تجوّز سيبويه في عبارته عن جزم هذه الأشياء، فأوهم أن هذه الأشياء هي الجازمة لما بعدها، كما أن حرف الشرط وفعله هو الجازم للجواب، وذلك قولك: وإنما انجزم هذا الجواب، كما انجزم جواب: إن تأتني بإن تأتني لأنهم جعلوه معلقا بالأول غير مستغن عنه الأول، إذا أرادوا الجزاء، كما إن تأتني غير مستغنية. عن آتك.
قال أبو سعيد: وهذا من سيبويه مسامحة في اللفظ، واتساع كما اتسع في نصب الظرف، فقال في نحو قولك:
زيد خلفك، نصب بما قبله والحقيقة فيه أن الناصب هو (استقر)، ثم حكى عن الخليل ما يدل على حقيقة الناصب، وهو قوله وزعم الخليل أن هذه الأوائل كلها فيها معنى (إن) فلذلك انجزم الجواب، لأنه إذا قال: ائتني آتك، فإن معنى كلامه: إن يكن منك إتيان وما بعده جوابه.
وقول الله- ﵎: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١). إلى قوله- : يَغْفِرْ لَكُمْ (٢) أما قوله- :
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٣). فهو تفسير للتجارة على معناها لا على لفظها ولو فسرها على لفظها لقال: هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم أن تؤمنوا بالله، لأن قوله: أن تؤمنوا اسم وتجارة اسم، والاسم يبدل من الاسم، ويقع موقعه، وقوله:
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [الصف: ١١] كلام قائم بنفسه وفيه دلالة على المعنى المراد بالتجارة، وهو الإيمان والجهاد لأن تؤمنون يدل على الإيمان، وتجاهدون يدل على الجهاد لأنهما مصدرهما؛ ومثله في الكلام على الوجهين، هل لك في خير تقوم بنا إلى المسجد فنصلّي، ولو قلت:
أن تقوم إلى المسجد كان صوابا، ومثله مما فسر ما قبله على الوجهين:
قوله- : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٤) (إنا وأنا) (٥) فمن قال: أنّا هاهنا، فهو الذي يدخل (أن) في تقوم، لأن أن وما بعدها بمنزلة اسم يكون بدلا من الاسم الذي قبله، ومن قال: إنّا فهو الذي يلغي (أن) من تقوم، لأنه إذا قال: إنا
стр. 1297
- بالكسر- فهو كلام قائم بنفسه، وليس بمنزلة اسم، وكذلك إن المكسورة، ومثله قول الله- : فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ (١) و (إنّا) على الوجهين اللذين ذكرناهما، وفي قراءة عبد الله ((آمنوا)) مكان ((تؤمنون بالله)).
واختلفوا في جزم يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الصف: ١٢] فقال الفراء: إنها جزمت بهل في قراءتنا، وفي قراءة عبد الله بن
مسعود للأمر الظاهر، وتأويل هَلْ أَدُلُّكُمْ (٢) في المعنى أمر أيضا، كقولك: هل أنت ساكت، معناه: اسكت. والله أعلم.
فهذا كلام الفراء، وقال أبو إسحاق الزجاج: ((يغفر لكم)) جواب تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ (٣)، أي إن فعلتم ذلك، فالدليل على ذلك قراءة عبد الله بن مسعود ((آمنوا)) ورد على من قال هو جواب (هل) وغلطه، قال: لأنه ليس إذا دلهم ﷺ تسليما على ما ينفعهم غفر الله تبارك اسمه لهم، إنما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا فإنما هو جواب تؤمنون بالله وتجاهدون، إن تفعلوا ذلك يغفر لكم.
قال أبو سعيد: والأقوى عندي أنه جواب (لهل) لأن تؤمنون تفسير للتجارة، وهي جملة ما وقعت عليه (هل)، فالاعتماد في الجواب على هل، وهل في معنى الأمر لأنه لم يكن القصد عن استفهامهم عن الدلالة على التجارة المنجية، هل يدلّون عليها، أو لا يدلّون، وإنما المراد الأمر لهم، والحث على ما ينجيهم، وقد يكون بلفظ الخبر ما يراد به الأمر أو الدعاء، ولو أتى له بجواب ما كان إلا مجزوما كقول الله- :
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ (٤) تثب مرضعة الحولين الجنة، وكذلك غفر الله لزيد ينج من النار وكذلك إذا كان الأمر بلفظ الاستفهام، فقوله أتيتنا أمس نعطك اليوم، أي إن كنت أتيتنا أمس أعطيناك اليوم، إذا أراد أن إعطاءنا إياك اليوم بسبب مجيئك أمس، لأنا لو جعلناه شرطا لصح أن تقول: إن كنت جئت أمس أعطيتك اليوم، وإنما يجوز هذا في (كنت) خاصة، وقد ذكر في موضعه، ولو قلت: إن جئت أمس أعطيتك اليوم لم يجز، فاضمر بعد الاستفهام من الشرط ما يصح أن يكون الجواب له مجزوما، ولو أراد بقوله أتيتنا أمس التقدير لم يجز الجزم لأنه لا يقدر فيه أن، وقوله (ألا تنتهي عنا
стр. 1298
ملوك) وإن كان لفظه لفظ الاستفهام فإن معناه معنى الأمر، كأنه قال:
لتنته عنا ملوك إن تنته عنّا لا يبوء الدم بالدم، ومعنى لا يبوء الدم بالدم لا يقتل واحد بآخر يريد أن الملوك إن قتلوا منا قتلنا منهم، ولو حمل هذا على لفظ حقيقة الاستفهام أن الألف للاستفهام، ولا للجحد، فيكون الشرط المقدر بلفظ
الجحد، فيصير التقدير ألا تنته عنا ملوك، فإذا قيل ألا تنته عنا ملوك فحق الكلام. يبوء الدم بالدم، ولم يدخل فيه لا، وعلى هذا تأويل ألا تأتيني أحدّثك، تأويله أتيتني أحدّثك، ولو حمل على حقيقة الاستفهام صار تقدير الشرط ألا تأتني وجوابه لا أحدّثك، وقوله:
متى أنام لا يؤّرقني الكرى ... ليلا ولا أسمع أجراس المطيّ (١)
كأن قائل هذا الشعر مكان من يكرى الإبل، والكرى: المكتري والمكتري منه، و (متى) استفهام وللجزم في لا يؤرقني وجهان:
أحدهما أنه جزم جواب الشرط الاستفهام، وتقدير الشرط فيه: إن أنم لا يؤرّقني، كأنه لم يعد نومه نوما، وجعل النوم هو الذي لا ينبهه منه الكرى، والوجه الآخر أنّ يؤرقني مرفوع تركت ضمته استثقالا، كما قال:
وقد بدا هنك من المئزر (٢)
في معنى هنك، ومعناه متى أنام غير مؤرّق، كأنه تمن النوم الذي لا ينتبه منه ولا يكون فيه سهر، وفي هذا المعنى أشمّه الرفع من أشمه؛ وقد يجوز في جواب الأمر الرفع على الاستئناف، وعلى الحال والاستئناف نحو قولك: ائتني آتيك.
كأنه قال: أنا آتيك، ويقع في مثله ما يحسن فيه الرفع على الاستئناف والحال، كقول القائل: ذره يقول ذاك على معنى قائلا ذاك، وعلى الاستئناف، وكذلك وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٣) على معنى عامهين، وعلى معنى هم يعمهون مستأنفا، وسائر ما ذكره سيبويه فيه الرفع على هذين الوجهين كذلك، وقول الأنصاري:
... والحقّ عنده فقفوا ... ... (٤)
стр. 1299
الحق ينتصب بإضمار فعل تفسيره (فقفوا) كأنه قال: والحقّ فالزموا، ودخلت الفاء لأنها تدخل زائدة في الأمر، كقولك: يزيد فأمرن.
... وتؤتون فيه الوفاء معترفا (١)
ويروى معترفا فمن كسر صيّر الحق معترفا لهم بذلك، ومن فتحه فهو بمعنى اعترافا.
وقوله: (نعيش) على الاستئناف فظاهر صحيح اللفظ والمعنى كأن حيّين أو جمعين خاطب أحدهما الآخر، فقال:
كونوا كمن آسى أخاه بنفسه
ثم استأنف:
نعيش جميعا أو نموت كلانا (٢)
ولفظ كلانا لفظ رجلين لأن الحيين والجمعين كالرجلين في اللفظ وأما قول الخليل نعيش على كونوا نعيش، وجعل نعيش خبرا لكونوا، فظاهر الكلام يمنع من ذلك لأن الواو في كونوا اسم للمخاطبين ليس للمتكلم فيها شيء، والمتكلم خارج عنها، وقولك نعيش للمتكلم إذا كان معه غيره، فكيف يجوز أن يكون ما للمتكلم خبرا عن المخاطب من غير ضمير عائد إليه، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: كان الزيدون نقوم جميعا، وظاهر الكلام كونوا نعيشون، أو لنكن نعيش، وقد تقبّل أصحابنا ما قاله الخليل، وما اعترض فيه بشيء أحد علمته منهم.
قال أبو سعيد: وإذا حمل هذا على معناه احتمل، وذلك أن يكونوا قوما اجتمعوا فتواصوا بالتآلف، وترك الفرقة، فيكون متكلمهم إذا أوصاهم بشيء فهو داخل معهم فيه فلا فرق بين أن يأمرهم وهو في المعنى داخل معهم، وبين أن يكون لفظ الأمر لنفسه وهم معه فيصير قوله كونوا كقوله: لنكن، وإذا قال: لنكن نعيش جميعا فنعيش خبر فهذا محمول على معناه، والله أعلم بالمقاصد، ولم يجز: لا تدن من الأسد يأكلك لأنه إذا انجزم أضمر شرطا تقديره لفظ النهي كأنه قال:
لا تدن منه يأكلك، وهذا محال؛ لأنه يصيّر تباعده منه سببا لأكله؛ فإن قلت: لا تدن من الأسد فيأكلك بالفاء والنصب جاز، وحسن لأن الجواب بالفاء والمنصوب
стр. 1300
تقديره العطف كأنه قال: لا يكن دنو فأكل، وإن لم تدخل الفاء ورفعت جاز على الاستئناف كقولك:
لا تدن من الأسد يأكلك، أي هو مما يأكلك فاحذره؛ ومثله مما سمعه من العرب:
لا تذهب به تغلب عليه. وقوله مره يحفرها، وقل له يقل ذاك على وجهين:
أحدهما على الجواب كأنه قال: مره إن تأمره يحفرها، وإن تقل له يقل ذاك ثقة بأن الثاني يقع إذا وقع الأول أو
تغليبا للظن في ذلك.
والوجه الثاني: أن يكون حكاية فعل الأمر وهو مبني، وزيدت فيه الياء لأنه غائب، وهو مستقبل كأنه قال: مره: احفرها وقل له: قل ذاك، ودخلت الياء لأن صاحب الفعل غائب، كما تقول:
حلف زيد ليخرجنّ، ولفظ يمينه لأخرجنّ، ومثله قول الله : قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ (١).
على الوجهين أحدهما: قل لهم إن تقل يقيموا وينفقوا لأن دعاء النبي ﷺ للمؤمنين وقوله لهم سبب إقامتهم للصلاة واتفاقهم، وإن كان بعض من دعي لم يفعل ذلك، والوجه الآخر إنه أمر دخل في أوله الياء لما ذكرته لك من غيبة الفاعلين، كأنه قال: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا، وهذا قول لم يذكره سيبويه، ولا من تقدم من أصحابنا، وذكره الفراء، ورأيت الزجاج يحكيه عن المازني، وقوّاه الزجاج، ولعل المازني أخذه عن الفراء، ورأيت أبا العباس المبرد ذكر- في المقتضب- وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (٢) وفيما ذكره تخليط فكرهت ذكره، وإذا قلت: مره يحفرها، ونحو ذلك جاز في (يحفرها) الرفع من وجهين- فيما ذكره سيبويه-: أحدهما على الابتداء والاستئناف، فكأنه قال: مره فإنه يحفرها ولا يخالف، والوجه الآخر على معنى مره أن يحفرها، وأسقط (أن) ورفع، كما تقول: عسينا أن نفعل، ثم تقول: عسينا نفعل، ومثله:
ألا أيّهذا الزّاجري أحضر (٣)
والمعنى أن احضر الوغى، وإذا رفع صار تقديره اسم فاعل، وإذا الوغى رفع صار تقديره تقدير اسم فاعل، وإذا ظهرت أن ونصب صار تقديره تقدير مصدر، فإذا قلت:
стр. 1301
مره أن يحفرها فتقديره: مره يحفرها، وإذا قلت: مره يحفرها على معنى (أن) فتقديره حافر لها، كأنه ظهرت فيه أمارة النية في حفرها والعزم عليه فصار كأنه حافر.
ومثله قول الله- تعالى-: فَادْخُلُوها خالِدِينَ (١) بمعنى مقدرين الخلود. وإذا قلنا:
عسينا أن نقوم فتقديره: عسينا القيام، وإذا قلنا عسينا نقوم فتقديره: قائمين، كما قال:
عسى الغويرأ بؤسا، ولا يستعمل فيه لفظ الاسم إنما يستعمل فيه لفظ الفعل، كما أنا إذا قلنا، عسى زيد أن يقوم، لم يستعمل لفظ المصدر فيه، ولم يقل: عسى زيد القيام، وإذا قلت:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
فتقديره حاضر الوغى، ويجوز على هذا أن تقول:
ألا أيهذا الزاجري الحرب أحضر، فتنصب الحرب بأحضر، ولو جئت به على الأصل فقلت:
ألا أيّهذا الزاجري أن أحضر الوغى
لم يجز تقديم الوغى على أحضر، وتقديره الزاجري عن أن أحضر الوغى.
وقول الله- تعالى-: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ (٢) أجود ما يقال فيه ما ذكره سيبويه عن الخليل نصب (غير) بأعبد وتأمروني غير عامل، كما يقول: هو يفعل ذاك فيما بلغني، وزيد قائم، فيما ظننت كأنك قلت هو يفعل ذلك فيما بلغني، وزيد قائم فيما ظننت.
قال سيبويه: وإن شئت كان بمنزلة:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
وهو ضعيف لأنه يؤدي إلى أن يقدر أعبد بمعنى عابدا غير الله وفيه فساد، والذي عليه الناس هو الوجه الأول الذي ذكرناه.
هذا باب الحروف التي تنزل بمنزلة الأمر والنهي
فمن تلك الحروف حسبك وكفيك، وشرعك وأشباهها.
نقول: حسبك ينم الناس، ومثل ذلك: (اتقّي الله أمرؤ وفعل خيرا يثب
стр. 1302
عليه) (١)، لأن فيه معنى ليتق الله امرؤ، وليفعل خيرا، وكذلك ما أشبه هذا.
وسألت الخليل عن قول الله- فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ، وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢).
فقال هذا كقول زهير:
بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا (٣)
فإنما جروا هذا لأن الأول قد تدخله الياء، فجاءوا بالثاني وكأنهم قد أثبتوا في الأول (الباء)، وكذلك هذا لما كان الذي قبله يكون جزما، ولا (فاء) فيه. تكلموا بالثاني وكأنهم قد جزموا قبله فعلا توهموا ذلك. وأما قول عمرو بن عمار الطائي:
فقلت له صوّب ولا تجهدنّه ... فيدنك من أخرى القطاة فتزلق (٤)
فهذا على النهي- كما قال: لا يمددها فتشققها، كأنه قال: لا يدنينّك من أخرى القطاة، ولا تزلقن ومثله من النهي: لا يرينّك هاهنا، ولا أرينّك هاهنا.
وسألته عن: آتي الأمير لا يقطع الّلصّ، فقال: الجزاء هاهنا خطأ، لا يكون الجزاء أبدا حتى يكون الكلام غير واجب، إلا أن يضطرّ شاعر، ولا نعلم هذا جاء في شعر البتّة، وسألته عن قوله: أمّا أنت منطلقا أنطلق معك، فرفع وهو قول أبي عمرو وحدثنا به يونس، وذلك لأنه لا يجازى بأن كأنه قال: لأن صرت منطلقا أنطلق معك وسألته عن قوله: ما تدوم لي أدوم لك، فقال: ليس في هذا جزاء من قبل أن الفعل صلة لما، فصار بمنزلة الذي، وهو بصلته كالمصدر يقع على الخبر، كأنه قال:
أدوم لك دوامك لي، وما دمت بمنزلة الدّوام ويدلك على أن الجزاء لا يكون هاهنا، أنك لا تستطيع أن تستفهم بما يدوم على هذا الحد.
ومثل ذلك: كلما تأتيني آتيك، والإتيان صلة ل (ما)، كأنه قال:
كلّ إتيانك آتيك، وكلما تأتيني، يقع أيضا على الحين كما كان (ما تأتيني) يقع على الحين، ولا يستفهم بكلما، كما لا يستفهم بما تدوم.
وسألته عن قوله: الذي يأتيني فله درهمان، لم جاز دخول الفاء هاهنا والذي
стр. 1303
يأتيني بمنزلة عبد الله- وأنت لا يجوز لك أن تقول: عبد الله فله درهمان؟ فقال: إنما يحسن في الذي لأنه جعل
الآخر جوابا للأول، وجعل الأول به يجب له الدرهمان، فدخلت الفاء هاهنا، كما دخلت في الجزاء، إذا قلت: إن يأتني فله درهمان، وإن شاء قال: الذي يأتيني له درهمان، كما تقول: عبد الله له درهمان، غير أنه إنما أدخل الفاء لتكون العطية مع وقوع الإتيان، فإذا قال: له درهمان، فقد يكون ألا يوجب له ذلك بالإتيان، فإذا أدخل الفاء، فإنما يجعل الإتيان سبب ذلك، فهذا جزاء وإن لم يجزم لأنه صلة، ومثل ذلك قولهم:
كل رجل يأتينا فله درهمان، ولو قال: كل رجل فله درهمان كان محالا.
لأنه لم يجئ بفعل، ولا بعمل يكون له جواب.
ومثل ذلك قول الله- تعالى-: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ (١) وقال- ﵎: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ (٢).
وسألت الخليل عن قول الله- تبارك اسمه-: حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها (٣) أين جوابها؟ وعن قوله- جل ثناؤه-: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ (٤)، وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ (٥) فقال: إن العرب قد تترك في مثل هذا الخبر في كلامها لعلم المخبر لأي شيء وضع هذا الكلام.
وزعم أنه وجد في أشعارها ((ربّ)) لا جواب لها. من ذلك قول الشماخ:
ودويّة قفر تمشيّ نعامها ... كمشي النّصارى في خفاف اليرندج (٦)
فهذه القصيدة التي فيها هذا البيت لم يجئ فيها جواب (رب) لعلم المخاطب أنه يريد: قطعتها، أو ما فيه هذا المعنى.
قال أبو سعيد: أما قوله حسبك وكفيك وشرعك: فهي أسماء مبتدأة وأخبارها
стр. 1304
محذوفة لعلم المخاطب بها، وذلك أنه لا يقال شيء من هذا إلا لمن كان في عمل قد بلغ فيه كفاية، فيقال له هذا ليكنّ ويكتفي بما قد عمله منه، وتقديره حسبك هذا، وحسبك ما قد عملته ونحوه، ومعناه كله معنى (اكتف). وقد حكى
أبو عمرو (شرعك) منصوب إذا نهاه، وفيه معنى المرفوع لأن المرفوع يراد به الكف عن الفعل وقطعه، و (ينم الناس) جواب لأن معناه معنى الأمر، وإن كان مبتدأ، وقوله: اتقى الله أمرؤ، وإن كان لفظه لفظ الخبر، فمعناه الأمر، لأن هذا بقوله الواعظ لمن يسمع كلامه، وليس قصده أن يخبر عن إنسان بأنه قد اتقى الله، ومثله: غفر الله لزيد، ورحمه، لفظه الخبر ومعناه الدعاء، وأما من قرأ:
فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١)، والأصل في الجواب أن يكون بغير فاء، والذي يقرأ ((وأكون)) يعطفه على ما بعد الفاء، ومثاله في الاسم: إن عندك زيدا وعمرو وعمرا، عطفا على موضع (إن)، وعلى المنصوب بعد (إن) وأما استشهاده ببيت زهير، فالخفض في البيت قبيح جدا، لأنه خافض قبله يخفضه، ولا مخفوض يعطف عليه، ولا شيء موضعه خفض، فيعطف على الموضع لأن الباء إذا أتى بها فموضعها نصب، فإذا حذفت ونصب الاسم بعدها، فقد وقع الاسم المنصوب موقعه ولا موضع لغير النصب، ألا ترى أنا إذا قلنا: تعلقت بزيد وعمرا، عطفنا (عمرا) على موضع الباء، ولا يقال تعلقت زيدا وعمرو، ولا يحسن لأن المنصوب ليس في موضع خفض، والخفض في البيت قبيح جدا، والذي في كتاب الله- مستحسن جيد، والذي حملت على الموضع مما لا يحتاج فيه إلى تغيير لفظ العامل، فهو أحسن مما يحتاج فيه إلى تغيير لفظه، فمما لا يحتاج فيه إلى تغيير لفظ العامل قولك: ليس زيد بجبان ولا بخيلا، بخيلا معطوف على موضع الباء، ولا يحتاج في نصب (بخيلا) إلى تغيير (ليس)، وكذلك إذا عطفنا (أكن) على موضع الفاء، لم تغير ((لولا أخّرتني)) عن لفظه؛ ومما يحتاج إلى تغيير اللفظ قوله:
جيئوا بمثل بني زيد لقومهم ... ... أو مثل أسرة ... (٢)
تجعل مكان جيئوا: أو هاتوا مثل أسرة، وكذلك قوله:
أعنّي بخوار العنان ... ... ...
стр. 1305
وأبيض مصقول السّطام ... ... (١)
على معنى: أو هات أبيض مصقول السّطام؛ وقوله: آتي الأمير لا يقطع اللصّ، رفع (يقطع) لأن الذي قبله كلام موجب، وإخبار مطلق، وليس قبله شرط ولا أمر ولا نهي ولا استفهام، ولو اضطر شاعر فجزم (يقطع) لجاز
على معنى أن آته لا يقطع اللصّ، وكأنه قد اعتقد أن إتيانه إياه هو سبب لا يقطع اللصّ من أجله، فصار بمنزلة أن آته لا يقطعه. وقوله: أما أنت منطلقا أنطلق معك بالرفع، لأن تقديره: لأن كنت منطلقا أنطلق معك، فكأنه قال: لخروجك أخرج معك، ولمقامك ألزمك، وقد ذكرناه في موضعه قبل هذا الموضع بالبسط والشرح من هذا الكلام.
وقوله: ما تدوم لي أدوم لك، (ما) والفعل بمنزلة المصدر، فقام مقام الوقت كمقدم الحاج، وخفوق النجم، فكأنه قال:
وقت دوامك لي أدوم لك، كما تقول: يوم خروجك ألزمك، ولا يجوز أن تقول:
ما تدم لي أدم لك.
كما تقول: متى تدم لي أدم لك، وأين تكن أكن، لأن (ما) إذا جعلت وما بعدها من الفعل مصدر أبطل فيها الاستفهام لأنها إذا كانت للاستفهام لم يحتج إلى أن يوصل بفعل، وإنما يجازى بما إذا نقلت عن الاستفهام لاستواء الجزاء والاستفهام.
هذا معنى قول سيبويه: إنك لا تستطيع أن تستفهم بما تدوم على هذا الحد، يعني إذا كانت موصولة بتدوم؛ ومثله: كلما تأتيني آتيك: معناه كل وقت إتيان منك لي آتيك، ولا يجوز الاستفهام فيه كما لا يستفهم بما تدوم. ومن أجل هذا المعنى قال الفقهاء: إذا قال الرجل لامرأته: كلما تدخلين هذه الدار فأنت طالق، فدخلتها ثلاث مرات فإنها تطّلق ثلاث تطليقات لكل دخلة تطليقة؛ لأن معناه كل وقت دخلة تدخلين فيه، فوقت كل دخلة غير وقت الدخلة الأخرى؛ وقالوا لو قال: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق فدخلتها ثلاث مرات لم يقع إلا تطليقة واحدة، لأنه ليس في ألفاظ هذه الأشياء تكرير أوقات تتعلق من الحكم بكل واحد منها غير ما يتعلق بالآخر، ألا ترى أنه إذا قال: كل
стр. 1306
رجل يأتيني فله درهم، فأتاه رجلان، فلكل واحد منهما درهم؛ ولو قال: إن أتاني زيد فله درهم، فأتاه مرتين لم يستحق إلا درهما واحدا؛ وقوله: الذي يأتيني فله درهم، دخلت الفاء.
لتبين أن الدرهم استحقه بالإتيان، ولو قال: الذي يأتيني له درهم جاز أن يكون الدرهم يستحقه بالإتيان، وجاز أن يكون بغيره، كما يقول: زيد له درهم، ولم تذكر سبب استحقاقه للدرهم، ويجوز أن يكون الفعل ماضيا كقولك: الذي أتاني فله درهم، يثبت أن الدرهم استحقه ومثله قول الله- ﵎: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ (١) وكان أبو الحسن الأخفش يضعف: إن الذي يأتيني فله درهم لدخول (إن) على الذي، ويقول:
الذي إنما تدخل الفاء في خبرها، لأنه يذهب بها وبالفعل الذي بعدها مذهب الشرط، فإذا أدخلت عليها (إن) أبطلت (إن) الشرط والمجازاة، كقولك: من يأتيني آتيه، ثم تقول: إن من يأتيني آتيه، فتبطل المجازاة بدخول (إن) وتصير (من) بمعنى الذي؛ وكان أبو إسحاق الزجاج لا يبطل حكم المجازاة عن الذي بدخول (إنّ) والقول ما قاله أبو إسحاق لأن (الذي) لا تعمل في الشرط والجزاء فتجزم، وإنما يحمل على المجازاة في المعنى لجواز إبهامها، ولأنها توصل بالفعل وما جرى مجراه، فتشبه بالشرط والجزاء، ولم يخرجها (إن) عن ذلك، لأن (إن) لها تغير معنى الابتداء، فقد قال الله- : قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ (٢) فأدخل الفاء مع دخول (إن) ومثله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ (٣) ومما يدل على صحة ما قلناه أن الحروف لا تكون شروطا مع حروف المجازاة، لا تقول:
إن في الدار زيد أكرمه، ولا متى يوم الجمعة القتال أحضره، وقد قال الله- :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ (٤) فدخلت (الفاء) لمعنى المجازاة و (ما) بمعنى الذي، ومثل ذلك قولهم: كل رجل يأتينا فله درهم، ولو قال: كل رجل فله درهمان كان محالا، والفرق بينهما أن كل رجل مبهم، ويأتينا مشبه بالشرط لأن الفعل يكون شرطا، ويستوجب بيأتينا الدرهمين، وإن لم يكن بعده شيء فلم يأت سبب يستوجب به شيئا.
قال أبو سعيد: لو قال كل رجل فيه شهامة أو فيه نفاذ، أو فيه محبة لنا جاز على
стр. 1307
قياس قوله- ﵎: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣] وما ذكره الخليل من حذف الجواب في قول الله- حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها (١)، وقوله- ﵎: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (٢) وقد اجتمع النحويون، وجاء التفسير في بعض ما في القرآن من نحو ذلك أنه محذوف الجواب، واختلفوا في بعض. فمما أجمعوا على حذف جوابه قول الله- ﵎: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ [البقرة:
١٦٥] ومنه قوله- ﵎: فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى (٣) فلم يأت لإن استطعت بجواب، وجوابه فيما ذكروه: فافعل، ومنه قوله- : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً (٤) فلم يأت بجواب (لو) وجوابها فيما يقدر: لكان ذلك يفعل بهذا القرآن، ومما اختلفوا فيه قوله- : حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها (٥) أي جاءوها وقد فتحت أبوابها، أي:
وهذه حالها، وحذفوا جاءوها الثانية لتكرير اللفظ، وأنه غير مشكل، وتقدير الأخرى فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (٦) بمعنى: استسلما وتله صرعه سعد بإتباع أمر الله، وبشره الله- بنبوة ولده، ونحو ذلك مما يليق بقصته؛ والفراء يجعل الواو زائدة، ويقدر ((حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها)) والواو زائدة في الأخرى ((وتله للجبين ناديناه))، والواو فيه زائدة، واستشهد في زيادة الواو بقوله:
حتى إذا قملت بطونكم ... ورأيتم أبناءكم شبّوا
وقلبتم ظهر المجنّ لنا ... إنّ اللّئيم العاجز الخبّ (٧)
أراد قلبتم والواو زائدة:
قال أبو سعيد: وليست له في هذا حجة لأنه موافق للبصريين في حذف الجواب في المواضع التي ذكرناها، وذكروها في كتاب (المعاني) أن الحذف كثير في القرآن وكلام العرب، وإذا كان كذلك جاز أن يكون ما فيه الواو وقد انحذف جوابه كأنه قال: وقلبتم
стр. 1308
ظهر المجن لنا بأن غدركم ولؤمكم، أو نحو ذلك؛ وقد جاء في الشعر حذف الجواب ممن غير (واو) كما في القرآن، قال عبد مناف:
الضّرب شعشعة والطّعن هيقعة ... ضرب المعوّل تحت الدّيمة العضدا
وللقسيّ أزاميل وغمغمة ... حس الجنوب تسوق الماء والبردا
حتى إذا أسلكوهم في قتائدة ... شلا كما تطرد الجمّالة الشردا (١)
والبيت آخر القصيدة، ولم يأت لحتى إذا بجواب وتقديره:
شلّوا شلا.
وقال آخر:
لو قد حداهنّ أبو الجوديّ ... برجز مسحنفر الرّويّ
مستويات كنوى البرنيّ (٢)
ولم يأت بجواب (لو)، وجوابها في التقدير: لو حداهن أبو الجودي، يعني الإبل لأسرعن بحدائه ونحو ذلك، وقوله في بيت الشماخ:
ودويّة قفر (٣)
معناه: وربّ دوية قفر، ولم يأت بجواب (رب) والذي في شعره بعد هذا البيت جوابه، وهو قوله بعد البيت:
تركت بها ليلا طويلا وسامرا ... لدي ملقح من عود مرخ ومنتج (٤)
يعني أنه سار ليلا طويلا بالدوية، فقال: تركته ورائي، وذلك أنه نزل في أول ليلته، واقتدح، وعمل ما عمل، ثم ركب فبعد، وخلف ليلته حيث استعملت الزّندة، وهو أن يحمل الزّند على الزندة، فيلقحها النار، كما يلقح الفحل الناقة ملقحا، والمنتج الموضع الذي تخرج منه النار.
هذا باب الأفعال في القسم
اعلم أن القسم توكيد لكلامك، فإذا حلفت على فعل مستقبل غير منفي لزمته اللام، ولزمت اللام النون الخفيفة أو
الثقيلة في آخر الكلمة، وذلك قولك:
стр. 1309
والله لأفعلن.
وزعم الخليل أن النون تلزم اللام كلزوم اللام في قولك: إن كان لصالحا، فإن بمنزلة اللام، واللام بمنزلة النون في آخر الكلمة.
واعلم أن من الأفعال أشياء فيها معنى اليمين يجري الفعل بعدها مجراه بعد قولك: والله، وذلك قولهم: أقسم لأفعلنّ، وأقسمت عليك لتفعلنّ، وإن كان الفعل قد وقع، وحلفت عليه لم تزد على اللام، وذلك قولك: والله لفعلت؛ وسمعنا من العرب من يقول: والله لكذبتّ، والله لكذب.
فالنون لا تدخل على فعل قد وقع، وإنما تدخل على غير الواجب؛ وإذا حلفت على فعل منفي لم تغيره عن حاله التي كان عليها قبل أن تحلف، وذلك قولك: والله لا أفعل، وقد يجوز لك وهو من كلام العرب- أن تحذف (لا) وأنت تريدها، وذلك قولك:
والله أفعل ذلك أبدا، تريد: لا أفعل، وقال:
فحالف فلا والله تهبط تلعة ... من الأرض إلا أنت للذّلّ عارف (١)
وسألت الخليل عن قولهم: أقسمت عليك إلا فعلت ولمّا فعلت، لم جاز هذا في هذا الموضع، وإنما أقسمت هاهنا كقولك: والله؛ فقال: وجه الكلام: لتفعلن هاهنا، ولكنهم أجازوا هذا لأنهم شبهوه بناشدتك الله إذ كان فيه معنى الطلب؛ وسألته عن قوله (لتفعلن) إذا جاءت مبتدأة، ليس قبلها ما يحلف به، فقال: إنما جاءت على نية اليمين، وإن لم يتكلم بالمحلوف به.
واعلم أنك إذا أخبرت عن غيرك أنه أكد على نفسه، أو على غيره، فالفعل يجري مجراه حيث حلفت أنت، وذلك قولك:
أقسم ليفعلن، واستحلفه ليفعلن، وحلف ليفعلن ذلك، وأخذ عليه لا يفعل ذلك أبدا؛ وذلك أنه أعطى من نفسه في هذا الموضع مثل ما أعطيته أنت من نفسك حين حلفت، كأنك قلت حين قلت أقسم ليفعلن، قال والله ليفعلن وحين قلت استحلفه ليفعلن، قال له: والله ليفعلن ومثل ذلك قول الله- : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي
стр. 1310
إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (١). وسألته لم لم يجز: والله تفعل، يريدون بها معنى ستفعل؟ فقال: من قبل أنهم وضعوا (تفعل) هاهنا محذوفة منها (لا) فإنها تجيء في معنى (لا أفعل) فكرهوا أن تلتبس إحداهما بالأخرى، فقلت فلم ألزمت النون آخر الكلمة؛ فقال: لكي لا يشبه قوله: إنه ليفعل، لأن الرجل إذا قال هذا فإنما يخبر بفعل واقع فيه الفاعل، كما ألزموا اللام: إن كان ليقول، مخافة أن يلتبس بما كان يقول ذاك لأن إن تكون بمنزلة ما.
وسألته عن قوله- : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ (٢). فقال:
(ما) هاهنا بمنزلة الذي، ودخلتها اللام كما دخلت على (إن) حين قلت: والله لئن فعلت لأفعلن، واللام التي في (ما) كهذه التي في (إن) واللام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هنا.
ومثل هذه اللام الأولى (أن) إذا قلت: والله أن فعلت لفعلت، وقال:
فأقسم أن لو التقينا وأنتم ... لكان لكم يوم من الشّر مظلم (٣)
فأن في (لو) بمنزلة اللام في (ما) فأوقعت هاهنا لامين:
لام للأول ولام للجواب، ولام الجواب هي التي يعتمد عليها القسم، فكذلك اللامان في قوله- : لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ (٤).
لام للأول، وأخرى للجواب، ومثل ذلك لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ (٥)، إنما دخلت اللام على نية اليمين. والله أعلم وسألته عن قوله- : وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٦) فقال: هي بمعنى لتفعلن، كأنه قال:
لظللن كما يقول:
والله لا فعلت ذاك أبدا، تريد معنى لا أفعل وتقول: لئن فعلت ما فعل تريد معنى
стр. 1311
ما هو فاعل وما يفعل، كما كان لظلوّا مثل لظللن، وكما جاءت سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١) على قوله: أم صمتّم، وكذلك جاء هذا على ما هو فاعل.
قال: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٢). أي ما هم تابعين. وقال- : وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ (٣) أي ما يمسكها من أحد؛ وأما قوله- :
وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ (٤). فإن (إنّ) حرف توكيد ولها لام كلام اليمين لذلك أدخلوها، كما أدخلوا في إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٥)، ودخلت اللام التي في الفعل على اليمين، كأنه قال: إنّ زيدا لما والله ليفعلنّ، وقد يستقيم في الكلام: إن زيدا ليضرب، وليذهب، ولم يقع ضرب، والأكثر على ألسنتهم- كما خبرتك- في اليمين، فمن ثم ألزموا النون في اليمين لئلا يلتبس بما هو واقع.
قال- : إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ (٦). قال لبيد:
ولقد علمت لتأتينّ منيّتي ... إنّ المنايا لا تطيش سهامها (٧)
كأنه قال: والله لتأتين، كما قال: لقد علمت لعبد الله خير منك،
قال: أظن لتسبقنّني وأظن لتموتنّ وهو بمنزلة: علمت، وقال : ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٨) ابتداء، ألا ترى أنك لو قلت بدا لهم أيهم أفضل، لحسن كحسنه في (علمت). كأنك قلت: ظهر لهم أهذا أفضل، أم هذا.
قال أبو سعيد: النون دخلت مع اللام في جواب القسم لأن اللام وحدها تدخل
стр. 1312
على الفعل المستقبل في خبر (إن)، وليس دخول اللام في خبر إن للقسم، وقد تدخل في خبر إن ومعها القسم، وألزموها النون للفصل بين اللام الداخلة لجواب القسم، والداخلة لغير القسم.
فإذا قلت إن زيدا ليضربن عمرا، فاللام مع النون دخلت للقسم، وتقديره: إن زيدا والله ليضربن عمرا.
وإذا قلت: إن زيدا ليضرب عمرا، فهذه اللام تقديرها أن تكون داخلة على أن وأخرت، وبين هذه اللام وبين التي معها النون فصل من وجهين: أحدهما أن اللام التي معها النون لا تكون إلا للمستقبل، والتي ليس معها النون تكون للحال، وقد يجوز أن يراد بها المستقبل؛ والوجه الآخر من الفصل، أن المفعول به لا يجوز تقديمه على الفعل الذي فيه النون، ويجوز تقديمه على الذي لا نون فيه، لأن نية اللام فيه التقديم، لا يجوز أن تقول: إن زيدا عمرا ليضربن، ويجوز إن زيدا عمرا ليضرب، وقد ذكر هذا في غير موضع، فإن قال قائل إذا أردنا القسم على فعل الحال، فكيف السبيل إليه؟
قيل له: يقع جواب القسم كأن ويكون الفعل المستقبل خبرا له، ويراد به الحال كقولك: والله إن زيدا ينطلق، وإن شئت أدخلت اللام، فقلت: لينطلق والمعنى واحد، وإن شئت قلت: إن زيدا لمنطلق، فيستغنى بدخول اللام على الاسم عن دخولها على الفعل المقسم عليه، والقسم إذا كان الذي يتلقاه فعلا فهو واقع عليه، وإن كان الذي يتلقاه حرفا بعده اسم وخبر، فالذي وقع عليه القسم يؤكد القيام دون زيد، وكل فعل دخلته النون فهو للاستقبال في الأمر والنهي والاستفهام، ولا تدخل على الحال، وحكى أبو إسحاق الزجاج عن أبي العباس المبرد قال: امتنعت النون من دخولها على فعل الحال؛ لأن الحال لا يحلف عليها، ثم رد عليه فقال أبو إسحاق: لو كان امتناعها لأن الحال لا يحلف عليها لكان كل من يحلف عند القاضي لا يجب أن يقبل يمينه لأنه يحلف أنه في حال ليست عليه شيء، ولامتنع قولك: والله لأنت أفضل الناس، وهو في حال فضل؛ وقولك: والله لزيد يصلي بحذائي؛ ولامتنع، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١).
وقد يكتفي بذكر القسم، وما جرى مجراه عن المقسم به، فيقال: أقسم لأفعلن، وأشهد لأفعلن، وتقديره: أقسم بالذي شأني وسبيلي أن أقسم به، ولكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب. قال الشاعر:
стр. 1313
فأقسم أن لو التقينا وأنتم ... لكان لكم يوم من الشرّ مظلم (١)
وقال آخر:
وأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد عنك مدفعا (٢)
ومن أجل هذا قال الفقهاء من العراق إذا قال الرجل أقسم أو أقسم بالله أو أحلف بالله، أو أشهد أو أشهد بالله فحنث وجبت عليه كفارة اليمين لأنه إذا قال: أقسم بالله، أو أحلف بالله أو أشهد صرف إلى معنى: أقسم بالله إذا كان الذي يلزم المسلمين إذا أقسموا أو حلفوا أن يحلفوا بالله دون غيره لقول النبي ﷺ :
((من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت)) (٣). فإذا كانت اليمين على فعل ماضي لم تدخل اللام كقولك: والله لكذبت، والله لكذب ولم تدخل النون لأن النون في غير القسم لا تدخل إلا على المستقبل دون الماضي والحال، وإذا دخلت في فعل القسم فهي أيضا للمستقبل، فلم يجز دخولها فيما لم يمكن دخولها عليه، وقال فيه بعض أصحابنا: دخول النون في القسم يفصل بين الحال والاستقبال، وليس في الماضي لبس يزيل دخول النون؛ وإذا كان القسم بفعل منفي لم يدخلوا للقسم حرفا دون حرف النفي الذي كان فيه قبل القسم؛ وأصل دخول حرف القسم الموجب في غير القسم لا يحتاج إلى حرف كقولك: ذهب زيد، وينطلق عمرو، وبكر راحل، وما أشبه ذلك؛ فلما أقسموا عليه أكدوه بما أدخلوا عليه من الحروف الدالة على القسم ليعلم أنه قسم، واحتمل الحروف لتجرده منها قبل القسم، وأما النفي ففيه حروف النفي، وكرهوا دخول حرف آخر واكتفوا بما فيه من حروف النفي غير أنهم اقتصروا من حروف النفي على حرفين لا يتلقى اليمين بغيرهما من حروف الجحد، وجعلوهما مقابلين لحرفي الإيجاب في جواب اليمين، وهما (لا) و (ما) دون (لم) و (لن) فقالوا والله ما زيد منطلقا، وو الله لا ينطلق زيد، وكان (ما) في النفي نظيره (إن) في الإيجاب لأن أكثر دخول (ما) على الأسماء والأخبار، كما أن (أن) تدخل على الأسماء والأخبار، وكان (لا) نظيره (اللام) لأن دخولها على الأفعال في النفي كدخول اللام في الإيجاب؛ ولا يجوز: والله لم يقم زيد، ولا والله لن
стр. 1314
يقوم زيد لأنهم جعلوا (لم يقم) نقيض (قام)، (ولن يقوم) نقيض (سيقوم)، ولا يقع القسم عليهما في الإيجاب. لا تقول: والله قام زيد، ولا: والله سيقوم زيد، فإذا قلت: والله لا يقوم، فهو نفي للمستقبل، كما أنك إذا قلت: والله ليقومنّ، فهو إيجاب للمستقبل، فإن أردت اليمين على نفي فعل في الحال، قلت: والله ما زيد يقوم، وو الله ما زيد قائما، كما تقول إذا أردت ذلك في الإيجاب: والله إن زيدا يقوم، وو الله إن زيدا قائم، وقد كثر في كلامهم حذف (لا) في القسم لكثرة القسم في كلامهم، وزوال اللبس، لأن الموجب في القسم تلزمه اللام والنون، فإذا قالوا: والله أقوم، علم بسقوط اللام والنون منه أنه نفي، وقد قال الله- : تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ (١) وتقديره: لا تزال تذكر يوسف، وأما أقسمت عليك إلّا فعلت، ولما فعلت، فإن المتكلم إذا قال: أقسمت عليك لتفعلنّ، فهو مخبر عن فعل المخاطب أنه يفعل ومقسم عليه، فإذا لم يفعل فهو كاذب، لأنه لم يوجد خبره على ما أخبر به، وإذا قال: أقسم عليك إلا فعلت، وكما فعلت، فهو طالب منه سائل ولا يلزمه فيه تصديق ولا تكذيب، وللفرق بين المعنيين فرّق بين اللفظيين؛ وإذا ذكرت يمينا قد حلف كان ذلك في لفظها وجهان: أحدهما حكاية لفظ اللافظ في يمينه، والآخر: حمل إخبارك على المعنى لا على اللفظ، ونمثل ذلك بقوله- : قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ (٢) قراءة عبد الله ((تقاسموا بالله)) من غير (قالوا)، ففي ((تقاسموا)) وجهان: أحدهما أن يكون ماضيا، والآخر أن يكون أمرا، فإذا كان فعلا ماضيا جاز في (لنبيتنه) الياء والنون حسب ليبيتنه ولنبيتنه، فأما النون فعلى حكاية لفظهم، كأنهم قالوا: في أيمانهم ((والله لنبيتنه))، وأما الياء فعلى المعنى لأن المخبر عنهم غائب عنهم مخبر بيمين لهم حلفوا على فعل كان منهم والخبر عن الغائب بالياء، ومثله من الكلام حلف زيد ليقتلن عمرا بالياء لغيبة زيد، ويجوز حلف زيد لأقتلن عمرا على حكاية لفظه في يمينه، وإذا كان (تقاسموا) أمرا ففي لنبيتنه ثلاثة أوجه: النون والياء والتاء والنون على حكاية لفظهم إذا حلفوا، وقالوا: لنبيتنه؛ والياء على حال المخبر عنهم في الغيبة، وأما التاء فعلى حكاية لفظ المحلف لأنه إذا حلفهم قال لهم: احلفوا لنبيتنه، ومثله قولك لصاحبك حلف القوم ليخرجنّ ولتخرجنّ، ولنخرجنّ، ولو حلف واحدا جاز أن يقول:
أحلف لتخرجنّ، وأحلف لأخرجنّ. التاء لإقبال المحلف على المحلف، والألف لحكاية لفظ
стр. 1315
الحالف؛ وعلى هذا قس جميع ما يرد عليه إن شاء الله.
وقوله- : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ، ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ (١) لتؤمنن به خبر وهو بمنزلة قولك:
لزيد لتضربنه، وجعلوا اللام الواقعة على (ما) بمنزلة (أن) في:
... أن لو التقينا ... ... ... (٢)
وذلك أن (أن) يتلقى بها اليمين الواقعة على (ما)، وإذا جعلت (ما) و (لا) للمجازاة في مثل قوله- : ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها (٣) فلا صلة لها، فهي في موضع نصب يأتيكم، والاعتماد في جواب القسم على اللام في قوله:
لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ [آل عمران: ٨١]، وقد شرح ذلك قبل هذا الموضع بأتم مما هنا.
وقوله- : وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٤) تأويله: ليظلّنّ، لأن المجازاة مبنية على يمين، وقد ذكرنا أنها إذا كانت كذلك فالقسم يعتمد على جواب الشرط، وجواب الشرط إذا كان فعلا، فهو فعل مستقبل، فوجب الاستقبال لأنه مجازاة، ووجبت له اللام لأنها جواب القسم، فصار حق اللفظ ليظلّنّ، ثم نقل إلى لفظ الماضي لأن حروف المجازاة تسوغ نقل لفظ الماضي إلى الاستقبال، وكذلك نقل لفظ الفعل بعد (ما) التي للمضي، وهو في معنى الاستقبال في قولك: لئن فعلت، تريد: ما هو فاعل، وما يفعل كيف كان كظلوّا في معنى ليظلّنّ، وقوله- : وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ (٥) اللام الأولى التي تدخل في اسم (إن) إذا قلت: إن في الدار لزيدا، وفي خبرها إذا قلت: إن زيدا ليقوم، ولا تدخل معها النون واللام الثانية، وهي جواب قسم يقدر بعد اسم (إن)، وقيل خبرها، وذلك في نحو قولك: إن زيدا ليقومن، كأنك قلت: إن زيدا والله ليقومن، ولا تجتمع هاتان اللامان، وإذا فرق بينهما جاز.
و (ما) هي زائدة للتوكيد، وقد تقدم من كلامي أن قولهم: إن زيدا ليضرب وليذهب الأكثر في كلامهم أن يراد به الحال، وقد يراد به المستقبل، وذلك في قوله عز
стр. 1316
وجل: وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ (١) والحكم متأخر، وقوله: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٢) بدا لهم فعل، والفعل لا يخلو من الفاعل أو معناه عند النحويين أجمعين بدا لهم بدوّ، وقالوا: ليسجننه، إنما أضمر البدو، لأنه مصدر يدل عليه (بدا لهم)، وأضمر (قالوا) كما قال: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ (٣) ومعناه: يقولون سلام عليكم، ولا يكون ليسجننه بدلا من الفاعل لأنه جملة، والفاعل لا يكون جملة، وباقي الباب من كلام سيبويه مفهوم.
باب الحروف التي لا تقدّم فيها الأسماء (على) الفعل
فمن تلك الحروف الحروف العوامل في الأفعال الناصبة- ألا ترى أنك لا تقول:
جئتك كي زيد يقول ذاك، ولا خفت أن زيد يقول ذاك، فلا يفصل بين الفعل والعامل فيه، كما لا يجوز أن يفصل بين الاسم وبين (إنّ) وأخواتها بفعل، ومما لا يقدم فيه:
الأسماء، الفعل، الحروف العوامل في الأفعال الجازمة، وتلك (لم) و (لما) و (لا) التي تجزم الفعل في النهي و (اللام) التي تجزم الفعل في الأمر، ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: لم زيد يأتك، فلا يجوز أن تفصل بينها وبين الأفعال بشيء، كما لم يجز أن تفصل بين الحروف التي تجر وبين الأسماء بالأفعال؛ لأن الجزم نظير الجر، ولا يجوز أن تفصل بينهما وبين الفعل بحشو، كما لا يجوز أن يفصل بين الجار والمجرور بحشو إلا في شعر:
ولا يجوز ذلك في التي تعمل في الأفعال فتنصب، كراهة أن تشبّه بما يعمل في الأسماء، ألا ترى أنه لا يجوز أن يفصل بين الفعل وما ينصبه بحشو، كراهة أن يشبهوه بما يعمل في الاسم، لأن الاسم ليس كالفعل، وكذلك ما يعمل فيه ليس كما يعمل في الفعل، ألا ترى إلى كثرة ما يعمل في الاسم، وقلة ما يعمل في الفعل؛ فهذه الأشياء فيما يجزم أردأ وأقبح منها في نظيرها من الأسماء، وذلك أنك لو قلت: جئتك كي بك يؤخذ زيد، لم يجز، وصار الفصل في الجزم والنصب أقبح منه في الجر لقلة ما يعمل في الأفعال، وكثرة ما يعمل في الأسماء.
واعلم أن حروف الجزاء يقبح أن تتقدم الأسماء فيها قبل الأفعال، وذلك أنهم
стр. 1317
يشبهوها بما يجزم مما ذكرنا، إلا أن حروف الجزاء يدخلها فعل ويفعل، ويكون فيها الاستفهام فترفع فيها الأسماء، وتكون بمنزلة (الذي) فلما كانت تصرف هذا التصرف، وتفارق الجزم ضارعت ما يجر من الأسماء التي إن شئت استعملتها غير مضافة نحو ضارب عبد الله، لأنك إن شئت نونت ونصبت، وإن شئت لم تجاوز الاسم العامل في الآخر، يعني ضارب، ولذلك لم يكن مثل (لم) أو (لا) في النهي واللام في الأمر لأنهن لا يفارقن الجزم، ويجوز الفرق في الكلام في (إن) إذا لم تجزم في اللفظ
نحو قوله:
عاود هراة وإن معمودها خربا (١)
فإن جزمت ففي الشعر، لأنه يشبّه بلم؛ وإنما جاز في الفصل ولم يشبه (لم) لأن (لم) لا يقع بعدها فعل، وإنما جاز في (إن) لأنها أصل الجزاء ولا تفارقه، فجاز هذا، كما جاز إضمار الفعل فيها حين قالوا: إن خيرا فخير وإن شرّا فشر، وأما سائر حروف الجزاء، فهذا ضعيف فيه في الكلام لأنها ليست كإن، فلو جاز في إن، وقد جزمت كان أقوى إذ جاز فيها (فعل).
ومما جاء في الشعر مجزوما في غير (إن) قول عدي بن زيد:
فمتى واغل ينبهم يحيوّ ... هـ وتعطف عليه كأس السّاقي (٢)
وقال:
صعدة نابتة في حائر ... أينما الرّيح تميّلها تمل (٣)
ولو كان (فعل) كان أقوى إذ كان ذلك جائزا في (إن) في الكلام.
واعلم أن قولهم في الشعر: إن زيد يأتك يكن كذا، إنما يقع على فعل هذا تفسيره، كما كان ذلك في قولك: إن زيدا رأيته يكن ذلك، لأنه لا تبتدأ بعدها الأسماء ثم يبنى عليها، فإن قلت: إن يأتني زيد يقل ذاك، جاز على قول من قال: زيدا ضربته، إن تأتني فأنا خير لك حسنا، وإن لم يحمله على ذلك رفع وجاز في الشعر، كقوله:
стр. 1318
الله يشكرها (١)
ومثل الأول قول هشام المري:
فمن نحن نؤمنه يبت وهو آمن ... ومن لا نجره يمس منا مفزّعا (٢)
قال أبو سعيد: أكثر كلام سيبويه فيه واضح، وقوله:
وصار الفصل في الجزم والنصب أقبح منه في الجر لقلة ما يعمل في الأفعال من العوامل، وكثرة ما يعمل في الأسماء منها. وذلك أن الأسماء تعمل فيها الأفعال والأسماء والحروف، أما الفعل فقولك عمرو ضرب زيدا، ويضرب أخاك أبوك، وأما الأسماء فقولك:
هذا ضارب زيدا، ومكرم عمرا، وهذا غلام عمرو، ودار بكر.
وأما الحروف فإن وأخواتها، وحروف الجر كقولك: إن في الدار زيدا، ومررت بعمرو، والأفعال إنما يعمل فيها حروف معلومة قليل عددها، إذا تقدم الاسم المرفوع، وولى الجازم، فأحسن ذلك أن يكون في (إن) من بين حروف الجزاء، لأنها الحرف الأصلي في المجازاة، وقد ذكرت قوتها قبل هذا الموضع، واستشهدت عليه بما يغني عن إعادته في هذا الموضع، ويكون الفعل بعد الاسم ماضيا، وذلك قول الله- : إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ (٣) وقوله- : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ (٤)، والذي عند أصحابنا البصريين أن الاسم الذي بعد (إن) يرتفع بإضمار فعل ما ظهر تفسيره كأنه قال: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك، والفعل الذي بعد (أحد) تفسير المضمر الفعل، وموضع هذا الفعل جزم، وإن كان ماضيا يقوم في التقدير مقام الفعل الذي هو تفسيره، والدليل على ذلك أن الشاعر لما جعله مستقبلا جزمه، فمن ذلك فمتى واغل ينبهم تقديره فمتى ينبههم واغل ينبههم، وقوله:
... ... أينما الرّيح تميّلها ...
فتقديره: أينما تميلها الرّيح تميلها.
стр. 1319
ومن نحن نؤمنه تقديره: نحن نؤمنه، وقد أنشد غير سيبويه فيه
وإن أنت تفعل فللفاعلي ... ن أنت المجيزين تلك الغمارا (١)
ومعناه فإن تفعل أنت تفعل، وأما الفراء وأصحابه فلا يقدرون فعلا قبل الاسم المرفوع، ويجعلون الاسم المرفوع والمنصوب مستحسنا في (أن) خاصة لقوتها لأنها الاسم المرفوع الحرف الأصلي في المجازاة، فالمرفوع ما ذكرناه، والمنصوب قولك، وإن أخاك ضربت ظلمت، وقد اختلف الكسائي والفراء في جواب الجزاء إذا لم يكن بالفاء هل يجوز تقديم الاسم فيه على الفعل فأجمعا أنه لا يجوز ذلك في الاسم المرفوع، واختلفا في المنصوب، وأجازه الكسائي، ولم يجزه الفراء، وذلك قولك: إن عبد الله يقم يقم أبوه لا يجوز عندهما في الجواب أبوه يقم، فإن قلت: إن عبد الله يقم يضرب أخاه- جاز عند الكسائي أخاه يضرب، ولم يجز عند الفراء، واحتج الكسائي بقول الشاعر، وهو طفيل الغنوي:
وللخيل أيام فمن يصطبر لها ... ويعزف لها أيامها الخير تعقب (٢)
والقصيدة مخفوضة، والخير عند الكسائي منصوب بتعقب، والفراء يقول: إن الخير منصوب؛ لأنه نعت الأيام كأنه قال: أيامها الصالحة، ولم يأت لتعقب بمفعول، ولو كان تعقب مرفوعا لم يقع خلاف في جواز تقديم المنصوب بالفعل، لأن الفاء تقدر وإذا أتى بالفاء جاز التقديم، كقولك: إن يأتني زيد فأكرم أخاه، ويجوز فأخاه أكرم، ثم تحذف الفاء، كما حذف في قوله الله يشكرها. وقد أجاز سيبويه تقديم الاسم في الجواب ورفعه بإضمار، كما أجازه في الشرط، وذلك قولك: إن تأتني زيد يقل ذاك، فزيد مرفوع بفعل مضمر قبله مجزوم، وبعده تفسيره، كأنه قال: إن تأتني يقل زيد ذاك يقل، ولا يجوز أن يرتفع زيد بالابتداء، لأنه لو ارتفع بالابتداء لكانت الفاء مقدرة قبله، وإذا قدرت الفاء قبله بطل جزم الفعل الذي بعده لأنك تقول: إن تأتني فزيد يقل ذاك، وإنما يقول فزيد يقول ذاك، وقوله في آخر الباب: ومثل الأول قول هشام المري: يعني بالأول قوله: فمتى واغل.
وأينما الريح، وسائر كلامه قد أتى عليه الشرح في هذا الباب وغيره.
وهذا باب الحروف التي لا يليها بعدها إلا الفعل
ولا يغير الفعل عن حاله التي كان عليها قبل أن يكون قبله شيء منها. فمن
стр. 1320
تلك الحروف (قد) لا تفصل الفعل بغيره، وهي جواب لقوله: من فعل. كما كانت فعل جوابا ل (هل فعل؟)، فإذا أخبرت أنه لم يقع، ولما يفعل وقد فعل إنما هما لقوم ينتظرون شيئا، فمن ثم أشبهت (قد) (لمّا) في أنها لا يفصل بينها وبين الفعل.
ومن تلك الحروف أيضا سوف يفعل لأنها بمنزلة السين في قولك سيفعل، وإنما تدخل هذه السين على الأفعال، وإنما هي إثبات لقوله: لن يفعل فأشبهتها في أن لا يفصل بينها وبين الفعل.
ومن تلك الحروف ربما وقلما وأشباهها، وجعلوا رب مع ما بمنزلة كلمة واحدة. (وهيئوها ليذكر بعدها الفعل، لأنه لم يكن لهم سبيل إلى رب تقول ولا إلى (قل يقول): فألحقوهما (ما) وأخلصوهما للفعل، ومثل ذلك (هلّا) ولولا و (ألّا) ألزموهن (لا) وجعلوا كل واحدة مع (لا) بمنزلة حرف واحد، فأخلصوهن للفعل، حيث دخل فيهن معنى التخصيص، وقد يجوز في الشعر تقديم الاسم، قال:
صددت فاطولت الصدود وقلّما ... وصال على طول الصّدود يدوم (١)
واعلم أنه إذا اجتمع بعد حروف الاستفهام. نحو (هل) و (كيف) و (من) - اسم وفعل كان الفعل بأن يلي حرف الاستفهام أولى؛ لأنها عندهم في الأصل من الحروف التي يذكر بعدها الفعل، وقد بيّن حالها فيما مضى.
قال أبو سعيد قول سيبويه: لا يفصل بين الفعل وقد بغيره أراد على وجه الاختيار، وموضوع قد لأن منزلة قد في الفعل، كمنزلة الألف واللام من الاسم لأن دخولها على فعل متوقع أو مسؤول عنه، لأنه إذا قال: قد قام زيد، فإنما يقوله لمن توقع قيامه، أو لمن سأل عنه، فقال: هل قام زيد، وإذا قال: قام زيد، فإنما يبتدئ إخبارا بقيامه لمن لم ينتظره، ولم يتوقعه، فأشبهت (قد) العهد في قولك: جاءني الرجل لمن عهده المتكلم أو جرى ذكره عنده قبل ذلك كقولك: ناظرت اليوم رجلا فقال لي الرجل في مناظرته كذا وكذا، ومما يوجب أن لا يفصل بينها وبين الفعل، أنها تفيض (لما)، و (لما) حرف جازم تقول: ركب زيد ولما يتعمم، فيقول الراد عليه: بل ركب زيد وقد تعمم، ومعناه ركب وهذه حاله، إلا أنهم أجازوا الفصل بينها وبين الفعل.
стр. 1321
قال سيبويه في أول الكتاب: وأما القبيح المستقيم، فقولك:
قد زيدا رأيت، وقد فصلوا بينها وبين الفعل أيضا بالقسم، كقولك: قد لعمري بت ليلى ساهرا، وقد والله أحسنت، وحسن في (قد) الفصل، ولم يحسن الفصل بين الألف واللام، وبين ما دخلتا عليه؛ لأن (قد) تنفرد، ولا يذكر بعدها شيء فقويت بذلك، واحتمل الفصل لقول النابغة:
أقد التّرحّل غير أنّ ركابنا ... لمّا تزل برحالها وكأن قد (١)
وقال:
تفريق أفي اليوم تقويض الأحبة أم غد ... لما تبن وجها لهم وكأن قد
ومنه السين، وسوف من الفعل المستقبل كمنزلة الألف واللام في تلخيص الفعل المستقبل، وقصره عليه كقصر الألف واللام للاسم المذكور على شيء بعينه، ووجه آخر أن السين، وسوف هما إثبات (لن) و (لن) نقيضتهما، ولا يفصل بين (لن) وما تدخل عليه، فكذلك السين، وسوف، وأما (ربما) و (قلما) فإن الأصل فيهما (رب). وقل: فأما (رب) فهي حرف خفض لا يجوز أن يليها فعل ولا تدخل حروف الخفض على الأفعال، وأما (قل) فهي فعل، ولا يليها فعل، لأن الفعل لا يعمل في الفعل، وإنما حق الأسماء أن تقع بعدها، فإذا أرادوا بعدها أن تقع الأفعال أدخلوا (ما) وجعلوها مع (الذي) قبلها شيئا واحدا بمعنى حرف مهيّأ للفعل بعده، ولا تعمل شيئا، وجعلوا فيه المعنى الذي يريدونه، كما جعلوا (هلا) و (لو ما) و (لولا) وما شابهها ما أرادوها، ويجوز أن يكون أدخلوا (ما) وهي اسم، وأتوا بالفعل بعدها فصار الفعل صلة لها فانتصب و (رب) واقعة على اسم تقديره أنه مخفوض ب (رب)، قل واقعة على اسم تقديره أنه مرفوع ب (قد)، وذلك قولك: ربما يقوم زيد.
وقال الله : رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ويقول: قلما يقوم زيد، فهذا وجه الكلام فيها، وقد تجعل (ما) زائدة، وبعدها اسم مخفوض ب (رب)، كقولك: ربما رجل خلصته من السبع.
قال الشاعر:
стр. 1322
ربما طعنت لضيف مقيل ... دون بصري وطعنته بحلها (١)
وقد تحمل (ما) في (قلما) على الزيادة، ويرفع الاسم بعدها ب (قل) وعلى ذلك حمل بعض الناس قوله: (وقلما وصال) مبتدأ، وما بعده خبره، والمبتدأ والخبر صلة (ما)، وهي مرفوعة ب (قل).
وذكر سيبويه (هلا) و (لولا) و (ألّا) فعال: ألزموهن (لا) وجعلوا كل واحدة منهن مع (لا) بمنزلة حرف واحد، فأخلصوهن للفعل، حيث دخل فيهن معنى التخصيص، وترك (لولا) وهو مثلهن في المعنى، وقد ألزمت (ما) وهي مثل (لا) في النهي. وباقي الباب مستغنى عن شرحه.
هذا باب الحروف التي يجوز أن يليها بعدها الأسماء ويجوز أن يليها بعدها الأفعال
وهي (لكن) و (كأنما) و (إذ) لأنها حروف لا تعمل شيئا، فتركت الأسماء بعدها على حالها، كأنه لم يذكر قبلها شيء، فلم يجاوز ذاتها إذ كانت لا تغير ما دخلت عليه، فيجعلوا الاسم أولى بها من الفعل، وسألت الخليل، عن قول العرب: انتظروني كما آتيك، فزعم أن (ما) و (الكاف) جعلتا بمنزلة حرف واحد، وصيّرت الفعل، كما صيّرت للفعل (ربما) والمعنى: لعلي آتيك، فمن ثم لم ينصبوا به الفعل، كما لم ينصبوا ب (ربما). قال رؤبة:
لا تشتم النّاس كما لا تشتم (٢)
وقال أبو النجم:
قلت لشيبان ادن من لقائه ... كما تغدّي القوم من شوائه (٣)
وقال أبو سعيد: يرتفع الفعل بعد (كما) من وجوه منها: أن تجعل الكاف، وهي كاف التشبيه في الأصل مع (ما) كشيء واحد يليها الفعل، ورفع بعدها، كما رفع بعد (ربما) وجعلت بمعنى لعل، والفعل للاستقبال دون الحال، وفيه معنى كي، وإن ارتفع الفعل كقولك للرجل ائتني لعلي أهب لك. قال الله : وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ
стр. 1323
تُفْلِحُونَ (١) وإنما صار كذلك لأن لعل فيها طمع، والذي يفعل الفعل ملتمسا لكون الشيء، فإنما يطمع في ذلك الملتمس ويرجوه، والمعاني إذا تقاربت اشتركت كثيرا في الألفاظ، ومنها:
أن يكون (ما) (من) (كما) و (ما) بعدها من الفعل بمنزلة المصدر، كقولك أزورك كما تزورني، وائتني كما آتيك، وكما تدين تدان، وكما يفعلون أفعل، أي أزورك كزيارتك إياي، وائتني كإتياني إياك، فإن قال قائل: إن كان المصدر الذي بعد الكاف من فعل ماض، فينبغي أن تقول أزورك كما زرتني، وإن كان من فعل مستقبل، فكيف يشبهه بما لم يكن قيل له، أما الفعل إذا كان ماضيا، فالوجه فيه أزورك كما زرتني، وائتني كما أتيتك، وإن كان مستقبلا فتقديره أتيني كإتياني إياك إن أتيتني، وكذلك لا تشتم الناس كما لم تشتم في معنى المصدر، وتقديره: اترك شتمهم كتركهم شتمك إن تركت شتمهم، والوجه الثالث: أن يكون (كما) وقتا كقولك: ادخل كما يسلم الإمام أي في ذلك الوقت، وانصرف كما يجلس الوزير، أي في وقت جلوسه والوجه الرابع: فيما ذكر بعض النحويين أن (كما) تقييد للتشبيه حسب، ولا ينضم (ما) إلى الذي عنده، ولا يختلط به، كما يقال: أنا عندك كما أنت عندي، قال الله : يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ (٢) فكما بجملتها مفيدة التشبيه، وعلى هذا يجعل (ربما) بجملتها بمعنى (رب) غير أنها لا تخفض، وحكى الكوفيون النصب ب (ما) بمعنى (كما) وحذف الباء منها، وإن كانوا غير دافعين للدفع بعدها، ولم يحك البصريون ذلك، وقد وافقهم على ذلك أبو العباس المبرد، واستحسن قولي الكوفيين والبصريين، ولم يحتج في ذلك بشيء إلا ببيت احتج به الكوفيون وهو قوله:
وطرفك إمّا جئتنا فاصرفنّه ... كما يحسبوا أنّ الهوى حيث تصرف (٣)
قال أبو سعيد هذا البيت وما بعده مما احتج به الكوفيون للنصب ب (ما) فتأول، أو مروي على غير روايتهم مما لا يكون لهم حجة، أما هذا البيت فغيرهم يرويه:
... فاصرفنه ... لكي يحسبوا أن الهوى حيث تصرف
وقد احتجوا بقول رؤبة:
стр. 1324
لا تظلموا الناس كما لا تظلموا
والذي رواه سيبويه بالتوحيد: لا تظلم الناس كما لا تظلم وليس في هذه الرواية حجة.
وأنشدوا بيت صخر الغي الهذلي:
جاءت كبير كما أحفّرها ... والقوم صيد كأنهم رمدوا (١)
والبصريون يروونه بالرفع: كما أحفّرها، والفراء اختار الرفع في بيت صخر الغي، وقال: احفرها بالنصب.
فأنشد الآخر:
يقلّب عينيه كما لأخافه ... تشاوس رويدا أتني من تأمل (٢)
قالوا اللام في لأخافه توكيد لكما، وهذه لا حجة فيها لأن فيه تكلفا شديدا وحملا على وجه يقبح، والأولى والأظهر يقلب عينيه لكيما يخافه، وأنشدوا قول: عدي بن زيد:
اسمع حديثا كما يوما يحدثه ... عن ظهر غيب إذا ما سائل سألا (٣)
وذكر أن الرواة أجمعوا على رفع يحدثه إلا المفضل، فإنه كان ينصبه، واجتماع النحويين من الكوفيين والبصريين على رفعه حجة على المفضل، لأنه لم يكن في معرفة النحو كالمخالفين له.
وقال هشام بن معاوية: (كما) على معنى (كي) لكنها بمنزلة قولهم افعل كما يفعلون، وأنشد هشام:
وما زرتني في اليوم إلا تعلة ... كما القابس العجلان ثم يغيب
وقال معناه: كما ترون القابس، وأهر وجوه معاني (كما) فيما أنشده سيبويه في آخر الباب- معنى (لعل) كأنه قال:- لا تشتم الناس لعلك لا تشتم، وكذلك: أدن من لقائه، يريد من لقائه لحيدة لعلنا نغذي القوم من شوائه.
هذا باب نفي الفعل
إذا قال: فعل فإن نفيه لم يفعل، وإذا قال: قد فعل فإن نفيه لمّا يفعل، وإذا قال:
لقد فعل فإن نفيه ما فعل لأنه كأنه قال: والله لقد فعل، فقال: والله ما فعل.
стр. 1325
وإذا قال: هو يفعل، أي هو في حال فعل، فإن نفيه ما يفعل.
وإذا قال: هو يفعل ولم يكن الفعل واقعا فنفيه والله لا يفعل وإذا قال: ليفعلن فنفيه لا يفعل، كأنه قال: والله ليفعلن فقلت: والله لا يفعل وإذا قال: سوف يفعل، وسيفعل فإن نفيه لن يفعل.
قال أبو سعيد: حق نفي الشيء وإيجابه أن يشتركا في مواقعهما، وأن لا يكون منهما فرق في أحكامهما إلا أن أحدهما إيجاب والآخر نفي، وعلى هذا ساق سيبويه ما ذكره في هذا الباب فجعل (لم يفعل) نفي (فعل) لأن المضيّ يجمعهما في قولك: فعل أمس، ولم يفعل أمس، وأحدهما موجب، والآخر منفي.
وإذا قال: قد فعل فنفيه لما يفعل لأنهما للحال، ولما فيه تطاول تقول:
ركب زيد، وقد لبس خفه، وركب زيد ولما يلبس خفه، فالحال قد جمعهما وأحدهما منفي، والآخر موجب.
وإذا قلت: لقد فعل فنفيه ما فعل لأن قوله: لقد فعل جواب قسم، فإذا أبطلته وأقسمت قلت: ما فعل وتقديره: والله لقد فعل، وو الله ما فعل، وإذا قال: هو يفعل أي هو في حال فعل لم يكن نفيه لا يفعل لأن لا يفعل موضوع للمستقبل، فلا يكون نفي المستقبل نفيا للحال ولكن هو جواب هو يفعل للحال ما يفعل. وإذا كان هو يفعل للمستقبل فجوابه لا يفعل لاشتراكهما في الاستقبال. وباقي الباب على هذا، وقد تكرر ذكره في مواضع من الكتاب.
هذا باب ما يضاف إلى الأفعال من الأسماء
يضاف إليها أسماء الدهر، وذلك قولك: هذا يوم يقوم زيد، وآتيك يوم يقول ذاك. وقال الله- : هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (١) وهذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (٢). وجاز هذا في الأزمنة واطرد فيها، كما جاز للفعل أن يكون صفة، وتوسعوا كذلك في الدهر لكثرته في كلامهم.
فلم يخرجوا الفعل من هذا كما لم يخرجوا الأسماء من ألف الوصل نحو (ابن) وإنما أصله للفعل وتصريفه.
стр. 1326
ومما يضاف إلى الفعل أيضا قولك: ما رأيته منذ كان عندي ومنذ جاءني، ومنه أيضا ((آية)).
قال الأعشى:
بأية تقدمون الخيل شعثا ... كأنّ على سنابكها مداما (١)
وقال زيد بن عمرو بن الصعق:
ألا من مبلغ عنّي تميما ... بآية ما تحبّون الطّعاما (٢)
ف (ما) لغو.
ومما يضاف أيضا إلى الفعل قوله: لا أفعل بذي تسلم، ولا أفعل بذي تسلمان، ولا أفعل بذي تسلمون. المعنى لا أفعل بسلامتك، و (ذو) مضافة إلى الفعل كإضافة ما قبله كأنه قال: لا أفعل بذي سلامتك.
ف (ذو) هاهنا الأمر الذي يسلمك، وصاحب سلامتك.
ولا يضاف إلى الفعل غير هذا، كما أن (لدن) لا تنصب إلا في (غدوة).
واطردت الأفعال في (أية) اطراد الأسماء في (أتقول) إذا قلت:
أتقول زيدا منطلقا شبّهت ب (تظن).
وسألته عن قوله في الأزمنة: كان ذاك زمن زيد أمير.
فقال: لما كانت في معنى (إذ) أضافوها إلى ما قد عمل بعضه في بعض، كما يدخلون (إذ) على ما قد عمل بعضه في بعض ولا يغيرونه، فشبهوا هذا بذلك، ولا يجوز (هذا) في الأزمنة حتى تكون بمنزلة (إذ) فإن قلت: يكون هذا يوم زيد أمير كان خطأ.
حدثنا بذلك يونس عن العرب. لأنك لا تقول: يكون هذا إذا زيد أمير.
قال أبو سعيد: أما إضافة أسماء الدهر إلى الأفعال فلأن الأفعال بمنزلة أسماء الدهر إذ كان في لفظها ما يدل على المضي كقولك:
ذهب وانطلق، وأشبه ذلك.
ومن لفظها ما يدل على الاستقبال والحال كقولك: يذهب وينطلق، فانقسم لفظه
стр. 1327
إلى ماض وغير ماض، فصار الفعل الماضي بمنزلة (أمس) والحال ك (اليوم) والآن والمستقبل ك (غد) وسهل إضافته إلى الفعل لأنه أبين من إضافته إلى مصدره لأن لفظ الفعل يدل على تحصيل زمانه، ولفظ المصدر لا يدل على ذلك، ثم جعل الزمان الماضي كله ب (إذ) والمستقبل كله ب (إذا)، وألزموا (إذ) الإضافة إلى فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر كقولك في إضافتها إلى الفعل والفاعل:
جئتك إذ خرج زيد، وخرجت إذ يلي زيد بغداد؛ وإضافتها إلى المبتدإ والخبر، كقولك: دخلت البصرة إذ عمرو أميرها، وخرجت منها إذ عمرو معزول، وأما (إذا) فألزموها إضافتها إلى الفعل والفاعل دون المبتدإ والخبر لأن
فيها معنى المجازاة، ولا تكون المجازاة إلا بالفعل والفاعل فقالوا: آتيك إذا ولى زيد، وأقصدك إذا يخرج زيد، ولا تقول:
آتيك إذا زيد أمير، وإنما لم يجز إلا بالفعل لأنك إذا قلت:
آتيك إذا ولى زيد، ففيها معنى إن ولى زيد أتيتك ومن أجل ذلك جاز أن يكون اللفظ ماضيا، والمعنى مستقبلا، ثم أتبعوا أسماء الزمان في إضافتها معانيها مما كان منها يراد به المضي أضافوه إلى الفعل والفاعل، والمبتدأ أو الخبر، وما أرادوا به الاستقبال أضافوه إلى الفعل والفاعل.
وأجروها في الإضافة مجرى (إذ) وإذا تقول: كان ذاك زمن زيد أمير، لأن معناها معنى (إذ)، ولو قلت يكون ذاك زمن زيد أمير لم يجز لأن معناها معنى (إذا)، وإنما تقول:
يكون ذلك زمن يتآمر زيد.
ومما يتفرع من هذا الباب أنك تقول: آتيك إذا قام زيد، ولا يجوز آتيك يوم قام زيد، وزمن قام أخوك لأن آتيك للمستقبل، وقام للماضي فلا يستقيم اجتماعهما، وإنما جاز آتيك إذا أقام زيد لأن إذا لما تضمنته من معنى المجازاة نقلت المستقبل إلى لفظ الماضي، و (إذا) وإن كان فيها معنى المجازاة فهي اسم، و (إن) حرف.
واستدل الرياشي (١) على ذلك بأنك تقول: القتال إذا جاء زيد، كما تقول: القتال يوم الجمعة، ولا تقول: القتال إن جاء زيد وأما قولهم:
ما رأيته منذ كان عندي، ومنذ جاءني، فإن (منذ) يحتمل أن تكون اسما وحرفا، فإن كان اسما فهو كإضافة أسماء الزمان إلى الفعل، (منذ) من أسماء الزمان؛ وإن كان حرفا
стр. 1328
فهو حرف جر مختص به الزمان، وعمله فيما بعده كعمل الاسم المضاف فجاز إدخاله على الفعل إذا كان في معناه وعمله كزمان مضاف إلى فعل إذا أذن.
وأما (آية) فمعناها علامة، ومنزلتها منزلة الوقت، لأن أصل الوقت هو فعل وجد فجعل وقتا لفعل آخر في كونه معه، أو كونه قبله أو بعده، فإذا جعلت قيام زيد علامة لفعل يحدث بعده أو لفعل قد حدث قبله، أو فعل يحدث معه فقد صيّرته كالتأريخ لما قبله وبعد ومعه؛ ألا ترى لو أن قائلا قال لآخر: علامة خروجي إذا أذن المؤذن علم المخاطب
بوجود الأذان خروجه، كما أنه إذا قال: خروجي يوم الجمعة علم خروجه بوجود يوم الجمعة، والشاهد في قوله:
بأية تقدمون الخيل شعثا (١)
وأما قوله:
... ... بآية ما تحبون ... (٢)
- فالشاهد فيه إذا جعلت (ما) لغوا. وليس بلازم جعلها لغوا لأنه يحتمل أن تجعل (ما) و (تحبون) مصدرا كأنه قال:
... بآية محبتكم الطعام
ومثله قول عمر بن أبي ربيعة:
بأية ما قالت غداة لقيتها ... بمدفع أكنان أهذا المشهّر (٣)
وأما قول الشاعر:
ما لك عندي غير سهم وحجر ... وغير كيداء شديدة الوتر
جادت بكفي كان من أرمي البشر (٤)
فإن ب (كفي) مضاف إلى محذوف تقديره: بكفي رجل، وكان من أرمي البشر، نعته؛ وحذف المنعوت، وأقيم النعت مقامه كقوله:
لو قلت ما في قومها لم تيثم
стр. 1329
يفضلها في حسب وميسم (١)
بمعنى أحد يفضلهما.
وأما قولهم: اذهب بذي تسلم، ولا أفعل بذي تسلم، ولا أفعل بذي تسلمان، ولا أفعل بذي تسلمون، فمعنى هذا الكلام دعاء كأنه قال في المعنى: والله يسلمك، وتقدير سيبويه في هذا ونحوه من المضاف أن الفعل يقام مقام
مصدره في الإضافة، كأنه قال:
بذي سلامتك، وهو قول أبي العباس محمد بن يزيد، وشرحه في يَوْمَ يَقُومُ (٢).
وهذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (٣) وهذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٤) قامت الأفعال مقام مصادرها؛ وكذلك قوله: اذهب بذي تسلم، قام الفعل مقام مصدره، وكذلك في قوله- : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (٥) موضع إيمانكم بالله.
لأنه بيان للتجارة، وبدل منها في التقدير.
وقال: (ذو) لا تقع مفردة أبدا فجازت إضافتها إلى ما لا يضاف إليه غيرها ووقعت على الفعل خاصة، وأخوات (ذو) ينفردن نحو: (أب) و (أخ) و (حم) و (هن) و (فم)، لأن (فوك) إذا أفرد صار (فما).
ووجه آخر في (ذي تسلم) كأنه قال: في زمان ذي تسلم، و (ذي) نعت لزمان.
والنعت هو المنعوت، فأضيف إلى الفعل لأنه في المعنى زمان، كأنه قال: اليوم تسلم.
ووجه آخر أن تكون (ذي) بمعنى (الذي) وخولف بين لفظها في هذا المثال وبين لفظها في سائر المواضع فإن تستعمل في هذا المثال ب (الياء) وفي غيره ب (الواو) في الرفع والنصب والجر، وهذه اللغة كثيرة في طيئ.
قال قيس الطائي: (٦)
стр. 1330
وإن لم تغير بعض ما صنعتم ... لأنتحيا للعظم ذو أنا عارقه
ف (ذو) هنا في موضع خفض.
وقال بجير بن غنمة:
إنّ منّا ذو نلوذ به ... إذ توارى الأعزّ بالأكمة (١)
وهذا في موضع نصب، وكلاهما بمضي (الذي) ومعناه: اذهب بالزمان الذي تسلم فيه، وقد أتى الشرح على جميع الباب.
هذا باب «أنّ» و «إنّ»
أما " أنّ " فهي اسم وما عملت فيه صلة لها كما أن الفعل صلة لأن الخفيفة وتكون " أنّ " اسما.
ألا ترى أنك تقول: قد عرفت أنك منطلق " فأنك " في موضع اسم منصوب كأنك قلت قد عرفت ذاك وبلغني أنك منطلق " فأنك " في موضع اسم مرفوع كأنك قلت بلغني ذاك " فأنّ " الأسماء التي تعمل فيها صلة لها. كما أن الأفعال التي تعمل فيها " أن " صلة لها.
ونظير ذلك في أنه وما عمل فيه بمنزلة اسم واحد لا في غير ذلك قولك:
" رأيت الضّارب أباه زيد " فالمفعول فيه لم يغيره عن اسم واحد بمنزلة الرجل والفتى فهذا في هذا الموضع شبيه بأنّ إذ كانت مع ما عملت فيه بمنزلة اسم واحد.
فهذا لتعلم أن الشيء يكون كأنه من الحروف الأولى وقد عمل فيه.
وأما " إنّ " فإنما هي بمنزلة الفعل لا يعمل فيها ما يعمل في " أنّ " كما لا يعمل في الفعل ما يعمل في الأسماء. ولا تكون إنّ إلا مبتدأة وذلك قولك: " إنّ زيدا منطلق " " وإنّك ذاهب ".
قال أبو سعيد: " أنّ وما بعدها من اسمها وخبرها منزلتها منزلة اسم واحد في مذهب المصدر كما تكون " أن " المخففة وما بعدها من الفعل الذي ينصبه بمنزلة المصدر. وتقع المشددة فاعلة ومفعولة ومبتدأة ومخفوضة. ويعمل فيها جميع العوامل إلا
стр. 1331
أنها لا تقع مبتدأة في اللفظ فأما كونها فاعلة فقولك: بلغني أنك منطلق كأنك قلت: بلغني انطلاقك. وكونها مفعولة: عرفت أنك خارج معناه: عرفت خروجك وكونها مبتدأة قولك: عندي أن زيدا راحل معناه: عندي رحيله. كما تقول: عندي غلامه. وكونها مخفوضة: أيقنت بأنك مقيم أي بإقامتك. ولو قلت: أنك منطلق عرفت لم يجز وإن كان يجوز أن تقول: انطلاقا عرفت. لأن " إنّ " وأنّ " من خبر واحد في الأصل فاختاروا لابتداء اللفظ " إنّ " المكسورة
وجعلوها بمنزلة الفعل المبتدأ به. وجعلوا " أنّ " لما تعلق بشيء قبله مما يحتاج إلى تقديمه عليه وتعليق معناه به. فإن قال قائل: فقد قال الله :- وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١) و " أن " متعلقة " بتدعوا " تقديره: ولا تدعوا مع الله أحدا لأن المساجد لله. وحذف اللام وقدم فصارت " أن " مقدمة في اللفظ والعامل فيها ما بعدها. فهلا أجزتم: أنّ زيدا منطلق؟ قيل له: في " أن المساجد لله " وجهان: لا يلزم فيهما كليهما ما ألزمت.
أحدهما: أن يقال: " أن المساجد لله " يعمل فيهما ما قبلها وهي على أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ والعامل فيهما " أوحي إلي " (٢).
والوجه الآخر: " ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا " فقبلها " لام " مقدرة.
وأما " أن " المخففة فيبتدأ بها اللفظ كقولك: أن تخرج خير لك، كقوله :
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ (٣) وأنما جاز ذلك في المخففة ولم يجز في المشددة كما ذكرنا من وقوع " أن " التي هي في معناها في التوكيد ابتداء.
ومن الدليل على أنهما بمعنى واحد تقول: ظننت أنّ زيدا منطلق. فإن أدخلت اللام قلت: ظننت إنّ زيدا لمنطلق. فالمكسورة هي المفتوحة كما أنك إذا قلت: علمت زيدا منطلق: ثم قلت: علمت لزيد منطلق. فالمبتدأ والخبر هما المفعولان في المعنى.
وهذا معنى قول سيبويه في الباب الذي يلي هذا في حسن تقدم " أن " المخففة " لأنها لا تزول من الأسماء والثقيلة تزول " يعني نستعمل مكانها المكسورة.
ومما يمنع من تقديم " أن " المفتوحة في اللفظ في قولك: " أنك منطلق بلغني " أنها إذا تقدمت ارتفعت بالابتداء وكل مبتدأ ليس قبله شئ يتعلق به يجوز دخول " إنّ " المكسورة
стр. 1332
عليه وأن يليها في اللفظ فيلزم في هذا أن يقال: " إنّ أنّ زيدا منطلق بلغني ". وهذا لا يجوز لأنه لا يجوز اجتماعهما في اللفظ.
والمبتدأ الذي قبله ما يتعلق به لا يجوز دخول " إن " المكسورة عليه هو: " لولا " و " لو ما ". تقول: لولا زيد
لأكرمتك. " زيد " مرفوع بالابتداء لما ذكرنا من مذهب البصريين. ولا تقول: " لولا إنّ زيدا بكسر " إن " وتقول: لولا أن زيدا عندي لأتيتك بفتح أن؛ لأن المبتدأ الذي يؤكد " بإن " هو الذي لا يتعلق بشئ قبله في اللفظ.
وقد يكون قبل " إن " المكسورة كلام لا يغير كسرها؛ لأن تأويلها يرجع إلى أنها مبتدأة في اللفظ.
١ - من ذلك (الذي وأخواتها) إذا وصلت كانت " أن " بعدها مكسورة. كقولك:
" مررت بالذي إنّ غلامه خير منك " وقال الله : في (ما) بمعنى " الذي " وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ ... (١)؛ لأن الذي وأخواتها إنما تدخل على جمل قد وجب لها لفظ ما. فتدخل على ذلك اللفظ و " الذي " إنما هو اسم من تلك الجملة ويضمر في موضعه من الجملة. ويقدم " الذي " هو مبتدأ أو غير مبتدأ. ويؤتى بالجملة على هيئتها كقولك: " إنّ زيدا منطلق إلى عمرو " فتقدم " عمرا " على " أن " وتصفه " بالذي " وتدخل عليه العامل وتضمره في موضعه من الكلام الذي أخذته من جملته وقدمته فتقول: " مررت بعمرو الذي أنّ زيدا منطلق إليه ".
٢ - ومن ذلك: أن تدخله على جملة في موضع خبر " أن " أو صفة كقولك: " زيد إنّ أباه خير من أبيك " لأن تقديره: أن أبا زيد خير من أبيك وقدمت " زيدا " مبتدأ وجئت بالجملة بأسرها وعلى لفظها وجعلتها خبرا لزيد. وأضمرته في موضعه من الجملة من ذلك.
٣ - وإذا كانت " إن " بعد القول كقولك: قال عمرو أن زيدا قائم " لأن عمرا لفظ مبتدئا فقال: " إن زيدا قائم " فحكيت لفظه ونسبته إليه.
٤ - ومنه: إذا كانت " اللام " في الخبر كقولك: علمت إنّ زيدا لقائم " لأن اللام متصلة بعمل " علمت " فصار كأنه قال: لأن زيدا كما تقول: لزيد منطلق.
стр. 1333
لأن اللام تبطل عمل ما قبلها فيما بعدها ولا تعمل هي شيئا.
٥ - ومنه القسم: فإنه جملة تؤكد جملة أخرى. على هيئة لفظها. ولو قدمت إنّ على القسم فقلت: إنّ زيدا لقائم والله جاز ولم يكن بينهما فرق فبان إنها تدخل على مبتدأ ليس قبله ما يتعلق به من نحو ما ذكرناه وسبيلها كسبيل " كان " الداخل على المبتدأ والخبر ولم يرد إيقاعها مواقع الأسماء.
هذا باب من أبواب «أنّ»
تقول: ظننت أنه منطلق. " فظننت " عاملة. كأنك قلت: ظننت ذاك وكذلك:
وددت أنه ذاهب. لأنّ هذا في موضع ذاك. إذا قلت: وددت ذاك.
وتقول: لولا أنه منطلق لفعلت " فأن " مبنية على " لولا " كما تبنى عليها الأسماء.
وتقول: لو أنه ذاهب لكان خيرا له " فأنّ " مبنية على " لو " كما كانت مبنية على " لولا ". كأنك قلت: " لو ذاك " ثم جعلت " أن " وما بعدها في موضعه. فهذا تمثيل وإن كانوا لا يبنون على " لو " غير " أنّ ". كما كان " تسلم " في قولك: بذي تسلم " في موضع " اسم ولكنهم لا يستعملون الاسم لأنهم مما يستغنون عن الشيء بالشيء حتى يكون المستغنى عنه مسقطا. وقال الله قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ (١) وقال:
لو بغير الماء حلقى شرق (٢)
وسألته عن قول العرب: ما رأيته مذ أنّ الله خلقي فقال: " أن " في موضع كأنك قلت: " مذ ذاك ". وتقول: " أما إنّه ذاهب وأما أنه منطلق " فسألت الخليل عن ذلك
стр. 1334
فقال. إذا قال: " أنه " فأنه يجعله كقولك: حقا أنه منطلق وإذا قال: أما إنّه " فأما " بمنزلة " ألا " كأنه قال: ألا أنه ذاهب.
وتقول: (أما والله أنه ذاهب) كأنك قلت: (علمت والله أنه ذاهب). و " أما والله أنه ذاهب "، كأنك قلت: إلا أنه ذاهب وتقول قد عرفت أنه ذاهب ثم أنه يعجل لأن الآخر شريك الأول في: " عرفت ". وتقول: قد عرفت أنه منطلق. ثم أني أخبرك أنه معجل " لأنك ابتدأت إني " ولم تجعل الكلام على: " عرفت ".
وتقول: " رأيته شابا وأنه يفخر يومئذ " .. كأنك قلت: رأيته شابا وهذه حاله تقول هذا ابتداء. ولم تحمل الكلام على الفعل.
قال ساعدة بن جؤبة: (١)
رأته على شيب القذال وأنها ... تواقع بعلا مرّة وتئيم (٢)
وزعم أبو الخطاب أنه قد سمع هذا البيت من أهله هكذا. وسألته عن قوله : وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (٣) ما مانعها أن تكون كقولك: ما يدريك أنه يفعل؟ فقال: لا يحسن ذلك في هذا الموضع إنما قال " وما يشعركم " ثم ابتداء فأوجب فقال: " إنها إذا جاءت لا يؤمنون: ولو قال: وما يشعركم أنها كان عذرا لهم.
وأهل الكوفة يقولون: " أنها " فقال الخليل: هي بمنزلة قول العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا " أي لعلك " فكأنه قال: " لعلها إذا جاءت لا يؤمنون ".
وتقول: أن لك على هذا وأنك لا تؤذي كأنك قلت: وإنّ لك أنك لا تؤذي.
وإن شئت ابتدأت ولم تحمل الكلام على: " إنّ لك " وقد قرئ هذا الحرف على وجهين:
قال بعضهم " وإنّك لا تظمأ فيها ولا تضحى " وقال بعضهم: " وأنك "
стр. 1335
واعلم أنه ليس بحسن ل " أنّ " أن تلي " إنّ " ولا " أن " كما قبح ابتداؤك الثقيلة المفتوحة وحسن ابتداء الخفيفة؛ لأن الخفيفة لا تزول عن الأسماء والثقيلة تزول. فتبتدأ ومعناها مكسورة ومفتوحة سواء.
ألا ترى أنك لا تقول: " أنّ أنّك ذاهب " ولا عرفت أن أنك منطلق في الكتاب " وإنما قبح هاهنا كما قبح في الابتداء، ألا ترى أنه يقبح أن تقول: أنك منطلق بلغني أو عرفت. لأن الكلام بعد أن مستغن كما أن المبتدأ غير مستغن. وإنما كرهوا ابتداء أن لئلا يشبهوها بالأسماء التي تعمل فيها أن. ولئلا يشبهوها " بأن " الخفيفة لأن " أن " والفعل بمنزلة مصدر فعله ينصبه والمصادر تعمل فيها " إنّ " و " أنّ ".
ويقول الرجل للرجل: لم فعلت ذلك؟ فيقول: لم أنه ظريف. كأنه قال: قلت لمه؟ قلت: لأن ذلك كذلك. أراد بقوله: لم حكاية قوله: لم فعلت؟ ثم قال لأنه ظريف أي لأن ذلك كذلك.
وتقول إذا أردت أن تخبر ما يعني المتكلم: أي إني نجد. إذا ابتدأت. كما تبتدئ: أي أنا نجد وإن شئت قلت: أني نجد كأنك قلت: أي لأني نجد.
قال أبو سعيد: قوله: " فأن " مبنية على " لولا " يريد أنّها: معقودة بلو لا في المعنى الذي يقتضيه " ولولا " مقدمة عليه وليست بعاملة فيه. لأن الاسم بعد " لولا " يرتفع بالابتداء لا " بلو لا " ولزومها للاسم الذي بعدها للمعنى الذي وضعت عليه كلزوم العامل للمعمول به فشبهت به ففتحت " أنّ " ولم تكسر. لأن " إن " المكسورة إنما تدخل على مبتدأ مجرد لم يغيّر معناه بحرف قبله، وقد ذكرنا هذا في الباب الذي قبل هذا الباب، ولم يرد هو أيضا بقوله: " فأن " مبنية على " لو " أنها مبنية عليها بناء معمول على عامله، لأن " لو " لا تعمل شيئا. وإنما هو: بناء الشيء على ما يحدث فيه معنى ولم يغير لفظه ففتح " أنّ " بعد " لو " كفتحها بعد " لولا ". وذلك أنهما يتقاربان في المعنى واللفظ ويلزمان ما بعدهما للمعنى الذي أحدثاه كلزوم العامل لما بعده وتقاربهما في المعنى " أن " " لولا) يمتنع جوابها لوجود شرطها كقولك: " لولا زيد لأتيتك " امتنع الإتيان لمكان زيد. و " لو يمتنع جوابها لامتناع شرطها كقولك: " لو جاءني زيد لأتيتك " امتنع الإتيان لامتناع مجيء زيد.
والذي يلي " لولا " اسم مبتدأ. والذي يلي " لو " فعل وكلاهما لا يعمل فيما بعده. فأما " أنّ " بعد " لولا " فهي واسمها وخبرها بمنزلة اسم مبتدأ خبره محذوف كما يكون الاسم بعد