الكلمتين، وجعل هذا دليلا على اختلاف الإعرابين، لاختلاف المعنيين ودليلا على اختلاف الإعرابين والمعنى واحد، واتفاق الإعرابين والمعنى واحد، واتفاق الإعرابين والمعنى مختلف، وهذا يذكر عن أبي العباس المبرّد، وكان ينكر الوجه الآخر، وهو أن يقول القائل: إن سيبويه أراد اختلاف الحركتين فقط، ويقول: لم يذهب إليه سيبويه.
قال أبو سعيد: والذي عندي في ذلك أن الذي قصده سيبويه على ما يتوجه القول في صحته- والله أعلم- أنه أراد الإبانة عن هذا المعنى بعينه، لا أنه جعله دليلا على شيء سواء، وذلك أن في الناس من يزعم أنه لا يجيء لفظان مختلفان إلا ومعناهما مختلف، علمناه أو جهلناه، وهو قول جماعة من النحويين، ويحكي هذا عن ثعلب عن ابن
الأعرابي، وإليه كان يذهب ثعلب فيما حكى لي، وعاب قوم من الناس اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين، وقالوا: هذا يوقع اللبس، فأراد سيبويه إبانة مذهب العرب، وجعلهم اللفظين مختلفين لمعنى واحد، واللفظين متفقين للمعنيين المختلفين.
فإن قال قائل: لم قلتم إنّ اللفظين قد يجوز أن يختلفا، ويكون معناهما واحدا؟
فإن الجواب في ذلك: إنا رأينا العرب، ربما يتكلم القبيل منهم بلفظ ما لمعنى بعينه، ويتكلم غيرهم بلفظ سواه، لذلك المعنى بعينه، كقول بني تميم: " ثلاث عشرة " وقول أهل الحجاز " ثلاث عشرة "، وكقول بعضهم للطلع " طلع " وبعضهم يقول للطلع بعينه " إغريض "، وأهل المدنية يقولون للزّئبق " زاووق " وغيرهم يقول: " زئبق " لذلك المعنى بعينه، فيما لا يحصى كثرة.
ورأينا العرب بعضهم يأخذ عن بعض، على حسب المخالطة لهم، والإلف لكلامهم، كمثل ما نعرفه من أنفسنا أنّا نتكلّم بلغة من اللغات في وقت، ثم ندعها ونألف غيرها، حتى يكون أكثر كلامنا بغيرها، إمّا أن يكون غيرها أخفّ منها لفظا، وإمّا أن نسمع قوما يتكلمون بها فنألفها على طول السّماع لها.
وليس تخرج اللغة الثانية اللغة الأولى أن تكون في معناها، فكذلك العربية، ومثل ذلك أن أهل العراق يسمّون البرّ " برّا " وأهل مكة يسمونها " حنطة " وأهل مصر يسمونها " القمح "، فلو أن عراقيّا أتى مكة فتكلم " بحنطة " ليفهموا عنه، فألفها، أو كلّم أهل مصر على لغتهم " بقمح " ثم ألف ذلك واعتاده، ما كان يتغيّر " البرّ " عنده عما كان، ولو أن قمحا حمل من مصر إلى مكة، لسمّوه بعينه حنطة، وهذا أبين من أن يطال فيه الكلام.
стр. 177
ويقال لمن يخالف هذا: أخبرنا عن قولهم: " عليهم " و " عليهم " و " عليهمو " و " عليهمو " و " عليهمى "، هل هذه الألفاظ المختلفة لشيء واحد، أو لأشياء؟ فإن قال لأشياء، فينبغي أن يكون الضمير العائد في " عليهم " يعود إلى قوم غير الذين عاد إليهم الضمير في " عليهم "، وهذا ما لا أظن أحدا يستجيزه؛ لأن الضمير يعود إلى ما تقدم وهم قوم بأعيانهم. ويلزمه أيضا أن تكون سائر اللغات في " عليهم " يختلف القوم الذين يعود إليهم الضمير.
وأما الذي عاب العرب في جعل المتفقين لمعنيين مختلفين، فهو المعيب عليه في عيبه، وذلك أنّا قد بيّنّا أن العرب لحاجتها إلى اتفاق القوافي في شعرها وانتظام السجع في خطبها وكلامها، جعلوا الإعراب دالا على معانيها باختلاف الحركات، فقدّموا وأخّروا للتوسيع في الكلام، وكذلك أيضا جعلوا للشيء الواحد أسماء، وللشيئين المختلفين لفظا واحدا، ولم يقتصروا على ذلك الاسم فقط حتى لا يكون للمعنيين المختلفين اسم غير هذا الواحد، ألا ترى أنّا إذا قلنا " العين " التي يبصر بها، وقلنا " العين " السحابة التي تنشأ من القبلة، فقد عبرنا عنها بلفظ آخر،
وقد عبرنا عنها بالعين، وكل ذلك فعلته العرب، لما ذكرنا فاعرف ذلك إن شاء الله.
وفي الباب من كلام غير سيبويه ما قد أتينا على شرحه، وبالله التوفيق.
هذا باب ما يكون في اللفظ من الأعراض
قال أبو سعيد: قوله: " من الأعراض " يعني ما يعرض في الكلام، فيجيء على غير ما ينبغي أن يكون عليه قياسه.
قال سيبويه: " اعلم أنهم مما يحذفون الكلم، وإن كان أصله في الكلام غير ذلك، ويحذفون ويعوضون، ويستغنون بالشيء عن الشيء الذي أصله في كلامهم أن يستعمل حتى يصير ساقطا، وسترى ذلك في بابه إن شاء الله ".
قال أبو سعيد: قوله: " مما يحذفون " أراد ربما يحذفون، وهو يستعمل هذه الكلمة كثيرا في كتابه، والعرب تقول: " أنت مما تفعل كذا " أي ربّما تفعل، وتقول العرب أيضا: " أنت مما أن تفعل كذا " أي من الأمر أن تفعل، فتكون " ما " بمنزلة الأمر، و " أن تفعل " بمنزلة الفعل ويكون " أن تفعل " في موضع رفع بالابتداء، وخبره " مما " وتقدير:
" أنت فعلك كذا وكذا من الأمر الذي تفعله ".
стр. 178
قال الشاعر في الوجه الأول:
وإنّا لممّا نضرب الكبش ضربة ... على وجهه تلقي اللّسان من الفم (١)
وقال آخر في المعنى الثاني:
ألا غنّنا بالزّاهريّة إنّني ... على النّأي ممّا أن ألمّ بها ذكرا (٢)
أي من الأمر أن ألم بها ذكرا، أي من أمري إلمامي بها.
قال سيبويه: " فمما حذف وأصله في الكلام غير ذلك: " لم يك " و " لا أدر "، وأشباه ذلك ".
قال أبو سعيد: أما قوله " لم يك " فأصله " لم يكن "؛ لأن الأصل فيه قبل دخول " لم " أن يقال: " يكون " فدخلت عليها " لم " فسكنت النون لدخول الجزم، والتقى ساكنان الواو والنون، فسقطت الواو لالتقاء الساكنين، وكثر في كلامهم هذا الحرف، لأنه عبارة عن كل ما كان ويكون، والنون تشبه- إذا كانت ساكنة- حروف المدّ واللّين؛ لأنها غنّة في الخيشوم. وقد ذكرنا شبهها بحروف المدّ واللّين فيما تقدم، فشبّهوها في هذا الموضع وقد دخل عليها الجازم بقولهم: " لم يغز " و " لم يرم " فإذا لقيها ألف ولام، أو ألف وصل، لم يكن فيها إلا الإثبات والتحريك، كقولهم: " لم يكن الرّجل عندنا " قال لله : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ (٣) وإنما لم يحذفوها إذا لقيها ساكن من قبل
أنها إذا تحرّكت لالتقاء السّاكنين، زال عنها شبه حروف المدّ واللّين، ويكون مخرجها من الفم لا من الأنف، فأقرّت على ما ينبغي لها.
فإن قال قائل: فينبغي أن يقال على قياس " لم يك ": " لم يص " و " لم يه " في " لم يصن " و " لم يهن "، قيل له: قد بيّنا أن القياس في " لم يكن " إثبات النون، وإنما شبّهوا النون بحروف المدّ واللّين، لما كثر في كلامهم هذا الحرف، وطلبوا خفّة اللفظ به، فالذي أوجب الحذف اجتماع معنيين: أحدهما شبه النّون بحروف المدّ واللين، والآخر كثرته في الكلام. وإذا انفرد أحدهما لم يجب الحذف، ولهذا نظائر: منها: أنّا نقول: " من الرّجل "
стр. 179
فنفتح النون، لالتقاء الساكنين، ثم يقول: " إن الله أمكنني فعلت " فنكسر النون لالتقاء الساكنين، وقبل كل واحدة منهما كسرة، وذلك من قبل أنّ " من " كثرت في كلامهم، وكثر دخولها على ما فيه الألف واللام، فطلبوا خفّة اللفظ بها، فلم يكسروا النون فتجتمع كسرتان مع كثرة اللفظ بها، ففرّوا إلى الفتح، وقلّت " إن " مع الألف واللام، فكسروها على ما ينبغي من الكسر لالتقاء الساكنين.
وقوله: " ولا أدر " كان ينبغي أن يقال: " لا أدري "؛ لأنه في موضع رفع، والأصل " لا أدري " فاستثقلت الضمة على الياء؛ لانكسار ما قبلها، فسكنت، فأشبهت بسكونها المجزوم؛ لأن المجزوم ساكن. فحذفوا الياء منها كما تحذف من المجزوم مع كثرة الكلام بها، ودلالة الكسر عليها.
فإن قال قائل: لم خص سيبويه هذا الحرف بالشّذوذ، ونحن نرى الياء قد تحذف من أواخر الأسماء والأفعال، إذا كان ما قبلها مكسورا في غير هذا الحرف، كما قرأ بعضهم: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ (١) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٢) والْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٣)؟
قيل له: إنما أراد سيبويه في هذا الموضع- والله أعلم وأحكم- أن يبيّن أن كثيرا من العرب، الذين لغتهم إثبات الياء في مثل هذا، يحذفونها من " لا أدر " ولغتهم: " لا أرمي " و " لا أبري " و " لا نشتري "، فخصوا هذا الحرف بالحذف لكثرته في كلامهم، وإن كان من لغتهم الإثبات.
ولقول سيبويه وجه آخر، وهو أنه أكثر من غيره في الحذف، فإن جاز في كل ما كان نظيرا لهذا الحرف حذف الياء
منه، فليس يخرجه ذلك من أن يكون على غير القياس، الذي ينبغي أن يكون الكلام عليه.
قال سيبويه: " وأما استغناؤهم بالشيء عن الشيء، فإنهم يقولون: يدع، ولا يقولون: ودع، استغنوا عنه بترك. وأشباه ذلك كثيرة ".
قال أبو سعيد: اعلم أن " يدع " في معنى " يترك " و " يذر " مثلها. غير أنهم يقولون:
стр. 180
" ترك يترك تركا فهو تارك "، ولا يقولون: " ودع يدع ودعا فهو وادع " ولا " وذر يذر وذرا فهو واذر " وإنما يقولون: " يدع " و " دع " في الأمر، و " يذر " و " ذر "؛ لأن الأمر مستقبل أيضا، وخصّوا المستقبل؛ لأن الكلام بالمستقبل أكثر منه بالماضي: لأن الاستقبال يصلح لزمانين، وفعل الأمر مستقبل أيضا، فكان استعماله فيما كثر أولى، وقد جاء في الشّعر ماضيا.
قال الشاعر، وهو أبو الأسود الدؤلي:
ليت شعري عن خليلي ما الذي ... غاله في الحبّ حتى ودعه (١)
وقال سويد أبي كاهل:
فسعى مسعاته في قومه ... ثم لم يبلغ ولا عجزا ودع (٢)
وقد قيل في البيتين جميعا إن " ودع " بمعنى: " ودّع " مخفف من التشديد.
قال سيبويه: " والعوض قولهم: زنادقة، وزناديق، وفرازنة وفرازين، حذفوا الياء وعوضوا الهاء ".
قال أبو سعيد: اعلم أن كل اسم على خمسة أحرف، ورابعها حرف زائد من حروف المدّ واللين؛ فإنك إذا جمعته جمع التكسير، فتحت أوّله، ودخلت ألف الجمع ثالثة، وكسرت ما بعد ألف الجمع، وقلبت ذلك الحرف الذي كان رابعا في الواحد ياء ساكنة، إن كان في الواحد واوا أو ألفا، وأقررته ياء إن كان في الواحد ياء كقولك في " صندوق ": " صناديق "، وفي " كرباس ": " كرابيس " وفي " قنديل ": " قناديل ". وهذا القياس المطّرد، وقد أبدلوا من هذه الياء هاء، فقالوا: " زنديق " و " زنادقة "، والأصل " زناديق " مثل " قنديل " و " قناديل "، وقالوا: " فرازنة " و " فرازين " والأصل " فرازين "؛ لأن الواحد " فرزان " مثل " سرحان " و " سراحين " و " كرباس " و " كرابيس ".
قال سيبويه: وقولهم: " أسطاع يسطيع، إنما هو أطاع يطيع، زادوا السّين عوضا من ذهاب حركة العين، وقولهم: اللهم، حذفوا " يا " وألحقوا الميم عوضا ".
قال أبو سعيد: أما قوله أسطاع يسطيع ومصدره إسطاعة، فإن فيه أربع لغات:
стр. 181
أسطاع يسطيع إسطاعة والألف في هذه مقطوعة في الفعل الماضي منه وفي المصدر، وحرف المضارعة مضموم؛ واستطاع يستطيع استطاعة، والألف موصولة في الفعل الماضي والمصدر والأمر وأول المستقبل مفتوح؛ واسطاع يسطيع اسطاعة، فالألف موصولة في الفعل الماضي والمصدر والأمر، وأول المستقبل مفتوح، واستاع يستيع استاعة، بوصل الألف فيهما. ومعنى الجميع القدرة على الشيء واشتقاقه من الطاعة؛ لأنك إذا استطعت الشيء، وقدرت عليه، فالشيء منقاد لك، فكأنه مطيع، وتصريف الفعل من ذلك.
أما أسطاع يسطيع، فأصله أطوع يطوع، ومن حكم أفعل في الفعل، إذا كان موضع العين منه واوا أو ياء أن تلقى حركة العين على الفاء، فتقلب الواو ألفا والياء ألفا، كقولك " أجار يجير وأقام يقيم " و " ألان يلين " والأصل: أقوم وألين، فألقوا حركة الياء والواو على ما قبلهما، وقلبتا ألفين؛ فلهذا القياس وجب أن يقال في " أطوع " " أطاع "، ثم زادوا السين في " أطاع " عوضا من إلقاء حركة الواو على الطاء.
وقد طعن قوم على سيبويه في قوله: زادوا السين عوضا من ذهاب حركة العين، والعين هي الواو في " أطوع "؛ لأنها عين الفعل؛ فقالوا: الحركة ما ذهبت، وإنما ألقيت على ما قبلها.
والجواب عن سيبويه: أنه أراد جعلوا السّين عوضا من ذهاب حركة العين من العين والحركة قد ذهبت منها، وإن وجدت في غيرها، فكأنّ تحصيله أنهم جعلوا السين عوضا من نقل الحركة.
ومن قال: " استطاع " فهو استفعل، من الطاعة، كما تقول: " استجار " و " استمال ".
ومن قال: " اسطاع " فإنه حذف تاء الاستفعال، لما كثر الكلام بهذا الحرف، وكان الطاء والتاء من مخرج واحد، وثقل موالاتهما بلا فاصل.
ومن قال: " استاع " فإن الأصل أيضا " استطاع " وحذف الطاء؛ لأن الطاء أثقل من التاء، لما فيها من الإطباق. وقال يعقوب بن السكيت: استاع واسطاع من القلب والإبدال، جعلوا التاء مكان الطاء؛ وهذا بعيد جدّا، وذلك أن قولنا:
اسطاع، إن لم نجعله من استطاع، خرج من أن يكون له نظير في الفعل، ولا يكون له اشتقاق، وهو قول فاسد
стр. 182
بيّن الفساد، ولم يجئ في استفعل حذف التاء الزائدة وفاء الفعل إلا في هذا الحرف، ولا يجيء التعويض من إلقاء حركة العين على الفاء إلا في أسطاع يسطيع، ونظيره " أهراق " " يهريق "، ولم يجئ غيرهما.
وفي " أهراق " ثلاث لغات: يقال: هراق يهريق هراقة، وأهراق يهريق إهراقة.
وأراق يريق إراقة؛ فمن قال: أهراق يهريق، فإن الأصل: أروق يروق، ثم ألقى حركة الواو- على ما قدمنا- على الراء، وقلب الواو ألفا، وعوض لنقل حركة الواو إلى الراء الهاء.
ومن قال: هراق يهريق، فإنه أراد به: أراق، فجعل مكان الهمزة هاء، كما قالوا إياك وهيّاك، وأما والله وهما والله.
فإن قيل فينبغي أن تسقط الهاء التي هي عوض من الهمزة في المستقبل، كما يسقطون الهمزة؛ لأنك تقول في المستقبل: يريق بإلقاء الهمزة التي في أراق.
قيل له: إنما حذفنا الهمزة في يريق من أراق، لئلا يجتمع همزتان في فعل المتكلم إذا قال أؤريق وأؤكرم، كما تقول: " أدحرج "، والهاء ليست كذلك، فإذا عوّضوا من الهمزة هاء في الماضي فإنّ المستقبل ليس يجتمع فيه همزتان، فيحتاج إلى حذف.
ومن قال: أراق يريق فهو بمنزلة أقام يقيم.
فإن قيل: لم كان العوض في أسطاع سينا، والعوض في أهراق هاء؟
فإن الجواب في ذلك أن يقال: السين والهاء هما من الحروف الزوائد والبدل، فإذا عوّضوا حرفا فقد وصلوا إلى ما أرادوا من التعويض، أي حرف كان؛ لأن الغرض التعويض، لا الحرف بعينه، ومع ذلك فمحتمل أن تكون زيادة السين للعوض في أسطاع، لأن يشاكل سائر اللغات فيها التي السّين مزيدة في بنائها، وزيادة الهاء في " أهراق " ليشاكل " هراق " الذي الهاء فيه مبدلة من الهمزة.
وأما قولهم: " اللهم " فإن الميم زيدت عوضا من " يا " وشدّدوا الميم، لأن يكون على عدة " يا "، لأن " يا " حرفان، وخصوا الميم؛ لأنها تقع زائدة في أواخر الأسماء نحو:
" زرقم " و " ستهم " و " دلقم ". ولا يقع هذا الحرف إلا في النداء.
وقال الفراء: إن الأصل في هذا الحرف: يا الله أمنّا بخير، وكثر في كلامهم حتى ألقوا الهمزة وطرحوا ضمتها على الهاء، وحذفوا حركة الهاء.
وهذا عند البصريين غير جائز، من قبل أن هذا الاسم يستعمل في المواضع التي
стр. 183
لا يحسن فيها هذا التقدير؛ من ذلك أنا نقول: اللهمّ أمّنا بخير، ولا نقول: يا الله أمّنا بخير، ونقول في الدعاء على غيرنا: اللهم عذّب الكفّار ودمّر عليهم، ولا يحسن في مبدأ مثل هذا الدعاء: يا الله أمنّا بخير عذّب الكفّار.
واحتج الفراء في إبطال من يقول: إن الميم عوض من " يا " بأن قال: قد يجيء في الشعر " يا " مع " اللهمّ " كقول الشاعر:
وما عليك أن تقولي كلّما ... سبّحت أو صلّيت يا اللهمّا
اردد علينا شيخنا مسلّما (١)
وهذا عند البصريين في ضرورة الشعر جائز أن يعوّضوا من حروف، ثم يردونه مع بقاء العوض، فمن ذلك قولهم: يا رجل، ويا غلامان، فتكون " يا " عوضا من الألف واللام، ويتعرّف المنادى بيا، كما يتعرف بالألف واللام، ثم يضطر الشاعر فيجمع بينهما، فمن ذلك قوله:
فيا الغلامان اللذان فرّا ... إيّاكما أن تكسباني شرّا (٢)
وقوله:
من أجلك يا التي تيمت قلبي ... وأنت بخيلة بالودّ عنّي (٣)
ومن ذلك أنهم جعلوا الميم في فم بدلا من الواو، ثم يضطر الشاعر فيردّ الواو مع بقاء الميم. قال الفرزدق:
هما نفثا في فيّ من فمويهما ... على النّابح العاوي أشدّ رجام (٤)
هذا باب الاستقامة من الكلام والإحالة
قال سيبويه: " فمنه مستقيم حسن، ومحال، ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، وما هو محال كذب ".
стр. 184
ثم فسر ذلك فقال: " فأما المستقيم الحسن، فقولك، أتيتك أمس، وسآتيك غدا ".
وهذا كما قال؛ لأن ظاهره مستقيم اللفظ، والإعراب غير دالّ على كذب قائله، وكذلك كل كلام تكلّم به متكلّم، فأمكن أن يكون على ما قال، ولم يكن في لفظه خلل من جهة اللغة والنحو، فهو كلام مستقيم في الظاهر، وقد تبيّن في مثل هذا أن قائله كاذب فيما قاله، فتحكم على كلامه أنه كذب غير مستقيم من حيث كان كذبا، إلا أنه مستقيم اللفظ. ويلحق بقوله: " حملت الجبل " و " شربت ماء البحر " و " صعدت السّماء " في أنه كذب، غير أن الذي استعمله سيبويه في المستقيم، أن يكون مستقيم اللّفظ والإعراب فقط، وعنى بالمستقيم اللفظ والإعراب أن يكون جائزا في كلام العرب؛ دون أن يكون مختارا.
ثم قال: " وأما المحال فأن تنقض أوّل كلامك، فتقول: أتيتك غدا، وسآتيك أمس ".
فهذا كلام محال. ومعنى المحال أنه أحيل عن وجهه المستقيم، الذي به يفهم المعنى إذا تكلّم به.
وزعم قوم أن المحال إنما هو اجتماع المتضادّات، كالقيام والقعود، والبياض والسواد، وما أشبه ذلك؛ قالوا: لأن المحال هو ما لا يصحّ وجوده، والكلام الفاسد الذي ذكرتموه من قول القائل: " أتيتك غدا "، " وسآتيك أمس " كلام موجود، على ما فيه من الفساد والخلل، والمحال لا يوجد.
والذي نقول في هذا، وبالله التوفيق: إنّ المحال هو الكلام الذي يوجب اجتماع المتضادات، وقولنا إن القعود والقيام اجتماعهما محال، إنما نريد به الكلام الذي يوجب اجتماعهما محال، قد أحيل عن وجهه، ألا ترى أنك تقول لمن تكلّم به: قد أحلت في كلامك، فالكلام هو المحال، كما أن الكلام هو الكذب.
ثم قال: " وأما المستقيم الكذب فقولك: حملت الجبل، وشربت ماء البحر، ونحوه ".
وإنما خصّ " حملت الجبل " و " شربت ماء البحر " بالكذب؛ لأن ظاهرهما يدلّ على كذب قائلهما، قبل التصفّح والبحث، وإلا فكل كلام تكلّم به، وكان مخبره على
стр. 185
خلاف ما يوجبه الظاهر فهو كذب، علم أو لم يعلم، كقول القائل: " لقيت زيدا اليوم " و " اشتريت ثوبا " إذا لم يكن الأمر على ما قال، فهو مستقيم كذب.
ثم قال: " وأما المستقيم القبيح، فأن تضع اللفظ غير موضعه، نحو قولك: " قد زيدا رأيت " و " كي زيد يأتيك ".
وإنما قبح هذا، لأنّ من حكم " قد " أن يليها الفعل، ولا يفارقها؛ لأنها جعلت مع الفعل بمنزلة الألف واللام مع الاسم، وكذلك " سوف " مع الفعل، فقبح أن يفصل بين " قد " وبين الفعل بالاسم؛ لما ذكرنا من شبه الألف واللام. و " كي " قد جعلت بمعنى " أن " أو بمعنى اللام، إذا قلت: " جئتك كي يأتيك زيد "، فهو بمعنى: ليأتيك زيد، ولأن يأتيك زيد، فحكم الفعل أن يليها دون الاسم؛ إذ كانت بمحل أن، فإيلاؤهم إياها الاسم وضع الكلام في غير موضعه.
فإن قال قائل: كيف جاز أن يسميه مستقيما قبيحا؟ وهل هذا إلا بمنزله قوله:
حسن قبيح؟؛ لأنّ المستقيم هو الحسن.
فإن الجواب في ذلك أن الكلام ينقسم قسمين: كلام ملحون، وكلام غير ملحون؛ فالملحون هو الذي لحن به عن القصد، وكذلك معنى اللّحن، إنما هو العدول عن قصد الكلام إلى غيره، وما لم يكن ملحونا فهو على القصد، وعلى النحو، ومن ذلك سمي النحو نحوا، والمستقيم من طريق النحو هو ما كان على القصد سالما من اللّحن، فإذا قال: " قد زيدا رأيت " فهو سالم من اللّحن، فكان مستقيما من هذه الجهة، وهو مع ذلك موضوع في غير موضعه فكان قبيحا من هذه الجهة.
ثم قال: " وأما المحال الكذب فهو أن يقول ": " سوف أشرب ماء البحر أمس ".
فهو محال كذب؛ فأما استحالته؛ فلاجتماع " سوف " و " أمس " فيه، وهما يتناقضان ويتعاقبان. وأما الكذب فيه، فإنا لو أزلنا عنه " أمس "، الذي يوجب المناقضة والإحالة لبقي كذبا. وكان الأخفش ينكر أن يقال في المحال صدق أو كذب. فأما إنكاره الصّدق فبيّن، وأما إنكاره أن يكون كذبا؛ فلأنّ الكذب نقيض الصّدق، والمحال لا يجوز أن يكون صدقا بحال، فإن استحال أن يقال فيه صدق بوجه من الوجوه، استحال أن يقال كذب.
قال أبو سعيد: والقول عندي ما قاله سيبويه، وذلك أنّ قائلا لو قال: " زيد جمع
стр. 186
بين القيام والقعود في حال "، كان قد خبّر باجتماع هذين المعنيين، وقد علمنا أن الاجتماع الذي خبر به على غير ما خبّر، والكذب إنما هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به، وإن كان ذلك الشيء مما لا يجوز فيه الصّدق البتّة، ألا ترى أنك تقول للمشرك الذي يدّعي أن لله شريكا في ملكه وسلطانه، جل الله وعز: إنه كاذب، وإن كان هذا لا يجوز أن يكون البتة، وكذلك الذي يقول: " إن لله ولدا " كاذب. قال الله :
لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١).
وقد ذكر سيبويه المحال في موضعين؛ فقال في أحدهما: " وأما المحال فأن تنقض أول كلامك، فتقول: " أتيتك غدا " و " سآتيك أمس ". وقال في الموضع الآخر: " وأما المحال الكذب فأن تقول: " سوف أشرب ماء البحر أمس " فقال في الموضع الأول: " فأما المحال " ولم يقل: المحال الكذب. وقال في الثاني: " المحال الكذب " غير أنه مثل الأول بشيء هو محال كذب أيضا، وإنما أبهم الأول؛ لأن المحال قد يكون كذبا وغير كذب، غير أن الذي يجمع ذلك كلّه تناقض اللفظ فيه.
فأما المحال الذي ليس بكذب، فاللفظ الذي يستحيل في الأمر، وفي الاستفهام، وفي: موضع لا يقع فيه الكذب؛
كقولك لمن تأمره: " قم أمس "، ولمن تستفهمه: " أستقوم أمس؟ " و " هل قمت غدا "؟ والمحال الكذب قد مرّ، فحصل من ذلك أن المحال على ضربين:
كذب وغير كذب. والكذب على ضربين: محال وغير محال.
وقال أبو الحسن الأخفش: ومنه الخطأ، وهو ما لا تعمّد فيه؛ نحو قولك: " ضربني زيد " وأنت تريد: " ضربت زيدا "، وهذا من جهة اللفظ مستقيم، فيقال فيه على قياس ما مضى: مستقيم خطأ، كما قيل: مستقيم كذب، ومستقيم قبيح.
هذا باب ما يحتمل الشّعر
قال سيبويه: " اعلم أنه يجوز في الشّعر ما لا يجوز في الكلام، من صرف ما لا ينصرف يشبّهونه بما ينصرف من الأسماء؛ لأنها أسماء كما أنها أسماء ".
قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه ذكر في هذا الباب جملة من ضرورة الشعر؛ ليري بها الفرق بين الشّعر والكلام، ولم يتقصّه؛ لأنه لم يكن غرضه في ذكر ضرورة الشاعر
стр. 187
قصدا إليها نفسها، وإنما أراد أن يصل هذا الباب، بالأبواب التي تقدمت فيما يعرض في كلام العرب ومذهبهم في الكلام المنظور والمنثور. وأنا أذكر ضرورة الشاعر مقسّمة بأقسامها، حتى يكون الشاذ منها مستدلا عليه بما أذكره إن شاء الله وبالله التوفيق.
اعلم أن الشّعر لما كان كلاما موزونا، تكون الزيادة فيه والنقص منه، يخرجه عن صحة الوزن حتى يحيله عن طريق الشعر المقصود مع صحّة معناه، استجيز فيه لتقويم وزنه من زيادة ونقصان وغير ذلك ما لا يستجاز في الكلام مثله، وليس في شيء من ذلك رفع منصوب ولا نصب مخفوض، ولا لفظ يكون المتكلم فيه لاحنا. ومتى وجد هذا في شعر كان ساقطا مطّرحا، ولم يدخل في ضرورة الشعر.
وضرورة الشعر على سبعة أوجه وهي: الزّيادة، والنّقصان، والحذف، والتّقديم، والتأخير، والإبدال، وتغيير وجه من الإعراب إلى وجه آخر على طريق التشبيه، وتأنيث المذكر وتذكير المؤنث.
فأما الزيادة، فهي زيادة حرف، أو زيادة حركة، أو إظهار مدغم، أو تصحيح معتلّ، أو قطع ألف وصل، أو صرف ما
لا ينصرف. وهذه الأشياء بعضها حسن مطّرد، وبعضها مطرد ليس بالحسن الجيد وبعضها يسمع سماعا ولا يطّرد.
فأوّل ذلك ما يزاد في القوافي للإطلاق، فإذا كانت القافية مرفوعة مطلقة، جاز إنشادها على ثلاثة أوجه: أحدها أن يجعل بعد الضمة واوا مزيدة.
كقول زهير:
صحا القلب عن سلمى وقد كان لا يسلو ... وأقفر من سلمى التعانيق فالثّقلو (١)
فتلحق آخر " الثّقل " واوا إتباعا لضمّة لام الثقل.
ويجوز أن يجعل مكان الواو التنوين فينشد:
... ... وأقفر من سلمى التعانيق فالثّقلن
وقد كنت من سلمى سنين ثمانيا ... على صير أمر ما يمرّ وما يحلو (٢)
стр. 188
ومن يجعل الإطلاق تنوينا فهو يقلب الواو الأصلية تنوينا، فيقول: ما يمرّ وما يحلن.
وكنت إذا ما جئت يوما لحاجة ... مضت وأجمّت حاجة الغد ما تخلو (١)
والوجه الثالث في الإنشاد أن ينشد البيت على خفّة من الإعراب، كقول جرير:
متى كان الخيام بذي طلوح ... سقيت الغيث أيّتها الخيام (٢)
فتسكن الميم إذا وقفت، وتضمّها بلا واو ولا تنوين إذا وصلت، فتقول: " أيّتها الخيام "
بنفسي من تجنّبه عزيز ... عليّ ومن زيارته لمام (٣)
فإذا وصل " لمام " نوّن، فقال: " لمام ".
ومن أمسى وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النّيام (٤)
والذي ينون في إنشاد المطلق، لا يقف على التنوين، وإنما ينوّنه في الوصل، والذي يزيد الواو للإطلاق، قد يقف عليها؛ لأنه ليس في الكلام شيء آخره تنوين في الوقف، وقد يكون الوقف على حرف يبدل من التنوين، ألا ترى
أنك تقول: " رأيت زيدا " فتبدل الألف من التنوين ولا يجوز: " رأيت زيدا " بالتنوين في الوقف، وبعضهم يقول: " هذا زيدو " و " مررت بزيدي " فيبدل من التنوين واوا أو ياء في الكلام، وليس أحد يقف على التنوين، فقد علمت أن الذي ينشد بالتنوين، لا يقف عليه منونا.
وإذا كانت القافية مطلقة مخفوضة، ففيها الأوجه الثلاثة، غير أنهم يجعلون مكان الواو في المرفوع، ياء في المخفوضة، كقول الأعشى:
ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي فما يرّدّ سؤالي
دمنة قفرة تعاورها الصّي ... ف بريحين من صبا وشمال (٥)
стр. 189
وإذا كانت منصوبة، ففيها تلك الأوجه، وتجعل مكان الواو في المرفوعة، ألفا فيها، كقول الأعشى:
استأثر الله بالوفاء وبال ... حمد وولي الملامة الرّجلا (١)
وإنما جازت هذه الزيادة في الشعر في القوافي؛ لأنهم يترنّمون بالشعر، ويحدون به، ويقع فيه تطريب، لا يتمّ إلا بحروف المدّ، وأكثر ما يقع ذلك في الأواخر، وكان الإطلاق بسبب المدّ الواقع فيه للترنّم.
وقد شبهوا مقاطع الكلام المسجّع، وإن لم يكن موزونا وزن الشّعر بالشّعر في زيادة هذه الحروف، حتى جاء ذلك في أواخر الآي من القرآن، كقوله تعالى: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٢) وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (٣) قَوارِيرَا. قَوارِيرَا (٤) و " قوارير " لا ينصرف، وقد أثبت في الوقف منها ألفا؛ لأنها رأس آية. وهذا مذهب أبي عمرو.
وبعضهم ينون الأول من " قوارير " تشبيها بتنوين القوافي، على مذهب من ينشدها منوّنة.
وهذه الزيادة غير جائزة في حشو الكلام، وإنما ذكرناها؛ لاختصاص الشّعر بها دون الكلام، وهي جيّدة مطّردة، وليست تخرجها جودتها عن ضرورة الشّعر؛ إذ كان جوازها بسبب الشّعر.
ومن ذلك صرف ما لا ينصرف، وهو جائز في كلّ الأسماء، مطرد فيها؛ لأنّ الأسماء أصلها الصّرف ودخول التنوين عليها، وإنما تمتنع من الصرف، لعلل تدخلها، فإذا اضطر الشاعر ردّها إلى أصلها، ولم يحفل بالعلل الدّاخلة عليها، والدليل على ذلك: أن ما لا أصل له في التنوين لا يجوز للشاعر تنوينه للضرورة، ألا ترى أن الشاعر غير جائز له تنوين الفعل؛ إذ كان أصله غير التنوين، وليس يردّه بتنوينه إلى حالة قد كانت له.
فمما جاء منوّنا مما لا ينصرف قول النابغة:
فلتأتينك قصائد وليركبن ... جيش إليك قوادم الأكوار (٥)
стр. 190
فنون " قصائد " وهي لا تنصرف. وقال أبو كبير:
ممّن حملن به وهنّ عواقد ... حبك النّطاق فعاش غير مهبّل (١)
فصرف " عوائد " وهي لا تنصرف.
وقال الكسائي والفراء: يجوز صرف كل ما لا ينصرف إلا " أفعل منك " نحو:
" زيد أفضل منك " فإنهما لا يجيزان صرفه في الشّعر، وزعما أن " من " هي التي منعت من صرفه.
وأبي أصحابنا البصريون ذلك، فأجازوا صرفه، وذكروا أن العلّة المانعة لصرف " أفضل منك " وزن الفعل، وأنه صفة، فيصير بمنزلة " أحمر " فكما جاز صرف " أحمر " في الضرورة، جاز صرفه، وليس " لمن " في منع صرفها تأثير؛ لأنهم قد قالوا: " زيد خير منك " و " شرّ منك " فينونون لمّا لم يكن على وزن أفعل، ولم يمنعوهما الصرف بدخول " من " عليهما.
ومما جاء من صرف ما لا ينصرف، على غير البناء الأول قول أمية بن أبي الصلت:
فأتاها أحيمر كأخي السّه ... م بعضب فقال كوني عقيرا (٢)
فصرف " أحيمر ".
وقد ينوّن أيضا ما بني من الأسماء، التي قد استعملت منونة في حال، إذا اضطر الشاعر إليه، كقولك: " يا زيد " في ضرورة الشّعر، قال الشاعر:
سلام الله يا مطر عليها ... ولي عليك يا مطر السّلام (٣)
وينشد بالنصب، فيمن نصب ردّ الكلمة إلى أصلها؛ لأن الأصل في النداء منصوب. ومن رفع ونوّن، زاد التنوين على لفظه، كما تفعله فيما لا ينصرف من المرفوع.
واعلم أن ما لحقه التنوين مما لا ينصرف في ضرورة الشّعر، لحقه الجرّ؛ لأنه يردّ الكلمة إلى أصلها، فتحرّكها بالحركة التي تنبغي لها، كقول النابغة:
стр. 191
إذا ما غدوا بالجيش حلّق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب (١)
فخفض " عصائب " لما ردّها إلى أصلها.
وقد أجاز الكوفيون والأخفش ترك صرف ما ينصرف وأباه سيبويه وأكثر البصريين؛ لأنه ليس يحاول بمنع صرف ما ينصرف أصل يردّ إليه.
وأنشدوا في ذلك أبياتا كلها تتخرّج على غير ما أوّلوه، وتنشد على غير ما أنشدوه. فمن ذلك إنشادهم قول عباس بن مرادس السلمي:
فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع (٢)
فلم يصرف " مرداسا " وهو أبوه، وليس بقبيلة.
ومن ذلك أيضا قول الآخر:
وممّن ولدوا عامر ذو الطول وذو العرض (٣)
فلم يصرف " عامرا " ولم يجعله قبيلة؛ لأنه قد وصفه فقال: " ذو الطول وذو العرض " ولو كان قبيلة، لقال: ذات الطّول وذات العرض.
وأنشدوا أيضا:
ومصعب حين جدّ الأم ... ر أكثرها وأطيبها (٤)
فأما بيت عباس بن مرادس، فإن الرواية عند أصحابنا:
" يفوقان شيخي في مجمع "
وشيخه هو مرادس، ورأيت في شعر عباس بن مرادس في نسخة عمرو بن أبي عمرو الشيباني: " يفوقان شيخي ".
وأما: " عامر ذو الطول وذو العرض " فإن عامرا أبو القبيلة فيجوز أن يعني بلفظه القبيلة، فلا يصرف. ثم يردّ الكلام إلى لفظه، فيصرف، كما قال : أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٥) فصرف الأول، وترك صرف الثاني، على قراءة
стр. 192
أكثر القرّاء، فصرف الأول على لفظ أبي القبيلة، وترك صرف الثاني؛ لأنه أريد بلفظه القبيلة نفسها.
قال الشاعر في هذا المعنى:
قامت تبكّيه على قبره ... من لي من بعدك يا عامر
تركتنى في الدار ذا غربة ... قد ذلّ من ليس له ناصر (١)
فأنث المبكّية، وحكى عنها أنها قالت لعامر: تركتني في الحيّ ذا غربة، وكان حكمها أن تقول: ذات غربة، ولكنه ردّ الكلام إلى معنى الإنسان؛ لأنها إنسان، فكأنها قالت: تركتني إنسانا ذا غربة. وكذا قوله: ذو الطول وذو العرض، ردّه إلى نفس عامر.
وأما قوله: " ومصعب حين جدّ الأمر "، فإن أصحابنا يروونه: " وأنتم حين جدّ الأمر " وقد يروى في نحو هذا بيت لدوسر بن دهبل القريعيّ:
وقائلة ما بال دوسر بعدنا ... صحا قلبه عن آل ليلى وعن هند (٢)
والجيّد الصحيح في إنشاد هذا البيت: " وقائلة ما للقريعي بعدنا ".
قال أبو سعيد وكان ابن السّرّاج يقول: لو صحّت الرواية في ترك صرف ما ينصرف، ما كان بأبعد من قولهم:
فبيناه يشري رحله قال قائل ... لمن جمل رخو الملاط نجيب (٣)
فإنما هو: " فبينا هو يشري رحله " فحذف الواو من هو، وهي متحركة من نفس الكلمة، وليست بزائدة، فإذا جاز أن يحذف ما هو من نفس الحرف، جاز أن يحذف التنوين، الذي هو زائد، للضرورة.
قال أبو سعيد: والذي قاله وجه، غير أن حذف التنوين عندي، وإن كان زائدا أقبح من حذف الواو في " هو "؛ لأن التنوين علامة تفرّق بين ما ينصرف وما لا ينصرف، وسقوطه يوقع اللّبس، وحذف الواو من " هو " لا يوقع لبسا، ولا يلحقه بغير بابه.
وممّا زيد عليه حرف للضرورة قولهم في الشعر: " رأيت جعفرّا " و " مررت بجعفر " و " هذا جعفرّ "، وذلك أنهم يقولون في الوقف: " هذا جعفرّ " و " مررت بجعفرّ " ليدلّوا على
стр. 193
أن آخره متحرّك في الوصل؛ لأنهم إذا شدّدوا اجتمع ساكنان في الوقف، الحرف الذي كان في الأصل، والحرف المزيد، وقد علم أن الساكنين لا بدّ من تحريك أحدهما في الوصل، فشدّدوا؛ ليدلّوا بالتشديد على التحريك في الوصل. وإنما يفعلون هذا فيما كان قبل آخره متحرّك مثل: " خالد " و " جعفر " إذا وقفوا عليه، ولا يفعلون في زيد وعمرو، لئلا تتوالى ثلاثة سواكن، فإذا وصلوا ردّوا الكلام إلى أصله فقالوا: " مررت بجعفر يا فتى "، و " هذا جعفر فاعلم " استغنوا عن التشديد بتحريك آخره؛ إذ كانوا إنما شدّدوه؛ ليدلّوا على التحريك في الوصل، فإذا اضطر الشاعر إلى تشديده في الوصل شدّده، وأجراه مجراه في الوقف فقال: " رأيت جعفرّا " و " مررت بجعفرّ " و " هذا جعفرّ ".
قال الشاعر:
مهر أبي الحبحاب لا تشلّي ... بارك فيك الله من ذي ألّ
ومن موصّى لم يضع قيلا لي ... خوارجا من لغط القسطلّ
إذ أخذ القلوب بالأفكلّ (١)
وإنما هو: " الأفكل "، و " القسطل " مخففان.
ونظير هذا قولهم: " الضّاربونه والقاتلونه " إذا وقفوا عليه، يزيدون الهاء، لبيان حركة النون، وكذلك كلّ حركة ليست للإعراب يجوز أن تلحقها هذه الهاء؛ فتقول:
" أينه "، و " كيفه " في الوقف. فإذا اضطر الشاعر جاز أن يجرى هذه الهاء في الوصل مجراها في الوقف، ويجعلها كهاء من نفس الكلمة داخلة للضمير.
قال الشاعر:
هم القائلون الخير والآمرونه ... إذا ما خشوا من معظم الأمر مفظعا (٢)
وقال آخر:
ولم يرتفق والنّاس محتضرونه ... لديه وأيدي المعتفين رواهقه (٣)
والصحيح الجيد في هذا أن تكون الهاء هي هاء الوقف، وجعلها في الوصل على
стр. 194
حكمها في الوقف وحرّكها كما قال: " القسطلّ " و " الأفكلّ ".
وقال بعضهم: هذه الهاء هي ضمير المفعول، وضمير المفعول متى اتصل باسم الفاعل لم يجز فيه إلا حذف التنوين في الواحد والنون في الاثنين والجماعة، ألا ترى أنك تقول هذا ضاربك، وهذان ضارباك، وهؤلاء ضاربوك، ولا يقال: هذا ضاربك، وهذان ضاربانك، غير أن سيبويه قد أجاز هذا في ضرورة الشعر. وأنشد البيتين اللذين أنشدنا، وضعّفهما وجعلهما موضوعين.
ومن ذلك أنهم قد يزيدون في آخر الاسم نونا مشدّدة؛ كقولهم في " القطن ":
" قطننّ " وهذا من أقبح الضرورة.
وقال الراجز:
كأن مجرى دمعها المستنّ ... قطننّة من أجود القطننّ (١)
ويروي: القطنّ فزادوا نونا أخرى في القطنّة، وأصلها بنون واحدة، وإنما زادها إتباعا للنون الأولى، وستقف على ما يزاد للإتباع، إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك قول الراجز لابنه:
أحبّ منك موضع الوشحنّ ... وموضع الإزار والقفنّ (٢)
والأصل: الوشح: جمع وشاح، والقفا. وزاد نونا مشددة، وفتح لها ما قبلها، تشبيها بالنون المشدّدة، التي تزاد في آخر الأفعال للتأكيد، وكسرها بحقّ الاسمية، كما تدخل هاء التأنيث فيفتح لها ما قبلها، ثم تعرب هي. ودخلت هذه النون على " قفا " فالتقى ساكنان، الألف التي في " قفا "، والنون الأولى من النونين، وليس زيادة النون في هذين البيتين، كزيادتها فيما قبل.
وأما زيادة الحركة، فإنهم قد يحرّكون الحرف الساكن بحركة ما قبله، إذا اضطرّوا إلى ذلك، فمن ذلك قول رؤبة:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق ... مشتبه الأعلام لمّاع الخفق (٣)
وإنما هو: " الخفق "، فحرك الفاء، بحركة الخاء.
стр. 195
ومثله قول زهير:
ثم استمروا وقالوا إنّ موعدكم ... ماء بشرقيّ سلمى فيدأو ركك (١)
واسم الماء- فيما ذكروا: ركّ، فاضطرّ الشاعر إلى تحريك الكاف الأولى، بحركة الراء، ومثله في هذه القصيدة:
كما استغاث بسيء فزّ غيطلة ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك (٢)
وإنما هو: " الحّشك " ومعناه: الدّرّة، وامتلاء الضرع، من قولك: حشك يحشك حشكا. قال الهذلي:
إذا تجرّد نوح قامتا معه ... ضربا أليما بسبت يلعج الجلدا (٣)
فكسر اللام من " الجلد " إتباعا للجيم، والقصيدة من الضرب الأول من البسيط، موضع اللام من " الجلد " متحرّك.
وأولها:
ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما ... لا ترقدان ولا بؤسى لمن رقدا (٤)
وأما قول الراجز:
علّمنا أخوالنا بنو عجل ... شرب النبيد واعتقالا بالرّجل (٥)
فليس من هذا الباب، وإنما هو من باب إلقاء حركة الحرف الأخير على الساكن الذي قبله، وهو جيّد بالغ في الكلام والشّعر، كقولك: " مررت ببكر "، " وهذا بكر "؛ كقول أوس:
... ... كما طرّقت بنفاس بكر (٦)
أراد: " بكر " ومثله:
عجبت والدّهر كثير عجبه ... من عنزيّ سبّني لم أضربه (٧)
стр. 196
وإنما هو: " أضربه " في الوصل، فألقي ضمة الهاء على الباء.
ومن ذلك زيادة الحركة على ما ينبغي أن يكون استعمال اللفظ عليه، وهو إظهار المدغم؛ كقولك في " رادّ ": " رادد "؛ لأنه فاعل، فأدغمت الدال الأولى في الثانية، لأن تنطق بهما في مرة واحدة طلبا للتخفيف، ولأنه يثقل أن يتكلم بالحرف ثم يعاد إليه فيتكلم به من غير فاصل. وستقف على علة استثقال ذلك إن شاء الله تعالى.
فإذا اضطر شاعر رده إلى الأصل، فأظهره وحرّكه بما يكون له من الحركات، فمن ذلك قول قعنب بن أمّ صاحب:
مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقي ... أنّي أجود لأقوام وإن ضننوا (١)
والذي يستعمل: ضنّوا فردّه إلى أصله؛ إذا كان أصله: ضنن، فمن ذلك:
الحمد لله العليّ الأجلل (٢)
والذي يستعمل: الأجلّ. ومنه:
تشكو الوجى من أظلل وأظلل (٣)
أراد: من أظل وأظلّ
ومن نحو هذا: تحريك المعتلّ فيما حقّه أن يكون اللفظ به على السّكون، ورده إلى أصله في التحريك الذي ينبغي له مع ما فيه من الاستثقال، لتقويم اللّفظ، فمن ذلك قول ابن قيس الرقيات:
لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلا لهنّ مطّلب (٤)
ومنه قول جرير:
فيوما يجارين الهوى غير ماضي ... ويوما ترى منهنّ غولا تغوّل (٥)
وإنما الوجه ألا تكسر الياء المكسورة ما قبلها، ولا تضمّ؛ لاستثقال الضم والكسر عليها وإن كانت النية فيها التحريك، فكان الوجه: لا بارك الله في الغواني، بتسكين الياء
стр. 197
وغير ماض، بسقوط الياء لدخول التنوين؛ لأنها تسكن والتنوين ساكن، فتحذف لالتقاء الساكنين.
وأما قول جرير؛ فإن أكثر رواة الشعر ينشدونه: " غير ما صبى "؟ والمعنى: يجارين الهوى بالحديث والمجالسة، دون التخطي إلى ما لا يجوز.
ومن ذلك قوله:
ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت بني لبون بني زياد (١)
والوجه فيه: " ألم يأتك " تسقط للجزم الياء؛ لأنها ساكنة في الرفع غير أن الشاعر إذا اضطر جاز له أن يقول: " يأتيك " في حال الجزم، إذا كان من قوله: يأتيك في حال الرفع فلحق هذه الضرورة جزم أسكنها، وكان علامة
الجزم حذف الضمة.
وفي الناس من يتأوله على غير هذا فيقول: نحن إذا قلنا: " يأتيك " في حال الرفع تقدّر ضمّة محذوفة، فإذا جزمناه قدرنا حذف تلك الضمة، وإن لم يظهر شيء من ذلك في اللفظ، كما تقول: " رأيت العصا " و " مررت بالعصا "، " وهذه العصا " فتكون في النيّة حركات مختلفة لا تظهر في اللفظ ويشدّ هذا قراءة ابن كثير: " إنّه من يتّقي ويصبر " في بعض الروايات عنه. وهذا قليل في الكلام جدّا.
وهذا النحو قول عبد يغوث بن وقّاص الحارثي:
وتضحك مني شيخة عبشميّة ... كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا (٢)
ويروى: " ترى " على خطاب المؤنث؛ فمن قال: " ترى " على الخطاب، فلا ضرورة فيه، ومن قال: " ترى " فهو على التقدير الثاني في البيت الذي قبله، وهو أنه جعل الجزم حذف الحركة المنويّة في الألف.
فإن قال قائل: فقد قرأ حمزة: لا تخف دركا ولا تخشى (٣) وليس في القرآن ضرورة.
قيل له: في ذلك وجهان سوى هذا، أحدهما: أنه جعل الأول نهيا، والثاني خبرا،
стр. 198
كأنه قال: ولا تخف دركا وأنت لا تخافه امتثالا لما أمرناك به، وانزجارا عمّا زجرناك عنه، ومثله كثير في الكلام.
والوجه الثاني: أن تكون الألف في: " تخشى " زيدت لإطلاق الفتحة إذ كانت رأس آية كما تزاد في القوافي والكلام المسجوع.
مثل الآية قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (١) يجوز أن يكون خبرا كأنه قال:
سنقرئك ونزيل عنك النسيان، فلست تنساه، وذلك أنه ﵇ قد كان قبل نزول هذه الآية يتلقى الوحي بإعادة ما أوحي إليه قبل استتمامه مخافة النسيان، ويعجل في تلقّيه، فنهاه الله تعالى عن ذلك بقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ (٢) وبشره بأنّه لا ينساه، فهذا وجه.
والوجه الثاني: لا يكون نهاه عن التشاغل والإهمال المؤديين إلى النسيان لما أقرئ؛ لأن النسيان ليس هو بفعل النّاسي، فينهى عنه، وإنما هو من فعل الله تعالى، يحدثه عند إهمال ما ينسى وترك مراعاته.
وفي الآيتين التقدير الذي ذكرناه في البيتين، وفي القراءة المروية عن ابن كثير.
واعلم أن الاعتلال قد يلحق البناء الذي لا ينصرف، ولا يدخله التنوين؛ فيدخله التنوين بسبب لحاقه؛ فمن ذلك: " جواري " وبابها ومن ذلك رجل يسمى " بيرمي " و " يعيلي " والوجه في ذلك في حال الرفع والجر أن يقال: " مررت بجوار " و " هذه جوار يا فتى " و " مررت بيرم "، " وهذا يرم يا فتى " ومثاله من الصحيح: " مررت بضوارب " و " هؤلاء ضوراب " و " مررت بيزيد " " وهذا يزيد "، غير أن الياء لما انكسر ما قبلها وأسكنت دخل البناء نقصان، فلزمه هذا التغير؛ لعلل سنذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى.
فإذا اضطر الشاعر فحرك هذه الياء في حال الرفع والجر لزمه أن لا يصرف إلا أن يضطر إلى الصرف، فيجريه مجرى ما لا ينصرف إذا اضطر إلى صرفه، فمن ذلك قول الفرزدق:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكنّ عبد الله مولى مواليا (٣)
стр. 199
وكان الوجه أن يقول: مولى موال ويلغي الياء لسكونها وسكون التنوين، فلمّا اضطرّ إلى تحريكها لم يصرف لتمام حركات البناء المانع من الصرف.
وقال آخر:
قد عجبت مني ومن يعيليا ... لما رأتني خلقا مقلوليا
أراد: " من يعيل " والكلام فيه كالكلام في الذي قبله؛ لأن " يعيلى " لا ينصرف مثاله من الصحيح لأنه يفيعل، وهو تصغير " يعلي ".
وربما حملهم على هذا الفرار من الزّحاف في الشعر، وإن كان البيت يتقوم في الإنشاد على ما ينبغي أن يكون عليه الكلام؛ فمن ذلك قول المنتخل:
أبيت على معارى فاخرات ... بهن ملوّب كدم العباط (١)
ولو أنشد: على معار، لكان مستقيما غير أنه يصير مزاحفا؛ لأن الجزء على " مفاعلتن " من الوافر، فيسكن خامسه ويصير على " مفاعيلن ". ويسمى هذا الزحاف:
العصب. وذكر المازني أنه سمع أعرابيّا ينشد: أبيت على معار فاخرات، واحتمل قبح الزحاف لاستواء الإعراب.
وقال آخر:
ما إن رأيت ولا أرى في مدّتي ... كجواري يلعبن في الصّحراء (٢)
فجمع بين ضرورتين، إحداهما: أنه كسر الياء في حال الجرّ، والثانية: أنه صرف ما لا ينصرف، وقد ينشد هذا البيت بالهمز: كجواري، وأنا مبين ذلك في باب البدل من ضرورة الشاعر إن شاء الله تعالى.
... ... سماء الإله فوق سبع سمائيا (٣)
فأتى بثلاثة أوجه من الضرورة، منها:
أن " سماء " ونحوها يجمع على " سمايا " كما تجمع " مطيّة " على " مطايا " و " خطيّة " على " خطايا " فجمعه على " سمائي " كما تجمع " سحابة " على " سحائب " وإنما يجمع هذا
стр. 200
الجمع في الصحيح دون المعتلّ.
ثم حرّك الياء في حال الجرّ، وكان حكمه أن يقول: " سبع سماء " كما تقول: " سبع جوار " بحذف الياء، لدخول التنوين.
والثالث: أنه جمع " سماءة " على " سمائي " كما تجمع " سحابة " على " سحائب "، والعرب لا تجمع " سماءة " على هذا الجمع، إنما تقول: " سماءة " و " سماء " كما تقول:
" سمامة " و " سمام "، مثل " تمرة " و " تمر " و " سماوة " و " سموات "، كما تقول: " سمامة " و " سمامات ".
على أن جماعة من النحويين منهم يونس وعيسى بن عمر والكسائي يرون أن ما كان من المعتل الذي لا ينصرف إذا سمّي به، يجعل خفضه كنصبه من غير ضرورة، بل هو الحق عندهم: فيقولون في رجل اسمه " جوار ": " مررت بجوارى " قيل: ولا ضرورة عندهم فيه.
ومن ذلك قطع ألف الوصل، وأكثر ما يكون في أوّل النصف الثاني من البيت.
قال حسان:
لتسمعنّ وشيكا في دياركم ... ألله أكبر يا ثارات عثمانا (١)
فقطع الألف في قوله " الله أكبر ".
وقال آخر:
ولا يبادر في الشّتاء وليدنا ... ألقدر ينزلها بغير جعال (٢)
وكان بعض النحويين يزعم أن الألف واللام للتعريف هما جميعا بمنزلة " قد " وأن الألف قد كان حكمها أن لا تحذف في الكلام، غير أنهم حذفوها لما كثرت استخفافا لا على أنها ألف وصل. وقائل هذا ابن كيسان واحتج بقطعهم إياها في أوائل الأنصاف الأخيرة من الأبيات.
ولا حجة له في هذا عندي؛ لأنهم قد يقطعون غير هذه الألف، من ذلك قول الشاعر:
стр. 201
لا نسب اليوم ولا خلّة ... إتسع الخرق على الرّاقع (١)
فقطع ألف " اتّسع "، وليس هي مع اللام.
وإنما يكثر هذا في النّصف الأخير؛ لأنهم كثيرا يسكتون على النّصف الأول، فيصير كأنّه مبتدأ.
قال قيس بن الخطيم:
إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه ... بنشر وإفشاء الحديث قمين (٢)
فقطع الألف من " الاثنين " في حشو البيت قبل النصف الأخير.
فإن قال قائل: إذا جاز في الشعر قطع ألف الوصل، وهي زيادة، فلم لا يجوز مد المقصور عندكم، وقد قلتم إنّ الذي أبطل مدّ المقصور أنه زيادة، وليس للشاعر أن يزيد في الكلام ما ليس منه؟
فإنّ الجواب في ذلك: أنّ ألف الوصل قد يكون لها حال تثبت فيها وهي أن تكون مبتدأ بها، فإذا اضطرّ الشاعر، ردّها إلى حال قد كانت لها، كما يصرف ما لا ينصرف، فيردّه إلى أصله في الصرف، وليس كذلك مدّ المقصور؛ لأنه لا أصل له في ذلك. فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
وقد تزيد العرب في الشعر ياء في الجمع، فيما ليس حكمه أن يجمع بالياء نحو قولهم: " مسجد " و " مساجيد " في الشعر و " درهم " و " دراهيم " و " صيرف " و " صياريف ".
قال الفرزدق:
تنفي يداها الحصا في كل هاجرة ... نفي الدّراهيم تنقاد الصّياريف (٣)
وإنما الوجه في الكلام: نفي الدراهم، والصيارف، وإنما زاد الياء هاهنا؛ لأن دخولها في الجمع في غير الضرورة على وجهين؛ أحدهما: أن يكون الاسم الواحد على خمسة أحرف، ورابعه حرف من حروف المدّ واللّين، فتقلبه ياء في الجمع، كقولهم: " صندوق " و " صناديق " و " قنديل " و " قناديل " و " كرباس " و " كرابيس ".
والوجه الثاني: أن يكون الاسم الواحد على خمسة أحرف أو أكثر، وليس رابعه
стр. 202
حرفا من حروف المدّ واللّين، فيحذف من الواحد حرف، حتى يبقى الاسم على أربعة أحرف، ثم يجمع، فإذا جمع فأنت مخيّر بين التّعويض من المحذوف، وبين تركه؛ فمن ذلك أنك إذا جمعت " فرزدق " حذفت القاف منه؛ لأنه على خمسة أحرف، فبقى " فرزد " فتجمعه على " فرازد "، وإن شئت عوّضت من القاف المحذوفة الياء، فقلت: " فرازيد "، وكذلك لو جمعت " منطلق " جمع التكسير، لجاز أن تقول: " مطالق " و " مطاليق " تعوّض الياء من النون المحذوفة في " منطلق ".
فإذا اضطر الشاعر زاد هذه الياء التي تزاد للتعويض، لأنهما جميعا ليس في أصلهما ياء فتكون الضرورة بمنزلة التعويض.
ومن ذلك أنهم يزيدون النّون الخفيفة والثقيلة في الشعر في غير الموضع الذي ينبغي أن تزاد فيه، وذلك أن موضع زيادتهما فيما لم يكن واجبا؛ مثل الأمر والنهي والاستفهام والجزاء، كقولك: " اضربنّ زيدا " و " لا تأتينّ بكرا " و " هل تقومنّ عندنا " و " إما تذهبنّ أذهب معك " و " لئن أتيتني لأكرمنّك ".
ولا يجوز أن تقول: " أنا أقومنّ إليك " لأن هذا واجب، وقد قال الشاعر؛ ويقال إنّه لجذيمة الأبرش:
ربّما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات
في فتوّ أنا رابئهم ... من كلال غزوة ماتوا (١)
فأدخل النون في " ترفعن " وهي واجبة.
وقال بعض النحويين: إنما أدخلها في الموضع بسبب " ما "؛ لأنها في لفظ " ما " الجحد، فأشبهت- وإن كانت موجبة- المنفيّ لفظا.
قال أبو سعيد: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن " ربّ " تدخل للتقليل، وما كان مقلّلا فهو كالمنفي، حتى أنهم يستعملون " قلّ " في معنى ليس؛ قال:
أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة ... قليل بها الأصوات إلا بغامها (٢)
أي ليس بها صوت إلا بغامها، فلما أشبهت " ربّ " بالتقليل الذي فيها المنفيّ،
стр. 203
أدخلوا النون على الفعل الذي بعدها، كما أدخلوها على ما بعد حرف النفي.
ومن ذلك أنهم يقولون: " أنا " إذا وقفوا عليه ومنهم من يقول: " أنه " فإذا وصلوا حذفوا الألف والهاء، فقالوا: " أن قمت " بحذف الألف وفتح النون؛ لأن الألف المزيدة إنما كانت لبيان حركة النون، وكذلك الهاء، فإذا وصلت بانت الحركة، فاستغني عن الألف.
وربما اضطر الشاعر فيثبتها وهو واصل.
قال الشاعر:
أنا سيف العشيرة فاعرفوني ... حميد قد تذرّيت السّناما (١)
وقال الأعشى:
فكيف أنا وانتحالي القواف ... ي بعد المشيب كفى ذاك عارا (٢)
وكان أبو العباس ينكر هذا، وينشد بيت الأعشى: " فكيف يكون انتحالي القوافي ".
ولم ينشد البيت الأول.
فإن قيل: كيف يكون هذا ضرورة، وفي القرّاء من يثبت هذه الألف في الوصل، فيقرأ: وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ (٣)، وما كان في القرآن، مثله لا يقال له ضرورة.
قيل له: يجوز أن يكون هذا القارئ وصل في نيّة الوقف، كما قرأ بعضهم:
فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً (٤) وما أَدْراكَ ما هِيَهْ. نارٌ حامِيَةٌ (٥)، فأثبتوا هاءات الوقف في الوصل، على نية الوقف، وإن كان الفصل بين النطقين قصير الزمان.
باب الحذف
قال أبو سعيد: اعلم أن الشاعر يحذف ما لا يجوز حذفه في الكلام، لتقويم الشعر، كما يزيد لتقويمه.
стр. 204
فمن ذلك ما يحذفه من القوافي الموقوفة من تخفيف المشدّد، كقول امرئ القيس؛ أو غيره:
لا وأبيك ابنة العامريّ لا يدّعي القوم أنّي أفر (١)
وكقول طرفة:
أصحوت اليوم أم شاقتك هر ... ومن الحبّ جنون مستعر (٢)
فأكثر الإنشاد في هذا حذف أحد الحرفين، لتتشاكل أواخر الأبيات، ويكون على وزن واحد؛ لأنك إذا قلت: لا يدّعي القوم أنّي أفر، صار آخر جزء من البيت: " فعل " في وزن العروض؛ لأنه من المتقارب من الضرب الثالث، وإذا شددت الراء صار آخر أجزائه " فعول " من الضرب الثاني من المتقارب، فهو مضطرّ إلى حذف أحد الحرفين، لاستواء الوزن، ومطابقة البيت لسائر أبيات القصيدة، ألا تراه يقول بعد هذا:
تميم بن مرّ وأشياعها ... وكندة حولي جميعا صبر (٣)
فهذا من الضرب الثالث لا غير، ولم يكن بالجائز أن يأتي في قصيدة واحدة بأبيات من ضربين.
ومن ذلك: تخفيف المشدّد وتسكينه، مع حذف حرف بعده، كقولهم في " معلّى ":
" معل " وفي " عنّى ": " عن ". قال الشاعر وهو الأعشى:
لعمرك ما طول هذا الزّمن ... على المرء إلا عناء معن (٤)
أراد معنّى، فحذف الياء وإحدى النونين:
وقال أيضا في هذه القصيدة:
وعهد الشّباب وثاراته ... فإن يك ذلك قد زال عن (٥)
يريد: عنّي.
وقال لبيد:
стр. 205
وقبيل من لكيز شاهد ... رهط مرجوم ورهط ابن المعل (١)
أراد: المعلّي.
وأول هذه القصيدة:
إنّ تقوى ربّنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل (٢)
وإذا كان ما ذكرناه من الحذف جائزا، فحذفهم ياء المتكلّم، وتسكين ما قبلها أجوز، كما قال لبيد في البيت الذي أنشدته: " ريثي وعجل "، أراد: عجلي.
وقد يحذفون أيضا من القصائد المطلقة على إنشاد من ينشدها بالوقف، الحذف الذي ذكرناه في المقيد. قال النابغة:
إذا حاولت في أسد فجورا ... فإنّي لست منك ولست من (٣)
أراد: مني، والقصيدة مطلقة، وإنما هذا إنشاد بعضهم.
ومن ذلك الترخيم، والترخيم على ثلاثة أوجه؛ أولها: ترخيم النداء، وهو أن تحذف من آخر الاسم المنادى تخفيفا ما تقف على تقصّيه في باب الترخيم، غير أنا نذكر ما يتصل به ضرورة الشاعر.
وهذا الترخيم يجيء على ضربين؛ أحدهما: أن تحذف من آخر الاسم المنادى ما يجوز حذفه، ويبقى سائر الاسم
على حاله، كقولك في ترخيم " حارث ": " يا حار " وفي " حنظلة ": " يا حنظل " وفي " هرقل ": " يا هرق " بتسكين القاف.
والضرب الثاني: أن تحذف للترخيم ما يجوز حذفه، وتجعل باقي الاسم كاسم غير مرخّم، فتجريه في النداء على ما ينبغي للاسم المفرد، غير المرخم، كقولك في " حارث ": " يا حار "، وفي " حنظلة ": " يا حنظل " وفي " هرقل ": " يا هرق ".
وهذا الترخيم إنما يكون في النداء، فإذا اضطر الشاعر، فليس بين النحويين خلاف أنه جائز له في غير النداء، على أنه يجعله اسما مفردا، ويعربه بما يستحقّه من الإعراب، فيقول: هذا حنظل، و " مررت بحنظل " و " رأيت حنظلا ".
стр. 206
قال الشاعر:
ألا هل لهذا الدّهر من متعلّل ... عن النّاس مهما شاء بالنّاس يفعل
وهذا ردائي عنده يستعيره ... ليسلبني عزّى أمال ابن حنظل (١)
وقد اختلف النحويون في الوجه الأوّل من الترخيم في غير النداء لضرورة الشعر؛ كقولك: " هذا حنظل قد جاء " و " هذا هرق قد جاء " و " مررت بهرق وحنظل " تحذف آخره وتبقي ما قبل المحذوف على حاله، فكان سيبويه وغيره من المتقدمين البصريين والكوفيين يجيزونه، وأنشدوا في ذلك أبياتا منها:
خذوا حذركم يا آل عكرم واحفظوا ... أواصرنا والرّحم بالغيب تذكر (٢)
ففتح الميم من " عكرم "؛ لأن أصله عكرمة، فحذف الهاء، وبقّى الميم على حالها.
وأنشدوا أيضا:
ألا أضحت حبالكم رماما ... وأضحت منك شاسعة أماما (٣)
أراد: أمامة، فحذف الهاء وبقّى الميم على حالها، وهي غير مناداة.
وأنشدوا أيضا لابن أحمر:
أبو حنش يؤرّقني وطلق ... وعبّاد وآونة أثالا (٤)
فذكر سيبويه أن أثالا معطوف على " أبو حنش وطلق "، غير أنه قد حذف الهاء منه وأصله: " أثالة " وبقّي الّلام على فتحها.
ومن ذلك:
ألا يا أمّ فارع لا تلومي ... على شيء رفعت بهذا سماعي
أراد " فارعة ".
وكان أبو العباس محمد بن يزيد ينكر هذا ولا يجيزه في الشعر، ويعلل الأبيات، فذكر أن قوله: " خذوا حظّكم يا آل عكرم "، يذهب بعكرم مذهب القبيلة، ففتح الميم؛ لأنه لا ينصرف، لا للترخيم.
стр. 207
وذكر أن الرواية في البيت الثاني:
ألا أمست حبالكم رماما ... ولا عهد كعهدك يا أماما (١)
وذكر أن " أثال " في بيت ابن أحمر، معطوف على النون والياء في " يؤرّقني "، فموضعه نصب لذلك.
قال أبو سعيد: والذي عندي في " أثال " غير ما قال الفريقان، وهو أن " أثال " لم يحذف منه هاء؛ لأنّه ليس في الأسماء " أثالة "، وإنما هو " أثال ". ولم ينصبه للعطف على النون والياء، في " يؤرّقني ": لأن ابن أحمر يبكي قوما من عشيرته ماتوا أو قتلوا، فيهم أبو حنش وطلق وعبّاد وأثال، فرفع الأسماء المرفوعة بيؤرقني فدلّ يؤرّقني على أنه يتذكّرهم؛ لأنهم لا يؤرقونه إلا وهو يذكرهم، فنصب " أثالا " " بأذكر " الذي قد دلّ عليه يؤرّقني، وهذا قول أظن الأصمعي قاله في تفسير شعره.
ومثله:
إذا تغنّى الحمام الورق هيّجني ... ولو تعزّيت عنها أمّ عمّار (٢)
نصب " أمّ عمار " بفعل مضمر، كأنه قال: فذكّرني أمّ عمار؛ لأن التهيّج لا يكون إلا بالذكر.
وأما قوله: " ألا يا أمّ فارع " فلم يذكره أبو العباس.
والقول عندي ما قاله سيبويه وسائر المتقدمين؛ لعلتين؛ إحداهما الرواية في " أماما "، والثانية: القياس، وذلك أن هذا الترخيم أصل جوازه في النداء، فإذا اضطّر الشاعر إلى ذكره في غير النداء، أجراه على حكمه في الموضوع الذي كان فيه؛ لأن ضرورته في النقل من موضع إلى موضع.
وأما قول ذي الرّمّة:
ديار ميّة إذ ميّ تساعفنا ... ولا ترى مثلها عجم ولا عرب (٣)
ففيه قولان؛ أحدهما: أنه رخم " ميّة " للضرورة، على ما تقدّم القول فيه. والثاني: أن المرأة تسمى بميّ وميّة، وهما اسمان لها، فمرة يسمّيها بهذا، ومرة يسمّيها بهذا.
стр. 208
والوجه الثاني من الترخيم: أن ترخّم الاسم، فيبقى من حروفه ما يدلّ على جملة الكلمة من غير مذهب ترخيم الاسم المنادى. وهذا أيضا من ضرورات الشعر. قال لبيد:
درس المنا بمتالع فأبان ... ... (١)
وقال علقمة بن عبدة:
كأنّ إبريقهم ظبى على شرف ... مفدّم بسبا الكتّان ملثوم (٢)
أراد: بسبائب الكتان. وقال آخر:
عليّة ما عليّة ما ... عليّة أيّها الرّجل
علّيّة بالمدينة وال ... مطا مرحولة ذلل
يريد: المطايا.
ومنه أيضا:
قلنا لها قفي لنا قالت قاف ... لا تحسبي أنّا نسينا الإيجاف (٣)
فاكتفى بالقاف من " وقف ". وقال آخر:
لو شئت أشرفنا كلانا فدعا ... الله جهرا ربّه فأسمعا
بالخير خيرات وإن شرّا فآ ... ولا أريد الشّرّ إلا أن تآ
وقوله: " فآ " أراد: فأصابك الشّرّ، وأطلق الهمزة بالألف؛ لأنها مفتوحة.
قال أبو زيد: فأراد فالشرّ إن أردت، فأقام الألف مقام القافية. والذي ذكرته آثر في نفس؛ لأن فيه همزة مفتوحة. والذي ذكر أبو زيد ليس فيه همزة إلا أن تقطع ألف الوصل من الشر، وفيه قبح. وقوله: " إلا أن تآ "، قال أبو زيد: أي إلا أن تشاء، فحذف الشين والألف، واكتفى بالهمزة والتاء، وأطلقها للقافية، والهمزة مكسورة من " تشائي "؛ لأن الخطاب لمؤنث، وهي مفتوحة من " تأ ". وأحب إليّ مما قاله ما قال بعضهم: " إلا أن تأبى الخير ".
وقال العجاج:
قواطنا مكة من ورق الحمى (٤)
стр. 209
وهو يريد الحمام، فرخمها.
وفي كيفيّة ترخيمها ثلاثة أوجه؛ يجوز أن يكون حذف الألف والميم من الحمام؛ للترخيم الذي ذكرناه، فبقى: " الحم " فخفضه وأطلقه للقافية.
والوجه الثاني: أن يكون حذف الألف، فبقي " الحمم " فأبدل من الميم الثانية ياء استثقلالا للتضعيف، كما قالوا في " تظنّنت ": تظنّيت، وفي " أمّا ": " أيما "، ويحتمل أن يكون حذف الميم، وأبدل من الألف ياء، كما تبدل من الياء ألف، كقولهم في " مداري " " مدارى " وفي " عذاري ": " عذارى ".
والوجه الثالث من الترخيم ترخيم التصغير، وهو جائز في الكلام وفي الشعر وهو أن تصغّر الاسم على حذف ما فيه من الزوائد، كقولهم في تصغير " أزهر ": " زهير "، وفي تصغير " حارث ": " حريث "، وفي " فاطمة ": " فطيمة " ولا حاجة بنا إلى استقصائه هاهنا؛ لأن الشعر غير مختص به دون الكلام.
ومن ذلك قصر الممدود، وقد أجمع على جوازه النحويون، غير أن الفراء يشرط فيه شروطا يهملها غيره، فمن ذلك قول الراجز:
لا بدّ من صنعا وإن طال السّفر (١)
وإنما هو: " صنعاء " ممدود.
وقول الأعشى:
والقارح العدّا وكلّ طمرّة ... ما إن تنال يد الطّويل قذالها (٢)
وإنما هو " العداء " فعّال من العدو.
وقال شميت بن زنباع:
ولكنما أهدي لقيس هديّة ... بفيّ من اهداها لك الدّهر إثلب (٣)
وزعم الفراء أنه لا يجوز أن يقصر من الممدود ما لا يجوز أن يجيء في بابه مقصورا، نحو " حمراء " و " صفراء " لا يجوز أن تجيء مقصورة؛ لأن مذكّرها " أفعل "، وإذا كان المذكر " أفعل " لم يكن المؤنث إلا " فعلاء " ممدودة. وكذلك لا يقصر " فقهاء "، لأنه
стр. 210
جمع " فقيه "، وما كان من " فعلاء " جمع " فعيل " لم يكن إلا ممدودا، نحو " كريم "، و " كرماء " لم يجئ غير ذلك. فقد منع القياس الذي ذكرنا مجيء الممدود الذي وصفناه مقصورا، فلا يجوز عنده في الشعر أن يجيء مقصورا، وكذلك ما كان من المقصور له قياس يوجب قصره، لم يجئ في الشعر ممدودا عنده. وهو يجيز أن يمدّ المقصور، وإنما يجيز قصر الممدود الذي يجوز أن يجئ في بابه مقصورا، نحو " الحداء "، و " الدّعاء "، لأنه قد جاء " البكا " مقصورا أو نحو " الغطاء " و " الكساء " و " العطاء "؛ لأنها أسماء لأشياء لا يوجب القياس مدّها، ولها نظائر مقصورة نحو: " المعا "، و " العصا "، و " الهدى ". ولا يجيز أيضا مدّ " سكرى "، و " غضبى "؛ لأن مذكّرهما: " سكران " و " غضبان " وهما يوجبان قصر مؤنثهما.
ويجوز عنده مد " الرّحا " و " العصا "؛ لأن مثلهما في الأسماء " العطاء " و " السّماء ".
وأهل البصرة يجيزون قصر كلّ ممدود، ولا يفرقون بين بعضه وبعض، ولا يجيزون مد المقصور إلا الأخفش ومن تبعه. وكان الأخفش يجيز مدّ كلّ مقصور كما أجاز قصر كل ممدود من غير استثناء ولا شرط.
والحجة في جواز قصر كل ممدود على خلاف ما قال الفراء الأبيات التي أنشدناها، وذلك أن قول الأعشى: " القارح العدّا وكلّ طمرّة " لا يجوز أن يجيء في بابه مقصور، وذلك أنه " فعّال " لتكثير الفعل، كقولك: " قتّال " و " ضرّاب " ولا يجيء في هذا " فعّل " فيكون مقصورا من المعتل.
وقول شميت: " بفيّ من اهداها " وهو مصدر من " أهدى يهدي ". ولا يكون " الإهداء " إلا ممدودا، مثل " أكرم إكراما " و " أخرج إخراجا " ولا يجيء في هذا الباب " إفعل " في مصدر " أفعل "، ليس في الكلام مثل: " أكرم إكرما "، فيكون مثاله من المعتلّ مقصورا.
وذكر الفراء قوله:
لا بدّ من صنعا وإن طال السّفر (١)
فقال إنما قصرها؛ لأنّها اسم، وليس بمنزلة " حمراء " التي لها مذكّر يمنع من قصرها، ولم أره ذكر البيتين الآخرين، على أنه قد أنشد في بعض شواهده قوله:
стр. 211
فلو أنّ الأطبّا كان حولي ... وكان مع الأطبّاء الأساة (١)
و" الأطبّا " جمع " طبيب " والقياس يوجب مدّه ويمنع من قصره.
وأنشد الأخفش وغيره من البصريين في مد المقصور قوله:
سيغنيني الذي أغناك عنيّ ... فلا فقر يدوم ولا غناء (٢)
والغنى مقصور.
وليس له في ذلك حجة من وجهين؛ أحدهما: أن البيت يجوز إنشاده بفتح الغين:
" فلا فقر يدوم ولا غناء ". و " الغناء " ممدود، ومعناه معنى " الغنى ". ويجوز أن يكون " غناء " مصدر " غانيته " أي فاخرته بالغنى عنه، كما قال:
كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا (٣)
أي غنيّ بعض عن بعض.
وأنشد الفراء أو غيره من الكوفيين في مد المقصور:
قد علمت أخت بني السّعلاء ... وعلمت ذلك مع الجراء
أنّ نعم مأكولا على الخواء ... يا لك من تمر ومن شيشاء
ينشب في المسعل واللهاء (٤)
فمد " السّعلا " وهو مقصور، وكذلك: " الخواء ". وهذه أبيات غير معروفة، ولا يعرف قائلها، وغير جائز الاحتجاج بمثلها. ولو كانت صحيحة لم يعوزنا تأوّلها على غير الوجه الذي تأوّلوه عليه.
فإن قال قائل: ما الفرق بين جواز قصر الممدود ومد المقصور؟
قيل له: قصر الممدود تخفيف؛ وقد رأينا العرب تخفّف بالترخيم وغيره، على ما تقدّم وصفنا له، ولم نرهم يثقّلون الكلام بزيادة الحروف، كما يخفّفونه بحذفها، فذلك فرق ما بينهما، وشيء آخر وهو أنّ قصر الممدود، إنما هو حذف زائد فيه، وردّه إلى أصله، ومد المقصور ليس برادّ له إلى أصل.
стр. 212
ومن ذلك حذف النّون الساكنة من الحروف التي بنيت على السكون، نحو " من " و " لكن " وإنما تحذف لالتقاء الساكنين، كما قال الشاعر:
فلست بآتيه ولا أستطيعه ولاك ... اسقني إن كان ماؤك ذا فضل (١)
أراد: ولكن اسقني، فلم يتّزن له.
ومنه قول الأعشى:
وكأنّ الخمر المدامة مل إس ... فنط ممزوجة بماء زلال (٢)
ومثله كثير في الشعر، وإنما ألقوها لالتقاء الساكنين؛ لأن النون تشبه حروف المدّ واللّين، وحروف المدّ واللين تحذف لاجتماع الساكنين، ومع ذلك فإنهم يحذفون التنوين الذي هو علامة الصرف، لاجتماع الساكنين وإن كان
الاختيار فيه التحريك، والتنوين نون ساكنة، فشبّهوا هذه النون التي وصفنا بالتنوين، غير أن حذف التنوين لالتقاء الساكنين جائز في الكلام وفي الشعر.
فأما في الكلام: " فقد قريء: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ (٣).
قال: وحدثني غير واحد من أصحابنا عن أبي العباس محمد بن يزيد أنه سمع عمارة ابن عقيل يقرأ: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ (٤) فقلت له: لو قلت سابق النهار، فقال: لو قلت سابق النهار لكان أوزن، يعني أثقل.
قال أبو سعيد: حضرت أبا بكر بن دريد وقد أنشد أبياتا تنحل آدم، وهي:
تغيّرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبرّ قبيح
تغيّر كلّ ذي لون وطعم ... وقلّ بشاشة الوّجه المليح (٥)
فقال أبو بكر: أول ما قال أقوى. فقلت له: إنشاد البيتين على وجه لا يكون إقواء، وإنما هو: وقلّ بشاشة الوجه المليح، على تقدير: وقلّ بشاشة الوجه المليح، فطرح التنوين، لالتقاء الساكنين، ومعنى: قلّ بشاشة الوجه المليح، كمعنى: وقلّ بشاشة الوجه
стр. 213
المليح، غير أنه نقل الفعل إلى الوجه، ونصب بشاشة على التمييز، كما قال الله تعالى:
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً (١) وإنما هو: واشتعل شيب الرأس، غير أنه حوّل فعل الشّيب إلى الرأس، ونصب شيبا على التمييز. ويجوز أن يكون جعل بشاشة، وهي مصدر، في معنى الحال، فكأنّه قال: وقلّ باشّا الوجه.
ومما ينشد من الشعر في حذف التنوين لالتقاء الساكنين قول حسان:
لو كنت من هاشم أو من بني أسد ... أو عبد شمس أو أصحاب اللّوا الصّيد
أو من بني زهرة الأخيار قد علموا ... أو من بنى خلف الخضر الجلاعيد (٢)
أراد: من بني خلف الخضر.
وقال أبو الأسود:
فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا (٣)
وأنشد الفراء:
لتجدنّي بالأمير برّا ... وبالقناة مدعسا مكرّا
إذا غطيف السلميّ فرّا (٤)
أراد: غطيف السّلمىّ.
وحذف التنوين غير داخل في ضرورة الشّعر؛ لالتقاء الساكنين. وإنما ذكرناه للفصل بينه وبين نون " من " و " لكن "؛ لأن حذفها لاجتماع الساكنين، في ضرورة الشعر.
وقد رأيت بعض من ذكر ضرورة الشعر أدخل فيه حذف التنوين وليس هو عندي كذلك. وكان أبو عمرو بن العلاء يقرأ: قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ (٥) ويذكر أنه اسم عربي، وأنه حذف التنوين منه لالتقاء الساكنين. فهذا أبو عمرو يختاره على غيره ويفسّره هذا التفسير، فكيف يدخل في ضرورة الشعر؟
ومن ذلك حذف الياء في حالة الإضافة ومع الألف واللام، تشبيها بحذفهم إيّاها مع التنوين كقولهم " هذا قاض بغداد قد أقبل "، في الشّعر، و " هذا القاض ". والوجه في هذا أن يقال: " هذا قاضي بغداد قد أقبل " و " هذا القاضي ".
стр. 214
وذلك أن قولنا: هذا قاض ورام وغاز، إنما حذفت منه الياء؛ لأنها سكنت لاستثقال الضم والكسر عليها، ولقيت التنوين، وهو ساكن، فسقطت لالتقاء الساكنين، فإذا أضيف زال التنوين، فعادت الياء، غير أن الشاعر إذا اضطرّ حذفها تشبها بحذفهم لها مع التنوين، وذلك أن التنوين والإضافة يتعاقبان، فكلّ واحد منهما يشبه صاحبه في
النيابة عنه والقيام مقامه.
وقال خفاف:
كنواح ريش حمامة نجديّة ... ومسحت باللّثتين عصف الإثمد (١)
ويقال: إن هذا البيت مصنوع، وما وجدته في شعر خفاف.
وأما حذف الياء مع الألف واللام، فإن سيبويه قد ذكره في باب ضرورة الشاعر فأنكره كثير من الناس وقالوا: قد جاء في القرآن بحذف الياء في غير رؤوس الآي.
وقرأ به عدد من القراء كقوله تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (٢) وفي آي غيرها. وما جاء في القرآن وقرأت به القراء لم يدخل مثله في ضرورة الشعر.
والذي أراد سيبويه عندي غير ما ذهبوا إليه، وذلك أن حذف الياء مما ذكرنا يتكلم به بعض العرب، والأكثر على إثباتها كما قال كثير:
على ابن العاصي دلاص حصينة ... أجاد المسدّى سردها وأذالها (٣)
فأثبت الياء في " العاصي " فإنما أراد سيبويه أن الذين من لغتهم إثبات الياء يحذفونها للضرورة، تشبيها بالتنوين، إذ كانت الألف واللام والتنوين يتعاقبان.
ومن ذلك هاء الكناية المتصلة حكمها إذا اتصلت بحرف مفتوح أو مضموم أن تضم وتزاد عليها واو في الوصل كقولك: " رأيتهو " و " ضربت غلامهو يا فتى ".
وإذا اتصلت بحرف مكسور كان فيه وجهان: إن شئت ضممتها وألحقتها واوا، وإن شئت كسرتها وألحقتها ياء، كقولك " مررت بغلامهي وغلامهو يا فتى ".
стр. 215
وإنما ألحقوها هذه الواو والياء؛ لأن الهاء خفيّة، فأرادوا إبانة حركتها، والأصل فيها الضم، وسوف نشرح هذا في موضعه إن شاء الله تعالى.
فإذا كان قبلها ساكن فأنت بالخيار: إن شئت ألحقت واوا أو ياء فيما كان قبل الهاء منه ياء وألحقت واوا فيما كان
قبل الهاء منه غير الياء، وإن شئت لم تلحق، كقولك:
" عليه " و " عليهي " و " عليه " و " عليهو " و " منه " و " منهو " وكلاهما جيد بالغ. وإذا وقفت على ذلك أجمع كان ساكنا.
ولا يجوز حذف الواو والياء مما قبله متحرك إلا في الشعر كقول الشاعر:
أو معبر الظّهر ينبي عن وليّته ... ما حجّ ربّه في الدنيا ولا اعتمرا (١)
وقال آخر:
وأيقن أنّ الخيل إن تلتبس به ... يكن لفسيل النّخل بعده آبر (٢)
فهولاء حذفوا الواو فقط وبقوا ضمة الهاء. وقال الآخر:
فإن يك غثّا أو سمينا فإنّني ... سأجعل عينيه لنفسه مقنعا (٣)
والوجه أن يقول: " لنفسهي " فحذف الياء، وبقّى الكسرة على حالها.
وإنما جاز حذف هذه الحروف؛ لأنها زوائد تسقط في الوقف.
فإن قال قائل: فهلا أجزتم حذف التنوين مما ينصرف؛ لأنه زائد لا يثبت في الوقف، كما أجزتم حذف الواو والياء من الهاء؟
قيل له: الفرق بينهما بيّن، وهو أن الياء والواو اللاحقتين بالهاء إنما أريد بهما بيانها في اللفظ، فإذا وصل الكلام قام ما بعدها مقام الياء والواو في إبانتها، وإن كانتا أبلغ في البيان، ومع ذلك فإن حذفهما لا يخلّ بمعنى ولا يدخل شيئا في غير بابه، وما ينصرف متى ترك صرفه دخل في غير بابه، ووقع اللبس، فلم يشبه حذف الواو ترك الصرف.
وربما اضطر الشاعر فحذف الحركة أيضا. قال:
فظلت لدى البيت العتيق أخيله ... ومطواي مشتاقان له أرقان (٤)