتمع عليهم في شيء واحد أثقال مترادفة.
ووجه ثان: وهو أن الجمع يقع فيه واو مضموم ما قبلها وياء مكسور ما قبلها علامة له، فلو كسرت النون فيه لخرجوا في حال الرفع من واو مضموم ما قبلها إلى كسرة، وليس في كلامهم الخروج من ضمة إلى كسرة إلا فيما لم يسم فاعله من الأفعال، كقولك: " ضرب وشتم " وهذا مستثقل قليل منفرد به هذا البناء، ولخرجوا في حال النصب والجر من ياء مكسور ما قبلها إلى كسرة، فكان يتوالى عليهم ما يستثقلون، فكانت الفتحة أخف عليهم في البناء الأثقل لما وصفنا، ولم يضموا النون لأن الضمة أثقل الحركات، وقد استغنوا عنها بالحركتين الأخريين.
فإن قال قائل: قد ذكرت أن حروف التثنية لا تدخلها الحركة وأنت تقول:
" رأيت عبدي الله " و " مررت بعبدي الله " وتقول في الجمع أيضا: " هؤلاء مصطفو " القوم " وبعضهم يقول " مصطفو القوم " ومررت " بمصطفي القوم " فحركت هذه الحروف بالضم والكسرة مع القول الذي قدمته. فإن الجواب في ذلك أن هذه الحركات هي عارضة، وقد قلنا إن ما أوجبه من التحريك ساكن من كلمة أخرى غير معتد به في حكم تغير الحرف، كقولك: " لم يقل القاسم " والواو والياء إذا انفتح ما قبلهما خف ضمهما وكسرها فلذلك
стр. 141
جاز الضم والكسر فيما ذكرنا وأيضا فلو حذفت هذه الحروف لالتقاء الساكنين لزالت علامة التثنية في وجوه إضافتها إلى ما فيه الألف واللام أو ألف وصل.
فإن قال قائل: فأنت تقول: " هذان غلاما القاسم " و " هؤلاء بنو القاسم " " ومررت ببني القاسم " فتحذف هذه الحروف وتزول علامة التثنية والجمع.
قيل إن سقوط هذه الحروف في هذه المواضع قد يدل عليها ما يثبت في مثلها إذا كان ما قبلها مفتوحا، كما ذكرنا، فيكون الثابت منها دليلا على الساقط، فلو سقط الجميع ما كان على شيء منها دليل، فأسقطوا ما استثقلوا فيه الضم والكسر، وهو الياء المكسور ما قبلها والواو المضموم ما قبلها وأثبتوا الباقي.
وزعم الفراء أن النون إنما كسرت لأن الألف في نية الحركة في التثنية، وفتحت في الجميع؛ لأن الياء والواو ليستا في نية الحركة. وزعم أن ما كان في نية الحركة أو متحركا، فإن الساكن الذي بعده إذا حرّك كسر في نحو هذا؛ كقولك: " دمنة لم تكلم " هذا متحرك قد كسر الساكن بعده، والألف في نية الحركة، وقد حرك الساكن بعدها وما لم يكن في نية الحركة فإن الساكن يفتح بعدها كقولك أين وكيف وأشباه ذلك.
وهذه دعاوى يحتاج عليها إلى براهين، على أنها قد صح فسادها، فمن ذلك أنّا نقول: " أمس " والميم ليست في نية حركة و " جير " وليست الياء في نية الحركة وتقول:
" حيث " وليست الياء في نية الحركة وليت شعري ما الذي فصل بين التثنية والجمع حتى صار آخر أحدهما في نية حركة وآخر الآخر في نية سكون، ولا يعلم الغيب إلا الله على أن من العرب من يفتح نون الاثنين، قال الشاعر:
إنّ لسلمى عندنا ديوانا ... أخزى فلانا وابنه فلانا
كانت عجوزا عمّرت زمانا ... وهي ترى سيّئها إحسانا
أعرف منها الأنف والعينانا ... ومنخرين أشبها ظبيانا (١)
أراد العينين فجعل مكان الياء ألفا، وفتح النون وأراد: منخري ظبيين، فجعل المضاف إليه مكان المضاف، ومن روى أشبها ظبيانا فقد صحف، ومن قال " ظبيان " اسم إنسان فقد أخطأ؛ لأن المنخرين لا يشبهان الإنسان إنما أراد المبالغة في قبحه فشبهه
стр. 142
بمنخري الظبي، كما قال الآخر:
وقد علمت ياقفي التتفله ... ومرسن العجل وساق الحجله
أراد بمرسن العجل الأنف منه، وعلى هذا كلام العرب ومذاهبها فاعرفه إن شاء الله. وعلى أنه يلزم الفراء بفتح نون الاثنين في النصب والجر؛ لأن الذي قبلها ياء ساكنة نحو رجلين وفرسين وهو في اللفظ كأين وكيف.
قال سيبويه: " وإذا جمعت على حد التثنية لحقتها زائدتان: الأولى منهما حرف المد واللين والثانية نون، وحال الأولى في السكون وترك التنوين وأنها حرف الإعراب حال الأولى في التثنية، إلا أنها واو مضموم ما قبلها في الرفع، وفي النصب والجر ياء مكسور ما قبلها، ونونها مفتوح، فرقوا بينهما وبين نون الاثنين، كما أن حرف اللين الذي هو حرف الإعراب مختلف فيهما ".
قال أبو سعيد هذا فصل قد أتينا على تفسيره في الفصل الذي قبله، واحتججنا لمعانيه ما أغنى عن إعادته، غير أنا نذكر مطابقة كلامه في هذا الفصل لما قدمناه من تفسيره مرتبا إن شاء الله.
قوله: " وإذا جمعت على حد التثنية " يعني جمعت الاسم جمع السلامة، فبقي لفظ واحدها، إنما قال: على حد التثنية، لأن التثنية لا تكون إلا مسلمة، يبقى لفظ واحدها ثم تلحق علامة التثنية، السلامة لا يكون في كل مجموع ألا ترى أنك لا تقول: " مسجد ومسجدون " ولا " مسجدات " ولا تقول مررت برجل أحمر ورجال أحمرين. وإنما يجمع بإلحاق الزيادتين ضروب من الجمع سنبينها إذا انتهينا إلى مواضعها إن شاء الله.
وقوله: " لحقتها زائدتان " يعني الواو والنون أو الياء والنون، الأولى منهما حرف المد واللين وهي الواو والياء.
وقوله: " وحال الأولى في السكون وترك التنوين وأنهما حرف الإعراب حال الأولى في التثنية " يعني حال الياء والواو في الجمع في أنها ساكنة، وأنها لا يلحقها تنوين كما تلحق ياء قاض ورام، وفي أنها حرف الإعراب. وقد بينا المعنى في حرف الإعراب، واختلاف التفسير فيه كاختلاف الألف والياء في التثنية.
وقوله: " إلا أنها واو مضموم ما قبلها في الرفع، وفي النصب وفي الجر ياء مكسور ما قبلها " يعني أن الزيادة الأولى في الجمع، وإن كان مثل الزيادة الأولى في التثنية فيما ذكر من
стр. 143
سكونها وترك التنوين فيها، وأنها حرف الإعراب، فهي مخالفة لها لأن في الجمع واوا مضموما ما قبلها وياءا مكسورا ما قبلها.
وقوله: " ونونها مفتوحة فرّقوا بينها وبين نون الاثنين، كما أن حرف اللين الذي هو حرف الإعراب مختلف فيهما ". يعني أنهم فرقوا بين النونين بالفتح، والكسر كما فرقوا بين حرف اللين فيهما جميعا، في أن جعلوا ما قبل حرف اللين من المثنى مفتوحا، وجعلوا فيه ألفا، وجعلوا ما قبل حرف اللين في الجمع مضموما أو مكسورا. فإن قال قائل: وما في تفريقهم بين حرفي اللين منهما مما يوجب التفريق بين النونين؟
فإن الجواب في ذلك أن سيبويه لم يجعل أحدهما حجة للآخر وإنما عرفنا ما تكلمت به العرب من التفريق بين النونين، والتفريق بين حرفي اللين، وإذا كان أحدهما غير موجب للآخر، كما يقول القائل للمسؤول: " أعطني كما أعطى زيد عمرا " و " كن لي مكرما كما أن زيدا مكرم لعمرو " وإن كان إكرام زيد لعمرو غير موجب إكرام المسؤول للسائل، ولكنه يسأله أن يشبه زيدا في إكرامه. وقد بينا الاحتجاج له فيما سلف.
قال سيبويه: " ومن ثم جعلوا تاء الجمع في النصب والجر مكسورة، لأنهم جعلوا التاء التي هي حرف الإعراب، كالواو والياء والتنوين، بمنزلة النون، لأنها في التأنيث نظير الواو والياء في التذكير ".
قال أبو سعيد اعلم أن جمع المؤنث على ضربين: سالم ومكسر كما كان جمع المذكر، وكذلك ما ألحق بالمؤنث مما لا يعقل كقولك " جبل راس " و " جبال راسيات " و " جمل قائم " و " جمال قائمات " والمكسر من جمع المؤنث كقولك " امرأة مرضع " و " نساء مراضيع " و " امرأة قاعد " و " نساء قواعد ". والجمع السالم للمؤنث وما جرى مجراه بزيادة ألف وتاء فيه بعد سلامة لفظ الواحد؛ كقولك: " مسلمة ومسلمات " و " اصطبل واصطبلات " وقصدنا في هذا الموضع إلى إبانة الإعراب فيه دون تقصي جميعه، فإذا زيدت فيه الألف والتاء، صار بزيادة الألف والتاء بمنزلة جمع المذكر السالم.
وخالفت الألف والتاء في جمع المؤنث السالم الواو والنون، والياء والنون في جمع المذكر السالم في أشياء، ووافقتها في أشياء، فأما ما خالفتها فيه فإن التاء في جمع المؤنث يجري عليها حركات الإعراب؛ كقولك: " هؤلاء مسلمات " و " رأيت مسلمات " " ومررت بمسلمات "، ولا تتغير الزيادة الأولى من جمع المؤنث التي هي الألف وتثبت التاء
стр. 144
في الإضافة؛ كقولك: " هؤلاء مسلماتك " و " مررت بمسلماتك ".
فهذه وجوه يختلفان فيها ويستويان في سلامة لفظ الواحد وزيادة الزائدين لعلامة الجمع؛ فبالمعنى الذي استويا فيه حمل أحدهما على الآخر، وكذلك طريقة القياس؛ لأن الشيء يقاس على الشيء، إذا كانا مشتبهين في معنى ما، وإن كانا مختلفين في أشياء أخر، فحمل جمع المؤنث على جمع المذكر، في أن جعل للرفع علامة يفرد بها وللنصب والجر علامة واحدة اشتركا فيها كقولك: " جاءني مسلمات " و " رأيت مسلمات " و " مررت بمسلمات " وصارت التاء في مسلمات هي آخر ما صيغت عليه الكلمة لمعنى الجميع؛ لأن بزوالها يتغير المعنى كما صارت الواو والياء آخر ما صيغ عليه الجمع لمعناه، وبزوالهما يزول معنى الجمع، والتاء حرف إعراب كما أن الواو والياء حرفا إعراب وليست النون في جميع المذكر بمنزلة التاء في جميع المؤنث؛ لأن زوال النون في جميع المذكر إذا أضفت فقلت: " مسلموك " لا يزيل معنى الجمع كما يزيله زوال التاء، ودخل الإعراب والتنوين على التاء فلم يحتج إلى عوض من التنوين والحركة كما احتجنا إلى تعويضهما النون في جمع المذكر فصارا التنوين فيه يعاقب الإضافة، كما عاقبت النون الإضافة، فالتنوين في هذا الجمع بمنزلة النون.
فإن قال قائل: فما معنى قول سيبويه: " ومن ثم جعلوا تاء الجميع في النصب والجر مكسورة " قيل له: معناه في ذلك أنهم جعلوا تاء الجميع في النصب والجر مكسورة؛ لأنهم قد جعلوا هذه التاء والحرف الذي قبلها، علامة لهذا الجمع كما جعلوا الواو والياء علامة لجمع المذكر، ولاجتماعهما في هذا المعنى أشركوا بين النصب والجر في هذا الجمع، كما أشركوا بينهما في ذلك الجمع.
فإن قال قائل: لما جعل التنوين بمنزلة النون والتنوين في هذا الجمع لا يثبت مع الألف كما يثبت النون في ذاك الجمع.
فالجواب في ذلك أنه جعل التنوين بمنزلة النون لأن التنوين زيد على هذا الجمع بعد التاء، التي هي حرف الإعراب فيه، كما زيدت النون على الواو والياء، التي هي حرف الإعراب في ذلك الجمع، ولم يعرض لما يلحق التنوين والنون من أحكام ثبوتهما وسقوطهما.
стр. 145
وقال الأخفش: ليس فيها في موضع النصب إعراب ولا حذف إعراب يعني ليس في التاء إذا قلت: " رأيت مسلمات " إعراب، وهذه الكسرة عنده كسرة بناء.
قال أبو سعيد: والذي عندي من الاحتجاج له، أن هذه الكسرة اتبعت كسرة الخفض وكسرة الخفض إعراب
وكسرة النصب بناء، وصارت متبعة لتلك، كما قالوا " يا زيد بن عبد الله " فيمن فتح الدال من زيد، واتبعوا حركة الدال إعراب الابن وإن كانت إحدى الحركتين إعرابا والأخرى بناء. ومثل هذا قولهم " امرؤ " و " ابنم " و " رأيت امرأ وابنما " و " مررت بامرئ وابنم " فتكون حركة ما قبل الهمزة والميم تابعة لإعرابهما وليست بإعراب.
واحتج عليه أبو عثمان المازني فقال: لو كانت الكسرة في " رأيت مسلمات " بناء، لكانت الإضافة تبطلها وترد الكلمة إلى أصلها في التمكن، ونحن نقول في الإضافة:
" رأيت مسلماتك " بالكسر كما تقول في غير الإضافة، ثم رجع أبو عثمان على نفسه بإبطال هذا الاحتجاج، وأنه غير لازم بأن قال: إذا بنى الشيء في حال تنكير لم ترده الإضافة إلى الإعراب كما لم يوجب له التنكير الإعراب نحو قولك في خمسة عشر إذا أضفتها قلت: " هذه خمسة عشرك " ومررت " بخمسة عشرك " " وهذه الخمسة عشر " إذا أدخلت عليها الألف واللام.
ويلزم أبا الحسن الأخفش أن يجعل فتحة ما لا ينصرف في حال الجر بناء كقولك " مررت بعمر " و " ذهبت إلى مساجد " وأشباه ذلك لأن هذه الفتحة للنصب، والجر داخل عليه فيها كما كانت الكسرة في التاء للجر ودخل النصب عليها.
قال أبو سعيد: والذي فيه عندي أن الكسرة في التاء في النصب والفتحة فيما لا ينصرف في الجر هما إعرابان؛ وذلك أن الإعراب هو تعاقب الحركات على أواخر الكلم لاختلاف العوامل، وهذه الكسرة والفتحة تدخلان معاقبتين للضمة، لعوامل توجب ذلك لهما، وقد وجد فيهما شرط الإعراب. قال أبو الحسن: التاء المكسورة والمضمومة ليست بمنزلة الياء والواو وإنما الضمة نظيرة الواو، والكسرة نظيرة الياء، ألا ترى أنك لو سمعت " مسلمات " لم تدلك التاء على رفع ولا جر، كما تدلك الواو والياء ولو سمعت الحركة تدلك على الرفع والجر كما تدلك الواو والياء.
وإنما قال أبو الحسن هذا لأن سيبويه قال في الفصل الذي تقدم " لأنهم جعلوا التاء