التقدير. وفي معناها قد تقول قدك درهمان، كما تقول قطك درهمان، فإذا أضافهما المتكلم إلى نفسه زاد نونا، فيقول " قطني درهمان " و " قدني درهمان " وإنما زاد النون ليسلم سكون البناء؛ لأنه على حرف لا يدخله الكسر بحال كما قالوا منّي وعنّي، قال الشاعر:
امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني (١)
وربما حذفوا النون في الشعر فأضافوا وكسروا الحرف الساكن كما حكي عن بعض العرب أنه يقول مني وعني وقدي، قال الشاعر:
قدني من نصر الخبيبين قدي (٢)
ويروي الخبيبين قدي فمن روى الخبيبين أراد عبد الله ومصعبا ابني الزبير، وكان عبد الله يكني أبا خبيب بابن له يقال له خبيب، فلما قرن معه مصعبا قال الخبيبين. والذي قال الخبيبين نسبهم إلى عبد الله كما قالوا الأشعرين أرادوا الأشعريين.
والشاهد في هذا حذفه النون من قدي الأخيرة، وقال الشاعر في حذف النون من من وعن، قال:
أيها السائل عنه وعني ... لست من قيس ولا قيس مني (٣)
وسنذكر قط مشددة في موضعها إن شاء الله تعالى.
فإن قال قائل. فإذا بنيتم قط للعلة التي ذكرتموها فهلا بنيتم حسبك وهو في ذلك المعنى؟ فالجواب في ذلك أن حسب اسم صحيح أريد به معنى الفعل بعد أن وقع متصرفا ولم يصغ في أول أحواله ليوضع موضع الفعل كما فعل ذلك بقط. والدليل على ذلك أنك تقول: أحسبني الشيء إحسابا إذا كفاني، واحتسبت بالشيء إذا اكتفيت به، قال امرؤ القيس:
كحقف النّقا يمشي الوليدان فوقه ... بما احتسبا من لين مسّ وتسهال (٤)
ويقال هذا لك حساب أي كاف، قال الله : جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً
стр. 72
حِساباً (١) أي كافيا، فمعنى حسبك أي كافيك في أصل موضوعه من جهة اللغة لما بيناه من تصرفه، فلعلة لم يبن فاعرفه إن شاء الله تعالى.
وأما إذ فإنها مبنية على السكون، والذي أوجب بناءها على ذلك أنها تقع على الأزمنة الماضية كلها وهي محتاجة إلى إيضاح كقولك: " جئتك إذ زيد قائم " " وإذ قام زيد ". فلما كانت محتاجة إلى إيضاح وإيضاحها يصحح معناها ويفهم موضوعها صارت بمنزلة الذي، والأسماء الناقصة المحتاجة إلى الصلات لأن الأسماء في أصل موضوعها للدلالة على المسميات والتمييز بين بعضها وبعض، فإذا صار بعض الأسماء إلى حد لا يدل بنفسه على معناه واحتاج ما يوضحه ويكشف فحواه، حل بما بعده من تمامه محل الاسم الواحد، وصار هو بنفسه كبعضه وبعض الاسم يبنى.
وإذ توضح بالابتداء والخبر، والفعل والفاعل، فأما الابتداء والخبر فقولك " جئتك إذ زيد قائم " وأما الفعل والفاعل فقولك " جئتك إذ قام زيد ". " وإذ يقوم زيد ". فإذا كان الفعل مستقبلا حسن تقديمه وتأخيره فتقول: " جئتك إذ يقوم زيد " و " إذ زيد يقوم " وإذا كان ماضيا قبح التأخير لا يقولون " جئتك إذ زيد قام " إلا مستكرها من قبل أن إذ للماضي فإذا كان في الكلام فعل ماض اختاروا إيلاءه إياها، لمطابقتها ومشاكلة معناهما.
وإذ عند أصحابنا اسم مضاف إلى موضع الجملة التي بعدها كما تضاف أسماء الزمان إلى الجمل التي هي الابتداء والخبر والفعل والفاعل كقولك " جئتك زمن زيد أمير " و " زمن يقوم زيد " و " زمن قام زيد " ويكون موضع الجملة خفضا بالإضافة.
واعلم أن إذ لا يجازي بها لأنها مقصورة على وقت بعينه ماض، فإذا دخل عليها ما وركبت معها صارت مبهمة وجاز المجازاة بها وحلت محل متى فيجازي بها مع ما، فهي إذا جوزي بها حرف وليست باسم، وسنبين ذلك في باب المجازاة إن شاء الله تعالى. قال الشاعر:
إذ ما تريني اليوم مزجى مطّيتي ... أصعد سيرا في البلاد وأفرع
فإني من قوم سواكم وإنما ... رجالي فهم بالحجاز وأشجع (٢)
стр. 73
وقد يكون لإذ موضع آخر، وهو قولك: " بينما زيد قائم إذ رأى عمرا " واختلفوا في ذلك؛ فقال بعضهم: معناه، في هذا الموضع للحال، كما تقول: " خرجت فإذا زيد قائم ". وقال بعضهم: هي زائدة، قال الشاعر:
بينما هنّ بالأراك معا ... إذ أتى راكب على جملة (١)
ونحن نذكر " إذا " مع " إذ " إذ كانت مؤاخية لها في هذا الموضع وإن لم يذكرها سيبويه. واعلم أن " إذا " اسم من أسماء الزمان وهي ظرف من ظروفه، وتقع فيها الأفعال المستقبلة، وهي موضحة بما بعدها كما كانت " إذ " غير أنها لا يليها إلا أفعال مظهرة كانت أو مضمرة، كقولك: " أجيئتك إذا قام زيد " يعني الوقت الذي يقوم فيه، وفيها معنى المجازاة؛ فلذلك لا يقع بعدها إلا الأفعال. وإذا رأيت الاسم بعدها مرفوعا فعلى تقدير فعل قبله لأنه لا يكون بعدها الابتداء والخبر. قال الشاعر:
إذا ابن أبي موسى بلال بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر (٢)
ومعناه إذا بلغت ابن أبي موسى بلال بلغته، فأضمرت فعلا لم يسم فاعله كما قال الآخر:
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح (٣)
ولا يجازي بإذا عند أهل البصرة من قبل أنها لوقت معلوم آت، والمجازاة والشروط هي معقودة على أنها يجوز أن تكون ويجوز أن لا تكون. والدليل على ذلك قوله : إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (٤) وإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (٥) ونحو ذلك في القرآن.
أراد الوقت الذي تكور فيه الشمس وتنشق فيه السماء. ولو قال قائل: " إن الشمس كورت "، " إن السماء انشقت " كان قبيحا؛ لأنه جعل المعلوم مبهما، وأوهم أنه يجوز ألا يكون. ولو قال قائل: " إذا أقام الله القيامة عذّب الكفار " كان كلاما مستقيما حسنا. فإن
стр. 74
قال قائل: " إن أقام الله القيامة عذّب الكفار " كان كلاما ناقصا.
فلما كانت إذا لوقت معلوم لم يجاز بها، وإن كان فيها معنى المجازاة إلا أن يضطر الشاعر فيجازي بها في الشعر لكون معنى المجازاة فيها، قال الشاعر الفرزدق:
ترفع لي خندف والله يرفع لي ... نارا إذا اغمدت نيرانها تقد (١)
وقال آخر:
إذا قصرت سيوفنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب (٢)
فإن قال قائل: ما معنى قولكم فيها معنى المجازاة ولا يجازي بها؟ فالجواب في ذلك أن معنى المجازاة فيها هو أن جوابها يقع عند الشرط كما تقع المجازاة عند وقوع الشرط، ولم يجاز بها في اللفظ فتجزم ما بعدها لما ذكرناه من توقيتها وحصولها على وقت معلوم.
ومثل ذلك قولك: " الذي يأتيني فله درهم " فيه معنى المجازاة ولا يجازي به. وإنما كان فيها معنى المجازاة لأن بالإتيان استحق الدرهم. ووجه الكلام أن ترفع شرطها وجوابها كما قال ذو الرّمة:
تصغى إذا شدّها بالكور جانحة ... حتى إذا ما استوى في غرزها تثب
ولإذا موضع آخر تكون فيه اسما للمكان وظرفا من ظروفه، وذلك قولك:
" خرجت فإذا زيد قائم " ويجوز أن تقول: " خرجت فإذا زيد قائما " ويجوز: " خرجت فإذا زيد "؛ فمن قال: " خرجت فإذا زيد قائم " أراد خرجت فحضرني زيد قائم، والمعنى فيه أنه فاجأني عند خروجي وهو بمنزلة قولك: في الدار زيد قام. وإذا قلت: " خرجت فإذا زيد "؛ قائما " فكأنك قلت خرجت فحضرني زيد قائما رفعت زيدا بالابتداء، وجعلت الخبر فإذا ونصبت قائما على الحال وهو بمنزلة قولك في الدار زيد قائما. وإذا قلت:
" خرجت فإذا زيد " كأنك قلت خرجت فحضرني زيد جعلت زيدا ابتداء، وفإذا هو الخبر بمنزلة قولك في الدار زيد. ولإذا موضع آخر وهو جواب الشرط وتكفي من الفاء، تقول:
" إن تأتني فأنا مكرم لك " وإن شئت قلت " إن تأتني إذا أنا مكرم لك " قال الله :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣) ومعناه فهم يقنطون.
стр. 75
قال سيبويه: " والفتح في الأفعال التي لم تجر مجرى المضارعة قولهم ضرب، وكذلك كل بناء من الفعل كان معناه فعل ".
إن سأل سائل فقال: لم وجب فتح أواخر الأفعال الماضية؛ فهلا أسكنت أو حركت بغير الفتح؟
فالجواب عنه وبالله التوفيق أن الأفعال كلها من حقها أن تكون مسكنة الأواخر والأسماء كلها من حقها أن تكون معربة وقد بينا هذا فيما مرّ من التفسير.
غير أن الأفعال انقسمت ثلاثة أقسام؛ فقسم منها ضارع الأسماء مضارعة تامة استحق بها أن يكون معربا وهو الأفعال المضارعة التي في أوائلها الزوائد الأربع، وقد بينا كيفية المضارعة واستحقاق المضارعة للإعراب بما أغنى عن إعادته.
والضرب الثاني من الأفعال ما ضارع الأسماء مضارعة ناقصة وهو الفعل الماضي.
والضرب الثالث ما لم يضارع الأسماء بوجه من وجوه المضارعة وهو فعل الأمر.
فرأينا الأفعال قد ترتبت ثلاث مراتب: أولها الفعل المضارع المستحق للإعراب، وقد أعرب، وآخرها الثالث فعل الأمر الذي لم يضارع الاسم البتة فبقي على سكونه، وتوسط الفعل الماضي فنقص عن درجة الفعل المضارع لنقصان مضارعته، وزاد على فعل الأمر لما فيه من المضارعة، فلم يسكن كفعل الأمر لفضله عليه، ولم يعرب كالفعل المضارع لقصوره عنه، وبني على حركة واحدة إذ كان المتحرك أمكن من الساكن، وجعلت تلك الحركة فتحة دون غيرها من أربعة أوجه:
أولها: أنّ الفتحة أخفّ الحركات، وإنما القصد والمغزى في تحريكه إلى أن يخرج عن مرتبة الساكن الذي هو فعل الأمر، فلما كانت الفتحة تخرجه من ذلك وهي أخف الحركات لم يتجاوز إلى غيرها.
والوجه الثاني: أن الضمة لا تصلح فيه لما يقع فيه من اللبس بين فعل الواحد والجماعة؛ لأن من العرب من يقول: " ضرب "، في معنى " ضربوا "، " والقوم قام " في معنى " قاموا "، فيحذف الواو ويكتفي بالضمة منها، وقد قال الشاعر:
فلو أنّ الأطبّا كان حولى ... وكان مع الأطبّاء الأساة (١)
يريد: كانوا.
стр. 76
وقال الآخر:
لو أنّ قومي حين أدعوهم حمل ... على الجبال الصمّ لأرفضّ الجبل (١)
أراد: " حملوا " فحذف الواو، فصار حمل: ثم وقف عليه، وهو يضمه في الدرج بلا واو، ويقف عليه بالسكون، لأن كل متحرك يلحقه السكون في الوقف.
ولم يصلح أن يكون آخر الفعل الماضي مكسورا؛ لأن الكسر اختص الأسماء ولم يدخل في شيء من الأفعال، فبقي الفتح فبني عليه الماضي.
والوجه الثالث: أن الفعل الماضي قد يثنى ضمير فاعله بالألف، والألف توجب فتح ما قبلها، فلما كان أقرب الحركات التي يلحق الماضي الفتحة باجتلاب ألف التثنية لها، وقد وجب تحريك آخره حرك بأقرب الحركات إليه.
والوجه الرابع: أن الفعل الماضي يكون على فعل وفعل، فلو بنوا آخره على ضمة خرجوا في فعل من كسرة إلى ضمة وليس ذلك في كلامهم، ولو بنوه على كسرة خرجوا في فعل من ضمة إلى كسرة وهذا قليل مستثقل.
فإن قال قائل: فما المضارعة التي بها استحق الفعل الماضي الحركة والمزية على رتبة الساكن؟
قيل له وقوعه موقع الأسماء والأفعال المضارعة في النعت والخبر، كقولك: " مررت برجل قام "، و " زيد قام " وقع موقع قولك " مررت برجل قائم "، أو " وبرجل يقوم "، و " وزيد قائم "، " وزيد يقوم ". ووقوعه موقع الفعل المضارع في أبواب الجزاء كقولك: " إن قمت قمت "، وقع موقع قولك: " إن تقم أقم "، فهذا قول سيبويه في مضارعة الفعل الماضي. وقد أنكر أبو العباس المبرد على سيبويه الوجه الأخير من مضارعة الفعل الماضي للمضارع في أبواب الجزاء، فقال: إذا قلنا " إن قمت قمت " فإن هي التي قلبت المستقبل إلى الماضي في اللفظ والمعنى على الاستقبال كما تدخل لم على الأفعال المضارعة فتنفيها وتقلب ألفاظها إلى المستقبل، كقولك: " لم يقم " و " لم ينطلق عمرو " والمعنى " ما قام زيد " و " ما انطلق عمرو " غير أن لم هي المغيرة للفظ فكذلك إن عند أبي العباس، مغيرة لفظ المستقبل إلى الماضي في اللفظ والمعنى على حاله. وزعم أنه لا حجة لسيبويه فيما ذكره
стр. 77
لهذا الاعتلال الذي أورده.
قال أبو سعيد: والوجه الذي ذهب إليه سيبويه عندي صحيح وهو غير مشبه لما شبهه به أبو العباس، وذلك أن لم وغيرها من الحروف التي تغير الألفاظ وتدخل له لا يصلح دخولها إلا مغيّرة، ولو كانت " إن " هي التي غيّرت اللفظ، وقلبت المستقبل إلى الماضي لما جاز أن يوجد إلا كذلك، لأن هذا بمنزلة عمل تعمله وتأثير تؤثره، فلا تدخل إلا كذلك، كما أنّ " لم " إذا دخلت على الفعل الماضي، لم يصح أن يبقى على مضيه وقلبته إلى المستقبل، فاعرف فرق ما بينهما إن شاء الله.
قال سيبويه: ولم يسكنوا آخر الحروف، وهو يعني آخر الفعل الماضي؛ لأن فيها بعض ما في المضارعة، تقول: " هذا رجل ضربنا " فتصف بها النكرة وتكون في موضع ضارب إذا قلت: " هذا رجل ضارب " وتقول: " إن فعلت فعلت " فتكون في موضع: " إن تفعل أفعل "، فهي فعل- يعني الماضي- كما أن المضارع فعل وقد وقعت موقعها في أن ووقعت موقع الأسماء في الوصف كما تقع المضارعة.
قال (أبو سعيد): وقد مضى تفسيرها بما فيه.
قال سيبويه: " ولم يسكّنوها كما لم يسكّنوا من الأسماء ما ضارع المتمكن ولا ما صير من المتمكن في موضع، بمنزلة غير المتمكن ".
قال أبو سعيد: قوله، فلم يسكّنوها، يعني لم يسكّنوا الأفعال الماضية كما لم يسكّنوا من الأسماء التي حكمها البناء ما كان مضارعا للمتمكن ولا ما كان متمكنا في حال ثم بني لعلة داخلة.
فإن قال قائل: ولم لم يسكّنوا من الأسماء المبينة ما ضارع المتمكن منها، أو ما كان متمكنا في حال؟ قيل له من قبل أن الأسماء في حكمها أن تكون معربة كما تقدم من تفسير ذلك، وقد تدخل بعضها علل وتخرجها عن حكمها إلا أن ذلك البعض الذي يدخله من الحال ما يوجب بناءه ينقسم قسمين:
أحدهما: لم يوجد قط إلا في الموضع الذي ثبت بناؤه فيه. والآخر: قد كان معربا في حال ثم وجب بناؤه في حالة ثانية، ففرق بينهما فيما يبنى عليه لأن الذي قد كان معربا في نفسه أشد تمكنا بزواله عن البناء في حال أخرى، وأعطي في حال البناء إذا كان قد يزول عنها فضيلة على المبني الذي لا يزول لما فيه من التمكن.
стр. 78
وعلة أخرى وهو أن المبني الذي لا يكون متمكنا بحال لما كان لا يوجد إلا ثقيلا أعطوه أخف ما يقع في النطق وهو السكون، ولما كان المتمكن الذي يبنى في حال قد يوجد خفيفا ويقع المواقع التي لا يستثقل فيها لم يستثقلوها حين بنائه إذ كانت حالا عارضة، وليس العارض كالراتب الذي لا يزول، وسنبين الأسماء التي حكمها البناء على حركة.
قال سيبويه: " فالمضارع من عل حركوه لأنهم يقولون من عل ".
قال أبو سعيد: اعلم أن " عل " إذا قلت: " جئته من عل " معناه من فوق، قال الفرزدق:
ولقد سددت عليك كلّ ثنيّة ... وأتيت فوق بني كليب من عل (١)
وفيه لغات: يقال جئتك من عل يا هذا، ومن عل، ومن علو، ومن علو، ومن علو، قال الشاعر:
إني أتتني لسان لا أسرّ بها ... من علو لا عجب منها ولا سخر (٢)
ومن علا، قال الراجز:
فهي تنوش الحوض نوشا من علا ... نوشا به تقطع أجواز الفلا (٣)
وجئتك من عال ومن عال كما قال:
قباء من تحت وريّا من عال (٤)
ويروى: تظمأ من تحت وتروى من عال. ومعنى هذه الألفاظ كلها واحد وهي فوق.
وفوق لا بد أن يكون مضافا إلى شيء: إما ظاهر، وإما باطن مقدر، وكذلك الألفاظ التي في معناها، فوجب أن تكون عل وعل وما ذكرنا بعدهما في تقدير الإضافة، فإذا حذفت المضاف إليه لم يخل من أن يكون معرفة أو نكرة، فإن كان المحذوف نكرة
стр. 79
تنكر عل وما كان في معناه ونوّن، وإن كان معرفة بني لأنه بمنزلة اسم قد اكتفى ببعضه إذ كان المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد، وأدّى عن معنى الإضافة، فإذا كان عل في تقدير مضاف إلى معرفة كان مبنيا على الضم، وإن كان في تقدير مضاف إلى منكور كان معربا كما ذكرنا في فوق بما يوجب ذلك من العلل.
فإن قال قائل: فما معنى قول سيبويه: ولا ما ضارع المتمكن، وهو يعني:
مضارعة " عل " هذا " لعل " المنكور المنون، ولا يقال إن الشيء يضارع كما لا يقال: إن زيدا في حال النداء إذا
قلت: " يا زيد "، قد ضارع زيدا في حال الإعراب، إذا لم تكن منادى؟
قيل له: معنى مضارعة " عل " لعل هو أنهما يقعان بمعنى واحد على تقديرين مختلفين؛ فكل واحد منهما مضارع للآخر لاشتراكهما في معناهما واختلافهما في تقديرهما وحركاتهما، كما يكون المبتدأ مضارعا للفاعل في أنّ معناهما سواء وإن كان عاملاهما مختلفين.
فإن قال قائل: وكيف يستوي معناهما على اختلاف تقديرهما، وأحدهما معرفة والآخر نكرة؟
قيل له: هذا جائز وله نظائر في العربية، منها أن " غدا " منكور ويعرف به اليوم والذي يلي يومك حتى لا يظن السامع غيره، وكذلك أسماء ساعات اليوم، نحو " عتمة " " وعشيّة " متى ما ذكرت شيئا منها كان المعنى مصروفا إلى يومك دون سائر الأيام فإن كن نكرات فيستوي في فهم المخاطب " آتيك غدا "، و " آتيك الغد "، " وآتيك العشيء " " وآتيك عشيا "، وكذلك " عتمة " وإن كان تقديرهما مختلفا، وكذلك القول في " عل " فاعرف ذلك إن شاء الله.
قال سيبويه: " فالمضارع من عل حرّكوه؛ لأنهم يقولون من عل فيجرّونه "، وقد مرّ تفسيره، وقول: فيجرّونه، أي فينونونه ويصرفونه.
قال: " وأما المتمكن الذي جعل بمنزلة غير المتمكن في موضع قولهم أبدا بهذا أوّل ويا حكم ".
قال أبو سعيد: اعلم أنّ ما كان متمكنا في حال ثم دخلته علة أوجبت له البناء هو الأسماء المفردة المناداة؛ كقولك " يا زيد " و " يا حكم " والغايات التي تكون معربة في
стр. 80
حال الإضافة والتنكير وتكون مبنية في غير ذلك، نحو " قبل " و " بعد "، و " أبدأ بهذا أوّل " فأمّا الغايات فقد أحكمنا شرحها وأبنّا عن عللها بما أغنى إعادته.
فأما الاسم المنادى المفرد المعرفة فإنه يستحق البناء على حركة، ويجب أن تكون تلك الحركة ضمة. فأما الدليل على أنه يجب بناؤه فهو أنّ المنادى مخاطب، والنداء حال خطاب، والدليل على ذلك أنّ رجلا لو قال: " والله لا خاطبت زيدا "، ثم قال له " يا زيد "، كان حانثا وكان هذا منه خطابا، وأسماء المخاطب تقع مكنية في الخطاب، فكان ينبغي أن يكون مكان الاسم المنادى مكنيّ، غير أن المنادي إذا أراد أن ينادي واحدا من جماعة ليعطفه عليه حتى يصغي إليه، فلابد من ذكر اسمه الظاهر الذي يخصه دون غيره، إذ كانت الكنايات يشترك هو فيها والذي معه فلما احتيج إلى الاسم الظاهر لهذه الضرورة التي ذكرنا؛ وكان الموضع موضع كناية وجب أن يبنى لما صار إليه من مشاركة المكني الذي يجب بناؤه؛ لأن الأسماء إنما تبنى على حسب وقوعها موقع المبينات، والدليل على ذلك أن
من العرب من ينادي صاحبه إذا كان مقبلا عليه أو ذكر من حاله ما لا يلتبس نداؤه بالمكني بغيره، فيكنى عن اسمه الظاهر فيقول: " يا أنت " و " يا إياك "، قال الشاعر أنشده أبو زيد:
يا مرّ يا ابن واقع يا أنتا ... أنت الذي طلّقت عام جعتا (١)
فقد ناداه: " يا أنت "، وقد أنكر الأصمعي ذلك، وفسّر معنى البيت على غير هذا التفسير، فقال: إنما أراد " يا " التي تقع في صدر الكلام للتنبيه، وكان تقديره: " يا مر يا ابن واقع أنت الذي طلقت "، و " يا " زائدة ومثله أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ (٢) وقال الشاعر:
يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي ... بسمسم وعن يمين سمسم (٣)
ومثله:
يا لعنة الله على أهل الرّقم ... أهل الحمير والوقير والخزم (٤)
ولم يناد اللعنة، ولو ناداها نصبها. والشواهد في هذا كثيرة.
стр. 81
والمعنى الذي قاله أبو زيد صحيح، وهو موجود في كلام العرب، ذكره النحويون وحكاه العلماء بالعربية وقد يقولون أيضا: " يا إياك "، فينصبون لما أضافوا على غير قول من يرى " إياك " مضافا وقد حكى قولهم: " يا إياك " سيبويه. وقد ذكر عن الأحوص في خبر له ذكره أبو عبيدة أنه وفد على معاوية مع أبيه فقام فخطب فوثب أبوه ليخطب فكفه، وقال: يا إياك قد كفيتك، وقال أبو عبيدة في قوله: " يا إياك " أنّ " يا " تنبيه و " إياك " منصوب بفعل مضمر والمعنى الأول أظهر وأجود، فإن كان هذا جائزا فقد صح بما حكينا أن الاسم الظاهر في النداء وقع موقع المكني فوجب بذلك أن يبنى.
وفي بنائه علة أخرى وهي أن نداءك المنادى إنما هو صوت تصوّت به لتنبه إليك وهو بمنزلة الأصوات التي تقع للزجر، كقولك للغراب: " غاق " وللبغل: عدس "، قال الشاعر:
عدس ما لعبّاد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق (١)
فشبّه لفظ المنادى بالأصوات التي يزجر بها؛ لأنّه لا يقع إلا العطف المنادى على المنادي كما تقع الأصوات لدعاء البهائم وزجرها.
فإن قال قائل: وكيف وجب أن يكون بناؤه على حركة؟ هلا بني على السكون؛ لأنّ الأشياء المبنية أصلها أن تبنى على السكون؟ فالجواب في ذلك مثل ما مر في بناء عل على الحركة.
فإن قيل: فلم وجب أن يبنى على الضمّ من بين الحركات؟
ففي ذلك علتان:
إحداهما: أن المنادى المفرد يشبه: " قبل "، و " بعد " من قبل أنه إذا أضيف أو نكر أعرب، وإذا أفرد بني كما أنّ " قبل " وبعد " تعربان مضافتين ومنكورتين، وتبنيان في غير ذلك، فكان هذا تشبيها لازما وصحيحا فلما بني قبل وبعد على الضمّ: جعل المنادى المفرد كذلك.
والعلة الثانية أنّ المنادى إذا كان مضافا إلى مناديه، كان الاختيار حذف ياء الإضافة
стр. 82
والاكتفاء بالكسرة منها، وإذا كان مضافا إلى غائب كان منصوبا وكذلك إذا كان منكورا، فلما كان الفتح والكسر له في غير حال البناء فبني، جعل له في حال البناء من الحركات ما لم تكن له في غير حال بنائه.
فإن قال قائل: إذا زعمتم أن المنادى المفرد المعروف وجب بناؤه، لأنه مخاطب وأسماء الخطاب مبنيّات، أو لأن المنادى كمن جر به، فقد لزمكم بهذا الاعتلال أن تبنوا المضاف والمنكور في النداء في قولك: يا " عبد الله أقبل "، و " يا راكبا عرّج "؛ لأنهما قد وقعا الموقع الذي ذكرتموه.
ففي ذلك جوابان:
أحدهما: أن المنادى المفرد مع وقوعه الموقع الذي وصفناه إنما بني لأنه في التقدير بمنزلة " أنت "، و " أنت " لا يكون إلا معرفا غير مضاف، فخرج المنكور والمضاف من شبه المكني الذي يوجب شبهه بناء المفرد.
والجواب الثاني أنّ المفرد يؤثر فيه النداء حتى يكون معرفة به، كقولك " يا رجل " إذا قصدت واحدا بعينه صار معروفا بالنداء، لإقبالك عليه وقصدك إياه بحرف النداء كما قال الأعشى:
قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل (١)
وإنما قصدت قصده، والمضاف والمنكور لا يغيرهما النداء ولا يحيلهما عن حالهما إلى غيره، لأنك إذا قلت: " يا
عبد الله " و " يا راكبا " فعبد الله معرفة بالإضافة لا بالنداء، وراكبا منكور على حاله فلمّا لم يؤثر النداء في نفس معناهما لم يؤثر في بنائهما.
فإن قال قائل: أمّا رجل وسائر المنكورات، فقد علمنا أنّه يصير معرفة بالنداء إذا قصد قصده، فما الدليل على بناء زيد وسائر المعارف المفردة قبل النداء؟
قيل له: المعارف المفردة كلها إذا نوديت نكرت، ثم تنادى فتكون معارف بالنداء فهذا قول أبي العباس محمد بن يزيد، وقد أنكر عليه ابن السراج هذا وزعم أنه قول فاسد من قبل أنه قد وقع في الأسماء المفردة ما لا يشاركه غيره في اللفظ نحو: فرزدق، وغير ذلك من الأسماء المفردة، وزعم أن تنكير اللفظ هو أن تجعله من أمة كل واحد منهم له
стр. 83
مثل لفظه، قال: والفرزدق لا يلتبس به غيره.
والقول عندي ما قاله أبو العباس وما أدخله عليه أبو بكر غير لازم من جهات، إحداهن: أنهم لم يختلفوا أن الاسم العلم يجوز أضافته ومتى أضيف تعرف بالإضافة، وغير جائز أن يعرف بالإضافة إلا وقد نزع عنه التعريف الذي كان فيه ونكر كقولك: " قام زيدكم " و " قعد زيدكم " وأشباه ذلك.
والأخرى أن هذه الأسماء المفردة التي لا إشكال لها فيما نعلم، غير جائز أن يجعل ذلك قضية لازمة لا إشكال لها، لأنه ليس لعاقل أن يقول ليس في العالم من اسمه الفرزدق أو لم يكن في العالم من اسمه الفرزدق سوى رجل واحد، لان أسامي الناس لا يحاط بها ولا يؤتى عليها، ولا يدّعي أحد علم ذلك، على أن كنية العجير السلولي أبو الفرزدق ويقال أبو الفيل.
والجهة الثالثة: أنه غير مستحيل أن يسمى الرجل ولده الساعة الفرزدق، أو ينبز بعض الناس به، فأعرفه إن شاء الله.
ومن الطريف أن الفرزدق الذي مثّل به لا شك أن تعريفه بالألف واللام اللتين فيه وإذا نزعتا عنه تنكر، ونحن متى نادينا نزعناهما عنه وقلنا يا فرزدق، فقد تنكر بنزع الألف واللام وتعرف بالنداء.
فإن قال قائل: لم مثل سيبويه بأول ويا حكم دون غيرهما من الأسماء، فإن الجواب في ذلك، وإن كان التمثيل لا مسألة فيه لسائل أن هذا التمثيل تضمن فائدة لطيفة وهو أنه لو جعل مكان أول: قبل ومكان يا حكم: يا زيد؛ لجاز أن يخالج النفس الفكر بأن حركة قبل وزيد لالتقاء الساكنين، دون أن يكونا مستحقين للحركة في أصل بنائهما
كما تضم الثاء من " حيث " لالتقاء الساكنين وأصلها السكون، وكما تفتح أواخر كيف وأين وأشباهها، فمثل سيبويه مثالا يزيل الشك وينفي التوهم.
قال سيبويه: " والوقف قولهم اضرب في الأمر لم يحركوها؛ لأنها لا يوصف بها ولا تقع موقع المضارعة ".
قال أبو سعيد: يعني أن فعل الأمر يكون موقوفا غير مجزوم وذلك من قبل أن الأفعال كلها كان حكمها في الأصل أن تكون وقد مر تفسيرها. وقوله: " لم يحركوها لأنها لا يوصف بها ولا تقع موقع المضارعة " يعني لم يجعلوها بمنزلة الفعل الذي بني
стр. 84
آخره على حركة؛ لأن فعل الأمر لا يوصف به كما يوصف بالفعل الماضي؛ ألا ترى أنك لا تقول: " مررت برجل قم إليه " كما تقول: " مررت برجل قائم " ولا يقع فعل الأمر موقع الفعل المضارع كما وقع موقعه الماضي ألا ترى أنك تقول: " إن قمت قمت " مكان " إن تقم أقم " ولا يصلح في موضعه فعل الأمر ولم يكن لفعل الأمر وجه يوجب بناءه على الحركة فترك على أصله. وقد يكون الأمر خبرا للمبتدأ واقعا موقع الاسم وغيره من الأفعال وذلك " زيد قم إليه وعمرو اضرب عبده ".
فإن قال قائل " فهلا حرك بهذه المضارعة؟ قيل له هذه مضارعة ضعيفة وذلك أن مضارعته الاسم ووقوعه موقعه في هذا الموضوع خاصة وقد شاركه فيه الفعل الماضي، وزاد عليه الفعل الماضي بوقوعه في الصفة ووقوعه موقع المضارعة، فلما كان الفعل الماضي غير معرب وكان مبنيا على حركة وفعل الأمر أنقص منه، جعل له الوقف بناء لأنه ليس حال أنقص من البناء على الحركة إلا البناء على السكون، فترك فعل الأمر على أصله الذي له من الوقف.
فإن قال قائل: إذا قلتم زيد قم إليه وجعلتم زيدا مبتدأ، فقد وجب أن يكون قم إليه خبره؛ لأن المبتدأ لا بدّ له من خبر، والخبر ما صح فيه الصدق والكذب، وفعل الأمر لا يكون صدقا ولا كذبا فكيف صحّ أن يكون خبرا؟
فالجواب في ذلك أن قولك: " زيد قم إليه " ليس بخبر في الحقيقة عن زيد، وإنما هو واقع موقع خبره ومغن عنه وليس بخبر حقيقي، غير أنه يحتمل في المعنى وجهين:
أحدهما أن يكون معناه زيد يجب عليك أن تقوم إليه أو نحو ذلك، فيكون الأمر في موضع ما ذكرناه، أو يكون تقديره أنك أردت قم إلى زيد، فلما قدمته وشغلت الجار بضميره وقع معرّى من العوامل اللفظية، فرفع بالابتداء وصار هذا الكلام الذي جاء بعده وإن لم يكن خبرا، متما لفائدة الكلام.
قال سيبويه: " فبعدت من المضارعة بعدكم وإذ من المتمكنة، وكذلك كل بناء من الفعل كان معناه أفعل ".
قال أبو سعيد: يعني فعل الأمر من الأفعال المضارعة المعربة التي في أوائلها الزوائد الأربع: بعد كم، وإذ من الأسماء المعربة المتمكنة أنهما اسمان مبنيان على السكون، والأسماء المتمكنة متحركة متصرفة، وأبعد الأشياء من المتحرك المتصرف مبني على
стр. 85
السكون وأقرب من المبني الساكن إليه ما كان مبنيا على حركة؛ وكذلك فعل الأمر الذي هو مبني على السكون أبعد الأشياء من الأفعال المضارعة المعربة، وأقرب منه إليها الفعل الماضي الذي هو مبني على حركة.
فصارت الأفعال ثلاث مراتب: الأفعال المضارعة المعربة، وبعدها الفعل الماضي المبني على الفتح، وبعد ذلك كله فعل الأمر المبني على السكون، والأسماء ثلاث مراتب أيضا: فأولها المعربة نحو زيد وعمرو وكل اسم معرب، وبعدها الأسماء المبنية على حركة كقولك: يا زيد ويا حكم وجئتك أوّل، وبعد ذلك الأسماء المبنية على السكون كقولك:
من، وكم، وإذ، فأبعد الأفعال من الأفعال المضارعة فعل الأمر، وأقربها إليها الفعل الماضي، وأبعد الأسماء من الأسماء المتمكنة ما كان مبنيا على السكون نحو كم وإذ، وأقر بها إليها يا حكم وأبدأ بهذا أوّل، وكل بناء من الفعل يؤمر به فحكمه أن يكون موقوفا وإن اختلفت أمثلته كقولك: انطلق، استغفر، وما أشبه ذلك، فاعرفه إن شاء الله تعالى.
وقال سيبويه: والفتح في الحروف التي ليست إلا لمعنى وليست بأفعال ولا أسماء، قولهم: " سوف " و " ثمّ ".
قال أبو سعيد: فإن قال قائل: ولم فتح الفاء والميم في " سوف " و " ثم "؟ قيل له: إنما كان من حكمهما أن يكونا ساكنين، إلا أنه التقى ساكنان في آخر الحرفين، وهما الواو والفاء في " سوف " والميم الأولى والثانية في " ثم " وكانت الفتحة أخف، لأن الفاء في " سوف " قبلها واو، فكرهوا كسرها للواو قبلها، والميم الأخيرة في " ثم " قد أدغم فيها ميم أخرى وقبلها ضمة، فكرهوا كسرها للتضعيف فيها، والضمة قبلها.
فإن قال قائل: فهلا أجزت: و " ثمّ "، و " ثمّ " و " ثمّ "، كما تقول: " ردّ " و " ردّ " و " ردّ "، كقول جرير:
فغضّ الطّرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
ويروى " فغضّ " و " غضّ "؟
وقال آخر:
قال أبو ليلى بحبل مده ... ثم إذا مددته فشدّه
стр. 86
إن أبا ليلى نسيج وحده (١)
قيل له: إنما تصرفوا في " ردّ " بهذه الحركات الثلاث على مقدار تصرفه في نفسه، فضمّه بعضهم لاتباع الضمة الضمة، وكسره بعضهم لالتقاء الساكنين على ما يجب في ذلك من الكسر لالتقاء الساكنين، وفتحه بعضهم فرارا إلى أخف الحركات عند التضعيف والضمة؛ لأن " ردّ " مأخوذ من: " ردّ يردّ "، وهو فعل متصرف، فتصرفوا فيه بهذه الحركات على حسب ذلك.
و" ثم " حرف لازم لموضع واحد غير مشتق من شيء، ولا تصرف فيه، فألزم أخف الحركات؛ لما ذكرناه. فأعرفه إن شاء الله.
قال سيبويه: والكسر فيها قولهم في باء الإضافة ولامها: " بزيد " و " لزيد ".
قال أبو سعيد: اعلم أن الحروف التي جاءت لمعنى وهي على حرف واحد، حكمها أن تكون مفتوحة كواو العطف وفائه، إذا قلت: " قام زيد وعمرو " و " قام زيد فعمرو ". وألف الاستفهام كقولك: " أزيد عندك؟ ".
وإنما كان الأصل في هذه الحروف أن تجيء مفتوحة، من قبل أنها حروف يضطر المتكلم بها إلى تحريكها لابتدائه بها. وقد كان حكمها لو أمكن فيها السكون أن تكون حروفا ساكنة؛ لأنها حروف معان، فلما أوجبت الضرورة تحريكها ليمكن النطق بها حركوها بأخف الحركات. وهي الفتحة، وبها يمكنهم النطق بها، فلم يحتاجوا إلى تكلف ما هو أثقل منها.
فإن قال قائل: فلم كسروا الباء وفيها من العلة الموجبة للفتح ما ذكرته في الحروف المفتوحة؟
قيل له: من قبل أن الحروف التي ذكرناها غير عاملة عملا يختص به، ولا يكون في غيره. والباء عاملة الجر لا تكون إلا فيه، فألزموها الكسر لمشاكلة موضعها من الجر. فإن قال قائل: فلم كسروا لام الإضافة؟
قيل له: للفرق بينها وبين لام التأكيد في الموضع الذي يلتبسان فيه، فهو مع الاسم الظاهر؛ وذلك أن تقول: " إن هذا لزيد "، إذا أخبرت أنه زيد فإذا أخبرت أنه مملوك لزيد
стр. 87
قلت: " إن هذا لزيد ".
فإن قال قائل: فإن الجر والرفع يفرّق ما بينهما، إذا قلت: " إن هذا لزيد " علم أنه مملوك لزيد، وإذا قلت: " إن هذا لزيد ".
ففي ذلك جوابان:
أحدهما: أن في الأسماء ما لا يبين الإعراب فيه، نحو؛ موسى وعيسى، وما أشبههما، فلا يدل على فصل ما بين هذين المعنيين إلا فتح اللام وكسرها.
والثاني: أن الكلام إذا وقف عليه لم يعرب، فلما كان الاسم المعرب لا يتبين فيه الإعراب عند الوقف عليه، لم يوقف على فصل ما بينهما، فلزم بما ذكرناه كسر اللام مع الظاهر كله.
وإذا أضمر الاسم فتحوا اللام كقولك: " هذا لك، وهذا له " من قبل أن الضمير الذي يقع بعد اللام الجارة بخلاف صورة الضمير الذي يقع بعد اللام المؤكدة، تقول:
" إن هذا لك " إذا أردت أنه يملكه، و " إن ذاك لأنت " إذا أردت أنه هو، فإذا أدخلت ياء المتكلم كسرت اللام؛ لأن كناية المتكلم تكسر ما قبلها من الحروف المتحركة، فتقول:
" إن هذا لي " كما تقول: " إن هذا غلامي ".
وقد يفتح بعض العرب لام الإضافة مع غير المكني، أنشد بعضهم:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثّل لي ليلى بكل مكان (١)
ففتح اللام، وهذه لام كي، وهي لام الإضافة عندنا.
واعلم أن هذه اللام لما اطرد كسرها في الظاهر، وقع لبس بين ظاهرين في موضع، ففتحت اللام في أحدهما لزوال اللبس بينهما، ولم تزل اللام عن معناها مكسورة وعملها خافضة في حقيقة معناها، وذلك في المستغاث له، والمستغاث به، والمدعو له، والمدعو إليه؛ تقول: " يا لزيد " إذا كنت تدعوه إلى نصرك، وتستغيث به، و " يا لزيد " إذا كنت تدعو غيره إلى نصره وتستصرخ له ولشيء أصابه. وفتحت لام المستغاث به؛ لينفصل من المستغاث له، وهي على معناها في الإضافة وذلك أنك إذا دعوت رجلا، فقد فعلت به الدعاء فإذا كنت تدعوه لآخر، فقد فعلت به الدعاء من أجل الآخر، فكلاهما مفعول في
стр. 88
المعنى واللام تدخل على المفعولات، كقولك: " ضربي لزيد " و " دعائي لزيد "، أي: " ضربي واقع بزيد "، ودعائي واقع به. وتقول: " ضربي لزيد " إذا كنت ضربت غيره لأجله. فإذا قلت: " يا لزيد " فهو المدعو فيشبه هذا قولك: " دعائي لزيد " إذا كان هو المدعو به فإذا قلت: " بالزيد " فقد دعوت غيره من أجله، فهو يشبه قولك: " دعائي لزيد " أي
من أجله.
فلما كان المدعو والمدعو له يقعان في لفظ النداء، قوى اللبس بينهما إلا بفاصل، ففتحوا اللام من أحدهما، وبقوها من الآخر على حالها. وربما كان الشيء الواحد يصلح فيه المعنيان جميعا، يقولون: " يا للعجب " و " يا للعجب " فإذا قالوا: " يا للعجب " بكسر اللام، فكأنك قلت: " يا قوم تعالوا للعجب "، فهو بمنزلة المدعو إليه. وإذا قالوا: " يا للعجب " فكأنهم نادوا العجب، فقالوا: " يا عجب تعال "، فإن هذا من زمانك ووقتك فهو بمنزلة المدعو.
وأما قول الشاعر:
يا لبكر أنشروا لي كليبا ... يا لبكر أين أين الفرار (١)
فإن كثيرا من الناس يروي الأول بالفتح والثاني بالكسر. فإن قيل: فكيف يكونون مدعوين ومدعوا إليهم غيرهم في حال؟ فالجواب في ذلك أن الشاعر في الأول يهزأ بهم، كما يقال للمنهزم: " إلى أين أرجع؟ " وقد قيل في قوله : فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ. لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ ... (٢) إن هذا توبيخ لهم حين فروا، وبخوا على ما كان منهم.
وقال قتادة: هذا هزء من ربنا جلّ وعزّ.
وإذا استغثت بقوم ففتحت اللام منهم، ثم عطفت على ذلك، فإن اللام من المعطوف مكسورة، كقولك: " يا للرجال وللنّساء "، اللام من الرجال مفتوحة، ومن النساء مكسورة؛ وإنما كسرت هذه اللام وهي في موضع المستغاث به، من قبل أن اللام في المستغاث به، إنما فتحت وأصلها الكسر. لئلا يقع اللبس بين المدعو والمدعو إليه.
فإذا فتحناها ثم عطفنا عليها، فقد علم أن الثاني مدعو ومستغاث به، ولم يقع بينه وبين
стр. 89
غيره لبس، فردّت لامه إلى أصلها من الكسر.
قيل له: من قبل أن لام المستغاث له هي على معناها غير مغيرة ولا مزالة؛ لأنك إذا قلت: " يا لزيد " فمعناه: أدعوكم لزيد، فكأنك قلت: يا قوم أدعوكم لزيد، ومن أجل زيد وبسببه ناديتكم. وإذا قلت: " يا لزيد " فكأنك قلت: ندائي لزيد، كما تقول: ضربي لزيد، وكرامتي لزيد، فلهذا التأويل دخلته اللام، فالمدعو له على ما بينا لا يصلح نزع اللام منه؛ لأن معناه: من أجله وسببه والمدعو قد كان الأصل ألا تدخل فيه اللام لأنك إذا قلت: " ضربي لزيد "، و " كرامتي
لزيد " فأنت تريد أن ضربك واقع بزيد، وكرامتك لاحقة به. والأصل: ضربي زيدا وكرامتي زيدا، فكان إجراء اللام على أصلها، فيما لا بد له من اللام أولى من إجرائها فيما لا تلزم اللام فيه في معناه، فاعرف ذلك إن شاء الله.
فإن قال قائل: فهلا كسرت كاف التشبيه؛ لأنها تلزم الخفض كما كسرت الباء للزوم الكاف الإضافة والجر، كما زعمتم ذلك في الباء؟
قيل له: إن الباء لا تكون إلا جارة، ولا تستعمل إلا حرفا، وقد تكون الكاف بمنزلة المثل تستعمل اسما حتى تدخل عليها حروف الجر من ذلك قول الشاعر:
وصاليات ككما يؤثفين
فأدخل الكاف الأولى وهي حرف جار على الكاف الثانية، فعلمنا أن الكاف الثانية ليست بحرف؛ لأن حروف الجر لا تدخل إلا على الأسماء. ومنه قول الأعشى:
هل تنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل (١)
في هذا البيت قولان:
أحدهما: أن يكون تقديره؛ ولن ينهى ذوي شطط شيء كالطعن.
والقول الثاني: أن تكون الكاف اسما بمنزلة: " مثل "، وتكون هي الفاعلة لينهى، وهذا أجود القولين، وهو قول المبرد. وإنما صار أجود القولين من قبل أنه لا بدّ لينهى من فاعل، ولا يصلح أن يكون فاعله محذوفا، لأن الفعل لا يصلح إلا بفاعل.
قال سيبويه: " والضم فيها " منذ " فيمن جر بها؛ لأنها بمنزلة " من " في الأيام ".
قال أبو سعيد: اعلم أن " منذ " و " مذ " جميعا في معنى واحد، وهما يكونان اسمين
стр. 90
وحرفين، غير أن الغالب على " منذ " أن تكون حرفا، وعلى " مذ " أن تكون اسما: وأنا مبين جملة كافية في ذلك إن شاء الله.
تقول: " ما رأيته منذ يوم الجمعة " و " ما رأيته منذ اليوم ". وإذا قلت: " ما رأيته منذ يوم الجمعة " كان معناه: انقطعت رؤيتي له من يوم الجمعة، فكان يوم الجمعة لابتداء غاية انقطاع الرؤية، فمحل ذلك من الزمان كمحل " من " في المكان. إذا قلت: " ما سرت من بغداد "، أي ما ابتدأت السير من هذا المكان، فكذلك: ما وقعت رؤيتي عليه من هذا
الزمان، غير أن " من " على ما ذكرها البصريون تستعمل في غير الزمان، ويستعمل مكانها في الزمان: " منذ ".
فإن قال قائل: فقد قال الله : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ (١)، و " أول يوم " من الزمان، فقد دخلته " من " على الزمان.
ثم قال زهير:
لمن الدّيار بقنّة الحجر ... أقوين من حجج ومن دهر (٢)
وحجج معناها: سنون، وقد دخل عليها: " من ". فالجواب في ذلك: أن قوله:
" من أول يوم " يجوز أن يكون معناها: من تأسيس أول يوم، وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وقول زهير: " من حجج " أي من مر حجج.
والكوفيون يزعمون أن " من " تصلح للمكان والزمان، و " منذ " لا تصلح إلا للزمان، وتعلق بعضهم بما ذكرناه وقد أنبأنا عما فيه.
وتقول: " ما رأيته مذ يوم الجمعة " و " ما رأيته مذ السبت " وإن شئت قلت: " مذ السبت ". فأما من ضم الذال فإنه اتبع الضمة الضمة. ومن كسر فلالتقاء الساكنين على ما يجب من الكسر لالتقاء الساكنين.
وفي الضم وجه آخر، وهو أن " مذ " مخففة من: " منذ "، كما خففت " رب " من:
" ربّ "، وقد كانت الذال من " منذ " مضمومة، فلما اضطر إلى تحريك الذال في " مذ " ضم بحركته في: " منذ ".
стр. 91
فإن قال قائل: فما حكم " مذ " في هذا الوجه وتقديرها؟
قيل له: حكمها أن تكون اسما، وتقديرها أن تكون مبتدأة، ويكون ما بعدها خبرها، كأنك قلت: " ما رأيته مدة ذلك يوم السبت: فيكون على كلامين ".
فإن قيل: فهلا خفضت بمذ، وجعلتها مثل: " من " كما فعلت ذلك بمنذ؟ قيل له:
لما كانت " منذ " تكون اسما وتكون حرفا، وكانت الأسماء أجمل للحذف من الحروف، آثروا الحذف لها في حالها اسما. فإذا جعلت: " منذ " لما أنت فيه صار حرفا بمنزلة " في "، وانخفض ما بعدها؛ وذلك أنك إذا قلت: " ما رأيته مذ يوم الجمعة "، فإنما معناه: انقطاع رؤيتي له ابتداؤه يوم الجمعة، وانتهاؤه الساعة؛ فتضمنت " مذ " معنى الابتداء
والانتهاء.
وإذا قلت: " ما رأيته مذ اليوم "، فليس فيه إلا معنى ابتداء الغاية، وهي في معنى " في " وانخفض ما بعدها.
وزعم بعض أصحابنا أن " منذ " و " مذ " هما اسمان على كل حال. فإذا رفعنا ما بعدهما كان التقدير على ما مرّ، وإذا خفضنا ما بعدهما كانا في تقدير اسمين مضافين، وإن كانا مبنيين كقوله تعالى: مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (١) نضيف " لدن "، وإن كان مبنيا، إلى حكيم عليم، وإن كان ما بعدهما مرفوعا، فتقديرهما تقدير اسم مبتدأ، وما بعدهما خبرهما، ويكون من كلامين على النحو الذي قد تقدم.
ومثله في خفض ما بعده ورفعه: " كم " تقول: كم رجل جاءني " فتكون ":
" كم " بمنزلة عدد مضاف في الخبر. وتقول: " كم دراهمك " فتكون اسما في موضع الرفع خبرا لما بعدها، ويكون ما بعدها مرفوعا على الابتداء.
واستدل أصحابنا على خلاف هذا القول، وأنها حرف إذا انخفض ما بعدها بأن قالوا: رأيناها في الزمان تقوم مقام " من " وتكون لابتداء الغاية، و " من " حرف، فلا يجوز أن يكون ما في معناها وواقعا موقعها إلا حرفا.
فإن قال قائل: فإذا كانت: " منذ " و " مذ " على ما وصفتم من أمرهما، فلم كان الغالب على " منذ " أن يكون ما بعدها مخفوضا، وعلى: " مذ " أن يكون ما بعدها مرفوعا في الماضي؟
стр. 92
قيل له: لما كانتا مستعملتين اسمين وحرفين، وكان الأصل فيهما: " منذ " و " مذ " مخففة، غلبوا الاسمية على " مذ "، بسبب الحذف الذي لحقها؛ لأن الحذف إنما حقه أن يكون في الأسماء، وهي بذلك أولى لتصرفها وتمكنها ولحاق التنوين بها في تصريفها.
فإن قال قائل: لأية علة ضمت منذ؟ وما كان أصلها في البناء؟ قيل له: كان أصلها أن تكون الذال منها ساكنة اسما كانت أو حرفا. أما إذا كانت حرفا، فالحروف حقها السكون، وإذا كانت اسما فهي اسم في معنى حرف وينوب عنه، فوجب بناؤها على السكون، ثم التقى فيها ساكنان: النون والذال، فضمت الذال اتباعا للميم؛ لأن ما بينها حرف ساكن، وهو نون، والنون خفية جدا إذا كانت ساكنة؛ لأنها غنّة في الخيشوم، فلو بنوها على حد التقاء الساكنين، لكانوا قد خرجوا من ضمة إلى كسرة؛ وذلك قليل في كلامهم.
ومثله في الإتباع: قالوا: " منتن " و " منتن ". ومنهم من يقول: " منتن " فمن قال:
" منتن " أراد: " منتن " ثم اتبع التاء الميم وضمها؛ لأن الذي بينهما نون خفية، وليست حاجزا قويا. والذي يقول: " منتن " بكسر الميم والتاء على وجهين:
أحدهما: أن يكون أراد: " منتن " ثم كسر الميم فأتبعها كسرة التاء. ويجوز أن يكون من: " نتن " لأنه يقال: أنتن ونتن؛ فيكون " مفعل " من ذلك، كما تقول: " منخر ". ويجوز أن يكون أصله في هذا الوجه " منتن " وأتبعوا الميم التاء، كما قالوا: منخر ومنخر. ويجوز أن يكون: " مفعل " من " نتن " ثم اتبع التاء الميم، فكسر فاعرفه إن شاء الله.
قال سيبويه: " والوقف منها قولهم: من، وهل، وبل، وقد ".
قال أبو سعيد: اعلم أن هذه حروف جئن سواكن على ما يجب أن تجيء عليه الحروف.
فأما " من " فإنها تجيء عند سيبويه لثلاثة معان:
لابتداء الغاية، وهو قولك: " سرت من البصرة ".
وللتبعيض، كقولك: " يريد زيد من زيد "، و " أخذت من مال عمرو ثلثيه " وتكون زائدة في النفي، كقولك: " ما جاءني من أحد " في معنى؛ ما جاءني أحد. فأما إذا قلت: " ما جاءني من رجل " فإن فيه فائدة ومعنى زائدا على قولك: " ما جاءني رجل "؛ وذلك أنك إذا قلت: " ما جاءني رجل " احتمل أن تكون نافيا لرجل مفرد، وقد جاءك أكثر من رجل،
стр. 93
ويحتمل أن تكون نافيا لجنس الرجال. فإذا أدخلت " من " أزالت " من " أحد المعنيين من الكلام وقصرته على المعنى الآخر، وهو معنى الجنس.
وقال أبو العباس: " من " لها معنيان:
ابتداء الغاية والزيادة، وكان يجعل كونها مبعضة داخلا في معنى الابتداء للغاية، بحجج كثيرة تأتيك في موضعها إن شاء الله.
وأما " هل " فإنها تكون استفهاما، كقولك: " هل زيد قائم "، وتكون بمعنى: " قد "، كقوله : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ (١) ومعناه: قد أتى على الإنسان.
واعلم أن " هل " وإن كانت استفهاما، تدخل عليها ألف الاستفهام فيما ذكره أبو العباس المبرد، ولا تقع في مواقع الألف كلها، وإنما لها مواضع مخصوصة. قال الشاعر:
سائل فوارس يربوع بشدّتنا ... أهل رأونا بسفح القفّ ذي الأكم (٢)
ونحن نبين مواضع (هل) في الاستفهام إذا أتينا عليها إن شاء الله.
و (بل) لتحقيق ما بعدها؛ كقولك: " قام زيد بل عمرو "، فربما كان إبطالا للأول، وربما كان تحقيقا لما بعدها، ولا يراد بها إبطال الأول.
و (قد) إذا كانت حرفا فهي تدخل على الفعل المتوقع كقول القائل: " هل قام زيد " فتقول له: " قد قام ". وقد بينا أمرها إذا كانت اسما.
قال سيبويه: " ولا ضم من الفعل لأنه لم يجئ ثالث سوى المضارع ".
قال أبو سعيد: يعني أن الأفعال منها ماض، وحكمه البناء على الفتح، ومنها فعل الأمر، وحكمه البناء على الوقف. والمضارع حكمه أن يكون معربا، فلم يجئ ثالث بعد الماضي وفعل الأمر، مما حكمه أن يكون مبنيا، فيبنى على الضم.
قال سيبويه: " وعلى هذين المعنيين بناء كل فعل سوى المضارع. يعني على الماضي وفعل الأمر، لا يوجد سوى ذلك ".
قال أبو سعيد: قد ذكرنا تعليل ما ذكره سيبويه من المبنيات من الأسماء والأفعال،
стр. 94
وشرحناه بما حضرنا. وأنا أتبع ذلك بما يحضرني من المبنيات التي لم يتقدم ذكرها وأتقصاه بمبلغ قوتي فيه. وبالله أعتصم من الزيغ والزلل وما توفيقي إلا بالله.
اعلم أن الأسماء المضمرة وهي الأسماء المكنيات، مبنيات كلها وهي تنقسم قسمين: متصل ومنفصل.
فالمتصل لا حاجة بنا إلى إيضاح علة بنائه؛ لأنه لا يقوم بنفسه ولا ينطق به مفردا من غيره، وإنما يجئ متصلا باسم أو فعل أو حرف، فيصير كبعض حروفه.
وأما المنفصل من المضمر، فهو لا يقوم بنفسه في المعنى، وإن جاز النطق به مفردا.
وإنما لم يقم بنفسه لأنه لا يخلو من أن يكون للمتكلم وللمخاطب وللغائب، ولا يذكر إلا بعد تقديم اسمه الظاهر الذي هو سمته، ويعرف به، فكان احتياج المكني المضمر إلى ما يتقدمه من الاسم الظاهر يخرجه من شبه الأسماء المتمكنة، ويدخله في شبه الحروف؛ لأن الحروف لا تدل بأنفسها على المعاني، وإنما هي تأثيرات في الأسماء والأفعال القائمة بأنفسها لمعانيها، وضمير المتكلم والمخاطب في مثل هذا المعنى، وذلك أن حضورهما بمنزلة
ذكر الغائب، فلم تكن الأسماء المكنية دالة عليها إلا بحضورهما، كما لم تدل على الغائب إلا بحضور ذكره.
وأما الأسماء المبهمة؛ نحو: " هذا " وما تفرع منه، فمبني لما تقدم من ذكره.
وأما الأسماء الموصولة، وهي " الذي " وما يجري مجراه فمبنيات. وقد مر علة بناء " من " إذا كانت موصولة. وكل موصول في معنى ذلك.
وأما الأصوات فتجري على ضربين: معرفة ونكرة؛ فالمعرفة منها مبنية على السكون، إلا أن يلتقي في آخره ساكنان، فيحرك على قدر ما يستوجبه، لالتقاء الساكنين فما جاء منه ساكنا ولم يلتق في آخره ساكنان: " صه " ومعناه: اسكت، و " مه " ومعناه: انته وكفّ، و " عدس "، وهو زجر البغل. قال الشاعر:
عدس ما لعّباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق (١)
وما التقى في آخره ساكنان فحرّك، فنحو: " إيه " و " غاق ". قال ذو الرمة:
وقفنا فقلنا إيه عن أمّ مالك ... وما بال تكليم الدّيار البلاقع (٢)
وكان الأصمعي يخطّئ ذا الرمة في هذا البيت، ويزعم أن العرب لا تقول إلا
стр. 95
" إيه " بالتنوين.
والنحويون البصريون صوبوا ذا الرمة، وقسموا: " إيه " على ضربين، فقالوا:
" إيه " استزاده، فإذا استزاده منكورا كان منونا، وكان التنوين علامة التنكير، غير أن التنوين ساكن فيكسر له الهاء. وإذا كان استزاده معروفا زال التنوين، فبقي الحرف الأخير ساكنا، فالتقى ساكنان في آخره، فكسر الأخير منهما لالتقاء الساكنين.
وإذا نكّر شيء من الأصوات نوّنت، لعلامة التنكير، ثم كسر آخره؛ لسكونه وسكون التنوين؛ كقولك: " صه " و " مه ". وربما لم يكسروا آخره لعلة عارضة؛ فمن ذلك قولهم: " إيها " في الكف، أدخلوا التنوين للتنكير، ثم فتحوا آخره لالتقاء الساكنين؛ لئلا يلتبس " بإيه " الذي هو استزادة.
غير أن هذه الأصوات منها ما استعمل معرفة ولا ينكر نحو: " عدس " و " تشتو " للحمار، إذا دعوته ليشرب. ومنها ما يستعمل نكرة فقط، كنحو: " إيها " و " ويها ".
ومنها ما يستعمل معرفة ونكرة؛ نحو: " غاق " و " غاق " و " إيه " و " إيه "، وكنحو قولهم: " أفّ وأفّ وأفّ " وهي كلمة للضجر في المعرفة. وفي النكرة: " أفّ وأفّا وأفّ "؛ فمن قال: " أفّ " فضم، أتبع الحركة، كما تقول: " مدّ ". ومن قال: أفّ كسر لالتقاء الساكنين على حسب ما يوجبه التقاء الساكنين. ومن قال: " أفّ " فتح استثقالا للتضعيف وضمة الهمزة، كما تقول: " مدّ يا هذا ". وإذا نكرت أدخلت التنوين على اختلاف هذه الحركات، للعلل التي ذكرناها. وما أتاك من الأصوات فهذا قياسه.
ومن المبنيات قولهم: " أيّان يقوم " في معنى: " متى يقوم "، وهي مبنية على الفتح، وقد كان أصلها أن تكون ساكنة؛ لأنها وقعت موقع حرف الاستفهام، غير أنها التقى في آخرها ساكنان، فآثروا تحريك آخرها بالفتح؛ لأن قبلها ياء وهي مع ذلك مشددة، وبينها وبين الياء الألف وليست حاجزا حصينا، فلم يحفلوا بكونها- أعني كون الألف، ففتحوا النون كأنها وقعت بعد ياء مضاعفة. وعلة أخرى وهي أن الأسماء التي يستفهم بها، كل ما وجب التحريك فيه منها مفتوح، نحو: " أين " و " كيف " فأتبعوها: " أيّان "؛ إذ كانت مستحقة لتحريك الآخر، حتى لا يخرج من جملتها.
ومن المبنيات قول الشاعر:
طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء (١)
стр. 96
فكسر " أوان " ونوّن.
قال أبو العباس. إنما نون من قبل أن الأوان من أسماء الزمان، وأسماء الزمان قد تكون مضافات إلى الجمل، كقولك: " هذا يوم يقوم زيد " و " أتيتك زمن الحجاج أمير ".
فإذا حذفت الجمل عوضت منها التنوين، كما فعلت فيما أضيف على غير متمكن؛ كقولك: " يومئذ " و " حينئذ ". فهذا معنى ما قال أبو العباس، وأظنني قد زدت فيه شرح دخول التنوين؛ لأن الغالب في ظني عن أبي العباس، وهو الذي حكاه أصحابه عنه أنه قال: هو بمنزلة: " قبل " و " بعد " حين بني لما حذف عنهما من المضاف إليه، فرأيت هذا القول يختل من جهة أن " قبل " و " بعد " وما جرى مجراهما، متى حذف عنهما المضاف إليه، لم يخل من أن تكون معرفة أو نكرة، فإذا كان معرفة كان مبنيا على حالة واحدة؛ كقولك: " جئتك من قبل "، و " جئتك قبل "؛ فإن كان نكرة كان معربا، كقولك: " جئتك قبلا وبعدا " و " جئتك من قبل ".
والصحيح في " أوان " عندي أنه نوّن، وبني لعلتين اثنتين:
إحداهما: أنه كان مضافا إلى جملة حذفت عنه، فاستحق التنوين عوضا من حذفها، بمنزلة: " إذ "، ولم تكن بمنزلة: " قبل " و " بعد "؛ لأن " قبل " و " بعد " كان مضافا إلى اسم واحد، وبني إذ قد صيرت في معنى: " إذ " حين حذفت الجملة منها، وبقي فيها عوضها وهو التنوين، فصار كاسم حذف بعضه، وبقي بعضه، والتقى في آخره ساكنان: التنوين الذي دخل عوضا، والنون الذي ينبغي إسكانه للبناء، فكسرت.
ويجوز عندي أن تكون النون لم تكسر لالتقاء، ولكنها بنيت في أول أحوالها على الكسر، ثم دخل التنوين لم ذكرنا.
فإن قال قائل: ولم أجزت ذلك؟
قيل له: من قبل أني رأيت " الأوان " متمكنا في غير هذه الحال؛ كقولك: " هذا أوان المطر "، وقولك: " هذا الأوان طيب ". ورأيت سيبويه ومن بعده من النحويين البصريين يقولون: إن المبني متى ما كان متمكنا قبل حال بنائه، وجب أن يبنى على حركة، كما قالوا في المنادى المفرد: " يا حكم " و " يا جعفر "، وكما قالوا: قبل
стр. 97
وبعد وأول.
والعلة الثانية في كسر: " أوان " أنا رأينا: " لات " قد يقع بعدها الأزمنة منصوبة ومرفوعة، إذا لم يكن محذوفا منها شيء، فلو قيل: لات أوانا، أو: لات أوان، كانا معربين، ولم يكن دليلا على حذف شيء، وصار بمنزلة قوله: " لات حينا " و " لات حين " بلا تقدير حذف من " حين " فنونوا لما ذكرنا، وكسروا لأن يخرج هذا من اللبس.
وقد زعم بعضهم في: " لات أوان " أن " لات " جارة للأوان، بمنزلة حرف من حروف الخفض، وهو قول بعض الكوفيين. ولو كان كما قال، جاز أن تقول:
" ولات حين مناص "؛ لأنه جر فاعرفه إن شاء الله.
ومن ذلك: " هنا "، وهو إشارة إلى ما خص من المكان. وفيه ثلاث لغات: هنّا، وهنّا، وهنّا، وهي أردؤها. قال ذو الرمة في التشديد:
هنّا وهنّا ومن هنّا لهن بها ... ذات الشمائل والإيمان هينوم (١)
ويجوز إدخال حرف التنبيه عليه كما تدخله على: " ذا " إذا أشرت إليه، تقول: " ها هنّا " و " ها هنّا " و " ها هنّا ". واستحق البناء للإشارة والإبهام، كما استحق:
" هذا " و " هؤلاء " وما جرى مجراهما. ولا تجوز الإشارة به إلى شيء غير المكان، إلا أن تجريه مجرى المكان
مجازا؛ كقولك: " قف حيث أمرك الله "، وإنما " حيث " للمكان، و " زيد دون عمرو في مرتبته وفوقه فيها ". و " دون " و " فوق " يستعملان في حقيقة اللغة لما علا شيئا أو انحط عنه. وقد جاء في الشعر للزمان. قال الأعشى:
لات هنّا ذكرى جبيرة أو من ... جاء منها بطائف الأهوال (٢)
أراد: ليس هذا أوان ذكرى جبيرة، وهي امرأة.
فإذا أشرت إلى مكان منتح متباعد، قلت: " ثمّ " إذا وصلت الكلام، فإذا وقفت عليه وقفت بالهاء، فقلت: " ثمّة ". وإنما ألحقت الهاء إذا وقفت؛ لأن كل متحرك ليست حركته إعرابا، جاز أن يلحق آخره هاء في الوقف؛ نحو: " كيف " و " أين " و " هي " و " هو "؛ فتقول: " كيفه " و " أينه " و " هيه " و " هوه ". قال حسان:
стр. 98
إذا ما ترعرع فينا الغلام ... فما إن يقال له من هوه (١)
ويجوز ألا تلحق هاء؛ فتقول: " جئتك من ثمّ ". وإنما وجب أن تفتح آخره من قبل أن " ثمّ " يشار به إلى متباعد، فوجب بناؤه على سكون للإشارة التي فيه، ولإبهامه على ما تقدم في المبهمات، فالتقى في آخره ساكنان، ففتح للتشديد الذي فيه، ولا يستعمل إلا للمكان المتنحي أو ما يجري مجراه.
فإن قال قائل: فهلا زادوا على إشارة الحاضر من المكان كافا، فتكون إشارة إلى المتنحي منه، كقولهم: " ذا " إذا أشاروا إلى حاضر، وإذا أشاروا إلى متنح زادوا كافا للمخاطب، وجعلوه علامة لتباعد المشار إليه فقالوا: ذاك؟
قيل له: قد فعلوا مثل ذلك في الإشارة إلى المكان، فقالوا: " هنا " ثم قالوا: " هناك " فدلّوا بزيادة الكاف على المكان المتنحي المشار إليه، ثم جعلوا للمكان المتباعد لفظا تدل صورته على تباعده، ولم يحتاجون إلى الكاف، وهو قولهم: " رأيته ثمّة " فثّمة صورتها تدل على تباعد المكان.
فإذا قالوا: " رأيته هناك " دلت الكاف على مثل ما دلت عليه " ثمّة " بغير كاف.
والدليل على ذلك أنهم لو نزعوا الكاف فقالوا: " رأيته هنا " بغير كاف، صارت الإشارة إلى مكان حاضر. وقد علمت أن الكاف مع " هنا " بمنزلة: " ثمّ " بصيغتيها، ويدخلون اللام لتأكيد التباعد، فيقولون: " هنالك "، كما يقولون: " ذلك "، ولا فرق بينهما في الإشارة، غير أن " هنالك " وبابها إشارة إلى مكان، و " ذلك " إشارة إلى كل شيء فاعرفه إن شاء الله.
قال أبو العباس: " ذلك " أشد تراخيا من: " ذاك ". فقال أبو إسحاق: دخلت اللام عوضا من سقوط حرف التنبيه؛ ذلك أنه لا يقال: " هذا لك " وانكسرت اللام؛ لأنها زيدت ساكنة وكسرت لالتقاء الساكنين.
ومن ذلك: " الآن " وهي مبنية على الفتح.
قال أبو العباس المبرد: الذي أوجب بناءها أنها وقعت في أول أحوالها بالألف واللام، وحكم الأسماء أن تكون منكورة شائعة في الجنس، ثم يدخل عليها ما يعرفها من
стр. 99
إضافة أو ألف ولام، فخالفت " الآن " سائر أخواتها من الأسماء، بأن وقعت معرفة في أول أحوالها ولزمت موضعا واحدا، فبنيت لذلك المعنى. قاله أبو العباس أو نحوه.
وأقول: إن لزومها في هذا الموضع في الأسماء قد ألحقها بشبه الحروف، وذلك أن الحروف لازمة لمواضعها التي وقعت فيها في أوليتها، غير زائلة عنها، ولا بارحة منها، واختاروا الفتح لأنه أخف الحركات، وأشكلها بالألف، وأتبعوها الألف التي قبلها، كما أتبعوا ضمة الذال التي في: " منذ " ضمة الميم، وإن كان حق الذال أن تكسر لالتقاء الساكنين.
وقد يجوز أن يكونوا أتبعوا فتحة النون فتحة الهمزة، ولم يحفلوا بالألف، كما لم يحفلوا بالنون التي بين الميم والذال في: " منذ ".
وقد يجوز في فتحها وجه آخر، وهو ما ذكرنا من أمر الظروف المستحقة لبناء أواخرها على حركة لالتقاء الساكنين، كأين، وأيّان، وقد بنيا على الفتح، وأحدهما من ظروف الزمان والآخر من ظروف المكان، وشاركتهما: " الآن " في الظرفية، وآخرها مستحق للتحريك لالتقاء الساكنين، ففتح تشبيها بهما. ومعنى " الآن " أنه للزمان الذي كان يقع فيه كلام المتكلم، وهو الزمان الذي هو آخر ما مضى وأول ما يأتي من الأزمنة.
وقال الفراء: فيه قولان:
أحدهما: أن أصله من آن الشيء يئين، إذا أتى وقته، كقولك: " آن لك أن تفعل " و " أنى لك أن تفعل " و " أنى لك أن تفعل كذا " أي أتى وقته. وآخر " آن لك " مفتوح؛ لأنه فعل ماض.
وزعم الفراء أنهم أدخلوا الألف واللام على " آن " وهو مفتوح فتركوه على فتحه، كما يروى عن النبي ﷺ أنه نهى عن قيل وقال. وقيل وقال فعلان ماضيان، وأدخل عليهما الخافض، وتركهما على ما كانا
عليه.
والقول الثاني: أن الأصل فيه: " أوان " ثم حذفوا الواو فبقي " آن " كما قالوا: رياح وراح.
والذي قاله الفراء خطأ، أعني الوجه الأول من الوجهين؛ لأن الألف واللام وإن كانتا للتعريف، كدخولهما في " الرجل "، فليس لآن الذي هو فعل فاعل، وإن كانتا بمعنى " الذي " لم يجز دخولهما إلا في ضرورة، كاليجدّع، واليتقصّع. وقد ذكرناهما.
стр. 100
فإن قال قائل: يكون فيه ضمير المصدر كما أضمر في قيل وقال؟
فإن قال قائل: إذا فرقتم بين اللامين بالكسر والفتح، فلم صارت لام المستغاث به أولى بالفتح من لام المستغاث له؟
فالجواب في ذلك: أن ما يحكى تدخل عليه العوامل، ولا تدخل عليه الألف واللام؛ لأن العوامل لا تغير معاني ما تدخل عليه، كتغيير الألف واللام، ألا ترى أنّا نقول: نصبنا اسم إن بإن، ورفعنا بكان، ولا نقول: نصبنا بالإن، ورفعنا بالكان.
وأما ما شبّهه به من نهيه ﵇ عن قيل وقال، فغير مشبه له؛ لأنه حكاية والحكايات تدخل عليها العوامل فتحكى، ولا تدخل عليها الألف واللام، ألا ترى أنك تقول: " مررت بتأبط شرا " و " برق نحره ". ولا تقول: " هذا التأبط شرا ". وإنما حكي: قيل وقال عندي، من قبل أن فيهما ضميرا قد أقيم مقام الفاعل، ومتى ورد الفعل ومعه فاعله، حكي لا غير، كما ذكرنا في: " تأبط شرّا " و " برق نحره ".
وأما ما ذكره من الراح والرياح، وأن أصله: " أوان " فليس ذلك تعليلا لبنائه على الفتح. وإنما كلامنا في بنائه.
ومن ذلك: " شتّان " وهو مبني على الفتح، ومعناه: بعد كقولك: " شتان زيد وعمرو "، من الشّتّ، وهو التفريق والتباعد؛ يقال: " شتّان زيد وعمرو و " شتّان ما زيد وعمرو "، فمعناه: تباعد وتفرق أمرهما.
قال الشاعر:
شتّان هذا والعناق والنّوم ... والمشرب البارد في الظلّ الدّوم (١)
ويروى: في ظلّ الدّوم. وقال الأعشى:
شتّان ما يومي على كورها ... ويوم حيّان أخي جابر (٢)
وكان الأصمعي يأبى: " شتان ما بين زيد وعمرو " وينشد بيت الأعشى الذي ذكرناه، ويرد قول ربيعة الرقي، ويقول: ليس بحجة، وهو قوله:
стр. 101
لشتّان ما بين اليزيدين في النّدى ... يزيد سليم والأغرّ بن حاتم (١)
قال أبو سعيد: والقياس لا يأباه، من قبل أن " شتان " إذا كان معناه: شتّ، وهو بعد، فغير ممتنع أن تقول: بعد ما بين زيد وعمرو، وتفرق ما بينهما والذي أوجب بناء " شتان " أنه وقع موقع الفعل الماضي، والفعل الماضي مبني، فبني وكانت الفتحة أولى به كما تكون في الفعل الماضي. ويجوز أن تكون النون فتحت إتباعا للتاء التي قبلها، كما ذكرناه في: " الآن ".
وزعم الزجاج أن الذي أوجب له البناء أنه مصدر جاء على " فعلان " فخالف أخواته، فبني لذلك.
قال أبو سعيد: وقد وجدنا فعلان في المصادر، قالوا: لوى يلوى ليّانا، قال الشاعر:
تطيلين ليّاني وأنت مليّة ... وأحسن يا ذات الوشاح التقاضيا (٢)
ولقائل أن يقول: إن " ليّانا " مصدر فعل مستعمل له وهو قولك: لوى يلوى ليانا، وليس كذلك: شتان، لأنك لا تقول: شتانا يشت شانا، فهو مع خروجه عن أمثلة المصادر غير منطوق بالفعل المأخوذ منه.
وفي ليّان كلام يأتي بعد هذا في موضعه وذكر أهل العلم باللغة أن " شت " الذي " شتان " في معناه، إنما هو فعل كان أصله: " شتت " فنزعوا الضمة وأدغموا.
ومثل قولهم: " شتان " قولهم: " سرعان ذي إهاله " يريدون: سرع هذه إهالة فجرى " سرعان " مجرى " سرع " ففعل به ما فعل بشتان حين كان في معنى؛ شتت.
و" سرعان ذي إهالة " مثل، وذلك أن بعض حمقى العرب يقال إنه اشترى شاة وسال رغامها، فتوهمه شحما مذابا، فقال لبعض أهله: خذ من شاتنا إهالتها، فنظر إلى مخاطها فقال: " سرعان ذي إهالة ". والإهالة: الشحم المذاب.
وزعم أبو حاتم السجستاني، وقد ذكر " شتان "، وزعم أنه بمنزلة: " سبحان " وهذا وهم؛ لأن: " سبحان " عند النحويين منصوب معرب إلا أنه لا ينصرف؛ لأنه معرفة ولأن في آخره نونا وألفا زائدتين. وانتصب لأنه مصدر، ولم ينون لأنه لا ينصرف. قال
стр. 102
أمية بن أبي الصلت:
سبحانه ثم سبحانا يعود له ... وقبلنا سبّح الجوديّ والجمد (١)
الجودي والجمد: جبلان. و " سبحانا " فيه وجهان؛ أحدهما: أن يكون نوّن للضرورة، كما يصرف ما لا ينصرف في الشعر، والآخر أن يكون نكرة، فاعرفه إن شاء الله.
وأما " إبّان ذلك " و " إفّان ذلك " والمعنى فيهما متقارب، فهما معربان مضافان إلى ما بعدهما؛ كقولك: " جئت على إفان ذلك " و " جئت في إبّانه " أي في وقته فإذا لم يدخل الجار نصبت على الظرف فقلت: " جئت إبان ذلك ".
ومن ذلك: " هلمّ "، تقول: " هلمّ ذاك " و " هلم إلى ذاك " والمعنى الدعاء إليه. وهو " ها " ضمّ إليها: " لمّ ".
وفيها لغتان: فأما أهل الحجاز فيقولون للواحد والاثنين والجماعة من المذكر والمؤنث بلفظ واحد، كقولهم: " هلمّ يا رجل " و " هلّم يا رجلان " و " هلّم يا رجال " و " هلم يا امرأة " و " هلم يا نسوة ". قال الله تعالى: وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا (٢) والمخاطبون بهذا جماعة، وإنما جعلوا اللفظ واحدا في كل حال؛ لأنهم بنوه معه، فخالفوا مجراه في لغتهم؛ لأنهم يقولون للواحد: " المم "، فلما غيّروا قياسه وبنوه مع غيره، ألزموه طريقة واحدة في أحواله كلها.
وأما بنو تميم فيثنون ويجمعون ويؤنثون؛ كقولهم: " هلّم يا رجل " و " هلمّا يا رجلان " و " هلمّوا يا رجال " و " هلمّي يا امرأة ".
واختلف عنهم في فعل جماعة النساء. فذكر البصريون وبعض الكوفيين: " هلممن يا نسوة " بفتح الهاء وتسكين اللام، وضمة الميم الأولى، وتسكين الثانية وفتحة النون بلا تشديد؛ وإنما جعل كذلك لأن هذه النون لا بد لها من تسكين ما قبلها؛ كقولك: " قعدن " و " قمن " للنساء، فلما كانت هذه النون التي هي ضمير جماعة النساء، توجب تسكين ما قبلها بطل الإدغام؛ لسكون الحرف الذي يلي النون، وصار عندهم بمنزلة: " أرددن ".
стр. 103
وزعم الفراء أن الصواب في هذه اللغة: " هلمّن " فتحة الهاء وضمة اللام وتشديد الميم وفتحها وفتحة النون
وتشديدها. وزعم أن الذي أوجب ذلك أن هذه النون التي هي ضمير الجماعة لا توجد إلا وقبلها ساكن، فزادوا نونا أخرى، لئلا تسكن الميم الأخيرة، وتركوا الميم الأخيرة على حالها، وجعلوا النون المزيدة توقية لتغيير الميم الأخيرة. ويشبه هذا قولهم: " مني " و " عني " حين زادوا نونا أخرى توقي سكون النون الأولى: لأن النون الأولى لا تكون إلا ساكنة، وياء المتكلم يكسر ما قبلها، فزيدت نون لتكسر لدخول الياء، وتسلم النون الأولى.
واحتج الفراء لذلك بما يروى في بعض اللغات من زيادة الألف في: " ردّات "؛ وذلك أن من العرب من يقول مكان: " رددت ": " ردّت " فيدغم، كما كان قبل دخول تاء ضمير المتكلم، فمن أهل هذه اللغة من يقول: " ردّات " فيزيد ألفا، ليسكن ما قبل هذه التاء؛ لأن ذلك حكمها، ويبقى التضعيف على حاله. وكذلك تزاد نون قبل نون جماعة المؤنث، ليكون ما قبل النون ساكنا ويسلم التضعيف.
والذي ذكره الجماعة سوى الفراء هو القياس. وما قاله الفراء من زيادة الألف في هذه اللغة، فهو شاذ من شاذ لا يعبأ بمثله.
وقد حكي عن بعضهم: " هلمّين يا نسوة " في هذه اللغة، بجعل الزائد ياء وهذا شاذ أيضا.
وتقول: " هلمّ يا رجل إلى كذا وكذا "، فيقول: " لا أهلمّ إليه " و " هلمّ كذا وكذا "، فيقول: " لا أهلمّه " بفتحة الألف والهاء وضمة اللام وتشديد الميم وضمها. والأصل في ذلك: " لا ألم "، كما تقول: " لا أردّ " والهمزة مفتوحة؛ لأنها للمتكلم في فعل ثلاثي، والفاء مزيدة مفتوحة، فهي على أصل فتحتها، واللام فاء الفعل والميم مرفوعة؛ لأنه فعل مستقبل، وتقديره: " لا ألمه "، ثم أدخلت الهاء بين الألف واللام مفتوحة وتركت سائر الكلام على حاله، فاعرفه إن شاء الله.
ومما يؤمر به من المبنيات قولهم: " هاء يا فتى " ومعناه: تناول ويفتحون الهمزة، يجعلون فتحها علم المذكر، كما تقول: " هاك يا فتى " فتجعل فتحة الكاف علامة المذكر، ويصرفونها تصريف الكاف في التثنية، والجمع، والمؤنث. وتقول للاثنين المذكرين والمؤنثين: " هاؤما "، وللجماعة المذكرين: " هاؤموا " و " هاؤم ". وقال الله تعالى: هاؤُمُ
стр. 104
اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١) والمؤنث الواحدة: " هاء يا امرأة " همزة مكسورة بغير ياء، ولجماعة النساء: " هاءون يا نسوة " وهذا أجود اللغات وأكثرها وبها جاء القرآن.
ومنهم من يقول: " هاء يا رجل " على وزن: عاط يا رجل والأصل؛ " هائي "، ومثاله من الفعل: فاعل، كما تقول: " قاتل يا رجل "، وسقطت الياء للأمر، ومثله: " هات يا رجل ". ويتصرف كما يتصرف " هات ". ويقول للاثنين؛ "
هائيا "، كما تقول: " هاتيا "، وللجماعة المذكرين: " هاءوا "، كما تقول: " هاتوا "، وللمرأة؛ " هائي يا امرأة " بهمزة بعدها ياء، كما تقول: " هاتي "، وللجماعة من النساء: " هائين يا نسوة "، كما تقول: " هاتين يا نسوة ".
فأما ما يروى أن عليا ﵁ قال:
أفاطم هاء السيف غير مذمّم ... .... (٢)
فيحتمل أن يكون من هذه اللغة، وسقطت الياء منها للام الساكنة بعدها. ويحتمل أن يكون من اللغة الأولى وقال آخر من هذه اللغة:
وقلت لها هائي فقالت براحة ... ترى زعفرانا في أسرّتها ورد (٣)
ومنهم من يقول: " هاك يا رجل " و " هاكما يا رجلان " و " هاكما يا امرأتان " و " هاكموا وهاكم يا رجال " و " هاك يا امرأة " و " هاكنّ يا نسوة ".
ومنهم من يقول: " ها يا رجل " بهمزة ساكنة، و " هاءا يا رجلان " مثل؛ خف يا رجل، وخافا يا رجلان، و " هاءوا يا رجال " و " هائي يا امرأة " مثل: خافي، و " هأن يا نسوة "، مثل: خفن يا نسوة.
ومن هذه اللغة ما حكاه الكسائي من قول الرجل منهم، إذا قيل له ذلك: " إلام أهاء وإهاء "، كما تقول: أخاف وإخاف. وتقدير هذا الفعل أن يكون على: فعل يفعل؛ ولذلك جاز كسر همزة المتكلم في: إهاء.
ويجوز أن يكون البيتان الأولان من هذه اللغة.
ومنهم من يقول: " هاء يا رجل " و " هاءا يا رجلان " كما تقول: طاء يا رجل، وطاءا
стр. 105
يا رجلان، وهب يا رجل، وهبا يا رجلان، و " هاءوا يا رجال " و " هئي يا امرأة " كما تقول: هبي يا امرأة، و " هأن يا نسوة " كما تقول: هبن يا نسوة.
وهذه اللغة تشبه أن يكون فاء الفعل منها واوا سقطت، كما سقطت في: وهب يهب.
ومنهم من يقول: " هاءك يا رجل "، بهمزة بعد الألف مفتوحة، وتغير الكاف على حسب المخاطبين، تقول للواحد المذكر: " هاءك يا رجل " وللاثنين: " هاء كما " وللجماعة:
" هاءكم " وللمؤنث: " هاءك " وللجماعة من المؤنث: " هاءكن ".
والكاف للخطاب لا موضع لها، كما تقول: " أرأيتك " فالتاء مرفوعة، والكاف للخطاب. وتلزم التاء حالة واحدة، وتتغير الكاف، فتقول للرجل: " أرأيتك يا رجل "، وللاثنين: " أرأيتكما يا رجلان " وللجماعة: " أرأيتكم " وللمرأة: أرأيتك " ولجماعة النساء:
" أرأيتكن " وذلك أنهم استغنوا بما يظهر من التثنية والجمع والتأنيث، عن تغيير التاء في:
" أرأيتك " والهمزة في: " هاءك ".
ونظير: " أرأيتك " وبابه في توحيد التاء وتذكيرها، وإن كان الفاعل جماعة أو مثنى:
" حبذا زيد " و " حبذا الزيدان " و " حبذا هند ". وتوحد " حبذا " وإن كانت الأسماء جماعة أو مؤنثا. وشبيهه: " هلّم " في لغة أهل الحجاز في قولهم: " هلّم " للواحد والجماعة والمؤنث والمذكر، ولفظ: " هلمّ " موحد.
ومنهم من يقول: " هاء- مهموزا وغير مهموز- يا رجل "، و " ها يا رجلان " و " ها يا رجال " و " ها يا امرأة " و " ها يا نسوة "، جعلوه صوتا لم يلحقوا فيه علامة الخطاب، كقولهم: " صه يا رجل " و " صه يا رجلان " وكذلك الجماعة والمؤنث وجماعتها.
ومن المبنيات العدد من " أحد عشر " إلى " تسعة عشر " يكون النيف والعشرة مفتوحين جميعا، تقول: " أحد عشر "، و " ثلاثة عشر " و " تسعة عشر ".
والذي أوجب بناءهما أن التقدير فيها؛ خمسة وعشرة، فحذفت الواو وتضمنتا معناها، فاختير لهما الفتح؛ لأنه أخف الحركات.
وبعض العرب يقول: " إحدى عشر " و " خمسة عشر "، فيسكن العين. وإنما فعل هذا لأن " إحدى عشر " قد اجتمع فيها ست متحركات، وليس في كلامهم أكثر من ثلاث متحركات متواليات إلا ما كان مخففا، والأصل غيره، كقولهم: " علبط "
стр. 106
و " جندل " و " زلزل ". وليس في كلامهم أكثر من أربع حركات متواليات في كلمة كانت أصلا أو مخففة. فلما صار: " أحد عشر ". بمحل اسم واحد، خففوا الحرف الرابع الذي بتحريكه يكون الخروج عن ترتيب حركات الأصول في كلامهم.
ومن يسكن العين في اللغة التي ذكرناها، لا يسكنها في " اثني عشر " لئلا يجتمع ساكنان، وليس في كلامهم جمع بين ساكنين، إلا أن يكون الساكن الثاني بعد حرف من حروف المد واللين مدغما في مثله؛ نحو: " دابة " وما
أشبهها.
فإن قال قائل: هلا بنيتم؛: " اثني عشر " على حد واحد، فلا يتغير في رفع ولا نصب ولا جر، كما فعلتم ذلك في أخواته؟
قيل له: من قبل أن الاثنين قد كان إعرابهما بالألف والياء، وكانت النون على حالة واحدة فيهما جميعا، كقولك: " هذان الاثنان " و " رأيت الاثنين " و " مررت بالاثنين ". فإذا أضفت سقطت النون، وقام المضاف إليه مقامها، ودخل حرف التثنية، من التغير في حال الرفع والنصب والجر مع المضاف إليه، ما كان يدخله مع النون. ولما كان: " عشر " في قولك: " اثنا عشر " حل محل النون وعاقبها، صار بمنزلة المضاف إليه، ولم يمنع تغير الألف إلى الياء في النصب والجر.
وتقول في المؤنث: " إحدى عشر " و " ثنتا عشر "، وإن شئت " " اثنتا عشرة ".
وتقول في: " ثماني عشرة ": " ثماني عشرة " بفتح الياء وهو الاختيار عند النحويين.
وقد يجوز: " ثماني عشرة " بتسكين الياء. فأما من فتحها فأجراها على أخواتها؛ لأنها جميعا في عدة واحدة وترتيب واحد. وأما من سكّنها فشبهها " بمعدي كرب " و " أيادي سبأ " و " قاليقلا " وأشباه ذلك.
وفي عشرة لغتان:
فأما أهل الحجاز فيقولون: إحدى عشر بتسكين الشين.
وأما بنو تميم فيقولون: " إحدى عشر " بكسرها.
وهذا عكس ما يعرف من اللغتين؛ لأن الغالب على بني تميم تسكين العين من فعل وفعلة، وعلى أهل الحجاز كسرها.
واعلم أنك إذا سميت رجلا بخمسة عشر، جاز أن تضم الراء، فتقول: " هذا خمسة عشر "، و " رأيت خمسة عشر " و " مررت بخمسة عشر " تجريه مجرى اسم لا ينصرف.
стр. 107
ولك أن تحكيه فتفتحه على كل حال. والأخفش كان يرى إعرابهما إذا أضفتها وهي عدد، فتقول: " هذه الدراهم خمسة عشرك ".
وقد ذكر سيبويه أن هذه لغة رديئة. والعلة في ذلك أن الإضافات ترد الأشياء إلى أصولها، وقد علمت أن خمسة عشر درهما، هي تقدير التنوين، وبه عمل في الدرهم. فإذا أضفتها إلى مالكها لم يجز تقدير التنوين فيها، لمعاقبة التنوين الإضافة، فصار بمنزلة اسم لا ينصرف، فإذا أضيف انصرف، وأعرب بما كان يمتنع من الإعراب قبل حال
الإضافة.
والكلام على هذا القول وعلته وتفصيله، له موضع نذكره فيه، إن شاء الله. وقال الخليل بن أحمد: من يقول: " هذا خمسة عشرك " لم يقل: " هذا اثنا عشرك " في العدد، من قبل أن عشر قد قام مقام النون، والإضافة تسقط النون، فلا يجوز أن يثبت معها ما قام مقام النون، ولكن تقول: " هذا اثنا عشرك ".
فإن قال قائل: فأضف وأسقط " عشرة " كما تسقط النون.
قيل: هذا لا يجوز، من قبل أنا لو أسقطناه كما تسقط النون، لم ينفصل في الإضافة " اثنان " من " اثني عشر "؛ لأنك تقول في اثنين: هذان اثناك، فلو قلت في: " اثني عشر ":
" هذا اثناك " لالتبسا، فإذا كان اسم رجل، جازت إضافته بإسقاط " عشر ".
ومن قال في رجل اسمه: " مسلمان ": " هذا مسلمان ومسلمانك "، جاز أن يقول:
" هذا اثنان عشرك "؛ لأنه يجعل هذه النون كنون " سعدان ".
واعلم أن الفراء ومن وافقه يجيز إضافة النيف إلى العشرة؛ فتقول: " هذا خمسة عشر ".
وأنشدوا فيه:
كلّف من عنائه وشقوته ... بنت ثماني عشرة من حجّته (١)
وهذا لا يجيزه البصريون ولا يعرفون البيت.
وإذا كان عشر مضافا، وجب عند الفراء إضافة النيف على عشر، كقولك:
" هذا خمسة عشرك "، وللاحتجاج له وعليه موضع غير هذا.
стр. 108
واعلم أن العرب تقول: " هذا ثاني اثنين " و " ثالث ثلاثة " و " عاشر عشرة ". وقد يقال: " ثاني واحد " و " ثالث اثنين " و " عاشر تسعة "؛ لأنه مأخوذ من ثنى الواحد، وثلث الاثنين، وعشر التسعة.
فإن نونت فهو بمنزلة قولك: " ضارب زيدا ". وإن أضفت فهو بمنزلة قولك:
" ضارب زيد ".
ولا يجوز التنوين في الوجه الأول، إذا قلت: " ثالث ثلاثة "؛ لأنك أردت به: أحد ثلاثة، وبعض ثلاثة. ولا يجوز التنوين مع هذا التقدير في قول أكثر النحويين؛ لأنه لا يكون مأخوذا من فعل عامل.
وإذا قلت: " هذا عاشر عشرة " قلت: " هذا حادي عشر " بتسكين الياء. ومنهم من يقول: " هذا حادي عشر " بفتح الياء. فأما من سكن الياء من " حادي "، فتقديره: هذا حادي الأحد عشر، كما تقول: " هذا قاضي بغداد "، وحذف " أحد " تخفيفا لدلالة المعنى عليه. وأما من فتح فإنه بنى " حادي " مع " عشر " حين حذف " أحد "، فجعل " حادي " قائما مقامه، ومنهم من يقول: " هذا الحادي أحد عشر ". فإذا قالوا ذلك لم يجز في الياء إلا التسكين؛ لأن ثلاثة أشياء لا يجوز أن يكن اسما واحدا، وتقول فيما جاوز أحد عشر من هذه اللغة: " هذا ثاني عشر " و " ثاني عشر " و " ثاني اثنى عشر " و " ثالث عشر " و " ثالث ثلاثة عشر " لا غير، على تسعة عشر، على ما بيناه.
فإن قال قائل: فلم قيل: " حادي عشر " وهو فاعل من واحد؟ وهلا قالوا:
" واحد عشر " أو " آحد عشر " من لفظ " أحد "؟
ففي ذلك جوابان:
أحدهما: أنه مقلوب من " واحد "، والواو من " واحد " في موضع الفاء منه، فجعلت الفاء في موضع اللام، فانقلبت الواو ياء، لانكسار الدال، كما قيل: " غازي "، وتقديره من الفعل: عالف والقلب في كلامهم كثير، كقولهم: " شائك السلاح " و " شاكي السلاح "، وكقولهم: " لائث " و " لاثي ". وكما قال الشاعر:
خيلان من قومي ومن أعدائهم ... خفضوا أسنّتهم وكلّ ناعي (١)
стр. 109
قال أبو عبيدة: أراد " نائع " أي: مائل، أو عطشان، من قولك: جائع نائع.
وقال الأصمعي: إنما أراد " الناعي " من: نعى ينعي.
والقول الثاني في: " حادي " أنه يتبع الإبل ويحدوها، مثل: حادي الإبل، وهو الذي يتبعها ويسوقها.
وتقول في المؤنث من هذا: " هذه حادية عشرة " و " حادية عشرة " و " حادية إحدى عشرة " بالضم لا غير، و " ثانية عشرة " و " ثانية عشرة " و " ثانية اثنتي عشرة " بالضم لا غير إلى: تسع عشرة، على هذا المنهاج. وعلة وجوه الإعراب فيها كعلة المذكر. فإذا أدخلت الألف واللام في شيء من هذا تركوه على حاله، تقول: " الحادي عشر " و " الحادي عشر " " الحادي أحد عشر " بتسكين الياء لا غير، وكذلك الباب على هذا المنهاج.
والألف واللام لا تخرج هذا من لفظه ولا تزيله عن بنائه، كما لا تزيل خمسة عشر؛ إذا قلت: أخذت الخمسة عشر درهما، وكما لا يزيل " الخازباز " عن بنائه، إذا قلت:
هذا الخازباز فاعلم. وسنذكر " الخازباز " في موضعه إن شاء الله.
فأما من يقول: " هذا ثالث اثنين " و " عاشر تسعة "، فإن كثيرا من النحويين يمنعون أن يقولوا فيما جاوز العشرة من هذا، وذلك أن القوم إذا كانوا تسعة، فصرت عاشرهم، جاز أن تقول: " عشّرتهم "، وإذا كانوا عشرة وكملتهم أحد عشر، لا يكون من هذا فعل مشتق في تكميلك العشرة أحد عشر، كما كان لك فعل مشتق في تكميلك التسعة العشرة، فلم يكن لك اسم فاعل فيما جاوز العشرة.
وهذا هو القياس. ومنهم من يجيزه ويشتقه من لفظ النيف، فيقول: " هذا ثاني أحد عشر " و " ثالث اثني عشر " وينّونه وإنما جاز له أن يشتق من لفظ النيف، من قبل أن العشرة معطوفة على النيف، فإذا قلت: " ثلاثة عشر " فمعناه: ثلاثة وعشرة، ويشتقه من الأول، ويجعل الثاني عطفا عليه. وقد حكى نحو من هذا عن العرب؛ قال الراجز:
أنعت عشرا والظليم حادي
أراد: الظليم حادي عشر، فاعرفه إن شاء الله.
ومن ذلك: العدد من واحد إلى عشرة، تقول: واحد، اثنان، ثلاثه، أربعة، بتسكين أواخر الأعداد إلى العشرة.
فإن قال قائل: ولم سكّنت؟
стр. 110
فالجواب في ذلك: أن هذه الأعداد إذا عددتها لم تقع فاعلة، ولا مفعولة، ولا مبتدأة ولا خبرا ولا في جملة كلام آخر، والإعراب في أصله للفرق بين اسمين في كلام واحد ولفظين مجتمعين في قصة، لكل واحد منهما معنى خلاف معنى صاحبه؛ فيفرق بين إعرابهما للدلالة على اختلاف معناهما، أو يكون الإعراب لشيء محمول على ما ذكرنا، فلما لم تكن هذه الأعداد على الحد الذي يستوجب الإعراب، ولا على الحد الذي يحمل- على ما استوجب الإعراب- سكّنّ وصرن بمنزلة الأصوات، كقولك: صه، ومه، وبخ بخ.
ويجوز أن تقول: " واحد اثنان " فتكسر الدال من: واحد.
فإن قال قائل: لم كسرت الدال من واحد؟ أللتقاء الساكنين؟ أم ألقيت كسرة الهمزة على الدال فكسرتها؟
قيل له: بل ألقيت كسرة الهمزة على الدال، ولا يصلح أن تكون الكسرة لالتقاء الساكنين، من قبل أن كل كلمة من هذه المقضية عليها بالوقف واستئناف ما بعدها، كأن لم يتقدمه شيء. وألف القطع والوصل يستويان في الابتداء ويثبتان، فألف اثنان ثابتة، إذا كان التقدير فيهما أن تكون مبتدأة، فهي بمنزلة ألف القطع، وألف القطع يجوز إلقاء حركتها على الساكن قبلها؛ فلذلك كانت الكسرة في الدال من: " واحد " هي الكسرة التي ألقيت عليها من همزة: " اثنان "، ويدل على صحة ذلك أنهم يقولون في هذا إذا خففوا الهمزة: " ثلاثة أربعة "؛ فيحذفون الهمزة من أربعة، ولا
يقلبون الهاء في ثلاثة تاء من قبل أن الثالثة عندهم في حكم الوقف، والأربعة في حكم الكلام المستأنف، وإنما تنقلب هذه الهاء تاء إذا وصلت، فلما كانت مقدرة على الوقف بقيت هاء، وإن ألقيت عليها حركة ما بعدها، كما تكون هاء إذا لم يكن بعدها شيء.
فإن قال قائل: لم قالوا: " اثنان "، فأثبتوا النون في العدد، ومن قولهم إنما تدخل النون عوضا عن الحركة والتنوين، وهذا موضع يسكن فيه العدد؟
فالجواب في ذلك أن " اثنان " صيغ بثبات النون على معناه، ولم يقصد إلى " اثن " فتضمه إلى مثله؛ إذ كان لا ينطق " باثن "، ولكنه لما كان حكم التثنية في الأشياء التي ينطق بواحدها، متى ثنيت أن تزاد النون فيها عوضا من الحركة والتنوين. وقد جاء اثنان وإن لم ينطق بإثن، على ما يجيء عليه الشيء المنطوق بواحده، حمل عليه وإن لم يكن له