← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17726

شرح كتاب سيبويه للسيرافي

السيرافي، أبو سعيد

Полный текст (2 488 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وتشتمل على معنى كي، فإذا أتت كي مع اللام فالنصب للام، وكي مؤكّدة لها، وإذا انفردت كي فالعمل لها، وإن جاءت أن مظهرة بعد كي فهو جائز عند الكوفيين، وصحيح عندهم أن يقال: جئت لكي أن أكرمك، ولا موضع ل " أن " لأنّها تؤكد اللام كما أكّدتها كي، واحتجّوا بقول الشاعر: أردت لكي ما أن تطير بقربتي ... فتتركها شنّا ببيداء بلقع (١) وأجازوا ظهورها بعد حتى كظهورها بعد كي، والنصب عندهم ب (حتى) كالنصب بأن وكي ولا ضمير بعدها. وقالوا: إن قيل لأسيرنّ حتى أن أصبح بالقادسيّة؛ فهو جائز، والنصب ب (حتّى)، وأن توكيد ل " حتى " كما كانت توكيدا لكي. وقال أحمد بن يحيى ثعلب قولا خالف فيه أصحابه ولم يوافق البصريين، قال: في جئت لأكرمك، وسرت حتى أصبح بالقادسية، وقصدتك كي أكرمك. إنّ المستقبل منصوب بكي ولام كي وحتّى لقيامهنّ مقام أن. ومما احتجّ به الكوفيون أنّهم قالوا: لو كانت اللام الداخلة على الفعل هي اللام الخافضة لجاز أن تقول: أمرت بتكرم، على معنى أمرت بأن تكرم؛ فالجواب عن هذا أنّ حروف الجرّ لا تتساوى في ذلك، واللام تدخل على المصادر التي هي أعراض الفاعلين في أفعالهم، وهي شاملة يحسن أن تسأل عن كل فعل، فيقال: لم فعلت؛ لأن لكلّ فاعل غرضا في فعله، وباللام يخبر عنه ويسأل عنه، وحتّى وكي في ذلك المعنى. ألا ترى أنك تقول: مدحت الأمير ليعطيني، وكي يعطيني، وحتى يعطيني، ومعناها كلّها واحد، وقد يخفّف ما يكثر في كلامهم ويحذف منه أكثر الخبر، وممّا يحذف ما لم يكثر، وهم يحتجّون في الحذف والتّخفيف بالكثرة، كحذف لام الأمر وتاء المخاطب في أمر المواجه عندهم نحو: قم واذهب، والأصل لتقم ولتذهب، وأيش عندك، والأصل أي شيء عندك، ولم يكثر غير اللام في ذلك فيخفّف، وعلى أنّ هشام بن معاوية حكى عن الكسائي عن العرب: لا بدّ من يتبعها، بمعنى لا بدّ من أن يتبعها. وأما ما ذكره الشاعر من ظهور أن بعد كي فضرورة يجوز أن يكون الشاعر ذهب بها مذهب بدل أن من كيما؛ لأنّهما بمعنى واحد، كما يبدل الفعل من الفعل إذا كان في معناه، وعلى أنّ البيت غير معروف ولا معروف قائله.

стр. 1192

وزعم الكوفيون أنّ (مه) في (كيمه) و (حتّامه) ليست مخفوضة ولكنها منصوبة على مذهب المصدر، كقول القائل: أقوم كي تقوم، سمعه المخاطب ولم يفهم يقوم فقال: كيمه، يريد كي ماذا، والتقدير: كي يفعل ماذا، فموضع مه نصب على جهة المصدر والتشبيه به، وليس لكي في مه عمل جرّ. قال أبو سعيد: والصحيح ما قاله سيبويه؛ لأنّ سقوط الألف من ما في الاستفهام إنما يكون إذا كانت ما في موضع خفض واتصل بها الخافض، وإذا كانت ما استفهاما وقعت صدر الكلام ولم تسقط منها الألف كقولك: وما تصنع، ولا يجوز وم تصنع؟ ولو كان على ما قاله الكوفيون لجاز أن تقول أن مه، ولن مه، وإذن مه، إذا لم يفهم المستفهم ما بعد هذه الحروف من الفعل؛ لأنه إنما يسأله عن مصدر، والمصدر في الأفعال بعد أن وإذن ولن، وبعد كي وحتّى واحد، ولام الجحد عند سيبويه بمنزلة لام كي في إضمار أن بعدها، وبينهما فصل في إظهار أن بعدهما، فاستحسن ظهورها بعد لام كي ولم يجز ظهورها بعد لام الجحد؛ وإنما قبح ظهورها بعد لام الحجد لأنها نقيض فعل ليس تقديره تقدير اسم، ولا لفظه لفظ اسم، وهو السين وسوف، فإذا قلنا: ما كان زيد ليخرج فهو قبل الحجد: كان زيد سوف يخرج، أو سيخرج، فإذا قلنا ما كان زيد لأن يخرج بإظهار أن فكأنّا جعلنا مقابل سوف يخرج وسيخرج اسما، فكرهوا إظهار أن لذلك. ووجه آخر: وهو أنّ تقديره عندهم: ما كان زيد مقدّرا الآن يخرج، أو مستعدّا، أو هامّا، أو عازما، أو نحو ذلك من التقديرات التي توجب المستقبل من الفعل، وأن توجب الاستقبال، فاستغني بما تضمّن الكلام من تقدير الاستقبال من ذكر أن، وأمثّل هذا بما يكشفه؛ يقول القائل: عبد الله عمّي، فيقال له: ما كان عبد الله عمّك، ويقول القائل: عبد الله يصوم ويصلّي، فيقال: ما كان عبد الله يصوم ويصلّي، بغير لام، ويقول القائل: عبد الله يهمّ أن يقوم، ويريد أن يقوم، فيقال له: ما كان عبد الله ليقوم، ومنه قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: ٣٣]. وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ [التوبة: ١١٥]. كأنّ قائلا قال: هل الله يريد أن يعذّبهم؟ وهل الله يريد أن يضلّ قوما بعد إذ هداهم؟ فجعلت اللام علما لهذا المعنى. وقد فرّع أصحابنا على هذا مسائل؛ يقال: لم تركت زيدا وكان سيعطيك، ولو لم تلزمه كان أن يسعفك، ونحوه: كان عبد الله على أن يأتيك، وكان يقدّر أن يكرمك مكان لن يكرمك، كلّ هذا جيد بالغ مقيس، وبنيت هذه المسائل على تقدير ما كان

стр. 1193

يقال لزيد ويخبر به عنه في تلك الحال. وقال الكوفيون: لام الجحد هي العاملة بنفسها، وأجازوا تقديم المفعول كقولك: ما كنت زيدا لأضرب، وأنشدوا: لقد عذلتني أمّ ولم أكن ... مقالتها ما كنت حيّا لأسمعا (١) وهذا يحمل على إضمار فعل كأنه قال: ولم أكن لأسمع مقالتها، وبيّن ما أضمر بقوله لأسمعا، كما قال: وإنّى امرؤ من عصبة خندفيّة ... أبت للأعادي أن تديخ رقابها (٢) فاللام في الأعادي لا تكون في صلة تديخ، فيقدّر فعل قبله تقديره: أبت أن تديخ رقابها للأعادي. وباقي الباب مفهوم، أو ممّا ذكر تفسيره في غير هذا الباب. هذا باب ما يعمل في الأفعال فيجزمها قال سيبويه: " وذلك لم، ولمّا، واللام التي في الأمر، وذلك قولك: ليفعل، ولا التي للنّهي، وذلك قولك: لا تفعل؛ وإنما هو بمنزلة لم. واعلم أنّ اللام ولا في الدعاء بمنزلتهما في الأمر والنهي، وذلك قولك: لا يقطع الله يمينك، وليجزك الله خيرا. واعلم أنّ هذه اللام قد يجوز حذفها في الشعر وتعمل مضمرة، كأنهم شبّهوها بأن إذا عملت مضمرة. قال الشاعر: محمد تفد نفسك كلّ نفس ... إذا ما خفت من أمر تبالا وإنما يريد: لتفد نفسك، وقال متمّم بن نويرة: على مثل أصحاب البعوضة فاخمشى ... لك الويل حرّ الوجه أو يبك من بكى (٣) أراد: ليبك. واعلم أنّ حروف الجزم لا تجزم إلا الأفعال، ولا يكون الجزم إلا في هذه الأفعال المضارعة للأسماء، كما أنّ الجرّ لا يكون إلا في الأسماء. فالجزم في الأفعال نظير الجرّ في الأسماء، فليس للأسماء في الجزم نصيب، وليس للفعل في الجرّ نصيب، فمن ثمّ لم يضمروا الجازم. وقد أضمره الشاعر، شبّهه

стр. 1194

بإضمارهم ربّ وواو القسم في كلام بعضهم. وفي نسخة أبي بكر مبرمان وأبي محمد بن درستويه: (وأمّا يرحمك الله فإنّه رفع وإن كان دعاء، كما قالوا: غفر الله لك فجاءوا به على لفظ الخبر، وإنّما يريدون به الدعاء ". قال أبو سعيد: أمّا حذف اللام من لتفد نفسك فإنّ أبا العباس المبرّد ينكر البيت ويزعم أنه باطل، وأجاز البيت الثاني، وعطف (أو يبك من بكى) على معنى فاخمشي، وقدّره مجزوما باللام، فكأنّه قال: فلتخمشي أو يبك من بكى، ومثله قول الآخر، الحطيئة: فقلت ادعى وأدع فإنّ أندى ... لصوت أن ينادي داعيان (١) كأنه قال: فقلت لتدعي وأدع، وقد روي: وأدعو إنّ أندى على الجواب بالواو، وليس فيه شاهد. وقد ذكر أبو بكر مبرمان عن أبي علي عسل بن ذكوان عن أبي عثمان المازني أنّ الشاعر يجوز أن يكون أراد تفدي نفسك على الخبر، ولكنّه حذف الياء كما حذفوا من: دوامي الأيد، يريدون الأيدي. قال أبو سعيد: وأجود من هذا الاستشهاد خطّ المصحف، وقراءة من قرأ: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا [الكهف: ٦٤]. ولمّا معناها معنى لم، وجزمها كجزمها، وهي تزيد على لم بتطويل زمان، كما يقول القائل: ندم زيد ولم تنفعه الندامة، أي: وما نفعته الندامة عقيب ندمه وإذا قال: ولمّا تنفهه النّدامة، أي إلى وقته، وقوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١٤] دلّت لمّا على طول وقت الإتيان، ومنه قول الشاعر: فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولمّا أمزّق (٢) وما بين لم ولمّا كما بين فعل وقد فعل؛ فلم نفي فعل كقولك: جاء زيد، فيقول الرّادّ: لم يجيء زيد، ويقول القائل: جاء زيد وقد اغتمّ، فيقول: جاء زيد ولمّا يغتمّ، وهما في

стр. 1195

موضع الحال من زيد، ولو قال: جاء زيد ولم يغتمّ لم يحسن كحسن ولمّا يغتمّ. ومن أجل طول زمان قد ولمّا جاز حذف الفعل منهما كقولك: ندم فلان وقد نفعته الندامة، وندم غيره ولمّا تنفعه النّدامة، وتقول في قد: أزف الشّخوص وكأن قد، قال النابغة: أزف الترحّل غير أنّ ركابنا ... لمّا تزل برحالها وكأن قد (١) أي: كأن قد زالت. وقوله: يرحمك الله وغفر الله لك، على لفظ الخبر ومعنى الدعاء؛ كما أنّ قولنا: أكرم بزيد على لفظ الأمر ومعنى الخبر. وإنما جاز لفظ الخبر في الدعاء؛ لأنه يعلم أنّ القائل لهذا لا يعلم ما فعله الله بمن يدعو له من الرحمة وغيرها فيخبر به، فيعلم أنّ لفظ الإخبار منه على معنى الدعاء، ولا يجوز: قام زيد في معنى: ليقم زيد؛ لأنّ القائل لهذا يجوز أن يعلمه فيخبر به. هذا باب وجه دخول الرّفع في هذه الأفعال المضارعة للأسماء قال سيبويه: " اعلم أنّها إذا كانت في موضع اسم مبتدإ أو اسم مبني على مبتدإ أو في موضع اسم مرفوع غير مبتدإ ولا مبني على مبتدإ، أو في موضع اسم مجرور أو منصوب، فإنّها مرتفعة، وكينونتها في هذه المواضع ألزمتها الرفع، وهي سبب دخول الرّفع فيها وعلّته. فما عمل في الأسماء لم يعمل في هذه الأفعال على حدّ عمله في الأسماء، كما أنّ ما يعمل في الأفعال فيجزمها أو ينصبها لا يعمل في الأسماء. وكينونتها في مواضع الأسماء ترفعها كما ترفع الاسم كينونته مبتدإ. فأمّا ما كان في موضع المبتدإ، فقولك: يقول زيد ذاك، وأمّا ما كان في موضع المبني على المبتدإ، فقولك: زيد يقول ذاك. وأمّا ما كان في موضع غير المبتدإ ولا المبني عليه فقولك: مررت برجل يقول ذاك، وهذا يوم آتيك، وهذا زيد يقول ذاك، وهذا رجل يقول ذاك، وحسبته ينطلق. وهكذا هذا وما أشبهه. ومن ذلك أيضا: هلا يقول زيد ذاك، فيقول في موضع ابتداء، وهلا لا تعمل في

стр. 1196

اسم ولا فعل، فكأنّك قلت: يقول زيد ذاك، إلا أنّ من الحروف ما لا يدخل إلا على الأفعال التي في مواضع الأسماء المبتدأة، ويكون الحرف أولا قبل الأفعال، وسنبيّن ذلك إن شاء الله تعالى وقد بيّن فيما مضى. ومن ذلك أيضا قولهم: ائتني بعد ما يفرغ زيد، وما ويفرغ بمنزلة الفراغ، ويفرغ صلة وهي مبتدإة، وهي بمنزلتها في الذي إذا قلت بعد الذي يفرغ، فيفرغ في موضع مبتدإ؛ لأنّ الذي لا يعمل في شيء، والأسماء بعده مبتدأة. ومن زعم أنّ الأفعال ترتفع بالابتداء فإنه ينبغي له أن ينصبها إذا كانت في موضع ينتصب فيه الاسم، ويجرّها إذا كانت في موضع ينجرّ الاسم فيه، ولكنّها ترتفع بكينونتها في موضع الاسم. ومن ذلك أيضا قولك: كدت أفعل ذاك، وكدت تفرغ، وكدت: فعلت، وفعلت لا ينصب الأفعال ولا يجزمها، وأفعل هاهنا بمنزلتها في كنت، إلا أنّ الأسماء لا تستعمل في كدت وما أشبهها. ومثل ذلك: عيسى يفعل ذلك، فصارت كدت ونحوها بمنزلة كنت عندهم، كأنّك قلت: كدت فاعلا، ثم وضعت أفعل في موضع فاعل. ونظير هذا في العربية كثير، وسترى ذلك. إن شاء الله. ألا ترى أنك تقول: بلغني أنّ زيدا جاء، ف (أنّ) زيدا جاء كلّه اسم. ويقولون: لو أنّ زيدا جاء لكان كذا، فمعناه: لو مجيء زيد، ولا يقال: لو مجيء زيد. وتقول في التعجّب: ما أحسن زيدا، ولا يكون الاسم في موضع ذا، فتقول: ما محسن زيدا، ومنه: قد جعل يقول ذاك، كأنك قلت: صار يقول ذاك، فهذا وجه دخول الرفع في الأفعال المضارعة للأسماء. وكأنّهم إنّما منعهم أن يستعملوا في كدت وعسيت الأسماء أنّ معناها ومعنى نحوها تدخله أن، نحو قولهم: خليق أن يقول، وقارب أن يفعل. ويضطرّ الشاعر فيقول: كدت أن أفعل، فلمّا كان المعني فيهنّ ذلك تركوا الأسماء؛ لئلا يكون ما هذا معناه كغيره، وأجروا اللفظ كما أجروه في كنت؛ لأنه فعل مثله. وكدت أن أفعل لا يجوز إلا في شعر؛ لأنه مثل كان في قولك: كان فاعلا ويكون فاعلا. وكأن معنى جعل يقول، وأخذ يقول، قد آثر أن يقول ونحوه، فمن ثمّ منع

стр. 1197

الأسماء؛ لأنّ معناها معنى ما لا يستعمل بأن، فتركوا الفعل حين خزلوا أن، ولم يستعملوا الاسم لئلا ينقضوا هذا المعنى ". قال أبو سعيد: يعني لئلا ينقضوا مقاربة الحال، ومعنى تركوا الفعل أي بقّوه ولم يحذفوه. قال أبو سعيد: قد ذكرت من مذهب سيبويه أنّ رفع الفعل بوقوعه موقع الاسم، وهذا سبب رفعه. ووقوعه موقع الاسم عامل غير لفظي، ومنزلته منزلة الابتداء في أنه عامل غير لفظي لا في أنّه يرتفع بالابتداء، والفعل مرفوع سواء كان الاسم الذي وقع الفعل موقعه مرفوعا أو منصوبا أو مخفوضا؛ لأن وقوعه هذا الموقع هو الرافع له. ولو كان إعراب الفعل يتبع إعراب الاسم الذي وقع موقعه صار عامل الاسم عامله، وما يعمل في الاسم لا يعمل في الفعل، وعامل الفعل لا يعمل في الاسم. ورأي سيبويه أفعالا ترتفع في مواضع لا يقع فيها الاسم فبيّن أنّ تلك المواضع في الأصل تقع فيها الأسماء، وأنه عرض فيها معان اختاروا من أجلها لزوم الفعل وترك الأصل، فمن تلك المواضع: هلا يقول زيد ذاك، والأصل زيد يقول ذاك، ثم قال قائل: لا يقول زيد ذاك، فينفي يقول، فيحضّض السامع على القول، فيجعل مكان لا هلا، ولمّا كانت هلا وأخواتها للتحضيض ومعناهنّ معنى الأمر ذكر الفعل لئلا يزول معنى التحضيض والأمر، والموضع موضع ابتداء. ومثل ذلك: ما أحسن زيدا، ما مبتدأة، وأحسن فعل ماض في موضع خبر المبتدإ، وخبر المبتدإ في تقدير اسم؛ لأنه شيء هو المبتدأ، ونحن لا نقول: ما محسن زيدا؛ لأنّ أحسن فعل ماض يدلّ لفظه على استقرار الحسن فيه الذي باستقراره فيه يستحقّ التعجّب، ومحسن لا يدلّ على ذلك، وكذلك لو أن زيدا جاء لكان كذا، معناه: لو مجيء زيد، ولا يستعمل مجيء؛ لأنّ لو تجري مجري إن في الشرط والجواب، فاحتيج في شرطه إلى ذكر فعل يلزمه الشرط كلزومه في إن. وقوله: ائتني بعد ما يفرغ، ما موصولة ب (يفرغ) ويجوز وصلها بالابتداء والخبر كقولك: ائتني بعد ما زيد أمير، وتكون ما وما بعدها من الفعل بمنزلة المصدر، ك (أن) وما بعدها؛ غير أنّ أن تختصّ بالفعل فلذلك نصبته، وما يليها الاسم المبتدأ والخبر، ويليها الفعل، فلذلك لم تنصب الفعل. وإنما مثّلها سيبويه بالذي في أنّها لا تعمل شيئا كما لا تعمل الذي، وأمّا كدت أفعل ونحو ذلك مما يلزم فيه الفعل فالأصل

стр. 1198

فيه الاسم، وإنّما ألزموا فيه الفعل لأنّه أريد به الدلالة بصيغة الفعل على زمانه أو مداناته وقرب الالتباس به ومواقعته، فإذا قلت: كدت أفعل كذا، فلست بمخبر أنّك فعلته ولا أنّك عريت منه عري من لم يرمه، ولكنّك رمته وتعاطيت أسبابه حتى لم يبق بينك وبينه شيء إلا مواقعته، فإذا قلت: كدت أفعله فكأنّ أفعله حدّ انتهيت إليه ولن تدخل فيه، فكأنك قلت: كنت مقاربا لفعله وعلى حدّ فعله، ولفظ كدت أفعل أدلّ على حقيقة المعنى وأحضر في اللفظ، ومثله: عسي زيد أن يقوم، ومعناه: عسي زيد القيام؛ لأنّ القيام لا يدلّ على زمان محصّل، فلزموا الفعل الذي يدلّ على الزمان بعينه، وإذا قلت: عسي زيد يقوم- بإسقاط أن- جاز، ويقوم في موضع قائم، ولذلك قيل: (عسي الغوير أبؤسا)، وعسي زيد يفعل، إنّما تريد عسي زيد يفعل فيما يستقبل، وكاد زيد يفعل إنّما يقال لمن هو على حدّ الفعل وليس فيه مهلة، فلمّا كانت كذلك صارت للحال، وكاد وعسي وجعل ونحو ذلك سيعود عليك ذكره في موضعه من أبواب أن أبسط من هذا وأكثر شرحا إن شاء الله. هذا باب إذن قال سيبويه: اعلم أنّ إذن إذا كانت جوابا وكانت مبتدأة عملت في الفعل عمل أرى في الاسم إذا كانت مبتدأة. وذلك قولك: إذن أجيئك، وإذن آتيك. ومن ذلك أيضا قولك: إذن والله أجيئك. والقسم هاهنا بمنزلته في أرى إذا قلت: أري والله زيدا فاعلا. ولا تفصل بين شيء ممّا ينصب الفعل وبين الفعل سوى (إذن)؛ لأنّ إذن أشبهت أري، وهي في الأفعال بمنزلتها في الاسم، وهي تلغي وتقدّم وتؤخّر، فلمّا تصرّفت هذا التّصرف اجترءوا على أن يفصلوا بينها وبين الفعل باليمين. ولم يفصلوا بين أن وأخواتها وبين الفعل كراهة أن يشبّهوها بما يعمل في الأسماء، نحو: ضربت وقتلت؛ لأنّها لا تصرّف تصرّف الأفعال، ولا تكون إلا في أوّل الكلام لازمة لموضعها لا تفارقه، فكرهوا الفصل لذلك؛ لأنّه حرف جامد. واعلم أن إذن إذا كانت بين الفاء والواو وبين الفعل فإنك فيها بالخيار: إن شئت أعملتها كإعمال أري وحسبت إذا كانت واحدة منهما بين اسمين؛ وذلك قولك زيدا حسبت أخاك. وإن شئت ألغيت إذن كإلغائك حسبت إذا قلت: زيد حسبت أخوك.

стр. 1199

فأمّا الاستعمال فقولك: فإذن آتيك، وإذن أكرمك. وبلغنا أنّ هذا الحرف في بعض المصاحف وإذن لا يلبثوا خلفك إلا قليلا وسمعنا بعض العرب قرأها فقال: وإذن لا يلبثوا. وأمّا الإلغاء فقولك: فإذن لا أجيئك. وقال تعالى: فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً [النساء: ٥٣]. واعلم أنّ إذن إذا كانت بين الفعل وبين شيء الفعل معتمد عليه فإنّها ملغاة لا تنصب البتّة، كما لا تنصب أري إذا كانت بين الفعل والاسم في قولك: كان أري زيد ذاهبا، وكما لا تعمل في قولك: إنّي أري ذاهب. فإذن لا تصل في هذا الموضع إلى أن تنصب، فهذا تفسير الخليل. وذلك قولك: أنا إذن آتيك، هي هاهنا بمنزلة أري حيث لا تكون إلا ملغاة. ومن ذلك أيضا: إن تأتني إذن آتك؛ لأن الفعل هاهنا معتمد على ما قبل إذن. وليس هذا كقول ابن عنمة الضبي: اردد حمارك لا تنزع سويّته ... إذن يرد وقيد العير مكروب (١) من قبل أنّ هذا منقطع من الكلام الأوّل وليس معتمدا على ما قبله؛ لأنّ ما قبله مستغن. ومن ذلك أيضا: والله إذن لا أفعل، من قبل أنّ أفعل معتمد على اليمين، وإذن لغو. وليس الكلام هنا بمنزلته إذا كانت إذن في أوّله؛ لأنّ اليمين هاهنا الغالبة. ألا تري أنك تقول إذا كانت مبتدأة: إذن والله لا أفعل؛ لأنّ الكلام على إذن وو الله لا يعمل شيئا. ولو قلت: والله إذن أفعل، تريد أن تخبر أنّك فاعل، لم يجز، كما لا يجوز: والله أذهب، إذا أخبرت أنّك فاعل. فقبح هذا يدلّك على أنّ الكلام معتمد على اليمين، وقال كثير عزّة:

стр. 1200

لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها ... وأمكنني منها إذن لا أقيلها (١) وتقول: إن تأتني آتك وإذن أكرمك، إذا جعلت الكلام على أوله، ولم تقطعه، وعطفته على الأول. وإن جعلته مستقبلا نصبت، وإن شئت رفعته على قول من ألغي. وهذا قول يونس، وهو حسن؛ لأنّك إذا قطعته من الأول فهو بمنزلة قولك: فإذن أفعل، إذا كنت مجيبا رجلا. وتقول: إذن عبد الله يقول ذاك، لا يكون إلا هذا؛ من قبل أنّ إذن الآن بمنزلة إنّما وهل. كأنّك قلت: إنّما عبد الله يقول ذاك. ولو جعلت إذن هاهنا بمنزلة كي وأن لم يحسن؛ من قبل أنه لا يجوز لك أن تقول: كي زيد يقول ذاك، ولا أن زيد يقول ذاك. فلمّا قبح ذلك جعلت بمنزلة هل وكأنّما وأشبههما. وزعم عيسى بن عمر أنّ ناسا من العرب يقولون: إذن أفعل ذاك، في الجواب. فأخبرت يونس بذلك فقال: لا تبعدنّ ذا ولم يكن ليروي إلا ما سمع، جعلوها بمنزلة هل وبل. وتقول إذا حدّثت بالحديث: إذن أظنّه فاعلا، وإذن إخالك؛ وذلك لأنك تخبر أنّك تلك السّاعة في حال ظنّ وخيلة، فخرجت من باب أن وكي؛ لأنّ الفعل بعدهما غير واقع، وليس في حال حديثك فعل ثابت. ولمّا لم يجز ذا في أخواتها التي تشبّه بها جعلت بمنزلة إنّما. ولو قلت: إذن أظنّك، تريد أن تخبره أنّ ظنّك سيقع لنصبت، وكذلك إذا يضربك، إذا أخبرت أنّه في حال ضرب لم ينقطع. وقد ذكر لي بعضهم أنّ الخليل قال: أن مضمرة بعد إذن. ولو كانت مما يضمر بعده أن لكانت بمنزلة اللام وحتّى، ولأضمرتها إذا قلت: عبد الله إذن يأتيك، فكان ينبغي أن تنصب إذن يأتيك؛ لأن المعنى واحد، ولم يغيرّ فيه المعنى الذي كان في قوله: إذن يأتيك عبد الله، كما يتغيّر المعنى في حتى في الرفع والنصب فهذا ما رووا، وأمّا ما سمعت منه فالأوّل. قال أبو سعيد: إذن إذا وقف عليها فعامّة النّحويّين المتقدمين يرون الوقف عليها بالألف، وليست باسم منصوب منوّن، ولا بفعل لحقته النون الخفيفة وقبلها فتحة، وإنّما

стр. 1201

فعلوا ذلك؛ لأنّها قد تصرّفت فأعملت وألغيت، ووقعت لما لم يأت، ولما هو في الحال، وتقدمت وتوسّطت وتأخّرت، فلما كثر تصرّفها وانفتح ما قبل نونها ضارعوا بها التنوين والنون الخفيفة في الفعل إذا انفتح ما قبلها. وذكر أبو بكر مبرمان عن عسل بن ذكوان قال: الناس إذا وقفوا على إذن وقفوا بألف، والمازني لا يري ذا، ويقول: هي حرف بمنزلة أن ولن، تقف عليها كما تقف عليهما، ويقول هي بالأدوات أشبه منها بالأسماء لأنها تعمل عمل الأدوات. وأبو العباس المبرّد يحكي الوقف عليها بالألف، ويرى أن لو وقفوا عليها بالنون كان جيدا على الأصل في مثلها من الحروف. وقد اختلف القول في نصب إذن، فقال سيبويه: هي الناصبة العاملة، وذكر أنّ ذلك الذي سمعه هو من الخليل، وذكر عن غيره عن الخليل أنّ أن بعدها مضمرة، واحتجّ عليه بما ذكره في آخر الباب. وكان أبو إسحاق الزّجّاج يذهب إلى أنّ أن بعد إذن مضمرة، ويستدلّ على ذلك أنّ إذن لا تعمل شيئا أنها متى كانت للحال لم تعمل. قال أبو سعيد: وهذا لا يبطل عملها لأنّا قد رأينا ما يعمل في حال ويبطل عمله في أخرى، كقولنا: ما زيد قائما، في لغة أهل الحجاز، فإذا تقدم الخبر أو دخل حرف الاستثناء بطل عملها، وقد دخل في إذن أشدّ من ذلك؛ لأنّها إذا وقعت على الحال فليس ذلك في شيء من نواصب الفعل، وهي في نفسها قد تلغى، وكان ذلك من أقوي أسباب الإلغاء، وتقديم خبر ما ودخول الاستثناء ليس مما يعدم في ليس، وقد أبطل عمل ما المشبّهة بليس. قال أبو سعيد: وإنّما جاز إلغاء إذن لأنّها جواب يكفي من بعض كلام المتكلم، كما يكفي لا ونعم من كلامه، يقول القائل: إن تزرني أزرك، فيجاب: إذن أزورك، والمعنى: إن تزرني أزرك، فنابت إذن عن الشّرط، وكفت من ذكره، كما يقول: أزيد في الدار؟ فيقال له: نعم أولا، وتكفي نعم من قوله: زيد في الدار، ولا من قوله: ما زيد في الدار، فلمّا كانت إذن جوابا قويت في الابتداء؛ لأن الجواب لا يتقدّمه كلام، ولمّا وسّطت وأخرّت زايلها مذهب الجواب فبطل عملها، وإنّما جاز في الفاء والواو الإعمال والإلغاء لأنّهما للعطف، وقد يجوز عطف جملة على جملة ليس بينهما علقة كقولك: قام زيد ببغداد، وخرج عمرو من البصرة إلى الصّين، وليس بين الجملتين تعلّق، ويجوز أن يكون عطف شيء ليس بجملة على ما قبله، فإذا أعملت إذن وقبلها واو أو فاء فهما لعطف

стр. 1202

جملة على جملة، أوّل الجملة الثانية إذن، فوجب أن تكون عاملة لأنّها ابتداء، كقولك: إن تأتني آتك وإذن أكرمك، استأنفت إذن أكرمك فجعلته أول الجملة الثانية، وإذا جعلت أكرمك معطوفة على آتك صارت من الجملة الأولى؛ لأنّها داخلة في جواب إن تأتني بالعطف على آتك فجزمته؛ لأنّ إذن صارت غير مبتدأة فلم تعمل. ويجوز رفعه بإلغاء إذن على أنه داخل في الجملة الأولى في التقدير، كأنّه قال: إن تأتي آتك فقال: وأكرمك إذن، وتكون أكرمك في جملة الجواب الأول، كأنه قال: إن تأتني آتك فقال له: وأكرمك إذن، وتقدّم إذن على هذه النية، وسنرى رفع الفعل المرفوع بعد المجزوم في جواب الشّرط. وأمّا الرفع في قول كثير: (إذن لا أقيلها)؛ فلأنّ الكلام مبني على يمين، وهو جواب لئن، وتقديره: والله لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها لا أقيلها، وعبد العزيز بن مروان أخو عبد الملك، وقد تقدّم قبل هذا بيت فيه ذكر ما يعود هذا الضّمير إليه، وللنحويين فيه كلام وهو: وإنّ ابن ليلى فاه لي بمقالة ... ولو سرت فيها كنت ممّن ينيلها (١) الضّمير في قوله: عاد لي بمثلها، أراد: بمثل المقالة المذكورة في هذا البيت، والمعنى: ممن ينيلهوها، والعائد إلى من هو ضمير المذكّر المنصوب المحذوف، وضمير المؤنث للمقالة، وفي ينيلها ضمير فاعل لابن ليلى، والمعنى: ينيله ابن ليلى إياها، ومعنى لو سرت فيها: لو سرت في طلبها، وما قدّر في ينيلهوها على مذهب سيبويه في اتصال ضمير الغائب بضمير غائب مثله على نحو قول الشاعر: قد جعلت نفسي تطيب لضغمة ... لضغمهما ها يقرع العظم نابها (٢) فإن قيل: كيف ينيله المقالة؟ فإن المعنى: ينيله المقولة، هي فيه كقولنا: الخلق في معنى المخلوق، وباقي الباب مفهوم من كلام سيبويه، وممّا مرّ من شرحنا. هذا باب حتّى قال سيبويه: " اعلم أنّ حتى تنصب على وجهين: فأحدهما: أن تجعل الدخول غاية لمسيرك، وذلك قولك: سرت حتى أدخلها،

стр. 1203

كأنك قلت: سرت إلى أن أدخلها، فالناصب للفعل هاهنا هو الجارّ في الاسم إذا كان غاية. فالفعل إذا كان غاية منصوب، والاسم إذا كان غاية جرّ؛ وهذا قول الخليل. وأمّا الوجه الآخر: فأن يكون السّير قد كان والدخول لم يكن، وذلك إذا جاءت مثل كي التي فيها إضمار أن وفي معناها، وذلك قولك: كلّمته حتى يأمر لي بشيء. واعلم أنّ حتى يرفع الفعل بعدها على وجهين: تقول: سرت حتى أدخلها، تعني أنه كان دخول متصل بالسّير كاتّصاله بالفاء إذا قلت: سرت فأدخلها، وأدخلها هاهنا على قولك: هو يدخل، وهو يضرب، إذا كنت تخبر أنه في عمله، وأنّ عمله لم ينقطع. فإذا قال: حتى أدخلها فكأنه يقول: سرت فإذا أنا في حال دخول؛ فالدخول متّصل بالسير كاتّصاله بالفاء. فحتّى صارت هاهنا بمنزلة إذا وما أشبهها من حروف الابتداء؛ لأنها لم تجيء على معنى إلى أن، ولا معنى كي، فخرجت من حروف النصب كما خرجت إذن منها في قولك: إذن أظنّك. وأمّا الوجه الآخر: فإنّه يكون السّير قد كان وما أشبهه، ويكون الدخول وما أشبهه الآن، فمن ذلك: لقد سرت حتى أدخلها ما أمنع، أي حتى أنّي الآن أدخلها كيفما شئت. ومثل ذلك قول الرجل: لقد رأى مني عاما أوّل شيئا حتى لا أستطيع أن أكلّمه العام بشيء، ولقد مرض حتى لا يرجونه، والرفع هاهنا في الوجهين جميعا كالرفع في الاسم. قال الفرزدق: فيا عجبا حتّى كليت تسبّني ... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع (١) فحتّى هاهنا بمنزلة إذا، وإنما هي هاهنا كحرف من حروف الابتداء. ومثل ذلك: شربت حتى يجيء البعير يجرّ بطنه، أي: حتى أنّ البعير ليجيء يجرّ بطنه. ويدلّك على حتى أنّها حرف من حروف الابتداء أنّك تقول: حتى إنّه يفعل ذاك، كما تقول: فإذا إنّه يفعل ذاك. ومثل ذلك قول حسّان بن ثابت الأنصاري:

стр. 1204

يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل (١) ومثل ذلك: مرض حتى يمرّ به الطائر فيرحمه، وسرت حتى يعلم الله أننّي كالّ. فالفعل هاهنا منقطع من الأوّل، وهو في الوجه الأول الذي ارتفع فيه متّصل كاتصاله بالفاء، كأنه قال: كان سير فدخول، كما قال علقمة بن عبدة: ترادى على دمن الحياض فإن تعف ... فإنّ المندّى رحلة فركوب (٢) لم يجعل ركوبه الآن ورحلته فيما مضي، ولم يجعل الدخول الآن وسيره فيما مضي، ولكنّ الآخر متصل بالأوّل، ولم يقع واحد دون الآخر. وإذا قلت: لقد ضرب أمس حتى لا يستطيع أن يتحرك اليوم، فليس كقولك: سرت فأدخلها، إذا لم ترد أن تجعل الدخول السّاعة؛ لأنّ السير والدخول جميعا وقعا فيما مضى. وكذلك مرض حتى لا يرجونه، أي حتى إنّه الآن لا يرجونه؛ فهذا ليس متّصلا بالأول واقعا معه فيما مضى. وليس قولنا كاتصال الفاء يعني أنّ معناه معنى الفاء، ولكنّك أردت أن تخبر أنّه متّصل بالأول، وأنّهما وقعا فيما مضى. وليس بين حتى في الاتصال وبينه في الانفصال فرق في أنّه بمنزلة حرف الابتداء، وأنّ المعنى واحد إلا أنّ أحد الموضعين الدخول فيه بالسّير متصل، وقد مضى السير والدخول، وإنما اتصاله في أنّه كان فيما مضى، وإلا فإنّه ليس يفارق موضعه الآخر في شيء إذا رفعت ". قال أبو سعيد: من مذهب سيبويه: أنّ حتى من الحروف الخافضة للأسماء كاللام الخافضة للأسماء، وأنّها إذا نصبت الفعل فإنما تنصبه بإضمار أن كاللام، وقال الكسائي: حتى لا تخفض، إنّما تخفض بعدها إلى مضمرة ومظهرة، فيقال: أكلت السمكة حتى إلى رأسها؛ فقد حصل بهذا أنّ حتى لا تعمل في الأسماء شيئا إذ كان الخفض بعدها بغيرها. وقال الفرّاء وأصحابه: حتى من عوامل الأفعال مجراها مجري كي وأن، وليس عملها لازما في الأفعال إذ كان يبطل في: سرت حتى صبّحت القادسيّة، ودفعت حتى وصلت إلى الأمير، ثم لمّا صحبت إلى خفضت الأسماء لنيابتها عن إلى، وأنّها إذا عملت في

стр. 1205

الاسم لم يكن لها معناها حين تعمل في الفعل. وقال الكسائي في: حتى مطلع تخفضه إلى المضمرة وليس لحتّى فيه عمل. وقال الفرّاء: حتى هي الخافضة للمطلع لمّا قام مقام إلي. قال أبو سعيد: اعلم أنّ الحرف الواحد الذي أصل معناه واحد قد يستعمل في مواضع مختلفة، فيغلب عليه اختلاف مواضعه، فيصيّره كالحروف المختلفة حتى يعمل أعمالا مختلفة، وذلك نحو لا أصلها النفي للشيء وإبطاله، ثم استعمل في مواضع مختلفة من نهي يقابل به الأمر، ومن نفي يقابل به حروف الاستفهام، ومن دخول على مبتدإ وخبر وغير ذلك من مواضعه، فعملت أعمالا مختلفة من جزم ونصب ورفع، وأبطل عملها في بعض مواضعها؛ لأنّ تفرّقها في هذه المواضع المختلفة كتفرّق الحروف المختلفة اللّفظ والمعنى. ومن ذلك اللام المكسورة؛ لفظها واحد ومواضعها مختلفة، فجزمت الفعل وخفضت الاسم، ولا خلاف بين النّحويين فيما ذكرناه، وإنما يختلفون بعد ذلك في حروف تظهر لها أعمال، فلا يحقّقون تلك الأعمال لها، ويطلبون حروفا أخر يدّعون إضمارها لتلك الأعمال، وإبطال عمل هذا الظاهر عنها، وربّما جعلوا بعضها بدلا من شيء آخر، فمن ذلك ما يمكن تصحيحه ويقرب مأخذه، ومنه ما يبعد، وأنا أذكر منه ما أحوجنا إليه هذا الباب واللفظ الذي شرعنا فيه منه، وأذكر نحوه الذي يقتضيه فيما بعد إن شاء الله تعالى. فممّا يقرب تصحيحه قول سيبويه في حتى: إذا نصبت الفعل أنّها تنصبه بإضمار أن، وذلك أنّ حتى على مذهبه من حروف الجر؛ لأنّ ما بعدها في الاسم مخفوض إذا كانت غاية، وذلك قولك: خرج القوم حتى زيد. فإن قال قائل من أصحاب الكسائي: هلا أضمرتم بعد حتى إلى، وخفضتم زيدا به، كما حكينا عن الكسائي. قيل: لا يجوز ذلك لبعده في التقدير، وإبطال معنى حتى، وذلك أنّ موضوع حتى في الأسماء أن يكون الاسم الذي بعدها من جملة ما قبلها، وأنّ حتى اختصّت به من بين الجملة؛ لأنه يستبعد فيه الفعل أكثر من استبعاده في سائر الجملة، كقولنا: قاتل زيد السباع حتى الأسد؛ لأن قتاله للأسد أبعد من قتاله لغيره، وكذلك تقول: استجرأ على الأمير جنده حتى الضعيف الذي لا سلاح له؛ لأنّ استجراء الضعيف الذي لا سلاح له أبعد في النفوس من استجراء غيره من الجند؛ فلو جعلنا مكان حتى إلى فقلنا: استجرأ على الأمير

стр. 1206

جنده إلى الضعيف، ما جاز ولا أدّى عن معنى حتى، فإن قدّرناه بقولنا: استجرأ على الأمير جنده حتى انتهى استجراؤهم إلى الضعيف الذي لا سلاح له كان ذلك بزيادة كثيرة، وكانت إلى في صلة انتهى لا في صلة حتى، والذي ذكره الكسائي من إضمار ذكر إلى بعد حتى شيء منكر لا يعرف، وإذا جعلنا الخفض بنفس حتى على مذهب سيبويه فلا يخرج ذلك عن قياس النحو، وعن المتناولات العربية، وذلك أنّ حتى قد يليها المخفوض في حال، ويكون ما بعدها غير مخفوض في حال، ولها نظائر مما تخفض في حال ويبطل خفضها في حال نحو: منذ، ومذ، وخلا، وحاشى في الاستثناء، فظهور الخفض بعدها إذا لم يقم برهان على إضمار حرف خافض يوجب أنّها هي الخافضة، كما أنّ هذه الحروف هي الخافضة، ويدلّ على أنّها هي الخافضة قولهم: حتّام وحتّامه، وإلام وإلامه، وأصلها: حتى ما، وما للاستفهام ولا تسقط عنها الألف إلا أن يدخل عليها خافض، فعلم بذلك أنّ حتى خافضة. فلمّا كانت خافضة في الاسم إذا كانت غاية، ثم رأيناها تدخل على الفعل في معنى الغاية، جعلنا السّبيل فيهما واحدا، وبقّيناها على خفضها، وأحوجنا ما وجب لها من عمل الخفض أن نجعل ما عملت فيه اسما، ولا يكون الفعل اسما إلا بأن يقرب به أن؛ لأنّها والفعل بمنزلة المصدر، وإذا قدرناه لم يبعد تقديره؛ لأنّا لو قلنا لرجل: أقم حتى يقدم زيد، وقف حتى تطلع الشمس، فحتى هي للغاية، وإذا جئنا ب (إلى) التي هي للغاية كحتى وإن كانت تخالفها في معنى آخر قلنا: أقم إلى أن يقدم زيد، وقف إلى أن تطلع الشّمس؛ فموقع إلى موقع حتّى، ولا يجتمعان؛ لأن إحداهما تغني عن الأخرى. ويدلّك على أنّ حتى في موضع إلى في هذا الموضع أنّك تقول: أقم إلى قدوم زيد، وأقم حتى قدوم زيد، كما قال : حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ، وهذا أحد وجهي نصب الفعل بحتّي وهو الغاية، ولم يذكروا بعد حتى أن كما ذكروها بعد إلى؛ لأنّ إلى لا تدخل إلا على الأسماء ولا يبطل الخفض بها ولا يقدّر إلغاؤه فيها. وحتى يبطل عملها في أحوال؛ فتدخل على الأسماء بمعنى حروف العطف في قولك: رأيت القوم حتى زيدا، وجاءني القوم حتى زيد، وتدخل على الأفعال فتنصبها على غير وجه الغاية، وتدخل عليها العوامل ولا تعمل شيئا، وتكون كحروف الابتداء نحو: الواو والفاء، فلمّا كانت كذلك ألزموا إلى أن؛ لتظهر اسمية ما دخلت عليه، وقوّة لزومها الخفض، ومن أجل ذلك أيضا حسن ظهور أن بعد اللام المكسورة، ولا يحسن ظهورها بعد حتّى، وقد ذكرنا حسن سقوط أن بعد اللام والفرق بينها وبين غيرها من

стр. 1207

حروف الجرّ. والوجه الثاني من وجهي النصب بحتى تكون فيه أيضا حرف خفض؛ لأنّه يحسن فيه أن تقول: حتّامه، وقد مضي الكلام في نحوه. وأما وجها رفع الفعل بعد حتى فأصلهما وجه واحد في المعنى، وذلك أن يكون ما قبلها موجبا لما بعدها، ولكن ما يوجبه ما قبلها فقد يجوز أن يكون عقيبا له ومتّصلا به، وقد يجوز أن لا يكون متصلا به ولكن يكون موطّأ مسهّلا بالفعل الأول، متى اختاره صاحبه أوقعه، وقد وطيء له ومكّن منه. ومن هذا قوله: لقد سرت حتى أدخلها ما أمنع؛ لأن السّير مكّن له أن يدخلها كيف شاء في المستقبل، وكذلك: رأى مني عاما أول شيئا حتى لا أستطيع أن أكلّمه العام بشيء؛ لأن الذي رأى منه العام الأول هو الذي أصاره في عامه إلى الضّعف عن كلامه، وسائره محمول على مثل ما ذكرناه، وحتى في رفع الفعل بمنزلة الواو، والفاء، وإذا، وإنما، وسائر حروف الابتداء التي يرتفع الفعل بعدها، وسبيلها في بطلان عملها عن الفعل كسبيلها في بطلان عملها عن الاسم إذا قيل: رأيت القوم حتى زيدا، وجاءني القوم حتى زيد، ومعناها في الفعل في وجهي النصب الغاية ومعنى كي، وفي وجهي الرفع أن يكون الفعل الذي قبلها يوجب الفعل الذي بعدها ويوطئه. وأمّا قول سيبويه في الفعل المرفوع فيما مضي إذا قلت: سرت حتى أدخلها، كأنه قال: سرت فإذا أنا في حال دخول، فالدخول متصل بالسير كاتصاله بالفاء، فإنّما أراد أن يشبّه كون الفعل فيما مضى مع حتى بكونها مع الفاء فيما مضى، ولم يرد أن يوجب أنّ عمل حتى ومعناها كعمل الفاء ومعناها؛ لأنّ الفاء لا يوجب أنّ ما بعدها أوجبه ما قبلها؛ لو قال: خرجت فإذا زيد قائم لم يكن قيام زيد من أجل خروجك. وحتى هذه التي يرتفع الفعل بعدها يجوز أن يقع بعدها مبتدأ وخبر، وتقع إنّ بعدها مكسورة كقولك: مرض حتى إنّه الآن لا يرجونه، وأنس زيد بالأمير حتى هو يدخل عليه بغير إذن، ووادّ زيد أخاك حتى أهلهما يتوادّون. هذا باب الرفع فيما اتصل بالأول كاتصاله بالفاء وما انتصب لأنه غاية قال سيبويه: تقول: سرت حتى أدخلها، وقد سرت حتى أدخلها سواء، وكذلك: إني سرت حتى أدخلها، فيما زعم الخليل.

стр. 1208

فإن جعلت الدخول في كل ذي غاية نصبت. وتقول: رأيت عبد الله سار حتى يدخلها، وأرى زيدا سار حتى يدخلها؛ ومن زعم أن النصب يكون في ذا لأن المتكلم ليس بمتيقن، فإنه يدخل عليه: سار زيد حتى يدخلها فيما بلغني ولا أدري، ويدخل عليه: عبد الله سار حتى يدخلها أرى. فإن قال: لأني لم أعمل (أرى)، فهو يزعم أنه ينصب الفعل ب (أرى) وإن جعلت الدخول غاية، نصبت في ذا كله. وتقول: كنت سرت حتى أدخلها، إذا لم تجعل الدخول غاية. وليس بين (كنت وسرت) وبين (سرت مرة في الزمان الأول) حتى أدخلها شيء؛ وإنما ذا قول كان النحويون يقولونه ويأخذونه بوجه ضعيف، يقولون: إذا لم يجز القلب فيه، فيدخل عليهم (قد سرت حتى أدخلها) أن ينصبوا، وليس في الدنيا عربي يرفع (سرت حتى أدخلها) إلا وهو يرفع إذا قال: قد سرت. وتقول: سرت حتى أدخلها، وحتى أدخلها، إن جعلت الدخول غاية؛ وكذلك ما سرت إلا قليلا حتى أدخلها، إن شئت رفعت، وإن شئت نصبت، لأن معنى هذا معنى سرت قليلا حتى أدخلها، فإن جعلت الدخول غاية نصبت. ومما يكون فيه الرفع شيء ينصبه بعض الناس لقبح القلب، وذلك: ربما سرت حتى أدخلها، ونحو هذا؛ فإن احتجوا بأنه غير سير واحد فكيف يقولون إذا قلت: سرت غير مرة حتى أدخلها. وسألنا من يرفع في قوله: سرت حتى أدخلها، فرفع في (ربما)، ولكنهم اعتزموا على النصب في ذا كما اعتزموا عليه في (قد). ويقولون: ما أحسن ما سرت حتى أدخلها، وقلما سرت حتى أدخلها، إذا أردت أن تخبر أنك سرت قليلا وعنيت سيرا واحدا، وإن شئت نصبت على الغاية. وتقول: قلما سرت حتى أدخلها، إذا عنيت سيرا واحدا، أو عنيت غير سير، لأنك قد تنفي الكثير من السير الواحد، كما تنفيه من غير سير. وتقول: قلما سرت حتى أدخلها، إذا عنيت غير سير، وكذلك أقلّ ما سرت حتى أدخلها، من قبل أنّ (أقل ما) نفي لقوله (كثر ما) كما أن (ما سرت) نفي لقوله (سرت)؛ إلا أنه قبيح أن تقول: قلّ ما سرت فأدخلها، كما يقبح في (ما سرت) إذا أردت معنى: فإذا أنا أدخل.

стр. 1209

وتقول: قل ما سرت فأدخلها، فتنصب بالفاء هاهنا كما تنصب في (ما) و (لا يكون) كثر ما سرت فأدخلها، لأنه واجب؛ ويحسن أن تقول: كثر ما سرت فإذا أنا أدخل. وتقول: إنما سرت حتى أدخلها إذا كنت محتقرا لسيرك الذي أدى إلى الدخول، ويقبح: إنما سرت حتى أدخلها، لأنه ليس في هذا اللفظ دليل على انقطاع السير كما يكون في النصب، يعني إذا احتقر السير؛ لأنك لا تجعله سيرا يؤدي إلى الدخول وأنت تستصغره، وهذا قول الخليل؛ وإن لم تجعله غاية، ولم تحتقر، رفعت. وتقول: كان سيري أمس حتى أدخلها، ليس إلا النصب، وذلك أن (حتى أدخلها) خبر لكان، لأن (أمس) بمنزلة (اليوم) إذا قلت: جاء في اليوم عبد الله، فاليوم صلة لهذا، وكذلك (أمس) صلة للسير؛ واعتمد في الخبر على (حتى أدخلها)، فكأنه قال: كان سيري حتى أدخلها، فحتى أدخلها غاية، أو محمول على (كي)، كأنك قلت: كي أدخلها؛ ولا يجوز أن تقول: كان سيري فأدخلها إلا وأنت تريد أن تجيء ب (كان) التي تقع بلا خبر، كقولك: قد كان الأمر، أي: قد وقع الأمر؛ فإن أردت (كان) هذه، جاز أن تقول: كان سيري أمس حتى أدخلها. وتقول: كان سيري أمس سيرا متعبا حتى أدخلها، لأنك تقول هاهنا: فأدخلها، وفإذا أنا أدخلها، لأنك جئت لكان بخبر، وذلك قولك: سيرا متعبا. واعلم أن ما بعد (حتى) لا يشرك الفعل الذي قبل (حتى) في موضعه كشركة الفعل الآخر الأول إذا قلت: لم آتك فأقل، ولو كان ذلك لاستحال الكلام في قولك: كان سيري أمس شديدا حتى أدخل، ولكنها تجيء كما تجيء (ما) بعد إذا، وبعد حروف الابتداء. وكذلك هي أيضا بعد (الفاء) إذا قلت: ما أحسن ما سرت فأدخلها، ولأنها منفصلة؛ فإنما عنينا بقولنا (الآخر متصل بالأول) أنهما وقعا فيما مضى، كما أنه إذا قال: ... ... فإنّ المندّى رحلة فركوب (١) يعني أنهما وقعا في الماضي من الأزمنة، وأن الآخر كان مع فراغه من الأول. فإن قلت: كان سيري أمس حتى أدخلها، يجعل أمس مستقرا، جاز الرفع لأنه

стр. 1210

استغنى، فصار كسرت، لو قلت: فأدخلها حسن، ولا يحسن: كان سيري فأدخل، إلا أن تجيء خبرا لكان. واعلم أن (أسير) بمعنى (سرت) إذا أردت بأسير معنى سرت. واعلم أن الفعل إذا كان غير واجب، لم يكن إلا النصب، من قبل أنه إذا لم يكن واجبا، رجعت (حتى) إلى أن وكي، ولم تصر من حروف الابتداء، كما قلت: إذن أظنك، والظن غير واقع في حال حديثك. وتقول: أيهم سار حتى يدخلها، لأنك قد زعمت أنه قد كان سير ودخول، وإنما سألت عن الفاعل. ألا ترى أنك لو قلت: أين الذي سار حتى يدخلها وقد دخلها لكان حسنا، ولجاز هو الذي يكون لما قد وقع، لأن الفعل ثم واقع، وليس بمنزلة (قلما سرت) إذا كان نافيا لكثر ما سرت؛ ألا ترى أنه لو قال: قلما سرت فأدخلها أو حتى أدخلها، وهو يريد أن يجعلها واجبة خارجة من معنى (قلما)، لم يستقم إلا أن تقول: قلما سرت فدخلت، وحتى دخلت، كما تقول: ما سرت حتى دخلت. فإنما ترفع بحتى في الواجب، ويكون ما بعدها مبتدأ منفصلا من الأول، كان مع الأول فيما مضى أو الآن. وتقول: أسرت حتى تدخلها، نصبت، لأنك لم تثبت سيرا تزعم أنه قد كان معه دخول. قال أبو سعيد: هذا الباب معتمده ذكر ما كان بعد (حتى) متصلا بما قبله، وذلك من المرفوع ما كان متصلا بما قبله، وقد أوجبه ما قبله؛ ومن المنصوب ما كان غاية، وهما يتقاربان في اشتراكهما في اتصال ما قبلهما بما بعدهما؛ فاتصال المرفوع بما قبله كاتصال ما بعد (الفاء) بما قبلها، ولذلك يمثله بالفاء لإيصال ووقوع الثاني عقيب الأول. ووجه رفعه هو ما ذكرته لك. وليست (حتى) المنصوب ما بعدها من الفعل هي المرفوع ما بعدها، لأن المرفوع ما بعدها ليست بعاملة، والمنصوب ما بعدها حرف خفض؛ وكل فعل كان مبناه على الإيجاب فهو مما لم يرتفع فيه الفعل بعد (حتى)، فإن اتصل به تشكك كقولك: سار عبد الله حتى يدخلها، أو سار حتى يدخلها أرى، وكذلك: سار عبد الله حتى يدخلها. ويجوز أن يكون ما قبل (حتى) المرفوع ما بعدها من الفعل من باب أرى وأفعال الظن والمحسبة لأن القلوب تنعقد على ذلك- وإن كان فيه بعض عوارض الشك- كانعقادها على العلم واليقين، ويكون اللفظ عليه كما يكون ذلك في الخبر اليقين، وذلك قولك: أرى عبد الله سار حتى يدخلها، وكذلك: أظن عبد الله سار حتى يدخلها.

стр. 1211

وإن كان مبنى الكلام على جحد عقيبه استثناء يرده إلى الإيجاب فهو كالإيجاب كقولك: ما سرت إلا يوما حتى أدخلها، وما سرت إلا قليلا حتى أدخلها، لأنه لا فرق بين قولك: ما سرت إلا يوما، وبين سرت يوما؛ وما سرت إلا قليلا حتى أدخلها بمنزلة: سرت قليلا حتى أدخلها؛ والقليل قد يؤدي إلى الدخول، كما يؤدي الكثير إليه؛ وهذه العوارض التي تعارض المعرفة واليقين لا تغير لفظ الإيجاب كقولك: إنّ زيدا لقائم فيما أرى، وفيما أظن، وإن زيدا لقائم بلغني. وأما ما حكاه سيبويه عن بعض النحويين من اعتبار القلب فهو ضعيف يخالف كلام العرب، ولا لاعتبار ذلك أصل يرجع إليه؛ هؤلاء القوم أجازوا: سرت حتى أدخلها، ولم يجيزوا: كنت سرت حتى أدخلها، لأنه لا يحسن: سرت حتى أدخلها كنت، كما يحسن: حتى أدخلها سرت؛ فاحتج عليهم سيبويه بقول العرب: قد سرت حتى أدخلها، وهم لا يجيزون: سرت حتى أدخلها قد، ويقولون: ربما سرت حتى أدخلها، ولا يقولون: سرت حتى أدخلها ربما؛ واحتج عليهم أيضا بأنه لا فرق بين قولنا: كنت سرت حتى أدخلها وبين: سرت مرة في الزمان الأول حتى أدخلها، وهم يجيزون: سرت مرة في الزمان الأول حتى أدخلها، لأنه يحسن فيه القلب، تقول: سرت حتى أدخلها مرة في الزمان الأول. وذكر سيبويه: إنما سرت حتى أدخلها، فأجاز الرفع في موضع، ولم يجزه في موضع، وذلك أن (إنما) تكون على وجهين: أحدهما تحقير الشيء، والآخر الاقتصار عليه؛ فأما الاقتصار عليه فقولك في رجل ادّعي له الشجاعة والكرم واليسار، فاعترفت بواحد منها دون الباقي، وأثبته له فقلت: إنما هو موسر أو إنما هو شجاع، فعلى هذا الوجه يرفع الفعل بعد (حتى) إذا قلت إنما سرت حتى أدخلها، لأنك أثبت له المسير، وقد أداه إلى الدخول. وأما تحقير الشيء فقولك لمن تحقر صنيعا له: إنما تكلمت وسكت، وإنما سرت فقعدت، لم يعتد بكلامه ولا بسيره؛ فعلى هذا الوجه نصب سيبويه: إنما سرت حتى أدخلها، لأنه لم يعتد بسيره سيرا، فصار بمنزلة المنفي. ويقبح الرفع؛ لأنك لم تجعل السير مؤديا إلى الدخول، فيكون منقطعا بالدخول، وإلا نصبت (يدخل)، فيكون غاية السير، وهذا معنى قوله: ليس في هذا اللفظ دليل على انقطاع السير، يعني إذا رفعت مع التحقير. فأما أقلّ (ما سرت) فإنه يكون على وجهين: أحدهما أن يريد سيرا قليلا مؤديا

стр. 1212

كأنه قال: قل سيري، كما تقول: سرت قليلا؛ فهذا يرفع فيه الفعل الذي بعد (حتى) للمسير القليل الذي أدى إلى الدخول. والوجه الآخر أن يكون في معنى الجحد، وذلك قولك: قلما سرت حتى أدخلها، إذا عنيت غير سير، لأن معناه النفي لغير سير؛ وليس النفي لغير سير فعل يوجب الدخول فيرفعه؛ وكذلك قوله: أقل ما سرت حتى أدخلها، من قبيل أن (قلّ) نفي، وقد ذكرنا فيما تقدم أن (أقلّ رجل) و (أقلّ رجل) في معنى الجحد، بما أغني عن إعادته ". قال أبو سعيد: " ولو قلت: ما كثر ما سرت حتى أدخلها، وما طال ما سرت حتى أدخلها، لم يجز فيه غير النصب، لأنك لم تذكر فعلا يؤدي إلى الدخول، وإنما نفيت فعلا، ولم تثبت فعلا آخر؛ ولهذا نصب سيبويه بعد: أقلّ ما سرت حتى أدخلها، لما كان نفيا ل (كثر ما سرت)، كما أن (ما سرت) نفي لقوله: سرت، وقواه بأنه قبيح أن تقول: قل ما سرت حتى فأدخلها، كقبح ما سرت فإذا أنا داخل، لأن (الفاء) تقتضي أن ما بعدها وقع عقيب فعل اتصل به، وأنت قد نفيت ما قبل (الفاء)؛ ولو قلت: قلما سرت فأدخلها، فنصبت، كان جيدا للنفي، كما تقول: ما أتيتنا فنكرمك، ولا يحسن كثر ما سرت فأدخلها، لأنه موجب، والوجه كثر ما سرت فأدخلها بالرفع، كقولك: أنا آتيك فأكرمك، ولا يحسن فأكرمك بالنصب، وقد تقدم الرد على من يعتبر القلب وهو ينصب ربما سرت حتى أدخلها؛ وطال ما سرت حتى أدخلها، وكثر ما سرت حتى أدخلها. لأنه لا يحسن أن تقول: سرت حتى أدخلها ربما، ولا سرت حتى أدخلها طالما، وكثر ما. ثم قال عنهم: فإن احتجوا- يعني في نصبها- بأنه غير سير واحد، فرد كلامهم بأنه يقال: سرت غير مرة حتى أدخلها، وهذا لا يدفعونه، لأنه يحسن فيه القلب، ومعناه معنى: ربما سرت، وطال ما سرت فأبطل احتجاجهم بالنصب إذا تعلقوا بغير القلب. وقوله: ولكنهم اعتزموا على النصب في ذا، كما اعتزموا عليه في (قد)، يريد أن نصب العرب لما ينصبونه من: ربما سرت حتى أدخلها، وكنت سرت حتى أدخلها، وغير ذلك، وإنما نصبوه لا من أجل قبح القلب، ولكن لأن كل ما يرفع بعد (حتى) يجوز فيه النصب على الغاية، لأن ما بينهما متقارب في المعنى، لأن السير ينقطع عند الدخول، رفعت أو نصبت، فنصبهم لأنهم ذهبوا به مذهب الغاية، ويجوز فيه الرفع كما رفع من رفع في (قد)، ويجوز النصب عنده. وقوله: كان سيري أمس حتى أدخلها، في (أمس) وجهان: أحدهما: أن يكون في موضع نصب بسيري لا بخبر (كان)، كما تقول: كان قطعي

стр. 1213

المفازة حتى أدخلها، فتنصب المفازة بقطعي لا بخبر كان؛ فإذا كان كذلك وجب النصب في (أدخلها) لا غير، ويكون خبر (كان) حتى، وهي تكون خبرا للمصدر الذي يمتد في الزمان إذا كانت غاية كقولك: سيري إلى الليل، وسيري حتى الليل، وسيري إلى أن أدخل، وسيري حتى أدخل؛ فإن جئت بخبر (كان)، جاز الرفع والنصب فقلت: كان سيري أمس سيرا متعبا حتى أدخلها، وأدخلها، فإن شئت جعلت (أدخلها) من صلة سيرا متعبا، وإن شئت جعلته من صلة كان سيري، وقدمته فقلت: كان سيري أمس حتى أدخلها سيرا متعبا. والوجه الآخر أن تجعل (أمس) خبر سيري، كما تقول: كان القتال أمس، فإذا جعلته كذلك جاز الرفع والنصب في (حتى أدخلها). وقوله: " ما بعد (حتى) لا يشرك الفعل الذي قبل (حتى) في موضعه كشركة الفعل الآخر الأول إذا قلت: لم أجئ فأقل ". قال أبو سعيد: ((ليست (حتى) من حروف العطف في الأصل، وإنما عطف بها في الأسماء، الاسم الذي يصح أن يكون غاية كقولك: خرج القوم حتى زيد، كما تقول: خرج القوم حتى زيد، ولو قلت: خرج القوم حتى شأنك لم يجز، ولو قلت: وشأنك، وفشأنك جاز؛ لأنهما حرفا عطف وضعا للاشتراك. وإنما جاز العطف بحتى في الأسماء لأن الاسم المجرور بعد (حتى) داخل في الأسماء التي قبلها، فصار فيه معنى العطف بدخوله فيما دخل فيه ما قبله؛ وأما في الفعل فليس كذلك، وإنما شبّه بالفاء فيما مضى لاتصال الآخر بالأول، وأنهما قد وقعتا فيما مضى كقوله: ... ... فإنّ المندّى رحلة فركوب (١) لأن التندية والركوب قد وقعتا في الماضي من الأزمنة، والآخر كان مع فراغه من الأول)). وقوله: " واعلم أن (أسير) بمنزلة سرت، إذا أردت بأسير معنى سرت ". قال أبو سعيد: ((إنما يستعمل ذلك إذا كان الفاعل قد عرف منه ذلك الفعل خلقا وطبعا، ولا ينكر منه في المضي والاستقبال، ولا يكون لفعل فعله مرة من الدهر، من ذلك قول بعض بني سلول:

стр. 1214

ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني ... فمضيت ثمّت قلت لا يعنيني (١) يريد: ولقد مررت، ولم يرد أن ذلك كان منه مرة وأنه لا يعود إليه، وإنما أراد أن ذلك سجيته أبدا، وقال جرير: قالت جعادة ما لجسمك شاحبا ... ولقد يكون على الشباب نضيرا وسمعناه: ولقد كان، وكونه على الشباب نضيرا، فعل مستدام لا يقصد به إلى فعلة واحدة، بل يكون أبدا على الشباب نضيرا، فهذا حكمه دائما)). وقوله: أين الذي سار حتى يدخلها. لا يمنع الاستفهام من الرفع، لأن السير وجب، وإنما سأل عن صاحبه، وكذلك لو نفي فقال: ما رأيت الذي سار حتى يدخلها، وما ضربت الذي سار حتى يدخلها، لأن الاعتماد على نفي الرؤية والضرب. وأما قوله: أسرت حتى تدخلها؟ فالنصب، لأنه لم يوجب سيرا يجب به الدخول. ولو قال: قل ما سرت فأدخلها، إذا جعل الدخول واجبا فيما مضى، جعل اللفظ فيه ماضيا، فقال: قلما سرت فدخلت، لأن دخلت منقطع عن قلما سرت، فصار بمنزلته منفردا إذا كان ماضيا، ولم يكن ماضيا، ولم يكن قبله (قلما سرت)، فالإخبار عنه بلفظ المضي؛ ونحو من هذا قولهم: جاءني زيد أمس يضحك، ويضحك في موضع الحال، وإن كان وقوعه في (أمس). ولو خبّرت عن زيد بالضحك لم يجز أن يكون إلا بلفظ الماضي، ولم تقل إلا: ضحك زيد؛ وكذلك جاءني زيد يضحك أبوه، إذا كان متصلا بزيد؛ فإذا لم تجعله متصلا بزيد قلت: ضحك أبو زيد أمس، ولم يكن إلا ماضيا. وقال أبو الحسن الأخفش: (٢) ما سرت حتى أدخلها، معنى الرفع فيه صحيح، إلا أن العرب لم ترفع غير الواجب في باب (حتى)، ألا ترى أنك لو قلت: ما سرت فأدخلها، أي ما كان سير ولا دخول، أو قلت: ما سرت فإذا أنا داخل الآن لا أمنع، كان حسنا. وغلط أبو الحسن، وذلك أن الدخول في (حتى) إذا رفع إنما يقع بالسير، فإذا نفى السير لم يكن دخول.

стр. 1215

قال أبو سعيد: والذي عندي أن أبا الحسن أراد أن ما يدخل على قولك: سرت حتى أدخلها بعد وجوب بالرفع، فتبقى جملة الكلام، فلذلك رآه صحيحا في القياس، وإن كانت العرب لا تتكلم به. هذا باب ما يكون العمل فيه من اثنين قال سيبويه: " وذلك قولك: سرت حتى يدخلها زيد، إذا كان دخول زيد لم يؤده سيرك، ولم يكن سببه، فيصير هذا كقولك: سرت حتى تطلع الشمس، لأن سيرك لا يجوز أن يكون سببا لطلوع الشمس، ولا يؤديه، ولكن لو قلت: سرت حتى يدخلها ثقلي، وسرت حتى يدخلها بدني، لرفعت، لأنك جعلت دخول ثقلك يؤديه سيرك، وبدنك لم يكن دخوله إلا بسيرك. وبلغنا أن مجاهدا قرأ الآية: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ (١)، وهي قراءة أهل الحجاز. وتقول: سرت حتى يدخلها زيد وأدخلها، وتقول: سرت حتى أدخلها ويدخلها زيد، إذا جعلت دخول زيد من سبب سيرك، وهو الذي أدّاه، ولا تجد بدّا من أن تجعله هاهنا في تلك الحال، لأن رفع الأول لا يكون إلا وسبب دخوله سيره. وإذا كانت هذه حال الأول، لم يكن للآخر بد من أن يتبعه، لأنه يعطفه على دخولك في (حتى)؛ وذلك أنه يجوز أن تقول: سرت حتى يدخلها زيد، إذا كان سيرك يؤدي إلى دخوله، كما تقول: سرت حتى يدخلها ثقلي، وتقول: سرت حتى أدخلها، وحتى يدخلها زيد، لأنك لو قلت: سرت حتى أدخلها وحتى تطلع الشمس، كان جيدا وصارت إعادتك (حتى) كإعادتك له في (تبّا له) و (ويل له)، ومن عمرا؟ ومن أخو زيد؟ وقد يجوز أن تقول: سرت حتى يدخلها عمرو، إذا كان أداه سيرك؛ ومثل ذلك قراءة أهل الحجاز وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ [البقرة: ٢١٤]. واعلم أنه لا يجوز: سرت حتى أدخلها، وتطلع الشمس، هذا محال، لأن طلوع الشمس لا يكون أن يؤديه سيرك، فترفع (تطلع الشمس) وقد حلت بينه وبين (حتى). ويحسن أن تقول: سرت حتى تطلع الشمس وحتى أدخلها، كما تقول: سرت إلى يوم الجمعة وحتى أدخلها، وقال امرؤ القيس:

стр. 1216

سريت بهم حتّى تكلّ مطيّهم ... .. وحتّى الجياد ما يقدن بأرسان (١) فهذه الآخرة هي التي ترفع. وتقول: سرت وسار حتى ندخلها، كأنك قلت: سرنا حتى ندخلها؛ وتقول: سرت حتى أسمع الأذان، هذا وجهه، وحدّه النصب، لأن سيرك ليس يؤدي سمعك الأذان، إنما يؤديه الصبح؛ ولكنك تقول: سرت حتى أكلّ، لأن الكلال يؤديه سيرك. وتقول: سرت حتى أصبح، لأن الإصباح لا يؤديه سيرك، إنما هي غاية طلوع الشمس. وفي نسخة أبي بكر مبرمان (٢) وغيرها، قال أبو الحسن: أنا أزعم أن (حتى) هذه التي ترفع ما بعدها ليست (حتى) التي تنصب ما بعدها. قال أبو سعيد: قد ذكرنا أن رفع الفعل بعد (حتى) بإيجاب ما قبله له وتأديته إليه، فإذا قلت: سرت حتى أدخلها جاز أيضا أن يدخلها من يتبعك ومن يسير بسيرك من أجير وعبد وصاحب ورفقة، كنت أنت بسيرك سببا لسيرهم المؤدي إلى الدخول، وكذلك ما معك من ظهر وثقل، دخوله بسيرك لأنه تابعك. وقوله: لا يجوز سرت حتى أدخلها وتطلع الشمس، لأن تطلع الشمس، لا يرتفع أبدا، لأن السير لا يؤدي إليه، ولا يكون سببا له، فبطل عطفه على (أدخلها)؛ ولا يجوز نصبه وليس قبله ما ينصبها، لأن (حتى) إذا ارتفع ما بعدها فليست هي (حتى) التي تنصب الفعل بعدها، وقد ذكرنا هذا فيما مضى. ولو أعاد (حتى) وجعلها ناصبة فقال: سرت حتى أدخلها وحتى تطلع الشمس جاز. وأما قوله: وقد حلت بينه وبين (حتى)، يعني أنك حلت ب (أدخلها) المرفوعة بين (تطلع) وبين (حتى) الناصبة كأن (أدخلها). لو لم يكن، وكان في موضعها (تطلع

стр. 1217

الشمس) لجئنا (حتى) الناصبة في موضع (حتى) التي يرتفع الفعل بعدها، فهذه حيلولة ما بين (حتى) وبين (تطلع) وإنما خالفوا بين (أدخلها) وبين (حتى) المعدومة كما تقول: حلت بين زيد وبين الأكل، وحلت بينه وبين الغسل إذا منعته من فعلهما فهما معدومان؛ وأما بيت امرئ القيس، فلو رفع (بكل) لجاز، ولكنه نصب ليريك جواز عطف (حتى) على (حتى)، وهما مختلفان في النصب والرفع، لأن الأولى قد نصبت (بكل)، والثانية بعدها مبتدأ وخبر، فلو وقع موقع المبتدإ فعل لكان مرفوعا. وقد فرع أصحابنا مسائل في باب (حتى) رأيت ذكرها متصلا بهذا الباب. تقول: سرت حتى مطلع الشمس، وسرت حتى الظهر، ومنه قول الله- سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (١) ولا يجوز أن تقول: سرت حتى الشام، ولا سرت حتى مكانك، إلا أن تذكر الأمكنة قبلها، والجملة التي بعد (حتى) جزء منها، فتكون كالغايات بعد (حتى)، وذلك قولك: دخلت المدن حتى الشام، وسرت على الجسور حتى جسر بغداد، ولا يحتاج في الأزمنة إلى ذلك، لأن الأزمنة تحدث على ترتيب، وشبهت بالأفعال، و (حتى) تقع على الأفعال كلها، فصار قولك: قف حتى تطلع الشمس، وحتى طلوع الشمس بمنزلة، وكذلك المصادر كلها: قف حتى مجيء زيد، وحتى قيام الأمير. ولو قلت: أخذت من الدار حتى أقصاها، لم يجز، لأنك لم تذكر ما أقصاها جزء منه، ولو قلت: أخذت الدار حتى أقصاها جاز؛ ولو قلت: أقمنا حتى اليوم، وحتى الليلة، وحتى العشية، وحتى الغداة، والساعة، والعام حسن. ولو قلت: أقمنا حتى الشهر، وحتى السنة، واليومين، والليلتين، والشهور، والأشهر لم يجز، فإن نعته بما يزيل عنه الإبهام جاز، كقولك: أقمنا حتى الشهر المستطاب؛ وإنما جاز هذا فيما أجزناه فيه لأنه وقت مخصوص لا إبهام فيه، وذلك أنهم يقولون: أنا اليوم خارج، وأنا اليوم صائم، وأنا الليلة عندك، وأنا العام حاج، فيعلم ما اتفقوا عليه واعتادوه، أنه يراد اليوم الذي هو فيه، والعام الذي هو فيه؛ ولا يقولون: أنا الشهر خارج، وهم يريدون الشهر الذي هم فيه. وإذا قلت: أنا اليومين صائم، لم يعلم به يومان بأعيانهما حتى تزيد فيه ما يزيل الإبهام مثل: أنا اليومين المتصلين باليوم صائم، فقس على ذلك إن شاء الله تعالى.

стр. 1218

هذا باب الفاء اعلم أن ما انتصب في باب (الفاء) فإنه ينتصب على إضمار (أن)، وما لم ينتصب فإنه يشرك الفعل الأول فيما دخل فيه، أو يكون في موضع مبتدإ، أو مبني على مبتدإ، أو موضع اسم مما سوى ذلك. وسأبين ذلك إن شاء الله. تقول: لا تأتيني فتحدثني، لم ترد أن تدخل الآخر فيما دخل فيه الأول، فتقول: لا تأتيني ولا تحدثني، ولكنك لمّا حولت المعنى عن ذلك تحوّل إلى الاسم؛ كأنك قلت: ليس يكون منك إتيان فحديث، فلّما أردت ذلك استحال أن تضمّ الفعل إلى الاسم، فأضمروا (أن)، لأن (أن) مع الفعل بمنزلة الاسم؛ فلم نووا أن يكون الأول بمنزلة قولهم: لم يكن إتيان، استحالوا أن يضموا الفعل إليه، فلما أضمروا (أن) حسن، لأنه مع الفعل بمنزلة الاسم. و (أن) لا تظهرها هنا لأنه لا يقع فيها معان لا تكون في التمثيل، كما لا يقع معنى الاستثناء في (لا يكون) ونحوها إلا أن تضمر؛ ولولا أنك إذا قلت: لم آتك، صار كأنك قلت: لم يكن إتيان، لم يجز: فأحدثك، كأنك قلت في التمثيل: فحديث؛ وهذا تمثيل ولا يتكلم به بعد (لم آتك)، لأنك لا تقول: لم آتك فحديث، فكذلك لا تقع هذه المعاني في (الفاء) إلا بإضمار (أن)، ولا يجوز إظهار (أن). كما لا يجوز إظهار المضمر في (لا يكون) ونحوها. فإذا قلت: لم آتك، صار كأنك قلت: لم يكن إتيان، ولم يجز أن تقول: فحديث، لأن هذا لو كان جائزا لأظهرت (أن). ونظير جعلهم لم آتك، ولا آتيك، وما أشبه ذلك بمنزلة الاسم في النية، حتى كأنهم قالوا: لم يك إتيان، إنشاد بعض العرب قول الأحوص اليربوعي: مشائيم ليسوا مصلحيين عشيرة ... ولا ناعب إلّا ببين غرابها (١) ومثله قول الفرزدق: وما زرت سلمى أن تكون حبيبة ... إليّ ولا دين بها أنا طالبه (٢)

стр. 1219

جرّه لأنه صار كأنه قال: لأن، ومثله قول زهير: بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا (١) لما كان الأول تستعمل فيه (الباء) ولا تغير المعنى، وكانت مما يلزم الأول، نونّها في الحرف الآخر، حتى كأنهم تكلموا بها في الأول. وكذلك صار (لم آتك) بمنزلة لفظهم (فلم يكن إتيان) لأن المعنى واحد. واعلم أن ما ينتصب في باب (الفاء) قد ينتصب على غير معنى واحد، وكان ذلك على إضمار (أن) إلا أن المعاني مختلفة، كما أن (يعلم الله) يرتفع كما يرتفع (يذهب زيد)، و (علم الله) ينتصب كما ينتصب (ذهب زيد)، وفيهما معنى اليمين. والنصب هاهنا في التمثيل كأنك قلت: لم يكن إتيان فأن تحدّث، والمعنى على غير ذلك، كما أن معنى (علم الله لأفعلن) غير معنى (رزق الله)، ف (أن تحدّث) في اللفظ مرفوع ب (يكن)، لأن المعنى: لم يكن إتيان فيكون حديث. وتقول: ما تأتينا فتحدثنا، فالنصب على وجهين من المعاني: أحدهما: ما تأتيني فكيف تحدثني؟ أو لو أتيتني لّحدثتني. وأما الآخر: فما تأتيني أبدا إلا لم تحدثني، أي منك إتيان كثير ولا حديث منك. وإن شئت شركت بين الأول والآخر، فدخل الآخر فيما دخل فيه الأول، فتقول: ما تأتيني فتحدثني فكأنك قلت: ما تأتيني وما تحدثني. فمثل النصب قول الله- ﵎: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا (٢)، ومثل الرفع قوله- سبحانه-: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣) أي: وما يعتذرون. وإن شئت رفعت على وجه آخر، كأنك قلت: فأنت تحدّثنا، ومثل ذلك قول بعض الحارثيين: غير أنّا لم تأتنا بيقين ... فنرجّي ونكثر التأميلا (٤) وتقول: ما أتيتنا فتحدثنا، فالنصب فيه كالنصب في الأول؛ وإن شئت رفعت

стр. 1220

على: فأنت تحدّثنا الساعة، والرفع فيه يجوز على (ما). وإنما اختير النصب لأن الوجه هاهنا وحدّ الكلام أن تقول: ما أتيتنا فحدثتنا، فلما صرفوه عن هذا ضعف أن يضموا (تفعل) إلى (فعلت)، فحملوه على الاسم، كما لم يجز أن يضموه إلى الاسم في قولهم: ما أنت منا فتنصرنا ونحوه. وأما الذين رفعوه فحملوه على موضع (أتيتنا)، لأن (أتيتنا) في موضع فعل مرفوع، و (تحدثنا) هاهنا في موضع (حدّثتنا). وتقول: ما تأتينا فتكلّم إلا بالجميل، فالمعنى: أنك لم تأتنا إلا تكلمت بجميل، ونصبه على إضمار (أن)، كما كان نصب ما قبله على إضمار (أن)، وتمثيله كتمثيل الأول؛ وإن شئت رفعت على الشّركة كأنه قال: وما تكلّم إلا بالجميل. ومثل النصب قول الفرزدق: وما قام منّا قائم في ندينّا ... فينطق إلّا بالتي هي أعرف (١) وتقول: لا تأتينا فتحدّثنا إلا ازددنا فيك رغبة، والنصب هاهنا كالنصب في: ما تأتيني فتحدّثني، إذا أردت معنى: ما تأتيني فتكون محدّثا، وإنما أراد معنى: ما أتيتني فتكون محدثا إلا ازددت فيك رغبة، ومثل ذلك قول اللعين المنقري: وما حلّ سعدىّ غريببا ببلدة ... فينسب إلا الزّبرقان له أب (٢) وتقول: لا يسعني شئ فيعجز عنك، أي: لا يسعني شئ فيكون عاجزا عنك ولا يسعني شئ إلا لم يعجز عنك. هذا معنى الكلام، وإن حملته على الأول قبح المعنى، لأنك لا تريد أن تقول: إن الأشياء لا تسعني ولا تعجز عنك فهذا لا ينويه أحد وتقول: ما أنت منا فتحدثنا، ولا يكون الفعل محمولا على (ما)، لأن الذي قبل الفعل ليس من الأفعال فلم يشاكله، قال الفرزدق: ما أنت من قيس فتنبح دونها ... ولا من تميم في اللها والغلاصم (٣) وإن شئت رفعت على قوله: فترجّى وتكثر التّأميلا (٤)

стр. 1221

وتقول: ألا ماء فأشربه، وليته عندنا فيحدّثنا، وقال أمية بن أبي الصلت: ألا رسول لنا منّا فيخبرنا ... ما بعد غايتنا من رأس مجرانا (١) لا يكون في هذا إلا النصب لأن الفعل لم تضمه إلى فعل. وتقول: ألا تقع إلى الماء فتسبح، إذا جعلت الآخر على الأول، كأنك قلت: ألا تسبح؛ وإن شئت نصبته على ما انتصب عليه ما قبله، كأنك قلت: ألا يكون وقوع فأن تسبح. فهذا تمثيل وإن لم يتكلم به. والمعنى في النصب أنه يقول: إذا وقعت سبحت. وتقول: ألم تأتنا فتحدثنا، إذا لم يكن على الأول؛ وإن كان على الأول جزمت، ومثل النصب قوله: ألم تسأل فتخبرك الرّسوم ... على مرتاج والطّلل القديم (٢) وإن شئت جزمت على أول الكلام. وتقول: لا تمددها فتشقّها، إذا لم تحمل الآخر على الأول، وقال الله: : قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ (٣) وتقول: لا تمددها فتشقها. إذا شركت بين الآخر والأول كما شاركت بين الفعلين في (لم). وتقول: ائتني فأحدثك، وقال أبو النجم: يا ناق سيري عنقّا فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا (٤) ولا سبيل هاهنا إلى الجزم، قبل أن هذه الأفعال التي يدخلها الرفع والنصب والجزم وهي الأفعال المضارعة، لا تكون في موضع (افعل) أبدا، لأنها إنما تنتصب وتنجزم بما قبلها، و (افعل) مبنية على الوقف. فإن أردت أن تجعل هذه الأفعال أمرا أدخلت (اللام) وذلك قولك: ائته فليحدثك، وفيحدثك إذا أردت المجازاة؛ ولو جاز الجزم في: ائتني فأحدثك ونحوها لقلت: تحدثني، تريد الأمر.

стр. 1222

وتقول: ألست قد أتيتنا فتحدثنا، إذا جعلته جوابا ولم تجعل الحديث وقع إلا بالإتيان؛ وإن أردت: فحدثتنا، رفعت. وتقول: كأنك لم تأتنا فتحدثنا؛ وإن حملته على الأول جزمته. وقال رجل من بني دارم: كأنّك لم تذبح لأهلك نعجة ... فيصبح ملقى بالفناء إهابها (١) وتقول: ودّ لو تأتيه فتحدثه. والرفع جيد على معنى التمني؛ ومثله قول الله- : وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٢). وزعم هارون أنها في بعض المصاحف: ودوا لو تدهن فيدهنوا. وتقول: حسبته شتمني فأثب عليه، إذا لم يكن الوثوب واقعا، ومعناه: أن لو شتمني لو ثبت عليه. وإن كان الوثوب قد وقع فليس إلا الرفع، لأن هذا بمنزلة قوله: ألست قد فعلت فأفعل. واعلم أنك إن شئت قلت: ائتني فأحدثك، ترفع. وزعم الخليل: أنك لم ترد أن تجعل الإتيان سببا لحديث، ولكنك كأنك قلت: ائتني فأنا ممن يحدثك البتة، جئت أو لم تجئ. قال النابغة الذبياني: ولا زال قبر بين تبنى وجاسم ... عليه من الوسميّ جود ووابل فينبت حوزانا وعوفا منوّرا ... سأتبعه من خير ما قال قائل (٣) وذلك أنه لم يرد أن يجعل النبات جوابا لقوله: (ولا زال)، ولا أن يكون متعلقا به، ولكنه دعا ثم أخبر بقصة السحاب، كأنه قال: فذاك ينبت حوزانا ولو نصب هذا البيت- قال الخليل- لجاز، ولكنا قبلناه رفعا وقال: ألم تسأل الرّبع القواء فينطق ... وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق (٤) لم يجعل الأول سببا للآخر، ولكنه يجعله ينطق على كل حال، كأنه قال: فهو مما ينطق، كما قال: ائتني فأحدثك، فجعل نفسه مما يحدثه على كل حال. وزعم

стр. 1223

يونس: أنه سمع هذا البيت ب (ألم) وإنما كتبت هذا لأن لا يقول إنسان: فلعلّ الشاعر قال: (ألا). وسألت الخليل عن قول الأعشى: لقد كان في حول ثواء ثويته ... تقضّى لبانات ويسأم سائم (١) فرفعه وقال: لا أعرف فيه غيره، لأن أول الكلام خبر وهو واجب، كأنه قال: ففي حول تقضىّ لبانات ويسأم سائم. هذا معناه. واعلم أن (الفاء) لا تضمر فيها (أن) في الواجب، ولا يكون في هذا الباب إلا الرفع، وسنبين لم ذلك. وذلك قوله: إنه عندنا فيحدثنا، وسوف آتيه فأحدثه، ليس إلا، إن شئت رفعته على أن تشرك بينه وبين الأول، وإن شئت كان منقطعا، لأنك قد أوجبت أن تفعل فلا يكون فيه إلا الرفع، وقال الله- ﵎: فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ (٢)، فارتفعت لأنه لم يخبر عن الملكين أنهما قالا: لا تكفر فيتعلمون، ليجعلا كفره سببا لتعليم غيره، ولكنه على كفروا فيتعلمون، أي: فهم يتعلمون؛ ومثله: كُنْ فَيَكُونُ (٣) كأنه قال: إنما أمرنا ذلك فيكون. وقد يجوز النصب في الواجب في اضطرار الشعر، ونصبه في الاضطرار- من حيث انتصب في غير الواجب- وذلك أنك تجعل (أن) العاملة؛ فمما نصب في الشعر اضطرارا قول الشاعر: سأترك منزلي لبني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا (٤) وقال الأعشى، وأنشدناه يونس: ثمّت لا تجزونننى عند ذاكم ... ولكن سيجزيني الإله فيعقبا (٥) وهو ضعيف في الكلام؛ وقال طرفة: لنا هضبة لا ينزل الذّلّ وسطها ... ويأوي إليها المستجير فيعصما (٦) وكان أبو عمرو يقول: لا تأتنا فنشتمك.

стр. 1224

وسمعت من يقول: ما أتيتني فأحدثك فيما أستقبل، فقلت له: ما تريديه؟ فقال: أريد أن أقول: ما أتيتني فأنا أحدثك وأكرمك فيما أستقبل. وقال: هذا مثل: ائتني فأحدثك إن أراد: ائتني فأنا صاحب هذا. وسألته عن قول الله- ﵎: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً (١) فقال: هذا واجب، وهو تنبيه، كأنك قلت: أتسمع أنزل الله من السماء ماء فكان وكان كذا؛ وإنما خالف الواجب النفي، لأنك تنقض النفي فتقول: ما أتيتني قط فتحدثني إلا بالبشر، فقد نقضت نفي الإتيان إذا نصبت وتغير المعنى يعني أنك تنفي الحديث وتوجب الإتيان، وزعمت أنه قد كان. وتقول: ما تأتيني فتحدثني، إذا أردت معنى: فكيف تحدثني، فأنت لا تنفي الحديث، ولكنك زعمت أن منه الحديث، وإنما يحول بينك وبينه ترك الإتيان. وتقول: ائتني فأحدثك، فليس هذا من الأمر الأول في شيء. وإذا قلت: قد كان عندنا فسوف يأتينا فيحدثنا، لم تزد على أن جئت بواجب كالأول، فلم يحتاجوا إلى (أن) لما ذكرت، ولأن تلك المعاني لا تقع هاهنا؛ ولو كانت (الفاء) و (الواو) و (أو) ينصبن لأدخلت عليها (الواو) و (الفاء) للعطف، ولكنها ك (حتى) في الإضمار والبدل، شبهت بها لما كان النصب فيها الوجه، لأنهم جعلوه الموضع الذي يستعملون فيه إضمار (أن) بعد (الفاء)، كما جعلوه في (حتى)، إنما يضمر إذا أراد معنى الغاية، وك (اللام) فيما كان ليفعل. قال أبو سعيد: ((الكلام في الجواب ب (الفاء) من وجهين: أحدهما الناصب للفعل. والآخر إذا أضمر (أن) الناصبة للفعل (المضمرة)، لم لا يجوز إظهارها؟ فأما الناصب فقال سيبويه: الناصب (أن) مضمرة بعد (الفاء). وقال أبو عمر الجرمي: الواو، والفاء، وأو هي الناصبة بأنفسها. وقال الفراء: (الفاء) تنصب في جواب الستة، لأنها عطفت ما بعدها على غير شكله لمّا قيل: لا تظلمني فتندم، دخل النّهي على الظلم، ولم يدخل على الندم، فحين

стр. 1225

عطفت فعلا على فعل لا يشاكله في معناه، ولا يدخل عليه حرف النهي كما دخل على الذي قبله، استحق النصب بالخلاف، كما استحق ذلك الاسم المعطوف على ما لا يشاكله في قولهم: لو تركت والأسد لأكلك، من قبل أن الأفعال فروع الأسماء؛ فإذا كان الخلاف في الأصل يوجب النصب، كان ذلك قائما صحيحا في الفرع. والخلاف الذي يوجب النصب في الأسماء عندهم أشياء منها: نصب الظروف بعد الأسماء. كقولك: زيد خلفك، وزيد عندك، لما خالف (خلفك) و (عندك) ما قبلهما انتصبا بالخلاف، وقد تكلمت على هذا فيما مضى. ومنها ما قاله الفراء وأصحابه: لو تركت والأسد لأكلك، (الأسد) منصوب على الخلاف في (التاء)، لأنه لا يصلح أن يقال: لو تركت وترك الأسد، من قبل أن الأسد لا يقدر عليه فيمسك ويترك؛ ثم قال بعد هذا: فإذا قالت العرب: لو ترك زيد والأسد لأكله، آثروا الرفع لموافقة الأسد زيدا، لأنها ظاهران)). قال أبو سعيد: إن كان مخالفة الثاني للأول؛ لأن الأول مكني والثاني ظاهر، فلا فرق بين (لو تركت والأسد) وبين (ضربت وزيد) و (قمت وزيد) أكّد الضمير أو لم يؤكّد؛ وإن كان الخلاف بين الأول والثاني لأن التّرك في الأول على غير وجه ترك الثاني، فلا فرق بين الاسمين الظاهرين وبين الاسمين إذا كان أحدهما مضمرا في مخالفة أحدهما للآخر في الترك. واحتجاج الذي احتج للخلاف بأنه لا يصلح أن يقال: لو تركت وترك الأسد من قبل أن الأسد عليه فيمسك ويترك ركيك جدا، لأن الخلاف إذا كان من أجل أن الأسد لا يقدر عليه، إذا قلنا: لو ترك زيد والأسد، وهذا كلام صدر عن غير تأمّل. ومما يفسر قول من جعل النصب بالخلاف في الأسماء، وقاس الفعل عليه، العطف الذي يوفق بين الإعرابين، ويخالف بين المعنيين في الأسماء، وذلك قولك: ما مررت بزيد لكن بعمرو، وما قام زيد لكن عمرو وما رأيت زيدا لكن عمرا؛ وما بعد (لكن) يخالف ما قبلها؛ وكذلك (لا) في العطف إذا قلت: جاءني زيد لا عمرو، ومررت بزيد لا عمرو ورأيت زيدا لا عمرا. وأما أبو عمر الجرمي فقد احتج عليه أبو العباس محمد بن يزيد وغيره بما احتج به سيبويه، وذلك أن سيبويه قال: لو كانت (الفاء) و (الواو) و (أو) ينصبن لأدخلت عليها (الفاء) و (الواو) للعطف؛ فلزم الجرمي مما قال سيبويه أن يقول: ما أنت بصاحبي فأكرمك، وفأحدثك، لأن (الفاء) هي الناصبة.

стр. 1226

وتقول: لا تأكل السمك وتشرب اللبن وتأكل التمر، لأن (الواو) هي الناصبة؛ كما تقول: أريد أن تأكل السمك وأن تشرب اللبن وأن تدخل الحمام. ومما يشاكل ذلك أن (واو) القسم لما كانت هي الخافضة مكان (الباء)، جاز أن تدخل عليها حروف العطف فتقول: والله وو الرحمن وو الله ثم والله لأخرجن. و (الواو) التي تقع موقع (رب) وتغني عنها هي (واو) عطف، ولا يجوز دخول حرف عطف عليها، فإذا قلت: وبلد أقمت فيه، لم تقل: وو بلد أقمت فيه، وو رجل عاشرته، ولا ثم ورجل صادقته. واعلم أن (الفاء) - في الأصل- في جميع أماكنها عاطفة. وقد يتناول العامل الشيئين بإعراب واحد ولفظ واحد على وجهين مختلفين كقولك: لو ترك زيد وعمرو لضربه وكذلك لو ترك زيد والثريد لأكله، ولو ترك أخواك لظلم أحدهما الآخر؛ فلفظ الترك قد وقع عليهما، وهما مختلفان، لأن أحدهما ممنوع منه، ومعنى الترك لهما مختلف لا يظهر في اللفظ، وقد عرف معناه. والعطف ب (الفاء) على وجهين: أحدهما عطف ظاهر، والآخر عطف متأول. فالعطف الظاهر أن تعطف ما بعدها على ما قبلها، فتدخله في إعرابه، وظاهر معناه، ويكون حكمها حكم (ثم) في الإعراب والمعنى، كقولك: زيد يأتيك فيحدثك وأريد أن تأتيني فتحدثني وإن يأتك زيد فيحدثك تحسن إليه. ويجوز مكان ذلك (ثم) والمعنى واحد كقولنا: زيد يأتيك ثم يحدثك، وأريد أن تأتيني ثم تحدثني، وإن يأتك زيد ثم يحدثك تحسن إليه. والمنصوب بعد (الفاء) في هذا الوجه ليس بإضمار (أن)، بل بالناصب الذي نصب ما قبل (الفاء) وعطف عليه، كقولك: إذا آتيك فأسرك، وجئتك لكي أكلمك فأنفعك. وأما العطف المتأوّل فهو أن يكون ما قبل (الفاء) غير موجب، ويكون معلقا بما بعد (الفاء) شرطا على وجوه مختلفة أحوجت إلى التغيير وإضمار (أن) ليدل على تلك الوجوه؛ فمن ذلك: لا تأتيني فتحدثني. في (تحدثني) النصب من وجهين، والرفع من وجهين؛ فأما أحد وجهي النصب فأن يكون الإتيان منفيا نفيا. مطلقا، والحديث ممتنع من أجل عدم الإتيان؛ ولو وجد الإتيان لوجد الحديث.

стр. 1227

والوجه الآخر معناه: ما تأتيني أبدا إلا لم تحدثني، أي منك إتيان كثير ولا حديث منك؛ فالإتيان المنفي هو الإتيان الذي معه الحديث؛ فهذان الوجهان المقصودان في النصب هما منعا عطف (تحدثني) على (تأتيني) في الرفع لأنه إذا قال: لا تأتيني فتحدثني بالرفع، فليس أحدهما شرطا في الآخر؛ ويكون أحد وجهي الرفع أن تعطف (تحدثني) على (تأتيني)، وتكون (لا) مشتملة عليهما جميعا في النفي، فكأنه قال: لا تأتيني ولا تحدثني؛ فهذا عطف فعل على فعل، والنفي قد شملهما. والوجه الآخر أن يكون الإتيان منفيا والحديث موجبا، ويكون عطف جملة على جملة، كأنه قال: لا تأتيني ثم أنت تحدثني الآن، وليس تعلق أحدهما بالآخر، ولا هو شرط فيه؛ فلما لم يكن عطفه على ظاهر لفظه لئلا يبطل المعنى المقصود، ردوه في التقدير إلى ما لا يبطل معناه فجعلوا الأول في تقدير مصدر وإن لم يكن لفظه لفظ المصدر الظاهر؛ وجعلوا الثاني مقدرا بمصدر ليس بظاهر؛ فلذلك قدرت (إن) فعملت ولم تظهر، وكان التغيير والتقدير والعدول عن الظاهر دلالة على المعنى المقصود؛ ولو أظهرت (أن) لكان المصدر قد ظهر، ولم يظهر في المعطوف عليه. وجعل التغيير لهما كالمشاكلة بينهما، واكتفى بذلك. يقوي هذا ما ذكره سيبويه من تقدير ما لا يتكلم به من قولك: أنا في القوم ليس زيدا، والتقدير: ليس بعضهم زيدا، ولا يتكلم بهذا؛ وقوله: ولا نائب على تقدير: ليسوا بمصلحين، لم يتكلم بذلك. ويقويه أيضا قولهم في الأسماء: إياك والأسد، ولا يظهر الفعل الذي ينصب (إياك والأسد)؛ وهذا التقدير في إضمار (أن) في جميع ما ينصب بجواب (الفاء) واحد، وإن كانت المعاني مختلفة، واختلافها أن جواب النفي على وجهين مختلفين، والنصب فيهما بإضمار (أن)، وتقدير مصدر للأول يعطف عليه مصدر للثاني. وجواب الاستفهام والأمر والنهي والتمني على غير المعنى في وجهي النصب في جواب الجحد، لأن قولك: لا تأتيني فأحدثك على معنى: ما تأتيني فكيف تحدثني، أو على معنى: ما لم تأتيني إلا لم تحدثني؛ وهذان المعنيان ليسا في جواب الاستفهام إذا قلت: هل عندك طعام فآكله، ولا في الجواب الأمر إذا قلت: ائتني فأكرمك؛ واتفاق العامل في ذلك مع اختلاف المعاني كقولك: يعلم الله، ويذهب زيد، لأن قولنا: (يعلم الله) ليس بفعل لله لأن الله- لم يزل عالما، (يذهب زيد) فعل له، فالمعنيان مختلفان، والرفع بهما واحد.

стр. 1228

وأما قوله: ما أتيتنا فتحدثنا، وجها النصب في (تحدثنا) جيدان، وإن كان الفعل الأول ماضيا والجواب مستقبلا. وأما الرفع فأحد وجهيه جيد، والآخر ضعيف، وقد أجازه سيبويه على ضعفه. فأما الوجه الجيد فعلى قولك: ما أتيتنا فحدثتنا، فتنفي الإتيان والحديث؛ والجيد في ذلك وحد الكلام أن تعطف الماضي على الماضي. وأما الوجه الضعيف فعلى قولك: ما أتيتنا فأنت تحدثنا الساعة ولكن الذي رفعه جملة على أن (ما) إذا وقع بعدها فعل يعرب، لم يكن إلا مرفوعا، فصار موضع الماضي موضع رفع، فلذلك رفع المستقبل الذي بعده وهو في موضع (حدثتنا) ومعناه معنى: ما كنت تأتينا فتحدثنا، والإتيان والحديث منفيان فيما مضى. وقوله: ما تأتينا فتكلم إلا بالجميل. ولا تأتينا فتحدثنا إلا ازددنا فيك رغبة، وكل ما كان من هذا النحو مما فيه حرف الاستثناء إذا نصبت فهو على وجه واحد من وجهي النصب بعد الجحد، كأنك قلت: ما تأتينا متكلما إلا بالجميل، ولا تأتينا محدثا إلا ازددنا فيك رغبة. وأما قوله: لا يسعني شيء فيعجز عنك، فليس إلا وجه واحد، كأنك قلت: لا يسعني شيء إلا لم يعجز عنك، ولا يسعني شيء عاجزا عنك؛ ولو حملته على الوجه الآخر من النصب فسد الكلام، ولأن تقديره: لا يسعني شيء فكيف يعجز عنك ذلك الشيء، ومن المحال أن كل ما لا يسعه لا يعجز عن المخاطب؛ والرفع في الوجهين أيضا فاسد؛ لأنه يؤول معناه إلى أنه لا يسعه شيء. وأما: ما أنت منا فتحدثنا، فلا يكون في ((فتحدثنا)) الرفع بالعطف على الأول. لأنه اسم تعطف الفعل عليه، ولكن على الاستئناف، وتقديره: فنحن نحدثك، كما قدّر في البيت (نحن): فنرجّى ونكثر التأميلا (١) وقوله: تأتينا فتحدثنا، على تقدير: ألم تأتينا محدثا؛ وكذلك كل موضع يدخل فيه حرف الاستفهام على حرف الجحد كان تقديره: على ما تأتينا محدثا، ويجوز فيه، وفيما جرى مجراه العطف على اللفظ على مذهب ثم كقولك: لا تمددها فتشققها، وألم تأتنا فتحدثنا.

стр. 1229

ألم تسأل فتخبرك الرّسوم (١) وأما قوله: إلى سليمان فنستريحا (٢) فالنصب في نستريح لا غير، ولا يجوز الجزم بالعطف على (سيري)، لأن (سيري) ليس بمجزوم لأنه فعل أمر وهو مبني ولا عامل فيه، وقد ذكر ذلك، وإن جزم فعلى مثل قوله: ... فاخمشي ... لك الويل أو يبكي من بكى (٣) محمول على المعنى. وقوله: ألست قد أتيتنا فتحدثنا، إذا جعلته جوابا، ولم تجعل الحديث وقع إلا بالإتيان كان معناه قبل دخول الاستفهام: ما أتيتنا فتحدثنا، فتنصبه بجواب الجحد، ثم تدخل ألف الاستفهام على المنصوب ولا يتغير فإن رفعته فعلى معنى: فحدثتنا، وهو مثل قولك: سرت فأدخلها، على معنى: فإذا أنا داخل؛ ومثله قوله: حسبته شتمني فأثب عليه، إذا كان الوثوب واقعا، لأن تقديره: فإذا أنا واثب عليه كقولك: سرت فأدخلها، إذا كان الدخول واقعا؛ وإذا لم يقع الوثوب فهو بمعنى: لو شتمني لو ثبت عليه، وهو بمنزلة: ما أتيتنا فتحدثنا، إذا لم يكن الحديث واقعا، فالنصب هو المختار. وقال أبو عمرو: حسبته شتمني فأثب عليه، أي كان منه شتمي فيكون مني الوثوب عليه؛ فلما جاء الثاني على غير مجيء الأول، لأن الأول ماض والثاني غير ماض نصبته، لأنه أشبه النفي وجوابه؛ وإن كنت قد وثبت رفعت؛ لأن معناه: حسبته كان منه شتمي فكان مني وثوب، فيجيء الثاني في معنى الأول؛ وأما: تقضّى لبانات ويسأم سائم (٤) فالذي رواه الخليل في البيت الرفع، ولم يعرف غيره. وفي (كان) ضمير الأمر والشأن كما تقول: كان يقوم زيد، وكان يتكلم العمران، ونحوه.

стр. 1230

قال غيره: تقضّي لبانات ويسأم سائم يجعل (تقضّي) مصدرا، وهو اسم (كان) وليس في (كان) ضمير، ويسأم معناه: وأن يسأم، وهو عطف على (تقضّي) وتقديره: وأن تتقضّى لبانات وأن يسأم سائم. وإنما قبح إضمار (أن) بعد (الفاء) في الواجب، لأن الذي أحوجنا إلى إضمارها وتقدير الكلام على غير ظاهره، وحمله على غير لفظه، الدلالة على المخالفة بين الأول والثاني على ما بيناه. وإذا كان ذلك في الواجب، لم يقع خلاف بين الأول والثاني يحوجنا إلى ذلك التقدير؟ وذلك قوله: إنه عندنا فيحدثنا، وسوف آته فأحدثه، الأول والثاني واجبان على كل حال. أما قوله: سوف آته فأحدثه، فهما فعلان، قد عطف أحدهما على الآخر، وهما بمعنى واحد. وأما إنه عندنا فيحدثنا، فالثاني منقطع من الأول، وهو موجب مثله، إلا أنه عطف جملة على جملة، ومثله في الانقطاع من الأول قول الله- ﵎: فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ (١)، استأنف (يتعلمون) وأخبر به، وليس بعطف على ما قبله، كأنه قيل لهم: لا تتعلموا فيأبون فيتعلمون على جهة المخالفة، ومثله قول الله- : فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٢). قوله (فيكون) ليس بجواب لكن لأن الكلام الأول وجوابه جميعا من كلام واحد غير منقطع أحدهما من الآخر، ولم يرد الله- أنه يقول للشيء كن فيكون، وكن فيكون منصوب لأن للشيء، والذي قيل للشيء (كن) فحسب، ثم خبّر عنه أنه يكون، فصار (يكون) كلاما منفردا مستأنفا، ودخلت عليه (الفاء) لأنه عطف جملة على جملة. وأما من قرأ (فيكون) بالنصب، فإنما يعطفه على المنصوب الذي قبله إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: ٤٠] معطوف على (نقول). وأما قراءة عبد الله بن عامر اليحصبي: إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٤٧] فضعيفة؛ لأنه لا منصوب قبله فيعطف عليه، وإنما ينصب مثله في ضرورة الشعر؛ لأنه موجب، وما قبله موجب، وهو مثل:
следующие страницы →