← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17726

شرح كتاب سيبويه للسيرافي

السيرافي، أبو سعيد

Полный текст (2 488 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وتقول: لا تأكل السمك وتشرب اللبن وتأكل التمر، لأن (الواو) هي الناصبة؛ كما تقول: أريد أن تأكل السمك وأن تشرب اللبن وأن تدخل الحمام. ومما يشاكل ذلك أن (واو) القسم لما كانت هي الخافضة مكان (الباء)، جاز أن تدخل عليها حروف العطف فتقول: والله وو الرحمن وو الله ثم والله لأخرجن. و (الواو) التي تقع موقع (رب) وتغني عنها هي (واو) عطف، ولا يجوز دخول حرف عطف عليها، فإذا قلت: وبلد أقمت فيه، لم تقل: وو بلد أقمت فيه، وو رجل عاشرته، ولا ثم ورجل صادقته. واعلم أن (الفاء) - في الأصل- في جميع أماكنها عاطفة. وقد يتناول العامل الشيئين بإعراب واحد ولفظ واحد على وجهين مختلفين كقولك: لو ترك زيد وعمرو لضربه وكذلك لو ترك زيد والثريد لأكله، ولو ترك أخواك لظلم أحدهما الآخر؛ فلفظ الترك قد وقع عليهما، وهما مختلفان، لأن أحدهما ممنوع منه، ومعنى الترك لهما مختلف لا يظهر في اللفظ، وقد عرف معناه. والعطف ب (الفاء) على وجهين: أحدهما عطف ظاهر، والآخر عطف متأول. فالعطف الظاهر أن تعطف ما بعدها على ما قبلها، فتدخله في إعرابه، وظاهر معناه، ويكون حكمها حكم (ثم) في الإعراب والمعنى، كقولك: زيد يأتيك فيحدثك وأريد أن تأتيني فتحدثني وإن يأتك زيد فيحدثك تحسن إليه. ويجوز مكان ذلك (ثم) والمعنى واحد كقولنا: زيد يأتيك ثم يحدثك، وأريد أن تأتيني ثم تحدثني، وإن يأتك زيد ثم يحدثك تحسن إليه. والمنصوب بعد (الفاء) في هذا الوجه ليس بإضمار (أن)، بل بالناصب الذي نصب ما قبل (الفاء) وعطف عليه، كقولك: إذا آتيك فأسرك، وجئتك لكي أكلمك فأنفعك. وأما العطف المتأوّل فهو أن يكون ما قبل (الفاء) غير موجب، ويكون معلقا بما بعد (الفاء) شرطا على وجوه مختلفة أحوجت إلى التغيير وإضمار (أن) ليدل على تلك الوجوه؛ فمن ذلك: لا تأتيني فتحدثني. في (تحدثني) النصب من وجهين، والرفع من وجهين؛ فأما أحد وجهي النصب فأن يكون الإتيان منفيا نفيا. مطلقا، والحديث ممتنع من أجل عدم الإتيان؛ ولو وجد الإتيان لوجد الحديث.

стр. 1227

والوجه الآخر معناه: ما تأتيني أبدا إلا لم تحدثني، أي منك إتيان كثير ولا حديث منك؛ فالإتيان المنفي هو الإتيان الذي معه الحديث؛ فهذان الوجهان المقصودان في النصب هما منعا عطف (تحدثني) على (تأتيني) في الرفع لأنه إذا قال: لا تأتيني فتحدثني بالرفع، فليس أحدهما شرطا في الآخر؛ ويكون أحد وجهي الرفع أن تعطف (تحدثني) على (تأتيني)، وتكون (لا) مشتملة عليهما جميعا في النفي، فكأنه قال: لا تأتيني ولا تحدثني؛ فهذا عطف فعل على فعل، والنفي قد شملهما. والوجه الآخر أن يكون الإتيان منفيا والحديث موجبا، ويكون عطف جملة على جملة، كأنه قال: لا تأتيني ثم أنت تحدثني الآن، وليس تعلق أحدهما بالآخر، ولا هو شرط فيه؛ فلما لم يكن عطفه على ظاهر لفظه لئلا يبطل المعنى المقصود، ردوه في التقدير إلى ما لا يبطل معناه فجعلوا الأول في تقدير مصدر وإن لم يكن لفظه لفظ المصدر الظاهر؛ وجعلوا الثاني مقدرا بمصدر ليس بظاهر؛ فلذلك قدرت (إن) فعملت ولم تظهر، وكان التغيير والتقدير والعدول عن الظاهر دلالة على المعنى المقصود؛ ولو أظهرت (أن) لكان المصدر قد ظهر، ولم يظهر في المعطوف عليه. وجعل التغيير لهما كالمشاكلة بينهما، واكتفى بذلك. يقوي هذا ما ذكره سيبويه من تقدير ما لا يتكلم به من قولك: أنا في القوم ليس زيدا، والتقدير: ليس بعضهم زيدا، ولا يتكلم بهذا؛ وقوله: ولا نائب على تقدير: ليسوا بمصلحين، لم يتكلم بذلك. ويقويه أيضا قولهم في الأسماء: إياك والأسد، ولا يظهر الفعل الذي ينصب (إياك والأسد)؛ وهذا التقدير في إضمار (أن) في جميع ما ينصب بجواب (الفاء) واحد، وإن كانت المعاني مختلفة، واختلافها أن جواب النفي على وجهين مختلفين، والنصب فيهما بإضمار (أن)، وتقدير مصدر للأول يعطف عليه مصدر للثاني. وجواب الاستفهام والأمر والنهي والتمني على غير المعنى في وجهي النصب في جواب الجحد، لأن قولك: لا تأتيني فأحدثك على معنى: ما تأتيني فكيف تحدثني، أو على معنى: ما لم تأتيني إلا لم تحدثني؛ وهذان المعنيان ليسا في جواب الاستفهام إذا قلت: هل عندك طعام فآكله، ولا في الجواب الأمر إذا قلت: ائتني فأكرمك؛ واتفاق العامل في ذلك مع اختلاف المعاني كقولك: يعلم الله، ويذهب زيد، لأن قولنا: (يعلم الله) ليس بفعل لله لأن الله- لم يزل عالما، (يذهب زيد) فعل له، فالمعنيان مختلفان، والرفع بهما واحد.

стр. 1228

وأما قوله: ما أتيتنا فتحدثنا، وجها النصب في (تحدثنا) جيدان، وإن كان الفعل الأول ماضيا والجواب مستقبلا. وأما الرفع فأحد وجهيه جيد، والآخر ضعيف، وقد أجازه سيبويه على ضعفه. فأما الوجه الجيد فعلى قولك: ما أتيتنا فحدثتنا، فتنفي الإتيان والحديث؛ والجيد في ذلك وحد الكلام أن تعطف الماضي على الماضي. وأما الوجه الضعيف فعلى قولك: ما أتيتنا فأنت تحدثنا الساعة ولكن الذي رفعه جملة على أن (ما) إذا وقع بعدها فعل يعرب، لم يكن إلا مرفوعا، فصار موضع الماضي موضع رفع، فلذلك رفع المستقبل الذي بعده وهو في موضع (حدثتنا) ومعناه معنى: ما كنت تأتينا فتحدثنا، والإتيان والحديث منفيان فيما مضى. وقوله: ما تأتينا فتكلم إلا بالجميل. ولا تأتينا فتحدثنا إلا ازددنا فيك رغبة، وكل ما كان من هذا النحو مما فيه حرف الاستثناء إذا نصبت فهو على وجه واحد من وجهي النصب بعد الجحد، كأنك قلت: ما تأتينا متكلما إلا بالجميل، ولا تأتينا محدثا إلا ازددنا فيك رغبة. وأما قوله: لا يسعني شيء فيعجز عنك، فليس إلا وجه واحد، كأنك قلت: لا يسعني شيء إلا لم يعجز عنك، ولا يسعني شيء عاجزا عنك؛ ولو حملته على الوجه الآخر من النصب فسد الكلام، ولأن تقديره: لا يسعني شيء فكيف يعجز عنك ذلك الشيء، ومن المحال أن كل ما لا يسعه لا يعجز عن المخاطب؛ والرفع في الوجهين أيضا فاسد؛ لأنه يؤول معناه إلى أنه لا يسعه شيء. وأما: ما أنت منا فتحدثنا، فلا يكون في ((فتحدثنا)) الرفع بالعطف على الأول. لأنه اسم تعطف الفعل عليه، ولكن على الاستئناف، وتقديره: فنحن نحدثك، كما قدّر في البيت (نحن): فنرجّى ونكثر التأميلا (١) وقوله: تأتينا فتحدثنا، على تقدير: ألم تأتينا محدثا؛ وكذلك كل موضع يدخل فيه حرف الاستفهام على حرف الجحد كان تقديره: على ما تأتينا محدثا، ويجوز فيه، وفيما جرى مجراه العطف على اللفظ على مذهب ثم كقولك: لا تمددها فتشققها، وألم تأتنا فتحدثنا.

стр. 1229

ألم تسأل فتخبرك الرّسوم (١) وأما قوله: إلى سليمان فنستريحا (٢) فالنصب في نستريح لا غير، ولا يجوز الجزم بالعطف على (سيري)، لأن (سيري) ليس بمجزوم لأنه فعل أمر وهو مبني ولا عامل فيه، وقد ذكر ذلك، وإن جزم فعلى مثل قوله: ... فاخمشي ... لك الويل أو يبكي من بكى (٣) محمول على المعنى. وقوله: ألست قد أتيتنا فتحدثنا، إذا جعلته جوابا، ولم تجعل الحديث وقع إلا بالإتيان كان معناه قبل دخول الاستفهام: ما أتيتنا فتحدثنا، فتنصبه بجواب الجحد، ثم تدخل ألف الاستفهام على المنصوب ولا يتغير فإن رفعته فعلى معنى: فحدثتنا، وهو مثل قولك: سرت فأدخلها، على معنى: فإذا أنا داخل؛ ومثله قوله: حسبته شتمني فأثب عليه، إذا كان الوثوب واقعا، لأن تقديره: فإذا أنا واثب عليه كقولك: سرت فأدخلها، إذا كان الدخول واقعا؛ وإذا لم يقع الوثوب فهو بمعنى: لو شتمني لو ثبت عليه، وهو بمنزلة: ما أتيتنا فتحدثنا، إذا لم يكن الحديث واقعا، فالنصب هو المختار. وقال أبو عمرو: حسبته شتمني فأثب عليه، أي كان منه شتمي فيكون مني الوثوب عليه؛ فلما جاء الثاني على غير مجيء الأول، لأن الأول ماض والثاني غير ماض نصبته، لأنه أشبه النفي وجوابه؛ وإن كنت قد وثبت رفعت؛ لأن معناه: حسبته كان منه شتمي فكان مني وثوب، فيجيء الثاني في معنى الأول؛ وأما: تقضّى لبانات ويسأم سائم (٤) فالذي رواه الخليل في البيت الرفع، ولم يعرف غيره. وفي (كان) ضمير الأمر والشأن كما تقول: كان يقوم زيد، وكان يتكلم العمران، ونحوه.

стр. 1230

قال غيره: تقضّي لبانات ويسأم سائم يجعل (تقضّي) مصدرا، وهو اسم (كان) وليس في (كان) ضمير، ويسأم معناه: وأن يسأم، وهو عطف على (تقضّي) وتقديره: وأن تتقضّى لبانات وأن يسأم سائم. وإنما قبح إضمار (أن) بعد (الفاء) في الواجب، لأن الذي أحوجنا إلى إضمارها وتقدير الكلام على غير ظاهره، وحمله على غير لفظه، الدلالة على المخالفة بين الأول والثاني على ما بيناه. وإذا كان ذلك في الواجب، لم يقع خلاف بين الأول والثاني يحوجنا إلى ذلك التقدير؟ وذلك قوله: إنه عندنا فيحدثنا، وسوف آته فأحدثه، الأول والثاني واجبان على كل حال. أما قوله: سوف آته فأحدثه، فهما فعلان، قد عطف أحدهما على الآخر، وهما بمعنى واحد. وأما إنه عندنا فيحدثنا، فالثاني منقطع من الأول، وهو موجب مثله، إلا أنه عطف جملة على جملة، ومثله في الانقطاع من الأول قول الله- ﵎: فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ (١)، استأنف (يتعلمون) وأخبر به، وليس بعطف على ما قبله، كأنه قيل لهم: لا تتعلموا فيأبون فيتعلمون على جهة المخالفة، ومثله قول الله- : فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٢). قوله (فيكون) ليس بجواب لكن لأن الكلام الأول وجوابه جميعا من كلام واحد غير منقطع أحدهما من الآخر، ولم يرد الله- أنه يقول للشيء كن فيكون، وكن فيكون منصوب لأن للشيء، والذي قيل للشيء (كن) فحسب، ثم خبّر عنه أنه يكون، فصار (يكون) كلاما منفردا مستأنفا، ودخلت عليه (الفاء) لأنه عطف جملة على جملة. وأما من قرأ (فيكون) بالنصب، فإنما يعطفه على المنصوب الذي قبله إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: ٤٠] معطوف على (نقول). وأما قراءة عبد الله بن عامر اليحصبي: إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٤٧] فضعيفة؛ لأنه لا منصوب قبله فيعطف عليه، وإنما ينصب مثله في ضرورة الشعر؛ لأنه موجب، وما قبله موجب، وهو مثل:

стр. 1231

وألحق بالحجاز فأستريحا (١) ومثل: يأوي إليها المستجير فيعصما (٢) ومثل: ولكن سيجزيني الإله فيعقبا (٣) ويروى: ليعصما، وليعقبا؛ ولو روي جميع ذلك باللام لكان مستقيما غير خارج من المعنى، ولا داخل في الضرورة، وألحق بالحجاز لأستريحا؛ ومثل (كن فيكون) قول الله- : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً (٤). وقول الشاعر: فينبت حوذانا ... (٥) لأن المرفوع في ذلك ليس بداخل في الكلام الذي قبله، ولا متصل به، وإنما هو بمنزلة (فيكون) بعد (كن)، وسائر في الباب قد أغنى عنه ما ذكرناه، وقد بان بكلام سيبويه. هذا باب الواو اعلم أن (الواو) ينتصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انتصب ما بعد (الفاء)، وأنها قد تشرك بين الأول والآخر كما تشرك (الفاء)، وأنها لا يستقبح فيها أن تشرك بين الأول والآخر كما استقبح ذلك في (الفاء)، وأنها يجيء ما بعدها مرتفعا منقطعا من الأول كما جاء ذلك في (الفاء). واعلم أن (الواو) وإن جرت هذا المجرى، فإن معناها ومعنى (الفاء) مختلفان، ألا ترى الأخطل قال: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم (٦)

стр. 1232

فلو دخلت (الفاء) هاهنا لأفسدت المعنى، وإنما أراد لا يجتمعن النهي والإتيان، فصار (تأتي) على إضمار (أن). ومما يدلك أيضا على أن (الفاء) ليست كالواو فذلك قولك: مررت بزيد وعمرو، ومررت بزيد فعمرو، تريد أن يعلم بالفاء أنه بعد الأول، وليس (الواو) كذلك. وتقول: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فلو أدخلت (الفاء) هاهنا فسد المعنى، وإن شئت جزمت في النهي في غير هذا الموضع. قال جرير: فلا تشتم المولى وتبلغ أذانه ... فإنّك إن تفعل تسفّه وتجهل (١) ومنعك أن تجزم الأول لأنه إنما أراد أن يقول له: لا تجمع بين اللبن والسمك، ولا ينهاه أن يأكل السمك على حدة، ويشرب اللبن على حدة؛ فإذا جزم فكأنه نهاه أن يأكل السمك على كل حال أو يشرب اللبن على كل حال. ومثل النصب في هذا الباب قول الحطيئة: ألم أك جاركم ويكون بيني ... وبينكم الموّدة والإخاء (٢) كأنه قال: لم أك هكذا ويكون بيني وبينكم. وقال دريد بن الصّمة: قتلت بعبد الله خير لداته ... ذؤابا فلم أفخر بذاك وأجزعا (٣) وتقول: لا يسعني شيء ويعجز عنك، فانتصاب الفعل هاهنا من الوجه الذي انتصب به في (الفاء)، إلا أن (الواو) لا يكون موضعها في الكلام موضع (الفاء). وتقول: ائتني وآتيك، إذا أردت ليكن إتيان منك وأن آتيك، تعني إتيان منك وإتيان مني، وإن أردت الأمر أدخلت (اللام)، كما فعلت ذلك في (الفاء) حيث قلت ائتني فلأحدثك. فتقول: ولآتك. ومن النصب في هذا الباب قول الله- ﵎: وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (٤)، وقد قرأ بعضهم: ((ويعلم الصابرين)). وقال الله- جل ثناؤه-: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ

стр. 1233

تَعْلَمُونَ (١). وإن شئت جعلت (وتكتموا) على النهي، وإن شئت جعلته على (الواو). وقرئ: يا ليتنا ترد ولا تكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (٢) فالرفع على وجهين: فأحدهما أن يشرك الآخر الأوّل، والآخر على قولك: دعني ولا أعود، أي فإني ممن لا يعود، وإنما يسأل الترك وقد أوجب على نفسه أن لا عودة له البتة، ترك أو لم يترك ولم يرد أن يسأل أن يجتمع له الترك وأن لا يعود. وأما عبد الله بن أبي إسحاق فكان ينصب هذه الآية. وتقول: زرني وأزورك، أي أنا ممن قد أوجب زيارتك على نفسه. ولم ترد أن تقول: لتجتمع منك من الزيارة وأن أزورك، تعني: لتجتمع منك الزيارة فزيارة منّي، ولكنه أراد أن يقول: زيارتك واجبة على كل حال، فلتكن منك زيارة. قال الأعشى: فقلت ادعي وادعو إنّ أندى ... لصوت أن ينادى داعيان (٣) ومن النصب أيضا قوله: للبس عباءة وتقرّ عيني ... أحبّ إليّ من لبس الشفوف (٤) لما لم يستقم له أن يحمل (وتقرّ عيني)، وهو فعل على (لبس) وهو اسم، لما ضممته إلى الاسم، وجعلت (أحبّ) لهما ولم ترد قطعة، لم يكن بد " من إضمار (أن). وسترى مثله مبينا. وسمعنا من ينشد هذا البيت من العرب، وهو لكعب الغنوي: وما أنا للشيّء الذي ليس نافعي ... ويغضب منه صاحبي يقؤول (٥) والرفع أيضا جائز حسن، كما قال قيس بن زهير بن جذيمة: فلا يدعني قومي صريحا لحرّة ... لئن كنت مقتولا ويسلم عامر (٦) و (يغضب) معطوف على الشيء، ويجوز رفعه على أن يكون داخلا في

стр. 1234

صلة (الذي). قال أبو سعيد: الناصب بعد (الواو) أن، كما أن الناصب بعد (الفاء) أن، ومعناهما مختلف، كما أن معاني ما بعد الفاء مختلفة، وإن كان الناصب فيها كلها واحدا، ومعنى (الواو) في كل أحوال نصبها: الجمع؛ فإذا قلت: لا تنه عن خلق وتأتي مثله فمعناه: لا تجمع بين نهيك عن الشيء، وبين إتيانك إياه، وتقديره: لا يجتمع نهيك عنه وإتيانك إياه، كأنه قال: لا يكن نهي، عنه وإتيان إياه، وأن تأتيه، وحذف أن في (الواو) كحذفها في (الفاء)؛ ولو حملت (تأتي) على (تنه) فقلت: لا تنه عن خلق وتأت مثله- مجزوما- لاستحال، لأنك إذا قلت: لا تضرب زيدا وتكرم عمرا، فقد نهيته عن ضرب زيد على حدة وإكرام عمرو على حدة، وكل واحد منهما غير معلق بالآخر وكأنه قال: لا تضرب زيدا، ولا تكرم عمرا. فلو قال: لا تنه عن خلق وتأت مثله، لكان معناه: لا تنه عن خلق ولا تأت مثله، ولو قال هذا لكان قد نهاه أن ينهى عن شئ ونهاه أن يأتي شيئا من الأشياء، هذا محال فرد الأول والثاني في التقدير إلى غير ظاهر الكلام ليدل على أنه يريد لا تجمع بينهما. وذكر أبو علي عسل بن ذكوان قال: أخبرنا أبو عثمان قال: سمعت الأصمعي يقول: لم أسمعه إلا و (تأتي) بياء مرفوع على القطع. قال أبو سعيد: ولا يصح هذا إلا بأن تكون (الواو) في معنى الحال، كأنه قال: لا تنه عن خلق وأنت تأتي مثله، أي: وهذه حالك، وهذا في معنى النصب صحيح. ولو قلت: لا تنه عن خلق فتأتي مثله لأفسدت المعنى، لأنك إذا قلت: لا تضرب زيدا فيشتمك، فمعناه: متى ضربته شتمك؛ فلو قلت: فتأتي مثله، صار معناه: متى نهيت عن خلق أتيت مثله، وهذا غير المقصود؛ وليس مذهب (الواو) في الجواب كمذهب (الفاء)، مذهب (الواو): لا يجتمعن هذا وذاك؛ ومذهب (الفاء) على اختلافه يخالف مذهب (الواو). ومنع سيبويه جزم الثاني في قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، لأن المقصود في كلام الناس والمعتاد ألا يجمع بينهما للضرر الذي يعتقد في الجمع بينهما. ولو أراد مريد أن ينهى عن أكل السمك على كل حال، وعن شرب اللبن على كل حال لقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن؟ وقول الحطيئة:

стр. 1235

ألم أك جاركم وتكون بيني ... وبينكم المّودة والإخاء (١) أراد: ألم يجتمع لي الجوار والمودة، يؤكد الحرمة بيني وبينهم والوسيلة إليهم. وقول دريد: فلم أفخر بذاك وأجزعا (٢) أي: لم أجمع الفخر والجزع. وقوله: ائتني وآتيك- على الجواب- فإن أراد أن يأمر في الثاني كما أمر في الأول، أدخل (اللام) فقال: ائتني ولآتيك، لا يجوز حذف (اللام) إلا في الشعر، لأنه لا مجزوم قبله فيعطفه عليه، وقد تقدم الكلام في نحوه. وأما قول الله- ﵎: فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣). وكان عيسى بن عمر يقرأ (ولا تكذب بآيات ربنا ونكون) بالرفع ويجعلهما تمنيين معطوفين على (نرد)، وهذا أحد وجهي الرفع. الذي قال فيه سيبويه: فأحدهما أن يشرك الآخر الأول ويقول: إن الله- جل وعز- أكذبهم في تمنيهم على مذهب من يقول إن التمني خبر، فلذلك وقع عليه التكذيب. وكان أبو عمرو بن العلاء يقرأهما أيضا بالرفع على غير مذهب عبس، ولكن على الاستئناف على تأويل (ونحن لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين إن رددنا) والفعلان الآخران خبران غير متمنيين من أجلهما كذبهم، ولم يكن يرى التمني خبرا. ورفعهما في مذهب أبي عمرو على الوجه الآخر من وجهي الرفع الذي قال فيه سيبويه: والآخر على قوله: دعني ولا أعود، أي: فإني ممن لا يعود، فإنما يسأل الترك، وقد أوجب على نفسه ألا عودة له البتة ترك أو لم يترك. وأما قراءة عبد الله بن أبي إسحاق بنصب الفعلين الآخرين (ولا نكذب ونكون) فتقديره: يا ليتنا يجتمع لنا الرد وترك التكذيب والكون في جملة المؤمنين، وظاهر هذا التقدير يوجب أن الفعلين الآخرين متمنيان على ما ذكرنا من تقدير (الواو)، ولأن التمني إذا وقع لاجتماع هذه الأشياء فهي متمناة؛ ولو كان مكان الواو فاء فقيل: يا ليتنا نرد فلا

стр. 1236

نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين لتغير المعنى، وصار جوابا على معنى: متى وقع الرد لم يقع التكذيب. كقولك لا تضرب زيدا فيؤذيك، ومعناه: متى وقع الضرب أدى إلى الأذى، وتقديره: يا ليتنا يكون لنا رد وترك تكذيب. وأما قول الشاعر: للبس عباءة وتقرّ عيني (١) فلا بد من نصبه، لأن قوله (للبس) مبتدأ، و (تقر) عطف عليه، بمعنى: وأن تقرّ عيني، و (أحب إليّ) خبر لهما، وقد فضلا مجتمعين على (لبس الشفوف). ولو انفرد أحدهما بطل المعنى المراد، لأنه لم يرد: للبس عباءة أحب إليّ من لبس الشفوف، وهي الرقاق من الثياب، ولبس ذلك مما يختاره الناس، فمعناه: للبس عباءة مع قرة العين والسرور أحب إليّ من لبس الناعم، كما تقول: خبز الشعير مع السرور أحب إلىّ من خبز الجواري؛ فلما كان المعنى يضطر إلى ضم (تقر) إلى (لبس) ليكون أحب لهما، اضطر إلى إضمار (أن) والنصب وأما (يغضب منه) فإن الأجود فيه الرفع، وهو في صلة (الذي) عطفا على موضع (لبس)، وتقديره: الذي لا ينفعني ويغضب منه صاحبي، وعطفه على موضع (لا)؛ فهذا وجه ظاهر، قريب المتناول، صحيح المعنى، والنصب متأول ومعناه على ظاهره غير صحيح، لأنا إذا نصبناه قدرناه معطوفا على (الشيء)، وليس الشيء بمصدر ظاهر فيسهل عطفه عليه؛ فإذا عطفناه صار في موضع خفض باللام، واللام في صلة (قؤول)، فيصير التقدير: ما أنا لغضب صاحبي يقؤول، والغضب لا يكون مفعولا للقول؛ وباب جوازه: وما أنا للقول الذي يوجب غضب صاحبي بقؤول. ورد أبو العباس المبرد (٢) على سيبويه تقديمه النصب على الرفع. والذي عندي أن سيبويه لم يقدم النصب على الرفع. قال أبو سعيد: والذي عندي أن سيبويه لم يقدم النصب لأن النصب هو المختار عنده، ولكن الباب للنصب دون الرفع، وإنما قدم ما يقتضيه الباب وما القصد إلى

стр. 1237

ذكره فيه. وأما قوله: ويسلم عامر (١) فرفعه على أن (الواو) واو حال، كأنه قال: وعامر هذه حاله، وتأويله: وعامر يسلم، لأن (واو) الحال تطلب الأسماء المبتدأة، والنصب في (يسلم) أجود مثل قوله- : وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (٢). لأن معناه: لأن كنت مقتولا مع سلامة عامر. هذا باب أو واعلم أن ما انتصب بعد (أو) فإنه ينتصب على إضمار (أن) كما انتصب في (الفاء) و (الواو) على إضمارها، ولا يستعمل إظهارها كما لم يستعمل في (الفاء) و (الواو)؛ والتمثيل هاهنا مثله ثمّ هذا تفسير لكلامه وقع في النسخ هكذا تقول إذا قال: لألزمنك أو تعطيني، كأنه قال: ليكن اللزوم أو أن تعطيني. واعلم أن معنى ما انتصب بعد (أو) على إلا (أن)، كما كان معنى ما انتصب بعد الفاء على غير معنى التمثيل، تقول: لألزمنك أو تقضيني، ولأضربنّك أو تسبقني، والمعنى: لألزمنك إلا أن تقضيني، ولأضربنك إلا أن تسبقني. هذا معنى النصب. قال امرؤ القيس: فقلت له لا تبك عينك إنمّا ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا (٣) والقوافي منصوبة، والتمثيل على ما ذكرت لك، والمعنى على: إلا أن نموت فنعذرا، وإلا أن تعطيني، كما كان تمثيل (الفاء) على ما ذكرت لك، وفيه المعاني التي فصلت لك. ولو رفعت كان عربيا جائزا على وجهين: على أن تشرك بين الأول والآخر. وعلى أن يكون مبتدأ مقطوعا من الأول، يعني: ونحن ممن يموت. وفي القرآن: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ (٤).

стр. 1238

وإن شئت كان على الاشتراك، وإن شئت كان على: أو هم يسلمون. وقال ذو الرمة: حراجيج ما تنفكّ إلا مناخة ... على الخسف أو نرمي بها بلدا فقرا (١) فإن شئت لكان على ألا تنفك نرمي بها، أو على الابتداء. وتقول: الزمه أو يتقيك بحقك، واضربه أو يستقيم؛ وقال زياد الأعجم: وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما (٢) معناه: إلا أن، وإن شئت رفعت في الأمر على الابتداء، لأنه لا سبيل إلى الاشتراك. وتقول: هو قاتلي أو افتدي منه؛ وإن شئت ابتدأته كأنه قال: أو أفتدي، وقال طرفة بن العبد: ولكنّ مولاي امرؤ هو خانقي ... على الشّكر والتّسآل أو أنا مفتدى (٣) وسألت الخليل عن قول الله- ﵎: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ (٤) فزعم أن النصب محمول على (أن) سوى هذه التي قبلها؛ ولو كانت هذه الكلمة على (أن) لم يكن للكلام وجه، ولكنه لما قال: ((إلا وحيا)) كان في معنى: إلا أن يوحي، وكان (أو يرسل) فعلا لا يجري على (إلا)، فأجرى على (أن) هذه، كأنه قال: إلا أن يوحي أو يرسل، لأنه لو قال: إلا وحيا وإلا أن يرسل، كان حسنا، وكان (أن يرسل) بمنزلة الإرسال، فحملوه على (أن)، إذا لم يجز أن يقولوا: أو إلا يرسل، فكأنه قال: إلا وحيا أو أن يرسل قال الحصين بن الحمام المري: ولولا رجال من رزام أعزة ... وآل سبيع أو أسوءك علقما (٥) يضمر (أن) وذلك لأنه امتنع أن يجعل الفعل على (لولا) فأضمر (أن) كأنه قال: لولا ذاك، ولولا أن أسوءك.

стр. 1239

وبلغنا أن أهل المدينة يرفعون هذه الآية: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ [الشورى: ٥١]. فكأنه قال- والله أعلم-: الله لا يكلم البشر إلا وحيا أو يرسل رسولا، أي في هذه الحال، وهذا كلامه إياهم، كما تقول العرب: تحيتك الضرب، وعتابك السيف، وكلامك القتل؛ وقال عمرو بن معدي كرب: وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجميع (١) وسألت الخليل عن قول الأعشى: إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلون فإنّا معشر نزل (٢) فقال: الكلام هاهنا على قولك: أيكون كذا، أو يكون كذا، لما كان موضعها لو قال فيه: أتركبون لم ينقض المعنى، صار بمنزلة قولك: ولا سابق شيئا (٣) وأما يونس فقال: أرفعه على الابتداء، كأنه قال: وأنتم نازلون، على هذا الوجه فسّر الرفع في الآية، كأنه قال: أو هو يرسل رسولا، كما قال طرفة بن العبد: أو أنا مفتدى (٤) وقول يونس أسهل، وأما ما قاله الخليل فجعله بمنزلة قول زهير: بدا ليّ أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا (٥) والاشتراك على هذا التوهم بعيد كبعد (ولا سابق شيئا). ألا ترى أنه لو كان هذا كهذا لكان في (الواو) و (الفاء)؛ وإنما توهم هذا فيما خالف معناه التمثيل. قال أبو سعيد: أصل (أو) العطف حيث كانت، والمنصوب بعدها على وجهين: أحدهما: أن يتقدم فعل منصوب بناصب من الحروف، ثم يعطف عليه ب (أو) كما يعطف بسائر حروف العطف، كقولك: أريد أن تخرج إلى الكوفة أو تلازم زيدا، أو مدحت الأمير كي يهب لي دنانير أو يحملني على دابة؛ ومعناها أحد الأمرين؛ وفي هذا

стр. 1240

المعنى يجوز أن يكون ما بعدها مرفوعا ومجزوما، فالمرفوع نحو قولك: أنا ألزمك أو أخرج لك إلى صنيعتك؛ والمجزوم: ليخرج زيد إلى البصرة أو يقم في مكانه. والآخر: أن يخالف ما بعدها ما قبلها، ويكون معناها مع ما بعدها معنى (إلا أن) والفصل بين هذا وبين الأول أن الأول لا تعلق بين ما قبل (أو) وبين ما بعدها، وإنما هو دلالة على أحد الأمرين، وليس بين الأمرين ملابسة. كما لا ملابسة بين تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح: ١٦]، إنما هو إخبار بوجود أحدهما. وكذلك أنا ألزمك أو أخرج إلى ضيعتك، بما هو إخبار بوجود لزوم أو وجود خروج إلى الضيعة، وهذا كعطف الاسم على الاسم ب (أو) كقولك: جاءني زيد أو عمرو ونحوه. والوجه الثاني: الفعل الأول فيه قبل (أو) كالعام في كل زمان، والثاني كالمخرج من عمومه، ولذلك صيّر معناه معنى (إلا أن)؛ ألا ترى أن قولك: (لألزمنك) متضمن للأوقات المستقبلة، وكذلك لأضربنك فإذا قلت أو تقضيني أو تسبقني، فقد أخرجت بعض الأوقات المستقبلة من ذلك المتضمّن وكأن التقدير: لألزمنك إلا الوقت الممتد الذي أوله قضاؤك لي، ولأضربنك إلا الوقت الذي أوله سبقك إياي؛ واجتمع (أو) و (إلا) في هذا المعنى للشبه الذي بينهما في العدول عما أوجبه اللفظ الأول؛ وذلك إذا قلنا: جاءني القوم إلا زيدا، فاللفظ الأول قد أوجب دخول (زيد) في القوم لأنه منهم، فإذا قلت (إلا)، فقد أبطلت ما أوجبه اللفظ الأول، وإذا قلت: جاءني زيدا وعمرو، فقد وجب المجيء لا لزيد في اللفظ قبل دخول (أو)، فلما دخلت بطل ذلك الوجوب؛ ولهذا المعنى احتيج إلى تقدير الفعل مصدرا وعطف الثاني عليه، فذلك التقدير على ما مضى في (الفاء)، وجاز: أو نموت فنعذر، على وجهين: بالعطف على (تحاول) وبالاستئناف؛ لأن المعنى لا يفسد وأما (تقاتلونهم أو يسلمون) فالثاني عطف على الأول، والذي يقع من ذلك أحد الأمرين إما القتال وإما الإسلام. وذكر أن في بعض المصاحف: أو يسلموا، ويسلموا نصب على معنى (إلا أن) فيجوز أن يقع القتال ثم يرتفع بالإسلام. وأما حراجيح لا تنفكّ إلا مناخة (١) فالأصمعي وأبو عمر الجرمي ومن بعدهما كانوا يقولون: أخطأ ذو الرمة، لأنه لا يقال: لا يزال زيد إلا قائما، كما لا يقال: يزال زيد قائما، لأن ذلك لا يستعمل إلا بلفظ

стр. 1241

الجحد، وإذا استثنينا صار الجحد إيجابا، فلذلك لم يجز الاستثناء منه؛ و (لا تنفك) بمعنى: لا تزال. قال أبو سعيد: ولقول ذي الرمة وجهان صحيحان: أحدهما: أن يكون (تنفك) بغير معنى: تزال، ويكون بمعنى: انفك الشيء من الشيء إذا انفصل منه، كما يقال: فككت الغلّ عنه فانفك، وفككت زيدا مما وقع فيه فانفك منه. ويجوز دخول الاستثناء في هذا الوجه، تقول: ما انفك زيد إلا بعد شدّة، فيكون التقدير: لا ينفك من الشدة والسير إلا مناخة على الخسف؛ كما تقول: ما انفصل زيد من الموضع إلا مجهودا. والوجه الثاني: أن يكون (على الخسف) خبر (تنفك)، و (إلا مناخة) استثناء مقدم. فكأنا قلنا: لا تنفك مجهودة، كما تقول: لا تزال مجهودة إلا في حال إناختها، فإنها تستريح إذا أنيخت. وقوله: أو نرمى بها بلدا قفرا (١) فيه وجهان: الأول: أن يكون معطوفا على خبر (تنفك) وهو (على الخسف)، كأنك قلت: لا تزال على الخسف، ولا نزال نرمي بها بلدا قفرا؛ ويجوز أن يكون على الابتداء، أو نحن نرمي بها بلدا قفرا. ويجوز الرفع في: كسرت كعوبها أو تستقيما (٢) فيقال: أو تستقيم، في غير هذه القصيدة، لأن (كسرت) في موضع رفع لأنه جواب (إذا)، وجوابها بالفعل المستقبل رفع. وأما قول الله- ﵎: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا (٣). فقوله (يرسل) لا يجوز أن يكون معطوفا على

стр. 1242

(يكلمه الله) ولا يكون الناصب له (أن) هذه الظاهرة، لأنا إذا أوقعنا (أن) هذه الظاهرة على (يرسل) صار التقدير: ما كان لبشر أن يرسل الله إليه رسولا وهذا فاسد في المعنى ولكنه محمول على ما بعد إلا وتقديره: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه أو يرسل إليه، وهو عطف مصدر على مصدر. وأما من قرأ: ((أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه)) فإنه يجعل (وحيا) بمنزلة (موحيا)، كما تقول: أتاني زيد مشيا أي ماشيا، فيكون (وحيا) الذي هو مصدر في موضع اسم الفاعل حالا، و (يرسل) فعل مستقبل في موضع اسم الفاعل حال معطوف على (وحيا)، تقول: جاءني زيد يضحك في معنى: ضاحكا. وأما قول الأعشى: أو تنزلون فإنّا معشر نزل (١) فقد ذكر سيبويه فيه قول الخليل على تقدير: أو تركبون أو تنزلون، وذكر عن يونس أنه يرفعه على الابتداء كأنه قال: أو أنتم نازلون قال وقول يونس أسهل. قال أبو سعيد: وفيه قول ثالث، وهو عندي أسهل من هذين القولين، وهو أن تقدر في موضع (إن تركبوا) إذا تركبون، لأن (إن) و (إذا) يجازى بهما وهما مقارنان في معنى ما يريده المتكلم، وإن كان بعد (إن) مجزوم، وبعد (إذا) مرفوع؛ فإذا قدرنا (أتركبون) وهو في معنى (أن تركبوا) عطفنا (أو تنزلون) عليه في التقدير. قال سيبويه: لما ذكر قول الخليل في (أو تنزلون) وعطفه على تقدير (أتركبون) وأنه جعله كقول زهير (ولا سابق شيئا) على تقدير: لست بمدرك ما مضى، والاشتراك على هذا التوهم بعيد كبعد (ولا سابق شيئا)، يعني بعد عطف (أتنزلون) على توهمهم (أتركبون) كبعد عطف (سابق) على توهم (بمدرك ما مضى)؛ ولو كان هذا كهذا التوهمّ في (الفاء) و (الواو) من غير ضرورة إلى ذلك. وقيل: هو يأتيك فيحدثك، على توهم: يكون منه إتيان فحديث؛ وإنما تفعل ذلك فيما خالف معناه التمثيل للضرورة نحو: لا تأته فيشتمك، على: لا يكون منك إتيان فشتيمة. وباقي الباب مفهوم مستغنى عن شرحه بما ذكره سيبويه أو بشرح نظائره.

стр. 1243

هذا باب اشتراك الفعل في (أن) وانقطاع الآخر من الأول الذي عمل فيه (أن) فالحروف التي تشرك: الواو، والفاء، وأو، وثم. وذلك قولك: أريد أن تأتيني ثم تحدثني، وأريد أن تفعل ذلك وتحسن، وأريد أن تأتينا فتبايعنا، وأريد أن تنطق بجميل أو تسكت. ولو قلت: أريد أن تأتيني ثم تحدثني جاز، كأنك قلت: أريد إتيانك ثم تحدثني ويجوز الرفع في جميع هذه الحروف التي تشرك على هذا المثال، وقال- الله تبارك-: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ (١) ثم قال- : وَلا يَأْمُرَكُمْ (٢)، فجاءت منقطعة من الأول، لأنه أراد: ولا يأمركم الله؛ وقد نصبها بعضهم على قوله: وما كان لبشر أن يأمركم أن تتخذوا. وتقول: أريد أن تأتيني فتشتمني، لم يرد الشتيمة، ولكنه أراد: كلما أردت إتيانك شتمتني؛ هذا معنى كلامه، فمن ثم انقطع من أن. قال: يريد أن يعربه فيعجمه (٣) أي: فإذا هو يعجمه. وقال الله- ﵎: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ (٤) أي: ونحن نقر في الأرحام، لأنه ذكر الحديث للبيان، ولم يذكره للإقرار؛ وقال الله- جل ثناؤه-: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى (٥) فانتصب لأنه أمرها بالإشهاد لأن تذكّر، ومن أجل أن تذكّر. فإن قال إنسان: كيف جاز أن نقول: أن تضلّ، ولم يعدّ هذا للضلال والالتباس؟ فإنما ذكر (أن تضلّ) لأنه سبب الإذكار، كما يقول الرجل:

стр. 1244

أعددته أن يميل الحائط فأدعمه، وهو لا يطلب بإعداده ذلك ميل الحائط، ولكنه أخبر بعلة الدّعم وسببه. وقرأ أهل الكوفة: (فتذكّر) رفعا. وسألت الخليل عن قول الشاعر: فما هو إلّا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتىّ ما أكاد أجيب (١) فقال: أنت في (أبهت) بالخيار، إن شئت حملتها على (أن). وإن شئت لم تحملها عليه، فرفعت، كأنك قلت: ما هو إلا الرأي فأبهت. وقال ابن أحمر فيما جاء منقطعا من (أن): يعالج عاقرا أعيت عليه ... ليلقحها فينتجها حوارا (٢) كأنه قال: يعالج فإذا هو ينتجها، وإن شئت على الابتداء. وتقول: لا يعدو أن يأتيك فيصنع ما تريد، وإن شئت رفعت، كأنك قلت: لا يعدو ذلك فيصنع ما تريد. وتقول: ما عدا أن رآني فيثب، كأنه قال: ما عدا ذلك فيثب، لأنه ليس على أول الكلام، فإن أردت أن تحمل الكلام على (أن)، فإنّ أحسنه ووجهته أن تقول: ما عدا أن رآني فوثب، فضعف (يثب) هاهنا كضعف (ما أتيتني فتحدّثني) إذا حملت الكلام على (ما). وتقول: ما عدوت أن فعلت وهذا هو الكلام، وما أعدو أن أفعل، وما آلو أن أفعل، يعني: لقد جهدت أن أفعل. وتقول: ما عدوت أن آتيك، أي: ما عدوت أن يكون ذلك من رأى فيما يستقبل. ويجوز أن يجعل (أفعل) في موضع (فعلت) ولا يجوز (فعلت) في موضع أفعل إلا في مجازاة نحو: إن فعلت فعلت. وتقول: والله ما أعدو أن جالستك، أي: أن كنت فعلت ذلك: أي: ما أجاوز مجالستك فيما مضى، ولو أراد: ما أعدو أن جالستك غدا، كان محالا ونقضا، كما أنه لو قال: ما أعدو أن أجالسك أمس كان محالا.

стр. 1245

وإنما ذكرت لك هذا التصرّف وجوهه ومعانيه، وألا تستحيل منه مستقيما، فإنه كلام يستعمله الناس. ومما جاء منقطعا من الأول قول عبد الرحمن بن أم الحكم: على الحكم المأتيّ يوما إذا قضى ... قضيته ألا يجوز ويقصد (١) كأنه قال: عليه غير الجور، ولكنه يقصد، أو هو قاصد، فابتدأ ولم يحمل الكلام على (أن)، كما تقول: عليه أن لا يجوز ويقصد، وينبغي له كذا وكذا؛ فالابتداء في هذا أسبق وأعرف، لأنها بمنزلة قولك: كأنه قال: ونؤلك. فمن ثمّ لا يكادون يحملونها على (أن). قال أبو سعيد: حروف العطف إنما تعطف ما دخل في معنى الأول، فإن لم يدخل في معناه رفع على الاستئناف كقولك: أريد أن تزورني، وأريد أن تأتيني فتقعد عني، وأريد أن تطيعني فتخالفني فما بعد (الفاء) في هذا ونحوه مرفوع لا غير، لأنه لم يدخل في الإرادة، و (أن) الناصبة كانت في صلة الإرادة، فلو نصبنا الثاني، وعطفناه على الأول، كان قد دخل في الإرادة؛ وإنما ينصب بحروف العطف ما يصح دخوله في معنى الأول، كنحو ما ذكره سيبويه وما يصح دخوله في معنى الأول؛ وقد يجوز أن يقطع عنه ويستأنف. وقول الله- ﵎: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً (٢) من قرأ بالرفع فهو عطف جملة على جملة بعد تمامها، كأن قوله: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران: ٧٩] قد انقطعت الجملة عند قوله (تدرسون) ثم ابتدأ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً [آل عمران: ٧٩]؛ ومن قرأ (وَلا يَأْمُرَكُمْ) فهو في الجملة الأولى، لأن معناه: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله، ولا كان له أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا؛ وفي هذا الوجه في (يأمركم) ضمير فاعل من (بشر) وفي الوجه الأول ضمير فاعل من (الله) تعالى. وأما قول الله- ﵎: لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ (٣) فلا يصح

стр. 1246

نصب (نقر) ونحمله على (نبين)، وذلك أن الله- ذكر خلق الإنسان من تراب، ونقله من حال إلى حال وهم معترفون بذلك، ليبين به البعث الذي لا يعترفون به فقال- عز من قائل-: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ (١)، فبين- جل ثناؤه- بقدرته على هذه الأحوال التي يعترفون بها قدرته على البعث، لأنه أحيا ما قد بلى ورمّ وصار ترابا من الجلد والعظم وغير ذلك ونقله إلى الحياة، كنقل التراب إلى الحيوان في الابتداء؛ وذكر الله- ﵎ ذلك للبيان لهم أمر البعث. وقوله- ﵎: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى (٢) (أن) في صلة ما قبله، وسياقه: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ (٣) يعني: إن لم يكن الشهيدان رجلين فالمستشهدون رجل وامرأتان؛ وبين السبب في جعل المرأتين مكان الرجل وهو إذكار إحداهما الأخرى الشهادة إذا نسيتها؛ ولو كانت امرأة واحدة فنسيت، لم يكن لها من يذاكرها للشهادة إذا نسيتها. فإن قال قائل: يذكرها الرجل الشاهد معها. قيل له: العادة الجارية أن النساء يلاقين النساء في المجادلة والمؤانسة والمطاولة في المجالسة والحديث، كما أن الرجال فيما بينهم كذلك، فلنقصد النساء ضم إلى المرأة مثلها ليقوى بالضم حالهما. وتذكرهما في هذه الحال على ترتيب الكلام؛ وامرأتان لتذكر إحداهما الأخرى إذا ضلت. والعرب تتسع في مثل هذا بالتقديم والتأخير، فيقدمون الإذكار مرة على ما يوجبه الترتيب الذي ذكرناه، ومرة يقدمون سببه وهو الضلال، والضلال: النسيان في هذا الموضع، لأنه لا يقع في ذلك لبس، ومثله: أعددت الخشب أن يميل الحائط فأدعمه به، وهو إنما أعده للدعم، وذكر الميل الذي هو سبب الدعم. وقراءة أهل الكوفة بكسر (إن) قرأ حمزة: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا [البقرة: ٢٨٢] كما تقول: إن تأتني فأحسن إليك؛ ولا يدخل هذا فيما ذكره سيبويه. وأما (فأبهت) بالرفع، فهو بمنزلة: فإذا أنا مبهوت، وهو من نحو:

стр. 1247

سرت فأدخلها، و (فإنّ المندّى رحلة فركوب) (١) فأما قوله: يعالج عاقرا أعيت عليه ... ... فينتجها ... (٢) فرفع (ينتجها) سهو وغلط وذلك لأن العاقر لا تلد ولا يكون لها نتاج، فكيف يرفع وهو لا يخبر بكونه، وإنما يصف ابن أحمر رجلا من قومه يعالج أمرا في مكروه ابن أحمر ونسائه لا يتم ولا يكون، وذلك الأمر هو العاقر، والرجل يعالجها ليلقحها ولينتجها، وذلك لا يكون، كأن هذا الرجل يعالج هذه العاقر لتلد وهي لا تلد، فلا يكون في (ينتجها) إلا النصب، وقبل هذا البيت: أر أنا لا يزال لنا حميم ... كداء البطن سلّا أو صغّارا يعالج عاقرا أعيت عليه ... ليلقحها فينتجها حوارا يدنّس عرضه لينال عرضي ... أبا دغفاء ولّدها فقارا ولّدها فقارا أي: عظاما، يهزأ به، وأبا دغفاء: كنية الرجل ودغفاء: حمقاء، ويقال: عاصت واعتاصت واعتاظت، ومعناها: ذلهاء امتنعت من الحمل. وكل واحد من وجهي الرفع لا يصح في (ينتجها) لأنك إذا عطفته على (يعالجها) لم يجز، لأن العلاج للعاقر يكون، ونتاجها لا يكون؛ كما يقال: فلان يطلب ما لا يكون؛ وإذا جعلته مستأنفا بمعنى: فهو ينتجه، لم يصح أيضا لأنها عاقر. وأما الرفع في (لا يعدو أن يأتيك فيصنع ما تريد)، فلأن (لا يعدو أن يأتيك) بمعنى: يأتيك، فكأنه قال: يأتيك فيصنع ما تريد؛ وموضع (لا يعد) موضع فعل مرفوع يعطف عليه (فيصنع ما تريد)، ومثله: لا يخالف أمرك فيصنع ما تريد، لأن معناه: يطيع أمرك (فيصنع ما تريد) عطف عليه. والكلام في (ما عدا أن يأتي فوثب) كالكلام في (ما أتيتني فحدثتني) وهو مستحسن. والكلام في (ما عدا أن رآني فيثب) كالكلام في (ما أتيتني فتحدثني) في ضعف

стр. 1248

الرفع إذا أردت العطف على الماضي؛ وقد ذكرناه في باب الجواب بالفاء وقوله (ما عدوت أن آتيك) فيه وجهان: أحدهما: أن تريد: ما عدوت فيما مضى أن آتيك فيما استقبل، ومعناه: رأيت فيما مضى أن آتيك فيما استقبل، وما تجاوزت فيما مضى اعتقاد أن آتيك في المستقبل. والوجه الآخر: ما عدوت فيما مضى أن آتيك وتجعل (آتيك) في موضع (آتيتك)؛ وهذا معنى قوله: ويجوز أن تجعل (أفعل) في موضع (فعلت)؛ وإنما جاز ذلك لأنك تقول: كنت أتيتك، وكنت آتيك، ومعناهما واحد، وجئتك إذ قام زيد، وإذ يقوم زيد، ومعناهما واحد؛ وإنما يجوز ذلك إذا تقدم قبله شيء قد مضى، أو شيء فيه دلالة على المعنى، والفعل المستقبل مصاحب له، كما تقول: جاءني زيد أمس يضحك، و (يضحك) وإن كان ماضيا وهو بمنزلة الحال لمصاحبته لجاءني؛ وكونه في وقته، ولا يجوز الماضي في موضع المستقبل إلّا في المجازاة نحو: إن فعلت فعلت، لو قلت: يكون زيد قام، لم يجز كما جاز: كان زيد يقوم؛ فهذا فرق واضح وقوله: ما أعدو أن جالستك، فمعناه: ما أعدو الساعة مجالستك فيما مضى، كأن المجالسة فيما مضى شيء قد ثبت، فهو لا يعدوه ولا يتجاوزه، كما تقول: لا أعدو زيدا، ولا أعدو دارك ومنزلك، أي: لا أعدو ذلك إلى غيره. وإنما لم يجز (ما أعدو أن أجالسك أمس)، لأن قولك (أعدو) مستقبل، وإذا كان ابتداء الكلام مستقبلا، لم يجز أن يكون بعده المستقبل في معنى الماضي، وإنما قال: (أن) لا يجوز (ويقصد) لأنه جعله بمنزلة: وينبغي له أن يقصد، فناب (يقصد) عن (ينبغي له أن يقصد)؛ ومن أجل ذلك تضمن معنى الأمر، ولم يحمل على (أن)؛ ومثله في القرآن: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ، (١) وفيها معنى: ينبغي لهن أن يرضعن، ويكون في ذلك معنى الأمر، وإن لم يكن لفظ الأمر، كما لو قال المولى لعبده: الواجب عليك أن تفعل، أو الذي أريده منك أن تخرج إلى السوق، وجب عليه فعل ذلك، وإن لم يظهر لفظ الأمر له بذلك. هذا باب الجزاء فما يجازى به من الأسماء غير الظروف: من، وما، وأيّهم. وما يجزي به من

стр. 1249

الظروف: أيّ حين، ومتى، وأين، وأنىّ، وحيثما. ومن غيرهما: إن، وإذ ما. ولا يكون الجزاء في (حيث) و (لا) في (إذ) حتى يضم إلى كل واحدة منهما (ما)، فتصير (إذ) مع (ما) بمنزلة (إنما) وكأنما، وليست (ما) فيهما بلغو، ولكن كل واحد منهما مع (ما) بمنزلة حرف واحد. فما كان من الجزاء ب (إذ ما) قول العباس بن مرداس: إذ ما أتيت على الرسول فقل له ... حقا عليك إذا اطمأنّ المجلس (١) وقال الآخر، وقالوا: هو لعبد الله بن همام السلولى: إذ ما تريني اليوم مزجي ظعينتي ... أضعّف سيرا في البلاد وأفزع فإنّي من قوم سواكم وإنّما ... رجالي فهم بالحجاز وأشجع (٢) سمعناهما ممن يرويهما عن العرب، والمعنى (إما). ومما جاء من الجزاء ب (أنّي) قول لبيد: فأصبحت أنّى تأتها تلتبس بها ... كلا مركبيها بين رجليك شاجر (٣) وفي (أين) قول ابن همام السلولي: أين تضرب بنا العداة تجدنا ... نصرف العيس نحونا للتّلاقي (٤) وإنما منع (حيث) أن يجازي بها أنك تقول: حيث تكون أكون، ف (تكون) وصل لها، كأنك قلت: المكان الذي تكون فيه أكون ويبّين هذا أنها في الخبر بمنزلة (إنما) و (كأنما) و (إذا)، أنه يبتدأ بعدها الأسماء، أنك تقول: حيث عبد الله قائم زيد، وأكون حيث زيد قائم. ف (حيث) كهذه الحروف التي تبتدأ بعدها الأسماء في الخبر، ولا يكون هذا في حروف الجزاء؛ فإذا ضممت إليها (ما)، صارت بمنزلة (إن) وما أشبهها، ولم يجز فيها ما جاز فيها قبل أن تجيء ب (ما) وصارت بمنزلة (إمّا). وأما قول النحويين: يجازي بكل شيء يستفهم به، فلا يستقيم، من قبل أنك تجازي ب (إن) وب (حيثما) و (إذ ما)، ولا يستقيم بهن الاستفهام؛ ولكن القول فيه

стр. 1250

كالقول في الاستفهام، ألا ترى أنك إذا استفهمت لم تجعل ما بعده صلة؟ والوجه أن تقول: الفعل ليس في الجزاء بصلة لما قبله، كما أنه في حروف الاستفهام ليس صلة لما قبله؛ وإذا قلت: حيثما تكن أكن، فليس بصلة لما قبله، كما أنك إذا قلت: أين تكون؟ وأنت تستفهم، فليس الفعل بصلة لما قبله فهذا في الجزاء ليس بصلة لما قبله، كما أن ذلك في الاستفهام ليس بوصل لما قبله. ويقول: من يضربك؟ في الاستفهام، وفي الجزاء: من يضربك اضربه، فالفعل فيهما غير صلة. وسألت الخليل عن (مهما) فقال: هي ما أدخلت عليها (ما) لغوا، بمنزلتها مع (متى) إذا قلت: متى تأتني آتك؛ وبمنزلتها مع (إن) إذا قلت: إن ما تأتني آتك؛ وبمنزلتها مع (أين) كما قال الله- ﵎: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ (١)؛ وبمنزلتها مع (أي) إذا قلت: أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٢)؛ ولكنهم استقبحوا أن يكرروا لفظا واحدا فيقولوا: ما ما، فأبدلوا (الهاء) من (الألف) التي في (ما) الأولى، وقد يجوز أن تكون (مه) كإن ضمّ إليها (ما). وسألت الخليل عن قوله: كيف تصنع أصنع، فقال: هي متكرهة، وليست من حروف الجزاء، ومخرجها على الجزاء؛ لأن معناها على أي حال تكن أكن، وسألته عن (إذا)، ما منعهم أن يجازوا بها؟ فقال: الفعل في (إذا) بمنزلة الفعل في (إذ)، إذا قلت: أتذكر إذ تقول، ف (إذا) فيما يستقبل بمنزلة (إذ) فيما مضى؛ ويبيّن هذا أن (إذا) يجيء وقتا معلوما، ألا ترى أنك لو قلت: آتيك إذا احمّر البسر، كان حسنا، ولو قلت: آتيك إن احمّر البسر، كان قبيحا؛ ف (إن) أبدا مبهمة، وكذلك حروف الجزاء؛ و (إذا) توصل بالفعل، فالفعل في (إذا) بمنزلته في (حين) كأنك قلت: الحين الذي تأتيني فيه آتيك فيه. قال ذو الرمة: تصغي إذا شدّها بالرّحل جانحة ... حتّى إذا ما استوى في غرزها تثب (٣)

стр. 1251

وقال آخر، ويقال: وضعه النحويون: إذا ما الخبز تأدمه بلحم ... فذاك أمانة الله الثريد (١) وقد جازوا بها في الشعر مضطرين، شبهوها ب (إن)، حيث رأوها لما يستقبل، وأنها لا بد لها من جواب. وقال قيس بن الخطيم الأنصاري: إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب (٢) القافية مكسورة، وقال الفرزدق: ترفع ليّ خندف والله يرفع لي ... نارا إذا خمدت نيرانهم تقد (٣) وقال بعض السلوليين: إذا لم تزل في كلّ دار عرفتها ... لها واكف من دمع عينك يسجم (٤) ويروي: يسكب. فهذا اضطرار، وهو في الكلام خطأ، ولكن الجيد قول كعب بن زهير: وإذا ما تشاء تبعث منها ... مغرب الشمس ناشطا مذعورا (٥) واعلم أن حروف الجزاء تجزم الأفعال، وينجزم الجواب بما قبله، وزعم الخليل أنك إذا قلت: إن تأتني آتك، ف (آتك) انجزمت ب (إن تأتني)، كما تنجزم إذا كانت جوابا للأمر حين تقول: ائتني آتك. وزعم الخليل أن (إن) هي أمّ حروف الجزاء، فسألته: لم قلت ذلك؟ فقال: من قبل أني أرى حروف الجزاء قد يتصرفن فيكنّ استفهاما، ومنها ما يفارقه (ما) فلا يكون فيه الجزاء، وهذه على حال واحدة أبدا لا تفارق المجازاة. واعلم أنه لا يكون جواب الجزاء إلا بفعل أو بالفاء. فأما الجواب بالفعل فنحو قولك: إن تأتني آتك، وإن تضرب أضرب، ونحو ذلك. وأما الجواب بالفاء فنحو قولك: إن تأتني فأنا صاحبك. ولا يكون الجواب في

стр. 1252

هذا الموضع بالواو، ولا بثمّ. ألا ترى أن الرجل يقول: افعل كذا وكذا، فتقول: فإذن يكون كذا وكذا، ويقول: لم أغث أمس، فتقول: قد أتاك الغوث اليوم؛ ولو أدخلت (الواو) و (ثمّ) في هذا الموضع تريد الجواب لم يجز. وسألت الخليل عن قول الله- : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (١) فقال هذا كلام معلق بالكلام الأول، كما كانت (الفاء) معلّقة بالكلام الأول، وهذا هاهنا في موضع (قنطوا) كما كان الجواب بالفاء في موضع الفعل قال: ونظير ذلك قول الله- : سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (٢) بمنزلة (أم صمتّم)؛ ومما يجعلها بمنزلة (الفاء) أنها لا تجيء مبتدأة، كما أن (الفاء) لا تجيء مبتدأة. وزعم الخليل أن إدخال (الفاء) على (إذا) قبيح، ولو كان إدخال (الفاء) على (إذا) حسنا، لكان الكلام بغير (الفاء) قبيحا؛ فهذا قد استغنى عن (الفاء) كما استغنت (الفاء) عن غيرها، فصارت (إذا) هاهنا جوابا، كما صارت (الفاء) جوابا. وسألته عن قوله: إن تأتني أنا كريم، فقال: لا يكون هذا إلا أن يضطّر شاعر، من قبل أنّ (أنا كريم) يكون كلا ما مبتدأ، و (الفاء) و (إذا) لا يكونان إلا معلقتين بما قبلهما، فكرهوا أن يكون هذا جوابا كما صارت (الفاء) جوابا حيث لم يشبه (الفاء)؛ وقد قال الشاعر مضطرا، يشبّهه بما يتكلم به من الفعل قال: من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشرّ بالشرّ عند الله مثلان (٣) وقال الأسدي: بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها ... بني ثعل من ينكع العنز ظالم (٤) وزعم أنه لا يحسن في الكلام: إن تأتني لأفعلن من قبل أن (لأفعلن) تجيء مبتدأة. ألا ترى أن الرجل يقول: لأفعلن كذا وكذا فلو قلت: " إن أتيتني لأكرمنك، ولئن لم تأتني لأغمّنّك " جاز؛ لأنه في معنى: لئن أتيتني لأكرمنك، ولئن لم تأتني لأغمنك، ولا بدّ من هذه (اللام) مضمرة أو مظهرة لأنها لليمين، كأنك قلت: والله لئن

стр. 1253

أتيتني لأكرمنك. فإن قلت: لئن تفعل لأفعلنّ قبح؛ لأن (لأفعلن) على أول الكلام، وقبح في الكلام أن تعمل (إن) أو شيء من حروف الجزاء في الأفعال حتى تجزمها في اللفظ، ثم لا يكون لها جواب تنجزم بما قبله. ألا ترى أنك تقول: آتيك إن أتيتني، ولا تقول: آتيك إن تأتني، إلا في شعر، لأنك أخّرت (إن) وما عملت فيه، ولم تجعل ل (إن) جوابا ينجزم بما قبله. فهكذا جرى هذا في كلامهم. ألا ترى. أنه قال- : وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١) وقال- : وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢). لمّا كانت (إن) العاملة لم يحسن إلا أن يكون لها جواب ينجزم بما قبله. فهذا الذي يشاكلها في كلامهم إذا عملت. وقد تقول: إن أتيتني آتيك، أي: آتيك. إن أتيتني. قال زهير: وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم (٣) ولا يحسن: إن تأتني آتيك، من قبل أنّ (إن) هي العاملة، وقد جاء في الشعر، قال جرير بن عبد الله البجلي: يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنك إن يصرع أخوك تصرع (٤) أي تصرع إن يصرع أخوك، ومثل ذلك قوله: هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرّشا إن يلقها ذيب (٥) أي: المرء ذئب إن يلق الرشا. قال الأصمعي: وهذا قديم أنشدنيه أبو عمرو. وقال ذو الرمة: وأنيّ متى أشرف على الجانب الذي ... به أنت من بين الجوانب ناظر (٦)

стр. 1254

أي: ناظر متى أشرف. فجاز هذا في الشعر، وشبّهوه بالجزاء إذا كان جوابه منجزما؛ لأن المعنى واحد، كما شبه (الله يشكرها) و (ظالم) ب إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: ٣٦] جعله بمنزلة: يظلم، ويشكرها الله، كما كان هذا بمنزلة (قنطوا)، وكما قالوا في اضطرار: إن تأتني أنا صاحبك، يريد معنى (الفاء)، فشبّهه ببعض ما يجوز في الكلام حذفه وأنت تعنيه. وقد يقال: إن أتيتني آتك، وإن لم تأتني أجزك، لأن هذا في موضع الفعل المجزوم؛ فكأنه قال: إن تفعل أفعل؛ ومثل ذلك قول الله- جل وعز-: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها (١). فكان فعل، وقال الفرزدق: دسّت رسولا بأنّ القوم إن قدروا ... عليك يشفوا صدورا ذات توغير (٢) وقال الأسود بن يعفر: ألا هل لهذا الأمر من متعلل ... عن النّاس مهما شاء بالنّاس يفعل (٣) وقال: إن تأتني فأكرمك، أي: فأنا أكرمك، فلا بد من رفع (فأكرمك) إذا سكت عليه لأنه جواب، وإنما ارتفع لأنه مبني على مبتدأ. ومثل ذلك قول- الله تعالى-: وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ (٤)، ومثله قوله- تعالى-: وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا (٥) ومثله قوله- : فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (٦). قال أبو سعيد: فرّق سيبويه بين (حيثما) وبين (إذ ما)، فجعل (حيثما) في حيز الظروف التي يجازى بها، فهي اسم مثل: أين، ومتى؛ وجعل (إذ ما) في حيز الحروف، لأنه ذكر ما كان من غير الأسماء والحروف، فذكر (إن) و (إذ ما)، والفرق بينها أن (إذ) لما ضممت إليها (ما) وجوزى بها، خرجت عن معناها، لأنها كانت من قبل دخول (ما) عليها لما مضى من الزمان، وبعد دخولها للمستقبل ك (إن)؛ وقد يركّب الشيآن

стр. 1255

فيخرجان عن حكم كل واحد منهما إلى حكم مفرد نحو: لولا، وهلا، وغيرهما. وجعلها سيبويه حرفا لوقوعها موقع (أن)، ولم يقم دليلا على اسميتها، وما علمنا أحدا من النحويين ذكر (إذ ما) غير سيبويه، إلا أن يكون من بعض أصحابه، ومن يأخذ عنه. وقد قال بعض النحويين: (إذ ما) هي (إمّا)، عدلوا عن (إما) إليها، لأن (إما) لا تكاد تأتي إلا بدخول (النون) على الفعل الذي بعدها نحو قول الله- : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ (١) ووَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً (٢) وفَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً (٣). وليس في القرآن- فيما اعلم- فعل بعد (إما) إلا ب (النون)؛ فلما احتاج الشاعر إلى (إما) وكانت (النون) تكسر البيت، جعل مكانها (إذ ما) وأما دخول (ما) على (حيث) للمجازاة، فلأن (حيث) اسم للمكان، فكان يلزمها الإيضاح قبل المجازاة بها كقولك: أقمت حيث زيد مقيم، وحيث زيد مقيم أقيم؛ ولو قلت: حيث أقيم أو أقمت لم يجز، فلما أرادوا المجازاة لزمهم إبهامها وإسقاط ما يوضحها، وألزموها (ما) كما ألزموا (ما) إنما، وكأنما، وربما؛ وجعلوا لزوم (ما) دلالة على إبطال مذهبها الأول. ثم جعلوها بمنزلة (أين) في المجازاة ولم تزل عن معناها الأول وقصد المكان بها لزوال (إذ) عن معناها الأول. وأما قول لبيد: فأصبحت أنّى تأتها تلتبس بها (٤) ففي معناه بعض اللبس، والبيت في موضعين فيه اختلاف رواية: أحدهما: أنىّ تأتها تلتبس بها، وتبتئس بها. والآخر: تحت رجلك، وتحت رحلك. ومعناه: أنه يخاطب رجلا قد وقع في معضلة وقصة صعبة يعسر التخلص منها، فنقول: كيف أتيت هذه المعضلة من قدّام أو من خلف تلتبس بها ولا مخلص، وهو جواب الشرط؛ والالتباس بها: الدخول فيها والاختلاط بها، وتبتئس: يصيبك منها بؤس.

стр. 1256

كلا مركبيها تحت رجلك شاجر (١) يعني: مركبها من قدام ومن خلف، وشاجر: داخل تحت الرجل وتحت الرحل، وإذا دخل الشيء تحت شيئين ففرجهما فقد شجرهما، ومركبيها: يعني مركبي المعضلة، وقد بين أن مركبيها من قدام وخلف في البيت الذي بعده. فإن تتقدم تلن منها مقدما ... غليظا وإن أخّرت فالكفل فاجر والكفل: كساء يضعه الرجل على ظهر البعير ثم يركبه يتوقى العرق، وفاجر: مائل. وقد عاب قوم سيبويه على النحويين حين حكى عنهم أنهم قالوا: يجازى بكل شيء يستفهم به، فقال سيبويه: لا يستقيم هذا، من قبل أنك تجازى بأن وبحيثما وإذ ما، فقال العائب، وهو أبو عمر الجرمي ومن وافقه: لا يكون ما قال سيبويه ردا عليهم لأنهم لم يقولوا: لا تكون المجازاة إلا بما يستفهم به فيلزمهم هذا، وإنما قالوا: تطلب المجازاة بما يستفهم به، ولا يمنع هذا المجازاة بغيره، كما لو قال قائل: يكون الرفع بأنه الفاعل والنصب بأنه مفعول به، لم يمنع الرفع والنصب بغيرهما. وعابوا أيضا ما حكى عنهم: يجازى بكل شيء يستفهم به، وليس بينهم خلاف أنه لا يجازى بألف الاستفهام، وبهل. قال أبو سعيد: أما الأول: فإن الذي حكي عنهم أنهم قالوه هو أن أصل الجزاء الاستفهام، فكل شيء جوزي به إنما هو منقول من الاستفهام فأراهم أنهم يجازون بحيثما وأن، وهما لا يكونان استفهاما، فهذا مخرج هذا. وأما الثاني: فقد فهم عن سيبويه أنه أراد الأسماء التي يستفهم بها، لأنهم لا يختلفون في الحروف أنها لا يجازى بها، فكان فسر قولهم على ظاهر ما حكي عنهم أن يقال: أنتم تستفهمون ب (كم) ولا يجازى بها، وكذلك (كيف) يستفهم بها ولا يجازى بها. وأما (مهما تفعل) ففيها وجهان: أحدهما: ما قاله الخليل، وهو أن أصله (ما) زيدت عليها (ما) أخرى كما تزاد (ما) على (متى) في قولك: متى ما تفعل أفعل؛ ف (ما) الأولى في هذا القول للمجازاة، والثانية زائدة. والآخر: ما قاله أبو إسحاق الزجاج، أن أصله (مه) في معنى (اسكت) لكلام

стр. 1257

متكلم به، و (ما) بعدها للمجازاة. والدليل على (مهما) قد تضمنت معنى (ما) أنه قد يعود إليها الضمير مما بعدها كما يعود إلى (ما)، قال المتنخل الهذلي: إذا سدته سدت مطواعة ... ومهما وكلت إليه كفّاة (١) ف (الهاء) في كفاه عائد إلى (مهما)، كما تعود إلى (ما)، ولا يكون مثل هذا العائد في أين ومتى، لا تقل: أين تكن أكن فيه، ولا متى تأتني آتك فيه وأما كيف، فإن الخليل قال في المجازاة بها: هي مستكرهة، ولم يحتج لذلك، بل قوّى المجازاة بها حين قال: معناها: على أي حال تكن أكن. قال أبو سعيد: أحتاج أن أبين أن (كيف) حقيقتها وموضوعها، إنه اسم غير ظرف وإن كان قد يؤدي معناها قولهم (على أي حال)، والدليل على ذلك إذا قلت: كيف هذا الثوب؟ فالجواب أن يقال: خشن أو لين أو طويل أو قصير ونحو ذلك. وكذلك إذا قال: كيف زيد؟ فالجواب: سمح، أو صعب، أو شجاع أو جبان أو ما أشبه ذلك. ولو قال: على أي حال زيد؟ لقلت: على حال شدة أو على حال رخاء وهذا ما يقتضيه لفظ السؤال. ولو كان (كيف) ظرفا، لم يمتنع دخول حروف الجر عليه كدخولها على متى وأين في قولك: إلى متى يكون هذا؛ ومن أين أقبلت؟ فلو قال قائل: كيف زيد؟ فقيل في جوابه: على حال سيئة، أو على حال صفة لجاز، وليس بجوابه على الحقيقة والموضوع، ولكن يجوز ذلك لأن معناها معنى سيئ الحال أو حسن الحال الذي هو الجواب المطابق للسؤال ب (كيف). وقد اختصت (كيف) بأشياء ليست في نظائرها. منها أنها اسم ليس بظرف، لا يكون لها عائد، ولا يخبر عنها كمن، وما، وأي، تقول: من ضربته؟ وما أكلته؟ وأيّ أثبته؟ وتقول: من في الدار؟ وما عندك؟ وأيّ خلفك؟ ولا تقل: كيف ضربته؟ و (الهاء) عائدة إلى (كيف)، ولا كيف في الدار؟ كما قلت: من في الدار، على الابتداء أو الخبر. ومنها أنه لا يكون جوابها إلا نكرة، وجواب أخواتها يكون معارف ونكرات يقول

стр. 1258

القائل: كيف زيد؟ فيقال له: سخي أو بخيل أو شجاع أو جبان، ولا يجوز أن يقال: السخي، ولا البخيل ولا الشجاع ولا الجبان. وقد يقال في جواب (من زيد؟): أخوك، وزيد أخوك. ويقال في جواب (ما طعامك؟): اللحم والخبز، ويقال: لحم وخبز، وقد يقال في جواب (أي الناس زيد؟): أخوك، أو هذا، أو نحوهما من المعارف. ويقال: رجل بجنبك. ورجل في دارك، أو نحو ذلك من النكرات. فأما مع المجازاة بها، ففيه قولان: أحدهما: أنه لما كان أخواتها معارف ونكرات، وقصرت هي على أحد الأمرين، ضعفت عن التصريف بها في المجازاة، فالقول الآخر أنها لما لم يخبر عنها، ولا يعود إليها، كما يكون ذلك في: من، وما، وأي، ضعفت عن تصريفها في مواضع نظائرها من المجازاة، ولم تكن ضرورة مضطر إليها في المجازاة إذ كانت (على أي حال) تغني عنها كما قد ذكرناه. وتركوا المجازاة ب (كم) لأن (ما) و (من) تغنيان عنها، لأنهما في المجازاة لقليل ما يقعان عليه وكثيرة، ألا ترى أنك إذا قلت: كما تسر أسر، فمعناه: إن يسر قليلا أسر مثله، وإن يسر كثيرا أسر مثله، وليس المتكلم بعالم كمن يسير، ولا هو مستدع من المخاطب تعريفه مقدار سيره، وإنما وضعت (كم) ليتعرف بها المتكلم مقدار ما يسأل عنه ليقف عليه. وأما المجازاة ب (إذا) فإن ما منع من المجازاة بها إلا في الشعر، أن الذاكر لها في الكلام كالمعترف بأنها كائنة، كقولك: إذا طلعت الشمس فأتني؛ فالمتكلم معترف بطلوع الشمس، وحق ما يجازى به ألا يدرى أيكون أم لا يكون، كقولك: إن قدم زيد زرته، وإن تمطر اليوم نجلس للحديث، ولا يدري أتمطر اليوم أم لا؛ ولذلك حسن: إذا احمر البسر فأتني، وقبح: إن احمر البسر فائتني، لإحاطة العلم أن احمر البسر كائن. وإنما جاز المجازاة بها في الشعر لأنها قد شاركت (إن) في الاستقبال، ولأن وقتها غير معلوم، فأشبهت- لجهالة وقتها- ما لا يدري أيكون أم لا. وقد نستعمل (إذا) في الموضع الذي يحسن فيه (إن)، ولا يتبين بينهما فرق للمشابهة التي بينها، وكذلك تستعمل (إن) في موضع (إذا)؛ قد يقول القائل: إن متّ فأخرجوا ثلث مالي للفقراء والمساكين، وقال الله- ﵎: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ (١) والموت كائن لا محالة،

стр. 1259

وقال الشاعر: كم شامت بي أن هلكت ... وقائل: لله درّه (١) وقال آخر: إذا أنت لم تنزع عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل (٢) وقد يجوز أن ينزع، ويجوز ألا ينزع، ولا يحيط العلم بأي ذلك يكون. وقولهم: إن مات زيد كان كذا، أحسن من قولك: إن احمر البسر، لأن الموت وإن كان معلوما أنه كائن فلا يعرف وقته، واحمرار البسر معروف الوقت. وأما قوله: إذا لم تزل في كلّ دار ... (٣) فإن أبا عمر الجرمي كان يفسره: إذا لم تزل المرأة في كل دار عرفتها لها يسكب واكف من دمع عينيك؛ وخبر (لم تزل المرأة): في كل دار؛ وجواب (إذا): يسكب المضمرة قبل (واكف)، وتفسيره (يسكب) الذي في آخر البيت؛ ومثله في الكلام لو تكلم به: إذا لم يزل زيد قائما عمرو يقم، على معنى: يقم عمرو يقم. وقرب (واكف) من المعرفة لأنه موصول منعوت بقوله: من دمع عينيك. وقال الأخفش: إذا لم تزل عينك في هذه الدار واكف سجمت، وجعل (لها واكف) خبر (لم تزل) و (تسجم) جواب (إذا) وذكرت: يسكب، ويسجم، لأن البيت يروى على الوجهين. وقوله: وينجزم الجواب بما قبله، ويجوز أن يكون بجملة ما قبله، وهو (إن) والشرط، ويحتمل أن يكون ب (إن) وحدها؛ والاختيار عندي أن يكون ب (إن) وحدها، وقد مضى ذكر اختياري رفع خبر الابتداء بالابتداء. وأما قول الخليل: (إن) هي أم حروف الجزاء، فلأنها تدخل على الجزاء. في جميع وجوهه، وليست كذا سائر ما يجازى به، لأن (من) يجازى بها فيما يعقل، و (ما) فيما لا يعقل، و (أي) فيما يبعض، و (متى) للزمان، و (أين) و (حيثما) للمكان، (وأنى) نحو من ذلك، و (إذ ما) يتكلم بها القليل منهم، وما كل العرب تعرفها.

стр. 1260

ومما يدل على أن (إن) أم حروف الجزاء، أنها قد يسكت عليها ويحذف الشرط بعدها والجواب، ولا يفعل ذلك بغيرها، يقول القائل: لا آتى الأمير لأنه جائر، فيقال: ائته وإن: وكذلك: لا أصلي خلف فلان لأنه أعمى، فيقال: صل خلفه وإن؛ يراد بذلك: وإن كان جائرا، وإن كان أعمى فصل خلفه، وأنشد بعض النحويين في ذلك: قالت سليمى ليت لي بعلا يمن ... يغسل عن جلدي وينسينّي الحزن وحاجة ليس لها عندي ثمن ... مستورة قضاؤها منه ومن قالت بنات العمّ يا سلمى وإن ... كان عييّا معدما قالت وإن (١) والذي أحوج إلى إدخال (الفاء) في جواب الجزاء، أن أصل الجواب أن يكون مستقبلا، لأنه شئ مضمون فله إذا فعل الشرط، أو وجد مجزوما ملتبسا بما قبله من الشرط، ف (إن) هي التي تربط أحدهما بالآخر، ثم عرض في الكلام أن يجازى بالابتداء والخبر لنيابتهما عن الجواب، و (إن) لا تعمل فيهما، ولا يقعان موقع فعل مجزوم؛ فآتوا بحرف يقع بعده الابتداء والخبر، وجعلوه مع ما بعده في موضع الجواب، وذلك قولك: إن تزرني فعندي سعة، وإن تأتني فالمنزل لك؛ واختاروا (الفاء) دون (الواو) ودون (ثم) لأن حق الجواب أن يكون عقيب الشرط متصلا؛ لأنه بالشرط يستوجب، ومن أجل وقوعه يقع، و (الفاء) توجب ذلك لأنها في العطف بعد الذي قبله، متصل به؛ وتركوا (الواو) لأنها لا تدل على الترتيب؛ وعدلوا عن (ثم) لأن بينها وبين ما قبلها أكثر من مهلة (الفاء). وقد حذفت العرب (الفاء) في الجواب في ضرورة الشاعر، وسهل ذلك أن أصل الجواب لا يكون فيه (فاء) على ما ذكرناه، وتقديره: من يفعل الحسنات فالله، ويروى: فالرحمن، والذي قبله: من يفعل الخير فالرحمن يشكرها؛ وليس في هذه الرواية ضرورة ((وينكع العنز ظالما)) تقديره: فهو ظالم؛ ويكثر في المجازاة حذف المبتدإ بعد (الفاء) لأنه يجري ذكره في الشرط كقولك: إن تأتني فمحبوب؛ لأن المخاطب قد جرى ذكره في الشرط كقولك: إن تأتني فمحبوب، وإن يزرني زيد فمكرم، تقديره: فأنت محبوب، لأن المخاطب قد جرى ذكره في (تأتني)، وإن يزرني زيد فهو مكرم، لأنه قد جرى ذكره. وأما قوله: إن تأتني لأفعلن، ففيه وجهان:

стр. 1261

الأول: تقدير (الفاء). إن تأتني فلأفعلن. والآخر: نية التقديم. كأنه قال: لأفعلن إن تأتني. وكلاهما غير حسن، أما حذف (الفاء) فقد ذكرناه آنفا، وأما التقديم فإنه لا يحسن مع جزم الشرط ب (إن)، فإذا لم ينجزم بها حسن كقولك: إن أتيتني لأكرمنك، وإن لم تأتني لأغمنك؛ ومن أجل هذا ألزموا الشرط الفعل الماضي في اليمين، كقولك: والله لئن أتيتني لأكرمنّك، وو الله لئن جفوتني لا أزورك، لأن جواب اليمين يغني عن جواب الشرط، ويبطل جزمه، ويصير بمنزلة ما ذكر قبله، كأنه قال: والله لا أزورك؛ وإنما صارت (إن) إذا جزمت اقتضت مجزوما بعدها، لأنها بجزمها ما بعدها يظهر أنها تجزم، وجزمها يتعلق بفعلين، فإذا لم يظهر جزمها في الثاني صارت بمنزلة حرف جازم لا يؤتى بعده بمجزوم؛ ومن أجل ذلك قال الله- ﵎: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١) فقال: لنكونن، لأن جزم (تغفر) بلم لا ب (إن)؛ وقال: وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢). لما كانت (إن) هي الجازمة ل (تغفر). وأما قوله: هذا سراقة للقرآن يدرسه (٣) فذكر الأصمعي أن هذا البيت قديم، وأن أبا عمرو أنشده إياه، و (الهاء) في (يدرسه) للمصدر تقديره: للقرآن يدرس درسا، وكني عن الدرس. ولو قلنا: ضربته زيدا على هذا التأويل لجاز تقديره: ضربته الضرب زيدا وكني عنه، لأن الضرب قد دل عليه ضربت، ولا يحسن أن تكون (الهاء) ضمير القرآن، لأن القرآن وإن كانت فيه (اللام)، فقد جعل بمنزلة المفعول، واللام في صلة (يدرس)؛ ولو قلت: القرآن يدرسه لم يجز أن ينصب القرآن بيدرس، و (الهاء) ضميره. وكذلك قول الله- : لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (٤)، ولا يجوز (يرهبونه) و (الهاء) للرب- جل وعز-، ومثل هذا قول زهير بن جناب:

стр. 1262

من كل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحية (١) على معنى: قد نلت النيل، وحق الكلام: من كل ما نال الفتى قد نلت، كأنه قال: كل ما نال الفتى قد نلت؛ ومن أجل (الهاء) كان الأصمعي ينكر هذه الرواية، ويروي: ولكل ما نال الفتى قد نلته وكان لا يتوهم في (نلته) المصدر. وأما جعلهم (إذا) في موضع (الفاء) في الجواب، فيمكن أن يكون تشبيها ب (إذا) التي للمفاجأة؛ لأن الشرط يؤدي إلى الجواب، فكأنه هجم عليه وأثاره. وكذلك طريق المفاجأة، ألا ترى أنك إذا قلت: " أصابتهم سيئة فإذا هم يقنطون " (٢) كانت مفاجأة؛ وإصابة السيئة هجمت بهم على القنوط، وإذا دخل حرف الجزاء صار شرطا وجزاء، واكتفى ب (إذا) من (الفاء)، واستقبح ذكر (الفاء) معها في المجازاة. وقد يجزم الجواب وإن كان الشرط غير مجزوم، وأحسن ذلك أن يكون الشرط ب (كان) لقوة (كان) في باب المجازاة، ووقوعها على كل ماض ومستقبل، وذلك في قول الله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها (٣)، ولولا (كان) لم يقو إلّا الاستقبال، لأن قولك: (إن تأتني آتك) أحسن من (إن أتيتني آتك)، وإنما يجيء في الشعر أكثره. وقول سيبويه: إن تأتني فأكرمك، (أكرمك) عنده مرفوع، لأنه واقع موقع الابتداء، أي: فأنا أكرمك، وإنما ذهب إلى هذا لأن دخول (الفاء) إنما احتيج إليه بسبب المبتدإ والخبر على ما ذكرته قبيل هذا الفصل، ولولا ذلك لقال: إن تأتني أكرمك، وباقي الباب مستغن عن شرحه بوضوح كلام سيبويه أو شرح نظيره. هذا باب الأسماء التي يجازى بها وتكون بمنزلة (الذي) وتلك الأسماء التي يجازى بها: من، وما، وأيهم. فإذا جعلتها بمنزلة (الذي) قلت: ما تقول أقول، فتصير (تقول) صلة (ما) حتى تكمل اسما، فكأنك قلت: الذي تقول أقول. وكذلك من يأتيني آتيه، وأيّها تشاء أعطيك، قال الفرزدق:

стр. 1263

ومن يميل أمال السيف ذروته حيث ... التقى من حفافى رأسه الشّعر (١) وتقول: آتي من يأتيني، وأقول ما تقول، وأعطيك أيّها تشاء؛ هذا وجه الكلام وأحسنه، وذلك أنه قبح أن يؤخّر حرف الجزاء، إذا جزم ما بعده؛ فلما قبح ذلك حملوه على (الذي)، ولو جزموه هاهنا لحسن أن تقول: آتيك إن تأتني؛ وإذا قلت: آتي من أتاني، فأنت بالخيار، إن شئت كانت (أتاني) صلة، وإن شئت كانت بمنزلتها في (إن). فقد يجوز في الشعر: آتي من يأتني، وقال الهذلي: فقلت تحمّل فوق طوقك إنّها ... مطيّعة من يأتها لا يضيرها (٢) هكذا أنشدناه يونس كأنه قال: لا يضيرها من يأتها، كما كان: وإني متى أشرف ناظر- على القلب- ولو أريد به حذف (الفاء) جاز، فجعلت ك (إن). وإذا قلت: أقول مهما تقل، وأكون حيثما تكن، وأكون أين تكن، وآتيك متى تأتني، وتلتبس بها أنى تأتها، لم يجز إلا في الشعر، وكان جزما، من قبل أنهم لم يجعلوا هذه الحروف بمنزلة ما يكون محتاجا إلى الصلة حتى تكمل اسما، ألا ترى أنه لا يقال: لها تصنع قبيح، ولا في الكتاب مهما تقول، إذا أراد أن يجعل القول وصلا، فهذه الحروف بمنزلة (إن)، لا يكون الفعل صلة لها، فعلى هذا فأجز ذا الباب. قال أبو سعيد: هذه الأسماء التي يجازى بها المذكورة في هذا الباب، إنما يجازى بها إذا كانت مبتدأة في اللفظ، غير واقع عليها عامل خافض ولا غيره. وهذه الأسماء إن جرت مجرى (إن) في كونها صدورا، إذا جوزي بها فإنها تدخلها الأشياء الخافضة إذا كانت في صلة ما بعدها، أو كانت مبتدأة، وذلك للضرورة المؤدية إلى ذلك فيها دون أن تقول: بمن تمرر أمرر به، وعلى أيهم تنزل أنزل عليه، وفيما تزهد أزهد فيه؛ فالباء في صلة (تمرّ) الذي هو شرط، وفي موضع نصب بها؛ و (على) في صلة (تنزل) وهي في موضع نصب بها؛ و (من) و (ما) و (أيّهم) قد تضمنت الأسماء، وحرف الجزاء، والأفعال التي بعدهن أفعال تتعدى بحروف الجر؛ وحروف الجر لا تكون إلا قبل الأسماء، متصلّا بها، فقادت الضرورة إلى تقديمها لذلك وتأخير الأفعال العاملة فيها؛ لأن الفعل قد يجوز أن يعمل النصب فيما قبلها، فلم تكن بنا ضرورة إلى تقديم فعل الشرط

стр. 1264

عليها؛ فإذا أتينا ب (إن) انفصل الاسم من (إن) فوقع حرف الجر على الاسم وهو بعد (إن)، فلم يحتج إلى تقديمه كقولك: إن تمرر بزيد أمرر به، وإن تنزل على زيد أنزل عليه، وإن تزهد في شيء أزهد فيه. وكذلك إن وقع الشرط باسم مضاف، قدمته وأضفته إلى اسم المجازاة ضرورة كقولك: غلام من تضرب أضرب، وصاحب أيهم تعاشر أعاشر، تنصب (غلام) بيضرب، و (صاحب) بتعاشر؛ ولا بد من تقديمه من حيث كان خافضا لما بعده. ولو كانت (إن) لم يجز تقديم شيء، عليها لانفصال الاسم منها كقولك: إن تضرب غلام زيد أضرب. وكذلك المبتدأ المضاف إلى هذه الأسماء، كان حقه أن يكون فاعل فعل الشرط ويكون مضافا إلى الاسم الذي ليس بمبهم كقولك: إن يأتك غلام زيد، أو غلام خالد، أو غلام غيرهم. فلما أبهمت فيها فصار الاسم المبهم وهو (من) و (أيّهم) و (ما) متضمنا للاسم والحرف، أضفت إليه ضرورة كما أضفته إلى زيد وعمرو، وقدمته، فبطل أن يكون فاعلا، فرفع بالابتداء، كذلك الفاعل إذا قدّم على الفعل رفع بالابتداء كقولك: زيد قام، وعمرو انطلق. فإذا أوقعت على هذه الأسماء عاملا قبلها من غير ما ذكرنا بطلت المجازاة بها وصارت بمنزلة (الذي) واحتاجت إلى صلة على ما ذكره سيبويه ومثلها، وهذا هو المختار فيها. وقد يجوز أن يكون قبلها ما يعمل فيها، وتجريه مجرى فعل لا يتعدى، وليس بالمختار وذلك قولك: آتي من أتاني؛ الوجه المختار فيه أن تجعل (من) في موضع نصب ب (آتي) و (أتاني) في صلته، فيكون كقولك: آتي الذي أتاني. ويجوز أن يكون بمنزلة قولك: أخرج متى أتاني زيد، وأقيم أين أقام زيد، ويكون معناه: أخرج إن أتاني زيد، وأقيم إن أقام زيد؛ ويكون (متى) و (أين) ظرفين لما بعدهما، لا لأخرج وأقيم؛ وكذلك: آتي من أتاني، كأنه قال: آتي إن أتاني زيد، ولم يذكر (آتي) مفعولا، إلا أنه يعلم أنه يأتي الذي يأتيه كما تقول: ضربت وضربني زيد، فيعلم أن (ضربت) واقع على زيد؛ وكذلك لو قلت: إن يأتني زيد آت، وحذفت (الهاء)، لكان الوجه أن يكون: آته. وأما قوله:

стр. 1265

من يأتها لا يضيرها (١) ففي رفع (يضيرها) وجهان: أحدهما: بإضمار (الفاء) كأنه قال: فلا يضيرها؛ وهذا الوجه لا خلاف في جوازه. والوجه الآخر: يرتفع على التقديم كأنه قال: لا يضيرها من يأتها. وقد خالف سيبويه فيما أجازه من التقديم في هذا البيت اثنان: أحدهما: الذي يرى أن الفعل المرفوع إذا وقع بعد الشرط، لم يجز أن ينوي به التقديم، وإن حسن تقديمه. وقائل هذا محمد بن يزيد، يقول: إن أتيتني أكرمك، لا يجوز أن يكون بتقدير: أكرمك إن أتيتني، وإن كان يحسن أن يقول: أكرمك إن أتيتني. والمخالف الآخر زعم أنه لا يجوز بتقدير التقديم فيه، لأنا إن قدمناه لم يجز أن يكون (من) فاعلا ليضيرها لأنها قد جزمت (بأنها)، ولا يجوز أن تجزم وهي فاعلة لفعل قبلها؛ وإن لم تكن (من) هي الفاعلة فلا يبين لها فاعل، فلم يجز غيره التقديم من أجل ذلك. فأما أبو العباس فقد ذكرنا قوله قبل هذا، وصحته أن المرفوع إذا وقع بعد الشرط، فقد وقع في موقعه، فلا ينوي به التقديم الذي ليس بموضعه، كما لا يقال: ضرب غلامه زيدا على نية: ضرب زيدا غلامه، لأن الغلام وقع في موضعه لأنه فاعل، وحق الفاعل التقديم؛ والجواب عن هذا: أن الشرط على وجهين: أحدهما: أن يكون المعتمد المقصود تقديم الشرط، واتباع الجواب له كقولك: إن تأتني آتك، وإن تأتني فأنا مكرم لك، فلا يجوز تقديم الجواب على الشرط. والآخر: أن يكون الاعتماد على فعل وفاعل ومبتدإ؛ وحين يبتدئه المتكلم ويعلقه بشرط كما يعلقه بظرف فيقول: أكرمك إن أتيتني، وأنا مكرمك إن زرتني. كما تقول: أكرمك يوم الجمعة. فإذا قال: إن أتيتني أكرمك، فليس (أكرمك) بجواب، فيكون تقديمنا له إلى غير موضعه؛ وإنما جعل الفعل الذي القصد فيه التقديم، ويدل على ذلك أن المقسم إذا حلف على شرط وجزاء، جعل جواب القسم نائبا عن الجزاء، وجعل إعرابه ولفظه على جواب اليمين دون جواب الشرط في المجازاة. وإن كان واقعا بعد الشرط، وذلك قولك: والله لإن جفوتني لا أزورك، فترفع (لا
следующие страницы →