فلو أنّ الأطبّا كان حولي ... وكان مع الأطبّاء الأساة (١)
و" الأطبّا " جمع " طبيب " والقياس يوجب مدّه ويمنع من قصره.
وأنشد الأخفش وغيره من البصريين في مد المقصور قوله:
سيغنيني الذي أغناك عنيّ ... فلا فقر يدوم ولا غناء (٢)
والغنى مقصور.
وليس له في ذلك حجة من وجهين؛ أحدهما: أن البيت يجوز إنشاده بفتح الغين:
" فلا فقر يدوم ولا غناء ". و " الغناء " ممدود، ومعناه معنى " الغنى ". ويجوز أن يكون " غناء " مصدر " غانيته " أي فاخرته بالغنى عنه، كما قال:
كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا (٣)
أي غنيّ بعض عن بعض.
وأنشد الفراء أو غيره من الكوفيين في مد المقصور:
قد علمت أخت بني السّعلاء ... وعلمت ذلك مع الجراء
أنّ نعم مأكولا على الخواء ... يا لك من تمر ومن شيشاء
ينشب في المسعل واللهاء (٤)
فمد " السّعلا " وهو مقصور، وكذلك: " الخواء ". وهذه أبيات غير معروفة، ولا يعرف قائلها، وغير جائز الاحتجاج بمثلها. ولو كانت صحيحة لم يعوزنا تأوّلها على غير الوجه الذي تأوّلوه عليه.
فإن قال قائل: ما الفرق بين جواز قصر الممدود ومد المقصور؟
قيل له: قصر الممدود تخفيف؛ وقد رأينا العرب تخفّف بالترخيم وغيره، على ما تقدّم وصفنا له، ولم نرهم يثقّلون الكلام بزيادة الحروف، كما يخفّفونه بحذفها، فذلك فرق ما بينهما، وشيء آخر وهو أنّ قصر الممدود، إنما هو حذف زائد فيه، وردّه إلى أصله، ومد المقصور ليس برادّ له إلى أصل.
стр. 212
ومن ذلك حذف النّون الساكنة من الحروف التي بنيت على السكون، نحو " من " و " لكن " وإنما تحذف لالتقاء الساكنين، كما قال الشاعر:
فلست بآتيه ولا أستطيعه ولاك ... اسقني إن كان ماؤك ذا فضل (١)
أراد: ولكن اسقني، فلم يتّزن له.
ومنه قول الأعشى:
وكأنّ الخمر المدامة مل إس ... فنط ممزوجة بماء زلال (٢)
ومثله كثير في الشعر، وإنما ألقوها لالتقاء الساكنين؛ لأن النون تشبه حروف المدّ واللّين، وحروف المدّ واللين تحذف لاجتماع الساكنين، ومع ذلك فإنهم يحذفون التنوين الذي هو علامة الصرف، لاجتماع الساكنين وإن كان
الاختيار فيه التحريك، والتنوين نون ساكنة، فشبّهوا هذه النون التي وصفنا بالتنوين، غير أن حذف التنوين لالتقاء الساكنين جائز في الكلام وفي الشعر.
فأما في الكلام: " فقد قريء: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ (٣).
قال: وحدثني غير واحد من أصحابنا عن أبي العباس محمد بن يزيد أنه سمع عمارة ابن عقيل يقرأ: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ (٤) فقلت له: لو قلت سابق النهار، فقال: لو قلت سابق النهار لكان أوزن، يعني أثقل.
قال أبو سعيد: حضرت أبا بكر بن دريد وقد أنشد أبياتا تنحل آدم، وهي:
تغيّرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبرّ قبيح
تغيّر كلّ ذي لون وطعم ... وقلّ بشاشة الوّجه المليح (٥)
فقال أبو بكر: أول ما قال أقوى. فقلت له: إنشاد البيتين على وجه لا يكون إقواء، وإنما هو: وقلّ بشاشة الوجه المليح، على تقدير: وقلّ بشاشة الوجه المليح، فطرح التنوين، لالتقاء الساكنين، ومعنى: قلّ بشاشة الوجه المليح، كمعنى: وقلّ بشاشة الوجه
стр. 213
المليح، غير أنه نقل الفعل إلى الوجه، ونصب بشاشة على التمييز، كما قال الله تعالى:
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً (١) وإنما هو: واشتعل شيب الرأس، غير أنه حوّل فعل الشّيب إلى الرأس، ونصب شيبا على التمييز. ويجوز أن يكون جعل بشاشة، وهي مصدر، في معنى الحال، فكأنّه قال: وقلّ باشّا الوجه.
ومما ينشد من الشعر في حذف التنوين لالتقاء الساكنين قول حسان:
لو كنت من هاشم أو من بني أسد ... أو عبد شمس أو أصحاب اللّوا الصّيد
أو من بني زهرة الأخيار قد علموا ... أو من بنى خلف الخضر الجلاعيد (٢)
أراد: من بني خلف الخضر.
وقال أبو الأسود:
فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا (٣)
وأنشد الفراء:
لتجدنّي بالأمير برّا ... وبالقناة مدعسا مكرّا
إذا غطيف السلميّ فرّا (٤)
أراد: غطيف السّلمىّ.
وحذف التنوين غير داخل في ضرورة الشّعر؛ لالتقاء الساكنين. وإنما ذكرناه للفصل بينه وبين نون " من " و " لكن "؛ لأن حذفها لاجتماع الساكنين، في ضرورة الشعر.
وقد رأيت بعض من ذكر ضرورة الشعر أدخل فيه حذف التنوين وليس هو عندي كذلك. وكان أبو عمرو بن العلاء يقرأ: قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ (٥) ويذكر أنه اسم عربي، وأنه حذف التنوين منه لالتقاء الساكنين. فهذا أبو عمرو يختاره على غيره ويفسّره هذا التفسير، فكيف يدخل في ضرورة الشعر؟
ومن ذلك حذف الياء في حالة الإضافة ومع الألف واللام، تشبيها بحذفهم إيّاها مع التنوين كقولهم " هذا قاض بغداد قد أقبل "، في الشّعر، و " هذا القاض ". والوجه في هذا أن يقال: " هذا قاضي بغداد قد أقبل " و " هذا القاضي ".
стр. 214
وذلك أن قولنا: هذا قاض ورام وغاز، إنما حذفت منه الياء؛ لأنها سكنت لاستثقال الضم والكسر عليها، ولقيت التنوين، وهو ساكن، فسقطت لالتقاء الساكنين، فإذا أضيف زال التنوين، فعادت الياء، غير أن الشاعر إذا اضطرّ حذفها تشبها بحذفهم لها مع التنوين، وذلك أن التنوين والإضافة يتعاقبان، فكلّ واحد منهما يشبه صاحبه في
النيابة عنه والقيام مقامه.
وقال خفاف:
كنواح ريش حمامة نجديّة ... ومسحت باللّثتين عصف الإثمد (١)
ويقال: إن هذا البيت مصنوع، وما وجدته في شعر خفاف.
وأما حذف الياء مع الألف واللام، فإن سيبويه قد ذكره في باب ضرورة الشاعر فأنكره كثير من الناس وقالوا: قد جاء في القرآن بحذف الياء في غير رؤوس الآي.
وقرأ به عدد من القراء كقوله تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (٢) وفي آي غيرها. وما جاء في القرآن وقرأت به القراء لم يدخل مثله في ضرورة الشعر.
والذي أراد سيبويه عندي غير ما ذهبوا إليه، وذلك أن حذف الياء مما ذكرنا يتكلم به بعض العرب، والأكثر على إثباتها كما قال كثير:
على ابن العاصي دلاص حصينة ... أجاد المسدّى سردها وأذالها (٣)
فأثبت الياء في " العاصي " فإنما أراد سيبويه أن الذين من لغتهم إثبات الياء يحذفونها للضرورة، تشبيها بالتنوين، إذ كانت الألف واللام والتنوين يتعاقبان.
ومن ذلك هاء الكناية المتصلة حكمها إذا اتصلت بحرف مفتوح أو مضموم أن تضم وتزاد عليها واو في الوصل كقولك: " رأيتهو " و " ضربت غلامهو يا فتى ".
وإذا اتصلت بحرف مكسور كان فيه وجهان: إن شئت ضممتها وألحقتها واوا، وإن شئت كسرتها وألحقتها ياء، كقولك " مررت بغلامهي وغلامهو يا فتى ".
стр. 215
وإنما ألحقوها هذه الواو والياء؛ لأن الهاء خفيّة، فأرادوا إبانة حركتها، والأصل فيها الضم، وسوف نشرح هذا في موضعه إن شاء الله تعالى.
فإذا كان قبلها ساكن فأنت بالخيار: إن شئت ألحقت واوا أو ياء فيما كان قبل الهاء منه ياء وألحقت واوا فيما كان
قبل الهاء منه غير الياء، وإن شئت لم تلحق، كقولك:
" عليه " و " عليهي " و " عليه " و " عليهو " و " منه " و " منهو " وكلاهما جيد بالغ. وإذا وقفت على ذلك أجمع كان ساكنا.
ولا يجوز حذف الواو والياء مما قبله متحرك إلا في الشعر كقول الشاعر:
أو معبر الظّهر ينبي عن وليّته ... ما حجّ ربّه في الدنيا ولا اعتمرا (١)
وقال آخر:
وأيقن أنّ الخيل إن تلتبس به ... يكن لفسيل النّخل بعده آبر (٢)
فهولاء حذفوا الواو فقط وبقوا ضمة الهاء. وقال الآخر:
فإن يك غثّا أو سمينا فإنّني ... سأجعل عينيه لنفسه مقنعا (٣)
والوجه أن يقول: " لنفسهي " فحذف الياء، وبقّى الكسرة على حالها.
وإنما جاز حذف هذه الحروف؛ لأنها زوائد تسقط في الوقف.
فإن قال قائل: فهلا أجزتم حذف التنوين مما ينصرف؛ لأنه زائد لا يثبت في الوقف، كما أجزتم حذف الواو والياء من الهاء؟
قيل له: الفرق بينهما بيّن، وهو أن الياء والواو اللاحقتين بالهاء إنما أريد بهما بيانها في اللفظ، فإذا وصل الكلام قام ما بعدها مقام الياء والواو في إبانتها، وإن كانتا أبلغ في البيان، ومع ذلك فإن حذفهما لا يخلّ بمعنى ولا يدخل شيئا في غير بابه، وما ينصرف متى ترك صرفه دخل في غير بابه، ووقع اللبس، فلم يشبه حذف الواو ترك الصرف.
وربما اضطر الشاعر فحذف الحركة أيضا. قال:
فظلت لدى البيت العتيق أخيله ... ومطواي مشتاقان له أرقان (٤)
стр. 216
وأقبح من هذا حذف الواو والياء من " هو وهي " وذلك أن الواو والياء فيهما متحركتان يثبتان في الوقف. قال:
دار لسلمى إذه من هواكا (١)
أراد: إذ هي من هواكا.
وقال آخر:
فبيناه يشري رحله قال قائل ... لمن جمل رخو الملاط نجيب
أراد: فبينا هو يشرى.
وقال آخر:
بيناه في دار صدق قد قام بها ... حينا يعلّلنا وما نعلّله (٢)
أراد: بينا هو.
ومن ذلك أنهم يحذفون الواو الساكنة والياء الساكنة إذا كان قبلها ضمة أو كسرة، فيكتفون بالضمّة من الواو وبالكسرة من الياء، سواء كانت الواو ضميرا أو لم تكن، نحو قول الشاعر:
فلو أنّ الأطبّا كان حولي ... وكان مع الأطبّاء الأساة
أراد: " كانوا "، فاكتفى بالضمّة من الواو.
وربما وقع مثل هذا في آخر بيت مقيّد، فتحذف الواو ويسكن ما قبلها: كقول الشاعر:
لو أنّ قومي حين أدعوهم حمل ... على الجبال الصّمّ لا رفضّ الجبل
فهذا البيت فيه وجهان: أحدهما أن يكون أراد " حمل " على لغة من يحذف الواو فيكتفي بالضمة، فلما وقف سكّن.
والوجه الثاني أن يكون أراد: لو أن من أدعو من قومي حين أدعوه حمل، وكان تقدير اللفظ فيه: لو أنّ جمع قومي حين أدعوهم حمل، فحذف جمع، وأقام مقامه القوم ووحّد على لفظه.
стр. 217
ومما يشبه هذا قوله:
كفّاك كف ما تليق درهما ... جودا وأخرى تعط بالسّيف الدّما
أراد: تعطي، فحذف الياء واكتفى بالكسرة منها.
وأما قوله:
اضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسّوط قونس الفرس (١)
فإن الخليل يقول في هذا: إنّه حذف النون الخفيفة منه؛ أراد " اضربا عنك ". فحذف النون لأنها زائدة، وحذفها لا يخلّ بمعنى، ولا يدخل شيئا في غير بابه، كما ذكرنا في حذف الياء والواو من هاء الضمير. وقال الفرّاء: أراد: اضرب عنك. فكثر السواكن، فحرك للضرورة، فهذا على قول الخليل من باب الحذف، وعلى قول الفرّاء من باب الزيادة.
ومما يشبه الترخيم قول الشاعر:
أو راعيان لبعران لنا شردت ... كي لا يحسّان من بعراننا أثرا (٢)
أراد: " كيف لا يحسّان ". ولا يجوز أن يكون في معنى: " كي "؛ لأن الراعيين لم يفعلا شيئا كيلا يحسّا أثرا من البعران.
ومن ذلك حذف الفاء في جواب الشرط كقولك: " إن تأتني أنا أكرمك " تريد:
فأنا أكرمك.
قال الشاعر:
يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنّك إن يصرع أخوك تصرع (٣)
أراد: فتصرع. وقال آخر:
من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشّرّ عند الله مثلان (٤)
أراد: فالله يشكرها.
وإنما كانت الفاء واجبة هاهنا؛ لأن جواب الشرط متى كان جملة أو فعلا مرفوعا لم
стр. 218
يكن بدّ من الفاء؛ لأنهما إنما أتي بها لئلا يتسلط ما قبلها على ما بعدها، ألا ترى أنك تقول: " إن تقم أقم " فتجزم " أقم " بما تقدم، ولو أدخلت الفاء عليها بطل جزمها، لا تقول. " إن تقم فأقم " فحذف الفاء مع الحاجة إليها لما ذكرنا
من ضرورة الشعر.
وقد كان سيبويه يجيز هذا الوجه، ويجيز أيضا تقدير الجواب على تقديم اللفظ، كأنه قال: تصرع إن يصرع أخوك.
وكان الأصمعي ينشد:
" من يعمل الخير فالرحمن يشكره "
وكان أبو العباس محمد بن يزيد يأبى أن يقدر الجواب مقدما؛ لأنه قد وقع في موقعه الذي ينبغي له؛ والشيء إذا وقع في موقعه لم ينو به التقديم.
ومثله:
فقلت تحمّل فوق طوقك إنّها ... مطبّعة من يأتها لا يضيرها (١)
أي فلا يضيرها.
واستقصاء هذا والاحتجاج لسيبويه في إجازة الوجهين له موضع ستقف عليه، إن شاء الله تعالى.
ومن ذلك حذفهم الفتحة من عين " فعل " كقولهم في " هرب ": " هرب " وفي " طلب " " طلب ". قال الراجز، أنشده الأصمعي:
على محالات عكسن عكسا ... إذ تسدّاها طلابا غلسا
أراد: غلسا.
وليس في وجه الكلام؛ لأن الفتحة غير مستثقلة، وإنما يفعلون مثل ذلك في الضمة والكسرة؛ كقولهم في " فخذ ": " فخذ " وفي " عضد ": " عضد ". ولا يقولون في: " جبل ":
" جبل "، ولكنهم قد يضطرون فيفتحون الساكن، كما تقدم ذكرنا له من قولهم في:
" خفق ": " خفق "، وفي " حشك "؛ " حشك "، فلما زادوا هذه الفتحة على الساكن، والسكون أخف من الفتح، كان حذف الفتحة أجدر؛ لأنهم يحلّونه بالحذف محلا له هو أخف من محلّه.
стр. 219
ومن ذلك: حذف الضمّة والكسرة في الإعراب: كقولهم: " قام الرّجل إليّك "، وذهبت جاريتك و " أنا أذهب إليه ". وكان سيبويه يجيز هذا، وأنشد فيه أبياتا، وأنشد غيره أيضا ممن يوافقه على هذا الرأي؛ فمما أنشد سيبويه في ذلك قول امرئ القيس:
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل (١)
فسكّن الباء من " أشرب ". والوجه أن يقول: " أشرب " بالرفع.
وقال أبو نخيلة:
إذا اعوججن قلت صاحب قوّم ... بالدّوّ أمثال السّفين العوّم (٢)
ولم يقل: " صاحب "، ولا " صاحب "، وهما الوجه.
وقال:
وأنت لو باكر مشمولة ... صهباء مثل الفرس الأشقر
رحت وفي رجليك ما فيهما ... وقد بدا هنك من المئزر (٣)
وقال: " هنك " وسكّن النون.
وقال لبيد:
ترّاك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النّفوس حمامها (٤)
وقال جرير:
ما للفرزدق من عزّ يلوذ به ... إلا بنو العمّ في أيديهم الكرب
سيروا بني العّمّ فالأهواز منزلكم ... ونهر تيري فما تعرفكم العرب (٥)
والوجه: " فما تعرفكم ".
قال سيبويه: " شبهوا هذه الضّمّات والكسرات المحذوفة بالضمة من عضد، والكسرة من فخذ، حين قالوا: عضد وفخذ، غير أن حذفها من عضد وفخذ حسن مطّرد في الشّعر والكلام جميعا؛ من قبل أنّه لا يزيل معنى ولا يغيّر إعرابا، وفيما
стр. 220
ذكرناه يزول الإعراب الذي تنعقد به المعاني، إلا أنه شبّه اللفظ باللّفظ ".
وكان أبو العباس محمد بن يزيد والزجاج ينكران هذا؛ ويأتيان جوازه وينشدان بعض ما أنشدنا، على خلاف الرّواية التي ذكرنا؛ فأما بيت امرئ القيس فأنشداه:
فاليوم أسقى غير مستحقب ... و " فاليوم فاشرب غير مستحقب
وأما بيت أبي نخيلة فأنشداه:
إذا اعوججن قلت صاح قوّم.
وأنشدا موضع:
هنك من المئزر: ... وقد بدا ذاك من المئزر
وموضع: فما تعرفكم العرب: فلم تعرفكم
وأما بيت لبيد فإن الجزم فيه صحيح؛ لأن المعنى: تراك أمكنة إذا لم أرضها وإذا لم يأتني موتي ". وأراد بالموت هاهنا أسباب الموت التي لا يمكن معها براح المكان ومفارقته من العلل الحابسة له والضرورات الدافعة إلى المقام، وقد تسمّى أسباب الموت موتا؛ قال الله تعالى: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١).
وقد يجوز أن يكون الجزم أيضا على المجاورة للمجزوم، كما قالوا: " هذا جحر ضبّ خرب " و " يرتبط " لو حرّك كان منصوبا على التأوّل الذي تأوّله من يرى تسكينه للضرورة، ويجعل " أو " في معنى " حتى " وإلى أن؛ كأنه قال: حتى يرتبط بعض النفوس حمامها، أو " إلى أن يرتبط ". وهو يعني نفسه.
قال أبو سعيد: والقول عندي ما قاله سيبويه في جواز تسكين حركة الإعراب للضرورة؛ وذلك أنّا رأينا القراء قد قرءوا: ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ (٢) وخطه وكتابه في المصحف بنون واحدة، ووافقهم النحويون على جواز الإدغام فيه وفي غيره،
стр. 221
مما تذهب فيه حركة الإعراب للإدغام. فلما كانت حركة الإعراب يجوز ذهابها للإدغام، طلبا للتخفيف، صار أيضا ذهاب الضّمّة والكسرة طلبا للتخفيف، وليس لقول من يأبى ذلك، ويحتج في فساده بأنه تذهب منه حركة
الإعراب- معنى؛ لأن الإدغام أيضا يذهب حركة الإعراب.
وقد حكى قوم من النحويين أن كثير من العرب يسكنون لام الفعل، إذا اتصلت بها الهاء والميم، أو الكاف والميم، كقولهم: " أنا أكرمكم " و " أعظّمكم ".
وقد حكي عن بعض القراء:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ (١) وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ (٢). وهذا يدل على جواز ما قلناه ويقويه.
ومن ذلك أيضا أنهم يدخلون جزما على جزم، إذا لم يلتق فيه ساكنان، وذلك أنهم يجزمون: " يشتري " و " يتّقي "، فيسقطون الياء.
وربما اضطر الشاعر، فحذف الكسرة التي تبقى بعد حذف الياء.
فيقول: " لم يشتر زيد شيئا " و " لم يتّق زيد ربّه ".
وذلك أنه قد رأى المجزوم مسكّنا للجزم، والجازم يوجب ذلك، فلما كان " يشتري " و " يتّقي " لا سبيل فيه إلى التسكين إلا بحذف الياء، ثم تسكين ما قبلها، جعل الحذف والتسكين جميعا علامة الجزم؛ لأن التسكين لا يحصل إلا بهما، وقد يجوز أن يكون هذا على لغة من يحذف الياء في الرفع، ويكتفي بكسرة ما قبلها، كقوله تعالى: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ (٣)، فلما جزم حرفا متحرّكا سكّنه. قال الراجز أنشده أبو زيد في نوادره:
قالت سليمى اشتر لنا دقيقا ... وهات خبز البّرّ أو سويقا (٤)
آخر:
ومن يتّق فإنّ الله معه ... ورزق الله موتاب وغادي (٥)
стр. 222
ومن ذلك أنهم قد يجرون هاء التأنيث في الوصل مجراها في الوقف، فلا يقلبونها تاء، ولا سبيل إلى هذا إلا بالتسكين؛ لأنهم متى حرّكوا وجب القلب قال الشاعر:
لمّا رأى أن لادعه ولا شبع ... مال إلى أرطاة حقف فاضّطجع (١)
وقال آخر:
لست إذا لزعبله إن لم أغيّر ... بكلتي إن لم أساو بالطّول
ومن الحذف: إقامتهم الصفة مقام الموصوف في الشّعر في الموضع الذي يقبح في الكلام مثله.
قال الشاعر:
فيا الغلامان اللّذان فرّا ... إياكما أن تكسباني شرّا
أراد: فيا أيّها الغلامان، فأقام: " الغلامان " مقام " أيّ " وقبح هذا؛ لأنّ حرف النداء لا يليه ما فيه الألف واللام، لأنه يعرّف المنادى إذا قصد، والألف واللام يعرّفانه؛ فلا يجتمع تعريفان في اسم واحد. ومثله:
من أجلك يا التي تيّمت قلبي ... وأنت بخيلة بالودّ عنّي
يريد: " يا أيتها التي ".
وأما قوله:
إني إذا ما حدث ألمّا ... دعوت يا اللهم يا اللهمّا (٢)
فليس هذا من ضرورته، يعني: إدخال " يا " على اسم الله تعالى، وإنما الضرورة الجمع بين " يا " وبين " الميم " في هذا الاسم، وذلك أن العرب لا تنادي اسما فيه الألف واللام إلا اسم الله تعالى، فيقولون: " يا الله اغفر لي " ويبدلون الميم في آخره من حرف النداء عوضا، فيقولون: " اللهمّ اغفر لنا "، فإذا اضطرّ الشاعر ردّ الحرف المحذوف، مع وجود عوضه. وقد مر نحو من هذا.
ومن ذلك: إقامتهم الفعل في موضع الاسم، إذا كان الفعل نعتا؛ كما قال النابغة:
стр. 223
كأنّك من جمال بني أقيش ... يقّعقع خلف رجليه بشنّ (١)
أراد: جمل يقعقع. وقال آخر:
لو قلت ما في قومها لم تيثم ... يفضلها في حسب وميسم (٢)
أراد: أحد يفضلها.
وهذا الحذف يحسن ويكثر مع " من " كقولك: " منّا ظعن ومنّا أقام " في الكلام والشعر، وذلك أنهم جعلوا " من " بمعنى " البعض "، فكأنك قلت: " بعضنا ظعن وبعضنا أقام ". قال الله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ (٣). أي بعض أهل المدينة.
باب البدل
قال أبو سعيد: اعلم أنهم يبدلون الحرف من الحرف في الشعر في الموضع الذي لا يبدل مثله في الكلام لمعنى يحاولونه من تحريك ساكن أو تسكين متحرك؛ ليستوي وزن الشّعر به، أو ردّ شيء إلى أصله أو تشبيه بنظيره؛ فمن ذلك قول شميث بن زنباع في قصيدته:
فأقسم لو لاقى هلالا وتحته ... مصكّ كذئب الرّدهة المتأوّب
لأدّاها كرها وأصبح بيته ... لديه من الإعوال نوح مسلّب
ولكنّما أهدي لقيس هديّة ... بفيّ من اهداها لك الدّهر إثلب
فهمز الألف في " أدّاها "؛ لأنه لو تركها
ساكنة لم يستقم البيت.
ومثله:
قد كان يذهب بالدّنيا ولذّتها ... مواليء ككباش العوس سحّاح (٤)
ويروى: شحّاح، فهمز الياء من " موالى " لاستقامة البيت.
ومثله:
стр. 224
يا عجبا لقد رأيت عجبا ... حمار قبّان يسوق أرنبا
خاطمها زأمّها أن تذهبا (١)
فهمز: زأمّها، والأصل فيه: زامّها، فهمز الألف ليمكّن دخول الحركة عليها، وإنما همزها دون أن يبدلها حرفا آخر؛ لأن أقرب الحروف من الألف الهمزة، وربما تكلّم بعض العرب بمثل هذا فرارا من التقاء الساكنين، كنحو " دأبة " و " ضألّ "؛ لأن الألف ساكنة، والحروف الأول من الحرف المشدّد ساكن، فيكرهون الجمع بين ساكنين.
وروي عن أبي زيد أنه قال: صلّيت خلف عمرو بن عبيد في الفجر فقرأ: وَلَا الضَّالِّينَ فقلت: ولم فعلت هذا؟ فقال: كرهت أن أجمع بين ساكنين.
ومن ذلك قوله:
لها أشارير من لحم تتمّره ... من الثّعالي ووخز من أرانيها (٢)
أراد: " أرانبها " و " من الثعالب " غير أنه كره إبقاء الباء في الحرفين، فيلزمه تحريكها، وتحريكها يكسر الشعر، فأبدل منها حرفا لا يحرّك، وشبّهها بقولهم: " تظنّيت " و " تقصّيت " في معنى: " تظنّنت " و " تقصّصت "، أبدلوا ياء من الحرف الأخير، لما كرهوا التضعيف، وكذلك أبدلوا " ياء " مما ذكرنا لما احتاجوا إلى استقامة الوزن وسلامة الإعراب.
ومثله:
وبلدة ليس لها حوازق ... ولضفادي جمّها نقانق (٣)
أراد: ولضفادع جمّها.
ومن ذلك قولهم:
والله أنجاك بكفّي مسلمه ... من بعد ما وبعد ما وبعدمه (٤)
فأبدل الألف هاء في " بعدمه "؛ لأنّهما متقاربتا المخرج، وهما بعد من حروف الزيادة، والهاء شبيهة بالألف، ألا ترى أنه يفتح ما قبلها في التأنيث، كما أن الألف
стр. 225
لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا.
ومن ذلك قول الفرزدق:
راحت بمسلمة البغال عشيّة ... فارعى فزارة لا هناك المرتع (١)
وأراد: " لا هنأك المرتع " فقلب الهمزة ألفا، حين احتاج إلى تسكينها، كما تقلب الألف همزة إذا احتاج إلى تحريكها.
ومثله:
ولا يرهب ابن العمّ ما عشت صولتي ... ولا أختتي من صولة المتهدّد
وإنّي وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي (٢)
أراد: " ولا أختتئ " فقلب من الهمزة ياء حين احتاج إلى تسكينها.
وإنما جعلنا هذا في ضرورة الشعر؛ لأن الهمزة المتحرّكة إذا كان قبلها فتحة، أو كانت مضمومة وقبلها كسرة، كان تليينها أن تجعل بين بين، ولا تبطل حركتها، وقد تبطل حركتها في مواضع غير هذه، وستقف عليها إن شاء الله تعالى. وأما قول حسان:
سالت هذيل رسول الله فاحشة ... ضلّت هذيل بما قالت ولم تصب (٣)
وقول الآخر:
سالتاني الطّلاق أن رأتاني ... قلّ ما لي قد جئتما بنكر
ويكأن من يكن له نشب يح ... بب ومن يفتقر يعش عيش ضرّ (٤)
فإن هذا ليس من تخفيف الهمز، وذلك أن من العرب من يقول: " سلته أساله "، " وهما يتساولان " فلا يهمز، وإنما أتى به الشاعر غير مهموز على هذه اللغة.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: ومن أقبح الضرورات التي ينبغي أن لا يجوز مثلها ولا تصح، أبيات تروي عن بعض المتقدمين:
إذا ما المرء صمّ فلم يناج ... ولم يك سمعه إلا ندايا
ولا عب بالعشيّ بني بنيه ... كفعل الهرّ يلتمس العطايا
стр. 226
يلاعبهم وودّوا لو سقوه ... من الذّيقان مترعة ملايا
فأبعده الإله ولا يؤبّى ... ولا يشفى من المرض الشّفايا (١)
فقال أبو العباس: هذه أبيات لو أنشدت على الصواب لم تنكسر، فلا وجه لإجازتها.
قال أبو سعيد: وقد ذكرها المازنيّ ولم يطعن في روايتها، وقال: جعلوا ألف الإطلاق بمنزلة هاء التأنيث، وأنت تقول في هاء التأنيث: " عظاية " و " شكاية " و " نهاية ".
قال أبو سعيد: عندي في جوازها وجه آخر، وهو أنه لما أدخل ألف الإطلاق وقعت الهمزة بين ألفين، والهمزة تشبه الألف، فكأنه اجتمع ثلاث ألفات، فاستثقل ذلك، فقلب من الهمزة ياء، كما فعلوا ذلك " بخطايا " و " مطايا " وقد كان: " خطاأا " " مطاأا " قبل أن تقلب ياء.
ووجه آخر، وهو أن الكسائي حكى أن بعض العرب يقلب من الهمزة ياء في التثنية، وبعضهم يقلبها واوا، وبعضهم يدعها همزة على حالها؛ كقولهم في تثنية " رداء ":
" رداءان " و " ردايان " و " رداوان "، فشبه الشاعر ألف الإطلاق بألف التثنية.
ومن ذلك بدل أسماء الأعلام، وهو يجيء في الشعر على ثلاثة أوجه: وجه جائز في الشعر والكلام، ووجه جائز في الشعر دون الكلام، ووجه لا يجوز في الشعر ولا في الكلام.
فأما ما يجوز في الشعر والكلام، فنحو تصغير الاسم العلم الذي يعرف بغير التصغير؛ كقولهم في " عبد الله ": " عبيد الله "، وفي " زيد ": " زبيد ". وهذا جائز في الشعر والكلام.
قال الراعي:
ولا أتيت نجيدة بن عويمر ... أبغي الهدى فيزيدني تضليلا (٢)
أراد: " نجيدة بن عامر الخارجي ". وقد ينشد هذا البيت على التكبير: " ولا أتيت نجدة بن عامر " وهو مزاحف جائز.
стр. 227
وقال النابغة في هذا:
مقرّنة بالعيس والأدم كالقطا ... عليها الخبور محقبات المراجل
وكلّ صموت نثلة تبّعيّة ... ونسج سليم كلّ قضّاء ذائل (١)
أراد سليمان، فإمّا أن يكون رخّم، فأسقط الألف والنون، كما تقدّم من حكم الترخيم، وإما أن يكون صغّر تصغير الترخيم، وهو أن تحذف منه الزوائد، ثم يصغّر.
والزوائد في " سليمان " الياء والألف والنون، فحذفن كلّهن، ثم صغّر ما بقي، كما يقال في " عمران ": " عمير "، وفي " أزهر ": " زهير " بحذف الزوائد.
وأما ما يجوز في الشعر، ولا يجوز في الكلام فأن يبدل اسم من الاسم المعروف به، كما أبدلوا " معبدا " من " عبد الله "، و " سلّاما " من " سليمان " على غير قياس يوجب ذلك. قال الحطيئة:
وما رضيت لهم حتّى رفدتهم ... من وائل رهط بسطام بأصرام
فيه الرّماح وفيه كلّ سابغة ... بيضاء محكمة من نسج سلّام (٢)
أراد: " سليمان " ﵇.
وقال دريد بن الصمة يرثي أخاه عبد الله.
فإن تنسأ الأيّام والدّهر تعلموا ... بني قارب أنّا غضاب بمعبد
ثم قال:
تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا ... فقلت أعبد الله ذلكم الرّدي (٣)
فسمّاه " معبدا " واسمه " عبد الله "؛ لأنه رجع إلى معنى العبودة، وكذلك سمى الحطيئة " سليمان " " سلّاما "؛ لأن سليمان وسلّاما اشتقاقهما من السلامة.
وأما ما لا يجوز في الشعر ولا في الكلام، فالغلط الذي يغلطه الشاعر في اسم أو غيره مما يظن أن الأمر فيه على ما قال: كقوله:
والشّيخ عثمان أبو عفّان
стр. 228
فظن أن " عثمان " يكنى " أبا عفّان "؛ لأن اسم أبيه " عفّان "، وإنما هو " أبو عمرو "، فهذا مما لا يجوز.
وكقول آخر:
مثل النّصارى قتلوا المسيحا
وإنما اليهود على ما قالت النّصارى قتلوا المسيح، وقد أكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ (١).
وموضع الإنكار على الشاعر أن الذين اعتقدوا قتله اعتقدوا أن الذين قتلوه هم اليهود، غير أنه ظنّ لما كان اليهود والنّصارى مخالفين للإسلام وجاحدين لمحمد ﷺ أنهم جميعا مشتركون في سائر من ينكرونه من الأنبياء.
ومثل هذا كثير في الشّعر، وربما جاء منه ما يظن بعض الناس أنه غلط، وعند غيره ليس بغلط، كقول زهير:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلّهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم (٢)
فقال الأصمعي وغيره من أهل اللغة: إنه غلط في قوله: " كأحمر عاد "، وإنما هو:
" أحمر ثمود " الذي عقر الناقة، فنزل العذاب على قومه بعقره، وصار مشؤوما عليهم.
والعرب تضرب به المثل وتذكره.
قال أمية بن أبي الصلت يصف عاقر الناقة:
فأتاها أحيمر كأخي السهّ ... م بعضب فقال كوني عقيرا
أي فعقرها، يعني الناقة.
وقال بعض أهل اللغة، العرب تسمي " ثمود " " عادا الآخرة "، وتسمي قوم هود " عادا الأولى "؛ لأن ثمود هي عاد الأخرى، فقول زهير صحيح على هذا.
وفي نحو هذا قول أبي ذؤيب:
فجاء بها ما شئت من لطميّة ... يدوم الفرات فوقها ويموج (٣)
فقال الأصمعي: هذا غلط؛ وذلك أنه ظنّ أن الّلؤلو يخرج من الماء العذب، لبعده
стр. 229
عن مواضع اللؤلؤ. ومعنى يدوم الفرات فوقها ويموج، أي يسكن مرة ويهيج أخرى بالريح أو زيادة الماء.
وذكر بعض أهل اللغة أن هذا صحيح، وأن الأصمعي هو الغالط، وكيف يذهب هذا على أبي ذؤيب، وهو من هذيل، ومساكنهم جبال مكّة المطلّة على البحر ومواضع اللؤلؤ؟ وإنما أراد أبو ذؤيب بالفرات هاهنا ماء اللؤلؤة الذي قد علاها، وجعله فراتا؛ إذ كان أعلى المياه ما كان فراتا. وقوله: يدوم الفرات، أي يسكن ويموج، أي يضطرب، وإنما أراد أنه يسكن في عين النّاظر مرّة ويضطرب أخرى لصفائها وبريقها، وأن الماء هو ماء اللؤلؤة. وكقول امرئ القيس:
كبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير محلّل (١)
ذكر بعض أهل اللغة أنّ " البكر " هاهنا الّلؤلؤة، وجعلها بكرا لأنها أول شيء يخرج من الصدف، وذكروا أنّ اللؤلؤة الكبيرة النفيسة تكون في طرف الصّدفة، فأول ما تشقّ تخرج، فلذلك سمّيت بكرا.
وأما قوله: " غذاها نمير الماء " - والنمير: العذب المشروب- فإنه لم يرد أنها في العذب المشروب، وإنما أراد أنّ ماء البحر الذي هي فيه غذاء لها، كغذاء الماء العذب لنا، والنمير: العذب، فماء البحر نميرها. وقوله " غير محلّل " أي لا يحلّه أحد مستوطنا مقيما.
وقد تبدل بعض العرب حروفا من حروف لا يجري ذلك مجرى الضرورة؛ لأنّ ذلك لغتهم كإبدال بني تميم العين من الهمزة.
كما قال ذو الرمة:
أعن ترسّمت من خرقاء منزلة ... ماء الصّبابة من عينيك مسجوم (٢)
وإنما أراد: أأن ترسّمت.
وإنما يفعلون هذا في الهمزتين إذا اجتمعتا كراهية اجتماعهما. وهذا الذي نسميه عنعنة تميم. وربما أبدلوا من الهمزة الواحدة مع النون، وأكثر ذلك في " أن "؛ وسمّى " عنعنة " لاجتماع العين والنون، فركبوا منهما فعلا.
стр. 230
وقد يبدل بعضهم من كاف المؤنث شينا كقولهم " منش يا امرأة "، يريد: منك. قال الشاعر:
فعيناش عيناها وجيدش جيدها ... سوى أنّ عظم السّاق منش دقيق (١)
وهذه اللغة في بكر بن وائل، وتسمى كشكشة بكر.
ومنهم من يبدل مكان الياء المشدّدة والمخفّفة جيما في الوقف. وأكثر ما يكون ذلك في المشددة. قال:
خالي عويف وأبو علجّ ... المطعمان اللّحم بالعشجّ
وبالغداة فلق البرنجّ (٢)
وقال في المخفقة:
يا ربّ إن كنت قبلت حجّتج ... فلا يزال شاحج يأيتك بج
أقمر نهّات ينزّى وفرتج (٣)
وقد يبدلون من تاء المخاطب كافا؛ كما قال الراجز:
يا ابن الزّبير طال ما عصيكا ... وطال ما عنّيتنا إليكا
لنضربن بسيفنا قفيكا
وكما أبدلت خيبر والنّضير من الثّاء تاء في كثير من الحروف، كقولهم في " الثوم ":
" توم " وفي " المبعوث ": " مبعوت "، وفي " الخبيث ": " خبيت ". قال الشاعر:
ينفع الطّيّب القليل من الرّز ... ق ولا ينفع الكثير الخبيت
ويروى أن الخليل قال للأصمعي: لم قال الخبيت؟ فقال: هذه لغتهم، يجعلون مكان الثاء تاء، فقال الخليل: فلم جعل الكثير بالثّاء؟ فسكت الأصمعيّ.
قال أبو سعيد: وهذا عندي يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكون إبدالهم التاء من الثاء في حروف ما بأعيانها، و " الخبيث " منها، ولا يبدلونها في جميع المواضع، كما أبدل من الثاء الفاء في " مغفور " و " مغثور " و " فوم " و " ثوم "، ولا يجب البدل في كلّ موضع.
стр. 231
والوجه الثاني: أن يكون الشاعر قاله: " الكتير " بالتاء، غير أن الرواة نقلوا بالثاء على ما تتكلم به العرب، ولم ينقلوا " الخبيث " بالثاء، للقافية التائية، وفيها:
ليت شعري وأشعرنّ إذا ما ... قرّبوها منشورة ودعيت
ألي الفضل أم عليّ إذا حو ... سبت إنّي على الحساب مقيت (١)
وقد يبدل الشاعر بعض حروف الجرّ مكان بعض، وليس ذلك من الضرورة، كإبدالهم " على " من " عن " كما قال الشاعر:
إذا رضيت علىّ بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها (٢)
أي " عنيّ ".
وقال النابغة الجعدي:
كان رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليل على مستأنس وحد (٣)
أراد: " زال عنّا ". ومثل هذا كثير، وليس من الضرورة فأستقصيه.
وقد يبدلون من كلام العجم، إذا تكلموا به فعرّبوه، وربما اختلفوا في البدل من كلمة واحدة؛ فمن ذلك أنهم يقولون في الحانوت: " قربق " و " كربج " والأصل فيه: " كربه "، فبعضهم يجعله بالقاف، وبعضهم يجعله بالجيم.
وكذلك: " الفالوذج " و " الفالوذق ". والأصل فيه بالفارسية: " بالوذه " بين الفاء والباء.
و" دختنوس " و " دختنوش " و " تختنوس " و " تختنوس " والأصل فيه: " دخت نوش ".
وقال العجاج:
كأنّه مسرول أرندجا ... كما رأيت في النّبيط البردجا (٤)
أراد: " البرده " وهم الرقيق.
وقال أيضا:
стр. 232
فهنّ يعكفن به إذا حجا ... عكف النّبيط يلعبون الفنزجا (١)
وإنما هو: " البنجكان ". قال أبو حاتم: البنجكان: الدّستبند.
وقال أيضا:
يوم خراج يخرج السّمرّجا (٢)
وأصله بالفارسية: " سامرّه "، يعني: يخرج في كل سنة ثلاث مرّات.
وقال آخر:
لو كنت بعض الشّاربين الطّوسا (٣)
أراد: " أذرنطوس " وهو دواء.
قال آخر وهو رؤبة:
بارك له في شرب أذرنطوس
فعرّب مّرة بالطّوس، ومرة بأذرنظوس.
وقال آخر:
في جسم شخت المنكبين قوش (٤)
أراد: كوجك، فغيّر.
ولهذا أشباه كثيرة لا أحصيها، وليس في شيء مما ذكرناه من تعريب العجمية، والتكلم بها في الشعر معربة، ولا في إبدال حرف جر من غيره، مما تقدّم ذكره، ضرورة وإنما ذكرناه ليعلم أنه مما يجوز في الكلام والشعر، ولا ينسب قائله إلى دخول في ضرورة.
ومما لا يجوز إلا في الشعر جعل الكاف في موضع " مثل " اسما، وإدخال حروف الجر عليها، كإدخالها على مثل؛ مثل قولهم: " زيد ككعمرو "، يريدون به: كمثل عمرو، فجعلوا الكاف الثانية في موضع مثل، وجعلوا الكاف الأولى حرف جرّ دخل عليه. قال:
стр. 233
وصاليات ككما يؤثفين (١)
يعني: كمثل ما يؤثفين، والكاف الأولى زائدة وهو كقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (٢)؛ المعنى ليس مثله، والكاف زائدة لا غير.
والدليل على ذلك أنّا لو لم نجعلها زائدة لاستحال الكلام، وذلك أنها إذا لم تكن زائدة، فهي بمعنى مثل وإن كانت حرفا فيكون التقدير: ليس مثل مثله شيء، وإذا قدّر بهذا التقدير، فقد أثبت له مثل ونفي الشّبه عن مثله وهذا محال من وجهين: أحدهما: أن الله تعالى لا مثل له ولا نظير.
والثاني: أن نفس اللفظ به محال في كل أحد وذلك أنّا لو قلنا " ليس مثل مثل زيد أحد " لاستحال وذلك أنا لو أثبتنا لزيد مثلا، فقد جعلنا زيدا مثلا له. لأن ما ماثل الشيء فقد ماثله ذلك الشيء، ويجوز أن يكون زيد مثلا لعمرو وعمرو ليس مثلا لزيد، فإذا نفينا المثل عن مثل زيد وزيد هو مثل مثله فقد أحلنا.
ومن ذلك وضعهم الاسم مكان الاسم على سبيل الاستعارة، وقد يجري مثله في الكلام حتى لو أخرجه مخرج عن باب الضرورة، لم يكن بالمخطئ؛ فمن ذلك قول الحطيئة:
قروا جارك العيمان لما جفوته ... وقلّص عن برد الشّراب مشافره (٣)
أراد: شفتيه، والمشافر للإبل. وقال آخر:
سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملك أظلافه لم تشقّق (٤)
أراد عقبيه. والأظلاف للبقر والغنم في موضع عقبى الإنسان وقدمه.
وقال آخر يصف إبلا:
تسمع للماء كصوت المسحل ... بين وريديها وبين الجضحفل (٥)
والجحفل لذوات الحافر، وهو من الإبل المشفر.
стр. 234
وقال أيضا في هذه الأرجوزة:
والحشو من حفّانها كالحنظل (١)
والحفّان صغار النعام، فجعلها هاهنا لصغار الإبل.
وقال آخر، وهو أوس بن حجر:
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا (٢)
أراد بالتولب: طفلا من الناس، والتّولب: ولد الحمار، وقد كان المفضّل روى " جذعا " وأنكره الأصمعي وقال: جدع أي سّيّئ الغذاء. قال: فناظره المفضل وصاح، فقال الأصمعي: تكلم بكلام النمل وأصب.
وقال آخر:
لها حجل قد قرّعت عن رؤوسه ... لها فوقه ممّا تحلّب واشل (٣)
والحجل: إناث القبج، فوضعها لصغار الإبل.
ويقوي أن هذا خارج من باب الضرورات ما يروى عن الرسول ﷺ أنه قال:
" لا تحقرنّ من المعروف شيئا ولو فرسن شاة " والفرسن للبعير، لا للشاة.
ومن أقبح الضرورات جعل الألف واللام بمعنى الذي مع الفعل، كقول طارق بن ديسق:
يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا ... إلى ربّنا صوت الحمار اليجدّع (٤)
أراد: الذي يجدّع، ولو قال: المجدّع للزمه أن يخفض فيقوي؛ لأنّ القصيدة مرفوعة ففرّ من الإقواء إلى ما هو أقبح.
وفيه عندي وجه آخر، وهو أنه لم يرد الألف واللام التي بمعنى الذي، ولا الألف واللام التي للتعريف، ولكنه أراد، الذي نفسها، فحذف الذّال والياء وإحدى اللامين، لأنه قد رأى الذي يلحقها حذف كقولهم: اللّذ والّلذ، كما قال:
стр. 235
كالّلذ تزبّى زبية فاصطيدا (١)
وربما حذفوا فأحجفوا وبقّوا من الكلمة الحرف منها والحرفين كقوله:
بالخير خيرات وإن شرّا فآ ... ولا أحبّ الشّرّ إلا أن تآ
أراد إلا أن تشا فحذف الشين والألف. ومن روى: " إلا أن تا " بغير همزة غلط؛ لأن أول هذه الأبيات:
إن شئت أشرفنا كلانا فدعا ... الله جهرا ربّه فأسمعا
بالخير خيرات وإن شرّا فآ
والأبيات هي من مشطور الرجز، وهو: مستفعلن مستفعلن مستفعلن، كقول العجاج:
ما هاج أحزانا وشجوا قد شجا (٢)
والقافية العين، والألف وصل في " دعا " و " أسمعا "، ثم جعل الهمزة مكان العين، كما قال:
حدّث حديثين امرأه ... فإن أبت فأربعه
وإنما يستجاز هذا لأن العين والهمزة من موضع واحد، كما قال:
أنا لها بعيرها المذلّل ... أحملها وحملتني أكثر
فجعل الرّاء مكان الّلام؛ لتجاورهما في المخرج.
ومن الضرورة قوله:
ألا يا أمّ فارع لا تلومي ... على شيء رفعت به سماعي
وكوني بالمكارم ذكّريني ... ودلّي دلّ ماجدة صناع
فجعل " ذكّريني " في موضع " مذكّرة "، وهذا قبيح، وذلك لأن فعل الأمر لا يقوم مقام الاسم، وإنما يقوم الفعل المستقبل والماضي، كقولك: " كان زيد يقوم " أي قائما، و " كان زيد قد انطلق " أي منطلقا، ولكنه اضطر فوضع فعل الأمر موضع الفعل المستقبل في خبر كان؛ لأن ابتداء كلامه أمر، وهو قول: " كوني " ومحصول الأمر إنما وقع منه لها
стр. 236
على التذكير، فلما كان في المعنى أمرا لها بتذكيره استعمل فيه لفظ الأمر، إذ كان المعنى عليه.
وهذا يشبه قولهم: " أنت الّذي قمت " وذلك أنه لما كان الاسم المبدوء به للخطاب، والثاني للغائب، ومعناه معنى الأول، لم تحفل به، وردّ الضمير إلى الأوّل، فقام ردّ الضمير إلى الأول مقام ردّه إلى الثاني، إذ كان هو هو في المعنى. وكذلك قوله:
" وكوني بالمكارم ذكريني " أراد: وذكريني بالمكارم، أي كوني مذكرة لي بالمكارم.
وأدخل: " كوني " ليتوصل بها إلى ما بعدها، إذ كانت الفائدة فيه. ومن ذلك قوله:
مهما لي اللّيلة مهما ليه ... أودى بنعليّ وسر باليه
إنكّ قد يكفيك بغي الفتى ... ودرأه أن تركض العاليه (١)
ومهما لا تكون إلا في الشرط والجزاء كقولك: " مهما تفعل أفعل " وهذا الشاعر لم يرد ذلك، وإنما أراد: " مالي الّليلة "، مستفهما، ثم زاد " ما " الأخرى، كما تزاد صلة في مواضع، وكره اجتماع اللفظين، فقلب من الألف الأولى هاء، ولو لم يقلب لم ينكسر البيت ولم يفسد، ولكنه استقبح تكرير اللفظين، ففعل فيه ما يفعله في غير الضرورة، لتشاركهما في القبح عنده.
ومن ذلك أن كاف التشبيه لا يتّصل بها مكنيّ في الكلام؛ لا تقول: " أناكك " ولا " أنت كي "؛ وذلك أن معنى الكاف ومثل سواء، فإذا كنّي عن المشبّه استعملوا " مثلا " فقط، فإذا اضطر الشاعر جاز أن يأتي بعد الكاف بمكنى، إذ كان معناها معنى " المثل ".
وقد يجوز اتصال المكني بمثل. قال العجاج:
وأمّ أوعال كها أو أقربا (٢)
وقال امرؤ القيس:
فلا ترى بعلا ولا حلائلا ... كه ولا كهنّ إلا حاظلا (٣)
стр. 237
باب التقديم والتأخير
قال أبو سعيد: اعلم أن الشاعر قد يضطر حتى يضع الكلام في غير موضعه الذي ينبغي أن يوضع فيه، فيزيله عن قصده الذي لا يحسن في الكلام غيره، ويعكس الإعراب، فيجعل الفاعل مفعولا، والمفعول فاعلا، وأكثر ذلك فيما لا يشكل معناه.
فمن ذلك قول الأخطل:
أمّا كليب بن يربوع فليس لها ... عند المفاخر إيراد ولا صدر
مثل القنافذ هدّا جون قد بلغت ... نجران أو بلغت سوآتهم هجر (١)
أراد: بلغت نجران سوآتهم أو هجر، وذلك وجه الكلام؛ لأن السّوآت تنتقل من مكان فتبلغ مكانا آخر، والبلدان لا ينتقلن، وإنّما يبلغن ولا يبلغن.
وقال النمر بن تولب:
فإنّ المنيّة من يخشها ... فسوف تصادفه أينما
وإن أنت حاولت أسبابها ... فلا تتهّيبك أن تقدما
أراد: فلا تتهيّبها؛ لأنّ المنيّة لا تهاب أحدا. وقال آخر وهو ابن مقبل:
ولا تهيّبني الموماة أركبها ... إذا تناوحت الأصداء بالسّحر (٢)
أراد: ولا أتهيّب الموماة. وقال آخر:
كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزّناء فريضة الرّجم (٣)
ويروى: كما كان الزّناء يحدّ بالرّجم. أراد: كما كان الرّجم فريضة الزّناء.
وليس هذا من جعل المفعول فاعلا، ولكنه حذف اسم كان وهو " فريضة "، وأقام مقامها ما كانت مضافة إليه، وهو " الزّناء " وجعل فريضة الرجم هي خبر كان، وهو كلام على نظمه، وتلخيصه: كما كان فريضة الزنا فريضة الرّجم؛ لأنّ الفريضة هي الواجبة والذي يجب بالزنا هو الرجم، فأضفت الفريضة إلى الزنا وإلى الرجم جميعا؛ لأنها من أجل الزنا تجب، والواجب هو الرّجم، فأضيف إلى الشيء وإلى سببه، وحذف من الأول وأقيم
стр. 238
مقامه كما يفعل بالمضاف إليه.
ومثل هذا في إضافة شيء واحد إلى شيئين لتعلقه بهما المصدر الذي يضاف إلى الفاعل لوقوعه منه، وإلى المفعول لوقوعه به، وإلى الزمان أيضا لوقوعه فيه، كقول الله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ (١)
وأما قول الشاعر:
... ... وتشقى الرّماح بالضّياطرة الحمر (٢)
ففيه وجهان؛ أحدهما: ما ذكرناه من التقديم والتأخير، وذلك أنا الضياطرة هم الذين يشقون بالرماح لقتلهم بها.
والوجه الثاني: أنّ الرّماح تشقى بالضياطرة؛ لأنه لم يجعلهم أهلا للتشاغل بها، وحقّر شأنهم جدّا، فجعل طعنهم بالرّماح شقاء للرماح، كما يقال: " شقي الخّزّ بجسم فلان " إذا لم يكن أهلا للبسه.
قال الشاعر:
بكى الخّز من عوف وأنكر جلده ... وضجّت ضجيجا من جذام المطارف (٣)
ولو قال قائل: إن التقديم والتأخير فيما ذكرناه ليس من الضرورة، لم يكن عندي بعيدا؛ لأنها أشياء قد فهمت معانيها، وليست بأبعد من قولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي، والخاتم في إصبعي.
كما قال الشاعر:
ترى الثّور فيها مدخل الظّلّ رأسه ... وسائره باد إلى الشّمس أجمع (٤)
وإنما يدخل الرأس في القلنسوة، والإصبع في الخاتم، ورأس الثور في الظل. قال الله تعالى: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ (٥) وإنما العصبة تنوء بالمفاتيح.
وفيها قول آخر، وهو أنها على غير التقديم والتأخير، وذلك أن معنى قوله تعالى:
стр. 239
" تنوء بالعصبة " أي تنيئها، كما تقول: " ذهب بزيد " و " أذهبه "، وكذلك: " ناء به " و " أناءه ".
ومعنى هذا عند الفراء: تثقل العصبة وتميلهم من ثقلها. ويقال في قول القائل:
" ساءك وناءك " ومعنا: " أناءك "، وأتبعه " ساءك "، كما يقال: " هنأني الطّعام ومرأني " إتباعا.
وإذا أفردوه قالوا: أمرأني.
ومن ذلك تأخير المضاف إليه عن موضعه الذي ينبغي أن يكون عليه من مجاورة المضاف بلا فصل، كقولك: " غلام زيد " و " ضارب بكر ". فإذا اضطرّ شاعر جاز أن يفصل بينما بالظروف وحروف الجر، فتشبهها بإن وأخواتها، حيث فصل بينها وبين أسمائها بالظروف فقط.
قال الشاعر ذو الرمة:
كأن أصوات من إيغالهنّ بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج (١)
أراد: كأن أصوات أواخر الميس من إيغالهن بنا.
وقال أبو حية:
كما خطّ الكتاب بكفّ يوما ... يهوديّ يقارب أو يزيل (٢)
أراد: بكف يهودي يوما. وقال آخر:
لما رأت ساتيدما استعبرت ... لله درّ اليوم من لامها (٣)
أراد: لله در من لامها اليوم.
وقالت امرأة من العرب:
هما أخوا في الحرب من لا أخا له ... إذا خاف يوما نبوة فدعاهما (٤)
ولا يجوز هذا عند البصريين إلا في الظروف. وقد أنشد فيه ما لا يثبته أهل الرواية وهو:
فزججتها بمزجّة ... زجّ القلوص أبي مزاده (٥)
стр. 240
أي زجّ أبي مزادة القلوص، وليست القلوص بظرف.
وقال آخر:
تمرّ على ما تستمرّ وقد شفت ... غلائل عبد القيس منها صدورها (١)
أراد: وقد شفت عبد القيس منها غلائل صدورها، وهذا قبيح جدّا.
وأما قراءة بعضهم، وهو ابن عامر: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ (٢) أراد: قتل شركائهم أولادهم، وهذا خطأ عند النحويين.
والذي دعاه إلى هذه القراءة أنّ مصحف أهل الشام فيه ياء مثبتة في شركائهم فقدر أن الشركاء هم المضلون لهم الداعون إلى قتل أولادهم، فأضاف القتل إليهم، كما يضاف المصدر إلى فاعله، ونصب الأولاد؛ لأنهم المفعولون، ولو أضاف المصدر إلى المفعولين فقال: قتل أولادهم، للزمه أن يرفع الشركاء فيكون مخالفا للمصحف، فكان اتباع المصحف آثر عنده.
ووجه الآية أن يخفض " شركائهم " بدلا من الأولاد ويجعل الأولاد هم الشركاء؛ لأن أولاد الناس شركاء آبائهم في أحوالهم وأملاكهم.
ووجه آخر وهو: أن تكون الياء المثبتة في المصحف مضمومة، وقد تكون بدلا من الهمزة، على لغة من يقول: شفاه الله يشفيه شفايا، وهذه لغة غير مختارة في القرآن.
والقول الأول أجود، وتقدير هذا: وكذلك زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم، يرفعهم بزّين، وهذان الوجهان على تخريج خط مصحف أهل الشام. وقراءة ابن عامر لا وجه لها.
وأما قوله:
كميت يزلّ اللّبد عن حال متنه ... كما زلّت الصّفواء بالمتنزّل (٣)
ففيه وجهان؛ أحدهما: أن يكون من المقلوب، وتقديره: " كما زلّ المتنزّل بالصّفواء "، وهي الصّفاة الملساء.
стр. 241
والوجه الآخر: أن يكون من قولك: " ذهبت به " في معنى: " أذهبته " فيكون " زلّت به " في معنى: " أزلّته ".
وقد كان بعض أصحابنا يذهب إلى أن قولك: " ذهبت بزيد " معناه على غير معنى " أذهبت زيدا "؛ وذلك أن قولك: " أذهبت زيدا " معناه: أزلته، ويجوز أن تكون أنت باقيا في مكانك لم تبرح. وإذا قلت: ذهبت بزيد، فمعناه ذهبت معه، وهذا يحكي عن أبي العباس المبرد.
وبعض الناس ينكر هذا، ويقول: معناهما سواء؛ لأن الله تعالى قد قال: لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ (١) في معنى أذهب الله سمعهم وأبصارهم، وهو تعالى غير ذاهب، ويحتج بالبيت الذي أنشدناه أنّ الصّفواء غير زالّة.
وللمحتج عن أبي العباس أن يقول في الآية: إن الله تعالى وإن لم يكن ذاهبا، فقد وصف نفسه في مواضع من القرآن بالمجيء والإتيان، فهو أعلم بحقيقة ذلك، فقال:
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢) وقال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ (٣).
وأما قول النابغة:
كأنّ رحلي وقد زال النّهار بنا ... بذي الجليل على مستأنس وحد
فإنما يريد غابت الشّمس، وذهب النهار، وهم ما زالوا. والمعنى عندي أن النهار أزالهم من مكان كانوا فيه إلى مكان صاروا إليه، وزال أيضا معهم بأن غابت شمسه وذهب وقته، فصار بمعنى قولك: " ذهبت بزيد "، بمعنى " أذهبته " و " ذهبت معه ". وقد كان قوم من أهل اللغة يجعلون " الباء " هاهنا في معنى " على "، فيقولون: زال النهار بنا في معنى علينا، وهذا غير متحصّل، والقول فيه ما خبّرتك به.
وأما قول قيس بن الخطيم:
ديار التي كادت ونحن على منى ... تحلّ بنا لولا نجاء الرّكائب (٤)
стр. 242
فإن بعض الناس يتأوله على معنى: تحلّنا وتنزلنا. من غير أن تنتقل إلينا، على المذهب الذي ذكرناه في: ذهبت به،
من غير أن تذهب معه.
قال أبو سعيد: والأمر عندي على خلاف ذلك، من قبل أنهم لما رأوا ديارهم اشتاقوا إليها، وتصوروها، فصارت بالتصوّر كأنها معهم نازلة في الديار، فهي قد أنزلتهم ونزلت معهم.
وأما قول الفرزدق:
وما مثله في النّاس إلا مملّكا ... أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه (١)
فإن فيه ضروبا من العيوب من التقديم والتأخير. وحق الكلام على ما ينبغي أن يكون عليه اللفظ؛ وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملك أبو أمه أبوه؛ وذلك أن الفرزدق مدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي، خال هشام بن عبد الملك، وأبو أم هشام بن عبد الملك أبو إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي، فقال: " وما مثله "، يعني إبراهيم الممدوح، " في الناس حي يقاربه "، أي أحد يشبهه، " إلا مملك "، يعني خليفة، " أبو أمه "، يعني أبو أم الخليفة، " أبوه "، يعني أبو الممدوح؛ فالهاء في " أمه " تعود إلى الملك، وهو هشام بن عبد الله، والهاء في " أبوه " تعود إلى إبراهيم بن إسماعيل، ففرق بين المبتدأ والخبر بما ليس منه، وذلك أن قوله: " أبو أمه " مبتدأ في موضع نعت الملك، ففرق بينهما بقوله: " حيّ " و " حيّ " هو خبر " ما "، وفرق بين قوله: " حيّ " وبين قوله: " يقاربه " وهو نعت " حيّ " ب " أبوه " وهو خبر مبتدأ، وقدم الاستثناء، وترتيب الكلام مع تقديم الاستثناء أن يقال: " وما مثله في النّاس " إلا مملّكا أبو أمّه أبوه حيّ يقاربه "، كما تقول " ما مثل زيد إلا عمرا أحد ". فلو لم يكن في هذا البيت إلا تقديم الاستثناء فقط ما كان معيبا، والذي فيه عيبان، أحدهما: الفصل بين المبتدأ وخبره بخبر " ما "، والآخر: الفصل بين خبر " ما " ونعته بخبر المبتدأ.
ومن ذلك قول الفرزدق:
هيهات قد سفهت أميّة رأيها ... فاستجهلت حلماؤها سفهاؤها
حرب تردّد بينهم بتشاجر ... قد كفّرت آباؤها أبناؤها (٢)
وتقديره: هيهات قد سفهت أميّة حلماؤها رأيها، فاستجهلت سفهاؤها، فأبدل
стр. 243
حلماؤها من أميّة، ورفع سفاؤها باستجهلت، ووضع الكلام في غير موضعه؛ لأن قوله:
" فاستجهلت " هو جواب لقوله: " قد سفهت "، وفاعل الفعل الأول حكمه أن يأتي بعد الذي يعمل فيه الفعل الثاني.
الذي يعمل فيه الفعل الثاني.
قال أبو سعيد: وكان حكمه في الظاهر أن يعمل أحد الفعلين، إما سفهت، وإما استجهلت، فأعملهما جميعا بعد الفعل الثاني، وهذا كقولك: " ضربني وضربت زيدا " و " أعطاني وأعطيت زيدا درهما "، إذا أعملت الفعل الثاني، وإن أعملت الأول قلت:
" أعطيت وأعطاني إيّاه زيدا درهما "، فالذي تعمله في الظاهر أحد الفعلين، ولا يحسن أن تقول: " أعطيت وأعطاني إيّاه زيد درهما " ترفع زيدا بالفعل الثاني، وتنصب الدّرهم بالفعل الأول.
وتقول أيضا على هذا: " ظنّ عمرو أو قال زيد منطلق ". إذا أعملت قال، فإذا أعملت الظن فالوجه أن تقول: " ظنّ عمرو أو قال هو هو زيد منطلقا " ولو قلت: " ظنّ عمرو أو قال زيد هو إيّاه منطلقا " لم يحسن، لأن الظاهرين إما أن يفعل فيهما الأول أو الثاني، ولا يحسن أن يعمل كلّ واحد من الفعلين في واحد من الظاهرين، وهذا كله إذا وقعت الأسماء بعد الفعلين جميعا، فإذا وقع كل واحد من الأسماء في موضعه، لم يحتج فيه إلى هذا واستعمل كما ينبغي، فلما كانت " حلماؤها وسفهاؤها " بعد " سفهت " و " استجهلت " لم يحسن أن يكونا ظاهرين بعد الفعلين جميعا، وأحدهما غير الآخر، ولو كان أحدهما هو الآخر لكان أقرب إلى الجواز؛ لأنه كان يجعل ظاهره مكان مضمره، وذلك أنك إذا قلت: " قام فانطلق زيد " ورفعت زيدا بقام، وجعلت في " انطلق " ضميرا منه، صار التقدير: " قام زيد وانطلق ".
قال أبو سعيد: يجوز على القياس: " قام فانطلق زيد زيد " على أنك ترفع زيدا الثاني بقام، وترفع الأول بانطلق، فيكون التقدير: قام زيد فانطلق زيد، والوجه الإضمار، وإن كان هذا جائزا. والدليل على جوازه قوله:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا (١)
والوجه أن يقول: لا أرى الموت يسبقه شيء.
стр. 244
وقوله: " قد كفّرت آباؤها أبناؤها "، فآباؤها يرتفع بكفرت، ومعناه: لبست السلاح وتغطت به، ويرتفع " أبناؤها " بتشاجر، كما يرتفع الفاعل بالمصدر، كأنه قال: حرب تردّد بينهم بأن يتشاجر أبناؤها فلبست الآباء السلاح
بتشاجر الأبناء، وقد كان ينبغي أن لا يفرق بين ما قد ارتفع بتشاجر وبين تشاجر بقوله: " قد كفرت "؛ لأن ما يعمل فيه المصدر بمنزلة الصلة فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
وفي هذين البيتين وجه أقرب من هذا من غير ضرورة، وهو أن يجعل " حلماؤها " ابتداء و " سفهاؤها " خبرا له، ومعناه أن حليمهم صار سفيها، وكذلك " أبناؤها " و " آباؤها " مبتدأ وخبر، يعني من طول ترددها قد صارت أصاغرها، ومن نشأ فيها، كبارا. قال الفرزدق:
فليست خراسان الّتي كان خالد ... بها أسد إذ كان سيفا أميرها
فهذا البيت يدخله النحويون في ضرورة الشعر، ويذكرون أنه يمدح " خالدا " ويذمّ " أسدا، وكانا واليين بخراسان، و " خالد " قبل " أسد "، وتقديره: وليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها سيفا إذ كان أسد أميرها، ويكون رفع " أسد " بكان الثانية، و " أميرها " نعت له، وكان في معنى وقع، ويجوز أن يكون في كان ضمير الأمر والشأن، ويكون " أسدا " و " أميرها " مبتدأ وخبرا في موضع خبر الضمير.
وقال أبو سعيد: وهذا عندي كلام فاسد؛ لأن الاسم لا يرتفع بكان وهو قبله، والمعنى فيه على غير ما قدّروه، وليس في البيت ضرورة، على أنّا نجعل " أسدا " بدلا من " خالد " ونجعله هو خالد، على سبيل التشبيه له بالأسد، فكأنه قال: فليست خراسان التي كان بها أسد إذ كان سيفا أميرها، وتجعل " سيفا " خبرا لكان الثانية، وتجعل " أميرها " الاسم، وإن شئت جعلت في كان الثانية ضميرا من أسد وجعلت أميرها بدلا من الضمير و " سيفا " هو الخبر.
وقال الفرزدق:
وترى عطيّة ضاربا بفنائه ... ربقين بين حظائر الأغنام
متقلّدا لأبيه كانت عنده ... أرباق صاحب ثلّة وبهام (١)
стр. 245
أراد: متقلدا أرباق صاحب ثلّة وبهام كانت عنده، فقدم النّعت على المنعوت، ولم يكن النعت باسم فيقع الفعل عليه، وهو " متقلّد " ويجعل المنعوت بدلا منه.
وقال آخر:
صددت فأطولت الصّدود وقلّما ... وصال على طول الصّدود يدوم (١)
ووجه الكلام؛ وقلّما يدوم وصال على طول الصّدود، وذلك أن الأصل في هذا أن يقال: قلّ وصال يدوم على طول
الصدود؛ لأن " قل " قبل دخول " ما " من حكمها أن لا تليها الأفعال؛ لأنها فعل، ولا يلي الفعل فعل، فأدخلوا عليها " ما " ليوطئوا للفعل أن يليه؛ لأن الفعل لا يمتنع أن يلي " ما "، وكان الحكم أن يولوها ما دخلت " ما " من أجله، وهو الفعل، فلما اضطرّ قدّم الاسم الذي كان يفعل بعد " قلّ " قبل دخول " ما " وإذا قلت:
" قلّ ما يدوم وصال "؛ فإنّ " قلّ " لم تزل عن فعليتها، غير أن الذي يرتفع بها: " ما " وهي اسم مبهم، يجعل في هذا الموضع للزمان، فكأنه قال: قلّ وقت يدوم فيه وصال، ويحذف العائد كما قال الله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً (٢) يريد، تجزي فيه نفس عن نفس. وقد يجوز في " قلّ ما " أن تجعل " ما " زائدة، ويرتفع " وصال " بقلّ، فكأنك قلت: قلّ وصال يدوم، كما قال : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ (٣).
باب تغيير الإعراب عن وجهه
قال أبو سعيد: فمن ذلك قول الشاعر:
سأترك منزلي لبني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا (٤)
والوجه في هذا الرفع، وذلك أن قوله: " سأترك " هو مرفوع موجب، وما بعده معطوف عليه داخل في معناه، فحكمه أن يكون جاريا على لفظه، وإنما ينصب ما كان جوابا لشيء مخالف لمعناه كقولك: " ما تجلس عندنا فنحدّثك "، وما أشبه ذلك مما يحكم في موضعه، ولا يقال في الكلام: " أنا أجلس عندكم فأحدّثكم " إنما هو " فأحدّثكم ".
وإذا اضطر الشاعر فنصب فيما ذكرنا أن الوجه فيه الرفع يؤوّل تأويلا يوجب
стр. 246
النصب، كالتأويل الذي يتأوّل فيما يخالف آخره أوّله؛ وذلك أنك إذا قالت: " ما تجلس عندنا فنحدّثك " فتأول: ما يكون منك جلوس فحديث منا، غير أن المصدر قد يجوز أن يقع موقعه " أن " الخفيفة وفعل ذلك المصدر، ألا ترى أنك تقول: " يعجبني قيامك "، و " يعجبني أن تقوم " في معناه. وإذ قد وضح هذا فأنت إذا قلت: " ما تجلس عندنا
فنحدّثّك " إنما تنفى جلوسه، ولست بناف للحديث على كل حال، كما نفيت الجلوس، وإنما نقدر في ذلك أحد تقديرين، إما أن يكون على معنى قولك: " ما تجلس عندنا فكيف نحدّثك " فتكون نافيا للجلوس ومخبرا أن الحديث يتعذر وقوعه مع عدم الجلوس، أو يكون على تقدير: ما تجلس عندنا محدثين لك، وقد تجلس عندنا على غير حديث بيننا فتكون نافيا للجلوس الذي يقرن به الحديث، ولم تعمد لنفي الحديث، فلمّا خالف الأول الثاني هذه المخالفة، كرهوا أن يعطفوا الثاني على الأول في لفظه، فيكون داخلا في معناه؛ لأنك إذا قلت: " ما تجلس عندنا فتحدّثنا " فأنت ناف لكل واحد من الجلوس والحديث من غير تعلق أحدهما بالآخر، كما أنك إذا قلت: " ضربت زيدا وعمرا " كنت ضاربا لكل واحد منهما، من غير تعلق أحدهما بالآخر، فلما كان الفعل الثاني في " ما " جوابا تضمن معنى يخالف الأول، وإن كان معطوفا عليه في المعنى، فقدّر الأول تقدير المصدر، كأنه قال:
ما يكون منك جلوس، وقدر في الثاني " أن " فنصب بها الفعل، ثم كره أن يكون الأول في لفظ الفعل، والثاني يقترن به ما يصيره اسما وهو " أن "، فحذفت " أن " ليشاكل الأول الثاني في الفعلية، ولم يبطل النصب الذي أثّرته " أن "؛ لئلا يدخل الثاني فيما دخل فيه الأوّل، فإذا اضطر الشاعر في المتّفقين، ردّه إلى التقدير الذي يوجب النصب هنا.
ومثل هذا قول طرفة:
لنا هضبة لا ينزل الذّلّ وسطها ... ويأوي إليها المستجير فيعصما (١)
والوجه فيعصم. وقال الآخر:
هنالك لا تجزونني عند ذاكم ... ولكن سيجزيني الإله فيعقبا (٢)
стр. 247
والوجه: الرفع. ومن ذلك قوله:
قد سالم الحّيات منه القدما ... الأفعوان والشّجاع الشّجعما (١)
وكان الوجه أن يقول: الأفعوان الشجاع الشجعم، غير أنّ قوله: " قد سالم الحيّات منه القدما " يوجب أن القدم أيضا قد سالمت الحيات؛ لأن باب المفاعلة يكون من اثنين كل واحد منهما يفعل بصاحبه مثل ما يفعل به صاحبه. فلما ذكر مسالمة الحيات للقدم دلّ أن القدم أيضا قد سالمت فكأنه قال: وسالمت القدم الشّجاع الشجعما، فحذف لما ذكرنا.
وكان بعض النحويين يروي هذا البيت بنصب " الحيات " منه ويجعل " القدما " في معنى القدمان، ويحذف النون، كما قال تأبط شرّا:
هما خطّتا إمّا إسار ومنّه ... وإما دم والقتل بالحرّ أجدر (٢)
أراد: خطتان، فحذف، وحمل حذف النون على قوله:
... إنّ عمّيّ اللّذا ... قتلا الملوك وفكّكا الأغلال (٣)
أراد: اللذان؛ لأنّ اللّذان يحتاج إلى صلة، وهي والصّلة كالشيء الواحد فاستطال فحذف.
ومن ذلك:
فكرّت تبتغيه فصادفته ... على دمه ومصرعه السّباعا (٤)
على تقدير: صادفت السّباع على مصرعه، وكان الوجه أن يقول: على دمه ومصرعه السّباع؛ لأنه لم يعطف السباع على الهاء التي في " صادفته "، ولو فعل هذا لكان النصب جيّدا، وكان يقول: صادفته السباع على دمه ومصرعه، ثم يؤخّر. فلما لم يعطف كان الوجه أن يجعل الجملة الثانية في موضع الحال، فوجب أن يرفع السّباع لذلك، فإذا نصبه فهو على مثل الأول الذي جرى ذكره، وكان أبو العباس المبرد يروي هذا البيت:
فكرّت عند فيقتها فألفت ... على دمه ومصرعه السّباعا
стр. 248
ومن ذلك قوله:
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح
فبدأ بفعل لم يسمّ فاعله، ثم أتى بالفعل أن بنى الفعل بناء ما لم يسمّ فاعله، وكان الوجه أن يقول: ليبك يزيد ضارع لخصومة. وتقدير الرفع في الثاني وهو " ضارع ": ليبكه ضارع لخصومة، وذلك أنه لما قال: ليبك يزيد دلّ هذا الفعل على أنه أمر قوما يبكونه، فقال: ضارع لخصومة، يعني من أمره بالبكاء، فأضمر: " لبكه ".
ومثل ذلك قراءة بعضهم: وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ (١)
على تقدير: زيّنه شركاؤهم؛ لأنه قد دلّ " زيّن " على قوم قد زيّنوا، فرفعهم على ذلك الفعل، وهم الشركاء، وليس هذا بالمختار في كتاب الله تعالى؛ لأنه لا يجري مجرى ضرورة الشاعر.
ومن ذلك قوله:
وجدنا الصّالحين لهم جزاء ... وجنّات وعينا سلسبيلا (٢)
فنصب جنّات وما بعدها، وكان الوجه الرفع عطفا على قوله: " جزاء "، وإنما فعل هذا واستجازه؛ لأنه حين قال " وجدنا الصّالحين لهم جزاء "، دلت على أنه قد وجد الجزاء لهم، فأضمر وجدنا ونصب " جنات " وما بعدها.
ومن ذلك بيت أنشده سيبويه على وجه الضرورة ويجعله غيره على غير ضرورة، وهو قول الشماخ:
أمن دمنتين عرّج الرّكب فيهما ... بحقل الرّخامي قد عفا طللاهما
أقامت على ربعيهما جارتا صفا ... كميتا الأعالي جونتا مصطلاهما (٣)
قال سيبويه: هذا هو مثل " هند حسنة وجهها " وهذا قبيح، ولا يجوز في الكلام، وإنما الوجه أن تقول: " هند حسنة الوجه " أو " حسنة الوجه " وما أشبه ذلك، إذا لم ترفع
стр. 249
" الوجه " لم تجعل فيه ضميرا من الأول، وإن رفعته جعلت فيه ضميرا من الأوّل فقلت:
" حسن وجهها " فإذا اضطر الشاعر فلم يرفع وجعل فيه ضميرا، فقد وضع الإعراب في غير موضعه، واحتمل له ذلك للضرورة، والبيت تقديره على هذا: جونتا مصطلاهما، بمنزلة: حسنتا أوجههما، فجونتا بمنزلة حسنتا، ومصطلاهما بمنزلة: أوجههما.
وكان الوجه أن يقول: جونتا المصطلى أو المصطلين، ولا يجعل فيه ضميرا، وسنذكر أحكام هذا إن شاء الله تعالى.
باب تأنيث المذكر وتذكير المؤنث
قال أبو سعيد: فمن ذلك قول عمر بن أبي ربيعة:
وكان مجنى دون من كنت أتّقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر (١)
فحذف الهاء من ثلاثة، وكان ينبغي أن يقول، ثلاثة شخوص، من قبل أنّ الشخص مذكّر، ولكنه ذهب به مذهب النسوة؛ لأنهن كن ثلاث نسوة.
وقال آخر:
وإنّ كلابا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر (٢)
أراد بالأبطن القبائل، فذهب مذهب القبائل في تأنيثها، وإلا فقد كان الوجه أن يقول: عشرة لتذكير البطن.
ومما يجري مجرى الضرورة عند كثير من النحويين، ويذهب أبو العباس إلى تجويزه في غير الشعر: تأنيث المذكّر المضاف إلى المؤنث، كقولك: " ذهبت بعض أصابعه "، " واجتمعت أهل اليمامة ". قال الشاعر:
وتشرق بالقول الّذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدّم (٣)
وإنما الوجه أن يقول: كما شرق صدر القناة، لأن الصّدر مذكّر، والفعل له. ومثله:
إذا بعض السّنين تعرّقتنا ... كفى الأيتام فقد أبي اليتيم (٤)
وإنما الوجه أن يقول: تعرّقنا؛ لأن الفعل للبعض وهو مذكّر.
стр. 250
وقد ذكر سيبويه هذه الأبيات وغيرها مما يشاكلها في باب بعد هذا. ونحن نستقصى الكلام فيها إذا صرنا إليها.
واحتج أبو العباس في تجويز هذا المعنى، وجودته في غير الشعر بقوله تعالى:
فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (١) فذكر أنه أجرى " خاضعين " على الهاء والميم التي أضيفت إلى الأعناق، واعتمد على أصحابها فقال: فظلوا لها خاضعين، فكذلك إذا قلت:
شرقت صدر القناة، كأنك لم تذكر الصدر واعتمدت على ما أضيف إليه الصدر.
وهذه الآية فيها تأويلات غير ما تأول أبو العباس، منها: أن الأعناق هم الرؤساء، كما يقال: " هؤلاء رؤوس القوم " و " هؤلاء وجوه القوم " يراد به الرؤساء والمنظور إليهم، وليس القصد إلى الرؤوس المركّبة على الأجساد، ولا
إلى الوجوه المخلوقة في الرؤوس، فكأنه قال: فظلّت رؤساؤهم خاضعين.
ومنها أن أبا زيد حكى وغيره أن العرب تقول: " عنق من النّاس " في معنى جماعة.
قال الهذلي:
تقول العاذلات أكلّ يوم ... لرجلة مالك عنق شحاح
كذلك يقتلون معي ويوما ... أؤوب بهم وهم شعث طلاح (٢)
فجعل العنق الجماعة.
وقال الشاعر في تذكير ما ينبغي تأنيثه:
فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها (٣)
أراد: ولا أرض أبقلت إبقالها، وقد كان يمكنه أن يقول: ولا أرض أبقلت ابقالها، فيخفف الهمزة غير أنه آثر تحقيقها، فاضطره تحقيقها إلى تذكير ما يجب تأنيثه، وتأوّل في الأرض المكان؛ لأن الأرض مكان، فذكّر لذلك. ومن ذلك قوله:
فإمّا ترى لمّتي بدّلت ... فإنّ الحوادث أودى بها (٤)