رأيت، وك رأيت.
فإذا كان المفعولان اللّذان تعدّى إليهما فعل الفاعل مخاطبا وغائبا، فبدأت بالمخاطب قبل الغائب، فإنّ علامة الغائب العلامة التي لا يقع موقعها إيّا، وذلك قولك: أعطيتكه وأعطاكه، وقال : فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (١)؛ فهذا كذا إذا بدأت بالمخاطب قبل الغائب.
وإنّما كان المخاطب أولى بأن يبدأ به من قبل أنّ المخاطب أقرب إلى المتكلّم من الغائب، فكما كان المتكلم أولى بأن يبدأ بنفسه كان المخاطب الذي هو أقرب من الغائب أولى بأن يبدأ به.
فإن بدأت بالغائب فقلت: أعطاهوك فهو في القبح، وأنه لا يجوز، بمنزلة الغائب والمخاطب إذا بدئ بهما قبل المتكلّم، ولكنك إذا بدأت بالغائب قلت: أعطاه إيّاك.
وأمّا قول النّحويين: أعطاهوك وأعطاهوني، فإنما هو شيء قاسوه لم يتكلم به العرب، فوضعوا الحروف غير مواضعها، وكان قياس هذا لو تكلّم به هيّنا.
ويدخل على من قال هذا أن يقول إذا منحته نفسه: منحتنيني. ألا ترى أنّ القياس قد قبح إذا وضعت (ني) في غير موضعها، فإذا ذكرت مفعولين كلاهما غائب قلت: أعطاهوها وأعطاهاه جاز، وهو عربيّ. ولا عليك بأيّهما بدأت، من قبل أنهما كلاهما غائب.
وهذا أيضا ليس بالكثير في كلامهم؛ والأكثر في كلامهم: أعطاه إيّاه. على أنّ الشاعر قد قال:
وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة ... لضغمهما ها يقرع العظم نابها (٢)
ولم تستحكم علامات الإضمار هاهنا، كما لم تستحكم في: عجبت من ضربي إيّاك، ولا في: كان إيّاه، وليس إيّاه.
وتقول: حسبتك إيّاه، وحسبتني إيّاه؛ لأنّ حسبتنيه وحسبتكه قليل في كلامهم؛
стр. 1122
وذلك لأن حسبت بمنزلة كان، إنما يدخلان على المبتدإ والمبنيّ عليه، فيكونان في الاحتياج على حال.
ألا ترى أنك لا تقتصر على الاسم الذي يقع بعدهما كما لا تقتصر عليه مبتدأ؟
فالمنصوبان بعد حسبت بمنزلة المرفوع والمنصوب بعد ليس وكان. وكذلك الحروف التي بمنزلة حسبت وكان؛ لأنهما إنما تجعلان المبتدأ والمبنيّ عليه فيما مضى يقينا أو شكّا، وليسا بفعل أحدثته منك إلى غيرك ك " ضربت "، وأعطيت، إنما تجعل الأمر في علمك أو فيما مضى ".
قال أبو سعيد: المفعول الأول يلزم اتصال ضميره بالفعل؛ لأنه يلاصق الفعل ويليه، وإن كان ضمير الفاعل في الفعل لا يتغير لزوم اتصال ضمير المفعول الأول به؛ لأن الفعل مع ضمير الفاعل كالفعل المجرد، لأن ضمير الفاعل قد يكون بغير علامة، وقد يغيّر بنية الفعل ضمير الفاعل فتصير كحرف من حروفه وذلك قولك: ضربتني وضربتك، وإن زيدا ضربني. فإذا جئت بعد اتصال ضمير المفعول الأول بضمير مفعول ثان جاز اتصاله- على ما شرط سيبويه- وجاز انفصاله، فأما اتصاله فلقوة الفعل وأنه الأصل في اتصال ضمائر المنصوبات به، ولمّا كان الفعل عاملا في المفعولين النصب ظاهرين، وفي موضعهما مضمرين، وعمله فيهما لا يغير لفظ كل واحد منهما مفردا ولا معناه ولا ترتيبه، وكان المتّصل أخصر لفظا وأقلّ حروفا اختاروه، وذلك قولك: أعطانيه وأعطانيك.
وشرط سيبويه فيه أن يكون المفعول الأول المبدوء بلفظه هو أقرب من الثاني، وترتيب ذلك أنّ المتكلم هو الأقرب، ثم المخاطب، والغائب هو الأبعد.
والذي ظهر في كلام سيبويه أنّه ما خيّر المتكلم بين اتصال المفعول الثاني وبين انفصاله، ولكنه قسّم ضميري المفعولين إذا اجتمعا قسمين:
أحدهما: يجب في الاتصال بغير تخيير، والآخر: يجب فيه الانفصال من غير تخيير.
فأما الذي يجب فيه الاتصال فهو أن يكون المفعول الأول أقرب من الثاني مثل:
أعطانيك زيد، وأعطانيه، وأعطاكه.
وأمّا الذي يجب فيه الانفصال فهو أن يكون المفعول الأول أبعد في الترتيب من الثاني كقولك: أعطاهوك وأعطاهاك وأعطاهوني وأعطاهاني وأعطاكني، لا يجوز شيء من هذا عند سيبويه إلا بالانفصال نحو: أعطاه إيّاك وأعطاها إيّاك وأعطاه إيّاي وأعطاها إيّاي
стр. 1123
وأعطاك إيّاي، وهذا ترتيب سيبويه وحكايته عن العرب، وحكى عن النحويين قياسا لم يرتضه.
وأبو العباس المبرّد يذهب إلى قول النحويين وقياسهم، ويجعل إضمار الغائب والمتكلم والمخاطب في التقديم والتأخير سواء، ويجيز: أعطاهوك وأعطاهوني وأعطاكني، ويستجيده، ويراد صحيحا، ويستحسن منحتنيني ويستجيده، وقد تقدم في شرحنا ذكر ترتيب المتكلم، ثم المخاطب، ثم الغائب بما أغنى عن ذكره هاهنا.
وقد رأيت غير سيبويه يخيّر بين المتصل والمنفصل، ويجيزهما في: أعطيتكه وأعطيتك إيّاه؛ لأن المفعول الثاني ليس يلاقي الفعل ولا يلتزق به، والأول إمّا أن يلقى ذات الفعل أو يلقى ضمير الفاعل المجعول معه كشيء واحد، وإيجاب سيبويه أعطاه إيّاك، وتصحيحه له يقوّى ذلك؛ لأن تعلق المفعولين بالفعل من باب واحد، واختلاف المفعولين في ترتيبهما ليس يغيّر حكم تعلقهما بالفعل، وعمل الفعل فيهما.
ولقائل أن تقول: ما الذي أنكر سيبويه من (منحتنيني)، وليس فيه تقديم بعيد على قريب؟ وهل سبيل (منحتنيني) إلا سبيل (أعطاهوها) وهو مستحسن عنده؟
قيل له: المنكر من (منحتنيني) عند سيبويه أن: (ني) الثانية مؤخرّة وترتيبه التقديم على كل ضمير، وليس كذلك أعطاهوها.
واعلم أنّ: حسبت مع الفاعل منزلته منزلة كان بغير فاعل؛ لأن كان وحدها تدخل على المبتدإ والخبر فيرتفع بها المبتدأ وينتصب بها الخبر، وحسبت مع فاعل المحسبة تدخل على المبتدإ والخبر فتنصبهما؛ لأنه دخل عليهما فعل وفاعل، فانتصبا على أنهما مفعولا حسبت، ولما كان المفعول الثاني من حسبت زيدا منطلقا بمنزلة خبر كان في قولك: كان زيد منطلقا، وكان الاختيار في إضمار خبر كان أن يكون منفصلا على ما تقدم من ذكره، وجب أن يكون المفعول الثاني من حسبت كذلك؛ ولأن ذلك خبره يقع موقعه الفعل والجملة والظرف غير المتمكن، كما أن خبر كان كذلك، تقول: حسبتك إيّاه وحسبتني إيّاه، كما تقول: كنت إيّاه، وحسبتنيه وتحسبنيه قليل، كما أن كنته وكنتني وعمرو كانه زيد قليل، وباقي الباب مفهوم بإذن الله.
هذا باب لا يجوز فيه علامة المضمر المخاطب ولا علامة المضمر المتكلم، ولا علامة المضمر المحدّث عنه الغائب
قال سيبويه: " وذلك أنه لا يجوز لك أن تقول للمخاطب: اضربك، ولا اقتلك،
стр. 1124
ولا ضربتك، لمّا كان المخاطب فاعلا، وجعلت مفعوله نفسه، قبح؛ لأنهم استغنوا بقولهم: اقتل نفسك، وأهلكت نفسك، عن (الكاف) هاهنا، وعن (إيّاك).
وكذلك المتكلم لا يقول: أهلكتني، ولا أهلكني؛ لأنه جعل نفسه مفعوله، فقبح؛ ذلك لأنّهم استغنوا بقولهم: أنفع نفسي عن (نى)، وعن (إياي).
وكذلك الغائب لا يجوز لك أن تقول: ضربه إذا كان فاعلا، وكان مفعوله نفسه، واستغنوا عن (الهاء)، وعن (إياه) بقولهم: ظلم نفسه، وأهلك نفسه.
ولكنه قد يجوز ما قبح هاهنا في: (حسبت، وظننت، وخلت، وأرى، وزعمت، ورأيت) إذا لم ترد رؤية العين، ووجدت إذا لم ترد وجدان الضالة، وذلك قولك:
حسبتني، ورأيتني، ووجدتني فعلت كذا وكذا، ورأيتني لا يستقيم لي هذا، وكذلك ما أشبه هذه الأفعال تكون علامة المضمرين فيها إذا جعلت فاعليهم أنفسهم كحالها إذا كان الفاعل غير المنصوب.
ومما يثبت علامة المضمرين المنصوبين هاهنا أنه لا يحسن إدخال النفس هاهنا، لو قلت: يظنّ نفسه فاعله، أو أظنّ نفسي تفعل كذا، على حدّ يظنّه وأظنّني ليجزئ هذا من هذا، لم يجزئ كما أجزأ أهلكت نفسك عن أهلكتك، فاستغني به عنه.
وإنما افترقت حسبت، وأخواتها من الأفعال الأخر؛ لأن حسبت وأخواتها إنما دخولها على مبتدإ ومبنيّ على مبتدإ؛ لتجعل الحديث شكّا أو علما. ألا ترى أنك لا تقتصر عليه مبتدأ، والأفعال الأخر إنما هي بمنزلة اسم مبتدإ؛ والأسماء مبنية عليه.
ألا ترى أنك لا تقتصر على الاسم كما تقتصر على المبنيّ على المبتدإ، فلما صارت حسبت وأخواتها بتلك المنزلة جعلت بمنزلة إنّ وأخواتها إذا قلت: إنّني ولعلّني؛ لأنّ وأخواتها لا تقتصر على الاسم الذي يقع بعدها؛ لأنها إنما أدخلت على مبتدإ، ومبنيّ على مبتدإ.
وإذا أردت ب (رأيت) رؤية العين لم يجز رأيتني؛ لأنها حينئذ بمنزلة:
ضربت، وإذا أردت التي بمنزلة: علمت، صارت بمنزلة إنّ وأخواتها؛ لأنهنّ لسن بأفعال، وإنما يجئن لمعنى، وكذلك هذه الأفعال إنّما جئن لعلم أو شكّ، ولم ترد فعلا سلف منك إلى إنسان ".
قال أبو سعيد: اعتمد أبو العباس المبرّد وغيره من أصحابنا في إبطال: اضربك،
стр. 1125
وضربتني، وضربتك، ونحو ذلك، على أنّ الفاعل بكلّيته لا يكون مفعولا بكليته، فأبطلوا من أجله ضربتني، وضربتك، واضربك، وما أشبهه، وهذا كلام إذا فتّش وسبر لم يثبت؛ وذلك لأنّ المفعول الصحيح ما اخترعه فاعله، وأخرجه من العدم إلى الوجود، كنحو خلق الله الأشياء التي كوّنها ولم تكن كائنة من قبل، وكنحو ما يفعله الإنسان من القعود والقيام والضرب والشّتم، ولا يجوز أن يكون الفاعل في ذلك مفعولا؛ لأنه لا بدّ من أن يكون الفاعل موجودا قبل وجود المفعول؛ لأنّه لا يفعل إلا ما كان قادرا عليه قبل فعله، ولا يكون قادرا على الشيء إلا والقادر موجود، والمقدور عليه معدوم؛ لأن معنى قادر عليه: قادر على أن يوجده ويكوّنه. هذا حقيقة معناه، وقولهم: فلان قادر على فلان، والمقدور عليه موجود، إنما هو مجاز، وحقيقته: أنه قادر على تصريفه فيما يريده منه، فإذا قلنا: ضرب زيد عمرا فالذي فعله زيد إنما هو الضرب، وكذلك: شتمه وذكره، وهذا شيء يحيط العلم به، وبأنّ زيدا لم يفعل عمرا، وإنما إطلاق النحويين أنه مفعول مجاز، والمراد أنه فعل به ضربا أو شتما، أو نحو ذلك مما يحدثه فيه أو يقصده به.
فإذا قال القائل: ضربتني أو شتمتني، أو قال: ضربتك، وشتمتك، فالمفعول الصحيح إنما هو الضرب والشتم، والمتكلم والمخاطب كزيد في: ضربت زيدا وشتمته، وليس زيد بمفعول صحيح على ما بيّناه، ولم تبطل ضربتني وشتمتني لفساد معناه استحالته، وكيف يستحيل ذلك وأنا إذا قلت: ضربت زيدا قائما أوقعت ضربا بشيء من جسمه بيدي أو بخشبة أو غيرها، وكذل شتمته إنما هو ذكرى له بشيء من السوء، وذلك الضرب قد أوقعه بشيء من جسمي على النحو الذي أوقعه بزيد، وذلك الذّكر السّيئ غير مستحيل أن أذكر نفسي به كما ذكرت زيدا، ولكنّ العرب لا تتكلم بذلك؛ لأن فعل الإنسان يكون على ضربين:
أحدهما: فعل يفعله بنفسه لا يعتمد به غيره. فهذا الفعل لا يكون له مفعول، وإن كان قد فعله الإنسان بنفسه؛ كقولك: قام زيد، وقعد، وذهب ونحوه، فقد فعل القيام والقعود بنفسه، ومعنى قولنا فعل بنفسه: أنه أحلّ القيام والقعود بنفسه وأوجده في نفسه دون غيره.
والآخر: فعل يعتمد به غيره، فلا بدّ أيضا في ذلك أن يفعله بنفسه، ويعتمد به غيره، أو يفعل سببه بنفسه، ويعتمد به غيره.
فأما ما يفعله بنفسه ويعتمد به غيره فقولك: شتمت زيدا، وذكرت زيدا، ومدحت عمرا.
стр. 1126
والذي يفعل سببه بنفسه فقولك: ضربت زيدا، وقتلت عمرا، فلما كان سبيل الفعل الذي لا يعتمد به الإنسان الفاعل غيره أن لا يكون له مفعول وجب أن لا يقول:
ضربتني، وشتمتني، ولما كان الفعل الذي يعتمد به غيره في مقاصد الناس وعاداتهم قد يعرض فيه أن يعتمد الفاعل نفسه على سبيل ما كان يعتمد غيره أتوا بلفظ النفس، وأضافوه إليه فقالوا: ضربت نفسك، وضرب زيد نفسه، وشبّهوه من جهة اللفظ لا المعنى ب (ضرب زيد غلامه) لأنّ المضاف في الأصل ليس بالمضاف إليه، فجعلوا نفسه في حكم اللفظ كأنها غيره.
وبعض النحويين ذكر أنه مما يمنع تعدّي الفعل إلى فاعله: دخول اللّبس الكلام؛ لأنه إذا قال: ضربتني وضربتك، فأوقعت فعلك على نفسك، وفعل من تخاطبه على نفسه، لزمك في الغائب أن تقول: ضربه، فتوقع فعل الغائب على نفسه بالكناية، فلا يعلم لمن (الهاء)؟ للّذي خبّرت عنه بالفعل أو لآخر؟ فيدخل الكلام اللّبس، فإذا قلت: ضرب نفسه بان لك؛ لأنك لم تعن نفس غيره، فلهذا ما أدخلت النفس، ولم يقع موقعها المكنيّ.
وأما حسبتني، وأظنّني، وأجدنني ووجدتني أفعل كذا، ورأيتني من رؤية القلب، وما جرى مجرى ذلك مما ذكره سيبويه من الأفعال التي تتعدى إلى مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما، مما أصله مبتدأ وخبر، فإنما جاز ذلك فيهن؛ لأنّ المقصود بهذه الأفعال: المفعول الثاني، وليس للأول في الفعل نصيب؛ لأنك إذا قلت: حسبت زيدا منطلقا، فالمحسبة لم تقع على زيد، وإنما وقعت على الانطلاق، وكان الضمير المتصل أخفّ في اللفظ من المنفصل ومن النفس، فاستعملوا الأخفّ فيه.
وقد جاء في فعلين سوى هذه الأفعال تعدّي فعل الفاعل إلى ضميره وهو: فقدتني، وعدمتني، وإنما جاز ذلك لأنه محمول على غير ظاهر الكلام وحقيقته؛ لأن الفاعل لا بد من أن يكون موجودان وإذا عدم نفسه صار عادما معدوما، وذلك محال.
وإنما جاز ذلك لأن الفعل له في الظاهر، والمعنى لغيره؛ لأنه يدعو على نفسه بأن يعدم، فكأنه قال: عدمني غيري، قال جران العود:
لقد كان لي عن ضرتين عدمتني ... وعن ألاقي منهما متزحزح
هما الغول والسّعلاة حلقي منهما ... مخدّش ما بين التّراقي مكدّح (١)
стр. 1127
وباقي ما ذكره مفهوم.
هذا باب علامة إضمار المنصوب المتكلم، والمجرور المتكلم
قال سيبويه: " اعلم أن علامة المنصوب المتكلم (ني)، وعلامة المجرور المتكلم الياء. ألا ترى أنك تقول إذا أضمرت نفسك وأنت منصوب: " ضربني، وقتلني، وإنني، ولعلني ".
وتقول إذا أضمرت نفسك مجرورا: " غلامي، وعندي، ومعي ".
فإن قلت: ما بال العرب قد قالت: (إني، وكأني ولعلي، ولكني) فإنه زعم أن هذه الحروف اجتمع فيها أنّها كثيرة في كلامهم، وأنّهم يستثقلون في كلامهم التّضعيف، فلمّا كثر استعمالهم إياها مع تضعيف الحروف حذفوا التي تلي الياء.
فإن قلت: لعلّي ليست فيها نون، فإنه زعم أن اللام قريب من النون، وهو أقرب الحروف من النون. ألا ترى أنّ النّون تدغم مع اللام حتى تبدل مكانها لام؛ وذلك لقربها منها، فحذفوا هذه النون كما يحذفون ما يكثر استعمالهم إياه.
وسألته عن " الضّاربي " فقال: هذا اسم، ويدخله الجر، وإنما قالوا في الفعل:
ضربني كراهية أن يدخلوا الكسر في هذه الباء، كما يدخل الأسماء، فمنعوه هذا أن يدخله كما منع الجرّ.
فإن قلت فقد تقول: اضرب الرجل فتكسر، فإنّك لم تكسرها كسرا يكون للأسماء، إنّما يكون هذا لالتقاء الساكنين، وقد قالت الشعراء: " ليتى " إذا اضطرّوا، كأنهم شبّهوه بالاسم حيث قالوا: " الضاربي " والمضمر منصوب.
قال زيد الخيل:
كمنية جابر إذ قال ليتي ... أصادفه ويذهب بعض مالي (١)
وسألته عن قولهم: (عني، وقطني، ومني، ولدني) فقلت: ما بالهم جعلوا علامة المجرور هاهنا كعلامة المنصوب؟
فقال: إنه ليس من حرف تلحقه ياء الإضافة إلا كان متحرّكا مكسورا، ولم يريدوا أن يحرّكوا الطّاء التي في قط، ولا النون التي في من، فلم يكن بدّ من أن يجيئوا
стр. 1128
بحرف لياء الإضافة متحرك؛ إذ لم يريدوا أن يحرّكوا الطاء، ولا النونات؛ لأنها لا تذكر أبدا إلا وقبلها حرف متحرك مكسور، وكانت النون أولى؛ لأن من كلامهم أن تكون النّون والياء علامة المتكلم، فجاءوا بالنون؛ لأنها إذا كانت مع الياء لم تخرج هذه العلامة من علامات الإضمار، وكرهوا أن يجيئوا بحرف غيره فيخرجه من علامات الإضمار.
وإنما حملهم على أن لم يحركوا الطاء والنونات كراهية أن تشبه الأسماء نحو:
يد، وهن.
وأما ما يتحرّك آخره فنحو مع، ولد كتحريك أواخر هذه الأسماء؛ لأنه إذا تحرك آخره فقد صار كأواخر هذه الأسماء. فمن ثمّ لم يجعلوها بمنزلتها، فمن ذلك: معي، ولدي في مع ولد.
وقد جاء في الشعر: قدي.
قال الشاعر:
قدني من نصر الخبيبين قدي (١)
لما اضطر شبّهه بحسبي وهني؛ لأن ما بعد حسب وهن مجرور، كما أنّ ما بعد قط مجرور، فجعلوا علامة الإضمار فيهما سواء، كما قالوا: ليتي حيث اضطروا.
وسألناه عن: إلي، ولدي، فقلنا: هذه الحروف ساكنة ولا نرى النون دخلت عليها؟
فقال: من قبل أنّ الألف التي قبلها حرف مفتوح، والياء التي قبلها حرف مكسور لا تحرّك في كلامهم واحدة منهما لياء الإضافة، ويكون التحريك لازما لياء الإضافة.
فلما علموا أن هذا الموضع ليس لياء الإضافة عليه سبيل بتحريك، كما كان لها السبيل على سائر حروف المعجم لم يجيئوا بالنون؛ إذ علموا أن الياء في هذا الموضع والألف ليست من الحروف التي تتحرك لياء الإضافة.
ولو أضفت إلى الياء الكاف التي تجرّ بها لقلت: ما أنت كي؛ لأنها متحركة، كما أن أواخر الأسماء متحركة، وهي تجر كما أنّ الأسماء تجر.
стр. 1129
وأمّا قط، ولدن، وعن فإنهن تباعدن من الأسماء، ولزمهنّ ما لا يدخل الأسماء المتمكنة، وهو: السكون فإنّما يدخل ذلك الفعل نحو: خذ وزن، فضارعت الفعل وما لا يجرّ، وهو ما أشبه الفعل، فأجريت مجراه ولم يحرّكوه ".
قال أبو سعيد: اعلم أن (ني) في ضمير المنصوب النون فيه زائدة، والضمير الياء، والنون مجتلبة لعلّة؛ وهي أنهم حرسوا أواخر الأفعال من دخول كسرة عليها؛ لتباعد الأفعال من الجر، والكسرة لفظها لفظ الجر، وذلك أن ياء المتكلم يكسر ما قبلها إذا كان مما يحرك، فلما كرهوا كسر الفعل وآثروا سلامة لفظه أدخلوا قبل الياء نونا تقع عليها الكسرة التي تحدثها الياء، وذلك قولك: ضربني ويضربني وأكرمني ويكرمني، وأدخلوا النون أيضا فيما كان من الفعل المعتل الذي لا يتحرك آخره كقولك: أعطاني يعطيني ويدعوني ويخشاني، ونحو ذلك؛ لأن النون لمّا لزمت في جميع الأفعال الصحيحة لما ذكرناه صار لفظ النون مع الياء كأنه الضمير.
وأيضا فإن من المعتل ما في آخره واو ساكنة ك (يدعو ويعدو)، وإذا دخلت الياء وجب قلب الواو ياء، كما يجب في الأسماء إذا قلت: هذه عشري، وهؤلاء ضاربي، والأصل: عشروي وضاربوي. وقد بين سيبويه أن دخول النون في الفعل إنما هو لكراهية الكسر في الفعل، ومنعهم إياه الكسر، كما منعوه الجر بقوله: وإنما قالوا في الفعل: ضربني ويضربني؛ كراهية أن يدخلوا الكسر في هذه الباء كما يدخل الأسماء، فمنعوه أن يدخله كما منع ...
وأجاب من عارضه بكسرة: اضرب الرّجل، بأنها كسرة تحدث لالتقاء الساكنين ولا يعتدّ بها.
ولما أجريت إنّ وأخواتها مجرى الفعل لزمها من علامة الضمير ما يلزم الفعل، إلا أنّ العرب قد تكلمت فيها بإسقاط النون منها، وأكثر ذلك في: إنّ، وأنّ، وكأن، ولعل، فقالوا: إنّني، وإنّي، وكأنني، وكأني، ولعلني، ولعلي، وفي علة حذفها أقاويل للنحويين.
فأما سيبويه فاعتلّ لحذفها أنها كثرت في كلامهم، ولاجتماع النونات، وهم مستثقلون التضعيف، ولعل وإن لم يكن آخرها نونا فإن اللام قريب من النون، ولقربها من النون تدغم النون فيها، ولا تدغم في النون غير اللام من بين الحروف.
وأما ليت فلم يكن في آخرها نون ولا حرف يشبه النون ويقرب منها، فلزمتها النون فقالوا: ليتني، وقلّ في كلامهم ليتي، إلا عند الضرورة.
وجواز الحذف مع ذلك في هذه الحروف؛ لأنها وإن كانت مشبّهة ليست بأفعال،
стр. 1130
وهي حروف، والحروف تأتي بالنون والياء، وبالياء وحدها، فالنون والياء نحو: مني وعني، والياء وحدها نحو: لي وبي.
والأسماء المبنية على السكون كذلك تجيء على الوجهين، وقد عرّفتك أن سبب دخول النون في الفعل التماس سلامة بنائه، لا لاختصاص النون بالنصب. وستقف على أكثر من ذلك في الباب إن شاء الله تعالى ..
وأما الفراء فإنه اعتل لسقوط النون في: إنّ، وكأن، ولعل بأنها لم تخرج على لفظ الفعل، يعني: بنية الفعل، وأنّ ليت لما خرج على وزن الفعل قوي فيها إثبات النون.
ووزن الفعل الذي عناه في ليت أنّ أوله مفتوح، وثانيه ساكن، وثالثه مفتوح، وهو يشبه الفعل الماضي المعتل العين نحو: باع، وكال.
قال أبو سعيد: يلزمه على هذا الاعتدال أن يلزم في أنّ المفتوحة النون أكثر من لزومها في ليت؛ لأن ما يوجد من أمثلة أنّ في الفعل أكثر مما يوجد من أمثلة ليت؛ لأن أنّ لفظها فعل: أنّ يئنّ ومثله من المضاعف من نحو: ردّ، وعضّ ما لا يحصى كثرة، وقد اعتلّوا لحذف ذلك بأشياء لم يكن في ذكرها طائل.
وجملة الأمر أنّ الأسماء المتحركة الأواخر متى اتّصل بها ضمير المتكلم المنصوب أو المخفوض كان: ياء لا نون معها، وكسرت الياء ما قبلها.
فأمّا المنصوب فنحو: الضّاربي والمكرمي؛ الياء فيهما في موضع نصب، كما تقول: الضارب زيدا، وأما المخفوض فنحو: معي، ولدي، وأنت كي إذا أردت: أنت مثلي، وحسبي، ونحو ذلك.
وأما ما كان من الأسماء آخره ساكن فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون ذلك الساكن ياء أو ألفا.
والآخر: أن يكون الساكن غير الياء والألف.
فأمّا الياء والألف فلا تدخل عليهما النون. فالياء. نحو قولنا: قاضي، وعشري، ورأيت غلامي. وأما الألف فنحو: هواي، وعصاي، وكلّ مقصور من الأسماء كذلك.
وإن كانت الألف في آخر حرف أو اسم غير متمكّن فكذلك، إلّا أنّ الألف تقلب ياء نحو: إلي، ولدي، وعلي. تقول: إلي، ولدي، وعلي؛ لعلّة ذكرت في موضعها من الشرح.
وإنما لم تدخل النون في ذلك لأنّ الألف والياء لا يكسران لياء الإضافة، ولا يزولان عن السكون معها، فاستغنوا عن النون التي تكون وقاية للكسر.
وأما ما كان ساكنا في أواخر الأسماء من غير الألف والياء فبعض قد جاء بالنون
стр. 1131
والياء، وبعض قد جاء بالياء وحدها على ما بيّن سيبويه من ذلك وشرحه.
وقد ذكر الكوفيّون في فعل التعجب إسقاط النون: ما أقربي منك، وما أحسني، وما أجملي، وهم يعنون: ما أحسنني، وأجملني. وما ذكر البصريّون من هذا شيئا، ولست أدري أعن العرب حكوا هذا؟ أم قايسوه على
مذهبهم في: ما أفعل زيدا؛ لأنه اسم عندهم في الأصل.
وقد احتج سيبويه لقطني، ولدني، وعنّي، ومنّي، أنهم لم يحركوا الطاء والنونات كراهية أن تشبه الأسماء نحو: يد، وهن، وقد بيّنا أنّ الاسم الذي آخره متحرك بإعراب أو بناء أنه إذا اتصل به ياء المتكلم كسر آخره، ويد، وهن من الأسماء المعربة المتحركة الأواخر. وهن عبارة عن كل اسم منكور، كما أن قولنا: فلان عبارة عن كل اسم علم ممّا يعقل. وكلام سيبويه في باقي الباب مفهوم.
هذا باب ما يكون مضمرا فيه الاسم متحولا عن حاله إذا أظهر بعده الاسم
قال سيبويه: " وذلك لولاك ولولاي، إذا أضمر فيه الاسم جرّ، وإن أظهر رفع.
ولو جاء الإضمار على القياس لقلت: لولا أنت، كما قال تعالى: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ: ٣١]؛ ولكنهم جعلوه مضمرا مجرورا.
والدليل على ذلك أنّ الياء والكاف لا يكونان علامة مضمر مرفوع.
قال يزيد بن الحكم بن أبي العاص:
وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلّة النّيق منهوي (١)
وهذا قول الخليل ويونس.
وأما قولهم: عساك فالكاف منصوبة. قال الراجز، وهو رؤبة:
يا أبتا علّك أو عساكا (٢)
والدليل على أنها منصوبة أنك إذا عنيت نفسك كانت علامتك ني. قال عمران بن حطّان:
стр. 1132
ولي نفس أقول لها إذا ما ... تنازعني لعلّى أو عساني (١)
فلو كانت الكاف مجرورة لقال: عساي، ولكنهم جعلوها بمنزلة لعل في هذا الموضع.
فهذان الحرفان لهما في الإضمار هذه الحال، كما كانت للدن حال مع غدوة ليست مع غيرها، وكما أنّ لات إذا لم تعملها في الأحيان لم تعملها فيما سواها، فهي معها بمنزلة ليس، فإذا جاوزتها فليس لها عمل.
ولا يستقيم أن تقول: وافق الرفع الجرّ في لولاي، كما وافقه النصب إذا قلت:
معك، وضربك؛ لأنك إذا أضفته إلى نفسك فالجرّ مفارق للنصب في غير هذه الأسماء.
تقول: معي، وضربني، ولا تقول: وافق الرفع النصب في: عساني كما وافق النصب الجرّ في ضربك، معك؛ لأنهما إذا أضفت إلى نفسك اختلفا.
وزعم ناس أنّ موضع الياء في لولاي وفي عساني في موضع رفع؛ جعلوا لولاي موافقة للجرّ، وني موافقة للنصب، كما اتّفق النصب والجرّ في الهاء والكاف. وهذا وجه رديء لما ذكرت لك؛ ولأنك لا ينبغي أن تكسر الباب وهو مطّرد، وأنت نجد له نظائر. وقد يوجّه الشيء على الشيء البعيد إذا لم يوجد غيره. وربما وقع ذلك في كلامهم، وقد بيّن بعض ذلك، وستراه فيما يستقبل إن شاء الله تعالى ".
قال أبو سعيد: قد تقدّم فيما سلف من الكتاب أنّ الاسم الظاهر بعد لولا مرفوع بالابتداء على مذهب سيبويه وغيره من البصريين؛ فينبغي إذا كنّي عنه أن يكون مضمرا منفصلا، فيقال فيه: لولا أنت، ولولا أنتما، ولولا أنتم، ولولا أنا، ولولا نحن، ولولا هو، ولولا هما، ولولا هم، ولولا هن، ونحو ذلك؛ لأن سبيل المضمر سبيل الظاهر في موضعه من الإعراب، وهذا هو الشائع الكثير في كلام العرب. قال الله : لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ: ٣١]، وقال عامر بن سيّار بن الأكوع وهو يحدو برسول الله:
لا همّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فألقين سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا (٢)
وقال الكسائي: يرتفع الاسم بعد لولا بشيء مضمر معناه: لو لم يكن، وفرّع على
стр. 1133
هذا النحو. حتى قال: لولا رأسك مدهونا لغسلته. والقياس والاختيار إذا أضمرته عندهم أن تقول: لولا أنا، ولولا نحن، ولولا أنت؛ لأنه لم يظهر فعل متصل به كناية المرفوع.
ثمّ أجمع النحويون المتقدمون من البصريين والكوفيين على الرواية عن العرب:
لولاك، ولولاي.
فأما سيبويه: فأنشد بيت يزيد بن الحكم الثقفي الذي ذكرناه، واستشهد به أيضا الكسائي، وذكر معه بيتين آخرين
من القصيدة وهما:
فليت كفافا كان خيرك كلّه ... وشرّك عنّي ما ارتوى الماء مرتوي
تكاشرنى كرها كأنّك ناصح ... وعينك تبدي أنّ قلبك لي دوى (١)
واستشهد الفراء أيضا بهذا البيت وبيت آخر:
أتطمع فينا من أراق دماءنا ... ولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن (٢)
وأنشد فيه أيضا:
... ... لولاك هذا العام لم أحجج (٣)
وكان أبو العباس المبرّد ينكر لولاي ولولاك، ويزعم أنّه خطأ لم يأت عن ثقة، وأنّ الذي استغوا هم بيت الثقفي، وأنّ قصيدته فيها خطأ كثير.
قال أبو سعيد: وما كان لأبي العباس أن يسقط الاستشهاد بشعر رجل من العرب قد روى قصيدته النحويون وغيرهم، واستشهدوا بهذا البيت وغيره من القصيدة، ولا أن ينكر ما أجمع الجماعة على روايته عن العرب.
ثم اختلف النحويون بعد في موضع الياء والكاف من: لولاي ولولاك، بعد إجماعهم على روايته.
فقال سيبويه: موضعه جر، وحكاه عن الخليل ويونس.
وقال الأخفش، وهو قول الفرّاء أيضا: الكاف والياء في لولاك ولولاي في موضع رفع.
واستدل سيبويه على قوله أن الياء والكاف لا يكونان علامة مضمر مرفوع، وأن
стр. 1134
لولا في عملها الخفض في المكني وإن كانت لا تعمل في الظاهر الخفض بمنزلة عمل عسى في المكني النصب، وإن كانت لا تعمل في الظاهر إلا الرفع؛ فعملها النصب في المكني قوله:
... علّك أو عساكا
الكاف في عساك مثلها في علّك، وأنت لا تقول في المظهر: عسى زيدا كما تقول:
لعل زيدا، واستدل على أن الكاف في عساك في موضع نصب بقول عمران:
... لعلّى أو عساني
ولا تدخل النون والياء بعد الألف إلا على منصوب، وقول سيبويه: فهذان الحرفان لهما في الإضمار هذه الحال يعني: لولاك وعساك لهما اختصاص؛ فالضمير يخالف الظاهر.
وقوله: كما أنّ لدن حالا مع غدوة ليست مع غيرها، وكما أن لات إذا لم تعملها في الأحيان لم تعملها فيما سواها؛ فهي معها بمنزلة ليس، فإذا جاوزتها فليس لها عمل.
يعني أن هذين الحرفين: لولاك وعساك، في اختصاصهما مع المضمر بهذين الضّربين من تقدير الخفض والنصب دون المظهر، بمنزلة لدن في حالها مع غدوة وعملها فيها النصب دون أن تعمل النصب مع غيره غدوة، وبمنزلة عمل لات في الأحيان النصب والرفع دون أن تعمل ذلك في غير الأحيان.
وردّ سيبويه على من زعم أنّ موضع الياء والكاف في لولاي ولولاك رفع، وأنّ الرفع وافق الجر في لولاي كما وافقه النصب إذا قلت: معك، وضربك؛ لأنك إذا أضفت إلى نفسك فالجرّ مفارق للنصب في غير هذه الأسماء. تقول: معي، وضربني. أراد سيبويه بهذا الاحتجاج أنه لو كان الرفع محمولا على الجر في لولاك لفصل بين اللّفظين في المتكلم فقيل: لولاني، كما فعل في النصب حين وافقه الجرّ في معك، وضربك، ثم خالفه في معي، وضربني.
وأما الحجة في جعل الياء والكاف في لولاي، لولاك في موضع رفع؛ فلأن الظاهر الذي وقعت الياء والواو موقعه رفع.
واحتج الأخفش في ذلك بأنّ علامة الجرّ دخلت على الرفع في لولاي، كما دخلت علامة الرفع على الجر في قولهم: ما أنا كأنت؛ فأنت من علامات المرفوع، وهو هاهنا في موضع مجرور، وكذلك الياء والكاف من علامات المجرور، وهما في لولاي، ولولاك من علامات المرفوع.
وأما الفرّاء فإنه احتج في ذلك بأنّا لم نجد حرفا ظاهرا خفض، فلو كانت لولا مما
стр. 1135
يخفض لأوشك أن ترى ذلك في الشعر؛ لأنّ الشعر الذي يأتي بالمستجاز. قال: وإنما دعاهم إلى أن يقولوا: لولاك في موضع الرفع؛ لأنهم يجدون المكني يستوي لفظه في الخفض والنصب فيقال: ضربتك، ومررت بك، ويجدونه يستوي أيضا في الرفع والخفض والنصب، فيقال: ضربنا، ومرّ بنا، فيكون النصب والخفض بنون، ثم يقال: قمنا، وفعلنا، فيكون الرفع بالنون. فلما كان ذلك استجازوا أن تكون الكاف في موضع (أنت) رفعا، وكان
إعراب المكني بالدّلالات لا بالحركات.
فإن قال قائل: حروف الخفض هي صلات للأفعال، فإذا جعلتم لولا خافضة للياء والكاف ففي صلة أي شيء تجعلونها؟
قيل له: قد تكون حروف الجر في موضع مبتدإ، ولا تكون في صلة شيء كقولك:
بحسبك زيد، ومعناه: حسبك زيد، وقولك: هل من أحد عندك؟ وإنما هو: هل أحد عندك؛ فموضعها رفع بالابتداء، وإن كانت قد عملت الجرّ. وكذلك لولا إذا عملت الجرّ صارت بمنزلة الباء في: بحسبك، ومن في: هل من أحد، وتكون لولاك ولولاي بأسرها بمنزلة بحسبك، ومن أحد. ونظير هذا ما روي من خفض (لعل) لما بعدها؛ فإذا خفضت ما بعدها كانت هي وما بعدها بمنزلة اسم مبتدأ وما بعدها خبر، وفيما قرأنا على أبي بكر بن دريد، أو أنشدناه:
وداع دعايا من يجيب إلى النّدى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
فقلت ادع أخرى وارفع الصوت دعوة ... لعل أبي المغوار منك قريب (١)
وأما عساك، وعساني ففيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: قول سيبويه وهو أنّ عسى حرف بمنزلة لعلّ ينصب ما بعدها الاسم، والخبر مرفوع في التقدير وإن كان محذوفا. كما أنّ علّك في قولك: علّك أو عساك خبره محذوف مرفوع، والكاف اسمها، وهي منصوبة. واستدلّ على نصب الكاف في عساك بقول عمران: عساني، والنون والياء فيما آخره ألف لا تكون إلا للنّصب.
والقول الثاني: قول الأخفش أنّ الكاف والنّون والياء في موضع رفع، وحجّته:
أنّ لفظ النّصب استعير للرفع في هذا الموضع كما استعير له لفظ الجرّ في:
لولاي، ولولاك.
والقول الثالث: قول أبي العبّاس المبرّد: أنّ الكاف والنّون والياء في عساك، وعساني
стр. 1136
في موضع نصب ب (عسى) وأنّ اسمها مضمر فيها مرفوع، وجعله كقولهم: (عسى الغوير أبؤسا).
وحكي عنه أيضا أنه قدّم فيها الخبر لأنها فعل، وحذف الفاعل لعلم المخاطب، كما قالوا: ليس إلا، وليس فعل
صحيح لا يدخله الاختلاف بوجه من الوجوه، وباقي الباب مفهوم.
هذا باب ما يحسن أن يشرك المظهر المضمر فيما عمل فيه، وما يقبح أن يشرك المضمر فيما عمل فيه
قال سيبويه: " أمّا ما يحسن أن يشركه المظهر فهو المضمر المنصوب، وذلك:
رأيتك وزيدا، وإنّك وزيدا منطلقان.
وأما ما يبح أن يشاركه المظهر فهو المضمر المرفوع، وذلك: فعلت وعبد الله، وأفعل وعبد الله.
وزعم الخليل أن هذا إنما قبح من قبل أنّ هذا الإضمار يبنى عليه الفعل، فاستقبحوا أن يشرك المظهر مضمرا يغيّر الفعل فيه عن حاله إذ بعد شبهه منه.
وإنما حسنت شركته المنصوب لأنه لا يغيّر فيه الفعل عن حاله التي كان عليها قبل أن يضمر، فأشبه المظهر وكان منفصلا عندهم بمنزلة المظهر، إذ كان الفعل لا يتغّير عن حاله قبل أن يضمر فيه.
وأما فعلت فإنهم قد غيّروه عن حاله في الإظهار؛ أسكنت فيه اللام، فكرهوا أن يشرك المظهر مضمرا يبنى له الفعل على غير بنائه في الإظهار حتى صار كأنه شيء في كلمة لا يفارقها كألف أعطيت.
فإن نعتّه حسن أن يشركه المظهر، وذلك قولك: ذهبت أنت وزيد، وقال تعالى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا (١)، اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (٢). وذلك أنك لمّا وصفته قوي الكلام حيث طوّله وأكّده، كما تقول: قد علمت أن لا تقول ذاك، فإن أخرجت (لا) قبح الرفع. ف (أنت) تقوّي، وتصير عوضا من السّكون والتغيير
стр. 1137
وترك العلامة في ضرب. وقال الله تعالى: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا (١)؛ حسن لمكان لا، وقد يجوز في الشعر؛ قال أبو الحسن: سمعته من يونس لابن أبي ربيعة:
قلت إذ اقبلت وزهر تهادى ... كنعاج الملا تعسّفن رملا (٢)
واعلم أنه قبيح أن تصف المضمر في الفعل بنفسك وما أشبهه، وذلك أنه قبيح أن تقول: فعلت نفسك، إلا أن تقول: فعلت أنت نفسك. فإن قلت: فعلتم أجمعون حسن؛ لأنّ هذا يعمّ به، وإذا قلت: نفسك فإنما تؤكّد الفاعل، ولمّا كانت نفسك يتكلم بها مبتدأة وتحمل على ما يجرّ وينصب ويرفع شبّهوها بما يشرك المضمر، وذلك قولك:
نزلت بنفس الجبل، ونفس الجبل مقابلي، ونحو ذلكن وأمّا أجمعون فلا تكون إلا صفة، وكلّهم قد تكون بمنزلة أجمعين؛ لأنّ معناه معنى أجمعين فهي تجرى مجراها.
وأمّا علامة الإضمار التي تكون منفصلة من الفعل ولا تغيّر ما عمل فيها عن حاله إذا أظهر فيه الاسم فإنه يشركه المظهر لأنّه لا يشبه المظهر، وذلك قولك: أنت وعبد الله ذاهبان، والكريم أنت وعبد الله.
واعلم أنه قبيح أن تقول: ذهبت وعبد الله، أو ذهبت وأنّا؛ لأنّ أنا بمنزلة المظهر. ألا ترى أن المظهر لا يشركه إلا أن يجئ في شعر، قال الشّاعر (وهو الراعي):
فلمّا لحقنا والجياد عشيّة ... دعوا يا لكلب واعتزينا لعامر (٣)
ومما يبح أن يشركه المظهر علامة المضمر المجرور، وذلك قولك: مررت بك وزيد، وهذا أبوك وعمرو؛ فكرهوا أن يشرك المظهر مضمرا داخلا فيما قبله؛ لأنّ هذه العلامة الداخلة فيما قبلها جمعت أنها لا يتكلّم بها إلا معتمدة على ما قبلها في اللفظ، وأنها بدل من اللفظ بالتنوين، فصارت عندهم بمنزلة التنوين، فلما ضعف عندهم كرهوا أن يتبعوها الاسم، ولم يجز أن يتبعوها إيّاه وإن وصفوا؛ لا يحسن أن تقول: مررت بك أنت وزيد، كما جاز فيما أضمرت في الفعل؛ لأنّ ذاك وإن كان قد
стр. 1138
أنزل منزلة آخر الفعل فليس من الفعل ولا من تمامه، وهما حرفان يستغنى كلّ واحد منهما بصاحبه كالمبتدإ والمبنيّ عليه، وهذا يكون من تمام الاسم، وهو بدل من الزيادة التي في الاسم، وحال الاسم إذا أضيفت إليه مثل حاله مفردا، لا يستغنى به، ولكنهم يقولون: مررت بكم أجمعين؛ لأنّ أجمعين لا تكون إلا وصفا، ومررت بهم كلّهم؛ لأنّ أحد وجهيها مثل أجمعين.
وتقول أيضا: مررت بك نفسك؛ لمّا أجزت فيها ما يجوز في فعلتم مما يكون معطوفا على الأسماء احتملت هذا؛ إذ كانت لا تغيّر علامة الإضمار هاهنا ما عمل فيها، فضارعت هاهنا ما ينتصب، فجاز هذا فيها، وأمّا في الإشراك فلا يجوز؛ لأنه لا يحسن في فعلت وفعلتم إلا ب (أنت وأنتم)، وهذا قول الخليل.
وجاز: قمت أنت وزيد، ولم يجز: مررت بك أنت وزيد؛ لأنّ الفعل يستغنى بالفاعل، والمضاف لا يستغنى
بالمضاف إليه؛ لأنه بمنزلة التنوين، وقد يجوز في الشعر. قال الشاعر:
آبك أيّه بي أو مصدّر ... من حمر الجلّة جأب حشور (١)
هذان البيتان من الرّجز لم يقرأهما أبو عثمان ولا غيره من أصحابنا، وهما في الكتاب.
وقال الآخر:
فاليوم قرّبت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيّام من عجب " (٢)
قال أبو سعيد: أما شركة الظاهر للمضمر المنصوب، وهي عطف الظاهر المنصوب على المضمر المنصوب فهي جائزة مستحسنة ليس بين النحويين في ذلك خلاف، أكّد المضمر أو لم يؤكد، وليس فها علّة تمنع ذلك.
وأمّا عطف الظاهر المرفوع على المضمر المرفوع المتّصل بالفعل فيستقبح عند البصريين؛ إلا أن يؤكّد المضمر، أو يدخل بين المضمر وبين المعطوف عليه كلام يكون عوضا من التوكيد. فالمستقبح منه نحو قولك: قمت وزيد، وأفعل وعبد الله، وإن الزيدين قاما وأخوك. وإنما قبح ذلك لأنّ ضمير الفاعل قد يكون في الفعل بغير علامة كقولك:
стр. 1139
قم، واذهب؛ فيه ضمير المخاطب ولا علامة له في اللفظ، وفيه ماله علامة تغير بنية الفعل بتسكين آخر الفعل الماضي وذلك: قمت، وقمنا، وقمت، وقمتما، وقمتم، فلما كان بعضه يقدّر في الفعل ويبقى لفظ الفعل مجردا، وبعضه كأنه من حروف الفعل بتسكينه لما كان من الفعل مفتوحا واختلاطه بحروفه صار المعطوف عليه في اللفظ كأنه قد عطف على الفعل وحده، إذ كان الموجود لفظ الفعل مجردا، أو ما يجري ببنيته مع الفعل كالمجرّد، والاسم لا يعطف على الفعل، فقبح لذلك.
وأمّا المستحسن المؤكّد فقولك: قمت أنا وزيد، وخرجنا نحن وأصحابك، واسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (١)، وإنّ الزّيدين خرجا هما وأخوك، وإنّ الهندات في الدار هنّ وأخواتك، وهنّ توكيد للضمير الذي لهنّ في الظرف، وتقديره: إنّ الهندات استقررن هنّ وأخواتك في الدار.
وأمّا ما يكون من الكلام بين المعطوف والمعطوف عليه عوضا من التوكيد فنحو قولك: أقمت بالبصرة وزيد، وما خرجت ولا زيد، وفي مواضع من كتاب الله قد جاء؛ فمنها: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا (٢) فعطف آباؤنا على النون والألف في أشركنا، و (لا) الداخلة بينهما عوض من التوكيد.
ومنها: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٣) فعطف آباؤنا على النون والألف، وترابا عوض من التوكيد، ومنها: فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ (٤) (من) رفع بالعطف على التاء، وما بين التّاء و (من) عوض من التوكيد، ومنها قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ (٥) في رفع رسوله وجهان:
أحدهما: أن يكون عطفا على الضّمير الذي في (بريء)، وما بينهما كالتوكيد، وشبّه سيبويه العوض في هذا كالعوض الذي يقع في (أنّ) المشدّدة إذا خفّفت ووليها الفعل كقولك: قد علمت أن لا تقول ذاك، وأصله: قد علمت أنك لا تقول، ولو قلت: علمت أن تقول ذاك، على معنى: أنك تقول: لم يحسن؛ لأنّ (لا) عوض من تخفيف أنّ،
стр. 1140
وستقف على شرح هذا في موضعه إذا بلغنا إليه إن شاء الله.
والكوفيّون يجيزون العطف بغير توكيد، والأمر في ترك التوكيد عندهم أسهل منه عند البصريين، وسيبويه يرى ترك التوكيد وما يقوم مقامه قبيحا إلا في الشّعر، والكوفيّون لا يرونه قبيحا. ومما ينشد في ذلك غير البيتين اللذين ذكرناهما قول جرير:
ورجا الأخيطل من سفاهة رأيه ... ما لم يكن وأب له لينالا (١)
عطف أب على الضمير في يكن.
وأمّا توكيد الضمير المتّصل المرفوع بالنفس فلا يحسن حتى تقدّم قبل النفس توكيدا؛ لا يحسن: فعلت نفسك حتى تقول: فعلت أنت نفسك. وإنّما احتاجت إلى تقديم توكيد قبلها لأنها اسم يتصرف، وتقع في جميع مواضع الأسماء، ويؤكّد بها، فيعرض في بعض مواضع توكيد المرفوع لبس إن لم يؤكد، وذلك أن تقول: هند خرجت نفسها، فتكون نفسها فاعلة خرجت، كما تقول: هند خرجت جاريتها، وليس في خرجت ضمير، ويجوز أن تقول: هند خرجت نفسها، على أنّ هندا هي الخارجة، وفي خرجت ضميرها فلا يتبيّن أن معناها: خرجت هند، أو خرجت
نفس هند، ومعناهما مختلف في مقاصد الناس، فإذا أكّدوا قبل النفس فقالوا: هند خرجت هي نفسها زال اللّبس؛ فلذلك اختاروا التوكيد.
وقول سيبويه: " ولمّا كانت نفسك يتكلّم بها مبتدأة وتحمل على ما يجرّ وينصب ويرفع، شبّهوها بما يشرك المضمر ".
قال أبو سعيد: أراد سيبويه الفصل بين أجمعين وبين نفسك؛ فلأن أجمعين لا يكون إلا توكيدا لم يحتج إلى تقدّم ضمير، ولمّا كانت النفس اسما يتصرف شبّهت بما يعطف من الأسماء على الضمير.
قال أبو سعيد: والذي عندي: شبهوها بما لا يشرك المضمر؛ لأنه إنما يحتجّ لاحتياجهم إلى التوكيد قبل ذكر النفس، فالنفس في ذلك بمنزلة المعطوف على ضمير المرفوع في باب التوكيد.
وأمّا المنصوب والمخفوض فإذا أكّدا بالنفس لم يحتج إلى تقدمة توكيد قبلها وذلك من جهتين:
стр. 1141
إحداهما: أنّ اللّبس لا يقع فيهما؛ لأنّ ضمير المنصوب والمخفوض لا يكون إلا بعلامة ملفوظ بها تتبعها النفس، والمرفوع يكون بغير علامة فيقع من جهته اللبس.
والجهة الأخرى: أنّ المنصوب والمجرور لا ضمير لهما منفصل في الأصل، وهما يؤكّدان بضمير المرفوع كقولك: رأيتك أنت ومررت بك أنت، واستعمال ضمير المرفوع في غير موضعه من غير قصد إلى التوكيد به يضعف؛ لأنه إذا قدّم من أجل النفس فليس يراد التوكيد به.
وأمّا (فعلتم أجمعون) فحسن؛ لأنه يعمّ به، وهو موضوع للتوكيد والعموم، ولا يستعمل في مواضع الأسماء، ولا يقع فيه لبس، وقد استعمل (كلّهم) في موضعها لاشتراكهما في العموم، وعلى أن (كلهم) ليس بمتمكن في مواضع الأسماء؛ لأن المستحسن فيه أن يكون مبتدأ أو يعمّ به ما قبله، فمجراه مجرى أجمعين في هذا الوجه.
وأمّا قبح عطف الظاهر المجرور على المضمر المجرور فليس بين النحويين فيه خلاف، وقد احتج له سيبويه بما ذكرناه من كلامه، واحتج أبو عثمان المازني لذلك بأن قال: " لما كان المضمر المجرور لا يعطف على الظاهر إلا بإعادة الخافض كقولك: مررت بزيد وبك، ولا يجوز أن تقول: مررت بزيد وك، كذلك تقول: مررت بك وبزيد، فتحمل كل واحد منهما على صاحبه "، وشايعه أبو العباس المبرد في ذلك، وقد جاء في الشعر عطف الظاهر المجرور على المضمر في أبيات كثيرة منها ما ذكرنا في جملة الباب ومنها قوله (أنشده الفرّاء):
تعلّق في مثل السّواري سيوفنا ... فما بينها والكعب غوط نفانف (١)
أراد: وبين الكعب، فعطف على المكنيّ المخفوض، وأنشد أيضا:
أكرّ على الكتيبة لا أبالي ... أفيها كان حتفي أم سواها (٢)
قال أبو سعيد: أمّا هذا البيت الأخير فليس فيه حجة؛ لأن سواها ظرف؛ ألا ترى أنه يجوز أن تقول: أفي اليوم كان حتف زيد أم يوم الجمعة؟
فإن قال قائل: فأنتم تقولون: مررت بك وزيدا، فتنصبون زيدا بالعطف على موضع الباء أو بتأويل: لقيتك وزيدا ولا تكون فيه ضرورة؛ فهلا نصب هؤلاء الشعراء ما خفضوه وخرجوا عن الضرورة؟
стр. 1142
فالجواب عن ذلك أن قوله:
آبك أيّة بي أو مصدّر
كان حق المصّدّر أن يكون منصوبا؛ لأنه بمنزلة: امرر بي وزيدا؛ لأن أيّه فعل معناه صح بي أو زيدا، على معنى: ادعني أو زيدا. يقال: أيّهت بالإبل: صحت بها، وإنما خفضه ضرورة لخفض القوافي، ومعنى آبك: ويلك، والمصدّر: العظيم، والجأب والحشور:
الغليظ. قال الشاعر في آبك، وأنشده أبو زيد:
فآبك هلا والليالي بغرّة ... صحوت وفي الأيام عنك غفول (١)
وأمّا: فاذهب فما بك والأيام، وما بينها والكعب، فليس قبلهما فعل يحملان عليه وينصبان، فالضرورة حملهما على الخافض.
والتأكيد للمضمر المجرور لا يحسّن عطف الظاهر عليه كما حسّنه في المرفوع؛ لأن المرفوع بالفعل قد يكون غير متصل بالفعل الرافع له الظاهر منه والمضمر، وإنما استحسن توكيده؛ لأن التوكيد خارج عن الفعل، فيصيّره بمنزلة الفاعل الذي ليس متصلا، فيعطف عليه كما يعطف على ما ليس بمتّصل من الفاعلين، والمجرور لا يكون إلا متصلا بالجارّ، فلا يخرجه التوكيد إلى شبه ما ليس بمتصل، وباقي الباب مفهوم من كلام سيبويه.
هذا باب ما تردّه علامة الإضمار إلى أصله
وهذا الباب في كتاب أبي العباس المبرد قبل الباب الذي ذكرناه قبله.
قال سيبويه: " فمن ذلك قولك: لعبد الله مال، ثم تقول: لك وله مال. وذلك أن اللام لو فتحوها في الإضافة لالتبست بلام الابتداء إذا قال: إن هذا لفلان، ولهذا أفضل منك، فأرادوا أن يميزوا بينهما، فلما أضمروا لم يخافوا أن تلتبس بها؛ لأنّ هذا الإضمار لا يكون للرفع ويكون للجرّ. ألا تراهم قالوا: يا لبكر، حين نادوا؛ لأنه قد علم أن تلك اللام لا تدخل هاهنا.
وقد شبهوا به قولهم: أعطيكموه في قول من قال: أعطيكم ذلك فيجزم، ردّوه إلى أصله بالإضمار كما ردوه بالألف واللام حين قالوا: أعطيكم اليوم، فشبّهوا هذا ب " لك وله "، وإن كان ليس مثله؛ لأنّ من كلامهم أن يشبّهوا الشيء بالشيء وإن
стр. 1143
كان ليس مثله. وقد بيّنّا ذلك فيما مضى، وستراه إن شاء الله فيما بقي.
وزعم يونس أنه يقول: أعطيتكمه، وفي نسخة أبي العباس أعطيكمها كما تقول في المظهر، والأوّل أكثر وأعرف ".
قال أبو سعيد: إنما كسروا الاسم مع الظاهر وفتحوها مع المضمر؛ لأنّ حروف الظاهر وصيغتها لا تتغيّر بتغيّر الإعراب، ولا تدل على مواضعه من الرفع والنصب والجرّ، وحروف المضمرات بأنفسها تدلّ على مواضعها من الإعراب؛ فلذلك كسروا اللام مع الظهر؛ لأنهم لو فتحوها لم يعلم أهي لام الإضافة والملك الخافضة، أم لام التوكيد. وذلك في قولنا: إنّ هذا لزيد، إذا كان المشار إليه هو زيد، وإنّ هذا لزيد، إذا كان المشار إليه ملك زيد؛ فكسروا اللام الخافضة ليزول اللّبس، وأصلها الفتح؛ لأنّ الباب في الحروف المفردة أن تبنى على الفتح، فإذا وصلتها بالمكنيّ عادت إلى أصلها من الفتح، وذلك في قولك: إنّ هذا لك، وإنّ هذا له، وإنّ هؤلاء لنا؛ لأنك تقول في مكنيّ المجرور والمرفوع، فأغني عن كسر اللام، فأجريت على أصلها من الفتح، وقد ذكر هذا في غير هذا الموضع.
وكذلك فتحوا لام المستغاث به حين علم أنه لا يقع في النّداء لام التوكيد، وفي لام الاستغاثة المفتوحة وجه آخر قد ذكرناه في موضعه، وجعل هذا سيبويه مقوّيا لما تردّه علامة الإضمار إلى أصله.
وقالوا: أعطيتكم والأصل: أعطيتكمو؛ لأن الواو بعد الميم في الجمع بمنزلة الألف بعد الميم في التثنية إذا قلت:
أعطيتكما، وإنما حذفوا الواو وأسكنوا الميم تخفيفا لأنه لا لبس فيه لأن الواحد لا ميم فيه، والاثنين لا تفارقهما الألف لخفتها، ومما يزيد في ثقل الواو طرفا وقبلها ضمّة أنّ مثل لفظه لا يقع في الأسماء، وإن عرض فيها غيّر إلى الياء كقولهم: أدل وأجر، وأصلهما: أدلو وأجرو.
وإنما ردّه الضمير إلى أصل البنية في أعطيتكموه، وأعطيكموه؛ لأن الضمير لما اتصل بها صارت الواو التي بعد الميم كأنّها في الوسط لا في الطّرف، والحذف من الأطراف أحسن وأكثر وأسهل من حذف غير الأطراف لعلل قد ذكرت في موضعها.
والذي حكاه يونس من قولهم: أعطيتكمه قد بني على الظاهر إذا قلت: أعطيتكم ثوبا، أو على أنه لما كثر استعمالهم أعطيتكم صار كأنه بني على السكون، ثم اتصلت به الكناية كقوله: اضربه، وما أشبهه، وإذا أضفته إلى ما فيه الألف واللام فأكثرهم يردّه إلى الأصل فيضمه، ويقول: أعطيتكم اليوم، فيضمّ الميم؛ لمّا اضطر إلى تحريكها حركها بحركتها في الأصل، ومنهم من يكسر الميم فيقول: أعطيتكم اليوم، فيكسر لالتقاء
стр. 1144
الساكنين على اللفظ الذي استعمل فيها، ولم تردّ إلى أصلها.
ومثله: ما رأيته مذ اليوم، ومذ اليوم، على ردّها إلى ضمّة منذ، وكسرها لالتقاء الساكنين، والكسر في أعطيتكم اليوم، كالسّكون في أعطيتكمه.
هذا باب ما لا يجوز فيه الإضمار من حروف الجرّ
قال سيبويه: (وذلك الكاف التي في: أنت كزيد، وحتى، ومذ. وذلك أنهم استغنوا بقولهم: مثلي، وشبهي عنه فأسقطوه.
واستغنوا عن الإضمار في حتى في قولهم: دعه حتى يوم كذا وكذا بقولهم: دعه حتى ذاك، وبالإضمار في إلى إذا قالوا: دعه إليه؛ لأنّ المعنى واحد، كما استغنوا ب (مثلي) و (مثله) عن (كي) و (كه). واستغنوا عن الإضمار في مذ بقولهم: مذ ذاك؛ لأنّ ذاك اسم مبهم، وإنما يذكر حين يظن أنّك قد عرفت ما يعني. إلا أنّ الشّعراء إذا اضطروا أضمروا في الكاف، فيجرونها على القياس.
قال العجّاج:
وأمّ أو عال كها أو أقربا (١)
وقال العجاج أيضا:
فلا ترى بعلا ولا حلائلا ... كه ولا كهنّ إلا حاظلا (٢)
شبهوه بقولهم: له ولهن.
ولو اضطر شاعر وأضاف إلى نفسه قال: كي، بكسر الكاف، وكي بفتح الكاف خطأ؛ من قبل أنه ليس من حرف يفتح ما قبل ياء الإضافة).
قال أبو سعيد: منع هذه الحروف من الإضافة إلى مكنيّ فيما ذكره سيبويه سماع من العرب؛ لأنه ذكر أنهم استغنوا بقولهم: مثلي، وشبهي، عن إضافة الكاف، واستغنوا بقولهم: حتى ذاك، ومذ ذاك، وإنما يريد أنّ العرب استغنوا بشيء عن شيء، وليس لأحد أن يجيز ما استغنت العرب عن الكلام به ببدل جعلوه مكانه، فيكون خارجا عن كلامها.
وعلّل أبو إسحاق الزّجّاج ذلك فقال: لم يجز الإضمار في حتى لأنه يقع ما بعدها
стр. 1145
على ضروب كثيرة، ومذ يقع ما بعدها على غير ضرب ومنذ صارت في الأيام حسب.
قال أبو سعيد: وأنا أقول إنا رأينا أسماء تضاف إلى الظاهر ولا يجوز إضافتها إلى المكني كقولنا: ذو مال، وذو المال ولا يجوز: ذوه.
وتقول: والله، وتالله في القسم ولا يجوز: وه، ولا وك، ولا ته، ولا تك؛ لأنهم استغنوا بإضافة الباء إلى المكنيّ في قولهم: بك لأعبدنّك أن يقولوا: وك، أو تك.
وكان أبو العباس المبرد يجيز إضافة ما منع سيبويه إضافته في هذا الباب ولا يمتنع منها، ويقول: " إذا كان ما بعد حتى رفعا: حتى هو، وإذا كان نصبا: حتى إياه، وإذا كان جرّا: حتاه، وحتاك، وفي مذ إذا كان ما بعدها رفعا: مذ هو، وإذا كان جرّا:
مذه ". والصحيح ما قاله سيبويه؛ لموافقته كلام العرب.
وأمّا قول العجّاج:
وأمّ أو عال كها أو أقربا (١)
فأمّ أو عال: هضبة قد ذكر قبلها مكانا آخر مؤنثا، وشبّه أمّ أو عال بها، فقال: وهو يصف حمارا هرب بأتنه من
صائد رماها:
أجمعن منه سننا وهربا ... نحي الذبابات شمالا كثبا
وأمّ أو عال كها أو أقربا ... ذات اليمين غير ما أن ينكبا (٢)
منه: من الصائد، نحي الحمار الذبابات: وهي في موضع صار هو وأتنه منها ناحية، وأمّ أو عال: مثل الذبابات في تصييرها إياها ناحية، وأمّ أو عال: عطف على الذبابات تقديره: تجئ الذبابات شمالا وأم أو عال ذات اليمين كالذبابات أو أقرب منها، كأنه قال:
جعل أمّ أو عال كالذباب أو أقرب منها.
وأمّا قوله: ولا ترى بعلا ولا حلائلا كه، ويقف الهاء ساكنة، ولا كهن: كحمار ذكره وأتن، والحاظل: مثل العاظل: وهو المانع من التّزويج، والحمار يمنع حمارا آخر من قرب شيء من أتنه، وقد ذكرنا كسر الكاف إذا أضيف إلى المتكلم لدخول الياء على حرف متحرك.
стр. 1146
هذا باب ما يكون فيه أنت وأنا ونحن وهو وهي وأنتم وأنتن وهما وأنتما وصفا
قال سيبويه: (اعلم أنّ هذه الحروف كلها تكون وصفا للمجرور المضمر والمرفوع والمنصوب المضمرين، وذلك قولك: مررت بك أنت، ورأيتني أنا، وانطلقت أنت، وليس وصفا بمنزلة الطويل إذا قلت: مررت بزيد الطويل، ولكنه بمنزلة نفسه إذا قلت: مررت به نفسه، وأتاني هو نفسه، ورأيته نفسه، وإنما تريد إذا قلت: مررت به هو مررت به نفسه، ولست تريد أن تحلّيه بصفة ولا قرابة كأخيك، ولكن النحويين صار هذا عندهم صفة؛ لأنّ حاله كحال الموصوف، كما أنّ حال الطويل وأخيك في الصفة بمنزلة الموصوف.
واعلم أنّ هذه الحروف لا تكون وصفا لمظهر، كراهية أن يصفوا المظهر بالمضمر، كما كرهوا أن يكون أجمعون ونفسه معطوفا على النكرة في قولهم: مررت برجل نفسه، ومررت أجمعين.
فإن أردت أن تجعل مضمرا بدل من مضمر قلت: رأيتك إيّاك، ورأيته إيّاه، فإن أردت أن تبدل من مرفوع قلت: فعلت أنت، وفعل هو، فأنت وهو وأخواتهما نظائر إيّاه في النصب.
واعلم أن هذا المضمر يجوز أن يكون بدلا من المظهر، وليس بمنزلته في أن يكون وصفا له؛ لأنّ الوصف تابع للاسم، وأمّا البدل فمنفرد، كأنك قلت: زيدا رأيت، أو رأيت زيدا، ثم قالوا: إياه رأيت. وكذلك أنت وأخواتها في الرفع.
واعلم أنه قبيح أن تقول: مررت به وبزيد هما، كما قبح أن تصف المضمر والمظهر بما لا يكون إلا وصفا للمظهر.
ألا ترى أنه قبيح أن تقول: مررت بزيد وبه الظريفين).
قال أبو سعيد: أصل المضمر أن يكون على صيغة واحدة في الرفع والنصب والجر، كما كانت الأسماء الظاهرة على صيغة واحدة، والإعراب في آخرها يبيّن مواقعها، وكما كانت الأسماء المبهمة المبنية على صيغة واحدة والدّلالة على إعرابها أفعالها ومواضعها، نحو: جاءني هذا، ورأيت هذا، ومررت بهذا، ولكنهم فصلوا في المضمر في بعض المواضع بين صيغة المرفوع منها والمنصوب والمخفوض في نحو: ضربت زيدا، وضربك زيد، وضربت زيدا، وضربني زيد، ومرّ بي زيد، فاسم المتكلّم والمخاطب يتغير في الرفع
стр. 1147
والنصب والجر، وهذا زيادة بيان قد أحسنوا فيه.
وقد سوّوا المرفوع والمنصوب والمجرور في بعض المواضع، وذلك قولك: قمنا وذهبنا، النون والألف في موضع رفع. وأكرمنا زيد وأعطانا، النون والألف في موضع نصب. ونزل علينا زيد، ورغب فينا، النون والألف في موضع جرّ. وقد كنّا ذكرنا أنّ الضمير المنفصل في الأصل للمرفوع؛ لأنّ أوّل أحواله الابتداء، وعامل المبتدإ ليس بلفظ، فإذا أضمر لم يكن بدّ من أن يكون ضميره منفصلا، والمنصوب والمجرور لا بدّ لهما من لفظ يعمل فيهما، فإذا أضمرا اتّصلا بذلك اللفظ، فصار المرفوع مختصّا بالانفصال، فإذا وصفنا المضمر المنصوب والمجرور- ووصفهما هو تأكيدهما لئلا يذهب الوهم إلى غيرهما، كما يؤكّدان النّفس والعين إذا قلت: رأيته نفسه، ورأيته عينه، ورأيته بعينه، ومررت به نفسه، وعينه؛ فبعينه لتحقيق الفعل للشّيء بعينه دون من يقوم مقامه ومن يشبهه- احتجنا إلى ضمير منفصل، ولا منفصل إلا ضمير المرفوع، فاستعملناه في المنصوب والمجرور والمرفوع، كما اشتركن جميعا في (نا)، وكما ذكرنا من إيجاب القياس اشتراكها كلّاه في لفظ واحد، وليست هذه الصفة كصفة زيد؛ لأن صفة زيد ونحوه تحلية له لتبينه من زيد آخر، وهذا قد عرف بالضّمير، وإنّما يؤكّد لئلا يتوهّم أنّ الفعل الواقع إنما وقع من بعض أسبابه، كما يقول القائل: ضرب الأمير زيدا، والذي تولّى الضّرب غيره، فإذا قلت:
ضرب الأمير نفسه زيدا، فقد تولى الضّرب بنفسه، وكذلك: مررت بك، يجوز أن يكون:
مررت بمن يخلفه، أو من يشبهه في أمر من الأمور، فإذا قلت: مررت بك أنت، بيّنت أنّه الممرور به، وسمّاه النّحويون: وصفا، وإن خالف وصف زيد؛ لأنه يجري على زيد في تعريفه ورفعه وجرّه وبيان الأول به على الوجه الذي قصد بيانه به.
وقول سيبويه: (واعلم أن هذه الحروف لا تكون وصفا لمظهر كراهية أن يصفوا المظهر بالمضمر) إن اعترض عليه معترض فقال: وما تكره من هذا؟ ومن كلامهم وصف المضمر بالمظهر في قولك: قمتم أجمعون، ومررت بكم كلّكم، ورأيته نفسه، فما بين المظهر والمضمر تباين يوجب أن لا يؤكّد أحدهما بالآخر.
فالجواب عن ذلك أنّ المضمر لا يوصف بما يعرّفه، وإنّما يوصف بما يؤكّد عمومه، أو يؤكّد عينه ونفسه، نحو: مررت بكم كلّكم، ومررت بكم أجمعين، ومررت بك نفسك، والظّاهر يشارك المضمر في التوكيد بالعموم وبالنّفس كقولك: مررت بالقوم أجمعين، ومررت بالقوم كلّهم، ومررت بزيد نفسه، ويختصّ الظاهر بالصفة التي هي تحلية عند التباسه بظاهر آخر مثله نحو: مررت بزيد البزّاز، والطويل وما أشبهه.
стр. 1148
وقد جرى التوكيد والاختصاص بالنفس مجرى صفاتى التّحلية في اشتراك الصفة والموصوف في الإعراب والتّعريف، وفي شرط الصفات أن لا تكون الصّفة أعرف من الموصوف، فلما كان المضمر أعرف من الظاهر لم يجعل توكيدا للظّاهر؛ لأن التوكيد كالصّفة.
ومما يمنع من توكيد الظاهر المضمر أنّا لو فعلنا ذلك لم يكن توكيده إلا بالمضمر الغائب، وسقط منه ضمير المتكلّم والمخاطب؛ لأنّا إذا قلنا: لقيت زيدا، أو مررت بزيد، أو جاءني زيد، فأكّدناه، لم يكن في شيء من ذلك إلا أن تقول هو، فيسقط المتكلم والمخاطب، وهما الأكثر والأصل في الضّمير، واستعمال ما يوجب إسقاط أصله وأكثره مطّرح متروك.
وأما البدل فإنه يجوز أن تبدل المضمر من المضمر، والمضمر من المظهر، والظاهر من المضمر.
فأمّا المنصوب فقولك: رأيتك إياك، تجعل إيّاك بدلا من الكاف، كأنك قلت:
إيّاك رأيت، ولم تذكر الكاف، وقدّرناه، بتقديم إياك، أو ما رأيت إلا إياك.
وأما المرفوع فإنك تقولك قمت أنت، والمجرور: مررت بك بك، وتعيد حرف الجرّ لأنّ الكاف لا تنفرد، وإن أبدلت مضمرا من ظاهر قلت في المجرور: مررت بزيد به بإعادة حرف الجر.
والفرق بين جواز بدل المكنيّ من المضمر ومن الظّاهر وبطلان التوكيد والصفة بالمكنيّ من الظاهر أنّ الصّفة تطلب المشاكلة بينها وبين الموصوف في التعريف أو التنكير، والبدل ليس يطلب ذلك إذ جاز بدل النكرة من
المعرفة، والمعرفة من النّكرة، وقد ذكرت في غير هذا الباب أنّ النكرة لا تؤكّد بما أغنى عن إعادته، وباقي كلامه مفهوم.
هذا باب من البدل أيضا
قال سيبويه: (وذلك قولك: رأيته إيّاه نفسه، وضربته إياه قائما.
وليس هذا بمنزلة قولك: أظنّه هو خيرا منك، من قبل أنّ هذا موضع فصل، والمضمر والمظهر في الفصل سواء. ألا ترى أنّك تقول: رأيت زيدا هو خيرا منك،
стр. 1149
وقال تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ (١).
وإنما يكون الفصل في الأفعال التي الأسماء بعدها بمنزلتها في الابتداء.
فأمّا ضربت وقتلت ونحوهما فإن الأسماء بعدها بمنزلة المبنيّ على المبتدإ، وإنّما كان يذكر قائما بعد ما يستغنى الكلام ويكتفي، وينتصب على أنّه حال، فصار هذا كقولك: رأيته إيّاه يوم الجمعة.
وأمّا نفسه حين قلت: رأيته إيّاه نفسه، فوصف بمنزلة هو، وإياه بدل، وإنما ذكرتهما توكيدا، كقوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٢)؛ إلا أنّ إيّاه بدل والنفس وصف، كأنك قلت: رأيت الرجل زيدا نفسه، وزيد بدل ونفسه على الاسم.
وإنّما ذكرت هذا للتمثيل. وإنما كان الفصل في أظنّ ونحوه لأنّه موضع يلزمه فيه الخبر، وهو ألزم له من التوكيد؛ لأنه لا يجد منه بدا. وإنما فصل لما لا بدّ له منه، ونفسه يجزئ من إيّا، كما تجزئ منه الصفة؛ لأنّك جئت بها توكيدا وتوضيحا، فصارت كالصّفة.
ويدلّك على بعده أنك لا تقول: إنك أنت إياك خير منه. فإن قلت: أظنه هو خيرا منه، جاز أن تقول: إياه؛ لأن هذا ليس موضع فصل، واستغنى الكلام به، فصار كقولك: ضربته، وكان الخليل يقول: هي عربيّة: إنك أنت إياك خير منه: فإذا قلت:
إنك فيها إياك، فهو مثل أظنّه خيرا منه، يجوز أن تقول: إياك.
ونظير إيّا في الرفع: أنت وأخواتها.
واعلم أنها في الفعل أقوى منها في أن تغني إيا في البدل وغيره، ويدلك على أن الفصل كالصفة أنه لا يستقيم أن تقول: أظنّه هو إياه خيرا منك، إذا كان أحدهما لم يكن الآخر، ولا يجوز: أظنّه هو هو أخاك، إذا جعلت إحداهما
صفة والأخرى فصلا؛ لأنّ كل واحدة منهما تجزئ من أختها).
قال أبو سعيد: بدأ سيبويه في هذا الباب بالفعل الذي لا يجوز فيه الفصل، ويجوز فيه التّوكيد والبدل، وهو كلّ فعل لم يتعلق باسمين أحدهما هو الآخر، فإذا تعلّق الفعل بمفعول واحد أو تعلّق بمفعولين أحدهما غير الآخر لم يكن فيه فصل.
стр. 1150
فالمتعلق بالمفعول الواحد قولك: (من رؤية العين)، وضربته، وأكرمته.
والمتعلق بالمفعولين وأحدهما غير الآخر: أعطيت زيدا درهما، وألبست أخاك ثوبا.
وأما ما يقع الفصل فهو ما كان من الفعل متعلقا باسمين أحدهما هو الآخر، والثاني منهما خبر الاسم الأوّل، ويدخل الفصل بعد الاسم الأول ليؤذن أنّ الاسم قد تمّ وبقي الخبر حسب، وقد ضمّن سيبويه أحكامه ومسائله الباب الذي يلي هذا.
والذي يسمّى فصلا هو ضمير الاسم الأوّل، يفصل به بين الاسم الأول والثاني، ولفظه كلفظ التّوكيد الذي هو ضمير الاسم الأول، غير أنّ التوكيد لا يدخل إلا على مضمر في كلّ فعل، والفصل يدخل بين الظاهرين وبين المضمرين.
وقوله: رأيت زيدا هو خيرا منك، وقول الله : وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ (١) جميعا من رؤية القلب، و (هو) فيهما فصل، وفصل بين دخول إيّاه بين ضربته قائما، وبين دخول (هو) بين رأيت زيدا هو خيرا منك، فجعل الهاء في ضربته بمنزلة خبر المبتدإ في استغناء الكلام واكتفائه به، وجعل قائما حالا بعد أن استغنى الكلام، فلمّا بطل الفصل في ضربته قائما، جعل إياه بدلا من الهاء، فقال: ضربته إيّاه، وهو الذي للتّوكيد، وهو الذي للفصل، جميعه يراد به التوكيد، ولا يجتمعن. ونفسه أيضا للتوكيد، وفيها معنى التوكيد بالضمير، غير أنه يجوز أن يجمع بين نفسه وبين الضمير لأنّهما مختلفان: أحدهما مضمر، والآخر ظاهر، فيقال رأيته إياه نفسه، فإياه بدل، ونفسه وصف، وذكرهما توكيدا، كما قال : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٢) ولهذا قدّم توكيد الضّمير قبل النفس في المرفوع.
ومعنى قول سيبويه: (ونفسه تجزئ من (إيّا) كما تجزئ منه الصّفة) يريد أنّا إذا قلنا: رأيتك نفسك، أو رأيته
نفسه، أجزأت نفسك عن إيّاك، ويكون معنى: رأيتك نفسك، كمعنى رأيتك إياك، كما أنّ أنت إذا قلت: رأيتك أنت، أجزأت أنت عن أن تقول: رأيتك إيّاك؛ لأنّهما جميعا للتوكيد، غير أن النّفس يجوز أن يؤتى بها مع الضمير الذي للتّوكيد فيكون توكيدان، ولا يجوز أن يؤتى بضميرين متواليين للتّوكيد؛ لا تقول:
رأيتك أنت إياك، وقد تقدّم ذكر ذلك. ومعنى قول سيبويه: (ويدلّك على بعده أنّك لا
стр. 1151
تقول: إنّك أنت إياك خير منه) يريد على بعد الجمع بين الصّفة والبدل الذي هو: إيّاك؛ لأنّك لا تقوله في: إنك أنت إياك خير منه. وقد أجازه الخليل لمّا اختلف اللفظان، أو لمّا اختلف مذهب التوكيد في الصّفة والبدل.
وقوله: (فإن قلت: أظنّه هو خيرا منه، جاز أن تقول إياه؛ لأنّ هذا ليس موضع فصل، واستغنى الكلام) فإن أصحابنا قد فسّروا أن مذهب سيبويه: أظنه هو خيرا منه إياه جائز، وأظنّه هو إيّاه خيرا منه لا يجوز، وإنما لم يجوّزوا الضميرين المجتمعين على مذهب سيبويه؛ لأنهما جميعا في موضع واحد، فسبيلهما سبيل اللام وإنّ في التوكيد؛ لا يجتمعان، فإذا فصل بينهم جاز، وإذا قلت: كنت أنت خيرا من زيد، أو ظننت أنا أشدّ من زيد، فإنّ أنت تكون بدلا من التاء، وتكون فصلا، وتكون صفة. وأيّ شيء عني به أغنى عن الباقي، ولا يجوز اجتماعها جميعا، لا اجتماع اثنين منها. فإن قلت: كنت أنت خيرا من زيد أنت، فجعلت أنت الأوّل فصلا، وأنت الأخير بدلا فهو عندي جائز، ومحلّه محلّ إياه المتأخّر عن موضع الفصل، واستواء اللّفظين لا يقدح في جوازه، وفيما ذكره أبو بكر مبرمان في تفسيره عن نفسه أو بعض من حمل عنه أنّه لا يجوز نحو ذلك لاتّفاق اللفظين، فالقول الصّحيح ما بدأت به. وباقي الباب مفهوم.
هذا باب ما يكون فيه هو وأنت وأنا ونحن وأخواتهن فصلا
قال سيبويه: (اعلم أنّهنّ لا يكنّ فصلا إلا في الفعل، ولا يكنّ كذلك إلا في كل فعل الاسم بعده بمنزلته في حال الابتداء، واحتياجه إلى ما بعده كاحتياجه إليه في الابتداء. فجاز هذا في هذه الأفعال التي الأسماء بعدها بمنزلتها في الابتداء، إعلاما بأنه قد فصل الاسم، وأنه فيما ينتظر المحدّث ويتوقّعه منه، مما لا بدّ له من أن يذكره للمحدّث؛ لأنك إذا ابتدأت اسما فإنما تبتدئه لما بعده، فإذا ابتدأت فقد وجب عليك مذكور بعد المبتدإ لا بدّ منه، وإلا فسد الكلام ولم
يسغ لك، فكأنه ذكر هو ليستدلّ المحدّث أنّ ما بعد الاسم يخرجه مما وجب عليه، وأنّ ما بعد الاسم ليس منه، هذا تفسير الخليل.
وإذا صارت هذه الحروف فصلا وهذا موضع فصلها في كلام العرب، فأجره كما أجروه. فمن تلك الأفعال: حسبت وخلت وظننت، ورأيت إذا لم ترد به رؤية العين؛ ووجدت إذا لم ترد به وجدان الضالّة، وأرى، وجعلت إذا لم ترد أن تجعلها بمنزلة عملت، ولكن تجعلها بمنزلة صيّرته خيرا منك، وكان وليس وأصبح
стр. 1152
وأمسى.
ويدلّك على أن أصبح وأمسى كذلك، أنك تقول: أصبح أباك، وأمسى أخاك، فلو كانتا بمنزلة جاء وركب لقبح أن تقول: أصبح العاقل وأمسى الظريف، كما يقبح ذلك في: جاء وركب ونحوهما. فإنما يدلّك على أنهما بمنزلة ظننت أنه يذكر بعد الاسم فيهما ما يذكر في الابتداء.
واعلم أن ما كان فصلا لا يغيّر ما بعده عن حاله قبل أن يذكر، وذلك قولك:
حسبت زيدا هو خيرا منك، وكان عبد الله هو الظريف، وقال : وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ (١).
وقد زعم ناس أن (هو) هاهنا صفة، وليس من عربيّ يجعلها صفة لمظهر. ولو كان كذلك لجاز: مررت بعبد الله هو نفسه، ف (هو) هاهنا مستكرهة لا يتكلّم بها العرب؛ لأنه ليس من مواضعها عندهم. ويدخل عليهم: إن كان زيد لهو الظريف، وإن كنّا لنحن الصّالحين؛ فالعرب تنصب هذا والنحويون أجمعون، ولا تكون هو ونحن صفة وفيهما اللام.
ومن ذلك قوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ (٢)، كأنه قال: ولا يحسبنّ الذين يبخلون البخل خيرا لهم. ولم يذكر البخل اجتزاء بعلم المخاطب بأنّه البخل، لذكره يبخلون.
ومثل ذلك قول العرب: (من كذب كان شرّا له)، لا يقول: كان الكذب شرّا له، استغناء بأنّ المخاطب قد علم أنّه الكذب لقوله: كذب في أوّل حديثه؛ فصارت هو وأخواتها بمنزلة (ما) إذا كانت لغوا، في أنها لا تغيّر ما بعدها عن حاله قبل أن تذكر.
واعلم أنها تكون في إنّ وأخواتها فصلا وفي الابتداء، ولكنّ ما بعدها مرفوع؛ لأنه مرفوع قبل أن تذكر الفصل.
واعلم أنّ هو لا يحسن أن تكون فصلا حتى يكون ما بعدها معرفة أو ما أشبه المعرفة، مما طال ولم تدخله الألف واللام، فضارع زيدا وعمرا، نحو: خير منك،
стр. 1153
وأفضل منك، وشرّ منك، كما أنها لا تكون في الفصل إلا وقبلها معرفة، كذلك لا يكون ما بعدها إلا معرفة أو ما ضارعها. فلو قلت: كان زيد هو منطلقا، كان قبيحا حتى تذكر الأسماء التي ذكرت لك من المعروفة أو ما ضارعها من النكرة ولم تدخله الألف واللام.
وأما قوله: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً [الكهف: ٣٩] فقد تكون أنا فصلا وصفة، وكذلك: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً [المزمل: ٢٠].
وقد جعل ناس كثير من العرب هو وأخواتها في هذا الباب بمنزلة اسم مبتدأ وما بعده مبنيّا عليه، كأنّك قلت: ظننت زيدا أبوه خير منه، فمن ذلك أنه بلغنا أنّ رؤبة كان يقول: أظنّ زيدا هو خير منك، وحدّثنا عيسى أنّ ناسا كثيرا من العرب يقولون: وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظّالمون.
وقال قيس بن ذريح:
تبكّي على لبنى وأنت تركتها ... وكنت عليها بالملا أنت أقدر (١)
وكان أبو عمرو يقول: إن كان هذا لهو العاقل.
وأمّا قولهم: (كلّ مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه)، ففيه ثلاثة أوجه: فالرفع وجهان والنصب وجه واحد.
فأحد وجهي الرفع: أن يكون المولود مضمرا في يكون، والأبوان مبتدآن، وما بعدهما مبني عليهما، كأنه قال: حتى يكون المولود أبواه اللذان يهوّدانه. ومثل ذلك قول رجل من بني عبس:
إذا ما المرء كان أبوه عبس ... فحسبك ما تريد إلى الكلام (٢)
والوجه الآخر: أن تعمل يكون في الأبوين، ويكون هما مبتدأ. والنصب على أن تجعل هما فصلا.
وإذا قلت: كان زيد أنت خير منه، أو كنت يومئذ أنا خير منك، فليس إلا الرفع؛ لأنك إنّما تفصل بالذي تعني به الأول إذا كان ما بعد الفصل هو الأول وكان
стр. 1154
خبره، ولا يكون الفصل بما تعني به غير الأول. ألا ترى أنك لو أخرجت أنت لاستحال الكلام وتغيّر المعنى، ولو أخرجت هو من قولك: كان زيد هو خيرا منك لم يفسد المعنى.
وأما هذا عبد الله هو خير منك، وما شأن عبد الله هو خير منك. فلا يكون هو وأخواته فصلا فيهما؛ لأن ما بعد الاسم هاهنا ليس بمنزلة ما يبنى على المبتدإ، وإنما ينصب على أنه حال كما انتصب قائم في قولك: انظر إليه قائما. ألا ترى أنك لا تقول هذا زيد القائم، وما شأنك الظريف. أفلا ترى أن هذا بمنزلة راكب في قولك:
مرّ راكبا.
فليس هذا بالموضع الذي يحسن فيه أن يكون هو وأخواتها فصلا؛ لأن ما بعد الأسماء هنا لا يفسد تركه الكلام، فيكون دليلا على أنه فيما تكلّمه به، وإنما يكون فصلا في هذه الحال ".
قال أبو سعيد: أصل دخول الفصل إيذان للمخاطب المحدّث بأنّ الاسم قديم ولم يبق منه نعت ولا بدل ولا شيء من تمامه، وأن الذي بقي من الكلام هو ما يلزم المتكلم أن يأتي به وهو الخير، وهو الذي نحاه سيبويه، ومما زاد فيه بعض أصحابه أنّ الفصل إنّما أتي به ليؤذن أنّ الخبر معرفة أو ما يقوم مقامها، وأجمع من هذين في التعليل أن يقال:
أتي بالفصل ليتبيّن أنّ ما بعده ليس بنعت للاسم، فجميع هذا سبب المجيء بالفصل، وأن الذي بعده كان مما يصحّ أن ينعت به الأوّل، وإذا كان الأول معرفة فلا يصحّ أن ينعت إلا بمعرفة، فلزم التعريف فيما بعد الفصل، وأجروا مجرى المعرفة مما بعد الفصل باب أفعل منك كله، وذلك أن أفضل منك وخيرا منك لمّا لم تكن فيه إضافة، ومع عدم الإضافة فيه لا تدخل عليه الألف واللام، أشبه زيدا وعمرا وسائر الأسماء الأعلام التي ليست فيها إضافة، ولا تدخل عليه ألف ولام.
وأهل الكوفة يسمّون الفصل: العماد. والفصل حكمه أن يفارق حكم ما كان صفة للأول أو بدلا منه، ويفارق أيضا حكم ما كان مبتدأ وخبرا في موضع خبر الأول.
فأمّا مفارقة الصفة: فإنّ الصفة إذا كانت ضميرا لم يجز أن يوصف به غير الضمير؛ تقول: قمت أنت، ورأيتك أنت، ومررت بك أنت، ولا تكون صفة للظّاهر، لا تقول:
قام زيد هو، ولا قام الزيدان هما، وليس الفصل كذلك لأنه يدخل بعد الظاهر.
ومفارقة البدل له: إذا أردت البدل قلت ظننتك إيّاك خيرا من زيد، وظننته إيّاه
стр. 1155
خيرا منه، وإذا أردت الفصل قلت: ظننتك أنت خيرا من زيد، وظننته هو خيرا منه، ومما يفصل بين الفصل وبين الصّفة والبدل أنّ الفصل تدخل عليه اللام ولا تدخل على الصّفة والبدل، تقول في الفصل: إن كان زيد لهو الظريف، وإن كنّا لنحن الصّالحين، ونصب الظريف والصالحين حكاه سيبويه عن بعض العرب وعن النحويين أجمعين، ولا يجوز أن تقول إن كنّا لنحن الصّالحين في الصفة والبدل؛ لأنّ اللام تفصل بين الصفة والموصوف والبدل والمبدل منه.
وأمّا مفارقته لما كان مبتدأ وخبرا أنّ الفصل لا يغيّر الإعراب عمّا كان قبل دخوله، والمبتدأ يغيره. تقول إذا أردت الفصل: كان زيد هو خيرا منك، وليس للفصل موضع من الإعراب: رفع ولا نصب ولا جرّ. ونظيره من الأسماء التي لا موضع لها كاف ذلك وذانك وأولئك ورويدك ونحو ذلك، والذي يجعل موضعه معربا فلا بدّ من أن يكون رفعا أو نصبا بالصّفة لما قبلها أو بالبدل منه، وقد بيّنا فساد ذلك.
وقول سيبويه: " واعلم أنهنّ لا يكنّ فصلا إلا في الفعل " ومن مذهبه أنهنّ يكنّ فصلا في إنّ وفي الابتداء، إنّما ابتدأ بالفعل وخصّه لأنّه لا يتبيّن الفصل إلا فيه، وإنّ والابتداء لا يتبيّن الفصل فيهما في اللفظ؛ لأنّك إذا قلت: زيد هو خير منك، وإنّ زيدا هو خير مّنك؛ فخير منك مرفوع على كل حال إن جعلت هو فصلا أو جعلته مبتدأ.
وإنما يتبيّن في كان وأخواتها، وظننت وأخواتها، الفصل من الابتداء؛ لأنّ أخبارها منصوبة.
تقول: كان زيد هو أخوك إذا جعلت هو ابتداء وأخوك خبره، والجملة خبر زيد.
وكذلك: ظننت زيدا هو أخوك، وإذا كان فصلا قلت: كان زيد هو أخاك، وظننت زيدا هو أخاك.
وقوله: وإذا صارت هذه الحروف فصلا، يريد أنا وأخواتها نحو: أنا وأنت، وتثنية ذلك وجمعه. كقولك: ظننتني أنا خيرا منك، وعلمتك أنت خيرا مني، وعلمتكما أنتما خيرا منّا، وما أشبه ذلك.
وقوله: : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ (١) يقرأ بالتاء والياء. فمن قرأ بالتاء فتقديره: ولا تحسبنّ بخل الذين يبخلون بما آتاهم الله، فحذف البخل، وأقام المضاف إليه مقامه، وهو الذين، كما قال: واسأل القرية ومعناه: أهل القوية. ومن قرأ بالياء فتقديره: ولا يحسبنّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من
стр. 1156
فضله البخل هو خيرا لهم. وفي هذه القراءة استشهاد سيبويه، وهي أجود القراءتين في تقدير النحو، وذلك أنّ
الذي يقرأ بالتّاء يضمر البخل من قبل أن يجرى لفظ يدل عليه، والذي يقرأ بالياء يضمر البخل بعد ما ذكر يبخلون، كما قال: من كذب كان شرّا له، فجعل في كان ضمير الكذب؛ لأن كذب قد دلّ عليه.
وأما قوله : إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً (١) فإنما جاز في أنا الصّفة والفصل؛ لأن النون والياء في ترني ضمير، وقد يوصف الضمير بالضمير ويؤكّد، ولو قلت: إن تر زيدا هو أقلّ منك مالا لم يجز فيه غير الفصل.
وأمّا (كلّ مولود يولد على الفطرة) فإنه يمكن أن يجعل الرّفع من ثلاثة أوجه:
الوجهان اللذان ذكرهما سيبويه، والثالث أن تجعل في تكون ضمير الأمر والشأن، فإذا أثنّي على قول من أضمر المولود في يكون: كل مولودين يولدان على الفطرة حتى يكونا أبواهما، وفي الجميع: حتى يكونوا آباؤهم، ويفرد؛ يكون على قول من رفع به أبواه، أو جعل فيه ضمير الأمر والشأن؛ لأن ضمير الأمر والشأن لا يثنى ولا يجمع.
وأما قوله: هذا عبد الله هو خير منك، فإن سيبويه وأصحابه لا يجيزون فيه النّصب إذا أدخلت هو؛ لأن نصبه على الحال لتمام الكلام قبله، من أجل أن (هذا) مبتدأ، وعبد الله خبره، و (خيرا منك) حال، كما تقول: هذا زيد قائما، فإذا أدخلت هو جعلت هو مبتدأ، وما بعده خبره، والجملة في موضع الحال، ولهذا أنكروا قراءة من قرأ: هؤلاء بناتي هن أطهر لكم، ولا يجيزون فيه اسما معرفة لأنه ليس بخبر؛ لا يقولون: هذا زيد الراكب والقائم، والذي يجيزه يجري هذا مجرى كان، وعبد الله مرتفع بهذا، والاعتماد في الإخبار على الاسم المنصوب، والذي يجيزه الكسائي. والفرّاء لا يجيز النصب، وكذلك أبو العباس ثعلب، وكرهت إطالة الكتاب باحتجاج بعضهم على بعض، وباقي الباب مفهوم.
هذا باب لا تكون فيه هو وأخواتها فصلا ولكن يكنّ بمنزلة اسم مبتدإ
قال سيبويه: " وذلك: ما أظنّ أحدا هو خير منك، وما أجعل أحدا هو أفضل منك؛ لم يجعلوه فصلا وقبله نكرة، كما أنه لا يكون وصفا لنكرة، وكما أنّ كلّهم
стр. 1157
وأجمعين لا يكرّران على نكرة، فاستثقلوا أن يجعلوها فصلا في النكرة كما جعلوها في المعرفة؛ لأنّها معرفة، فلم تصر فصلا إلا لمعرفة، كما لم تكن وصفا إلا لمعرفة.
وأمّا أهل المدينة فينزلون هو هاهنا منزلتها في المعرفة في كان ونحوه. فزعم يونس أنّ أبا عمرو رآه لحنا وقال:
(احتبى ابن مروان في ذه في اللحن).
وكان الخليل يقول: (والله إنه لعظيم جعلهم هو فصلا في المعرفة وتصيرهم إيّاها بمنزلة ما إذا كانت لغوا؛ لأن هو بمنزلة أبوه، ولكنّهم جعلوها في ذلك الموضع لغوا كما جعلوا ما في بعض المواضع بمنزلة ليس، وإنّما قياسها أن تكون بمنزلة كأنّما وإنّما. ومما يقوّي ترك ذلك في النكرة أنّه لا يستقيم: رجل خير منك، ولا تقول: أظنّ رجلا خيرا منك، حتى تنفي وتجعله بمنزلة أحد، فلمّا خالف المعرفة في الواجب الذي هو بمنزلة الابتداء، وفي الابتداء، لم يجر في النّفي مجرى المعرفة؛ لأنه قبح في الابتداء وفيما أجري مجراه من الواجب؛ فهذا ممّا يقوّي ترك الفصل.
قال أبو سعيد: لم يجز الفصل إذا كان الاسم قبله نكرة؛ لأنّ الفصل يجري مجرى صفة المضمر، وهو وأخواتها معارف، فلا يجوز أن يكنّ فصلا للنّكرة، كما لا يجوز أن تكون المعارف صفات للنّكرة.
وأمّا ما ذكر من إنزال أهل المدينة هو هاهنا منزلتها في المعرفة في كان ونحوه فإنّ هذا الكلام إذا حمل على ظاهره فهو غلط وسهو؛ لأنّ أهل المدينة لم يحك عنهم إنزال هو في النكرة منزلتها في المعرفة، والذي حكي عنهم: هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم، وهؤلاء بناتي جميعا معرفتان، وأطهر لكم منزلته المعرفة في باب الفصل؛ لأنّه من باب: هو خير منك، والّذي أنكر سيبويه أن يجعل: ما أظنّ أحدا هو خيرا منك بمنزلة: ما أظنّ زيدا هو خيرا منك، فليس هذا مما حكي عن أهل المدينة في شيء، وقد شهد بما ذكرته ما ذكره يونس أنّ أبا عمرو رآه لحنا، فدلّ أنّ ذلك في الآية الّتي قرأها من قرأ بنصب (أطهر لكم)، وليس في القرآن شيء الاسم فيه نكرة، وفيه قراءتان مختلفتان مما يشبه الفصل.
والذي يصحّح به كلام سيبويه أن يقال: هذا الباب والباب الذي قبله بمنزلة باب واحد؛ لأنّ الباب الذي قبله باب ما تكون فيه هو وأخواتها فصلا وهذا الباب ما لا يكنّ فيه، وباب واحد يضمّن ما يجوز وما لا يجوز في معنى واحد، وترجمته الباب الثاني كالفصل، وقد يجري في كلام سيبويه أن يترجم بابا يتضمّن أشياء، ثم يعيد ترجمة الباب في بعض تلك الأشياء.
стр. 1158
وأمّا قراءة أهل المدينة التي ذكرها فإنما حكي عن محمّد بن مروان- وهو بعض قراء أهل المدينة- أنّه قرأ: هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم بنصب أطهر لكم، وقد روي عن عيسى بن عمر بأسانيد جياد مختلفة أنّه قرأ هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم بالنصب، وذكر الأصمعي أنه قال: قلت لأبي عمرو بن العلاء إنّ عيسى بن عمر حدثنا أنّ ابن مروان قرأ (هنّ أطهر) بالنّصب، فقال: (احتبي ابن مروان في لحنه)، وقد روي عن سعيد بن جبير أنه قرأ (هنّ أطهر لكم)
بالنصب، ومعنى قول أبي عمرو: (احتبي في لحنه، كقولك: اشتمل بالخطأ، وتجلّل بالخطأ، وتمكّن في الخطأ، ونحو ذلك، مما يوجب تثبيت الخطأ عليه وإحاطته به.
ومعنى قوله: ولا تقول: أظنّ رجلا خيرا منك حتى تنفي أي حتى تقول: ما أظنّ رجلا خيرا منك، كما تقول: ما أظنّ أحدا خيرا منك؛ لأنه إذا نفيت النكرة صارت بمعنى العموم، وحلّت محلّ أحد، وباقي الباب مفهوم.
هذا باب أي
قال سيبويه: " اعلم أنّ أيّا مضافا وغير مضاف بمنزلة من. ألا ترى أنّك تقول:
أي أفضل، وأي القوم أفضل. فصار المضاف وغير المضاف يجريان مجرى من، كما أنّ زيدا وزيد مناة يجريان مجرى عمرو، فحال المضاف في الإعراب والحسن والقبح كحال المفرد. قال الله : أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (١)؛ فحسن كحسنه مضافا.
وتقول: أيّها تشاء لك؛ فتشاء صلة لأيّها حتى كمل اسما؛ ثم بنيت عليه لك، كأنّك قلت: الّذي تشاء لك، وإن أضمرت الفاء جاز، وجزمت تشأ، ونصبت أيّها، وإن أدخلت الفاء قلت: أيّها تشأ فلك؛ لأنّك إذا جازيت لم يكن الفعل وصلا، ولكن بمنزلته في الاستفهام إذا قلت: أيّها تشاء؟
وكذلك من تجري مجرى أي في الّذي ذكرنا، وتقع موقعه.
وسألت الخليل عن قولهم: اضرب أيّهم أفضل؟ فقال: القياس النّصب، كما تقول: اضرب الذي أفضل؛ لأن أي في غير الاستفهام والجزاء بمنزلة الذي، كما أنّ من في غير الاستفهام والجزاء بمنزلة الذي.
وحدّثنا هارون أن ناسا، وهم الكوفيّون، يقرأونها: لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ
стр. 1159
أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (١) وهي لغة جيدة، نصبوها كما جرّوها حين قالوا: امرر على أيّهم أفضل، فأجراها هؤلاء مجرى الذي إذا قلت: اضرب الّذي أفضل؛ لأنّك تنزل أي ومن منزلة الذي في غير الجزاء والاستفهام.
وزعم الخليل أنّ أيّهم إنّما وقع في قولهم: اضرب أيّهم أفضل على أنه حكاية، كأنه قال: اضرب الذي يقال له أيّهم أفضل، وشبّهه بقول الأخطل:
ولقد أبيت من الفتاة بمنزل ... فأبيت لا حرج ولا محروم (٢)
وأما يونس فزعم أنه بمنزلة قولك: أشهد إنّك لعبد الله، واضرب معلّقة.
وأرى قولهم: اضرب أيّهم أفضل، على أنّهم جعلوا هذه الضمّة بمنزلة الفتحة في خمسة عشر، وبمنزلة الفتحة في الآن، ففعلوا ذلك بأيّهم حين جاء مجيئا لم تجيء أخواته عليه، واستعمل استعمالا لم تستعمله أخواته إلا ضعيفا. وذلك أنه لا يكاد عربي يقول: الذي أفضل فاضرب، واضرب من أفضل، حتى يدخل هو، ولا يقول:
هات ما أحسن، حتى يقول: هو أحسن. فلما كانت أخواته مفارقة له لا تستعمل كما استعمل خالفوا بإعرابها إذا استعملوه على غير ما استعملت عليه أخواته إلا قليلا.
كما أنّ يا ألله لما خالفت سائر ما فيه الألف واللام لم يحذفوا ألفه، وكما أنّ ليس لما خالفت ولم تصرّف تصرّف الفعل تركت على هذه الحال.
وجاز إسقاط هو في أيّهم كما كان: لا عليك، تخفيفا، ولم يجز في أخواته إلا قليلا ضعيفا.
وأمّا الذين نصبوا فقاسوه، وقالوا: هو بمنزلة قولنا: اضرب الذي أفضل، إذا آثرنا أن نتكلّم به، وهذا لا يرفعه أحد.
ومن قال: امرر على أيّهم أفضل قال: امرر بأيّهم أفضل؛ هما سواء: فإذا جاء أيّهم أفضل قال: امرر بأيّهم أفضل؛ هما سواء: فإذا جاء أيّهم مجيئا يحسن على ذلك المجيء أخواته ويكثر، رجع إلى الأصل وإلى القياس، كما ردّوا: ما زيد إلا منطلق إلى الأصل.
وتفسير الخليل ذلك الأول بعيد، إنما يجوز في شعر أو في اضطرار. ولو أسيغ
стр. 1160
هذا في الأسماء لجاز أن تقول: اضرب الفاسق الخبيث، أي: اضرب الذي يقال له هو الفاسق الخبيث.
وأما قول يونس: فلا يشبه أشهد إنّك لمتطلق وسترى ذلك في باب (إنّ وأنّ) إن شاء الله.
ومن قولهما: اضرب أي أفضل. وأمّا غيرهما فيقول: اضرب أيّا أفضل. يقيس على الذي وما أشبهه من كلام العرب، ويسلّم ذلك في المضاف إلى قول العرب، يعني: أيّهم، ولو قالت العرب: اضرب أي أفضل لقلته، ولم يكن بدّ من متابعتهم. ولا ينبغي على أمس أمسك، ولا على أتقول أيقول، ولا سائر أمثلة القول، ولا على الآن آنك. وأشباه هذا كثيرة.
ولو جعلوا أيّا في الانفراد بمنزلته مضافا لكانوا خلفاء إذ كان بمنزلة الذي معرفة ألا ينوّن، وسترى بيان ذلك فيما
لا ينصرف وينصرف إن شاء الله.
وسألته عن أيي وأيّك كان شرّا فأخزاه الله، فقال: هذا كقولك: أخزى الله الكاذب منّي ومنك، إنما يريد: منّا. وكقولك: هو بيني وبينك، يريد: هو بيننا، فإنّما أراد: أيّنا كان شرّا، إلا أنّهما لم يشتركا في أي، ولكنّهما أخلصاه لكلّ واحد منهما.
وقال العباس بن مرداس:
فأيّي ما وأيّك كان شرّا ... فقيد إلى المقامة لا يراها (١)
وقال خداش بن زهير:
ولقد علمت إذا الرّجال تناهزوا ... أيّى وأيّكم أعزّ وأمنع) (٢)
قال أبو سعيد: اعلم أن أيّا لتبعيض ما أضيفت إليه، وهي تأتي للاستفهام والمجازاة، وتكون بمعنى الّذي، فإذا كانت للاستفهام والمجازاة لم تحتج إلى صلة، وإذا كانت بمعنى الّذي احتاجت إلى صلة كصلة الذي وصلة ما ومن إذا كانتا في الخبر، وهي موضوعة على الإضافة؛ لأنّ المراد بها في أحوالها الثلاث بعض ما أضيفت إليه، وقد تفرد ومعناها الإضافة؛ لأنّ قوله: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٣) معناه: أيّ الاسمين دعوت