فضله البخل هو خيرا لهم. وفي هذه القراءة استشهاد سيبويه، وهي أجود القراءتين في تقدير النحو، وذلك أنّ
الذي يقرأ بالتّاء يضمر البخل من قبل أن يجرى لفظ يدل عليه، والذي يقرأ بالياء يضمر البخل بعد ما ذكر يبخلون، كما قال: من كذب كان شرّا له، فجعل في كان ضمير الكذب؛ لأن كذب قد دلّ عليه.
وأما قوله : إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً (١) فإنما جاز في أنا الصّفة والفصل؛ لأن النون والياء في ترني ضمير، وقد يوصف الضمير بالضمير ويؤكّد، ولو قلت: إن تر زيدا هو أقلّ منك مالا لم يجز فيه غير الفصل.
وأمّا (كلّ مولود يولد على الفطرة) فإنه يمكن أن يجعل الرّفع من ثلاثة أوجه:
الوجهان اللذان ذكرهما سيبويه، والثالث أن تجعل في تكون ضمير الأمر والشأن، فإذا أثنّي على قول من أضمر المولود في يكون: كل مولودين يولدان على الفطرة حتى يكونا أبواهما، وفي الجميع: حتى يكونوا آباؤهم، ويفرد؛ يكون على قول من رفع به أبواه، أو جعل فيه ضمير الأمر والشأن؛ لأن ضمير الأمر والشأن لا يثنى ولا يجمع.
وأما قوله: هذا عبد الله هو خير منك، فإن سيبويه وأصحابه لا يجيزون فيه النّصب إذا أدخلت هو؛ لأن نصبه على الحال لتمام الكلام قبله، من أجل أن (هذا) مبتدأ، وعبد الله خبره، و (خيرا منك) حال، كما تقول: هذا زيد قائما، فإذا أدخلت هو جعلت هو مبتدأ، وما بعده خبره، والجملة في موضع الحال، ولهذا أنكروا قراءة من قرأ: هؤلاء بناتي هن أطهر لكم، ولا يجيزون فيه اسما معرفة لأنه ليس بخبر؛ لا يقولون: هذا زيد الراكب والقائم، والذي يجيزه يجري هذا مجرى كان، وعبد الله مرتفع بهذا، والاعتماد في الإخبار على الاسم المنصوب، والذي يجيزه الكسائي. والفرّاء لا يجيز النصب، وكذلك أبو العباس ثعلب، وكرهت إطالة الكتاب باحتجاج بعضهم على بعض، وباقي الباب مفهوم.
هذا باب لا تكون فيه هو وأخواتها فصلا ولكن يكنّ بمنزلة اسم مبتدإ
قال سيبويه: " وذلك: ما أظنّ أحدا هو خير منك، وما أجعل أحدا هو أفضل منك؛ لم يجعلوه فصلا وقبله نكرة، كما أنه لا يكون وصفا لنكرة، وكما أنّ كلّهم
стр. 1157
وأجمعين لا يكرّران على نكرة، فاستثقلوا أن يجعلوها فصلا في النكرة كما جعلوها في المعرفة؛ لأنّها معرفة، فلم تصر فصلا إلا لمعرفة، كما لم تكن وصفا إلا لمعرفة.
وأمّا أهل المدينة فينزلون هو هاهنا منزلتها في المعرفة في كان ونحوه. فزعم يونس أنّ أبا عمرو رآه لحنا وقال:
(احتبى ابن مروان في ذه في اللحن).
وكان الخليل يقول: (والله إنه لعظيم جعلهم هو فصلا في المعرفة وتصيرهم إيّاها بمنزلة ما إذا كانت لغوا؛ لأن هو بمنزلة أبوه، ولكنّهم جعلوها في ذلك الموضع لغوا كما جعلوا ما في بعض المواضع بمنزلة ليس، وإنّما قياسها أن تكون بمنزلة كأنّما وإنّما. ومما يقوّي ترك ذلك في النكرة أنّه لا يستقيم: رجل خير منك، ولا تقول: أظنّ رجلا خيرا منك، حتى تنفي وتجعله بمنزلة أحد، فلمّا خالف المعرفة في الواجب الذي هو بمنزلة الابتداء، وفي الابتداء، لم يجر في النّفي مجرى المعرفة؛ لأنه قبح في الابتداء وفيما أجري مجراه من الواجب؛ فهذا ممّا يقوّي ترك الفصل.
قال أبو سعيد: لم يجز الفصل إذا كان الاسم قبله نكرة؛ لأنّ الفصل يجري مجرى صفة المضمر، وهو وأخواتها معارف، فلا يجوز أن يكنّ فصلا للنّكرة، كما لا يجوز أن تكون المعارف صفات للنّكرة.
وأمّا ما ذكر من إنزال أهل المدينة هو هاهنا منزلتها في المعرفة في كان ونحوه فإنّ هذا الكلام إذا حمل على ظاهره فهو غلط وسهو؛ لأنّ أهل المدينة لم يحك عنهم إنزال هو في النكرة منزلتها في المعرفة، والذي حكي عنهم: هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم، وهؤلاء بناتي جميعا معرفتان، وأطهر لكم منزلته المعرفة في باب الفصل؛ لأنّه من باب: هو خير منك، والّذي أنكر سيبويه أن يجعل: ما أظنّ أحدا هو خيرا منك بمنزلة: ما أظنّ زيدا هو خيرا منك، فليس هذا مما حكي عن أهل المدينة في شيء، وقد شهد بما ذكرته ما ذكره يونس أنّ أبا عمرو رآه لحنا، فدلّ أنّ ذلك في الآية الّتي قرأها من قرأ بنصب (أطهر لكم)، وليس في القرآن شيء الاسم فيه نكرة، وفيه قراءتان مختلفتان مما يشبه الفصل.
والذي يصحّح به كلام سيبويه أن يقال: هذا الباب والباب الذي قبله بمنزلة باب واحد؛ لأنّ الباب الذي قبله باب ما تكون فيه هو وأخواتها فصلا وهذا الباب ما لا يكنّ فيه، وباب واحد يضمّن ما يجوز وما لا يجوز في معنى واحد، وترجمته الباب الثاني كالفصل، وقد يجري في كلام سيبويه أن يترجم بابا يتضمّن أشياء، ثم يعيد ترجمة الباب في بعض تلك الأشياء.
стр. 1158
وأمّا قراءة أهل المدينة التي ذكرها فإنما حكي عن محمّد بن مروان- وهو بعض قراء أهل المدينة- أنّه قرأ: هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم بنصب أطهر لكم، وقد روي عن عيسى بن عمر بأسانيد جياد مختلفة أنّه قرأ هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم بالنصب، وذكر الأصمعي أنه قال: قلت لأبي عمرو بن العلاء إنّ عيسى بن عمر حدثنا أنّ ابن مروان قرأ (هنّ أطهر) بالنّصب، فقال: (احتبي ابن مروان في لحنه)، وقد روي عن سعيد بن جبير أنه قرأ (هنّ أطهر لكم)
بالنصب، ومعنى قول أبي عمرو: (احتبي في لحنه، كقولك: اشتمل بالخطأ، وتجلّل بالخطأ، وتمكّن في الخطأ، ونحو ذلك، مما يوجب تثبيت الخطأ عليه وإحاطته به.
ومعنى قوله: ولا تقول: أظنّ رجلا خيرا منك حتى تنفي أي حتى تقول: ما أظنّ رجلا خيرا منك، كما تقول: ما أظنّ أحدا خيرا منك؛ لأنه إذا نفيت النكرة صارت بمعنى العموم، وحلّت محلّ أحد، وباقي الباب مفهوم.
هذا باب أي
قال سيبويه: " اعلم أنّ أيّا مضافا وغير مضاف بمنزلة من. ألا ترى أنّك تقول:
أي أفضل، وأي القوم أفضل. فصار المضاف وغير المضاف يجريان مجرى من، كما أنّ زيدا وزيد مناة يجريان مجرى عمرو، فحال المضاف في الإعراب والحسن والقبح كحال المفرد. قال الله : أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (١)؛ فحسن كحسنه مضافا.
وتقول: أيّها تشاء لك؛ فتشاء صلة لأيّها حتى كمل اسما؛ ثم بنيت عليه لك، كأنّك قلت: الّذي تشاء لك، وإن أضمرت الفاء جاز، وجزمت تشأ، ونصبت أيّها، وإن أدخلت الفاء قلت: أيّها تشأ فلك؛ لأنّك إذا جازيت لم يكن الفعل وصلا، ولكن بمنزلته في الاستفهام إذا قلت: أيّها تشاء؟
وكذلك من تجري مجرى أي في الّذي ذكرنا، وتقع موقعه.
وسألت الخليل عن قولهم: اضرب أيّهم أفضل؟ فقال: القياس النّصب، كما تقول: اضرب الذي أفضل؛ لأن أي في غير الاستفهام والجزاء بمنزلة الذي، كما أنّ من في غير الاستفهام والجزاء بمنزلة الذي.
وحدّثنا هارون أن ناسا، وهم الكوفيّون، يقرأونها: لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ
стр. 1159
أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (١) وهي لغة جيدة، نصبوها كما جرّوها حين قالوا: امرر على أيّهم أفضل، فأجراها هؤلاء مجرى الذي إذا قلت: اضرب الّذي أفضل؛ لأنّك تنزل أي ومن منزلة الذي في غير الجزاء والاستفهام.
وزعم الخليل أنّ أيّهم إنّما وقع في قولهم: اضرب أيّهم أفضل على أنه حكاية، كأنه قال: اضرب الذي يقال له أيّهم أفضل، وشبّهه بقول الأخطل:
ولقد أبيت من الفتاة بمنزل ... فأبيت لا حرج ولا محروم (٢)
وأما يونس فزعم أنه بمنزلة قولك: أشهد إنّك لعبد الله، واضرب معلّقة.
وأرى قولهم: اضرب أيّهم أفضل، على أنّهم جعلوا هذه الضمّة بمنزلة الفتحة في خمسة عشر، وبمنزلة الفتحة في الآن، ففعلوا ذلك بأيّهم حين جاء مجيئا لم تجيء أخواته عليه، واستعمل استعمالا لم تستعمله أخواته إلا ضعيفا. وذلك أنه لا يكاد عربي يقول: الذي أفضل فاضرب، واضرب من أفضل، حتى يدخل هو، ولا يقول:
هات ما أحسن، حتى يقول: هو أحسن. فلما كانت أخواته مفارقة له لا تستعمل كما استعمل خالفوا بإعرابها إذا استعملوه على غير ما استعملت عليه أخواته إلا قليلا.
كما أنّ يا ألله لما خالفت سائر ما فيه الألف واللام لم يحذفوا ألفه، وكما أنّ ليس لما خالفت ولم تصرّف تصرّف الفعل تركت على هذه الحال.
وجاز إسقاط هو في أيّهم كما كان: لا عليك، تخفيفا، ولم يجز في أخواته إلا قليلا ضعيفا.
وأمّا الذين نصبوا فقاسوه، وقالوا: هو بمنزلة قولنا: اضرب الذي أفضل، إذا آثرنا أن نتكلّم به، وهذا لا يرفعه أحد.
ومن قال: امرر على أيّهم أفضل قال: امرر بأيّهم أفضل؛ هما سواء: فإذا جاء أيّهم أفضل قال: امرر بأيّهم أفضل؛ هما سواء: فإذا جاء أيّهم مجيئا يحسن على ذلك المجيء أخواته ويكثر، رجع إلى الأصل وإلى القياس، كما ردّوا: ما زيد إلا منطلق إلى الأصل.
وتفسير الخليل ذلك الأول بعيد، إنما يجوز في شعر أو في اضطرار. ولو أسيغ
стр. 1160
هذا في الأسماء لجاز أن تقول: اضرب الفاسق الخبيث، أي: اضرب الذي يقال له هو الفاسق الخبيث.
وأما قول يونس: فلا يشبه أشهد إنّك لمتطلق وسترى ذلك في باب (إنّ وأنّ) إن شاء الله.
ومن قولهما: اضرب أي أفضل. وأمّا غيرهما فيقول: اضرب أيّا أفضل. يقيس على الذي وما أشبهه من كلام العرب، ويسلّم ذلك في المضاف إلى قول العرب، يعني: أيّهم، ولو قالت العرب: اضرب أي أفضل لقلته، ولم يكن بدّ من متابعتهم. ولا ينبغي على أمس أمسك، ولا على أتقول أيقول، ولا سائر أمثلة القول، ولا على الآن آنك. وأشباه هذا كثيرة.
ولو جعلوا أيّا في الانفراد بمنزلته مضافا لكانوا خلفاء إذ كان بمنزلة الذي معرفة ألا ينوّن، وسترى بيان ذلك فيما
لا ينصرف وينصرف إن شاء الله.
وسألته عن أيي وأيّك كان شرّا فأخزاه الله، فقال: هذا كقولك: أخزى الله الكاذب منّي ومنك، إنما يريد: منّا. وكقولك: هو بيني وبينك، يريد: هو بيننا، فإنّما أراد: أيّنا كان شرّا، إلا أنّهما لم يشتركا في أي، ولكنّهما أخلصاه لكلّ واحد منهما.
وقال العباس بن مرداس:
فأيّي ما وأيّك كان شرّا ... فقيد إلى المقامة لا يراها (١)
وقال خداش بن زهير:
ولقد علمت إذا الرّجال تناهزوا ... أيّى وأيّكم أعزّ وأمنع) (٢)
قال أبو سعيد: اعلم أن أيّا لتبعيض ما أضيفت إليه، وهي تأتي للاستفهام والمجازاة، وتكون بمعنى الّذي، فإذا كانت للاستفهام والمجازاة لم تحتج إلى صلة، وإذا كانت بمعنى الّذي احتاجت إلى صلة كصلة الذي وصلة ما ومن إذا كانتا في الخبر، وهي موضوعة على الإضافة؛ لأنّ المراد بها في أحوالها الثلاث بعض ما أضيفت إليه، وقد تفرد ومعناها الإضافة؛ لأنّ قوله: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٣) معناه: أيّ الاسمين دعوت
стр. 1161
الله به فلله الأسماء الحسنى، وأيّا أحد الاسمين المذكورين في: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ (١).
وأول شيء ردّ على سيبويه من هذا الباب قوله: (وإن أضمرت الفاء جازيت وجزمت " تشأ " ونصبت " أيّها ").
فقال الرادّ: إضمار الفاء إنّما يجوز في الشّعر وقد ذكره سيبويه في كلامه.
قال أبو سعيد: وليس كذلك، إنما أرادا إذا أضمرت في الموضع الذي يجوز إضماره على ما ستقف عليه في باب المجازاة، وكان حكمه أن تنصب أيّها بفعل الشّرط، وتجزم فعل الشّرط.
واعلم أنّ الكوفيّين يجرون أيّهم مجرى ما ومن في الاستفهام والمجازاة والخبر، وإذا أوقعوا عليها الفعل- وهي في معنى الذي- نصبوها، وسواء حذفوا العائد من الصّلة أو لم يحذفوا، ولا فرق عندهم بين قولك: لأضربنّ الذي أفضل، ولأضربنّ أيّهم أفضل، ولا يضمّون أيّهم إلا في موضع رفع، فخرّجوا الآية على ثلاثة أوجه كلّها يوجب
رفع " أيّهم " بالابتداء، وأشدّ على الرّحمن خبره.
الوجه الأول منها: أن النزع عمل في " من " وما بعدها واكتفي بها، كما تقول: قد قتلت من كلّ قبيل، وأكلت من كلّ طعام، فيكتفي الفعل بما ذكر معه، ثم تبتدأ " أيّ " فترفع ب " أشدّ "، وهذا جواب الكسائي والفراء.
والوجه الثاني: أن الشّيعة معناها: الأعوان، وتقديرها من كلّ قوم تشايعوا لينظروا أيّهم أشدّ على الرحمن عتيّا، فالنظر من دلائل الاستفهام، وهو مقدّر معه، وأنت إذا قلت:
لأنظرنّ أيّهم أشدّ على الرحمن عتيّا، فالنظر معلّق، وأيّهم مرفوع بالابتداء، والنّظر والمعرفة والعلم ونحوهنّ من أفعال القلوب يسقط عملهن إذا كان بعدهنّ استفهام.
ويقوّى حكاية الكوفيين وذهبهم ما روي عن الجرميّ أنّه قال: خرجت من الخندق- يعني: خندق البصرة- حتى صرت إلى مكة، لم أسمع أحدا يقول: اضرب أيّهم أفضل، أي كلّهم ينصب، ولم يذكر الكوفيّون لأضربنّ أيّهم أفضل، وقد حكاه البصريون؛ لأن سيبويه قال: (سألت الخليل عن قولهم: اضرب أيّهم أفضل)، إنما يعني سألته عن قول العرب، وقول العرب أيّهم، وقع في قولهم: أيّهم على أنه حكاية عن العرب أيضا، وقوّى ما حكاه سيبويه والخليل عن العرب ما حكاه أبو عمرو الشيباني في حرف العين من " كتاب
стр. 1162
الحروف " عن غسّان أحد من يأخذ عنه اللّغة من العرب أنه أنشد:
إذا ما أتيت بني مالك ... فسلّم على أيّهم أفضل (١)
ومذهب الخليل أن (أيّهم) مرفوع بالابتداء، و (أفضل) خبره، ويجعله استفهاما؛ لأنه يحمله على الحكاية بعد قول مقدّر، كما قال : وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ (٢) على معنى: يقولون أخرجوا أنفسكم، ولعل الذي أحوج الخليل إلى تأويل الحكاية أن العرب لمّا تكلّمت: اضرب أيّهم أفضل، وهو شاذّ، والقياس عنده:
اضرب أيّهم أفضل بالنصب، كان حمله على الحكاية أقوى عندّه من حمله على البناء الذي اختاره سيبويه، ويقوى مذهب سيبويه في البناء أن نظيري (أيّهم) من وما، وهما مبنيان، وكان حقّ (أيّهم) أن يكون مبنيّا لوقوعه موقع حرف الاستفهام والجزاء وموقع الذي، وكلّ ذلك مبنيّ، فلمّا دخل (أيّهم) نقص في العائد ضعف فردّ إلى أصله، كما أنّ (ما) في لغة أهل الحجاز إذا تقدّم خبرها، أو دخل الاستثناء بين الاسم والخبر، ردّ إلى ما يوجبه القياس فيه من بطلان عملها.
وأمّا يونس فقوله في تعليق (اضرب) ضعيف، وإنما تعلّق أفعال القلوب عن الاستفهام كقولك: انظر أيّهم في الدار، واعرف أزيد في الدار أم عمرو، وتعليقه: أن يبطل عمله عمّا بعده، ولو كان التعليق الذي ذكره يونس في الآية لكان موافقا لقول الكوفيين في الوجوه الثلاثة التي حكيناها عنهم في الآية، ولم يكن بالمنكر.
ومعنى قول سيبويه: (كما أن ليس لمّا خالفت ولم تصرّف تصرّف الفعل تركت على هذه الحال) يريد أنّ أصل ليس: ليس، مثله في: صيد البعير، ويجوز في صيد التخفيف فيقال: صيد، وألزموا ليس التخفيف، ولم يجئ على الأصل مثل صيد؛ لأنه خالف باب الفعل فلم يستعمل منه الماضي ولا الأمر.
وأمّا احتجاج الخليل بالبيت:
فأبيت لا حرج ولا محروم
فقد ذكرته في غير هذا الموضع وأعيد جملته: قول الخليل على الحكاية، وقول سيبويه: فأبيت لا حرج ولا محروم بالمكان الذي أنا فيه؛ لا حرج: مبتدأ، وخبره:
بالمكان الذي أنا فيه، ولو قال: لا حرج ولا محروم بمكاني لكان أخصر، وإنما أراد البيان،
стр. 1163
والجملة في موضع خبر الاسم المضمر في أبيت، والعائد إلى الاسم الياء بمكاني، أو أنا إذا قدّر بالمكان الذي أنا فيه، وحذف الخبر بعد حسن كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، والتقدير: لا حول لنا ولا قوة لنا، ونحو ذلك.
وقال الكوفيون عن الفرّاء في البيت شيئا كأنه مأخوذ من قول سيبويه: (مغيّر إلى ما هو دونه في الجودة)، فقال: (لا) بمعنى ليس، ثم خلط الحاكي عنه في تقدير ذلك وأفسد، وذلك أنه أنشد البيت:
فأبيت لا زان ولا محروم
فقال: رفع زانيا ومحروما لمّا بني (لا) على ليس، وأضمر بعدها لزان أنا، والتقدير:
فأبيت لا أنا زان، وهذا تخليط. والذي حكى هذا أبو بكر بن الأنباري في كتابه المسمى بالواضح، والتّخليط فيه أن (لا) إذا عملت عمل ليس لم تعمل إلا في النّكرات، ولا يكون اسمها ولا خبرها إلا نكرتين، لا يجوز: لا زيد قائما، ولا قائم زيدا، وإنما يقال لا رجل في الدار، ولا خير ولا شر بدائم، ولا خير ولا شرّ دائما، وهذا قليل لا يكاد يأتي إلا نادرا، وتقديره فاسد؛ لأنه إذا قال: ليس زان أنا فهما مرفوعان، وفي ليس ضمير الأمر والشأن، ولا يقع ذلك
الضمير في (لا)، وتقديره الآخر: فأبيت لا أنّا زان ولا محروم، خارج عن تأويل ليس؛ لأن أنا مبتدأ وزان خبره.
وأما ما ذكره هارون أنّ ناسا وهم الكوفيون يقرؤونها: (أيّهم) بالنصب فالذي قرأه منهم بالنصب معاذ بن مسلم الهرّاء، هو من رؤسائهم في النحو، وروي أيضا عن هارون القارئ النصب.
وقوله: (ومن قال: امرر على أيّهم أفضل قال: امرر بأيّهم أفضل)، كأنه قد سمع على أيّهم أفضل أكثر من بأيّهم، أو المسموع هو على أيّهم، ويكون بأيّهم قياسا عليه؛ لأنه لا فرق بينهما. وإذا أفردت أيّا في موضع المضاف فمن قول يونس والخليل أنه يرفع كما يرفع المضاف. فمن قولهما: اضرب أيّ أفضل، وكذلك ينبغي أن يكون على مذهبهما؛ لأنه ليس بمبنيّ عندهما، وإنما هو مرفوع بالابتداء على التقدير الذي ذكرناه عنهما، وسيبويه يردّه إلى الأصل فيقول: (اضرب أيّا أفضل)، ومن حجته أنهم لو بنوه في الإفراد لكان حقّه أن لا ينوّن؛ لأنه معرفة بمعنى الذي؛ لأن المعرب الذي يبنى في حال إذا كان مفردا معرفة لم ينوّن كقولك: يا زيد، ومن قبل ومن بعد، وإذا نكّر ينوّن كقولك: يا رجلا صالحا، ومن قبل ومن بعد، ولو كانت العرب بنته في الإفراد لزمتنا متابعتهم، ولا
стр. 1164
يلزم القياس على الشاذّ في كلّ شيء، وقد ذكر سيبويه منه أشياء لا يقاس عليها.
وأما أيّي وأيّك وما جرى مجراه فكلامه فيه واضح، والشواهد فيه كثيرة؛ منهما ما أنشده، ومنها قول عنترة:
فلئن لقيتك خاليين لتعلمن ... أيّي وأيّك فارس الأجراف
وقال الجميح بن الطّمّاح (جاهلي):
وقد علم الأقوام أبي وأيّكم ... بني عامر أوفى وفاء وأكرم (١)
وقال قرط اليربوعيّ (جاهليّ):
أبني سليط لا أبا لأبيكم ... أيّي وأيّ بني صبير أكرم (٢)
وقال آخر:
أبني سليط كيف أظلم وسطكم ... ولي البراءة والعواقب تعقب
هلا تبيّن في القضاء زعمتم ... أيّي وأيّ خصوم حقّي أكذب (٣)
وقال آخر:
فأيّي وأيّ ابن الحصين وعثعث ... غداة التقينا كان بالحلف أعذرا (٤)
وقوله: (إلا أنّهما لم يشتركا في أيّ) يعني الاسمين لم يضف إليهما واحدة من لفظتي أيّ، واشتراكهما أن تقول: أيّنا وأيّكما وأيّهما، ولكنهما، يعني الرجلين: المخاطب والمتكلم، أخلصا كلّ واحد من أيّ لكلّ واحد منهما، وما في
ذكر هذا كثير طائل، ولكن ذكرناه على ما يقتضيه التفسير.
هذا باب مجرى أيّ مضافا على القياس
قال سيبويه: (وذلك قولك: اضرب أيّهم هو أفضل، واضرب أيّهم كان أفضل، واضرب أيّهم أبوه زيد، جرى هذا على القياس لأنّ (الذي) يحسن هاهنا، فإن قلت:
اضرب أيّهم عاقل، رفعت؛ لأن (الذي عاقل) قبيح. فإن أدخلت (هو) نصبت؛ لأنك لو قلت: هذا الذي هو عاقل، كان حسنا.
وزعم الخليل أنه سمع عربيّا يقول: ما أنا بالذي قائل لك شيئا. ومن تكلّم بهذا
стр. 1165
فقياسه: اضرب أيّهم قائل لك شيئا.
قلت: أفيقال: ما أنا بالذي منطلق؟ فقال: إذا طال الكلام فهو قليلا أمثل، كأنّ طوله عوض من ترك هو، وقلّ من يتكلّم بذلك).
قال أبو سعيد: قد ذكرنا من مذهب سيبويه في بناء (أيّهم) إذا كان في معنى (الذي) أنه إذا استعمل فيها حذف العائد الذي لا يحسن في (الذي) بني، وإذا استعمل في صلتها ما يحسن في صلة (الذي) لم يبن، وذكرنا أنّ السّبب في بنائها أن نظيريها وهما: (ما ومن) مبنيّان، فإذا حذف منها العائد فقد دخلها نقص وأزاله عن ترتيبها، فأجري مجرى نظيريها، كما أنّ (ما) إذا قدّم خبرها أو دخلها حرف الاستثناء الناقض لمعنى الجحد بها ردّت إلى قياس نظائرها في الابتداء نحو هل، وألف الاستفهام، وإنما، وأشباه ذلك مما يكون ما بعدها مبتدأ وخبرا.
هذا باب أيّ مضافا إلى ما لا يكمل اسما إلا بصلة
قال سيبويه: (فمن ذلك قولك: أيّ من رأيت أفضل).
قال أبو سعيد: إذا أضيف (أيّ) إلى (من) فلا تكون (من) إلا بمعنى (الذي)، وأيّ على وجوهها الثلاثة، فأيّ مبتدأ
وهي مضافة إلى من، ومن بمعنى الذي، ورأيت صلة من، وفي رأيت هاء مقدّرة تعود إلى من، وأفضل خبر أيّ، تقديره: أيّ من رأيته أفضل، ومن في معنى جماعة. وتقول: أيّ الذين رأيت في الدّار أفضل، تقديره: رأيتهم، والهاء والميم عائد إلى الذين، وفي الدار من صلة رأيت، وهي موضع للرّؤية، وتقديره: أيّ القوم أفضل، وفي الدار لم يغيّر الكلام عن حاله، كما أنّك إذا قلت: أيّ من رأيت قومه أفضل كان بمنزلة أيّ من رأيت أفضل، فالصلة معملة وغير معملة في القوم سواء.
وتقول: أيّ من في الدار رأيت أفضل، صلة (من) قولك: في الدار وحدها، فتمّ المضاف إليه أيّ اسما، ثم ذكرت رأيت بعد تمام المضاف إليه، فكأنك قلت: أيّ القوم رأيت أفضل، ولم تجعل في الدار هنا موضعا للرؤية.
ولو قلت: أيّ من في الدار رأيت زيد لجاز، إذا أردت أن تجعل في الدار موضعا للرؤية، وتقديره: أيّ من رأيته في الدّار زيد، أيّ مبتدأ، وهو مضاف إلى من، ورأيته صلته، والهاء عائدة إليه، وفي الدار ظرف له، وزيد خبره، وتقول في شيء منه آخر: أيّ من إن يأتنا نعطه نكرمه؛ فأيّ استفهام ولا يصحّ غيره، ومن بمعنى الذي؛ لأنّ أيّا مضاف إليه، والشرط وجوابه في صلة من، فتمّ أيّ اسما بالمضاف إليه وصلته، فكأنك قلت: أيّ
стр. 1166
القوم نكرمه، ونكرمه خبر أيّ، ولو حذفت الهاء من نكرمه نصبت أيّا فقلت: أيّ من إن يأتنا نعطه نكرم، كأنك قلت: أيّهم نكرم؟ ولو جعلت أيّا خبرا بمعنى الذي لم يجز حتى تزيد فيه، وذلك أنك تحتاج بعد المضاف إليه إلى صلة، فيصير بعد المضاف إليه وبعد الصلة بمنزلة اسم واحد، فتزيد ما يكون به كلاما، وذلك قولك: أيّ من إن يأتنا نعطه نكرم تهين، فنكرم صلة لأيّ، فإن شئت أثبتّ الهاء فقلت: نكرمه، وإن شئت نزعتها ولا يتغير لفظ أيّ بنزع الهاء من نكرمه؛ لأن نكرمه في الصلة، وتصب أيّا ب (تهين) فكأنك قلت: زيدا تهين، ولو قلت: تهينه لرفعت (أيّ من)، ولو جعلت أيّ للمجازاة جزمت نكرم، فيصير فعل الشرط، ويحتاج إلى جواب، فتأتي بما يكون جوابا، وذلك قولك: أيّ من إن يأتنا نعطه نكرم تهن، بنصب أيّا ب (نكرم) لا ب (تهن)، ولو كان نكرمه لرفعت أيّا؛ لأنّ نكرم شرط لأيّ، والشرّط يعمل في الاسم وينصبه، وأمّا تهن فتقديره: تهنه، وإنّما تحذف الهاء لما قد جرى من ذكره.
وتقول: أيّ من يأتينا يريد صلتنا فنحدّثه، فيستحيل في وجه ويجوز في وجه؛ أمّا الوجه الذي يستحيل فيه فهو أن يكون (يريد) في موضع مريد إذا كان حالا وقع فيه الإتيان؛ لأنّه معلّق بيأتينا، كما كان فيها معلّقا برأيت في: أيّ من رأيت في الدار أفضل، وتقديره: أيّ من يأتينا مريدا صلتنا، ومريدا حال من ضمير الفاعل في يأتينا، وهو ضمير (من) فصار المضاف إليه إلى قولك صلتنا، فكأنّك قلت: أيّهم فنحدّثه فلا يجوز، كما لا يجوز: زيد فنحدّثه، ولو حذفت الفاء جاز فقلت: أيّ من يأتينا مريدا صلتنا نحدّثه، ونحدّثه خبر (أيّ من).
فأمّا الوجه الذي تجوز فيه المسألة فأن تجعل يريد خبر أيّ، وصلة (من) يأتينا حسب؛ فكأنك قلت: أيّهم يريد صلتنا في معنى: مريد صلتنا فنحدّثه، نصب جواب الاستفهام، وإن شئت رفعته عطفا على يريد.
وتقول أيّ من إن يأته من إن يأتنا نعطه يعطه تأت يكرمك؛ أيّ للمجازاة، ومن الأولى في موضع خفض بإضافة أيّ إليه، ومعناه معنى الذي، وصلته الشرط، والجواب من قولك: إن يأته إلى يعطه؛ لأنّ من الثانية فاعل يأته، وهو في موضع رفع، ومعناه: الذي، وصلته: إن يأتنا نعطه، فتصير من الثانية مع صلته اسما بمنزلة زيد، فكأنك قلت: أيّ من إن يأته زيد يعطه، ومن بمنزلة الذي وصلته الشرط والجزاء فتصير الأولى وما بعدها من الشرط والجزاء بمنزلة اسم فكأنّك قلت: أيّ القوم تأت، فتنصب أيّا ب (تأت)، ويكرمك الجواب، وأيّ للمجازاة، والناصب لأيّ: تأت.
стр. 1167
قال أبو سعيد: ذكرت مسائل سيبويه في الباب بألفاظ فيها بسط وتقريب، وأقمتها مقام الشّرح لها.
قال: (وجميع ما جاز حسن في أيهم هاهنا جاز في: أيّ من إن يأته من إن يأتنا نعطه يعطه؛ لأنّه بمنزلة: أيهم؟).
قال: (وسألت الخليل عن أيّتهنّ فلانة؛ وأيّهنّ فلانة، فقال: إذا قلت: أيّ فهو بمنزلة (كلّ) لأنّ (كلّ) مذكّر يقع للمؤنّث والمذكّر، وبمنزلة (بعض)، وإذا قلت:
أيتهنّ فإنّك أردت أن تؤنّث الاسم، كما أنّ بعض العرب- فيما زعم الخليل- تقول:
كلّتهنّ).
قال أبو سعيد: الاسم المذكر الذي يقع على المذكر والمؤنث بلفظ واحد وربّما أدخلوا عليه علامة التأنيث إذا أوقعوه على المؤنث توكيدا لتأنيثها، فمن ذلك ما ذكره الخليل من قولهم: كلّتهن وأيتهنّ، والباب فيه: كلّهنّ وأيّهنّ. ومن ذلك قولهم: زيد خير الرجال، وعمرو شرّ الرجال، وهند خير النساء، ودعد شرّ النساء، وربما قالوا خيرة الناس وشرّة الناس، والباب في ذلك التذكير.
قال حسان بن ثابت:
لعن الله شرّة الدور كوثى ... ورماها بالفقر والإمعار
لست أعني كوثى العراق ولكن ... شرّة الدور دار عبد الدار (١)
وقال منقذ بن الطّمّاح:
وأمّهم خيرة النساء على ... ما كان منها الدّحاق والإثم (٢)
ومما يشبه هذا ضمير الأمر والشأن في المذكّر والمؤنث، كقولك: إنّه زيد قائم، وإنّه هند قائمة، وإنّه خرج زيد، وإنّه خرجت هند، ثم يؤنّثون في المؤنث؛ فيقولون: إنها هند قائمة، وإنّها خرجت هند، قال الله : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ (٣)، ولا يقال إنّها زيد قائم، ولا إنّها خرج زيد، على معنى إضمار القصة.
هذا باب أيّ إذا كنت مستفهما عن نكرة
قال سيبويه: (وذلك أنّ رجلا لو قال: رأيت رجلا، قلت: أيّا؟ فإن قال: رأيت
стр. 1168
رجلين قلت: أيّين؟ فإن قال: رأيت رجالا، قلت: أيّين؟ فإن ألحقت يا فتى فهي على حالها قبل أن تلحق يا فتى.
وإذا قلت: رأيت امرأة قلت: أيّة يا فتى؟ فإن قال: رأيت امرأتين قلت: أيّتين يا فتى؟ فإن قال: رأيت نسوة قلت: أيّات يا فتى.
فإن تكلّم بجميع ما ذكرنا مجرورا جررت أيّا، وإن تكلم به مرفوعا رفعت أيّا؛ لأنك إنّما تستفهم على ما وضع المتكلم عليه كلامه.
قلت: فإذا قال: رأيت عبد الله، أو مررت بعبد الله، قال: فإنّ الكلام أن تقول من عبد الله؟ وأيّ عبد الله؟ كما أنّه لا يجوز إذا قال: رأيت عبد الله أن تقول: منا).
قال أبو سعيد: كان الأصل إذا قال القائل: رأيت رجلا أن يقول السائل: أيّ الرجل؛ لأنّ النكرة إذا أعيدت عرّفت بالألف واللام أو أضمرت؛ يقول لك الرجل:
سألت رجلا في دارك عن كذا وكذا، فتقول له: فما أجابك الرجل؟ ولا تقول: فما أجابك رجل، فعدل عن هذا تخفيفا إلى أن يؤتى بأيّ مفردا، وأعرب بإعراب الاسم المذكور ليعلم أنّ القصد إليه دون غيره، ولو قيل أيّ الرجل جاز أن يتوهّم المسؤول أنه يسأل عن رجل بينك وبينه عهد سوى ما ذكره في الوقت، وأيّا هذا المنصوب في موضع خبر ابتداء، والابتداء بعده محذوف، أو في موضع ابتداء وخبره بعده محذوف، وتقديره:
أيّا ما ذكرت، وأيّا الرجل، ونحو ذلك، ويجيزون الرفع على هذا فيقولون: أيّ في الوقف والوصل.
قال أبو العباس المبرّد: لأنك لو ذكرت الخبر وأظهرته لم تكن أيّ إلا مرفوعة نحو قولك: من ذكرت؟ وأيّ هؤلاء؟ وإنّما نصب أيّا على الحكاية، وإن كان في موضع رفع، كما قيل: من زيدا؟ وإن كان زيدا في موضع رفع، ولو
أفردت أيّا للاثنين والجماعة، أو ذكّرته في المؤنث لجاز؛ لو قلت: رأيت امرأة، أو رأيت رجلين، أو رأيت رجالا، أو رأيت امرأتين، أو نسوة، لجاز أن تقول في جميع ذلك: أيّا؛ لأنّ لفظ أيّ يجوز أن يقع على لفظ الاثنين والجماعة على لفظ الواحد، ويقع للمؤنّث على لفظ المذكّر، وإنّما فصلوا بين المعرفة والنكرة في المسألة فاكتفوا في النكرة بذكر اسم واحد، ولم يكتفوا في المعرفة إلا بذكر الاسم والخبر؛ لأنّ المسألة عنهما على وجهين مختلفين، ففرّقوا بينهما لذلك.
فأما المسألة عن النكرة فإنّما هي عن ذاتها لا عن صفتها، فإذا قال القائل: رأيت
стр. 1169
رجلا، فقال السائل: أيّا، وجب على المسؤول أن يقول: زيد أو عمرو أو نحوهما؛ لأنه لا يعرف الرجل عينا، فإذا قال: رأيت عبد الله، والقائل لم يورد ذلك إلا معتقدا أنّ المخاطب يعرفه، وقد يجوز أن يكون المخاطب يعرف جماعة بأعيانهم اسم كلّ واحد منهم عبد الله، فيحتاج في كلّ واحد منهم إذا ذكر له إلى تلخيصه بالنّعت، فإذا قال: أيّ عبد الله، فإنّما يسأل عن نعته، فيقول المسؤول: العطّار أو البزاز أو نحو ذلك، كما يبتدئ المتكلّم بمعرفة وبنعته إذا خاف اللّبس، ولا بدّ من ذكر عبد الله؛ لأنّ الجواب نعت ولا بدّ من ذكر المنعوت.
هذا باب " من " إذا كنت مستفهما عن نكرة
قال سيبويه: (اعلم أنّك تثنّي من إذا قلت: رأيت رجلين كما تثنيّ (أيّ)، وذلك قولك: رأيت رجلين، فتقول: منين، وأتاني رجلان، فتقول: منان، وإذا قال: رأيت رجالا قلت: منين، كما قلت أيّين. فإن قلت: رأيت امرأة قلت: منه؟ كما قلت: أيّه، فإن قلت: رأيت امرأتين قلت: منتين كما قلت: أيّتين، إلا أنّ النّون مجزومة، فإن قلت:
رأيت نساء قلت: منات كما قلت: أيّات، إلا أنّ الواحد يخالف أيّا في موضع الجرّ والرفع، وذلك قولك: أتاني رجل فيقول: منو، وتقول: مررت برجل فيقول مني.
وسنبيّن وجه هذه الواو والياء في غير هذا الموضع إن شاء الله.
فأيّ في الجر والرفع إذا وقفت عليه بمنزلة زيد وعمرو؛ وذلك لأن التنوين لا يلحق (من) في الصّلة، وهو يلحق أيّا، فصار بمنزلة زيد وعمرو، وأمّا (من) فلا ينوّن في الصلة فجاء في الوقف مخالفا.
وزعم الخليل أنّ منه ومنتين، ومنات ومنين كلّ هذا في الصّلة من مسكّن النون، وذلك أنك تقول إذا قال: رأيت نساء أو رجالا أو امرأة أو امرأتين أو رجلا أو رجلين قلت: من يا فتى.
وزعم الخليل أنّ الدليل على ذلك أنك تقول: منو في الوقف، ثم تقول: من يا فتى؟ فيصير بمنزلة قولك: من قال
ذاك؟ فتقول: من يا فتى؟ وكذلك إذا قلت: من يا فتى عند قول القائل: رأيت رجالا أو نساء، فكأنّك قلت: من قال ذاك، إذا عنيت جماعة، وإنما فارق باب (من) باب (أيّ) أنّ أيّا في الصلة يثبت فيها التنوين، تقول:
أيّ هذا؟ وأيّة هذه؟
وقد زعموا أنّ بعض العرب يقول: أيّون هؤلاء؟ وأيّان هذان؟ وأيّ قد تجمع في
стр. 1170
الصّلة وتضاف وتثنّى وتنوّن، ومن لا تثنّى ولا تجمع في الاستفهام على هذا الحدّ كما تثنّى أيّ وتجمع في الاستفهام، وأيّ منوّن على كل حال في الاستفهام وغيره، فهو أقوى.
وحدثنا يونس: أنّ ناسا يقولون: منا ومني ومنو، عنيت واحدا أو اثنين أو جماعة؛ فمن قال هذا قال: أيّا وأيّ وأيّ، عنى واحدا أو اثنين أو جماعة، وإنّما فعلوا ذلك ب (من)؛ لأنّهم يقولون: من قال ذاك؟ فيعنون من شاءوا من العدّة. وكذلك أيّ؛ قد تقول: أيّ، عنيت واحدا أو اثنين أو جماعة.
وأمّا يونس فإنّه يقيس منه على أيّة فيقول: منة ومنة ومنة، إذا قال: يا فتى.
وكذلك ينبغي له أن يقول إذا آثر ألا يغيّرها في الصلة.
وهذا بعيد؛ فإنّما يجوز هذا على قول شاعر قاله مرّة في شعر ثمّ لم يسمع بعد، قال:
أتوا ناري فقلت منون أنتم ... فقالوا الجنّ قلت عموا ظلاما (١)
وزعم يونس أنّه سمع عربيا يقول: ضرب من منا.
وهذا بعيد لا تتكلم به العرب، ولا يستعمله منهم ناس كثير، وكان يونس إذا ذكرها يقول: ولا يقبل هذا كلّ أحد، فإنما يجوز منون يا فتى على هذا.
وينبغي لهذا ألا يقول: منو في الوقف، ولكن يجعله كأيّ. وإذا قال: رأيت امرأة ورجلا، فبدأ في المسألة بالمؤنث، قلت: من ومنا؛ لأنك تقول: من يا فتى في الصّلة في المؤنث، وإن بدأت بالمذكّر قلت: من ومنه.
وإنما جمعت أيّ في الاستفهام لأنه إنما الأصل فيها الاستفهام، وهي فيه أكثر في كلامهم وإنّها تشبه الأسماء التامة التي لا تحتاج إلى صلة في الجزاء والاستفهام. وقد شبّه (من) به في هذا الموضع لأنه يجري مجراه في هذا الموضع، ولم يفرّقوا في أيّ لما ذكرت لك مما يدخله من التنوين والإضافة؛ نقول: لم يفرّقوا في أيّ إذا عنوا المؤنث والاثنين والجميع في الوقف والوصل كما فرّقوا في من؛ لتمكّن أيّ).
قال أبو سعيد: كان سبيل من في السّؤال سبيل أيّ، وكان حقّ السّائل إذا قال
стр. 1171
القائل: رأيت رجلا أن يقول: من الرجل؟؛ لأنّ النكرة إذا أعيدت عرّفت بالألف واللام التي للعهد، وذكرها قبل أن تعاد هو العهد الذي يكون بين المتكلّم والمخاطب فيها، فلمّا احتاجوا في إتمام الكلام إلى إعادة لفظ المذكور بزيادة الألف واللام وذكر الابتداء والخبر كان أخفّ من ذلك الاقتصار على لفظ من، وتضمين لفظه من علامات دلائل إعراب المسؤول عنه وتثنيته وجمعه وتأنيثه ما يدلّ عليه، وهذه العلامات إنّما تلحقها في الوقف، وليست بإعراب لها؛ لأنها مبنية على السّكون، وإنما هي دلائل على المسؤول عنه، واستوت علامة المرفوع والمنصوب والمجرور في ثباتها في الوقف؛ لأنّها لم تجر مجرى المعرب المنوّن في قولك: ولا يبدلون من التنوين في المرفوع والمجرور إذا وقفوا نحو:
جاءني زيد، وهذا فرس، ومررت بزيد؛ لأنّ الواو والياء والألف في منو ومني ومنا ليست واحدة منهنّ بدلا من تنوين؛ إذ لا تنوين في من. وإنما أدخلوا الضمّة على من، ولم يجز الوقوف على الضمّة إذا وقفوا؛ لأنه لا يوقف على متحرك، ولم يجز أيضا ضمّ النّون إذا وصلوا؛ لأنّ من مبنيّة على السكون، فاحتاجوا إلى وصلها بالواو، ووصل المفتوح والمكسور منها بالألف والياء كوصل حرف الرّويّ إذا كان مضموما بالواو، وإذا كان مفتوحا بالألف، وإذا كان مكسورا بالياء، كقولك في القافية الرجلا والرجلو والرجلى، ولم يفعلوا هذه بأيّ في الوقف، أعني صلتها بالواو والياء والألف؛ لأنه معرب جار مجرى زيد وعمرو وفرس، فيعمل فيه في الوقف ما يعمل بزيد وفرس، وقد ذكرنا الحجة في بناء من وإعراب أيّ في غير هذا الموضع من الشرح بما أغنى عن إعادته.
والذي يقول: منو ومنى ومنا في الواحد والاثنين والجمع يكتفي بما ضمّنه من علامة الإعراب في الدّلالة، وتجري على أصلها أنّها تصلح للاثنين والجماعة والمؤنث بلفظ المذكر الواحد.
وإنما قيل في التثنية للمؤنث منتين بسكون النون فيما ذكره أبو العبّاس المبرّد؛ لأنّ النون كانت في (من) ساكنة، قال: وإنّما حركتها في منه من أجل ما بعدها؛ لأنّ هاء التأنيث لا تقع إلا بعد حرف متحرك، وكذلك في التثنية لأنّ الألف يفتح ما قبلها.
قال أبو العباس: " فأمّا قولك: منو ومنى فإنّما حرّكت معها النون لعلّتين، إحداهما:
قولك في النّصب: منا؛ لأنّ الألف لا تقع إلا بعد مفتوح، فلمّا حرّكت في النصب حرّكت في الخفض والرفع ليكون المجرى واحدا، والعلّة الأخرى أنّ الياء والواو خفيّتان فإذا جعلت قبل كلّ واحدة منهما الحركة التي هي منها ظهرتا
وتبيّنتا " فأبو العباس جعل حركة النّون تابعة لما بعدها، والذي يوجبه مذهبه أنّهم أدخلوا الواو في منو قبل ضمّة النّون، وأدخلوا
стр. 1172
الياء في منى قبل كسرة النون.
قال أبو سعيد: والذي عندي أنّهم أدخلوا الضمة والكسرة والفتحة أولا كما يدخلونها في أيّ وفي المعربات، وتتبعها الحروف لما ذكرته لك من العلّة في ذلك، أمّا منتين فإنّهم أسكنوا النّون لأنّهم بنوها مع التّاء كما قالوا: هنت وبنت وأخت.
وأمّا ما قاسه يونس من إعراب منه في الوصل والنصب والجرّ وإجرائها مجرى أيّة وتثنية من وجمعه في الوصل للبيت الذي أنشده، فإن أبا إسحاق الزجاج قال في البيت:
كأنه وقف على منون وسكت عندها ثم ابتدأ، وقد نسبوا هذ الشعر إلى سمير بن الحارث، ومنهم من يرويه: عموا صباحا، ومنهم من يرويه: عموا ظلاما، وأنشد بعده بيتا آخر وهو:
فقلت إلى الطّعام فقال منهم ... زعيم نحسد الإنس الطّعاما (١)
واستبعد سيبويه ما حكاه، وهو لعمري بعيد جدّا؛ لأن قوله: ضرب من منا استفهام عن الضارب وعن المضروب بلفظين من ألفاظ الاستفهام، وقد قدّم الفعل على الاستفهامين جميعا، والاسم المستفهم به يتضمن حرف الاستفهام ولا يكون إلا صدرا، ولو رددناهما إلى ما تضمّناه من حرف الاستفهام لصار تقديره: ضرب أزيد أعمرا، وهذا باطل مضمحلّ. ومن وأيّ لا تجمعان ولا تثنّيان إلا في الاستفهام على النحو الذي ذكرناه فيهما دون المجازاة ومعنى الذي؛ لأنّ الأصل فيهما الاستفهام، وهما في الاستفهام أكثر منهما في غير الاستفهام؛ ولأنهما في الاستفهام قد يقومان مقام زيد في التّمام والاكتفاء من غير صلة، كقولك: من زيد، وأيّ زيد، كما تقول: أخوك زيد، والذاهب زيد، ولو كانا في غير الاستفهام لاحتجت إلى زيادة على لفظ من وأيّ، إمّا صلة إذا كانتا بمعنى الذي، وإمّا شرط إذا كانتا للمجازاة، والذي يثنّي (أيّ) ويجمعه ويؤنثه في الوقف يثنيه ويجمعه ويؤنثه في الوصل، ولا يفصل بينهما كما فصل بين تثنية من وجمعه وتأنيثه في الوقف والوصل؛ لتمكّن أيّ وإعرابه. وإنما قال: من ومنا ومنه؛ لأن العلامة إنما تلحق في الذي يقف عليه، والأول لا تلحقه علامة؛ لأنّه وصل بالثاني، وتقدير منا في هذا الباب كتقدير أيّا في الباب المتقدم؛ يجوز أن يكون في موضع مبتدإ، أو خبر مبتدإ، ويجوز أن يكون المنصوب منه بفعل مقدّر بعده كأنه قال: أيّ رجل ضربت؟ ومن ضربت؟
стр. 1173
هذا باب ما لا يحسن فيه من كما حسن فيما قبله
قال سيبويه: (وذلك أنه لا يجوز أن يقول الرجل: رأيت عبد الله، فتقول: منا؛ لأنه إذا ذكر عبد الله فإنّما يذكر رجلا تعرفه بعينه، أو رجلا أنت عنده ممّن يعرفه بعينه، وأنت تسأله على أنه ممّن يعرفه بعينه، إلا أنّك لا تدري: الطويل هو أم القصير أم ابن زيد أم ابن عمرو؟ فكرهوا أن يجروا هذه مجرى النكرة إذا كانا مفترقين.
وكذلك: رأيته ورأيت الرجل، لا يحسن أن تقول فيهما إلا من هو، ومن الرجل؟
وقد سمعنا من العرب من يقال له: ذهب معهم، فيقول: مع منين؟ وقد رأيته، فيقول: منا، أو رأيت منا. وذلك أنه سأله على أن الذين ذكر ليسوا عنده ممن يعرفه بعينه، وأنّ الأمر ليس على ما وصفه المحدّث، فهو ينبغي له أن يسأل في هذا الموضع كما سأل حين قال: رأيت رجلا).
قال أبو سعيد: قد تقدم قبل هذا الباب أنّ المسألة عن المعرفة لا تكون باسم واحد، وإنما تكون المسألة عن النكرة باسم واحد، وذكرنا الفصل بين المعرفة والنكرة، وإنما جاز أن يقول: مع منين؟ وهو يستفهم عن الهاء والميم في معهم، وأن يقول: منا؟
وهو يستفهم عن الهاء في رأيته؛ لأن المتكلم بنى أمر المخاطب على أنه عارف بالاسم المكنيّ، ولم يكن عارفا به؛ فأورد مسألته على غير ما ذكره المتكلم. وكأن السائل سأل على ما كان ينبغي للمتكلم أن يكلّمه به إذا لم يعرف، والذي كان ينبغي للمتكلم أن يقول: ذهب مع رجال، ورأيت رجلا، فلما غلط المتكلم في توهمه على المخاطب أنه يعرفه ردّه المخاطب إلى الحقّ في حال نفسه أنه غير عارف بمن ذكره، وسأل عن ذلك، وجعل المتكلم كأنه قد تكلّم به، وربّما عدل المخاطب عما يوجبه لفظ المتكلم، وذلك قولك: كيف أصبحت؟ فتقول: صالح، ومن ضربت؟ فتقول: زيد، والذي يقتضيه لفظ السؤال صالحا وزيدا. وقد مضى الكلام في نحو هذا والله أعلم.
هذا باب اختلاف العرب في الاسم المعروف الغالب إذا استفهمت عنه بمن
قال سيبويه: (اعلم أنّ أهل الحجاز يقولون إذا قال الرجل رأيت زيدا: من زيدا؟
وإذا قال مررت بزيد قالوا: من زيد؟ وإذا قال: هذا عبد الله قالوا: من عبد الله؟
وأمّا بنو تميم فيرفعون على كلّ حال، وهو أقيس القولين.
فأمّا أهل الحجاز فإنّهم حملوه على أنّهم حكوا ما تكلّم به المسؤول، كما قال
стр. 1174
بعض العرب: دعنا من تمرتان، على الحكاية لقوله: ما عنده تمرتان. وسمعت عربيا يقول لرجل سأله فقال: أليس قرشيّا؟ فقال: ليس بقرشيا، حكاية لقوله. فجاز هذا في الاسم الذي يكون غالبا على هذا الوجه، ولا يجوز في غير الاسم الغالب كما جاز فيه، وذلك أنّه الأكثر في كلامهم، وهو العلم الأوّل الذي به يتعارفون. وإنما يحتاج إلى الصفة إذا خاف الالتباس من الأسماء الغالبة. وإنّما حكى مبادرة للمسؤول، وتوكيدا عليه أنّه ليس يسأله عن غير هذا الذي تكلّم به.
وإذا قال: رأيت أخا زيد لم يجز: من أخا زيد؟ إلا على قول من قال: دعنا من تمرتان، وليس بقرشيا، والوجه الرفع لأنه ليس باسم غالب.
وقال يونس: إذا قال رجل: رأيت زيدا وعمرا، أو زيدا وأخاه، أو زيدا أخا عمرو، فالرفع يردّه إلى القياس والأصل إذا جاوز الواحد، كما يردّ ما زيد إلا منطلق إلى الأصل. وأمّا ناس فإنّهم قاسوه فقالوا: تقول: من أخو زيد وعمرو، ومن عمرا وأخا زيد؛ يتبع الكلام بعضه بعضا، وهذا حسن.
فإذا قالوا من عمرا؟ ومن أخو زيد؟؛ رفعوا أخا زيد؛ لأنه قد انقطع الأول من الثاني الذي مع الأخ، فكأنك قلت: من أخو زيد؟ كما أنك تقول: تبّا له، وويلا له، وتبّ له، وويل له.
وسألت يونس عن: رأيت زيد بن عمرو فقال: أقول من زيد بن عمرو؟؛ لأنّ أصل هذا أجري كالواحد، ومن نوّن زيدا جعل (ابن) صفة منفصلة ورفع في قول يونس. فإذا قال: رأيت زيدا فقلت: أيّ زيد؟ فليس إلا الرفع، تجريه على القياس.
وإنما جازت الحكاية في من لأنّهم ل (من) أكثر استعمالا، وهم يغيّرون الأكثر في كلامهم عن حال نظائره. وإن أدخلت الواو والفاء في من فقلت: ومن أو فمن، لم يكن فيما بعده إلا الرفع).
قال أبو سعيد: مسائل الباب وتفريعها على قول أهل الحجاز؛ لأنّ بني تميم على منهاج القياس في غير هذا الباب، ولا خلاف بينهم أنّ مستفهما لو ابتدأ الاستفهام على غير كلام سمعه لقال: من زيد؟ ومن مبتدأ وزيد خبره، أو زيد مبتدأ ومن خبره، وإذا قال قائل: رأيت زيدا فقيل له: من زيد؟ فهو كالسؤال له في الابتداء؛ من مبتدأ وزيد خبره، أو زيد مبتدأ ومن خبره، فهذا القياس. ويدلّ على ذلك أيضا أنّهم لا يختلفون أنّه إذا قال:
رأيت زيدا قلت: أيّ زيد؟ فأيّ كمن، وأيّ زيد: مبتدأ وخبر.
стр. 1175
وأمّا أهل الحجاز فإنّهم يحكون كلام المتكلّم في الاسم العلم؛ إذا قال قائل: رأيت زيدا، قالو: من زيدا؟ وإذا قالوا:
مررت بزيد، قالوا: من زيد؟ وإنما حكوا لفظه لئلا يتوهّم المسؤول أنّه سئل عن غير الذي ذكره من الزّيدين، وحرصوا لحكاية لفظه على التّبيين له أنه مسؤول عن الذي ذكره، وموضع المنصوب والمخفوض في من زيدا، ومن زيد، رفع على خبر من أو الابتداء، كما أنّ قولهم: دعنا من تمرتان، تمرتان في موضع خفض؛ كأنه قال: دعنا من لفظك تمرتان، فناب تمرتان عن ذلك، وكذلك قول من قال:
لست بقرشيّا، في موضع خفض بالباء. وإنما يختار أهل الحجاز الحكاية بالأسماء الأعلام دون غيرها؛ لأن أكثر ما يخبر عن الناس بالأسماء الأعلام في مكاتباتهم ومعاملاتهم، وفيما ينسب إليهم من مناقب أو مثالب، والاسم العلم إذا ذكر فكأنه شامل على تعريف جميع ما فيه من صفاته المعروفة، وإنّما ينعت إذا زاحمه غيره في لفظه بما يبينه عن غيره. وقد ذكر نحو هذا في ذكر الأسماء الأعلام.
وإذا لم يكن الاسم علما أجري على القياس، ورفع على الابتداء والخبر. وإذا عطف على الاسم العلم أو نعت بغير اسم أبيه فالرفع على القياس؛ لأن السائل إذا أطال بالعطف أو بالنعت محتذيا على كلام المتكلم، فحكايته لإطالته تغنيه عن حكايته لإعرابه، ويكون أولى؛ لأنّ الإطالة بالعطف والنعت لا تخرج اللفظ عن قياسه كما تخرجه الحكاية، وذلك إذا قال القائل: رأيت زيدا وعمرا، ورأيت زيدا أخا عمرو فالباب أن يقول السائل: من زيد وعمرو؟ ومن زيد أخو عمرو؟
وقد حكى سيبويه في العطف عن غير يونس الحكاية إذا كان الذي يلي (من) الاسم العلم، واستحسنه؛ لأنّ المعطوف غير المعطوف عليه، فالسؤال وقع بالاسم مفردا، ثم عطف شيء آخر عليه قد وقع به سؤال، وليس كذلك النّعت؛ لأنّ النعت والمنعوت كشيء واحد. وإذا قال: رأيت زيد بن عمرو جاز أن يقول: من زيد بن عمرو؛ لأنّ زيدا قد بني مع ابن فجعلا كشيء واحد، فصارا كشيء مضاف، فإذا قال: جاءني عبد الله، أو رأيت عبد الله، أو مررت بعبد الله جازت الحكاية في هذه الوجوه، فتقول: من عبد الله، أو مررت بعبد الله؟ ومن عبد الله، وكذلك جاءني زيد بن عمرو، ومررت بزيد بن عمرو، ورأيت زيد بن عمرو. وردّ إلى القياس ورفع؛ لأنهما لم يجعلا كشيء واحد، وصار بمنزلة قولك: رأيت زيدا أخا عمرو.
وإنما جازت الحكاية بمن ولم تجز بأيّ لعلتين:
إحداهما: أنّ السؤال ب (من) عمّا يعقل أكثر من السؤال بأيّ، وتغييرهم لما يكثر
стр. 1176
التصرّف فيه- بالوجوه- أكثر من التغيير والتصرّف فيما يقلّ.
والعلة الأخرى: أنّ أيّا معربة، فإذا سألوا بها فلا بدّ من رفعها، فإذا رفعوا أيّا في قولهم: أيّ زيد؟ على ما يوجبه
القياس أتبعوه لفظ الاسم العلم على ما يوجبه القياس.
وإذا أدخلوا في أول السّؤال الفاء والواو لم يكن فيما بعده إلا الرفع، وذلك قولك إذا قال القائل: رأيت زيدا، ومن زيد؟ أو فمن زيد؛ لأنّك لمّا أدخلت حرف العطف علم المسؤول أنّك تعطف على كلامه وتنحو نحوه، فاستغنيت عن الحكاية.
وقد أجاز سيبويه الحكاية في غير الأسماء الأعلام على غير وجه الاختيار؛ إذا قال القائل: رأيت أخا زيد، جاز من أخا زيد؟ كما جاز دعنا من تمرتان، وليس بكلام مختار في لغة أهل الحجاز كما يختارون الحكاية في الأعلام، وباقي الباب مفهوم.
وذكر أبو العباس المبرّد في كتابه المعروف بالمقتضب فقال: " كان يونس يجري الحكاية في جميع المعارف، ويرى بابها وباب الأعلام واحدا " والذي حكاه سيبويه عن يونس في الباب إذا قال القائل: رأيت زيد أو عمرا، أو رأيت زيدا وأخاه، أو زيدا أخا عمرو؛ فالرفع يردّه إلى القياس. وما أدري من أين لأبي العباس هذه الحكاية عن يونس، والله أعلم.
هذا باب من إذا أردت أن يضاف لك من تسأل عنه
قال سيبويه: " وذلك قولك: رأيت زيدا. فتقول: المني. فإن قال: رأيت الزيدين قلت: المنيّين. فإن ذكر ثلاثة قلت: المنيّين، وتحمل الكلام على ما حمل عليه المسؤول كلامه إن كان مجرورا أو منصوبا أو مرفوعا، كأنك قلت: آلقرشي أم الثّقفي؟ فإن قال: القرشي نصب، وإن شاء رفع على هو، كما قال صالح في: كيف كنت "؟
قال أبو سعيد: قد يحتاج الإنسان إلى معرفة نسب من يذكر له إذا عرف ذلك الاسم لجماعة مختلفي الأنساب، فإذا سأل عنه أورد لفظ المسألة مبهما منسوبا، فاحتاج إلى ذكر اللفظ المبهم الذّي يسأل به عن أبي الرّجل الذي تراد معرفة نسبه، واحتاج إلى نسبته وإلى الألف واللام. فأمّا الألف واللام فلأنه يسأل عن صفة العبارة عنها بالألف واللام، وأمّا الاسم المبهم فهو من؛ لأنّ بها يسأل عن الرجل المنسوب إليه، وأمّا علامة النسبة التي هي الياء فليعلم أنه يسأل عنه منسوبا، ويجري إعراب المنّي على إعراب الاسم الذي ذكره المتكلّم إن قال: جاءني زيد قلت: المني، وإن قال: مررت بزيد قلت:
стр. 1177
المنّي؛ لأنه جار على كلام المتكلم، والمنّي مشتمل على كلّ ما ينسب إلى أب، ولا يحتاج في المنّي إلى ألف الاستفهام كما لو يحتج في من إلى ألف الاستفهام، وإذا جعلت مكانها اسما منسوبا مبيّنا أدخلت ألف الاستفهام
فقلت: آلقرشي أم الثقفي؟ ونحو ذلك، وإذا أجاب المسؤول جاء بالجواب على لفظ إعراب المنّي، وإن شاء رفع على إضمار هو. ولو قال: رأيت زيدا فأردت أن تقول: آلبصري أم الكوفي؟ لم يكن فيه لفظ مبهم كالمنّي، ولا يجوز أن تقول المنّي، فيقول في جوابه: المكي أو البصري وما أشبه ذلك من المنسوب إلى أسماء المدن، ولم يأت ذلك إلا في المنّي، لأنّ أكثر الأعراض للعرب في المسألة عن الأنساب، والتناصر والتعادي عليها.
وذكر أبو بكر مبرمان قال: سألت أبا العباس يعني المبرّد: إذا قال لك رجل: رأيت زيدا وأردت أن تسأله عن صفته. قال أقول: المني، كأني قلت: الظريفي أم العالمي؟ أم الصائغي؟ أم البزّازي؟ فإذا قال: رأيت الجمل، فأردت أن تسأله عن صفته كيف تقول؟
قال: أقول: المائي والماوي ولا يحسن بأي لأنّ أيّا اختصاص وأنت إنما تسأله عن عموم.
قال أبو سعيد: وهذا تفريع من أبي العباس وقياس، وعندي أنّ قائلا لو قال: رأيت الجمل، وكان الجملّ ينسب إلى جماعة مختلفين من الناس مثل التميمي والمهدي والكلبي فأراد السؤال عن هذا النحو قال: المني؛ لأنك إنّما تريد واحدا من الناس الذين ينسب الجمل إليهم، وإن أراد النّسب إلى فحل أو إلى موضع لم يجز المني، وعلى قياس قول أبي العباس يقال: المائي والماوي.
هذا باب إجرائهم صلة من وخبره إذا عنيت اثنين كصلة اللّذين وإذا عنيت جميعا كصلة الذين
قال سيبويه: " فمن ذلك قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ (١). ومثله فيما حدّثنا يونس قولهم: من كانت أمّك، وأيّهنّ كانت أمّك، ألحق تاء التأنيث لمّا عني المؤنث كما قال: يستمعون حين عني جميعا.
وزعم الخليل أنّ بعضهم قرأ: ومن تقنت منكن لله ورسوله [الأحزاب: ٣١] بالتاء، فجعلها كصلة التي حين عنيت مؤنثا. فإذا ألحقت التاء في المؤنث ألحقت الواو والنون في الجميع.
стр. 1178
قال الفرزدق:
تعال فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان " (١)
قال أبو سعيد: ل (من) لفظ ومعنى، فأمّا لفظها فواحد مذكّر، فإذا رددت إليها الضمير العائد من صلتها أو خبرها أو غير ذلك كان واحدا مذكّرا أردت بها واحدا أو اثنين أو جماعة أو مؤنثا، فإن أردت أن يكون العائد إليها على معناها
فهو على ما يقصده المتكلّم من المعنى.
فأمّا ما أعيد إليه على معناه في الجمع فقوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ (٢)، وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ (٣)، وأكثر ما في القرآن من هذا النحو فتوحيد لفظ المذكّر كنحو قوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ (٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ (٥) وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ (٦) وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ (٧) وغير ذلك مما يطول.
وأمّا المثنى فقول الفرزدق:
... من يا ذئب يصطحبان
يريد بمن نفسه والذئب، وأمّا المؤنث فقوله: ومن تقنت منكن لله ورسوله [الأحزاب: ٣١] لأنّ المعنى واحدة من النساء أو أكثر، وربما أتي على اللفظ والمعنى كقوله : وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً [الأحزاب: ٣١] يقنت بالياء على اللفظ، وتعمل بالتاء على المعنى، وقوله تعالى: بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٨) أسلم وجهه على لفظ من ولا خوف عليهم وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على معنى الجماعة.
وذكر بعض الكوفيين: أنه إذا حمل من على المعنى لم يجز أن يردّ إلى اللفظ، وإذا حمل على اللفظ جاز أن يردّ إلى المعنى، ولا فرق بينهما عندي، والذي يبطل ما قال قوله في آخر سورة الطلاق: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي
стр. 1179
مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (١) جمع خالدين على المعنى، ثم قال: قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً (٢) فردّه إلى اللفظ.
هذا باب إجرائهم ذا بمنزلة الّذي وليس يكون كالّذي إلا مع ما ومن في الاستفهام وحده
فيكون ذا بمنزلة الذي، ويكون ما حرف الاستفهام وإجرائهم إيّاه مع ما بمنزلة اسم واحد.
قال سيبويه: " أمّا إجراؤهم ذا بمنزلة الّذي فهو قولهم: ماذا رأيت؟ فتقول:
متاع حسن، قال لبيد:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل (٣)
وأمّا إجراؤهم إيّاه مع ما بمنزلة اسم واحد فهو قولك: ماذا رأيت؟ فتقول:
خيرا؛ كأنك قلت: ما رأيت؟ فقال: خيرا.
ومثل ذلك قولهم: ماذا ترى؟ فتقول: خيرا. وقال تعالى: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً (٤). فلو كان ذا لغوا لما قالت العرب: عمّا ذا تسأل؟ ولقالوا: عمّ ذا تسأل؟ ولكنّهم جعلوا ما وذا اسما واحدا، كما جعلوا ما وإنّ حرفا واحدا حين قالوا:
إنّما، ومثل ذلك كأنّما، وحيثما في الجزاء.
ولو كان ذا بمنزلة الّذي في هذا الموضع البتّة لكان الوجه في: ماذا رأيت إذا أراد الجواب أن يقول: خير.
وقال الشاعر، وسمعنا بعض العرب يقوله:
دعي ماذا علمت سأتّقيه ... ولكن بالمغيّب نبّئيني (٥)
ف (الّذي) لا يجوز في هذا الموضع؛ لأنّ ما لا يحسن أن تلغيها.
وقد يجوز أن يقول الرجل: ماذا رأيت؟ فيقول: خير، إذا جعل ما وذا اسما واحدا كأنه قال: ما رأيت؟ فقال: خير، ولم يجبه على: رأيت خيرا.
стр. 1180
ومثل ذلك قولهم في جواب كيف أصبحت؟ صالح، وفي من رأيت: زيد، كأنه قال: أنا صالح، ومن رأيت زيد.
والنصب في هذا الوجه؛ لأنّه الجواب على كلام المخاطب، وهو أقرب أن تأخذ به. وقال: ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [النحل: ٢٤]. وقد يجوز أن تقول إذا قلت: من ذا الذي رأيت؟: زيدا؛ لأنّ هاهنا معنى فعل، ويجوز النصب هاهنا كما جاز الرفع في الأول.
قال أبو سعيد: قد اشتمل هذا الباب على الكلام في ماذا، وقد فسّره سيبويه وغيره على الوجهين اللّذين ذكرهما.
فإن قال قائل: هلا جعلتم ذا زائدة وجعلتم ما للاستفهام وبمعنى الذي كما كانت قبل دخول ذا؟ ويكون: «ماذا أنزل ربّكم» بتقدير: ما أنزل ربكم؟ وقوله:
دعي ماذا علمت سأتقيه
بتقدير: دعي ما علمت، كما يقال دعي الذي علمت، فإنّ سيبويه استدلّ على بطلان هذا بشيئين.
أحدهما: أنّ ذا لو كانت زائدة لوجب أن يقال: عمّ ذا تسأل؟ كما يقال: عمّ تسأل؟ فيسقط ألف ما حين دخل عليه حرف الجرّ.
والوجه الآخر: أنّ ذا إذا كانت زائدة ثم قلنا ماذا تصنع؟ كانت ما في موضع نصب، وتكون حقيقة جوابه منصوبا، فلمّا قال:
أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
وهو بدل من ما، علم أنّ ما في موضع رفع، وإذا كانت في موضع رفع فهي مبتدأة وخبرها ذا، ويحاول صلة ذا، والعائد إليها هاء محذوفة كأنه قال: ماذا يحاوله، فإذا قال قائل: ماذا صنعت؟ أو «ماذا أنزل ربّكم» فهو على الوجهين اللذين ذكرهما؛ إن شئت جعلت ما للاستفهام وهي اسم تامّ مرفوع بالابتداء، وخبره ذا وهي بمعنى الذي، وما بعده صلته، وإن شئت جعلت ما وذا جميعا بمنزلة ما وحدها، ويكونان كحرفين ركّبا لمعنى واحد نحو: كأنما، وحيثما في الجزاء، وما جرى مجراهما من الحروف المركبة، ويكون الجواب بالرفع والنصب على ما تقدّر من جعل ما مبتدأ أو منصوبا بالفعل.
فإن قال قائل: كيف يعلم السامع إذا قيل له: «ماذا أنزل ربّكم» ما قدّره المتكلّم من رفع ما أو نصبه حتى يجعل جوابه خيرا أو خير، فإنّ هذا لا يلزم السائل، ولكنه
стр. 1181
يسأله عمّا يحتمله كلامه، وقد يجوز أن يكون حرف الاستفهام في كلام السائل نصبا، وفي كلام المجيب رفعا على الاستئناف والابتداء والخبر كقولك: ما رأيت؟ فيقول: خير، وما في موضع نصب، وكيف أصبحت؟ فيقول:
صالح، كأنه قال: أنا صالح، والوجه حمل الجواب على ما يوجبه إعراب السؤال. ويجوز أيضا أن يكون لفظ الاستفهام في موضع رفع، ويكون الجواب نصبا محمولا على الفعل الذي في الكلام؛ لأنّ المعنى لا يتغيّر؛ كقولك: زيدا إذا قيل لك من الذي رأيت؟ كأنك قلت: رأيت زيدا.
وأمّا قوله : ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [النحل: ٢٤] فالذي عند ذوي التحصيل أنّ أساطير الأولين ليس بجواب لأنّ الّذين قالوا: أساطير الأولين لم يكونوا معترفين بأنّ الله أنزل شيئا، وإنّما تقديره: هذا الذي جاء به محمد أساطير الأولين، وكأنّهم عدلوا عمّا سئلوا عنه. وأمّا قوله:
دعي ماذا علمت سأتقيه
فالحرفان جميعا بمعنى الذي، وعلمت صلة، والعائد هاء محذوفة من علمته، وسبيل ماذا في كونها بمعنى الذي كسبيل ما وحدها إذا كانت بمعنى الذي. فإن قال قائل: هلا جعلتم ما زائدة وجعلتم ذا وحدها بمعنى الذي كما قال الله : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى [طه: ١٧]. تلك: بمعنى التي وبيمينك صلة، وكما قال يزيد بن مفرّغ:
عدس ما لعبّاد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق (١)
هذا بمعنى الذي وتحملين صلته كأنه قال: والذي تحملين طليق، فالجواب أنّ تلك وهذا وما جرى مجراهما من أسماء الإشارة لا يكنّ عند أصحابنا بمعنى الذي وأخواتها، إلا ذا وحدها إذا كان قبلها ما، فلمّا كانت ذا لا تكون بمنزلة الذي حتى يكون قبلها ما لم يجز أن تكون زائدة كان إخراجها من الكلام يبطل المعنى المقصود بذا.
«وما تلك بيمينك» بيمينك عند أصحابنا في موضع الحال، كما تكون في موضع الصّفة إذا قلت: مررت بعصا بيمينك، كأنه قال: مستقرة بيمينك، وكذلك تحملين في موضع الحال، كأنه قال: وهذا حاملته أنت طليق، وتقديره: حاملة له أنت طليق، وأسهل من هذا في التقدير: وهذا محمولا طليق. ومما يشبه ما ذكرناه قول أبي ذؤيب:
لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل (٢)
стр. 1182
على قول الكوفيين: البيت يوصل كما يوصل الذي، وأكرم أهله صلته، ومذهبهم صلة ما فيه الألف واللام من الأسماء نحو الرجل والغلام كصلة الذي. قال أصحابنا في بيت أبي ذؤيب قولين:
أحدهما: أنه يكون خبرا بعد خبر، البيت مبهما على غير معهود، وأكرم نعتا له كما يقال: إنّي لأمرّ بالرجل غيرك
خير منك.
هذا باب ما تلحقه الزّيادة في الاستفهام إذا أنكرت أن تثبت رأيه على ما ذكر أو أنكرت أن يكون رأيه خلاف ما ذكر
قال سيبويه: فالزيادة تتبع الحرف الذي هو قبلها، الذي ليس بينه وبينها شيء.
فإن كان مضموما فهي واو، وإن كان مكسورا فهي ياء، وإن كان مفتوحا فهي ألف، وإن كان ساكنا تحرّك، لئلا يسكن حرفان، فيتحرّك كما يتحرّك في الألف واللام الساكن مكسورا، ثم تكون الزيادة تابعة له.
فمما تحرّك من السّواكن كما وصفت لك وتتبعه الزيادة قول الرجل: ضربت زيدا، فتقول منكرا لقوله: أزيد نيه؟ وصارت هذه الزيادة علما لهذا المعنى، كعلم النّدبة، وتحرّكت النون لأنها كانت ساكنة، ولا يسكن حرفان.
فإن ذكر الاسم مجرورا جررته، أو منصوبا نصبته؛ لأنّك إنّما تسأله عمّا وضع عليه كلامه.
وقد يقول لك الرجل: أتعرف زيدا؟ فتقول: أزيد نيه؟ إمّا منكرا لرأيه أن يكون على ذلك، وإمّا على خلاف المعرفة.
وسمعنا رجلا من أهل البادية قيل له: أتخرج إن أخصبت البادية؟ فقال: أنا إنيه؟ منكرا لرأيه أن يكون على خلاف أن يخرج.
ويقول: قد قدم زيد، فتقول: أزيد نيه؟ غير رادّ عليه متعجبا أو منكرا عليه أن يكون رأيه على غير أن يقدم؛ أو أنكرت أن يكون قدم فقلت: أزيد نيه؟
فإن قلت مجيبا لرجل قال: لقيت زيدا وعمرا قلت: أزيدا وعمر نيه؟ تجعل العلامة في منتهى الكلام. ألا ترى أنّك تقول إذا قال: ضربت عمرا: أضربت عمرنيه؟
وإن قال: ضربت زيدا الطويل قلت: أزيدا الطويلاه؟ وتجعلها في منتهى الكلام.
وإن قلت: أزيدا يا فتى، تركت العلامة كما تركت علامة التأنيث والجمع
стр. 1183
وحروف اللّين في قولك: منا ومني ومنو، حين قلت: يا فتى، وجعلت يا فتى بمنزلة ما هو في مسألتك يمنع هذا كلّه، وهو قولك: من ومنه إذا قال: رأيت رجلا وامرأة.
فمنه قد منعت من من حرف اللين، فكذلك هو هاهنا يمنع كما منع ما كان في كلام المسؤول العلامة في الأوّل، ولا يدخل يا فتى لأنّه ليس من حديث المسؤول، فصار هذا هاهنا بمنزلة الطّويل حين منع العلامة زيدا كما منع من ما ذكرت لك؛ وهو قول العرب.
ومما تتبعه هذه الزيادة من المتحرّكات كما وصفت لك قوله: رأيت عثمان، فتقول: أعثماناه، ومررت بعثمان، فتقول: أعثماناه، ومررت بحذام، فتقول أحذاميه، وهذا عمر فتقول: أعمروه، فصارت تابعة كما كانت الزيادة في وا غلامهوه تابعة.
واعلم أنّ من العرب من يجعل بين هذه الزيادة وبين الاسم إن فتقول: أعمرو إنيه، وأزيد إنيه، فكأنهم أرادوا أن يزيدوا العلم بيانا وإيضاحا، كما قالوا: ما إن، فأكّدوا بإن. وكذا أوضحوا بها هاهنا؛ لأنّ في العلم الهاء، والهاء خفيّة، والياء كذلك، فإذا جاءت الهمزة والنون جاء بعدهما حرفان لو لم يكن بعدهما الهاء وحرف اللين كانوا مستغنين بهما.
وممّا زادوا به الهاء بيانا قولهم: اضربه.
وقالوا في الياء في الوقف: سعدجّ يريدون سعدي.
فإنّما ذكرت لك هذا لتعلم أنهم قد يطلبون إيضاحا بنحو من هذا الذي ذكرت لك.
وإن شئت تركت العلامة في هذا المعنى كما تركت علامة النّدبة.
ويقول الرجل: إنّي قد ذهبت، فتقول: أذهبتوه؟ ويقول: أنا خارج، فتقول: أأنا إنيه، تلحق الزيادة ما لفظ به، وتحكيه مبادرة له، وتبينا أنه ينكر عليه ما تكلّم به، كما فعل ذلك في: من عبد الله؟ وإن شاء لم يتكلّم بما لفظ به، وألحق العلامة ما يصحّح المعنى، كما قال حين قلت: أتخرج إلى البادية: أأنا إنيه.
وإن كنت متبيّنا مسترشدا إذا قال: ضربت زيدا، فإنك لا تلحق الزيادة. وإذا قال: ضربته فقلت: أقلت ضربته؟ لم تلحق الزيادة أيضا؛ لأنّك إنّما أوقعت حرف الاستفهام على قلت، ولم يكن من كلام المسؤول، وإنّما جاء على الاسترشاد لا على الإنكار، فإن قال: ضربته فقلت: على وجه الإنكار قلت: أضربتهوه، وإن شئت قلت:
стр. 1184
أضربتهوه على المعنى، والمعنى الأول أجود أن تحكي لفظ المسؤول.
واعلم أنّ هذه الزيادة لا تلحق بعد شيء من حروف الاستفهام ما خلا الألف وحدها؛ لا تقول: من زيداه، ولا أي زيدوه، ولا شيئا من هذا النحو إذا لم يكن قبل كلامهم ألف الاستفهام. وتقول في المضاف نحو عبد الله: أعبد اللهيه، وأعبد الله إنيه، وكلّ موضع جاز فيه أحد هذين العلمين فالآخر جائز فيه، وقد يجوز إذا قال الرّجل: ذهبت أن تقول: أذهبتاه؛ تلحق الزيادة الفعل الذي هو له في المعنى لا في الحكاية، ولا يحكي لفظه كما قال حين قال أتخرج إلى البادية: أأنا إنيه؟ وإن شئت حكيت لفظه فقلت: أذهبتوه.
قال أبو سعيد: الباب كلّه في إثبات العلامة للإنكار، وجعل الإنكار على وجهين:
أحدهما: أن ينكر كون ما ذكر كونه، ويكذّب به أو يبطله؛ كرجل قال لك: أتاك زيد، وزيد ممتنع إتيانه عندك، فينكره بطلانه عندك، فهذا معنى قوله: أنكرت أن تثبت رأيه على ما ذكره.
والوجه الآخر: أن يقول: أتاك زيد، وزيد من عادته إتيانك، فتنكر أن يكون ذلك إلا كما قال؛ كما يقول القائل فيما يردّ عليه من الكلام إذا لم يشكّ فيه، ومن شكّ في هذا ومن أنكره على وجه التعجب والإنكار لذكر مثله مما لا يشك في كونه، وهذا معنى قوله: أو تنكر أن يكون رأيه على خلاف ما ذكر، فإذا قلت لمن قال لك: أتعرف زيدا؟
أزيدنيه، وقول سيبويه: إمّا منكرا لرأيه أن يكون على ذلك: أي منكرا لرأي الذي قال له:
أتعرف زيدا، وأن يعتقد أنّ المسؤول يرتفع عن معرفته، أو لا تبلغ رتبته إلى أن يعرف زيدا.
وقوله: أو على خلاف المعرفة يعني: أو منكرا أن يكون رأيه على أن لا يعرف زيدا؛ لأنّ مثله لا يجهل مثل زيد. والعلامة التي للإنكار على لفظين:
أحدهما: بلحاق حرف آخر اللفظ فيتبع حركته، وإن كان آخر اللفظ ساكنا فيحرّك لاجتماع السّاكنين بحرف ساكن يلقاه، فإنك تحرّكه وتتبعه الحرف الذي منه حركته؛ تقول: أزيدنيه وأزيدنيه وأزيدنيه؛ لأنّ التنوين حرف ساكن يحرّك بالكسر لاجتماع السّاكنين كقولك: جاءني زيد البزّاز، ومررت بزيد البزّاز، ورأيت زيدا البزّاز، فلمّا كسرت النون أتبعته الياء، وإذا كان آخر اللفظ في الكلام الذي ينكر حرفا ساكنا يسقط ولا يحرّك لاجتماع الساكنين فإنك تدخل عليه مثله في التقدير ثم تحذف الأوّل
стр. 1185
لاجتماع الساكنين، وذلك قولك إذا قال: رأيت المثنّى: ألمثنّاه، وكذلك إذا قال: مررت بالقاضي تقول: ألقاضيه، وإذا قال زيد يغزو تقول: أزيد يغزوه، وقد عمل في النّدبة نحو هذا في قولهم: وانقطاع ظهرهاه للمؤنث الواحدة، وو انقطاع ظهرهيه؟ للمذكّر، وو انقطاع ظهركموه؛ فألف ظهرهاه للندبة، وقد أسقطت الألف التي كانت في ظهرها، ولا فرق في علامة الإنكار بين الاسم والفعل، ولا بين الاسم والنعت، ولا بين الاسم الظاهر والمكني، وليس ذلك كباب الحكاية في: من زيدا، ومن زيد الطويل؛ لأنّ باب الحكاية إنّما يحكى فيه الاسم العلم عند التباس الأسماء الأعلام، وإذا قرن بما يزيل الالتباس عاد إلى قياسه لزوال اللّبس، وعلامة الإنكار لازمة؛ لأنّ الإنكار ثابت على حاله.
والعلامة الأخرى: أن يترك لفظ المتكلم على حاله ويؤتى بالعلامة منفصلة، وهي أن يؤتى بها بعد حكاية اللفظ الأوّل؛ فيقول: أعمر وإنيه، وأزيد إنيه، وقد ذكر سيبويه علّته.
والحرف المزيد إن تم زيد على إن ما يزاد على التنوين من حرف ساكن في التقدير فيكسر لاجتماع الساكنين،
وتلحقه الهاء في الوقف لبيان العلامة، فإذا وصلت الكلام بشيء من كلامك أو كلام المسؤول حذفت العلامة كما فعلت ذلك في: منو ومنا ومني.
فأمّا كلامك فقولك: لمن قال: رأيت زيدا: أزيدا يا فتى؟ ولا يجوز أن تقول:
أزيدنيه يا فتى، ولا أزيدا إنيه يا فتى، كما لا يجوز أن تقول: منو يا فتى، فقولك إذا قال:
لقيت زيدا وعمرا: أزيدا وعمرنيه تبطل العلامة في زيد لمّا وصلته بعمرو، وهو من كلام المسؤول في ابتداء كلامه، وقد يجوز لحاق العلامة لفظ المسؤول، وقد يجوز أن تلحق لفظا يأتي به السائل في معنى لفظ المسؤول، فأمّا لفظ السّائل فقولك لمن قال: إنّي قد ذهبت: أذهبتوه، وإن حملته على المعنى قلت: أذهبتاه؛ لأنّ التّاء المضمومة للمتكلم هي التّاء المفتوحة إذا صار مكلّما، وكذلك قول العربي: أنا إنيه للذي قال له: أتخرج إلى البادية، جاء به على المعنى؛ لأنّ الضمير المفاعل الذي في أتخرج للمخاطب هو أنا إذا صار المخاطب هو المتكلم. وباقي الباب مفهوم من كلام سيبويه.
هذا باب إعراب الأفعال المضارعة للأسماء
قال سيبويه: " اعلم أنّ هذه الأفعال لها حروف تعمل فيها فتنصبها لا تعمل في الأسماء، كما أن حروف الأسماء التي تنصبها لا تعمل في الأفعال، وهي: أن، وذلك قولك: أريد أن تفعل كذا، وكي، وذلك قولك: أجيئك لكي تفعل، ولن.
стр. 1186
فأمّا قول الخليل فزعم أنّها: لا أن ولكنّهم حذفوا لكثرته في كلامهم، كما قالوا:
ويلمّه، وكما قالوا: يومئذ، وجعلت بمنزلة حرف واحد، كما جعلوا هلا بمنزلة حرف واحد، وإنّما هي هل ولا.
وأما غيره فزعم أنه ليس في لن زيادة، وليست من كلمتين، ولكنّها بمنزلة شيء على حرفين ليست فيه زيادة، وأنّها في حروف النصب بمنزلة لم في حروف الجزم، في أنه ليس واحد من الحرفين زائدا. ولو كانت على ما يقول الخليل لما قلت:
أمّا زيدا فلن أضرب؛ لأنّ هذا اسم والفعل صلة، فكأنه قال: أمّا زيدا فلا الضّرب له ".
قال أبو سعيد: قد تقدّم في أوّل الكتاب ذكر المضارعة التي استحقّ بها الفعل الذي في أوّله الزوائد الأربع الإعراب، وهي المشابهة بين هذا الفعل وبين الاسم، وقد ذكرت هناك بما أغنى عن إعادته هنا.
وذكر أهل الكوفة في استحقاق الفعل الإعراب قولين ضعيفين منتقضين لا نظام لهما.
أحدهما: أنّ الأفعال أعربت لما دخلت عليها المعاني المختلفة، ووقعت على الأوقات الطويلة، وهذا فاسد؛ لأنّ
الحروف قد تدخل عليها المعاني المختلفة ولا يوجب ذلك لها إعرابا، كقولنا: ألا فهي تصلح للاستفهام والعرض والتّمني، ولمّا تصلح للزّمان كقولك: لمّا جاء زيد أكرمته، وتكون في نحو معنى لم جازمة، ومن: تصلح للتبعيض، ولابتداء الغاية وغير ذلك مما يطول ذكره.
وأمّا طول الزمان فإنّ الفعل المعرب أقصر زمانا من المبني؛ لأنّ الفعل المعرب ما كان في أوله الزوائد الأربع، وهي تصلح للحال والاستقبال، فأمّا فعل الحال فلا امتداد له؛ لأنه لزمان واحد، والزمان الذي يليه يصيّره ماضيا، والفعل الماضي أطول منه ومن المستقبل؛ لأنّ الفعل الماضي أبدا ماض، ولا يصير مستقبلا، والمستقبل يصير ماضيا، ويبطل عنه الاستقبال، فإذا كان الفعل الأطول زمانا مبنيا كيف يكون طول الزمان سببا لإعرابه؟
والقول الآخر: إنّ الفعل وقع بين الأداة والاسم فأشبه من الأداة أنه لا يلزم المعنى في كلّ الحالات، وأشبه ليت التي تقع للتمني فإذا زال التمني زالت، وكذلك ما يشبه ليت من الأدوات.
قال: وأشبه من الاسم وقوعه على دائم الفعل الذي قدّمنا ذكره، وأعطي بحصّة
стр. 1187
شبه الاسم الرفع والنّصب، ومنع الخفض لتقصيره عن كل منازل الأسماء، وخصّ بالجزم، وترك التنوين منه في حال رفعه ونصبه بحصّة الأداة إذ الأداة حقّها الوقف والسّكون، وأن لا تعرب ولا تنون لعدمها تمكّن الأسماء.
قال أبو سعيد: وهذا قول يبطله أدنى التأمّل له، وذاك أنه ذكر ابتداء الكلام الدلالة على وجوب الإعراب للأفعال، ثم ذكر أنّ الفعل بشبه الاسم يعطى الرفع والنصب، وبشبه الأداة يعطى الجزم، وإنّما يذكر اختصاص مواضع الإعراب واختلافه بعد الدلالة على وجوب جملته، وهذا لم يقم دليلا على وجوب الإعراب جملة فيقيم بعده دليلا على مواضعه، وذكر حال الأداة بما يشاركه فيه الاسم؛ لأنه قال: فأشبه ليت التي تقع للتمني، فإذا زال التمني زالت، وهذه صفة الاسم؛ لأنّ الصّبي يسمّى بهذا الاسم لما فيه من الصّبا، والشّابّ لما فيه من الشباب؛ فإذا زال الصّبا والشباب لم تقل صبي ولا شابّ، والخمر تسمّى بهذا الاسم لما فيها من الشّدّة، فإذا حمضت وصارت خلا لم تسمّ خمرا، وليس في التشاغل به والاستقصاء عليه طائل.
ولم أر أصحابنا علّلوا الحروف الناصبة والجازمة للأفعال لم اختصّت الناصبة منها بالنصب والجازمة منها بالجزم؟ وقد ذكرت شيئا من ذلك في أول الكتاب، وأنا أذكره الآن على ما يصحّ قياسه، وأذكر بعض ما ذكر الناس فيه، وما يحضرني من الحجج على ذلك إن شاء الله تعالى.
وأمّا المرفوع من الأفعال فعلى قول سيبويه وسائر البصريين: يرتفع لوقوعه موقع الاسم لا لمضارعته الاسم، وقد توهّم أبو العباس ثعلب على سيبويه أنه يرفع الفعل لمضارعته الاسم، وتبعه على هذا التوهّم أصحابه، ولم
يفهموا مذهب البصريين، والذي يقوله البصريّون: أنّ المضارعة أوجبت للفعل استحقاق الإعراب الذي فيه الرفع والنصب والجزم، ثم كان للرفع شيء يختصّ بإيجابه، وللنصب شيء يختص بإيجابه، والجزم كذلك، وستقف من كلام سيبويه فيما يأتي على هذا إن شاء الله تعالى.
واحتذى الفرّاء قول البصريين في ذلك فغيّر لفظهم، وقال: يرتفع الفعل بسلامته من النواصب والجوازم، وذلك أنّ النواصب والجوازم ألفاظ وحروف، ووقوعه موقع الاسم ليس بلفظ، فجعل خلوّه من الحروف الناصبة والجازمة هو الرافع.
والفرّاء وأصحابه قد عابوا البصريين برفعهم الاسم بالابتداء الذي هو خلوّ الاسم من العوامل اللفظيّة فدخلوا في مثل ما عابوه.
وقول البصريين في رفع الفعل قول صحيح وترتيب غير مدخول؛ لأنّهم بدءوا
стр. 1188
بالرفع الذي هو أول الإعراب فجعلوا له سببا لا يتعلق بغيره، ولا يخرج الرفع عن ترتيبه.
وقول الفرّاء في ذلك قول مدخول ولفظه غير صحيح؛ وذلك أنّ الرفع أول أحوال الفعل؛ فإذا رفعناه من قبل وجود المنصوب والمجزوم فلا بدّ من حال مقترنة به توجب له الرفع غير منسوبة إلى شيء لم يكن بعد، وإنما يقال: سلم فلان من كذا إذا كان قد دخل فيه ولابسه.
وقال الكسائيّ وأتباعه من الكوفيين: الفعل المستقبل يرتفع بالزوائد الأربع: الألف والنون والتّاء والياء.
قال أبو سعيد: وهذا قول يفسد من وجهين:
أحدهما: أنّ هذه الزوائد موجودة في حال النصب والجزم، والعامل إذا حضر ووقع على المعمول فيه عمل عمله.
والوجه الآخر: أنّ هذه الزوائد من نفس الفعل وتمام معناه، ولا تنفصل منه في لفظ ولا في معنى ينفرد به. فكيف تعمل فيه ولا تنفرد منه ولا تفارقه؟ وليس بمنزلة أن يذهب؛ لأنّ أن منفصلة اللفظ من يذهب، ويذهب منفرد بنفسه ولفظه.
قال أبو سعيد: وأمّا نصب الفعل فالأصل فيه أن، وذاك أنّ أن الناصبة هي وما بعدها بمعنى المصدر، وأنّ المشدّدة المفتوحة الناصبة هي وما بعدها من الاسم والخبر بمنزلة المصدر، كقولك: أريد أن تخرج، ومعناه: أريد خروجك، وبلغني أنّك تخرج، بمعنى: بلغني خروجك، وبعد فهما يشتركان فيما كان من أفعال الظّنّ والخوف، كقولك:
حسبت أنّك لا تقوم، وحسبت أن لا تقوم، ويتعاقبان على الأفعال التي للإيجاب، وغير الإيجاب؛ كان للإيجاب
انفرد به المشدّد كقولك: عرفت أنّك تخرج، وما كان لغير الإيجاب انفرد به المخفّف كقولك: اشتهيت أن تخرج، وأردت أن تخرج، فحمل نصب الفعل بأن على نصب الاسم ب " أنّ " لما ذكرناه.
ولن وكي وإذا محمولة على أن في النصب لمشاركتها لها في الاستقبال؛ والدليل على ذلك أنّ إذا قد تدخل على الحال فيبطل النصب بها، وستقف على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر سيبويه عن الخليل: في لن أنّ أصلها لا أن، وحكى الكوفيّون عن الكسائي مثل قول الخليل.
قال أبو سعيد: والمختار قول غير الخليل، والحجّة فيه سوى ما ذكره سيبويه، أنّا إذا قلنا: لن أضرب زيدا، كان كلاما كاملا تاما لا يحتاج إلى إضمار شيء، وإذا قلنا: لا
стр. 1189
أن أضرب زيدا، لم يتمّ الكلام؛ لأنّ أن وما بعده من الفعل والمفعول بمنزلة اسم واحد، والاسم الواحد إذا وقع بعد لا احتاج معه إلى خبر، فليس لفظ لن وفقا للفظ لا أن، ولا معناها وفقا لمعناها، فما الذي أوجب أنّها هي؟
وجملة الأمر أنه ليس لنا أن ندّعي في (لن) غير ظاهرها إلا ببرهان، وقد رأينا في الحروف الناصبة كي وإذا وليسا بمأخوذين من لفظ أن.
فإن قال قائل: إذا زعمتم أنّ لن وكي وإذا حملن. على أن في نصبهنّ؛ لاشتراكهنّ في الاستقبال، فما القول في حروف الجزم؟ فهلا نصبتم فعل الأمر والنّهي والمجازاة وهنّ مستقبلات؟
قيل له: أمّا لام الأمر فإنّ ما بعدها جزم؛ لأنه بمعنى الأمر المبني على السّكون؛ لمضارعته له ودخوله في معناه حمل على إعراب لفظه كلفظ البناء.
وأمّا النهي فإنه جزم؛ لأنه نقيض للأمر، والأمر مبني، كما جزم الفعل بلم؛ لأنّه نقيض الماضي والماضي مبني.
وأمّا المجازاة فجزمت لأنها شرط وجواب فطالت، فاختاروا لها أخفّ الإعراب وهو الجزم لطولها.
وقال الكوفيّون: لام الأمر خصّت بالجزم فرقا بينها وبين لام كي في قولهم: أقصدك لأكرمك، يعني به لكي أكرمك، وكانت لام الأمر أولى بأن تجزم المستقبل لأنّها على المستقبل أغلب، وتمكّنها فيه أوضح من تمكّن لام كي؛ من أجل أنّ لام الأمر تبتدأ مع المستقبل وتنفرد به حين قال: ليفعل وليصنع، ولام كي لا تنفرد حتى يتقدّمها ما يحدثها، وتجري مجرى الصلة له نحو: أزورك كي أكرمك.
قال أبو سعيد: وهذا تطويل لا يحتاج إليه؛ لأنه يحتاج أولا إلى إقامة الحجّة بأنّ الاستقبال موجب للنصب، ولا سبيل له إلى ذلك، وإنما هي دعوى لا حجة عليها.
وأمّا قوله: ويلمّه، ويومئذ فقد ذكرا في مواضعهما بما أغنى عن ذكره، والله أعلم.
هذا باب الحروف التي تضمر فيها أن
قال سيبويه: " وذلك اللام، في قولك: جئتك لتفعل. وحتى، وذلك قولك: تكلّم حتى أجيبك، فإنّما انتصب هذا بأن، وأن هاهنا مضمرة؛ ولو لم تضمرها لكان الكلام محالا؛ لأنّ اللام وحتى إنّما يعملان في الأسماء فيجرّان، وليسا من الحروف التي تضاف إلى الأفعال، فإذا أضمرت أن حسن الكلام؛ لأنّ أن وتفعل بمنزلة اسم
стр. 1190
واحد، كما أنّ الذي وصلته بمنزلة اسم واحد؛ فإذا قلت: هو الذي فعل، فكأنك قلت: هو الفاعل، وإذا قلت: أخشى أن تفعل، فكأنك قلت: أخشى فعلك. أفلا ترى أنّ أن تفعل بمنزلة الفعل، فلمّا أضمرت أن كنت قد وضعت هذين الحرفين مواضعهما؛ لأنهما لا يعملان إلا في الأسماء ولا يضافان إلا إليها، وأن تفعل بمنزلة الفعل.
وبعض العرب يجعل كي بمنزلة حتّى، وذلك أنهم يقولون: كيمه؟ في الاستفهام، فيعملونها في الأسماء كما قالوا: حتّامه؟ وحتّى متي؟ ولمه؟
فمن قال: كيمه فإنّه يضمر أن بعدها، وأمّا من أدخل عليها اللام ولم يكن من كلامه كيمه فلأنّها عنده بمنزلة أن، ويدخل عليها اللام كما يدخل على أن. ومن قال: كيمه جعلها بمنزلة اللام.
واعلم أنّ أن لا تظهر بعد حتى وكي، كما لا يظهر الفعل بعد أمّا في قولك: أمّا أنت منطلقا، وقد ذكر حالها فيما مضى. واكتفوا عن إظهار أن بعدهما بعلم المخاطب أنّ هذين الحرفين لا يضافان إلى فعل، وأنّهما ليسا ممّا يعمل في الفعل، وأن الفعل لا يحسن بعدهما إلا أن يحمل على (أن)، ف (أن) هاهنا بمنزلة الفعل في أمّا، وما كان بمنزلة أمّا ممّا لا يظهر بعده الفعل، فصار عندهم بدلا من اللفظ ب (أن).
وأمّا اللام في قولك: جئتك لتفعل فبمنزلة إن في قولك: إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ؛ وإن شئت أظهرت الفعل هنا، وإن شئت خزلته وأضمرته، وكذلك أن بعد اللام إن شئت أظهرته وإن شئت أضمرته.
واعلم أنّ اللام قد تجيء في موضع لا يجوز فيها الإظهار، وذلك: ما كان ليفعل، فصارت أن هاهنا بمنزلة الفعل في قولك: إيّاك وزيدا، وكأنك إذا مثّلت قلت: ما كان زيد لأن يفعل، أي ما كان زيد لهذا الفعل. فهذا بمنزلته، ودخل فيه معنى نفي كان سيفعل، فإذا قال هذا قلت: ما كان ليفعل، كما كان لن يفعل نفيا لسيفعل، وصارت بدلا من اللفظ بأن كما كانت ألف الاستفهام بدلا من واو القسم في قولك: الله لتفعلنّ، فلم يذكروا إلا أحد الحرفين إذ كان نفيا لما معه حرف لم يعمل فيه شيئا فكأنه قد ذكر أن. كما أنه إذا قال: سقيا له، فكأنه قال: سقاه الله ".
قال أبو سعيد: قال الكوفيّون في جئت لأكرمك: اللام هي الناصبة لأكرمك، وهي بمنزلة أن، وليست هي لام
الخفض التي تعمل في الأسماء، ولكنّها لام تفيد الشّرط
стр. 1191
وتشتمل على معنى كي، فإذا أتت كي مع اللام فالنصب للام، وكي مؤكّدة لها، وإذا انفردت كي فالعمل لها، وإن جاءت أن مظهرة بعد كي فهو جائز عند الكوفيين، وصحيح عندهم أن يقال: جئت لكي أن أكرمك، ولا موضع ل " أن " لأنّها تؤكد اللام كما أكّدتها كي، واحتجّوا بقول الشاعر:
أردت لكي ما أن تطير بقربتي ... فتتركها شنّا ببيداء بلقع (١)
وأجازوا ظهورها بعد حتى كظهورها بعد كي، والنصب عندهم ب (حتى) كالنصب بأن وكي ولا ضمير بعدها.
وقالوا: إن قيل لأسيرنّ حتى أن أصبح بالقادسيّة؛ فهو جائز، والنصب ب (حتّى)، وأن توكيد ل " حتى " كما كانت توكيدا لكي.
وقال أحمد بن يحيى ثعلب قولا خالف فيه أصحابه ولم يوافق البصريين، قال: في جئت لأكرمك، وسرت حتى أصبح بالقادسية، وقصدتك كي أكرمك. إنّ المستقبل منصوب بكي ولام كي وحتّى لقيامهنّ مقام أن.
ومما احتجّ به الكوفيون أنّهم قالوا: لو كانت اللام الداخلة على الفعل هي اللام الخافضة لجاز أن تقول: أمرت بتكرم، على معنى أمرت بأن تكرم؛ فالجواب عن هذا أنّ حروف الجرّ لا تتساوى في ذلك، واللام تدخل على المصادر التي هي أعراض الفاعلين في أفعالهم، وهي شاملة يحسن أن تسأل عن كل فعل، فيقال: لم فعلت؛ لأن لكلّ فاعل غرضا في فعله، وباللام يخبر عنه ويسأل عنه، وحتّى وكي في ذلك المعنى. ألا ترى أنك تقول: مدحت الأمير ليعطيني، وكي يعطيني، وحتى يعطيني، ومعناها كلّها واحد، وقد يخفّف ما يكثر في كلامهم ويحذف منه أكثر الخبر، وممّا يحذف ما لم يكثر، وهم يحتجّون في الحذف والتّخفيف بالكثرة، كحذف لام الأمر وتاء المخاطب في أمر المواجه عندهم نحو: قم واذهب، والأصل لتقم ولتذهب، وأيش عندك، والأصل أي شيء عندك، ولم يكثر غير اللام في ذلك فيخفّف، وعلى أنّ هشام بن معاوية حكى عن الكسائي عن العرب: لا بدّ من يتبعها، بمعنى لا بدّ من أن يتبعها.
وأما ما ذكره الشاعر من ظهور أن بعد كي فضرورة يجوز أن يكون الشاعر ذهب بها مذهب بدل أن من كيما؛ لأنّهما بمعنى واحد، كما يبدل الفعل من الفعل إذا كان في معناه، وعلى أنّ البيت غير معروف ولا معروف قائله.
стр. 1192
وزعم الكوفيون أنّ (مه) في (كيمه) و (حتّامه) ليست مخفوضة ولكنها منصوبة على مذهب المصدر، كقول القائل: أقوم كي تقوم، سمعه المخاطب ولم يفهم يقوم فقال:
كيمه، يريد كي ماذا، والتقدير: كي يفعل ماذا، فموضع مه نصب على جهة المصدر والتشبيه به، وليس لكي في مه عمل جرّ.
قال أبو سعيد: والصحيح ما قاله سيبويه؛ لأنّ سقوط الألف من ما في الاستفهام إنما يكون إذا كانت ما في موضع خفض واتصل بها الخافض، وإذا كانت ما استفهاما وقعت صدر الكلام ولم تسقط منها الألف كقولك: وما تصنع، ولا يجوز وم تصنع؟ ولو كان على ما قاله الكوفيون لجاز أن تقول أن مه، ولن مه، وإذن مه، إذا لم يفهم المستفهم ما بعد هذه الحروف من الفعل؛ لأنه إنما يسأله عن مصدر، والمصدر في الأفعال بعد أن وإذن ولن، وبعد كي وحتّى واحد، ولام الجحد عند سيبويه بمنزلة لام كي في إضمار أن بعدها، وبينهما فصل في إظهار أن بعدهما، فاستحسن ظهورها بعد لام كي ولم يجز ظهورها بعد لام الجحد؛ وإنما قبح ظهورها بعد لام الحجد لأنها نقيض فعل ليس تقديره تقدير اسم، ولا لفظه لفظ اسم، وهو السين وسوف، فإذا قلنا: ما كان زيد ليخرج فهو قبل الحجد: كان زيد سوف يخرج، أو سيخرج، فإذا قلنا ما كان زيد لأن يخرج بإظهار أن فكأنّا جعلنا مقابل سوف يخرج وسيخرج اسما، فكرهوا إظهار أن لذلك.
ووجه آخر: وهو أنّ تقديره عندهم: ما كان زيد مقدّرا الآن يخرج، أو مستعدّا، أو هامّا، أو عازما، أو نحو ذلك من التقديرات التي توجب المستقبل من الفعل، وأن توجب الاستقبال، فاستغني بما تضمّن الكلام من تقدير الاستقبال من ذكر أن، وأمثّل هذا بما يكشفه؛ يقول القائل: عبد الله عمّي، فيقال له: ما كان عبد الله عمّك، ويقول القائل:
عبد الله يصوم ويصلّي، فيقال: ما كان عبد الله يصوم ويصلّي، بغير لام، ويقول القائل:
عبد الله يهمّ أن يقوم، ويريد أن يقوم، فيقال له: ما كان عبد الله ليقوم، ومنه قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: ٣٣]. وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ [التوبة: ١١٥]. كأنّ قائلا قال: هل الله يريد أن يعذّبهم؟ وهل الله يريد أن يضلّ قوما بعد إذ هداهم؟ فجعلت اللام علما لهذا المعنى.
وقد فرّع أصحابنا على هذا مسائل؛ يقال: لم تركت زيدا وكان سيعطيك، ولو لم تلزمه كان أن يسعفك، ونحوه: كان عبد الله على أن يأتيك، وكان يقدّر أن يكرمك مكان لن يكرمك، كلّ هذا جيد بالغ مقيس، وبنيت هذه المسائل على تقدير ما كان
стр. 1193
يقال لزيد ويخبر به عنه في تلك الحال.
وقال الكوفيون: لام الجحد هي العاملة بنفسها، وأجازوا تقديم المفعول كقولك:
ما كنت زيدا لأضرب، وأنشدوا:
لقد عذلتني أمّ ولم أكن ... مقالتها ما كنت حيّا لأسمعا (١)
وهذا يحمل على إضمار فعل كأنه قال: ولم أكن لأسمع مقالتها، وبيّن ما أضمر بقوله لأسمعا، كما قال:
وإنّى امرؤ من عصبة خندفيّة ... أبت للأعادي أن تديخ رقابها (٢)
فاللام في الأعادي لا تكون في صلة تديخ، فيقدّر فعل قبله تقديره: أبت أن تديخ رقابها للأعادي. وباقي الباب مفهوم، أو ممّا ذكر تفسيره في غير هذا الباب.
هذا باب ما يعمل في الأفعال فيجزمها
قال سيبويه: " وذلك لم، ولمّا، واللام التي في الأمر، وذلك قولك: ليفعل، ولا التي للنّهي، وذلك قولك: لا تفعل؛ وإنما هو بمنزلة لم.
واعلم أنّ اللام ولا في الدعاء بمنزلتهما في الأمر والنهي، وذلك قولك: لا يقطع الله يمينك، وليجزك الله خيرا.
واعلم أنّ هذه اللام قد يجوز حذفها في الشعر وتعمل مضمرة، كأنهم شبّهوها بأن إذا عملت مضمرة. قال الشاعر:
محمد تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من أمر تبالا
وإنما يريد: لتفد نفسك، وقال متمّم بن نويرة:
على مثل أصحاب البعوضة فاخمشى ... لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى (٣)
أراد: ليبك.
واعلم أنّ حروف الجزم لا تجزم إلا الأفعال، ولا يكون الجزم إلا في هذه الأفعال المضارعة للأسماء، كما أنّ الجرّ لا يكون إلا في الأسماء.
فالجزم في الأفعال نظير الجرّ في الأسماء، فليس للأسماء في الجزم نصيب، وليس للفعل في الجرّ نصيب، فمن ثمّ لم يضمروا الجازم. وقد أضمره الشاعر، شبّهه
стр. 1194
بإضمارهم ربّ وواو القسم في كلام بعضهم.
وفي نسخة أبي بكر مبرمان وأبي محمد بن درستويه: (وأمّا يرحمك الله فإنّه رفع وإن كان دعاء، كما قالوا: غفر الله لك فجاءوا به على لفظ الخبر، وإنّما يريدون به الدعاء ".
قال أبو سعيد: أمّا حذف اللام من لتفد نفسك فإنّ أبا العباس المبرّد ينكر البيت ويزعم أنه باطل، وأجاز البيت الثاني، وعطف (أو يبك من بكى) على معنى فاخمشي، وقدّره مجزوما باللام، فكأنّه قال: فلتخمشي أو يبك من بكى، ومثله قول الآخر، الحطيئة:
فقلت ادعى وأدع فإنّ أندى ... لصوت أن ينادي داعيان (١)
كأنه قال: فقلت لتدعي وأدع، وقد روي: وأدعو إنّ أندى على الجواب بالواو، وليس فيه شاهد.
وقد ذكر أبو بكر مبرمان عن أبي علي عسل بن ذكوان عن أبي عثمان المازني أنّ الشاعر يجوز أن يكون أراد تفدي نفسك على الخبر، ولكنّه حذف الياء كما حذفوا من:
دوامي الأيد، يريدون الأيدي.
قال أبو سعيد: وأجود من هذا الاستشهاد خطّ المصحف، وقراءة من قرأ: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا [الكهف: ٦٤].
ولمّا معناها معنى لم، وجزمها كجزمها، وهي تزيد على لم بتطويل زمان، كما يقول القائل: ندم زيد ولم تنفعه الندامة، أي: وما نفعته الندامة عقيب ندمه وإذا قال:
ولمّا تنفهه النّدامة، أي إلى وقته، وقوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١٤] دلّت لمّا على طول وقت الإتيان، ومنه قول الشاعر:
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولمّا أمزّق (٢)
وما بين لم ولمّا كما بين فعل وقد فعل؛ فلم نفي فعل كقولك: جاء زيد، فيقول الرّادّ: لم يجيء زيد، ويقول القائل: جاء زيد وقد اغتمّ، فيقول: جاء زيد ولمّا يغتمّ، وهما في
стр. 1195
موضع الحال من زيد، ولو قال: جاء زيد ولم يغتمّ لم يحسن كحسن ولمّا يغتمّ. ومن أجل طول زمان قد ولمّا جاز
حذف الفعل منهما كقولك: ندم فلان وقد نفعته الندامة، وندم غيره ولمّا تنفعه النّدامة، وتقول في قد: أزف الشّخوص وكأن قد، قال النابغة:
أزف الترحّل غير أنّ ركابنا ... لمّا تزل برحالها وكأن قد (١)
أي: كأن قد زالت.
وقوله: يرحمك الله وغفر الله لك، على لفظ الخبر ومعنى الدعاء؛ كما أنّ قولنا:
أكرم بزيد على لفظ الأمر ومعنى الخبر. وإنما جاز لفظ الخبر في الدعاء؛ لأنه يعلم أنّ القائل لهذا لا يعلم ما فعله الله بمن يدعو له من الرحمة وغيرها فيخبر به، فيعلم أنّ لفظ الإخبار منه على معنى الدعاء، ولا يجوز: قام زيد في معنى: ليقم زيد؛ لأنّ القائل لهذا يجوز أن يعلمه فيخبر به.
هذا باب وجه دخول الرّفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء
قال سيبويه: " اعلم أنّها إذا كانت في موضع اسم مبتدإ أو اسم مبني على مبتدإ أو في موضع اسم مرفوع غير مبتدإ ولا مبني على مبتدإ، أو في موضع اسم مجرور أو منصوب، فإنّها مرتفعة، وكينونتها في هذه المواضع ألزمتها الرفع، وهي سبب دخول الرّفع فيها وعلّته.
فما عمل في الأسماء لم يعمل في هذه الأفعال على حدّ عمله في الأسماء، كما أنّ ما يعمل في الأفعال فيجزمها أو ينصبها لا يعمل في الأسماء. وكينونتها في مواضع الأسماء ترفعها كما ترفع الاسم كينونته مبتدإ.
فأمّا ما كان في موضع المبتدإ، فقولك: يقول زيد ذاك، وأمّا ما كان في موضع المبني على المبتدإ، فقولك: زيد يقول ذاك.
وأمّا ما كان في موضع غير المبتدإ ولا المبني عليه فقولك: مررت برجل يقول ذاك، وهذا يوم آتيك، وهذا زيد يقول ذاك، وهذا رجل يقول ذاك، وحسبته ينطلق. وهكذا هذا وما أشبهه.
ومن ذلك أيضا: هلا يقول زيد ذاك، فيقول في موضع ابتداء، وهلا لا تعمل في