أنها لا تقع مبتدأة في اللفظ فأما كونها فاعلة فقولك: بلغني أنك منطلق كأنك قلت: بلغني انطلاقك. وكونها مفعولة: عرفت أنك خارج معناه: عرفت خروجك وكونها مبتدأة قولك: عندي أن زيدا راحل معناه: عندي رحيله. كما تقول: عندي غلامه. وكونها مخفوضة: أيقنت بأنك مقيم أي بإقامتك. ولو قلت: أنك منطلق عرفت لم يجز وإن كان يجوز أن تقول: انطلاقا عرفت. لأن " إنّ " وأنّ " من خبر واحد في الأصل فاختاروا لابتداء اللفظ " إنّ " المكسورة
وجعلوها بمنزلة الفعل المبتدأ به. وجعلوا " أنّ " لما تعلق بشيء قبله مما يحتاج إلى تقديمه عليه وتعليق معناه به. فإن قال قائل: فقد قال الله :- وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١) و " أن " متعلقة " بتدعوا " تقديره: ولا تدعوا مع الله أحدا لأن المساجد لله. وحذف اللام وقدم فصارت " أن " مقدمة في اللفظ والعامل فيها ما بعدها. فهلا أجزتم: أنّ زيدا منطلق؟ قيل له: في " أن المساجد لله " وجهان: لا يلزم فيهما كليهما ما ألزمت.
أحدهما: أن يقال: " أن المساجد لله " يعمل فيهما ما قبلها وهي على أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ والعامل فيهما " أوحي إلي " (٢).
والوجه الآخر: " ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا " فقبلها " لام " مقدرة.
وأما " أن " المخففة فيبتدأ بها اللفظ كقولك: أن تخرج خير لك، كقوله :
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ (٣) وأنما جاز ذلك في المخففة ولم يجز في المشددة كما ذكرنا من وقوع " أن " التي هي في معناها في التوكيد ابتداء.
ومن الدليل على أنهما بمعنى واحد تقول: ظننت أنّ زيدا منطلق. فإن أدخلت اللام قلت: ظننت إنّ زيدا لمنطلق. فالمكسورة هي المفتوحة كما أنك إذا قلت: علمت زيدا منطلق: ثم قلت: علمت لزيد منطلق. فالمبتدأ والخبر هما المفعولان في المعنى.
وهذا معنى قول سيبويه في الباب الذي يلي هذا في حسن تقدم " أن " المخففة " لأنها لا تزول من الأسماء والثقيلة تزول " يعني نستعمل مكانها المكسورة.
ومما يمنع من تقديم " أن " المفتوحة في اللفظ في قولك: " أنك منطلق بلغني " أنها إذا تقدمت ارتفعت بالابتداء وكل مبتدأ ليس قبله شئ يتعلق به يجوز دخول " إنّ " المكسورة
стр. 1332
عليه وأن يليها في اللفظ فيلزم في هذا أن يقال: " إنّ أنّ زيدا منطلق بلغني ". وهذا لا يجوز لأنه لا يجوز اجتماعهما في اللفظ.
والمبتدأ الذي قبله ما يتعلق به لا يجوز دخول " إن " المكسورة عليه هو: " لولا " و " لو ما ". تقول: لولا زيد
لأكرمتك. " زيد " مرفوع بالابتداء لما ذكرنا من مذهب البصريين. ولا تقول: " لولا إنّ زيدا بكسر " إن " وتقول: لولا أن زيدا عندي لأتيتك بفتح أن؛ لأن المبتدأ الذي يؤكد " بإن " هو الذي لا يتعلق بشئ قبله في اللفظ.
وقد يكون قبل " إن " المكسورة كلام لا يغير كسرها؛ لأن تأويلها يرجع إلى أنها مبتدأة في اللفظ.
١ - من ذلك (الذي وأخواتها) إذا وصلت كانت " أن " بعدها مكسورة. كقولك:
" مررت بالذي إنّ غلامه خير منك " وقال الله : في (ما) بمعنى " الذي " وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ ... (١)؛ لأن الذي وأخواتها إنما تدخل على جمل قد وجب لها لفظ ما. فتدخل على ذلك اللفظ و " الذي " إنما هو اسم من تلك الجملة ويضمر في موضعه من الجملة. ويقدم " الذي " هو مبتدأ أو غير مبتدأ. ويؤتى بالجملة على هيئتها كقولك: " إنّ زيدا منطلق إلى عمرو " فتقدم " عمرا " على " أن " وتصفه " بالذي " وتدخل عليه العامل وتضمره في موضعه من الكلام الذي أخذته من جملته وقدمته فتقول: " مررت بعمرو الذي أنّ زيدا منطلق إليه ".
٢ - ومن ذلك: أن تدخله على جملة في موضع خبر " أن " أو صفة كقولك: " زيد إنّ أباه خير من أبيك " لأن تقديره: أن أبا زيد خير من أبيك وقدمت " زيدا " مبتدأ وجئت بالجملة بأسرها وعلى لفظها وجعلتها خبرا لزيد. وأضمرته في موضعه من الجملة من ذلك.
٣ - وإذا كانت " إن " بعد القول كقولك: قال عمرو أن زيدا قائم " لأن عمرا لفظ مبتدئا فقال: " إن زيدا قائم " فحكيت لفظه ونسبته إليه.
٤ - ومنه: إذا كانت " اللام " في الخبر كقولك: علمت إنّ زيدا لقائم " لأن اللام متصلة بعمل " علمت " فصار كأنه قال: لأن زيدا كما تقول: لزيد منطلق.
стр. 1333
لأن اللام تبطل عمل ما قبلها فيما بعدها ولا تعمل هي شيئا.
٥ - ومنه القسم: فإنه جملة تؤكد جملة أخرى. على هيئة لفظها. ولو قدمت إنّ على القسم فقلت: إنّ زيدا لقائم والله جاز ولم يكن بينهما فرق فبان إنها تدخل على مبتدأ ليس قبله ما يتعلق به من نحو ما ذكرناه وسبيلها كسبيل " كان " الداخل على المبتدأ والخبر ولم يرد إيقاعها مواقع الأسماء.
هذا باب من أبواب «أنّ»
تقول: ظننت أنه منطلق. " فظننت " عاملة. كأنك قلت: ظننت ذاك وكذلك:
وددت أنه ذاهب. لأنّ هذا في موضع ذاك. إذا قلت: وددت ذاك.
وتقول: لولا أنه منطلق لفعلت " فأن " مبنية على " لولا " كما تبنى عليها الأسماء.
وتقول: لو أنه ذاهب لكان خيرا له " فأنّ " مبنية على " لو " كما كانت مبنية على " لولا ". كأنك قلت: " لو ذاك " ثم جعلت " أن " وما بعدها في موضعه. فهذا تمثيل وإن كانوا لا يبنون على " لو " غير " أنّ ". كما كان " تسلم " في قولك: بذي تسلم " في موضع " اسم ولكنهم لا يستعملون الاسم لأنهم مما يستغنون عن الشيء بالشيء حتى يكون المستغنى عنه مسقطا. وقال الله قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ (١) وقال:
لو بغير الماء حلقى شرق (٢)
وسألته عن قول العرب: ما رأيته مذ أنّ الله خلقي فقال: " أن " في موضع كأنك قلت: " مذ ذاك ". وتقول: " أما إنّه ذاهب وأما أنه منطلق " فسألت الخليل عن ذلك
стр. 1334
فقال. إذا قال: " أنه " فأنه يجعله كقولك: حقا أنه منطلق وإذا قال: أما إنّه " فأما " بمنزلة " ألا " كأنه قال: ألا أنه ذاهب.
وتقول: (أما والله أنه ذاهب) كأنك قلت: (علمت والله أنه ذاهب). و " أما والله أنه ذاهب "، كأنك قلت: إلا أنه ذاهب وتقول قد عرفت أنه ذاهب ثم أنه يعجل لأن الآخر شريك الأول في: " عرفت ". وتقول: قد عرفت أنه منطلق. ثم أني أخبرك أنه معجل " لأنك ابتدأت إني " ولم تجعل الكلام على: " عرفت ".
وتقول: " رأيته شابا وأنه يفخر يومئذ " .. كأنك قلت: رأيته شابا وهذه حاله تقول هذا ابتداء. ولم تحمل الكلام على الفعل.
قال ساعدة بن جؤبة: (١)
رأته على شيب القذال وأنها ... تواقع بعلا مرّة وتئيم (٢)
وزعم أبو الخطاب أنه قد سمع هذا البيت من أهله هكذا. وسألته عن قوله : وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (٣) ما مانعها أن تكون كقولك: ما يدريك أنه يفعل؟ فقال: لا يحسن ذلك في هذا الموضع إنما قال " وما يشعركم " ثم ابتداء فأوجب فقال: " إنها إذا جاءت لا يؤمنون: ولو قال: وما يشعركم أنها كان عذرا لهم.
وأهل الكوفة يقولون: " أنها " فقال الخليل: هي بمنزلة قول العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا " أي لعلك " فكأنه قال: " لعلها إذا جاءت لا يؤمنون ".
وتقول: أن لك على هذا وأنك لا تؤذي كأنك قلت: وإنّ لك أنك لا تؤذي.
وإن شئت ابتدأت ولم تحمل الكلام على: " إنّ لك " وقد قرئ هذا الحرف على وجهين:
قال بعضهم " وإنّك لا تظمأ فيها ولا تضحى " وقال بعضهم: " وأنك "
стр. 1335
واعلم أنه ليس بحسن ل " أنّ " أن تلي " إنّ " ولا " أن " كما قبح ابتداؤك الثقيلة المفتوحة وحسن ابتداء الخفيفة؛ لأن الخفيفة لا تزول عن الأسماء والثقيلة تزول. فتبتدأ ومعناها مكسورة ومفتوحة سواء.
ألا ترى أنك لا تقول: " أنّ أنّك ذاهب " ولا عرفت أن أنك منطلق في الكتاب " وإنما قبح هاهنا كما قبح في الابتداء، ألا ترى أنه يقبح أن تقول: أنك منطلق بلغني أو عرفت. لأن الكلام بعد أن مستغن كما أن المبتدأ غير مستغن. وإنما كرهوا ابتداء أن لئلا يشبهوها بالأسماء التي تعمل فيها أن. ولئلا يشبهوها " بأن " الخفيفة لأن " أن " والفعل بمنزلة مصدر فعله ينصبه والمصادر تعمل فيها " إنّ " و " أنّ ".
ويقول الرجل للرجل: لم فعلت ذلك؟ فيقول: لم أنه ظريف. كأنه قال: قلت لمه؟ قلت: لأن ذلك كذلك. أراد بقوله: لم حكاية قوله: لم فعلت؟ ثم قال لأنه ظريف أي لأن ذلك كذلك.
وتقول إذا أردت أن تخبر ما يعني المتكلم: أي إني نجد. إذا ابتدأت. كما تبتدئ: أي أنا نجد وإن شئت قلت: أني نجد كأنك قلت: أي لأني نجد.
قال أبو سعيد: قوله: " فأن " مبنية على " لولا " يريد أنّها: معقودة بلو لا في المعنى الذي يقتضيه " ولولا " مقدمة عليه وليست بعاملة فيه. لأن الاسم بعد " لولا " يرتفع بالابتداء لا " بلو لا " ولزومها للاسم الذي بعدها للمعنى الذي وضعت عليه كلزوم العامل للمعمول به فشبهت به ففتحت " أنّ " ولم تكسر. لأن " إن " المكسورة إنما تدخل على مبتدأ مجرد لم يغيّر معناه بحرف قبله، وقد ذكرنا هذا في الباب الذي قبل هذا الباب، ولم يرد هو أيضا بقوله: " فأن " مبنية على " لو " أنها مبنية عليها بناء معمول على عامله، لأن " لو " لا تعمل شيئا. وإنما هو: بناء الشيء على ما يحدث فيه معنى ولم يغير لفظه ففتح " أنّ " بعد " لو " كفتحها بعد " لولا ". وذلك أنهما يتقاربان في المعنى واللفظ ويلزمان ما بعدهما للمعنى الذي أحدثاه كلزوم العامل لما بعده وتقاربهما في المعنى " أن " " لولا) يمتنع جوابها لوجود شرطها كقولك: " لولا زيد لأتيتك " امتنع الإتيان لمكان زيد. و " لو يمتنع جوابها لامتناع شرطها كقولك: " لو جاءني زيد لأتيتك " امتنع الإتيان لامتناع مجيء زيد.
والذي يلي " لولا " اسم مبتدأ. والذي يلي " لو " فعل وكلاهما لا يعمل فيما بعده. فأما " أنّ " بعد " لولا " فهي واسمها وخبرها بمنزلة اسم مبتدأ خبره محذوف كما يكون الاسم بعد
стр. 1336
" لولا زيد لأتيتك " فإذا قال: " لولا أن زيد عندي لأتيتك " فتقديره لولا كون زيد لأتيتك وخبر المبتدأ محذوف.
وأما " أن " بعد " لو " فعلى مذهب أبي العباس المبرد: هي فاعلة في موضع رفع بفعل محذوف. فإذا قلت: لو أنّ زيدا جاءني لأكرمته فتقديره على مذهبه: لو وقع مجيء زيد.
فجعل " أن " مرفوعا " بوقع ".
والذي عندي: أنه لا يحتاج إلى إضمار الفعل ولكن تقع (أن) نائبة عن الفعل بعد " لو " كقولك: " لو أنّ زيدا جاءني لأكرمته " كأنك قلت: " لو جاءني زيد لأكرمته ". وسوغ ذلك أن " لو " غير عاملة وإنما دخولها لمعنى لا يختل يكون " أنّ " بعدها إذ كان الخبر لا يفارقها وهو فعل.
وقد ذكرنا هذا مستقصى في أول الكتاب.
وشبه سيبويه وقوع " أنّ " بعد " لو " وهي في تقدير الاسم ولا يستعملون الاسم بعدها بوقوع " تسلم " بعد " ذي " و " تسلم " في موضع اسم ولا يستعملون الاسم بعد " ذي " في هذا الموضع. وهذا عنده بمنزلة ما لا يقاس عليه.
وقوله " مذ أنّ الله خلقني " في " أنّ) وجهان: يجوز أن يكون رفعا. ويجوز أن يكون خفضا. فإن كانت رفعا فهو
خبر مبتدأ. تقديره: ما رأيته من وقت خلق الله لي. كما تقول: ما رأيته مذ يوم الجمعة. وتجعل " مذ " بمنزلة المبتدأ وبتأول: مدة ذلك وقت خلق الله لي.
الذي يقول: " أما إنّه منطلق " و " ألا أنه منطلق " لا يعتد بأما و " ألا " لأنهما، يجعلان استفتاحا. وتنبيها للمخاطب ليسمع الكلام المقصود.
والذي يقول: " أما أنّه منطلق. فهو بمنزلة: حقا أنّه منطلق حقا " في مذهب الظرف. " وأنه منطلق في موضع مبتدأ كأنه قال: في حق انطلاقه كما قال:
.. أحقا أنّ أخطلكم هجاني .. (١)
والعرب تقول: أفي حق أخذك مالي. ونحو ذلك وهو مذهب الظروف كما تقول:
стр. 1337
أفي يوم الجمعة رحيلك.
وأما قول الله : وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١) ففيه قراءتان: كسر أن وفتحها. فمن كسرها فقد تم الكلام بقوله: " وما يشعركم ". ثم أخبر الله أنهم لا يؤمنون ". ومن فتحها: فقد تم الكلام أيضا عند قوله " وما يشعركم " ثم استأنف الكلام فأبهم أمرهم فلم يخبر عنهم بإيمان ولا غيره فقال: " أنها " على معنى " لعلها " وهذا قول النحويين والخليل والكسائي والفراء وهو مذهب كلام العرب.
حكى الخليل: ائت السوق أنك تشتري. بمعنى لعلك تشتري. وحكى الكسائي قال: سمعت رجلا يقول: (ما أدري أنه صاحبها) يريد لعله صاحبها. ومن العرب من يقول: لو " أن " في معنى " لعل " قال الكسائي: سمعت أبا الهيثم يقول:
" فلو أنها نزعت ... " يريد فراقا وأنشد الفراء:
فقلت امكثي حتى يسار لو أننا ... نحج معا قالت أعام وقابله؟ (٢)
وقد تقول العرب: علك وعنّك ولعنك ولعلهم أبدلوا العين في " عنك " همزة
قال الفرزدق:
ألستم عائحين بنا لعنّا ... نرى العرصات أو أثر الخيام (٣)
وإنما كرهوا أن يجعلوا " أنها " في صلة: يشعركم؛ لأن ذلك يصير كالعذر لهم والإخبار بأنهم يؤمنون، إذا قلت لإنسان: " ما يدريك أن زيدا ليس حسن " فالأظهر في قصد قائله: أنه يغلب له الإحسان. فلذلك عدلوا إلى تفسيره " بلعل ".
ولا يحسن لأن (أنّ) تلي " إنّ " ولا " إنّ " " أنّ ". لأنهما جميعا للتأكيد يجريان مجرى واحدا فكرهوا الجمع بينهما كما كرهوا الجمع بين اللام وأنّ فإن فصلت بينهما أو عطفت
стр. 1338
حسن. فالفصل قولك: " أن لك أنك تحيى وتكرم " والعطف قولك: " أن كرامتك عندي وأنك تعان " وعلى هذا قرأ من قرأ وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا (طه: ١١٩) ومن كسر استأنف ثم مثل فساد الجمع بين إنّ وأنّ فقال: ألا ترى أنك لا تقول: إن أنك ذاهب في الكتاب ولا: " قد عرفت أن إنك منطلق في الكتاب " معنى هذا: أن قولك في الكتاب " خبر أن " و " أنّ ". و " أنك ذاهب " " اسم إنّ " وأنك منطلق اسم " أن " وفساد الجمع بين إنّ وأنّ وبين " أنّ وأنّ ".
ولو فصل بينهما قال: " أن في الكتاب أنك ذاهب " " وقد عرفت أن في الكتاب إنك منطلق ". لجاز وحسن الفصل بينهما. ومعنى هذا الكلام: إن الكتاب انطوى واشتمل معناه على أنه ذاهب وعلى أنه منطلق كما يقول القائل لصاحبه: في اعتقادي أنك راحل. وليس يريد حكاية لفظ الكتاب. وإنما يريد معنى ما في الكتاب. وقوله: (وكرهوا ابتداء " أن " لئلا يشبهوها بالأسماء التي تعمل فيها " إنّ " يعني: لم يجعلوها مثل زيد ونحوه من الأسماء التي تدخل عليها " أن " وتليها. وقد مضي الكلام فيه. " ولئلا يشبهوها بأنّ " الخفيفة. لأن " أن " والفعل بمنزلة مصدر فعله يعني: مصدر الفعل الذي يلي " أن " كقولك: أريد أن تذهب " أي أريد ذهابك ". ومن حيث- جاز أن تدخل على: " تذهب " فتقول: " إنّ أن تذهب خير لك من أنّ تقيم " كما تقول. أن الذهاب خير لك من الإقامة.
وإذا قال الرجل للرجل: لم فعلت ذاك؟ فقال: لم أنه ظريف. ففتح أن " لتقدير الكلام " فعلها " وإعادة " لم " لا يعتد بها
المسئول كونه أعاد سؤال السائل وحكى لفظه ثم أجاب عنه. وأنّا قوله: أي أني نجد .. كأن إنسانا تكلم بشيء عرض فيه أنه نجد وشجاع.
كرجل قال: أنا أسير بالليل وحدي في المفاوز فحكى عنه الحاكي هذا فقال قائل:
أي أنه نجد. فجعل " أي " عبارة عن معنى كلامه وأجراه مجرى القول.
" أنا أسير بالليل وحدي في المفاوز " بمنزلة (قال أني نجد). وإذا قال: أي أني نجد. كأنه قال: أي لأني نجد.
هذا باب آخر من أبواب «أن»
تقول: ذلك وأن لك عندي ما أحببت. وقال الله : ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ
стр. 1339
مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١) وقال : ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (٢) وذلك لأنها شركت " ذلك " فيما حمل عليه. كأنه قال: الأمر ذلك وأن الله.
ولو جاءت مبتدأة لجازت بذلك على ذلك قوله : ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ (٣) (فمن) ليس محمولا على ما حمل عليه (ذلك) فكذلك يجوز أن تكون " أن " منقطعة من ذلك قول الأحوص: (٤)
عودت قومي إذا ما الضّيف نبهني ... عقر العشار على عسري وإيساري (٥)
إنّي إذا خفيت نار لمرملة ... ألفي بأرفع تل رافعا ناري
ذاك وإنّي على جاري لذو حدب ... أحنو عليه بما يحنى على الجار
فهذا لا يكون إلا مستأنفا غير محمول على ما حمل عليه " ذاك " فهذا يقوي ابتداء " إنّ " في الأول.
قال أبو سعيد: " اذاك وأن من الأمر كذا وكذا " إنما يتكلم به المتكلم بقصة، ثم يؤكدها ليعطف عليها قصة أخرى زيادة على القصة الأولى في معنى ما قصدت به كقولك للرجل: " أنا أكرم من قصدني من أمثالك وأن لك عندي ما أحببت " تقديره (والأمر ذلك) وهو تقدير لما ذكره أولا وعطف " أن لك عندي ما أحببت " على " ذلك " لأن " ذلك " مصدر هو خبر الابتداء وهو كأنه قال: فالأمر كما ذكرته أولا والأمر أيضا أن لك عندي
стр. 1340
ما أحببت. وقوله: ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١) كأنه قال: العون لكم من الله لأشياء ذكرها من تأييده ونصره وعونه. وكقوله: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً (٢) فهذه أشياء قد أعان الله بها المؤمنين ويعينهم أيضا بتوهين الكافرين وذكر هذا تقوية من الله ومعونة لهم. وقوله: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (٣) ذكر الله شدة قدمها لهم في الدنيا وذلك قوله: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (٤) فذوقوه عاجلا في الدنيا والأمر أيضا: أن للكافرين عذاب النار بعد ذلك.
وإن استأنفت فكسرت فهو جيد لأنه جملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ومن أوضح ما يدل على جواز الاستئناف قوله : ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ (٥) لأن " من " وما بعدها شرط وجزاء وهي جملة منزلة منزلة المكسورة. وأما ما أنشده من الأبيات فإن " عودت " قد تعدى إلى مفعولين. إلى " قومي " وإلى: عقر العشار. ثم استأنف " أني " في البيت الثاني وقوله في البيت الثالث: " ذاك وأني " " ذاك أمري " وكسر " إني " بعدها فعطف جملة على جملة، قوله: (فهذا لا يكون مستأنفا) يعني إذا كسرت فهي جملة مستأنفة وإذا فتحت فهي من الجملة التي فيها " ذاك " لأنها محمولة على " ذاك " و " ذاك " خبر ابتداء محذوف وقوله: " فهذا يقوي ابتداء " إن " في الأول " يعني بالأول: " إنّ لك ألّا تجوع فيها ولا تعرى " و " أنّك " و " إنّك " بالابتداء والقطع.
هذا باب آخر من أبواب «أن»
تقول: (جئتك أنك تريد المعروف) إنما أردت: جئتك لأنك تريد المعروف
стр. 1341
ولكنك حذفت " اللام " هاهنا كما تحذفها من المصدر إذا قلت:
أغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن ذنب اللئيم تكرّما (١)
أي: لادخاره.
وسألت الخليل عن قوله جل ذكره: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٢) فقال: إنما هو على حذف اللام كأنه قال: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون. وقال نظيرها: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (٣) لأنه إنما هو: لذلك فليعبدوا فإن حذفت اللام من " أنّ " فهو نصب كما أنك لو حذفت اللام من " لايلاف " كان نصبا هذا قول الخليل: ولو قرءوها " وإن هذه أمتكم أمة واحدة " كان جيدا وقد قرئ.
ولو قلت: جئتك إنّك تريد المعروف. مبتدأ كان جيدا. وقال : فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ (٤) وقال : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥) إنما أراد: بأني مغلوب وبأني لكم نذير مبين ولكنه حذف الباء. وقال : وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (٦) بمنزلة: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً (٧) والمعنى: ولأن هذه أمتكم فاتقون. ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا. وأما المفسرون فقالوا: على " أوحى إلى ... " كما كان: وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ (٨) على " أوحى إلي).
ولو قرئت (وإن المساجد لله). كان جيدا واعلم أن هذا البيت ينشد على
стр. 1342
وجهين: على إرادة اللام وعلى الابتداء. فقال الفرزدق:
منعت تميما منك أني أنا ابنها ... وشاعرها المعروف عند المواسم (١)
وسمعت من العرب من يقول: " إنيّ ... "
وتقول: (لبيك إن الحمد والنعمة لك " وإن شئت قلت: (أّنّ) ولو قال إنسان إنّ " أنّ " في موضع جر في هذه الأشياء ولكنه حذف لما كثر في كلامهم فجاز فيه حذف الجار كما حذفوا " رب " في قولهم:
وبلد تحسبه مكسوحا (٢)
لكان قولا قويا. وله نظائر نحو قوله: لاه أبوك. والأول: قول الخليل. ويقوى ذلك قولهم: " وأن المساجد لله " لأنهم لا يقدمون " أن " ويبتدئونها ويعملون فيها ما بعدها، إلا أنه يحتج الخليل بأن المعنى معنى اللام فإذا كان الفعل أو غيره موصولا باللام جاز تقديمه وتأخيره؛ لأنه ليس هو الذي عمل فيه في المعنى. فاحتملوا هذا المعنى كما قالوا: " حسبك ينم الناس " إذ كان فيه معنى الأمر وسترى مثله.
قال أبو سعيد: إذا تقدمت " أن " مفتوحة ووليها حرف جر مقدم فقول الخليل: إنها في موضع نصب بالفعل الذي كان يعمل في حروف الجر. فإذا قلت " جئتك أنك تريد المعروف ".
" فأنك " في موضع نصب بجئتك. لما حذفت اللام وصل الفعل إلى ما بعدها وكانت اللام في موضع نصب. وكذلك سائر ما ذكرناه.
وكان الكسائي يقول أنها في موضع جر وقد قوى سيبويه كونها في موضع جر من غير أن يبطل قول الخليل أو يرده.
وكان أبو العباس محمد بن يزيد يراه منصوبا ويذهب مذهب الخليل فيه.
قال أبو سعيد: والزجاج يجوّز الأمرين جميعا في (أن): النصب والجر. والأقوى عندي: أن موضعه جر لأن حروف الجر تحذف من " أن " و " أنّ " مخففة ومشددة. لأنهما وما بعدهما بمنزلة اسم واحد وقد طال فحسن الحذف كما يحسن حذف الضمير العائد
стр. 1343
إلى " الذي " في قولك: الذي ضربت زيد بمعنى: الذي ضربته ولا يحسن " الضارب أنا زيد " تريد: الضارب، وكذلك حسن أن يقال: " أنا راغب أن أصاحبك " و " أنا على ثقة أنك مقيم " والمعنى: " أنا راغب في أن أصاحبك " و " على ثقة من أنك مقيم " فحسن حذف حرفي الجر منهما. ولو رددتهما إلى لفظ المصدر لم يجز أن تحذف حرف الجر. لا يجوز: أنا راغب مصاحبتك إلا أن تأتي " بفي " كما لا يجوز: (أنا متكلم زيدا) بمعنى:
متكلم في زيد. وكذلك لو قلت: " أنا على ثقة مقامك " لم يجز حتى تقول: (على ثقة من مقامك). فإذا كان طرح حرف الجر للاستطالة في اللفظ فكأنه موجود في الحكم. ألا ترى أنك تقول: مررت بالذي ضرب زيد. بمعنى: الذي ضربه زيد. وتعطف الأخ على الهاء المحذوفة العائد إلى الذي " وكأنها موجودة فكذلك اللام " وسائر حروف الجر إذا حذفت كأنها موجودة.
ومن الدليل على ذلك: أنك تقدمها مفتوحة إذا كانت اللام مقدرة قبلها. فإن كانت اللام هي العاملة فهي مجرورة. وإن كان العامل فيها الفعل الذي بعدها صارت بمنزلة قولنا: عرفت أن زيدا قائم. ولا يجوّز أحد: " أنّ زيدا قائم عرفت " لتأخر العامل.
فإن قيل المعنى معنى اللام وإن حذفت؟ فإن الجواب أن اللام لما حذفت في اللفظ ونقل العمل في " أن " إلى الذي بعدها لم يّكن للّام تأثير في لفظ " أنّ " وقد وقعت مبتدأة في اللفظ فوجب أن تكسر.
ويقوى هذا أنك تقول: إنّ زيدا قائم علمت، والمعنى: علمت أن زيدا قائم ولم يجز.
من أجل ذلك فتح: " إن " في الابتداء. وفي آخر الباب ضمائر ذكرت ما يعود إليها قوله: (إلا أنه) الهاء للخليل وموصلا إليه (الهاء) وكذلك " الهاء " في تقديمه وتأخيره وقوله:
ليس هو الذي عمل فيه يعني: ليس الفعل الذي عمل في " أن " وباقي الباب من كلامه مفهوم وقد مضى من الشرح ما يدل على ما لم يشرح.
هذا باب أنما
اعلم أن كل موضع تقع فيه " أنّ " تقع فيه " أنّما " وما بدئ بعدها صلة لها. كما " أن " ما ابتدئ بعد " الذي " صلة له.
ولا تكون هي عاملة فيما بعدها كما لا يكون " الذي " عاملا فيما بعده. فمن
стр. 1344
ذلك قوله : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ (١) وقال ابن الاطنابة:
أبلغ الحارث بن ظالم المو ... عد والناذر النذور عليّا (٢)
أنّما تقتل النيّام ولا تق ... تل يقظان ذا سلاح كميا
فإنما وقعت " أنما " هاهنا لأنك لو قلت: (أن إلهكم إله واحد)، (وأنك تقتل النيام) كان حسنا وإن شئت قلت: أنما تقتل النيام، على الابتداء زعم ذلك الخليل، فأما " أنما " فلا تكون اسما وأنما هي فيما زعم الخليل بمنزلة فعل ملغي. مثل: (أشهد لزيد خير منك) لأنها لا تعمل فيما بعدها. ولا تكون إلا مبتدأة بمنزلة [إذ] و " إذا " لا تعمل شيئا.
واعلم أن الموضع الذي لا يجوز فيه " إنّ " إلا مبتدأة لا تكون فيه " أنما " إلا مبتدأة مثل قولك:
" وجدتك أنما أنت صاحب كل خنى "
لأنك لو قلت: وجدتك أنك صاحب كل خنى لم يجز. وذلك أنك إذا قلت:
أرى أنه منطلق " فأنما وقع الرأي على شئ لا يكون الكاف التي في وجدتك ونحوه من الأسماء. فمن ثم لم يجز: رأيتك إنك منطلق وأنما أدخلت " أنما " على هذا الكلام مبتدأ كأنك قلت: وجدتك أنت صاحب كل خنى. ثم أدخلت " أنما " على هذا الكلام فصار كقولك: " أنما أنت صاحب كل خنى " لأنك أدخلتها على كلام قد عمل بعضه في بعض. ولم تضع " أنما " في موضع " ذاك " إذا قلت: " وجدتك ذاك " لأن " ذاك " هو الأول. و " أن " و " أنما " أنما يصيران الكلام شأنا وحديثا فلا يكون الخبر ولا الحديث " الرجل " ولا " زيدا " ولا أشباه ذلك من الأسماء. وقال كثير.
أراني ولا كفران لله إنّما ... أواخي من الأقوام كل بخيل (٣)
стр. 1345
لأنه لو قال: أني هاهنا كان غير جائز لما ذكرناه. فأنما هاهنا بمنزلتها في قولك: زيد إنما يواخي كل بخيل. وهو كلام مبتدأ وتقول خبره " وأنما يجالس أهل الخبث " لأنك لا تقول: " أرى أيره أنه يجالس " فحسنت " أنه " هاهنا؛ لأن الآخر هو الأول.
قال أبو سعيد: " أنما " المفتوحة وما بعدها من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر بمنزلة اسم واحد في معنى المصدر. كما أن أن المفتوحة واسمها وخبرها بمنزلة اسم واحد في معنى المصدر. والفرق بينهما: أن " أنما " أبطل عملها بدخول " ما " فصار يليها كل كلام.
ومنزلتها بعد منزلة " أنّ " بعد اسمها لأن ما بعد اسمها من رتيبة الابتداء والخبر والفعل والفاعل والشرط والجواب كقولك:
علمت أن زيدا أبوه منطلق. " وعلمت أن زيدا ينطلق أبوه " " وعلمت أن زيدا أن تأته يأتك " و " أنما " بمنزلة " أنّ " و " أنما " وما بعدها من اسم وخبر وفعل وفاعل وشرط جزاء بمنزلة " أن " واسمها إذ كان بعدها جملة. ومعنى قوله: " أنما تقتل النيام ".
أن الحارث بن ظالم المري قتل خالد بن جعفر بن كلاب وهو نائم. وكان سببه أن الحادث بن ظالم دخل على النعمان بن المنذر، وخالد جالس معه يأكل تمرا فلما رآه النعمان قال: أذن يا حار .. فقال له خالد: من ذا الذي أراك تدني أبينت اللعن .. ؟ فقال:
هذا الحارث بن ظالم.
قال للحارث: ما رأني إلا حسن البلاء عندك. قال: وما بلاؤك قال: قتلت أشراف قومك فتركتك سيدهم. قال: سأجزيك ببلائك وجلس يأكل معهم فلما خرج الحارث قال النعمان لخالد: ما أردت أن تحرش بهذا الكلب وأنت ضيف لي.
قال خالد: إنما هو عبد من عبيدي لو كنت نائما ما أيقظني. فلما أمسى النعمان بعث إلى الحارث بن ظالم بعس من خبر يعتبقه أراده أن يشغله فصبته بينه وبين جبيه في كتب. فلما أمسى الحارث بن ظالم حبى بالسيف حتى أتى خالدا وهو في قبة من أدم فوضع السيف في بطنه ثم اتكأ عليه حتى قتله ثم تحمل من تحت ليلته حتى لحق بقريش.
فلما قال ابن الإطنابة هذا الشعر أتاه الحارث متنكرا فأنبهه وهو لا يعرف الحارث فلما انتبه قال له: البس سلاحك فأنني مستنصرك. فلبس سلاحه ومشى معه حتى تنحيا من البيوت فقال له الحارث: ألست يقظان ذا سلاح؟ قال: بلى، قال: فأنا الحارث بن
стр. 1346
ظالم أريد قتلك. فذل له ابن الاطنابة حتى كف عنه.
و" أنما تقتل " في موضع نصب " بأبلغ " ومعنى قول الخليل: " أنما " بمنزلة فعل ملغى: أن " أن " منزلتها منزلة فعل على ما تقدم من ذكر ذلك. فإذا كفت لم يكن لها اسم منصوب صار بمنزلة فعل ملغي كقولك: أشهد لزيد خير منك.
وقوله: بمنزلة (إذ) و " إذا "، وأن " إذ " و " إذا " لا يعملان شيئا فيما بعدهما وتلي " إذا " المبتدأ والخبر والفعل والفاعل وتمامها بما بعدها. وكذلك " أنما " يليها المبتدأ والخبر والفعل والفاعل وهي لا تعمل شيئا فيما بعدها فهذا وجه التشبيه. وقوله: وجدتك أنما أنت صاحب كل خنى لم يجز سيبويه في " أنما " إلا الكسر.
وذلك أن " وجدتك " يتعدى إلى مفعولين وهي من باب " علمت " و " حسبت " ورأيت من رؤية القلب " فالكاف " المفعول الأول والمفعول الثاني جملة قائمة بنفسها فحكمها أن تكون كلاما مستأنفا يوضع في موضع الخبر نحو: المبتدأ والخبر. وما هو بمنزلتها نحو الفعل والفاعل. و " إنّ " المكسورة مما يصح أن يبتدأ به من الكلام ولو قلت: حسبتك أنما أنت صاحب كل خنّى بفتح " أنما " كان بمنزلة: المصدر. والمصدر لا يكون خبرا للكاف. ألا ترى أنك لا تقول: " حسبت زيدا خروجه " و " حسبت زيدا سبقه ".
وقد قرئ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ (١) وهو على ما سقناه من كلام سيبويه لا يجوز. وهو مذهب من تقدم من النحويين البصريين إلا أن الزجاج أجازه على البدل من " الذين " واحتج بقول " عبده بن الطيب " (٢) في بدل المصدر من الاسم:
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما (٣)
" أبدل " هلكه " من " قيس ".
стр. 1347
قال أبو سعيد: للمحتج عن سيبويه أن يقول: أن بدل " هلكه " من " قيس " لا يشبه الآية لأن هلكه إذا أبدل من " قيس " جعل مكانه واحتاج إلى مثل ما كان يحتاج إليه " قيس " من الخبر فأتى له بخبر فقام خبره مقام خبر " قيس " كما أقيم هو مقام " قيس ".
وليس كذلك الآية. لأنه إذا قرأ " ولا تحسبن الذين كفروا " وجب أن يؤتى " لِلَّذِينَ كَفَرُوا " بخبر لأنه بمنزلة اسم مفرد. والبدل منه لا يصح أن يكون خبرا عنه. وقد يحتمل تجويز ذلك على وجه آخر ضعيف لا أحب أن يحمل كتاب الله عليه. أما ضعفه فلأنه بدل من اسم يقتضي خبرا. وقد أبطل خبره ولأنه أيضا أبدل اسما يقوم مقام
اسمين من اسم مفرد لا يقوم مقام اسمين فلان الاسم الأول إذا أبدل منه جعل بمنزلة المطرح الذي لم يذكر واعتمد بوقوع المحسبة على الثاني ولم يعتد بالأول كأنه قال: " ولا تحسبن أنما تملى لهم خبر لأنفسهم " ومثله قوله:
لسان السّؤ تهديتها إلينا ... وحنت وما حسبتك أنّ تحينا (١)
أبدل (أن تحينا) من الكاف و " أن تحينا " تقوم مقام مفعولي حسبك.
كما قال : وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ (٢) وتَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٣) وإنما جاز " وجدت خبره أنما يجالس أهل الخبث " لأن " الخبر " مصدر و " أنما " مصدر هو الأول. وجوّز أن تقول في الابتداء: خيرك أنما تجالس أهل الخبث.
ولا يجوز: " زيد أنما يجالس ".
ولا تقل: " خبرك أنما تجالس أهل الخبث " بالكسر كما لا تقول: (زيد أنما تجالس أهل الخبث) بالفتح وكذلك: " أرى أمره أنما يجالس " ... بالفتح وأنه في موضع المفعول الثاني.
وفي الباب التالي لهذا ما يكون بدلا مما هو مثله. كقولك: بلغني قصتك أنك فاعل وقد بلغني الحديث أنهم منطلقون " هذا بين لأن الصفة والحديث هما: " أن ".
стр. 1348
هذا باب تكون فيه «أن» بدلا من شيء هو الأول
وذلك قولك: بلغتني قصتك أنك فاعل. وقد بلغني الحديث أنهم منطلقون، وكذلك القصة وما أشبهها.
هذا باب تكون فيه «أن» بدلا من شيء ليس بالأول
من ذلك وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ (١) (فأنّ) مبدلة من " إحدى الطائفتين " موضوعة في مكانها كأنك قلت. وإذ يعدكم الله أن إحدى الطائفتين لكم كما أنك إذا قلت: (رأيت متاعك بعضه إلى بعض) فقد أبدلت الآخر من الأول:
فكأنك قلت: " رأيت بعض متاعك فوق بعض فإنما نصبت بعضا " لأنك أردت معنى:
(رأيت بعض متاعك فوق بعض) كما جاء الأول على معنى: " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين لكم ".
وقال : أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٢) فالمعنى والله أعلم: ألم يروا أن القرون الذين أهلكناهم إليهم لا يرجعون ومما جاء مبدلا من هذا الباب قوله: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣) فكأنه قال: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم، وذلك أريد بها ولكنها إنما قدمت " أن " الأولى ليعلم بعد أي شيء الإخراج.
ومثله قوله: زعم أنه إذا أتاك أنه سيفعل، وقد علمت أنه سيفعل وقد علمت أنه إذا فعل أنه لا يستقيم أن تبتدئ " إنّ " هاهنا. كما تبتدئ الأسماء والفعل إذا قلت: (قد علمت زيدا أبوه خير منك). وقد رأيت زيدا يقول " أبوه ذاك "؛ لأن " إنّ " لا تبتدأ في كل موضع من تلك المواضع.
وزعم الخليل أن مثل ذلك قوله : أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ (٤) ولو قال: " فإنّ " كانت عربية جيدة. وسمعناهم يقولون
стр. 1349
قول ابن مقبل:
وعلمي بأسدام المياه فلم تزل ... قلائص تخدي في طريق طلائح
وأنّي إذا قلت ركابي مناخها ... فإنّي على حظّي من الأمر جامح (١)
وإن جاء في الشعر: " قد علمت أنك إذا فعلت أنك سوف تغتبط " تريد معنى " الفاء " جاز. والوجه والحد ما قلت لك أول مرة. ونظير ذلك في الابتداء لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢)، ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٣).
وبلغنا أن الأعرج (٤) قرأ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) ونظيره البيت الذي أنشدتك.
قال أبو سعيد: أما قوله: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ (٦) فأن إحدى الطائفتين هو المفعول الثاني " ليعدكم " والمفعول الأول: هو الكاف والميم في " يعدكم " و " أنها لكم " بدل من " إحدى الطائفتين " وهذا بدل
اشتمال كما تقول: وعدتك أحد الثوبين ملكه. و " ملكه " بدل من " أحد الثوبين ".
وقوله : أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٧) " أنهم " بدل من معنى جملة " كم أهلكنا قبلهم من القرون " لأمر إنكارهم.
لأن لفظ " كم " في التقدير: منصوب " بأهلكنا " إذا كانت " كم " في الاستفهام في مذهب " ربّ " لا يعمل فيها ما قبلها. فلو أبدلنا " أنهم " من لفظ " كم " صار العامل فيها " أهلكنا "
стр. 1350
فيكون تقديره: (أهلكنا أنهم إليهم لا يرجعون) وهذا لا معنى له. ولكن " كم " وما بعدها إذا جعلت اسما غير استفهام فتقديرها: (الم يروا الذين أهلكناهم من القرون). ومعنى:
" يروا " يعلموا. لأن رؤية العين منهم لم تقع على القرون التي خلت من قبلهم.
فإذا قدرناه هذا التقدير وأبدلناه صار معناه: " ألم يعلموا أن القرون التي أهلكناهم من قبلهم لا يرجعون ". وفي " أن " وجه آخر وهو: أن تجعلها في صلة: " أهلكناهم " بمعنى:
أهلكناهم بأنهم لا يرجعون " أي ": أهلكناهم لهذا الضرب من الهلاك.
وقوله : أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (١) فيه وجهان:
أحدهما: أن تجعل " أنكم " المفعول الثاني من " يعدكم " والمفعول الأول " الكاف والميم ". واسم " أن " الكاف والميم بعدها. وخبرها. " مخرجون " " فإذا متم " ظرف " لمخرجون ". و (أنكم) الثانية معادة وهي الأولى ليقرب من
الخبر لما تراخى ما بينها وبين الخبر. وهي مكررة توكيدا للأولى، قوله : وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٢) هم الثانية إعادة للأولى توكيدا وهذا قول أبي عمر الجرمي في هذا ونحوه. ويحتج له في ذلك:
أنها تقع بعد الفاء مفتوحة في قوله : أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ (٣) إنما هو " فله نار جهنم ... " ثم كررها توكيدا ولولا أنها مكررة لكسرت لأنها في موضع الابتداء بعد " الفاء " للتراخي كما قال : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ (٤) فهذه كررت للتراخي، ومثل هذا في القرآن كثير.
والوجه الثاني: أن تجعل " أنكم " المفعول الثاني ل " يعدكم " و " أنكم مخرجون " في موضع اسم مبتدأ وخبره " إذا متم " وهو ظرف له. وتقديره: أيعدكم أنكم إذا متم أخراجكم. والمبتدأ والخبر خبر " أنكم " والعائد إلى " الكاف والميم " التي هي اسم " أنكم " الأولى " الكاف والميم " التي هي اسم " أنكم " الثاني. وهذا قول أبي العباس المبرد.
стр. 1351
قال أبو سعيد: وعلى هذين الوجهين قولهم زعم أنه إذا أتاك أنه سيفعل وقد علمت أنه إذا فعل أنه سيمضي. وظاهر كلام سيبويه أنه جعل " أنكم " الثانية بدلا من " أنكم " الأولى في قوله تعالى: أَيَعِدُكُمْ ... " لأنه قال: " ومما جاء مبدلا " ثم قال: كأنه على:
" أَيَعِدُكُمْ .... ... أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ".
وفي هذا الكلام عندي خلل لأنه لا يجوز البدل من الاسم حتى يتم الاسم. وقوله:
" إذا متم " ليس باسم تام لأنه لم يأتي " لأنه " بخبر. وتمام الاسم " بأن واسمها وخبرها " والذي عندي: أنه لا بدل في هذه الآية وإنما البدل في قوله : " إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ " وقد مر الكلام فيه.
وقول سيبويه: " ولا يستقيم أن تبتدئ " " أن " هاهنا كما تبتدئ الأسماء والأفعال إذا قلت: " قد علمت زيدا أبوه خير منك " وقد رأيت زيدا يقول: " أبوه ذاك ". لأن " أن " لا تبتدأ في كل موضع وهذا من تلك المواضع " يعني ": أنك إذا قلت " زعم أنه إذا أتاك سيفعل وقد علمت أنه سيمضي ". لم يجز كسر " إن " الثانية. لا يجوز " أنه سيفعل وإنه
سيمضي ". لأن كسرها هو الابتداء. وإنما لم يجز ذلك لأن " إذا أتاك " و (إذا فعل) ظرف لما بعده فإذا كسرنا " إن " بطل أن تكون ظرفا " لأن " ولا ظرفا لما بعد " أن " كما يكون ظرفا " لأن ".
فتقول في " أن " المفتوحة " في الحق أنك كريم " و (يوم الجمعة أنك راحل) وأنما جاز في " أن " المفتوحة لأن محلها محل الاسم والظرف يتقدم على الاسم الذي هو ظرفه كقولك (خلفك زيد ويوم الجمعة رحيلك) و " إن " المكسورة وما بعدها ليس في تقدير اسم فيكون له ظرف يتقدمه. ولا ما بعدها يعمل فيما قبلها.
وقوله : أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ (١) و " أن ". فمن كسر: فلان الجواب بالفاء. وإنما يكون بكلام مستأنف قائم بنفسه. فالباب فيه الكسر. والذي يفتح فله ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يجعل " إن " مكسورة معادة من الكلام الذي قبلها للتوكيد وتقديره: فله نار جهنم و " أن " مكررة.
стр. 1352
والوجه الثاني: أن تجعل " أنّ " مبتدأة وخبرها محذوف وتقديرها: فله أن له نار جهنم. ولو قال: (من يعصى الله فالنار) كان كلاما مفهوما جائزا وتقديره: فله النار.
والوجه الثالث: فيستحق أن له النار وما أشبه ذلك من إضمار ما يليق به.
وما ذكر في القرآن في آخر الباب قد اجتمعت فيه النسخ على ما كتبته. والذي في القرآن لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (١)، ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٢).
هذا باب من أبواب «أنّ» تكون فيه «أنّ» مبنية على ما قبلها
وذلك قولك: أحقا أنك ذاهب؟ وكذلك: أكبر ظنك أنك ذاهب؟ وأجهد رأيك أنك ذاهب؟ وكذلك هما في الخبر.
وقد سألت الخليل فقلت: ما منعهم أن يقولوا: أحقا إنك ذاهب على القلب كأنك قلت: أنك ذاهب. ألحق؟ فقال: لأن " أن " لا يبتدأ بها في كل موضع، ولو جاز هذا لجاز: يوم الجمعة إنك ذاهب تريد: إنك ذاهب يوم الجمعة.
ولقلت أيضا: لا محالة إنك ذاهبة تريد: إنك لا محالة ذاهب فلما لم يجز ذلك حملوه على " أفي حق أنك ذاهب؟ وعلى: أفي أكبر ظنك أنك ذاهب؟ وصارت " أنّ " مبنية عليه كما يبني الرحيل على غد إذا قلت: غدا الرحيل. والدليل على ذلك: إنشاد العرب كما زعم يونس أنه سمع العرب يقولون في بيت الأسود بن يعفر:
أحقّا بني أبناء سلمى بن جندل ... تهدّدكم إيّاي وسط المجالس (٣)
وزعم الخليل أن التهدد هاهنا بمنزلة: " الرحيل " بعد " غد ". وأن " أن " بمنزلته وموضعه كموضعه.
ونظير: أحقا أنك ذاهب. من أشعار العرب قول العبدي (٤):
стр. 1353
أحقّا أن جيرتنا استقلّوا ... فنيّتنا ونيّتهم فريق
وقال عمر بن أبي ربيعة:
أالحق إن دار الرّباب تباعدت ... أو أنبت حبل أنّ قلبك طائر؟ (١)
وقال النابغة الجعدي:
ألا أبلغ بني خلف رسولا ... أحقّا أنّ أخطلكم هجاني (٢)
فكل هذه الأبيات سمعناها من أهل الثقة هكذا. والرفع في جميع هذا جيد قوي وذلك أنك إن شئت قلت: أحق أنك ذاهب. وأكبر ظنك أنك ذاهب تجعل الآخر هو الأول. وأما قولهم: " لا محالة أنك ذاهب " فإنما حملوا " أنّ " على: أن فيه إضمار " من " على قولك: (لا محالة أنك) كما تقول: (لابد أنك) كأنك قلت: لابد من أنك حين لم يجز أن يحملوا الكلام على القلب.
وسألته عن قولهم: أمّا حقا فأنك ذاهب فقال: هذا جيد. وهذا الموضع من مواضع إنّ ألا ترى أنك تقول: أما يوم الجمعة فإنك ذاهب. وأما فيها فأنك قائم وأنما جاز هذا في " أما " لأن فيها معنى يوم الجمعة مهما يكن من شئ فإنك ذاهب.
وأما قوله : لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ (٣) فإن " جرم " عملت لأنها فعل ومعناها: لقد حق أن لهم النار، ولقد استحق أن لهم النار.
وقول المفسرين معناها: حقا أن لهم النار يدلك أنها بمنزلة هذا الفعل إذا مثلت. " جرم " قد عملت في " أن " عملها في قول القزاري: (٤)
ولقد طعنت أبا عيّينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أنّ يغضبوا (٥)
стр. 1354
وزعم الخليل أن " جرم " أنما تكون جوابا لما قبلها من الكلام. يقول الرجل كان كذا وفعلوا كذا فتقول: لا جرم أنهم سيندمون أو أنه سيكون كذا وكذا. وتقول: أما جهد رأيي فأنّك ذاهب لأنك لم تضطر إلى أن تجعله ظرفا كما اضطررت في الأول وهذا من مواضع " أن " لأنك تقول: " أما في رأيي فأنك ذاهب ". أي: فأنت ذاهب وأن شئت قبلت " فأنّك " وهو ضعيف. لأنك إذا قلت: أما جهد رأيي فإنك عالم لم تضطر إلى أن تجعل الجهد ظرفا للقصة لأن ابتداء " إن " يحسن هاهنا.
فإذا قلت: جهد رأيي أنك عالم. لم يجز أن يكون الجهد إلا ظرفا. لأنك لو جعلته مفعولا كان من صلة " أنّ " ولا يجوز تقديمه ومع ذلك أنك لم تجئ بالمبتدأ.
فإذا قلت: أما جهد رأيي حسن ابتداء " أن " ونصبت جهد بالفعل لا بالظرف لأنك لم تضطر إلى الظرف وتقول: " أما في الدار فإنك قائم " لا يجوز فيه إلا " إنّ " لأن إنّ تجعل الكلام قصة وحديثا. ولم ترد أن تخبر أن في الدار حديثه ولكنك أردت أن تقول " أما في الدار فأنت قائم " فمن ثم لم يعمل في " أن " شيء وإذا أردت أن تقول أما في الدار فحديثك وخبرك قلت: أما في الدار فأنك منطلق. أي هذه القصة. ويقول الرجل: ما اليوم؟ فتقول: اليوم أنك مرتحل، كأنه قال: في اليوم رحيلك. وعلى هذا الحد تقول: أما اليوم فأنّك مرتحل.
وأما قولهم: أما بعد فأن الله قال في كتابه. فأنه بمنزلة قولك: أما اليوم فإنّك. ولا يكون " بعد " أبدا مبنيا عليها. إذا لم تكن مضادة ولا مبنية على شئ.
إنما تكون لغوا.
وسألته عن: " شد ما أنك ذاهب " وعز ما أنك ذاهب. فقال: هذا بمنزلة: حقا أنك ذاهب كما تقول: أما أنك ذاهب بمنزلته حقا أنك ذاهب. كما كانت " لو " بمنزلة " لولا " ولا يبتدأ بعدها الأسماء سوى " أن " نحو: لو أنك ذاهب ولا
يبتدأ بعدها الاسماء. و " لو " بمنزلة " لولا " وأن لم يجز فيها ما يجوز فيما يشبهها. تقول: لو أنه ذاهب لفعلت. وقال : قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي (١) وأن شئت جعلت: شد ما وعز ما كأنك قلت: نعم العمل أنك تقول الحق. وسألته عن
стр. 1355
قوله: كما أنه لا يعلم ذلك فتجاوز الله عنه. وهذا حق كما أنك ذاهب. فزعم أن العاملة في " أن " الكاف. و " ما " لغو إلا أن " ما " لا تحذف هاهنا كراهية أن يجئ لفظها مثل لفظ " كان " كما ألزموا " النون " لأفعلن و " اللام " قولهم: إن كان ليفعل " كراهية أن يلتبس اللفظان. ويدلك على أن " الكاف " هي العاملة قولهم: هذا حق مثل ما أنك هاهنا. وبعض العرب يرفع فيما حدثنا يونس ورغم أنهم يقولون إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (١). فلولا أن " ما " لغو لم يرتفع مثل وإن نصبت " مثل " فما أيضا لغو، لأنك تقول: مثل أنك هاهنا. وإن جاءت " ما " مسقطة من " الكاف " في الشعر جاز كما قال النابغة الجعدي:
قروما تسامى عند باب دفاعه ... كأن يؤخذ المرء الكريم فيقتلا (٢)
ف " ما " لا تحذف هاهنا في الكلام كما لا تحذف في الكلام من " أما " في قولك:
فأن جزعا وإن إجمال صبره (٣)
قال أبو سعيد: إذا قلت: أحقا أنك ذاهب وأكثر ظنك وجهد رأيك ففيه الرفع والنصب فالرفع على الابتداء والخبر فإذا قلت: أحقا أنك ذاهب فتقديره " أحق ذهابك " وأكثر ظني ذهابك " وجهد رأيى ذهابك " والنصب على تقدم هذه الأشياء ظروفا. وقال:
" رفع أنك " بالابتداء وذلك أنك إذا قدمت هذه الأشياء ونصبتها فلا وجه لنصبها غير الظروف. ورفع " أنّ " ويكون التقدير فيها: (أفي زمن حق أنك ذاهب) ثم حذف " زمن " كما قيل: سير عليه مقدم الحاج يريد: زمن مقدم الحاج أو وقت مقدم الحاج، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وقد تبين من كلام العرب أنها في مذهب الظرف:
بدخول " في " عليها.
стр. 1356
قال أبو زبيد الطائي:
ألا أبلغ بني عمرو بن كعب ... بأنّي في مودتكم نفيس (١)
أفي حق مواساتي أخاكم ... بمالي ثم يظلمني السريس
وتبين أن " أن " في موضع رفع بقوله:
أحقّا بنى أبناء سلمى بن جندل ... تهدّدكم إيّاي وسط المجالس (٢)
فرفع (تهددكم) وهو في موضع " أن " حين قال:
أحقا أنّ أخطلكم هجاني (٣)
وفي رفعه وجهان:
أحدهما: وهو الذي أختاره أنه رفع ما قبله من الظرف خبره ومنزلته كمنزلة " خلف زيد " " وفي الدار عمرو " ولو أدخلنا عليه " أن " وأخواتها وقدمنا الظرف وجعلنا " أنّ " مقدرا لنصبنا وذلك قولك: (في أكثر ظني رحيلك) كما تقول (يوم الجمعة أنك راحل) و (يوم الجمعة رحيلك) و " إنّ يوم الجمعة رحيلك " فتبين بنصبه بعد " أن " رفعه قبلها بالابتداء. وذهب أبو العباس المبرد إلى أن الخليل: رفع " أن " بالظرف في هذا الموضع يعني: " أفي حق أنك ذاهب " وفي أكثر ظني أنك ذاهب. للضرورة كما يرفع بالظرف المضمر في قولك: " زيد في الدار وعمرو عندك ".
قال أبو سعيد: أما رفع المضمر بالظرف فصحيح وأما رفع الظاهر فليس مذهب سيبويه والخليل. وأظن أن الذي دعا أبا العباس إلى حكاية هذا عن الخليل أنه: لما ذكر:
" أفي حق أنك ذاهب ". " وفي أكثر ظني أنك ذاهب " قال عقيبه: وصارت " أن " مبنية عليه كما تبنى الرحيل ...
وقد استعمل سيبويه لفظ البناء على الشيء الذي ليس بعامل فيما بني عليه كما قال: " أنّ " مبنية على " لولا ". وإنما ذلك على جهة تقدمها وحاجتها إلى ما بعدها.
стр. 1357
وأما قول العبدي:
فنيّتنا ونيّتهم فريق (١)
ولم يثن فلأن " الفريق " قد يستعمل بلفظ واحد في الواحد والاثنين والجمع كما تقول: هذا صديق وهما صديق وهم صديق.
وقال الله في مثله: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (٢) وأما قولهم:
(لا محالة أنك ذاهب) (ولا بد أنك ذاهب) فالذي يظهر من كلام سيبويه أن: " أنك " في موضع خفض " بمن " المحذوفة. وهو على القلب الذي تراه من خفض " أنّ " بعد حذف الخافض منها في الباب الذي ذكر فيه ذلك.
قال أبو العباس: إذا قلت: لا محالة أنك ذاهب " فأنك " في موضع رفع بخبر المبتدأ كما تقول: لا رجل أفضل منك. وكذلك: لابدّ أنك ذاهب. فإن قال قائل: " لا " الثانية الناصبة هي جواب هل من؟ فما المسألة التي جوابها لا محالة ولا بد وما معنى ذلك؟ ومن أي شيء أخذ؟
قيل له لا محالة والحيلة فمعناها واحد هل من محالة في كذا؟ وهل من حيلة من كذا؟
ومعناه: هل من محالة من تركه أو من المخلص منه؟ فيقول المجيب: لا محالة منه. أي في الخلاص منه. وأما: " بد " فأصلها من مفارقة الشيء ومنه قيل: تبّدد الشيء: تفرق.
وبددته: فرقته. ومنه قوله: (٣)
... ... والخيل تعدوا في الصّعيد بداد
أي متفرقة وقولهم: رجل أبد. وامرأة بداء إذا تفرق. ما بين فخذيه. كما قال:
فبدّت الرّجل فما تضمّها (٤)
стр. 1358
ومنه قولهم: أبددت القوم عطية أي فرقتها بينهم
قال أبو ذؤيب:
فأبدهن حتوفهنّ فطالع ... بدمائه أو ساقط متجعجع (١)
فإذا قال: لابد منه. فكأنه قال: لا مفارقة ولا تباعد منه، وقد فسره أصحابنا بالسعة لأن تفرق ما بين الشيئين سعة ما بينهما، فكأنهم جعلوا أصله السعة وحقيقته عندي ما ذكرته.
قال أبو العباس محمد بن يزيد " بد " موسع فإذا قلت: لابد أنك ذاهب. غير موسع عليك أنك ذاهب، وحقيقته: غير موسع عليك تركك الذهاب وقولهم: أما حقا أنك ذاهب فيكسر " إن " فهو جيد وكذلك: أما جهد رأيى فأنك ذاهب وكذلك جميع الظروف المتقدمة التي بعدها: " أن " إذا دخلت قبلها " أما " فكسر " إن " حسن وإن لم تكن " أما " فالفتح لا غير. وإنما كسر مع دخول " أما " لأنها تسوغ تقديم ما بعد الفاء على " الفاء " و " أما " عوضا مما حذف منه. وجوز فيه تقديم ما لم يكن يجوز تقديمه قبل دخولها وقد ذكرت ذلك مستقصى قبل هذا الموضع.
ومعنى قول سيبويه " أما جهد رأيى فإنك ذاهب) لأنك لم تضطر إلى أن تجعله ظرفا كما اضطررت في الأول يعني: أنك مضطر قبل دخول " أما " أن تفتح " أن " إذا قلت:
جهد رأيى أنك ذاهب. فتجعل " أن " مبتدأ وما قبله ظرفا. كقولك (خلفك زيد) لأنك لو لم تفتح وكسرت انقطع الظرف من " أن " وخبرها فلم يتصل. لأن ما بعد " أن " لا يعمل فيما قبلها قبل دخول " أما " وقد ذكرناه فصرت مضطرا إلى فتحها. فإذا دخلت " أما " جاز فيها الكسر فلم تضطر إلى فتحها وجعلتها مبتدأ. وقولهم: " أما بعد " فإن الله قال في كتابه " فأن بعد " بمنزلة " اليوم " ولا يكون " بعد " ولا " قبل " خبرين إذا لم يكونا مضافين. هذا كلام سيبويه ومذهبه ولم أر غيره ذكره ولا تكلم عليه إلا أصحابه الذين
стр. 1359
يتكلمون على تفسير كتابه وإذا كانا مضافين فإنهما يكونان خبرين كقولك: زيد قبلك وعمرو بعدك. وإذا لم يخبر بهما لنقصانهما عن حالهما مضافين. وهما في حال الإضافة غير متمكنين فإذا منعتا الأصالة ازدادتا بعدا عن التمكن، فمنعتا بذلك أن يكونا خبرين. وقد مثل سيبويه: (أما يوم الجمعة فأنك ذاهب) بتمثيل نفسه في اللفظ إذا حمل على ظاهره فقال: لأن فيها معنى يوم الجمعة مهما يكن من شيء " فأنك ذاهب " وتقديم " يوم الجمعة " لا يجوز في " مهما " ومعناه: أنه مثّل " أما " " بمهما " ثم قدم في " مهما " ما تقدمه في " أما " من الظرف الذي يصبح له خبر " أن " على وجه يبين المعنى فيه لا على تصحيح اللفظ، وأما لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ (١) فإن الخليل وسيبويه ومن تبعهما من البصريين يجعلون " جرم " فعلا ماضيا. ويجعلون " لا " داخله عليه فمنهم من يجعلها جوابا لما قبلها ومثله:
" يقول الرجل كذا وكذا، وفعلوا كذا وكذا فتقول: لا جرم أنهم سيندمون.
ويبين عند الخليل: أنه رد على أهل الكفر فيما قدروه من اندفاع مضرة الكفر وعقوبته عنهم يوم القيامة. واختلفوا في معنى " جرم " إذا كان فعلا.
قال سيبويه: معناه حق أن لهم النار. واستدل على ذلك بقول المفسرين معناه " حقا أن لهم النار " ويقول الشاعر:
جرمت فزازة بعدها أنّ يغضبوا
أي حقهم للغضب. وتبعه على ذلك من تبعه.
وقال غيره: " جرم " بمعنى " كسب " واستدل على ذلك بقول الله : لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ (٢) يقول : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا (٣) أي: لا يكسبكم ذلك. ويقول الشاعر: (٤)
جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا
стр. 1360
جريمة كاسبة يعني عقابا. وناهض: فرع. فالعقاب تكسب لفرخها ما يأكله وعلى هذا تأول: جرمت فزارة: أي كسبت فزارة الغضب.
واختلفوا في فاعل " جرم " إذا كان فعلا ماضيا:
فقال أبو العباس المبرد: " أنهم " في موضع رفع " بجرم " كقولك: حق كون النار لهم.
ووجت كون النار لهم. ونحو ذلك. وقال غيره: " أن لهم النار " في موضع نصب وفي " جرم " ضمير فاعل. كأن كفرهم كسب كون النار لهم.
وأما الفراء وأصحابه. فذهبوا إلى أن " جرم " اسم منصوب و " لا " على التبرئة وقال الفراء: " لا جرم أنهم " كلمة كانت في الأصل- والله أعلم، بمنزلة: لابد أنك قائم ولا محالة أنك ذاهب فجرت على ذلك وكثر استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة: حقا و " حقا " عندهم بمنزلة قسم. واستدل على ذلك بما ذكر عن العرب من قولهم. " لا جرم لآتينك ". " لا جرم لقد أحسنت " قال: كذلك فسرها المفسرون بمعنى: الحق. قال وأصله جرمت أي كسبت الذنب وجرمته، ورأيت بعض الكوفيين: يجعل " أن " في موضع نصب في لا بد ولا محالة ولا جرم. وقال بعض الكوفيين: " أجرم " أصله الفعل الماضي فحول عن طريق الفعل ومنع التصرف. فلم يكن له مستقبل ولا دائم ولا مصدر. وجعل معه " لا " قسما وتركت الميم على فتحها الذي كان لها في الماضى كما نقلوا " حاشى " وهو فعل ماض مستقبله " يحاشى " ودائمه " محاش " ومصدره " محاشاه " من باب الأفعال إلى باب الأدوات لما أزالوه عن التصرف فقالوا: قام القوم حاشى عبد الله. فخفضوا به ولو كان فعلا ما عمل خفضا. وابقوا عليه لفظ الفعل الماضي. وكما نقلوا " ليس " وأصلها الفعل الماضي. عن أصلها إلى سبيل الأدوات فمنعوها التصرف وخروج المصدر منها وأفردوا آخرها على أمرها الأول قبل النقل. وحكى الكوفيون في " لا جرم " وجوها من تغيير اللفظ فيها عن العرب. منها " لا جرم " بضم الجيم و: " لا جر " بإسقاط الميم. و: " لا ذا جرم " و " لا ذا جر " بغير الميم " ولا إنّ ذا جرم " و: " لا عزّ ذا جرم ". ومعنى اللغات كلها عندهم واحد. وأنشد الفراء:
... ... إنّ كلابا والدي لاذا جرم
لأهدرن هدرا صادقا ... هدر المعنى الشقاشيق اللهم (١)
стр. 1361
لم يعرف الفراء النصف الأول من البيت الأول.
وأما " شد ما أنك ذاهب " و " عز ما أنك ذاهب " فقد جعله سيبويه على وجهين:
أحدهما: أن يكون بمعنى: حقا أنك ذاهب فيكون " شد ما " في تأويل ظرف.
وأنك ذاهب مبتدأ كما أن " حقا " مبتدأ في تأويل ظرف و " شد " و " عز " فعلان في الأصل دخلت عليهما " ما " فأبطل عملها. وجعلا في مذهب " حقا ". كما دخلت " ما " على " قل " و " رب " فبطل عملها. وخرجا عن مذهب الفعل وحرف الجر.
و" شد ما " و " عز ما " وإن جعلا في موضع " حقا " فلا تدخل عليهما " في " كدخولها على " حقا " لأنهما في الأصل فعلان. كما أن " أن " إذا وقعت بعد " لو " تشبيها " بلولا " لم يجز وقوع الاسم بعدها لوقوعه بعد " لولا ".
والوجه الآخر: أن يكون " شد ما " و " عز ما " فعلين ماضيين. كنعم و " بئس " ووقوع " ما " بعدهما كوقوع " ما " بعد " نعم " و " بئس " كقولك: نعما صنيعك و " بئسما عملك " وتقديره: نعم الصنيع صنيعك و " بئس العمل عملك ". وقوله: كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه. دخلت الفاء على " تجاوز " لأنه دعاء. وهو بمنزلة دخول القلب في فعل الأمر إذا تقدم المفعول كقولك: زيدا فاضرب. وإن شئت: زيد اضرب. فإذا قلت: اضرب زيدا لم تكن " فاء " وكذلك تقول: تجاوز الله عنه. و " ما " عند سيبويه لغو. واستدل على أنها لغو بقوله تعالى: إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (١) لأنها لو لم تعمل لغوا لبنيت مع ما بعدها وفتحت. ولم يجز إسقاطها وإن كانت لغوا في عملها. وزيادة فائدة بدخولها: لأنهم أرادوا الفرق بين شبيهين: فإذا ادخلوا ما على حرف التشبيه أرادوا: أن أحد الشيئين وجوده حق كما أن وجود الآخر حق. وأن الشيئين في أنفسهما. كقولك " زيد فاسق كما أن عمر صالح " أردت أن هذا موجود وصحيح كما أن هذا موجود صحيح. وكذلك تقول: البساط تحتنا كما أن السماء فوقنا. أي: هذا حق كما أن هذا حق. وكذلك: الظلال فوقنا كما أن السماء فوقنا.
إذا أردت أنهما حقان. وإن أردت تشبيه أحدهما بالأخر قلت: " الظلال فوقنا كما أن
стр. 1362
السماء فوقنا " أي هما متشابهان في كونهما. ولم يرد أن هذا حق كما أن هذا حق.
وكان أبو العباس المبرد يجيز أن يكون " ما " مع كاف التشبيه لغوا وأن تكون مبنية معها. وقد ذكرت لك استدلال سيبويه على أنها لغو. ولم يقم دليل على غيره والفرق في: مثل ما أنك ذاهب " ومثل " أنك ذاهب بدخول " ما " كالفرق في الكاف ومعناهما: أعني: الكاف ومثل، ومذهبهما في دخول " ما " وخروجهما واحد. وسيبويه يذهب في قول النابغة الجعدي:
كأن يؤخذ المرء الكريم فيقتلا
إلى أن " ما " منه محذوفة وتقديره: كما أنه يؤخذ وخففت " أن " وحذفت " ما ".
قال أبو سعيد: هذا سهو من سيبويه صير تشبيه جملة بجملة ودفاعه اسم واحد وليس بجملة وقوله: " كأن يؤخذ المرء " ليس من الأشياء الواضحة الوجود فيشبه به تحقيق وجود شيء آخر. وإنما يصف النابغة خصومة جرت بين رجل من عشيرته مناظر عنها.
وبين خصوم له من قبائل أخرى يحضره ملك. وأن ذلك الملك كان ميله على عشيرته.
وأن المناظر عنهم ثبت لهم في المناظرة مع ميل الملك عليه وعلى ذلك قوله:-
لدى ملك غضبان أقبل مخفرا ... إليهم شديدا قسره متبسلا (١)
واخضرهم خصما شديدا ضريره ... بني دارم أهل البسول ونهشلا
وذو التاج من نسان ينصر جاهدا ... ليجعل فيها خدنا هو أسفلا
قروما تسامى عند باب دفاعه ... كأن يؤخذ المرء الكريم فيقتلا
يريد: دفاع الباب. وهو رده وحجبه لمن يريد الدخول. وطرده وهو مثل القتل في شدته. لأنه إذلال للمطرود المحجوب. ومعنى قوله " فما " لا يحذف في الكلام. يعني: من " كما " إذا أردت الضرب الذي ذكرناه من التشبيه كما لا تحذف من " أن " في " إما " التي بمعنى " أو " وقد ذكرنا حذف " ما " من " إما " في:
.. وإنّ من خريف فلن يعدما ..
قال أبو عثمان المازني: أنا لا أنشده إلا:
стр. 1363
كأن يؤخذ المرء الكريم فيقتلا ..
لأنها " أن " التي تنصب الأفعال دخلت عليها كاف التشبيه.
هذا باب من أبواب «إنّ»
تقول: قال عمرو: أن زيدا خبر منك وذلك لأنك أردت أن تحكي قوله. ولا يجوز أن تعمل (قال) في " أن ". كما لا يجوز لك أن تعملها في زيد وأشباهه إذا قلت:
قال زيد عمرو خير منك " فإن " لا تعمل فيها قال: كما لا تعمل " قال " فيما تعمل فيه " أن ". لأن " أن " تجعل الكلام شأنا. وأنت لا تقول: قال الشأن متفاقما كما تقول:
زعم الشأن متفاقما. فهذه الأشياء بعد " قال " حكاية ومثل ذلك: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ (١) وقال أيضا: قال الله: قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ (٢) وكذلك جميع ما جاء من ذا في القرآن.
وسألت يونس عن قوله: " متى تقول أنه منطلق " فقال: إذا لم ترد الحكاية.
وجعلت تقول مثل " تظن " قلت: متى تقول أنك ذاهب. كما أنه يجوز لك أن تحكي فتقول: متى تقول زيد منطلق. وتقول: " قال عمرو أنه منطلق " جعلت " الهاء " عمرا أو غيره فلا تعمل " قال ". كما لا تعمل إذا قلت: قال عمر وهو منطلق. " فقال " لم تعمل هاهنا شيئا. وإن كانت الهاء هي القائل. كما لا تعمل شيئا إذا قلت (قال) وأظهرت " هو " فقال لا تغير الكلام عن حاله قبل أن تكون فيه " قال " فيما ذكرنا. وكان " عيسى " يقرأ هذا الحرف فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (٣).
أراد أن يحكي. كما قال : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ (٤) كأنه قال والله أعلم: قالوا ما نعبدهم. ومثل ذلك كثير في القرآن.
وتقول: أول ما أقول أني أحمد الله كأنك قلت: أول قولي الحمد لله. وإن أردت أن تحكي قلت: أول ما أقول أني أحمد الله.
стр. 1364
قال أبو سعيد: قد ذكرنا أن ما بعد: " قال " بمنزلة كلام مبتدأ والاعتمال به حكاية لفظ اللافظ المحكى عنه. ومعنى
قوله: " فأن " لا تعمل فيها " قال " فينقلها من الكسر إلى الفتح كما لا تعمل في المبتدأ أو الخبر الذي تعمل فيه " أن " إذا قلت: " قال زيد عمرو خير الناس ". وقوله: لأن " أن تجعل الكلام شأنا وأنت لا تقول: قال الشأن: يعني أنك إذا قلت: " قال زيد أن عمرا خير الناس " تخرج عن حكاية كلامه. فصار بمنزلة عرف زيد شأن عمرو وفهمه. وقد مضى.
وزعم زيد الشأن متفاقما. وليس ذلك بحكاية أنما هو اعتقاد لأمر وليس بحكاية.
وقد مضى الكلام في نحوه.
وقوله: وتقول: قال عمرو أنه منطلق. فحق الحكاية أن تقول: قال عمرو أني منطلق وكذلك إذا قلت: قال عمرو هو منطلق فحق الحكاية أن تقول: قال عمرو أنا منطلق لأن هذا لفظه الذي لفظ به. ولهم قد يغيرون لفظ الغيبة إلى الخطاب ولفظ الخطاب إلى الغيبة؛ لأن ذلك أقرب إلى الأفهام. ولا يعد ذلك تغييرا. لأن الذي يقول: أن زيدا منطلق. ولو واجهة لقال: أنك منطلق ولم يكن ذلك مغيرا للكلام عن منهاجه.
ولو أن زيدا قال: " أن عمرا خير الناس " ثم واجهت أنت عمرا لجاز أن تقول: قال زيد أنك خير الناس يا عمرو.
وإذا قال: (أول ما أقول أني أحمد الله) ما أقول " مبتدأ " وأني أحمد الله (خبر) وتقديره: حمد الله. وليس بحكاية لفظ وإنما هو معنى ما في نفسه. واسميته والعبارة عنه:
حمد الله. وهو كقولك: أول أمري حمد الله والثناء عليه. ولو لم يقل: " أول " لقلت على ذلك. قولي أني أحمد الله. وقولي حمد الله وأمري أني أحمد الله. وأمري حمد الله. وإذا قال:
أول ما أقول: أني أحمد الله. " فأول ما أقول " مبتدأ " وأني أحمد الله " جعله في موضع الخبر.
ولوضعت في موضع الفعل فقلت أول ما أقول: (أحمد الله) لجاز لأنك إذا كسرت فقد جعلته اللفظ الذي يلفظ به ومعناه. وقد تقول: " أني أحمد الله " و " أحمد الله " بغير " إني " على طريق الحكاية.
وباقي الباب مفهوم هذا باب من أبواب «إن»
وذلك قولك: قد قاله القوم حتى أن زيدا يقوله " وانطلق القوم حتى أن زيدا
стр. 1365
لمنطلق " فحتى هاهنا معلقة. لا تعمل في " إن " كما لا تعمل إذا قلت: حتى زيد ذاهب فهذا موضع ابتداء و " حتى " بمنزلة " إذا " ولو أردت أن تقول: " حتى أن " في هذا الموضع كنت محيلا. لأن " أن " وصلتها هاهنا بمنزلة " الانطلاق " ولو قلت: " انطلق القوم حتى الانطلاق " " وحتى الخير " كان محالا. لأن " أنّ " تصير الكلام خبرا فلما لم يجز ذا حمل على الابتداء. وكذلك إذا قلت: مررت فإذا إنّه يقول وسمعت رجلا من العرب ينشد هذا البيت كما
أخبرك به:
وكنت أرى زيدا كما قيل سيّدا ... إذا إنه عبد القفا واللهازم (١)
فحال " إذا " هاهنا كحالها إذا قلت: " إذا هو عبد القفا واللهازم " وإنما جاءت " إن " هاهنا لأنك بهذا المعنى أردت كما أردت في " حتى " معنى حتى هو منطلق وإذا قلت: مررت فإذا أنّه عبد. تريد: مررت به فإذا العبودية واللؤم، كأنك قلت: مررت فإذا أمره العبودية واللؤم ثم وضعت " أن " في هذا الموضع جاز.
وتقول: قد عرفت أمورك حتى أنك أحمق كأنك قلت: عرفت أمورك حتى حمقك ثم وضعت " أن " في هذا الموضع. هذا قول الخليل وسألته عن قوله: (هذا حق كما أنك هاهنا) هل يجوز على ذا الحد كما أنك هاهنا؟
فقال: لا. لأن لا يبتدأ بها في كل موضع ألا ترى أنك تقول: يوم الجمعة أنك ذاهب ولا: كيف أنك صانع. و " كما " بتلك المنزلة.
قال أبو سعيد: قوله: وانطلق القوم حتى أن زيدا لمنطلق معناه. وانطلق القوم وزيد منطلق. وهي: " حتى " التي بمعنى: الواو. وتقع بعدها الجمل. ولذلك لم يجز أن تقع بعدها. " أن " مفتوحة. لأنها وما بعدها بمعنى المصدر. ولو قلت: انطلق القوم حتى انطلاق زيد لم يجز لأن ما بعد " حتى " إذا جعلت بمعنى الواو أو جعلت غاية من جنس ما قبلها.
ألا ترى أنك لا تقول: جاءني إخوتك حتى الحمار. وكذلك إذا أردت. " إذا " التي للمفاجأة. لأنها يقع بعدها الابتداء والخبر إلا أنه يجوز بعد. " إذا " الفتح والكسر جميعا.
فالكسر قولك: مررت به فإذا أنه يقول أن زيد خير منك. وكذلك قوله:
стр. 1366
... إذا إنّه عبد القفا واللهازم
وكسرها: لأن الابتداء والخبر يقع بعدها.
وفتحها: قولك: خرجت فإذا أنه عبد. على معنى: فإذا أمر العبودية.
فإن قال قائل: لم جاز في " إذا " الفتح والكسر ولم يجز في " حتى " إلا الفتح؟
قيل له: إنما جاز في " إذا " الوجهان لأن ما بعدها يجوز ألا يكون ما قبلها ولا بعضه. ويجوز أن يكون مصدرا وغير مصدر كقولك: " خرجت فإذا زيد قائم "، " وخرجت فإذا صباح زيد ". والذي يقول: " خرجت فإذا زيد قائم ".
ويقول: خرجت فإذا أن زيدا قائم والذي يقول: (خرجت فإذا صياح زيد) يقول: (خرجت فإذا زيد صائح) وحتى إذا لم تكن غاية لا يكون ما بعدها إلا عطفا على قبلها داخلا في معناه ولفظه. فإن قال قائل فإذا كسرتم " إن " بعد " إذا " فما موضع " إذا "؟ وما العامل فيها؟ وقد علمتم أنه لا يعمل خبر " إن " فيما قبل " إن "؟ قيل له: " إذا " حرف دخل لمعنى المفاجأة ولا عمل لها وهي في مذهب حروف العطف فمن حيث دخلت " إن " المكسورة بعد حروف العطف جعل دخولها بعد " إذا " ومن أجل ذلك جاز دخول " الفاء " عليها وخروجها منها.
أما دخولها: فلان " الفاء " للعطف وما بعدها معطوف على ما قبلها كعطف جملة على جملة. " وإذا " للمفاجأة واختصت بالدخول عليها الفاء من بين حروف العطف لأن ترتيب الثاني أن يكون بعد الأول في المعنى.
وأما إسقاط " الفاء " فأن حروف المفاجأة لما وردت بعد الفعل الأول دل على أنه عقيبه. ونظيره: دخول " الواو " على " لكن " في العطف وسقوطها كقولك: ما جاء في زيد لكن عمرو. " وما مررت بزيد لكن عمرو " ويجوز: ولكن عمرو. لأن " لكن " لما دلت على الاستدراك ولم يبتدأ بها أغنت عن حروف العطف.
وأما منعه أن يقال " كما أنك هاهنا " فلأن " أنت " مبتدأ " وهاهنا " خبره وهما جميعا بمنزلة المصدر. وكما يكون الفعل والفاعل مع " ما " بمنزلة المصدر. و " ما " في ذلك حرف وليست باسم وهي كان والفعل بعدها. غير أن " ما " يليها الاسم والخبر والفعل والفاعل " وإن " لا يليها إلا الفعل والفاعل.
وإنما يلي " ما " " إن " إذا كانت بمعنى " الذي " كقوله : وَآتَيْناهُ مِنَ
стр. 1367
الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ (١) وإذا كانت بمعنى المصدر لم يدخلها " إن " لأن أصلها أن يكون بعدها فعل وفاعل. والمبتدأ والخبر مجردين من الدواخل عليهما بمنزلة الفعل والفاعل. فلم يدخلوا " إن " من أجل ذلك.
ومن الدليل على أنه يقع المبتدأ والخبر في الموضع الذي لا يقع فيه " إن " قولهم:
" يوم الجمعة أنت ذاهب: وكيف أنت صانع؟ " وإنما جاز " يوم الجمعة أنت ذاهب " لأن الناصب (ليوم) هو " ذاهب " يعمل فيما قبل " أنت " كقولك: يوم الجمعة زيدا ضارب.؟
ولا يجوز زيدا أنك ضارب. وكذلك: " كيف " في موضع نصب على الحال والعامل فيه:
(صانع) فإذا قلت: (أنك صانع بطل) عمل " صانع " فيما قبل " أن ".
وباقي الباب مفهوم هذا باب آخر من أبواب «إن»
تقول: ما قدم علينا أمير إلا إنّه مكرم لي. لأنه ليس هاهنا شيء يعمل في " إن " ولا يجوز أن تكون " أنّ "، وإنما تريد
أن تقول: ما قدم علينا أمير إلا هو مكرم لي.
فكما لا تعمل في ذا لا تعمل في " أن " شئ ودخول اللام هاهنا يدلك على (ذلك) أنه موضع ابتداء قال الله : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ (٢) ومثل ذلك قول كثير:
ما أعطياني ولا سألتهما ... إلا وإنّي لحاجزي كرمي (٣)
وكذلك لو قال: إلا وأني حاجزي كرمي، وتقول: ما غضبت عليك إلا أنك فاسق كأنك قلت إلا لأنك فاسق، وأما قوله : وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ (٤) فإنما حمله على " ما منعهم "، وتقول: إذا أردت معنى اليمين: " أعطيته ما إنّ شره خير من جيد ما معك " " وهؤلاء إن أجبتهم لأشجع من شجعانكم " قال الله : وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ
стр. 1368
بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ (١) " فإن " صلة لما كأنك قلت: ما والله أن شره خير من جيد ما معك.
قال أبو سعيد: الحال إذا كانت بمبتدأ وخبر جاز بالواو وبغير الواو كقولك: جاء زيد وهو راكب وجاء زيد هو راكب ويجوز دخول " أن " على المبتدأ والخبر كقولك:
جاءني زيد وأنه ليفرق وجاءني زيد وأن أباه ينظر إليه وجاز أيضا إخراج " الواو " من " أن " كقولك: جاءني زيد أن أباه ينظر إليه. وتقع الحال بعد إلا مما قبلها بجملة وغير جملة.
فأما غير الجملة فقولك: ما جاء في زيد إلا راكبا. وما قدم علينا عمرو إلا أميرا.
وأما الجملة فقولك: " ما قدم علينا عمرو إلا هو أمير وإن شئت قلت: " إلا وهو أمير ".
وإن شئت قلت: إلا أنه أمير وإن شئت قلت: إلا وإنه أمير وإدخال اللام في خبر " إن " وإخراجها سواء. وقوله : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ (٢). تقديره: وما أرسلنا أحد من المرسلين. والمعنى: ما أرسلنا المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام.
والبيت الذي أنشده سيبويه. كان أبو العباس المبرد يرده على سيبويه ويقول: تقدير سيبويه في العربية صحيح
ولكنه غلط في معنى الشعر ويرويه:
ألا فإني حاجز كرمي
" إلا التي للتنبيه في أول الكلام " كأن أبا العباس ذهب إلى أنهما ما أعطياه وأنه ما سألهما ثم ابتدأ يصف نفسه بأنه يحجزه عن سؤالهما كرمه. ولو كانت إلا مكسورة وما بعدها كأنا قد أعطياه وسألهما في حال. كما حجزه كرمه.
وهذا لا يجوز عندي: لأن الحاجز من الكرم إنما يحجز عن السؤال وقبول العطية.
قال أبو سعيد: والذي عندي أن " إلا " أجود لأنها توجب أنهما أعطياه وأنه سألهما وما حجزه كرمه عنده أنه ما عاب أعطاه هما ولا ألح عليهما في مسألته وشعره يدل على ذلك.
стр. 1369
قال كثير:
دع عنك سلمى إذا فات مطلبهما ... واذكر خليليك من بني الحكم (١)
ما أعطياني ولا سألتهما ... إلا وأني لحاجزي كرمي
مبدي الرضا عنهما ومنصرف ... عن بعض ما لو سألت: لم ألم
لا أنزر المائل الخليل إذا ... ما اعتل نزر الظؤون لم ترم
إنّي متى لا تكن عطيته ... عندي بما قد فعلت احتشم
خليلاه من بني الحكم: عبد الملك وعبد العزيز ابنا مروان بن الحكم وكانا يعطيانه ويسألهما مشهور ذلك من فعله وفعلهما فقد تبين في هذه الأفعال ما قلناه. لأن قوله لا أنزر الخليل: لا ألح عليه في المسألة. فينفي عن مسألته ما يفتح من الإلحاح. وقوله:
أني متى لا تكون عطيته ... عندي بما قد فعلت احتشم
أي: ما لم استوجب عطيته يعني: يمدح له أو غير ذلك من وجود الاستجاب.
واحتشم واستحي من العطية. فقد دل على الإعطاء والسؤال. ولو كان ما قاله أبو العباس لم يكن عطاؤهما ومسألته لهما واقعا البته. ولم تكن الصورة على ذلك.
وإنما فتحت " أنّ " في: ما غضبت عليك إلا أنك فاسق " لأنها " في موضع اسم مخفوض أو منصوب كأنه قال:
لفسقك. وقوله : " إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا " في موضع رفع لأنه فاعل " منعهم " كأنه: ما منعهم عن قبول نفقاتهم إلا كفرهم.
وقد مضى من تفسير هذا الباب ما أغني عن إعادته
هذا باب آخر من أبواب «إن»
تقول: أشهد إنك لمنطلق " فأشهد " بمنزلة قوله: والله إنك لذاهب و " إن " غير عاملة فيها " أشهد ". لأن هذه اللام لا تلحق أبدا إلا في الابتداء.
ألا ترى أنك تقول: أشهد لعبد الله خير منك كأنه قال: والله لعبد الله خير منك. فصارت " إنّ " مبتدأة حين ذكرت " اللام " هاهنا ولم تكن إلا مكسورة كما أن
стр. 1370
" عبد الله " لا يكون هاهنا إلا مبتدأ. ولو جاز: أشهد أنك لذاهب لقلت أشهد بذلك.
فهذه اللام لا تكون إلا في الابتداء وتكون " أشهد " بمنزلة " الله " ونظير ذلك قول الله : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١)، وقال : فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٢)؛ لأن هذه توكيد. كأنه قال:
يحلف بالله أنه لمن الصادقين.
وقال الخليل: أشهد بأنك لذاهب غير واجب؛ لأن حرف الجر لا يعلق وقال:
أقول: (أشهد إنه لذاهب وإنه منطلق " اتبع آخره أوله. وإذا قلت: أشهد أنه ذاهب وأنه منطلق لم يجز إلا الكسر في الثاني لأن اللام لا تدخل أبدا على (أنّ) و (أن) محمولة على ما قبلها ولا تكون إلا مبتدأة باللام، ومن ذلك أيضا قد علمت أنك لخير منه " فأن " هاهنا مبتدأة. " وقد علمت " هاهنا بمنزلتها في قولك: " لقد علمت أيّهم أفضل " فعلقه في الموضعين جميعا. وهذه اللام تصرف " أن " للابتداء كما تصرف " عبد الله " للابتداء. في قولك: " لعبد الله خير ومنك " ف (عبد الله) هاهنا بمنزلة " أن " في أنه يصرف إلى الابتداء ولو قلت: قد علمت أنه لخير منك. لقلت: قد علمت لزيدا خيرا منك ورأيت لعبد الله هو الكريم فهذه " اللام " لا تكون مع " إنّ " ولا مع عبد الله. ألا وهما مبتدآن. نظير ذلك قول الله : وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٣) فهو هاهنا مبتدأ. ونظير " أن " مكسورة إذا لحقتها اللام قوله : وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (٤)، وقال : هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا
مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٥)، فإنكم هاهنا بمنزلة " أيّهم " إذا قلت: ينبئهم أيهم أفضل.
وقال الخليل مثله: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ (٦)، " فما "