← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17726

شرح كتاب سيبويه للسيرافي

السيرافي، أبو سعيد

Полный текст (2 488 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

قال: (وقد جاء شيء منه كثير) على فعالى قالوا " يتامى " شبهوه ب (وجاعى) و (حباطى) لأنها مصائب قد ابتلوا بها فشبهت بالأوجاع) (حين جاءت على فعلى) وقد عرفتك أن " فعالى " يجيء في التقدير جمعا لفعلان وتكون الألف والنون بمنزلة ألفي التأنيث (كأنهم) قالوا: (يتمان) و (يتامى) كما نقول (ندمان) و (ندامى) و (وجعان) و (وجاعى) و (حبطان) و (حباطى) وإنما قال: (يتامى) شبهوه ب (وجاعى) وجعل (وجاعى) هو لأن واحده: (وجع) وواحد (حباطى): (حبط) وفعل يكون في معنى " فعلان " وليس يكون في (يتيم) (يتم). قال سيبويه: (وقالوا: " طلحت النّاقة " و (ناقة طليح) شبهوها ب " حسير " لأنها قريبة من معناها وليس ذا بالقياس لأنها ليست " طلحت " فإنما هي ك " مريضة " و (سقيمة) ولكن المعنى أنه فعل ذا بها كما قالوا: (زمنى) والحمل على هذه الأشياء ليس بالأصل ولو كان أصلا لقبح " هالكون " و " زمنون " ونحو ذلك). يعني أن قولهم (طلحت الناقة) - معناه أعييت- يوجب أن يقال " طليحة "، لأن الفعل لها كما تقول: (مرضت) فهي (مريضة)، و (سقمت) فهي (سقيمة) ولكنه لما كان الإعياء شيئا يصيب الإنسان من غير شهوة ولا اختيار شبه بالفعل الذي لم يسم فاعله فأشبه (جرحت) فهي (جريح) ونحو ذلك. وقوله: ولو كان أصلا لقبح (هالكون) و (زمنون) يعني لو كانت هذه الأشياء التي وضعت على " فعلى " وواحدها غير فعيل الذي بمعنى مفعول (أصلا) لقبح أن يقال (هالكون) و (زمنون) وذلك فعيل الذي بمعنى مفعول نحو (قتيل) و (جريح) يستوي فيه الذكر والأنثى ولا تدخله الهاء للمؤنث وما كان هذا سبيله فليس الباب أن يجمع جمع السلامة وقد مضى هذا وقولهم (هالك) و (هلكى) و (زمن) و (زمنى) و (مريض) و (مرضى) قد حمل على (جريح) و (قتيل) لأنه شيء أصابه وهو كاره فكان الواحد (هليك)، و (زمين) في معنى (مهلوك) كما يقال (قتيل) و (جريح) في معنى (مقتول) و (مجروح) وهذا ليس يقاس لفظه لأن لفظة (هالك) للمذكر و (هالكة) للمؤنث، و (زمن) للمذكر و (زمنة) للمؤنث و (مريض) للمذكر و (مريضة) للمؤنث. وما كان هذا سبيله فجمع السلامة مستحسن فيه، وإنما يقال (مرضى) و (هلكى) حملا على المعنى الذي ذكرته لك. فقال سيبويه: حمل هذه الأشياء على المعنى ليس (بالأصل ولو كان) بالأصل لقبح جمع السلامة كما يقبح في (قتيل) و (جريح) فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.

стр. 1892

هذا باب بناء الأفعال التي هي أعمال تعداك إلى غيرك وتوقعها به ومصادرها قال سيبويه: " فالأفعال تكون من هذا على ثلاثة أبنية: على فعل يفعل، وفعل يفعل، (وفعل يفعل). ويكون المصدر فعلا، والاسم فاعلا. فأما فعل يفعل ومصدره فقتل يقتل قتلا، والاسم قاتل، وخلقه يخلقه خلقا، والاسم خالق، ودقه يدقه دقا، والاسم داق. وأما فعل يفعل فنحو: ضرب يضرب، وهو ضارب، وحبس يحبس وهو حابس. وأما فعل يفعل ومصدره والاسم فنحو: لحس يلحس لحسا وهو لاحس، ولقمه يلقمه لقما وهو لاقم، وشربه يشربه شربا وهو شارب، وملجه يملجه ملجا وهو مالج ". ومعناه مصه يمصه، ورضعه، ومنه ما يروى عن النبي ﷺ (أنه قال): (لا تحرّم إلا ملاجة وإلا ملاجتان) (١)، يريد الرضعة والرضعتين " وقد جاء بعض ما ذكرنا من هذه الأبنية على فعول "، يعني ما يتعدى، وذلك: لزمه يلزمه لزوما، ونهكه ينهكه نهوكا، ووردت الماء ورودا، وجحدته جحودا، شبهه بجلس جلوسا، وقعد قعودا، وركن يركن ركونا ". شبهوا ما يتعدى بما لا يتعدى. " لأن بناء الفعل واحد، وقد جاء مصدر فعل يفعل، وفعل يفعل على فعل، وذلك: حلبها يحلبها حلبا، وطردها يطردها طردا، وسرق يسرق سرقا. وقد جاء المصدر على فعل أيضا، وذلك: خنقه يخنقه خنقا، وكذب يكذب كذبا، وقالوا: كذابا، (فجاءوا به على فعال، كما جاءوا به على فعول. ومثله) حرمه يحرمه حرما، وسرقه يسرقه سرقا. وقالوا: عمله يعمله عملا، فجاء على فعل كما جاء السرق والطلب. ومع ذا أن بناء فعله كبناء فعل الفزع، فشبه به " قال أبو سعيد- ﵀ -: ذكر سيبويه هذه المصادر المختلفة في الأفعال المتعدية، والأصل فيها عنده أن يكون المصدر على فعل، بل الأصل في الأفعال كلها الثلاثية أن تكون مصادرها على فعل، لأنه أخف الأبنية، ولأنا نقول فيها كلها إذا أردنا المرة الواحدة فعله، كقولنا: جلس جلسة، وقام قومة، وفعل هو جمع فعلة، كما يقال: تمرة وتمر، فيكون الضرب من الضربة كالتمر من التمرة، وما خرج عن هذا فهو الذي

стр. 1893

يذكره. فقد ذكر فعل وفعل، ثم قال في عمله يعمله عملا: أنهم شبهوه بالفزع الذي هو مصدر فزع، وفزع لا يتعدى. والباب في فعل الذي لا يتعدى إذا كان فاعله يأتي على فعل أن يكون مصدره على فعل كقولنا: فرق فرقا فهو فرق، وحذر يحذر حذرا فهو حذر، فشبّه بالعمل، وهو مصدر فعل يتعدى بالفزع، وهو مصدر فعل لا يتعدى، لاستواء لفظ فزع وعمل، وإن اختلفا في التعدّي، وحمل الطلب والسّرق على العمل. " وقد جاء المصدر على نحو الشّرب والشغل، وعلى فعل، كقولنا: قال قيلا. وقالوا: سخطه سخطا، شبهه بالغضب حين اتفق البناء ". يعني أن سخط مصدر فعل يتعدى (وقد شبه بالغضب، وهو مصدر فعل لا يتعدى) لاتفاقهما في وزن الفعل، وفي المعنى. قال: " وبذلك ساخط وسخطته على أنه مدخل في باب الأعمال التي ترى وتصنع " (قال أبو سعيد): في غير هذه النسخة ترى وتسمع. " وهي موقعة بغيرها ". يعني بالأعمال التي ترى الأعمال المتعدية، لأن فيها علاجا من الذي يوقعه للذي يوقع به، فتشاهد وترى، فجعل سخطه مدخلا في التعدي، كأنه بمنزلة ما يرى. وقولهم ساخط دليل على ذلك، لأنهم لا يقولون غاضب. ومعنى الغضب والسخط واحد، فجعلوا الغضب بمنزلة فعل تتغير به ذات الشيء، والسخط بمنزلة فعل عولج إيقاعه بغير فاعله. " وقالوا: وددته ودا، مثل شربته شربا، وقالوا: ذكره ذكرا لحفظه حفظا " قال سيبويه: " وقد جاء شيء من هذا المتعدي على فعيل. قالوا: ضريب قداح للذي يضرب بالقداح، وصريم للصارم، وقال طريف بن تميم العنبري: أو كلما ورّدت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلى عريفهم يتوسم (١) يريد عارفهم ". والباب في ذلك أن يكون بناؤه على فاعل كضارب وقاتل، وما أشبه ذلك. ويجوز أن يكون قالوا: ضريب قداح فرقا بينه وبين من يضرب في معنى آخر، وبين الصريم في القطيعة وبين من يصرم في معنى سواه، وبين العريف الذي يتعرف الأنساب

стр. 1894

وبين العارف بشيء سواه. " وقد جاء المصدر على فعال، قالوا: كذبته كذابا، وكتبته كتابا، وحجبته حجابا " قال الشاعر: فصدقته وكذبته ... والمرء ينفعه كذابه (١) " وقالوا: كتبته كتبا على القياس، وقالوا: سقتها سياقا، ونكحتها نكاحا، وسفدها سفادا. وقالوا: قرعها قرعا. وقد جاء على فعلان، قالوا: حرمه يحرمه حرمانا، ووجد الشيء يجده وجدانا " بمعنى أصابه. " ويقال: أتيته آتيه إتيانا، وقالوا: أتيا على القياس " قال الشاعر: إني وأتيي ابن غلاق ليقريني ... كغابط الكلب يبغي الطرق في الذنب (٢) " ولقيته لقيانا وعرفته عرفانا ورئمته رئمانا " إذا ألفه وعطف عليه. " وحسبه حسبانا، ورضيه رضوانا، وغشيه غشيانا. وقد جاء على فعال، كما جاء على فعول، كقولك: سمعته سماعا، مثل لزمته لزوما، وعلى فعلان، نحو: الشكران والغفران ". وقد قيل: الكفران، قال اله : فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ (٣). " وقالوا: الشكور، كما قالوا: الجحود، وقالوا: الكفر كالشغل، وقالوا: سألته سؤالا فجاءوا به على فعال، كما جاءوا به على فعال. وجاء على فعالة، كقولك: نكيت في العدو نكاية، وحميته حماية. وقالوا: حميا على القياس. وقالوا: حميت المريض حمية، كما قالوا: نشدته نشدة، فهذا على فعلة، وقد جاء على فعلة، كقولهم: رحمته رحمة " وليس يراد به مرة واحدة. وكذلك لقيته لقيه، ونظيرها: خلته خيله " يريد نظيرها في المصدر لا في الوزن. وقالوا: نصح نصاحة، فأدخلوا الهاء، وقالوا: غلب غلبة، كما قالوا: نهمة، وقالوا: الغلب، كما قالوا: السرق. وقالوا ضربها الفحل ضرابا، كالنكاح، والقياس (ضربا، ولا يقولونه، كما لا يقولون نكحا، وهو القياس). وقالوا: دفعها دفعا

стр. 1895

كالقرع، وذقطها ذقطا، وهو النكاح، ونحوه من باب المباضعة. وقالوا: سرقة، كما قالوا: فطنة. وقالوا: لويته حقه ليانا على فعلان " قال أبو سعيد: ذكر بعض أصحابنا، وهو عندي جيد، أن ليانا أصله ليانا، لأنه ليس في المصادر فعلان، وإنما يجئ على فعلان وفعلان كثيرا، كالوجدان والإتيان والعرفان، فكأن أصله ليّان أو ليّان، فاستثقلوا الكسرة والضمة مع الياء المشددة، ففتحوا استثقالا. وقد ذكر أبو زيد في كتابه (عن بعض العرب) لويته ليانا بالكسر، وهذا من أوضح الدلائل على ما ذكرنا. " وقالوا: رحمته رحمة كالغلبة ". وجميع ما ذكره سيبويه إلى هذا الموضع في الأفعال الخمسة وقال: " وأما كل عمل لم يتعد إلى منصوب فإنه يكون فعله على ما ذكرنا في الذي يتعدى، ويكون الاسم فاعلا، والمصدر يكون فعولا، وذلك نحو: قعد قعودا وهو قاعد، وجلس جلوسا وهو جالس، وسكت سكوتا وهو ساكت، وثبت ثبوتا وهو ثابت، وذهب ذهوبا وهو ذاهب. وقالوا: الذّهاب والثّبات، فبنوه على فعال كما بنوه على فعول، والفعول فيه أكثر. وقالوا: ركن يركن ركونا وهو راكن. وقالوا في بعض مصادر هذا، فجاءوا به على فعل، كما جاءوا ببعض مصادر الأول على فعول، وذلك قولك: سكت يسكت سكتا، وهدأ الليل يهدأ هدءا، وعجز عجزا، وحرد يحرد حردا وهو حارد، وقولهم: فاعل يدلك على أنهم جعلوه من هذا الباب. أراد سيبويه أنهم حملوا مصادر ما لا يتعدى على ما يتعدى في قولهم: عجزا وسكتا، والباب فيه الفعول، كما حملوا ما يتعدى، حيث قالوا: لزم لزوما، وجحد جحودا والباب فيه لزما وجحدا، على ما لا يتعدى، وقوى حملهم ذلك على ما يتعدى أنهم قالوا: حارد، وكأن القياس في مثله أن يقال: حرد حردا فهو حردان، كما قالوا: غضب غضبا فهو غضبان، فأخرجوه عن باب غضبان: تخفيف الحرد، وبقولهم حارد، ومعنى قول سيبويه: " فإنه يكون فعله على ما ذكرنا في الذي يتعدى "، ويريد من باب فعل يفعل، كقولنا: قعد يقعد، وفعل يفعل، كقولنا: جلس يجلس، وفعل يفعل، كقولنا: حرد يحرد، فهذه الأفعال لها نظائر فيما يتعدى، ويجيء فيما لا يتعدى بناء ينفرد كقولنا: ظرف يظرف، وكرم يكرم. وستقف على ذلك إن شاء الله.

стр. 1896

قال سيبويه: " وقالوا: لبث لبثا، فجعلوه بمنزلة عمل عملا، وقولهم: لابث يدلك على أنه من هذا الباب. وقالوا: مكث يمكث مكوثا، كما قالوا: قعد يقعد قعودا، وقال بعضهم: مكث، شبهوه بظرف، لأنه فعل لا يتعدى، كما أن هذا فعل لا يتعدى. وقالوا: المكث كالشّغل والقبح، لأن بناء الفعل واحد " في مكث يمكث وقبح ويقبح. " وقال بعض العرب: مجن يمجن مجنا كالشغل " فيما يتعدى ". " وقالوا: فسق فسقا، كما قالوا: فعل فعلا " مما يتعدى. " وحلف حلفا، كما قالوا: سرق سرقا " فيما يتعدى. قال: " وأما دخلته دخولا، وولجته ولوجا، فإنما هو دلجت فيه ودخلت فيه، ولكنه ألقى فيه استخفافا، كما قالوا: نبئت زيدا، وإنما تريد نبئت عن زيد " وقد مضى الكلام في أول الكتاب فيما قاله سيبويه إن دخلت في الأصل غير متعد، وما خالفه فيه الجرمي من تعديه بما أغنى عن إعادته. قال: " ومثل الحارد والحرد: حميت الشمس تحمى حميا، وهي حامية " قال الشاعر: تفور علينا قدرهم فنديمها ... ونفثؤها عنا إذا حميها غلا (١) وقالوا: لعب يلعب لعبا، وضحك يضحك ضحكا، كما قالوا: الحلف. وقالوا: حجّ حجّا، كما قالوا: ذكر ذكرا. وقد جاء بعضه على فعال، كما جاء على فعال وفعول قالوا: نعس نعاسا، وعطش عطاشا، ومزج مزاجا. قال أبو سعيد: وقد يجيء الفعال والفعالة والفعال والفعالة في أشياء تكثر فيها وتكون أبوابا لها، وكذلك الفعيل. وأما الفعال فقد كثر في الأصوات، وصار الباب لها، ويتلوه في ذلك الفعيل، تقول: الصراح والنباح والبعار والبغام والحصاض والخّباج، وهما الضراط، والرغاء والدعاء والعواء والمكاء. وفي فعيل صهيل وزئير وطنين وصريف، وهو صوت احتكاك الأسنان ونزيب: صوت الظباء، ونئيب التيس، والضجيج والنئيم والنهيت، وهو كثير.

стр. 1897

ومما اجتمع فيه فعيل وفعال شحيج البغل وشحاجه، ونهيق الحمار ونهاقه وسحيله وسحاله، ونبيح ونباح، وضغيب، الأرنب وضغابها، وأنين وأنان وزحير وزحار، وفعيل وفعال أختان، كما اتفقا في النعت، كقولك: طويل وطوال، وخفيف وخفاف، وعجيب وعجاب. ويكثر فعال في الأدواء، كقولنا: السكات والبوال والدّوار والعطاس والسهام، وهو تغير من حر وشمس، والنحاز والسعال مثله، والنفاض: داء ينتفض منه، والقياء: القيء، والصراع والصداع والقّلاب. وقال الأصمعي: وقع في الإبل السواف، وهو الهلاك والموت. وقال أبو عمرو الشيباني: السواف، بفتح السين، فأنكر الأصمعي وغيره ما قاله أبو عمرو. وقال: الباب في الأدواء بالضم، فقال أبو عمرو: هكذا سمعته. ويقوى ما قاله أبو عمرو أن سيبويه قال بعد أسطر: " كما أنك قد تجيء ببعض ما يكون من داء على فعال، وبابه فعال ". فيمكن أن يكون السواف منه. وقالوا: سمع الله غواثه وغواثه، وهو استغاثته، والباب فيه غواث، لأن من الصوت. ويجوز عندي أن يكون فتحهم لذلك استثقالا للضم الذي بعده الواو. " ويجيء فعال فيما كان نحو: الدقاق والحطام والجذاذ والفضاض والفتات والرّفات " وهو مصدر واقع على مفعول. " وتجيء الفعالة فيما كان فاضلا عن الشيء إذا أخذ منه نحو: الفضالة والقوارة والقراضة والتّفاغة والنقاوة والحسالة والحثالة والحشافة والكساحة والجرامة، وهي ما يصرم من النخل وقت الفراغ منه، ومثله الظلامة والخباسة وهي الغنيمة، " والعمالة " وهي مشبهة بالفضالات. وقد يجيء الفعال فيما كان هياجا من ذكر أو أنثى، فالذكر نحو الهباب، والقراع والضراب والنكاح، والأنثى نحو: الصراف والحرام والوداق وذلك شهوتها للذكر. ومما قارب ذلك المعنى: الفرار والسراد والشماس والطماح والضراح إذا ضرحت برجلها ورمحت " وذلك كله يشبه باب الهياج؛ لأنه تحرك وخروج عن الاعتدال " ومثله الخلاء " والحران "، لأنه يشبه ذلك بالممانعة والتباعد مما يرى منه. وقد يجيء فعال في الأصوات، وليس بكثرة فعال وفعيل، كالذمار والعرار، وهما من أصوات النعام. وقالوا: الهتاف والهتاف، والصياح والصياح. " ويجيء فعال في انتهاء الزمان، ويدخل عليه فعال، كقولهم: الصرام والصرام،

стр. 1898

والجزاز والجزاز، والقطاع والقطاع، والحصاد والحصاد " والرفاع والرفاع، وهو أن يرفع الزرع ليجمع في بيدره. وقال الكسائي: ما سمعت فيه الكسر. وقال الأموي: الكناز بالفتح. وقالوا: القطاف والقطاف. " وتجيء الفعالة فيما كان ولاية أو صناعة، فالولاية نحو: الخلافة والإمارة والنكابة " من المنكب، والمنكب الذي في يده اثنتا عشرة عرافة. " والعرافة والإبالة، وهي السياسة، ومثلها العياسة، وقد قالوا: العوس فخرج عن القياس كما خرج غواث وسواف عن القياس، والباب فيه الفعال. " وقالوا في الصناعة: القصابة والحياكة والخياطة والنجارة ". وفتحوا الأول في بعض ذلك، قالوا: الوكالة والوكالة، والجراية والجراية وهي الوكالة، والولاية والولاية، والدلالة والدلالة " ويجيء في المصادر فعلة على معنى الإنابة عن الكيفية، كقولهم: فلان حسن الجلسة والركبة. ويدخل فيه الكظة والبطنة والملأة، والكظة امتلاء من الطعام. وقد دخل كلام سيبويه فيما ذكرته بما أغنى عن سياقه. قال سيبويه: " وأما الوسم فيجيء على فعال نحو: الخباط والعلاط والعراض والجناب والكشاح، فالأثر يكون على فعال، والعمل يكون فعلا، كقولك: وسمت وسما، وخبطت البعير خبطا، وكشحته كشحا. وأما المشط والدلو والخطاف " يعني في السمات، " فأنما أرادوا صورة هذه الأشياء أنها وسمت به، فكأنه قال: عليه صورة الدلو، ومعنى الخباط في السمة الأثر على الوجه، والعلاط والعراض على العنق، والجناب على الجنب، والكشاح على الكشح. وجاء بعض السمات على غير الفعال، نحو: القرمة والجرف، اكتفوا بالعمل، يعني المصدر، والفعلة فأوقعوها على الأثر ". والجرف أن يقلع شيء من الجلد بحديد، والقرمة أن يقطع شيء من الجلد يكون معلقا عليه. قال: " ومن المصادر التي جاءت على مثال واحد حين تقاربت المعاني قولك: النزوان والنقزان والقفزان، وإنما جاءت هذه الأشياء في زعزعة البدن واهتزازه في ارتفاع " قال أبو سعيد: باب الفعلان مصدرا فيما كان يضطرب، ولا يجيء في غير ذلك. " ومثله العسلان والرتكان " وهما ضربان من العدو.

стр. 1899

" وربما جاء ما كان فيه اضطراب على غير الفعلان، نحو: النزاء والقماص كما جاء عليه الصوت، نحو: الصراخ والنباح، لأن الصوت قد تكلف فيه من نفسه ما تكلف من نفسه في النزوان ونحوه. وقالوا: النزو والنقز، كما قالوا: السكت والفقر والعجز، لأن بناء الفعل واحد لا يتعدى، كما لا يتعدى هذا. ومثل ذلك الغليان والغثيان؛ لأن النفس تضطرب وتثور، وكذلك الخطران واللمعان، لأنه اضطراب وتحرك، واللهبان والصخدان والوهجان، لأنه تحرك الحر وثورة، فهو بمنزلة الغليان. وقالوا: وجب قلبه وجيبا ورجف رجيفا، ورسم البعير رسيما "، وهو ضرب من السير. " فجاء على فعيل، كما جاء على فعال " يعني النزاء والقماص. " وكما جاء فعيل في الصوت مجيء فعال، كالهدير والضجيج والقليخ والصهيل والنهيق والشحيج، قالوا: قلخ البعير يقلخ قليخا وهو الهدير " قال سيبويه: " وأكثر ما يكون الفعلان في هذا الضرب، ولا يجيء فعله يتعدى الفاعل إلا أن يشذ شيء منه، نحو: شنئته شنآنا ". ولا نعلم فعلا يتعدى، مصدره فعلان غير شنئته شنآنا. " وقالوا: الّلمع والخطف، كما قالوا: الهدر، فما جاء منه على فعل فهو الأصل، وقد جاءوا بالفعلان في أشياء تقاربت في اشتراكها في الاضطراب والحركة كالطوفان والدوران والجولان تشبيها بالغليان والغثيان، لأن الغليان تقلب ما في القدر وتصرفه. وقد قالوا: الجول والغلي. وقالوا: الحيدان والميلان، فأدخلوا الفعلان في هذا كما أن ما ذكرنا من المصادر قد دخل بعضها على بعض وهذه الأشياء لا تضبط بقياس ولا بأمر أحكم من هذا، وهكذا مأخذ الخليل " يعني أن الحيدان والميلان شاذ خارج عن قياس فعلان، كما يخرج بعض المصادر عن بابه. قال أبو سعيد: وقد يجوز عندي أن يكون على الباب؛ لأن الحيدان والميلان إنما هما أخذ في جهة ما عادلة عن جهة أخرى، فهما بمنزلة الروغان، وهو عدو في جهة الميل. وقال بعضهم: لأن الحيدان والميلان ليس فيهما زعزعة شديدة، وما ذكر فيه زعزعة شديدة، فلذلك قال ما قال. " وقالوا: وثب وثبا ووثوبا، كما قالوا: هدأ هدءا وهدوءا، ورقص رقصا كما قالوا: طلب طلبا، ومثله خبّ يخبّ خبا، وقالوا: خبيبا، كما قالوا: الذميل والصهيل. وقد جاء

стр. 1900

من الصوت شيء على فعلة، نحو: الرّزمة، والجلبة والحدمة والوحاة. وقالوا: الطيران كما قالوا: النزوان، وقالوا: نفيان المطر، شبهوه بالطيران؛ لأنه ينفي بجناحيه، والسحاب تنفيه أول شيء رشا أو بردا، ونفيان الريح أيضا التراب، وتنفي المطر تصرفه كما يصرف التراب. ومما جاءت مصادره على مثال لتقارب المعاني قولك: يئست يأسا ويآسة، وسئمت سأما وسآمة، وزهدت زهدا وزهادة، وإنما جملة هذا لترك الشيء وجاءت الأسماء (على فاعل)، لأنها جعلت من باب شربت وركبت ". قوله: " لأنها جعلت من باب شربت وركبت " ينبغي أن يكون ذكر شربت لأنه عمل، كما أن زهدت عمل، ويجوز أن يكون شربت على معنى رويت، لأن رويت انتهاء وترك كسئمت. " وقالوا: زهد، كما قالوا: ذهب. وقالوا: الزهد، كما قالوا: المكث. وقد جاء أيضا ما كان من الترك والانتهاء على فعل يفعل فعلا، وجاء الاسم على فعل، وذلك أجم يأجم أجما وهو أجم " إذا بشم من الشيء وكرهه. " وسنق يسنق سنقا وهو سنق " كبشم، " وغرض يغرض غرضا وهو غرض. وجاءوا بضد الزهد والغرض على بناء الغرض، وذلك هوي يهوى هوى وهو هو. وقالوا: قنع يقنع قناعة، كما قالوا: زهد يزهد زهاده، وقالوا: قانع، كما قالوا زاهد، وقنع كما قالوا: غرض، لأن الفعل واحد، وأنه ضد وترك للشيء، ومثل هذا في التقارب بطن يبطن بطنا وهو بطين، وبطن، وتبن تبنا وهو تبن، وثمل يثمل ثملا وهو ثمل، وقالوا: طبن طبنا وهو طبن ". قال أبو سعيد: قال بعض أصحابنا: زيدت الياء في بطين للزوم الكسرة لهذا الباب، يعني لفعل، فيصير بمنزلة المريض والسقيم وما أشبه ذلك. وقال: هذه الأشياء إنما هي خلق كالأشر والفرح وهو لما يقع في الجسم. ومعنى تبن فطن، أي ذلك من طبعه (ومن سوسه)، وقال بعضهم: تبن بطنه إذا انتفخ. هذا باب ما جاء من الأدواء على مثال وجع يوجع وجعا وهو وجع لتقارب المعاني قال سيبويه: " وذلك حبط يحبط حبطا، وحبج يحبج حبجا " وهو انتفاخ البطن. " وقد يجيء الاسم فعيلا، نحو: مرض يمرض مرضا، وهو مريض، وسقم يسقم سقما وهو سقيم. وبعض العرب يقول: سقم، كما قالوا: كرم كرما وهو كريم، وعسر

стр. 1901

عسرا وهو عسير، وقد قالوا: عسر، وقالوا: السقم، كما قالوا: الحزن. وقالوا: حزن يحزن حزنا وهو حزين، جعلوه بمنزلة المرض لأنه داء. وقالوا مثل وجع يوجع: وجل يوجل وجلا وهو وجل، وردى يردى ردى وهو رد " ومعناه هلك. " ولوى يلوى لوى وهو لو " من وجع الجوف، " ووجي يوجى وجى " وهو الحفاء ورقة أسفل الرّجل من المشي، " وعمي قلبه يعمى عمّى وهو عم "، لأنه كالداء والمرض. والعرب تقول: عميت عينه تعمى عمى فهو أعمى، وعمي قلبه يعمى عمى فهو عم، ففصلوا بينهما في اسم الفاعل للفرق. " وقالوا: فزع فزعا وهو فزع، وفرق فرقا وهو فرق، ووجل وجلا وهو وجل ووجر وجرا وهو وجر " ومعناه وجل. " أجروا الذعر والخوف مجرى الداء لأنه بلاء، وقالوا: أوجر، فأدخلوا الفعل هاهنا على فعل لأنهما قد يجتمعان، كقولك: شعث وأشعث، وحدب وأحدب، وكدر وأكدر، وحمق وأحمق، وقعس وأقعس ". وهو ضد الأحدب في خروج صدره، والأحدب: الذي يخرج ظهره. " فأفعل دخل في هذا الباب كما دخل فعل في أخش وأكدر، وكما دخل فعل في باب فعلان. يريد أن باب الأدواء يجيء على فعل يفعل فهو فعل فإذا استعمل فيه أفعل فقد دخل في غير بابه، وباب الخلق والألوان أفعل، فإذا دخل فيه فعل فقد دخل في غير بابه، فأخش من الخلق، وأكدر من الألوان، فإذا استعمل فيهما خشن وكدر فقد دخل عليهما فعل من غير بابهما. ومثل ذلك في باب العطش والجوع والرّى، ونحو ذلك فعلان، كقولك: عطشان وصديان ورجلان، وقد قالوا: صد وعطش ورجل. قال: " واعلم أن فرقته وفزعته إنما معناهما فرقت منه، ولكن حذفوا منه، كما قالوا: أمرتك الخير وإنما يريدون أمرتك بالخير " يريد أن الباب في فعل يفعل وهو فعل أن لا يتعدى، وإنما فرقته وفزعته على حذف حرف الجر، كما قالوا: أمرتك الخير بمعنى أمرتك بالخير. وقالوا: خشي فهو خاش، كما قالوا: رحم وهو راحم، فلم يجيئوا باللفظ كلفظ ما معناه كمعناه، ولكن جاءوا بالمصدر والاسم على ما بناء فعله كبناء فعله. قال أبو سعيد: اعلم أن فعل يفعل إذا كان اسم الفاعل منه على فاعل، فهو يجري

стр. 1902

مجرى ما يتعدى، وإن كان لا يتعدى، كقولك: سخط يسخط وهو ساخط، وخشي يخشى وهو خاش، وكان الأصل سخط منه، كما تقول: غضب منه، وخشي منه، كما تقول: وجل منه، فجعلوا خشي وهو خاش كقولهم: رحم وهو راحم، ولا يقدر في رحم حرف من حروف الجر، ومعنى قول سيبويه: " فلم يجيئوا باللفظ كلفظ ما معناه كمعناه "، يريد، لم يقولوا: خش، كما قالوا: فرق ووجل. وقوله: " ولكن جاءوا بالمصدر والاسم على ما بناء فعله كبناء فعله " يعني بالمصدر الخشية، والاسم يعني الخاشي. فالخشية بمنزلة الرحمة في وزنها، والخاشي كالراحم في وزنه، وبناء خشي يخشى كبناء رحم يرحم، وهو ضده. وقد يحمل الضد في اللفظ على ما يضاده لتلبسهما بحيز واحد وإن كانا يتنافيان في ذلك الحّيز، كالألوان المتضادة والروائح والطعوم المتضادات. قال سيبويه: " وجاءوا بضد ما ذكرنا على بنائه " قال: " وقالوا: أشر يأشر أشرا وهو أشر، وبطر يبطر بطرا وهو بطر، وفرح يفرح فرحا وهو فرح، وجذل يجذل جذلا وهو جذل " بمعنى فرح. " وقالوا: جذلان وجذل، كما قالوا: سكران وسكر، وكسلان وكسل، وقالوا: نشط ينشط وهو نشيط، كما قالوا: الحزين، وقالوا: النشاط، كما قالوا: السقام، (وجعلوا السّقام) والسقيم كالجمال والجميل. وقالوا: سهك يسهك سهكا وهو سهك، وقنم يقنم قنما وهو قنم، جعلوه كالداء لأنه عيب. وقالوا: قنمة وسهكة ". والقنمة الرائحة المنكرة، ويروى أن بعض الأعراب كان تؤخذ عنه العربية بالبصرة، وكان أهل العلم يتبعونه ليأخذوا ألفاظه، وكانت به لوثة وضعف في عقله وتقزز فصعد يوما على تل من السّماد، وبسط شيئا معه عليه، وجلس وهم حوله، فارتفعت رائحة منتنة، فتأفف من الرائحة وقال: ما هذه القنمة، والله لكأننا على حششة فقال له أبو الخطاب الأخفش: أنك منها على ثبج عظيم. " وقالوا: عقرت عقرا، كما قالوا: سقمت سقما. وقالوا: عاقر، كما قالوا: ماكث " قال أبو سعيد: وليس الباب فيما كان على فعل يفعل أن يجئ على فاعل، فإذا جاء شيء منه على فاعل فهو محمول على غيره، وهو قليل، كقولهم: فره العبد يفره فهو فاره، وعقر فهو عاقر.

стр. 1903

قال سيبويه: " وقالوا: خمط خمطا، وهو خمط في ضد القنم "، والخمط رائحة طيبة. قال: " (وقد جاء) على فعل يفعل وهو فعل أشياء تقاربت معانيها، لأن جملتها هيج، وذلك قولك: أرج يأرج أرجا وهو أرج، وإنما أراد تحرك الريح وسطوعها، وحمس يحمس حمسا، وهو حمس، وذلك حين يهيج ويغضب ". والحمس الذي يغضب للقتال، وهو الشديد الشجاع. وقالوا: أحمس، كما قالوا: أوجر، وصار أفعل هاهنا بمنزلة فعلان وغضبان، وقد يدخل أفعل على فعلان، كما دخل فعل عليهما، فلا يفارقهما في بناء الفعل، ويشبه فعلان بمؤنث أفعل، وقد بينا ذلك فيما ينصرف وما لا ينصرف ". يريد أن دخول أفعل على فعلان لاجتماعهما في بناء الفعل والمصدر في مواضع كثيرة منها: غضب يغضب غضبا وهو غضبان، كما تقول: عور يعور عورا وهو أعور، فقد اجتمعا في بناء الفعل والمصدر، ولأن فعلان يشبه فعلاء، وفعلاء مؤنث أفعل. قال: " وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: رجل أهيم وهيمان، وهم يريدون شيئا واحدا، وهو العطشان. وقالوا: سلس يسلس سلسا وهو سلس، وقلق يقلق قلقا وهو قلق، ونزق ينزق نزقا وهو نزق، جعلوا هذا حيث كان خفة وتحركا مثل الحمس والأرج، ومثله غلق يغلق غلقا لأنه طيش وخفة " والغلق الذي يطيش حتى تذهب حجته. وقد بنوا أشياء على فعل يفعل فعلا وهو فعل لتقاربها في المعنى، وذلك ما تعذر عليك ولم يسهل، كقولك: عسر يعسر عسرا، وشكس يشكس شكسا " وهو شكس)، وقالوا: الشكاسة، كما قالوا: السّقامة، وقالوا: لقس يلقس لقسا، وهو لقس، ولحز يلحز لحزا، وهو لحز، فلما صارت هذه الأشياء مكروهة عندهم صارت بمنزلة الأوجاع ". واللقس: سوء الخلق، واللّحز: الضيّق والشّح. وصار بمنزلة ما رموا به من الأدواء. وقد قالوا: عسر الأمر فهو عسير، كما قالوا: سقم فهو سقيم. وقالوا: نكد ينكد نكدا وهو نكد، وقالوا: أنكد كما قالوا: أجرب وجرب. وقالوا: لحج يلحج لحجا وهو لحج، لأن معناه قريب من معنى السّقم، لحج في الشيء إذا نشب فيه ولم يمكنه التخلص منه إلّا بشدة.

стр. 1904

هذا باب فعلان ومصدره وفعله قال سيبويه: " أما ما كان من الجوع والعطش فإنه أكثر ما يبنى في الأسماء على فعلان، ويكون المصدر على الفعل، ويكون الفعل على فعل يفعل، وذلك ظمئ يظمأ ظمأ وهو ظمآن، وعطش يعطش عطشا وهو عطشان، وصدي يصدى صدى وهو صديان. وقالوا: الظماءة، كما قالوا: السقامة، لأن المعنيين قريب، كلاهما ضرر على النفس وأذى، وغرث يغرث غرثا، وهو غرثان، وعله يعله علها وهو علهان، وهو شدة الغرث والحرص على الأكل، وتقول: عله، كما تقول: عجل، ومعناه قريب من وجع. وقالوا: طوى يطوي طوى وهو طيّان " ومعناه الجوع، قال عنترة: ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به لذيذ المأكل (١) وبعض العرب يقول: الطوى، فيبينه على فعل، لأن زنة فعل وفعل شيء واحد، وليس بينهما إلا كسرة الأول وفتحة، وضد ما ذكرنا يجيء على ما ذكرنا " يعني ضد الجوع، " وهو قولهم: شبع شبعا وهو شبعان، كسروا الشبع، كما قالوا: الطوى، وشبهوه بالكبر والسمن حيث كان بناء الفعل واحدا. وقالوا: روي يروي ريا وهو ريان، فأدخلوا الفعل في هذه المصادر، كما أدخلوا الفعل فيها حين قالوا السكر ". يعني الري، وزنه فعل، ودخل في هذا الباب وليس بمصادر فيه، ولقائل أن يقول: هو فعل، وكسر من أجل الياء، كما قالوا: قرن ألوى، وقرون لي وليّ. وفي السكر ثلاث لغات: السكر والسكر، وحكى عن الأخفش، السكر. قال سيبويه: " ومثله خزيان، والمصدر الخزي، وقالوا: الخزى في المصدر، كالعطش اتفقت المصادر كاتفاق بناء الفعل والاسم ". يعني في الخزي والرّي كاتفاق خزي يخزي، وهو خزيان، وروى ريا وهو ريان. قال: " وقد جاء من هذا على باب خرج يخرج، قال: سغب يسغب سغبا وهو ساغب، كما قالوا: سفل يسفل سّفلا وهو سافل، ومثله جاع يجوع جوعا وهو جائع، وناع ينوع نوعا وهو نائع ". (وقال بعضهم: النائع المتألم من الجوع)، وقال بعضهم: هو المائل من الجوع،

стр. 1905

وقال بعضهم: إتّباع للجائع، ونوعا اتباع لجوعا. وقال بعضهم: النائع العطشان، قال الشاعر: لعمر بنى شهاب ما أقاموا ... صدور الخيل والأسل النياعا (١) " وقالوا: جوعان، فأدخلوها هاهنا على فاعل، لأن معناها معنى غرثان " قال الشاعر: لو أنني جاءني جوعان مهتلك ... من جوع الناس عنه الخير محجوز (٢) فجاء بجوعان، وبجوع، وهو جمع جائع. " وقالوا من العطش أيضا: هام يهيم هيما وهو هائم، وقالوا: هيمانّ لأن معناه: عطشان. ومثل هذا قولهم: ساغب وسغاب، وجائع وجياع، وهائم وهيام، لما كان المعنى معنى فراث وعطاش، بني على فعال، كما أدخل قوم عليه فعلان، إذ كان المعنى معنى فراث. وقالوا: سكر يسكر سكرا. وقال أبو الحسن: فيها ثلاث لغات، وقدموا ذلك. " وقالوا: سكران، لما كان من الامتلاء جعلوه بمنزلة شبعان، ومثل ذلك ملآن. وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: ملئت من الطعام، كما قالوا: شبعت وسكرت. وقالوا: قدح نصفان وجمجمه نصفى " وهي أيضا قدح. " وقدح: قربان، وجمجمة قربى " إذا قارب الامتلاء " جعلوا ذلك بمنزلة الملآن، لأن ذلك معناه معنى الامتلاء، لأن النّصف قد امتلأ والقربان ممتلئ أيضا إلى حيث بلغ، ولم نسمعهم قالوا قرب ولا نصف، اكتفوا بقارب ونصف، ولكنهم جاءوا به، كأنهم يقولون: قرب ونصف، كما قالوا: مذاكير، ولم يقولوا: مذكير ولا مذكار، وكما قالوا: أعزل وعزل، ولم يقولوا: أعازل " قال أبو سعيد: اعلم أن أعزل، وإن كان على لفظ أحمر، فلم يذهب به مذهب أحمر، لأنه لا مؤنث له، ذهبوا به مذهب الأسماء كأفكل وأيدع، ولم يجمعوه كجمع الأسماء في

стр. 1906

هذا الوزن، لم يقولوا: أعازل، كما قالوا: أفاكل، وقالوا: عزل، كأنهم قد روا أعزل وعزلاء مثل أحمر وحمراء، وأن لم يستعملوه، كما قالوا في جمع ذكر مذاكير على تقدير أن الواحد مذكار أو مذكير، وإن لم يستعملوه. وقالوا: عزّل على أن الواحد عازل، وأن لم يستعملوه، قال الأعشى: غير ميل ولا عواوير في ال ... هيجا ولا عزل ولا أكفال " وقالوا: رجل شهوان وامرأة شهوى، لأنه بمنزلة الغرثان والغرثى، وزعم أبو الخطاب أنهم يقولون: شهيت شهوة، فجاءوا بالمصدر على فعلة، كما قالوا: حرت تحار حيرة وهو حيران. وقد جاء فعلان وفعلى في غير هذا الباب، قالوا: خزيان وخزيا. وروى أبو الحسن رجلان رجلى " ومعناه الراجل. وقالوا: عجلان وعجلى، وقد دخل في هذا الباب فاعل، كما دخل فعل فشبهوه بسخط يسخط سخطا وهو ساخط، كما شبهوا فعل بفزع وهو فزع " يعني أنهم قالوا: " نادم وراجل وصاد "، كما قالوا: صد وعطش. وقالوا: غضب يغضب غضبا وهو غضبان وغضبى، لأن الغضب يكون في جوفه كما يكون فيه العطش. وقالوا: ملآنة شبهوها بخمصانة وندمانة ". وقال غيره: إن فعلان الذي أنثاه فعلى بنو أسد يدخلون الهاء في مؤنثه، ويخرجونها من المذكر، فيقولون: ملآنة وملآن، وسكرانة وسكران، كما قالوا: خمصانة وندمانة، وللمذكر خمصان وندمان، ويلزم على لغة هؤلاء أن يصرفوا ملآنا وغضبانا. " وقالوا: ثكل يثكل ثكلا وهو ثكلان بالأنثى ثكلى، ومثله لهفان ولهفى، وقالوا: لهف يلهف لهفا. وقالوا حزنان وحزنى، لأنه غم في جوفه، وهو كالثكل، لأن الثكل من الحزن ". قال أبو سعيد: ورأيت في نسخة أبي بكر مبرمان بخطه في الحاشية في نسخة أبي العباس جربان وجربى، وفي العمود بهذا الهجاء ما عليه نقط الخاء والزاي كأنه خزيان وخزيا. قال: " والندمان مثله وندمى ". قال أبو العباس: ندمان الذي من الندامة على الشيء، المؤنث منه ندمى، ولا يقال: ندمانة، إنما ندمان وندمانة لباب المنادمة. " وأما جربان وجربى فإنه لما كان بلاء أصيبوا به بنوه على هذا، كما بنوه على أفعل وفعلاء، نحو: أجرب وجرباء. وقالوا: عبرت تعبر عبرا (وهي عبرى) مثل ثكلى، والثّكل

стр. 1907

مثل السكر، والعبر مثل العطش، فقالوا: عبرى، كما قالوا: ثكلى. وأما ما كان من هذا من بنات الياء والواو التي هي عين فأنها تجيء على فعل يفعل معتلة لا على الأصل، وذلك عمت تعام عمة وهو عيمان وهي عيمانة، جعلوه كالعطش، وهو الذي يشتهي اللبن كما يشتهي ذلك الشراب، وجاءوا بالمصدر على فعلة، لأنه كان في الأصل على فعل، كما كان العطش ونحوه على فعل، ولكنهم أسكنوا الياء وأماتوها "، يعني أعلوها، " كما فعلوا في الفعّل، فكأن الهاء عوض من الحركة مثل: غرت تغار غيرة، وهو في المعنى كالغضبان، وقالوا: حرت تحار حيرة (وهو حيران)، وهي حيرى، وهو في المعنى كالسكران لأن كليهما مرتج عليه. هذا باب ما يبنى على أفعل قال سيبويه: " أما الألوان فإنها تبنى على أفعل، ويكون الفعل على فعل يفعل، والمصدر على فعلة أكثر، وربما جاء الفعل فعل يفعل، وذلك قولك: أدم يأدم أدمة، ومن العرب من يقول: أدم يأدم أدمة، وشهب يشهب شهبة، وقهب يقهب قهبة " وهو سواد يضرب إلى الحمرة، قال: والأقهبين: الفيل والجاموسا " وكهب يكهب كهبة، وقالوا: كهب يكهب كهبة " وهو غبرة وكدورة في اللون، " وشهب يشهب شهبة، وصدئ يصدأ صدأة، وقالوا: صدأ، كما قالوا: الغبس، والأغبس: البعير الذي يضرب إلى البياض، وقالوا: الغبسة، كما قالوا: الحمرة، وفي نسخة أخرى العيسة، وأصلها العيسة، فكسرت العين لتسلم الياء. " واعلم أنهم يبنون الفعل منه على أفعال، نحو: أشهاب وأدهام وأيدام. فهذا لا يكاد ينكسر في الألوان، وإن قلت فيها فعل يفعل، أو فعل يفعل. وقد يستغنى بأفعال عن فعل وفعل، وذلك نحو: أزراق وأخضار وأصفار وأحمار وأشراب وأبياض وأسواد وأسود وأبيض وأخضر وأحمر، وأصفر أكثر كلامهم، والأصل ذلك لأنه كثر فحذفوه " يعني الأصل أفعال وهو أحمار وأسواد، ثم خفف فقالوا: احمرّ وأسود والمخفف الذي ذكره أكثر في الكلام، وفعل فيما ذكره بعض أصحابنا مخفف عن أفعل، ويستدل على ذلك أنهم يقولون: عور وحول، فلا يعلون الواو؛ لأنه في معنى أعورّ وأحولّ، وهما لا يعتلان. والوجه عندي أنه لم يعل عور وحول لأنه في معنى فعل لا يعتل، لا أنه مخفف

стр. 1908

منه، كما قالوا: اجتوروا، فلم يعلوه لأنه في معنى تجاوروا، وهذا يحكم في التصريف إن شاء الله تعالى. قال سيبويه: " وقالوا: الصهوبة، فشبهوا ذلك بأرعن والرعونة. وقالوا: البياض والسواد، كما قالوا: الصباح والمساء، لأنهما لونان بمنزلتهما، لأن المساء سواد، وقد جاء شيء من الألوان على فعل، قالوا: جون وورد ". والورد: الفرس الأصفر اللون، والجون: الأسود. " وجاءوا بمصدر على مصدر بناء أفعل، وذلك قولهم: الوردة والجونة " وإنما قالوا: ورد وجون على حذف الزوائد. قال سيبويه: " وقد جاء شيء منه على فعيل، وذلك: خصيف،. وقالوا: أخصف، وهو أقيس، والخصيف: الأسود ". وما كان من هذه المصادر على غير فعلة أو فعل فهو من الشاذ الذي لا يطرد وما كان من الأسماء على فعل أو فعيل أو بناء غير أفعل فهو من الشاذ أيضا الذي لا يطرد. قال: " وقد يأتي على أفعل، ويكون الفعل (منه على) فعل يفعل والمصدر فعل، كما كان داء أو عيبا، لأن العيب نحو الداء، ففعلوا ذلك كما قالوا: أجرب وأنكد، وذلك قولهم: عور يعور عورا، وأدر يأدر أدرا وهو آدر، وشتر يشتر شترا وهو أشتر، وحبن يحبن حبنا وهو أحبن " والأحبن: المنتفخ البطن من الاستسقاء. " وصلع يصلع صلعا وهو أصلع. وقالوا: رجل أجذم وأقطع، فكان هذا على جذم وقطع وإن لم يتكلم به " يريد أن الفعل من قولنا: أقطع وأجذم قطعت يده وجذمت، وكان القياس أن يقال مقطوعة ومجذومة، ولكنهم قالوا: أقطع وأجذم، على أن فعله قطع وجذم وإن لم يستعمل. وقد قالوا لموضع القطّع: القطعة، والجذمة والجذمة ". كما قالوا: النزعة، والنزعة " والصلّعة والصلعة للموضع. وقالوا: امرأة ستهاء، ورجل أسته، فجاءوا به على بناء ضده وهو قولهم أرسح ورسحاء، وأخرم وخرماء "، والأرسح ضد الأسته، لأن الأرسح الممسوح العجز، وكذلك الأزل والأرصع والأخرم

стр. 1909

(المقطوع الأنف). وقالوا: أهضم وهضماء، والمصدر الهضم "، وهو عيب في الخيل، والأهضم: الذي ليس بمجفر الوسط، وهو صغر البطن، قال النابغة الجعدي: خيط على زفرة فتمّ ولم ... يرجع إلى دغة ولا هضم وقالوا: أزبر وأغلب، والأغلب: العظيم الرقبة، والأزبر: العظيم الزبرة، والزبرة: موضع الكاهل، فجاءوا بهذا النحو على أفعل، كما جاء على أفعلّ ما يكرهون وقالوا: آذن وأذناء، كما قالوا: سكاء. والآذن: العظيم الأذن، والأسك: الصغير الأذن جدا. وقالوا: أخلق وأملس وأجرد "، والأخلق: الأملس، وخلقنه: ملسته. وقالوا: أخشن، وهو ضد الأملس، وقالوا: الخشنة، كما قالوا: الحمرة، والخشونة، كما قالوا: الصهوبة ". قال سيبويه: " واعلم أن مؤنث كل أفعل صفة فعلاء، وهي تجري في المصدر والفعل مجرى أفعل. وقالوا: مال يميل وهو مائل، وقالوا: أميل، فلم يجيئوا به على مال يميل " يريد أن باب أفعل ليس باب فعله أن يكون على فعل يفعل، وذلك أن أميل أفعل، وفعله مال يميل، وكان حقه أن يكون ميل يميل ميلا، وإنما حكى سيبويه مال يميل. ومثل هذا شاب يشيب فهو أشيب، وليس ذلك بالقياس. وقد حكى غير سيبويه: ميل يميل ميلا فهو أميل، كما قالوا: جيد يجيد جيدا فهو أجيد. وقالوا في الأصيد: صيد يصيد صيدا، وقالوا: شاب يشيب، كما قالوا: شاخ يشيخ، وقالوا: أشيب، كما قالوا: أشمط، فجاءوا بالاسم على بناء ما معناه كمعناه، وبالفعل على ما هو نحوه أيضا. يريد جاءوا باسم أشيب على بناء أشمط، ومعناه كمعناه، وجاءوا بفعل أشيب على شاب يشيب، مثل شاخ يشيخ، فاسمه على بناء أشمط، وفعله على فعل شاخ يشيخ. وقالوا: أشعر، كما قالوا: أجرد للذي لا شعر له. وقالوا: أزبّ، كما قالوا: أشعر، فالأجرد بمنزلة الأرسح. لأن الأجرد، الذي لا شعر له، والأرسح: الذي لا عجز له.

стр. 1910

" وقالوا: هوج يهوج هوجا، كما قالوا: ثول يثول ثولا وأثول، وهو جنون ". هذا باب أيضا للخصال التي تكون في الأشياء قال سيبويه: " أما ما كان حسنا أو قبحا فأنه مما يبنى فعله على فعل يفعل، ويكون المصدر فعالا وفعالة وفعلا "، يريد وما سوى ذلك يحفظ حفظا ". وذلك قولك: قبح يقبح قباحة، وبعضهم يقول: قبوحة، فبناه على فعولة، كما بناه على فعالة، ووسم يوسم وسامة، وقال بعضهم: وساما، فلم يؤنث " يعني لم يدخل الهاء. كما قالوا: السقام والسقامة، ومثل ذلك جمل جمالا. ويجيء الاسم على فعيل، وذلك: قبيح ووسيم وجميل وشقيح وذميم، وقالوا: حسن، فبنوه على فعل، كما قالوا: بطل ورجل قدم وامرأة قدمة، يعني أن لها قدما في الخير، فلم يجيئوا به على مثل جريء وشجاع وكمي وشديد " يريد أن الباب في فعل يفعل أن يجيء الاسم على فعيل أو فعال، فإذا خرج عن هذين البناءين فهو شاذ ليس بالباب ويحفظ حفظا، والكثير فعيل وفعال. كقولك: نظف ينظف وهو نظيف، وقبح يقبح وهو قبيح، وجمل يجمل وهو جميل، وفعيل أكثر من فعال. قال: وأما الفعل من هذه المصادر فنحو: الحسن والقبح، والفعالة أكثر. وقالوا: نضر وجهه ينضر فبنوه على فعل يفعل مثل خرج يخرج، لأن هذا فعل لا يتعداك إلى غيرك، كما أن هذا فعل لا يتعداك. وقالوا: ناضر، كما قالوا: نضر " وإنما ذكر سيبويه نضر وجهه لأنه من باب الحسن والقبح الذي يأتي فعله على فعل يفعل، ليريك خروجه عن الباب، واسم فاعله ناضر ونضير ونضر، فناضر على قياس ما يوجبه فعله، كقولك: خرج يخرج وهو خارج. ونضير، كما قالوا: وسيم؛ لأنه نحوه في المعنى، وقالوا: نضر، كما قالوا: حسن، إلا أن هذا مسكن الأوسط، وقالوا: ضخم، ولم يقولوا: ضخيم، كما قالوا: عظيم "، وقد حكى أبو العباس المبرد ضخيم. وقالوا: النّضارة، كما قالوا: الوسامة. ومثل الحسن السبط والقطط. وقالوا: سبط سباطه وسبوطه. ومثل النّضر الجعد، وقالوا: رجل سبط كما بنوه على " فعل " يعني أنه يقال: سبط وسبط.

стр. 1911

وقالوا: ملح ملاحة وهو مليح، وسمج سماجة وهو سمج، وقالوا: سميج كقبيح " ولا تقول: سمج، وإن كانت العامة أولعت به. وقالوا: بهو يبهو بهاء، (وهو بهيّ)، كجمل جمالا وهو جميل. وقالوا: شنع شناعة وهو شنيع، وقالوا: أشنع، فأدخلوا أفعل في هذا إذ صار خصلة فيه كاللون، وقالوا: شنيع، كما قالوا: خصيف، فأدخلوه على أفعل. وقالوا: نظف نظافة كصبح صباحة وصبيح. وقالوا: طهر طهرا وطهارة، وهو طاهر "، ولم يقولوا: طهير. وقالوا: طهرت المرأة، فاستعملوا طاهرا على طهرت، لا على قولهم: طهرت. وقالوا: مكث مكثا وهو ماكث "، وقد قالوا: مكيث، فيحمل ماكث على مكث، ومكيث على مكث. وقال أبو الحسن الأخفش: سبط وسبط وسبط بمعنى واحد. قال سيبويه: " وما كان من الصغر والكبر فهو نحو من هذا، قالوا: عظم عظامة وهو عظيم، ونبل نباله وهو نبيل، وصغر صغارة وهو صغير، وقدم قدامة وهو قديم. وقد يجيء المصدر على فعل، وذلك قولك: الصغر والكبر والقدم والعظم والضخم. وقد يبنون الاسم على فعل، وذلك نحو: ضخم وفخم وعبل وجهم. وقد يجيء المصدر على فعولة، كما قالوا: القبوحة، وذلك قولهم: الجهومة والملوحة والبحوحة. وقالوا: كثر كثارة وهو كثير، وقالوا: الكثرة، فبنوه على الفعلة، والكثير نحو من العظيم في المعنى، إلا أن هذا في العدد " يريد أن الكثير مركب من شيء متزايد قد كثر عدته، والعظيم اسم واقع على جملة من غير أن يقدر فيه شيء تزايد وتضاعف، والكبير بمنزلة العظيم وضد العظيم والكبير الصغير، وهذا الكثير القليل؛ لأنه يقصد به قصد تقليل الأضعاف التي فيه أو تكثيرها، والصغير والكبير المقصد فيه جملة الشيء من غير تقدير أضعاف ما تركّب منه. " وقد يقال للإنسان قليل، كما يقال قصير، فقد وافق ضده وهو العظيم والطويل، والقصير نحو العظيم والصغير ". يريد أن القليل قد يستعمل على غير معنى العدد، كما يستعمل القصير والحقير. قال: " والطول في البناء كالقبح ". يريد في بناء الفعل؛ لأن وزنهما فعل. وهو نحوه في المعنى؛ لأنه زيادة ونقصان. وقالوا: سمن سمنا وهو سمين، ككبر كبرا وهو كبير. وقالوا: كبر عليّ الأمر كعظم.

стр. 1912

وقالوا: بطن يبطن بطنة وهو بطين، كما قالوا: عظيم، وبطن ككبر. وما كان من الشدة والجرأة والضعف والجبن فإنه نحو من هذا، قالوا: ضعّف ضعفا وهو ضعيف، وقالوا: شجع شجاعة وهو شجاع، وقالوا: شجيع، وفعال أخو فعيل ". وقد ذكرنا فيما مضى أن فعيلا وفعالا أخوان، قالوا: طويل وطوال وكبير وكبار، وخفيف وخفاف. وقد بنوا الاسم على فعال، كما بنوا على فعول، قالوا: جبان وقالوا: وقور، وقالوا: الوقارة، كما قالوا: الرّزانة. وقالوا: جروء يجرؤ جرأة. وجراءة وهو جريء، (ولغة العرب الضّعف كما قالوا: الظّرف وظريف، والفقر وفقير. وقالوا: غلظ يغلظ غلظا وهو غليظ، كما قالوا: عظم عظما وهو عظيم، وقالوا: سهل سهولة وسهل، مثله: جهم جهومة وجهم، وسهل بمنزلة ضخم. وقد قال بعض العرب: جبن يجبن، كما قالوا: نضر ينضر " والأكثر جبن يجبن. وقالوا: قوى يقوى قواية، وهو قويّ، كما قالوا: سعد يسعد سعادة وهو سعيد. وقالوا: القوّة، كما قالوا: الشّدّة، إلا أن هذا مضموم الأول. وقالوا: سرع سرعا وهو سريع، ويقال سرعة وسرع ويسرع، قال الأعشى: واستخبري قافل المركبان وانتظري ... أوب المسافر إن ريثا وإن سرعا (١) وقالوا: بطؤ بطأ وهو بطيء، وغلّظ غلظا وهو غليظ، وثقل ثقلا وهو ثقيل. وقالوا: كمش كماشة وهو كميش، مثل سرع، والكماشة مثل الشّجاعة. وقالوا: حزن حزونة للمكان، وهو حزن، كما قالوا: سهل سهولة وهو سهل. وقالوا: صعب صعوبة وهو صعب، لأن هذا إنما هو الغلظ والحزونة، وما كان من الرفعة والضّعة، وقالوا: الضّعة، فهو نحو من هذا ". اعلم أن الضعة، وزنها فعلة، والأصل وضعة، مثل قولنا: عدة وزنة، وربما فتحوا شيئا من ذلك إذا كان فيه شيء من حروف الحلق (كما يفتحون في الفعل من أجل حروف الحلق) ما لا يفتح في غيره. وقالوا: ضعة وضعة، وقوحة وقحة، ولا يقولون في مثل زنة وصفة، زنة وصفة لعدم حرف الحلق.

стр. 1913

وقالوا: غني يغني غنى وهو غنيّ، كما قالوا: كبر كبرا وهو كبير، وقالوا: فقير كما قالوا: صغير وضعيف. وقالوا: الفقر كما قالوا: الضّعف، والفقر كما قالوا: الضّعف، ولم نسمعهم قالوا: فقر، كما لم يقولوا في التشديد، شدد، استغنوا باشتد وافتقر، كما استغنوا باحمارّ عن حمر ". قال أبو سعيد: قولهم افتقر فهو فقير، واشتد فهو شديد، لم يأت فقير وشديد على هذا الفعل، وإنما أتى على فعل لم يستعمل، وهو فقر، كما تقول: ضعف وشددت على فعلت، واستغنوا بافتقر واشتد عن ذلك، كما استغنوا باحمارّ عن حمر؛ لأن الألوان يستعمل فيها فعل كثيرا، كما قالوا: أدم يأدم، وكهب يكهب، وشهب يشهب وما أشبه ذلك، ولم يقولوا: حمر، استغنوا عنه باحمارّ. قال: " وهذا هنا نحو من الشديد والقويّ، قالوا: شرف شرفا وهو شريف، وكرم كرما وهو كريم، ولؤم لآمة وهو لئيم، كما قالوا: قبح قباحة، ودنؤ دناءة وهو دنيء، وملؤ ملاءة وهو مليء. وقالوا: وضع ضعة وهو وضيع، والضّعة مثل الكثرة، والضعة مثل الرفعة ". يعني في فتح أوله وكسره، وقوله: " وهذا هنا نحو من الشديد والقوي " إشارة إلى ما بعده. وقالوا: رفيع، ولم نسمعهم قالوا رفع، وعليه جاء رفيع وإن لم يتكلموا به، فاستغنوا بارتفع، وقالوا: نبه ينبه وهو نابه وهي النّباهة. كما قالوا: نضر ينضر وهو ناضر، وهي النّضارة، وقالوا: نبيه، كما قالوا: نضير، جعلوه بمنزلة ما هو مثله في المعنى "، يريد معنى نبيه. وقالوا: (سعد يسعد سعادة)، وشقي يشقى شقاوة، وهو سعيد وشقيّ، فأحدهما مرفوع، والآخر موضوع، وقالوا: الشّقاء، كما قالوا: الجمال والّلذاذ، (حذفوا الهاء استخفافا) "، يريد حذفوا الهاء من الّلذاذة. وقالوا: رشد يرشد رشدا وراشد، وقالوا: الرشد، كما قالوا: سخط يسخط سخطا، والسّخط وساخط. وقالوا: رشيد، كما قالوا: سعيد. وقالوا: الرّشاد (كما قالوا: الشّقاء). وقالوا: بخل يبخل بخلا، والبخل كاللؤم " يعني في الوزن " والفعل كفعل شقي وسعد. وقالوا: بخيل، وبعضهم يقول: البخل كالفقر، والبخل كالفقر، وبعضهم يقول: البخل كالكرم. وقالوا: أمر علينا

стр. 1914

وهو أمير كنبه وهو نبيه " وفي بعض النسخ أمر علينا كنبه مفتوحان، والفتح أجود وأفصح ومما يلقى من أبيات المعاني: قد أمر المهلّب ... فكرنبوا ودولبوا وحيث شئتم فاذهبوا (١) يريد: قد ولي الإمارة، يخاطب قوما من الشّراة " والإمرة كالرفعة، والإمارة كالولاية " ويقولون: أمر علينا وهو أمير وقالوا: وكيل ووصيّ، وجريّ كما قالوا: أمير لأنها ولاية. ومثل هذا لتقاربه: الجليس والعديل والقعيد والضجيج والكميع (وهو الجليس) والخليط والنزيع، وأصل هذا كله العديل، ألا ترى أنك تقول في هذا كله: فاعلته " تقول: عادلته فهو عديل، وجالسته فهو جليس. وإنما قال: " أصل هذا كله العديل "؛ لأنهما تعادلا في فعل كل واحد منهما بالآخر. وقد جاء فعل، قالوا: خصم، وقالوا: خصيم " قال: " وما أتى من العقل فهو نحو من هذا، قالوا: حلم يحلم حلما فهو حليم، فجاء فعل في هذا الباب كما جاء فعل فيما ذكرنا. وقالوا في ضد الحلم: جهل يجهل فهو جاهل. كما قالوا: حرد يحرد فهو حارد، فهذا ارتفاع في الفعل " يعني حلم " واتضاع " يعني جهل. وقالوا: علم علما، فالفعل كبخل يبخل والمصدر كالحلم. وقالوا: عالم، كما قالوا في الضد: جاهل، وقالوا: عليم، كما قالوا: حليم. وقالوا: فقه وهو فقيه، والمصدر فقه (كما قالوا: علم علما وهو عليم. وقالوا: اللّب واللّبابة ولبيب، كما قالوا: الّلؤم واللآمة ولئيم. وقالوا: فهم يفهم فهما وهو فهم، ونقه، ينقه نقها وهو نقه. وقالوا: الفهامة، كما قالوا: الّبابة، وسمعناهم يقولون: ناقة، كما قالوا: عالم. وقالوا: لبق يلبق لباقة وهو لبق، لأن هذا علم وعقل ونفاذ، فهو بمنزلة الفهم والفهامة ". وقد ذكر غير سيبويه الفهم بتسكين الهاء، وبه سمّي فهم وعدوان قبيلتان من قيس. وقالوا: الحذق، كما قالوا: العلم، وقالوا: حذق يحذق، كما قالوا: صبر يصبر.

стр. 1915

وقالوا: رفق يرفق رفقا وهو رفيق، كما قالوا: حلم يحلم وحليم. وقالوا: رفق، كما قالوا: فقه، وقالوا: عقل يعقل عقلا وهو عاقل، كما قالوا: عجز يعجز وهو عاجز، أدخلوه في باب عجز يعجز، لأنه مثله في أنه لا يتعدى. وقالوا: رزن رزانة (وهو رزين) ورزينة. وقالوا للمرأة: حصنت حصنا وهي حصان، وجبنت جبنا وهو جبان، وإنما هذا كالحلم والعقل. وقالوا: حصنا، كقولهم: جبنا، وقالوا لها أيضا: ثقال ورزان. وقالوا: صلف يصلف صلفا، وصلف، وفهم فهما، وفهم. وقالوا: رقع رقاعة، كقولهم: حمق حماقة؛ لأنه مثله في المعنى، وقالوا: الحمق، كما قالوا: الحصن، (وقالوا أحمق) وفي بعض النسخ كما قالوا: الجبن. وقالوا: أحمق، كما قالوا: أشنع. وقالوا: خرق خرقا، وأخرق، وقالوا: النّواكة، وأنوك، وقالوا: استنوك، ولم نسمعهم قالوا نوك، كما لم يقولوا فقر. يريد أن أنوّك لم يجئ على استنوك، وإنما جاء على نوك وإن كان لم يستعمل، كما لم يستعمل فقر. وقالوا: حمق في معنى أحمق، كما قالوا: نكد وأنكد. قال سيبويه: واعلم أن ما كان من التضعيف من هذه الأشياء فإنه لا يكاد يكون فيه فعلت وفعل؛ لأنهم قد يستثقلون فعل والتضعيف، فلما اجتمعا حادوا إلى غير ذلك، وهو قولك: ذلّ يذلّ ذلّا وذلّة وذليل، فالاسم والمصدر يوافق ما ذكرنا. والفعل يجيء على باب جلس يجلس. وقالوا: شحيح والشح كالبخيل والبخل. وقالوا: شحّ يشح، وقالوا: شححت كما قالوا: بخلت، وذلك لأن الكسرة أخف عليهم من الضمة. ألا ترى أن فعل أكثر في الكلام من فعل، والياء أخف من الواو وأكثر. وقالوا: ضننت ضنّا كرفقت رفقا، وقالوا: ضننت ضنانة كسقمت سقامة " قال أبو سعيد: حكى سيبويه ضننت تضنّ كعضضت تعضّ، وضننت تضن كقررت تقرّ والأول أفصح. وحكى شحّ يشح مثل قرّ يقرّ، وشححت تشحّ مثل عضضت تعض، والأول أفصح. قال: وليس شيء أكثر في كلامهم من فعل، ألا ترى أن الذي يخفف عضدا وكبدا لا يخفف جملا "، فتقول جمّل كما تقول: عضد وكبد، وإنما يريد سيبويه بذكر

стр. 1916

ما ذكر ثقل الضم في نفسه، وثقله مع التضعيف. وقالوا: لبّ يلب، وقالوا: اللّب الّلبابة والّلبيب. وقالوا: قلّ يقلّ، ولم يقولوا فيه كما قالوا في كثر وظرف " يريد لم يقولوا قللت كما قالوا: كثرت استثقالا. " وقالوا: عفّ يعفّ وهو عفيف، وزعم يونس أن من العرب من يقول: لببت تلبّ، كما قالوا: ظرفت تظرف، وإنما قلّ هذا لأن الضمة تستثقل فيما ذكرت لك "، يعني في عضد ونحوه. " فلما صارت فيما يستثقلون فاجتمعا فروا منهما ". يعني صارت في المضاعف، والأكثر في الكلام لببت تلبّ. قالت صفية بنت عبد المطلب (١) في ابنها الزبير وهو صغير: أضربه لكي يلبّ ... وكي يقود ذا اللّجب (٢) هذا باب علم كل فعل تعداك إلى غيرك " اعلم أنه يكون كل ما تعداك إلى غيرك على ثلاثة أبنية: على فعل يفعل، وفعل يفعل (وفعل يفعل)، وذلك نحو: ضرب يضرب، وقتل يقتل، ولقم يلقم. وهذه الأضرب تكون فيما لا يتعداك، وذلك نحو: جلس يجلس، وقعد يقعد، وركن يركن، ولما لا يتعداك ضرب رابع لا يشركه فيه ما تعداك نحو: كرم يكرم، وليس في الكلام فعلته متعديا. وضروب الأفعال أربعة يجتمع في ثلاثة: منها ما يتعدى (وما لا يتعدى)، ويبين بالرابع ما لا يتعدى وهو فعل يفعل. وليفعل أبنية يشترك فيها ما يتعدى وما لا يتعدى: يفعل ويفعل ويفعل، نحو: يضرب ويقتل ويلقم، وفعل على ثلاثة أبنية، وذلك فعل وفعل وفعل، نحو: قتل ولزم ومكث. فالأولان يشترك فيهما المتعدي وغيره، والآخر لما لا يتعدى كما جعلته لما لا يتعدى حيث وقع جعلته رابعا ".

стр. 1917

قال أبو سعيد: جملة هذا الكلام أن الأفعال المتعدية يكون على وزنها ما لا يتعدى، لأن ضرب يضرب يتعدى، وعلى وزنه جلس يجلس لا يتعدى، وقتل يقتل يتعدى، وعلى وزنه قعد يقعد وهو لا يتعدى، ولقم يلقم يتعدى، وعلى وزنه كمد يكمد لا يتعدى. فهذه الأفعال الثلاثية، ثلاثة اشترك فيها ما يتعدى وما لا يتعدى، وقد انفرد ما لا يتعدى ببناء وهو فعل، ولا يكون مستقبله إلا يفعل، نحو كرم يكرم، وظرف يظرف، فقد صار فعل يفعل بناء رابعا ينفرد به ما لا يتعدى، والماضي من الثلاثي فعل وفعل وفعل، فاشترك المتعدي وغير المتعدي في فعل وفعل، وهو الذي قال سيبويه. فالأولان يشترك فيهما المتعدي وغير المتعدي، والآخر لما لا يتعدى يعني فعل، ويقرب هذا كله عليك أن تحفظ أن ما كان ماضيه على فعل لا يتعدى البتة. وذكر سيبويه بعد هذا الفصل إلى آخر الباب ما شذ عن قياسه في المستقبل والماضي، فمن ذلك أربعة أفعال من الصحيح جاءت على فعل يفعل، والقياس في فعل أن يكون مستقبله على يفعل، إلا أنهم شبهوا فعل يفعل بقولهم: فعل يفعل، وذلك قولهم: حسب يحسب، ويئس ييئس، ويبس ييبس، ونعم ينعم. قال: " وسمعنا من العرب من يقول: وهل ينعمن من كان في العصر الخالي (١) وأنشدوا: وأعوجّ غصنك من لحو ومن قدم ... لا ينعم الغصن حتى ينعم الورق (٢) وقال الفرزدق: وكوم تنعم الأضياف عينا ... وتصبح في مباركها ثقالا (٣) والفتح في هذه الأفعال جيد، وهو أقيس ". يعني حسب يحسب، ويئس ييأس، يبس ييبس ونعم ينعم. " وقد جاء في الكلام فعل يفعل (في حرفين)، وذلك: فضل يفضل، ومتّ تموت، وفضل يفضل، ومت تموت أقيس ". قال أبو سعيد: قد ذكرت فيما مضى من غير سيبويه حضر يحضر بشاهده من

стр. 1918

الشعر. قال سيبويه: " وقد قال بعض العرب: كدت تكاد، فقال: فعلت تفعل، كما قالوا: فعلت أفعل ". قال: " فكما ترك الكسرة، كذلك ترك الضمة، وهذا قول الخليل، وهو شاذ من بابه، كما أن فضل يفضل شاذ من بابه ". أي فكما ترك كسرة كدت، كذلك ترك ضمة متّ. قال: " فكما شركت يفعل يفعل، كذلك شركت يفعل يفعل، وهذه الحروف من فعل يفعل إلى منتهى الفصل شواذ " يعني سواء في الشذوذ، ومعنى قوله: " كما شركت يفعل يفعل، كذلك شركت يفعل "، يريد: أما شركة يفعل يفعل فقولهم: فضل يفضل، وكان القياس أن يقال يفضل، وشركة يفعل يفعل أنهم قالوا: كدت تكاد، وكان القياس أن تقول: تكود، كما تقول: قلت تقول. هذا باب ما جاء من المصادر فيه ألف التأنيث قال سيبويه: " وذلك قولك: رجعته رجعى، وبشّرته بشرى، وذكّرته ذكرى واشتكيت شكوى، وأفتيته فتيا، وأعداه عدوى والبقيا. ومعنى البقيا الإبقاء على الشيء، تقول: ما عند فلان بقيا على فلان، أي لا يبقي عليه في مكروه أو غير ذلك، قال: فما بقيا عليّ تركتماني ... ولكن خفتما صرد النّبال " فأما الحذيا فالعطيّة، والسّقيا ما سقيت، والدّعوى ما أدّعيت. وقال بعض العرب: اللهم أشركنا في دعوى المسلمين " أي في دعائهم " وقال بغر بن النّكث: ولّت دعواها كثير صخبه دخلت الألف كدخول الهاء " جعل سيبويه ما ذكره مصادر مؤنثه بالألف، كما يكون المصدر مؤنثا بالهاء كقولك: العدة والزنة والركبة والجلسة وغير ذلك. وأما الحذيا والسّقيا فمصدران في الأصل مثل الفتيا والرّجعى، وإن كان قد وقعا على المفعول؛ لأن المصدر قد يقع على المفعول كقولهم: درهم ضرب في معنى مضروب، وأنت رجائي في معنى مرجوّي. واللهم

стр. 1919

أغفر لنا علمك فينا أي معلومك من ذنوبنا. وأما الدّعوى فقد تكون الشيء المدّعى مثل الحذيا ومثل السّقيا، وقد تكون الكلام الذي هو دعاء، وقوله: كثير صخبه فأدخلوا الهاء في صخبه لدعواها، والدعوى مؤنث؛ وذكّره لأنه أراد دعاءها. وقالوا: الكبرياء للكبر. قال سيبويه: " وأما الفعيلى فتجيء على وجه آخر، تقول: كان بينهم رمّيّا، فليس يريد رميا، ولكنه يريد ما كان بينهم من الترامي وكثرة الرّمي، ولا يكون الرّمّيا واحدا، وكذلك الحجّيزى. وأما الحثيثى فكثرة الحثّ، كما أن الرّميّا كثرة الرّمي، ولا يكون من واحد " يعني ما ذكره من الرّميا والحثّيثى والحجّيزى، وقد يكون من هذا الوزن ما يكون لواحد. قالوا: الدّلّيلى يراد به كثرة العلم بالدّلالة والرسوخ فيها، وقالوا: القتّيتى " وهي النّميمة " والهجّيرى: كثرة القول والكلام ". وقال " أبو الحسن: الاهجيرى، وهو كثرة كلامه بالغي يردده، ويروى أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لولا الخلّيفى لأذّنت، يعني الخلافة وشغلنه بحقوقها والقيام بها على مراعاة الأوقات التي يراعيها المؤذنون. وفعّيلى عند النحويين والذين حكوا عن العرب مقصور كله، ولا يعرف فيه المدّ، إلا ما حكي عن الكسائي أنه سمع خصيّصا قوما، والأمر بينهم فيضوضاء، بالمد والقصر، والفيضوضاء الأمر المشترك بين القوم، وأجاز قياسا على هذا في جميع الباب المد والقصر، وخالفة الفراء في ذلك، ولا نعلم واحدا قال ما قاله. هذا باب ما تجيء فيه الفعلة تريد بها ضربا من الفعل قال سيبويه: " وذلك قولك: هو حصن الطعمة، ومثله قتلة سوء، وبئست الميتة وإنما تريد الضرب الذي أصابه من القتل والذي هو عليه من الطّعم، مثل الركبة والجلسة والقعدة، وقد تجيء الفعلة لا يراد بها هذا المعنى، وذلك نحو: الشدّة والشعرة والدرّة " قال أبو سعيد: اعلم أن الفعلة قد تجيء على ضربين: أحدهما للحال التي عليها المصدر، ولا يراد بها العدد، كقولنا: فلان حسن الرّكبة والجلسة، يراد بذلك أنه متى ركب كان ركوبه حسنا، وإذا جلس كان جلوسه حسنا في أوقات ركوبه وجلوسه، وأن ذلك عادته في الركوب والجلوس، وحسن الطّعمة، أي ذلك فيه موجود لا يفارقه، والوجه

стр. 1920

الآخر أن يكون مصدرا كسائر المصادر، لا يراد حال الفاعل في فعله، كقولك: درى فلان درية، ولفلان شدّة وبأس، وشعر فلان بالشّعر شعرة. قال سيبويه: " وقالوا: ليت شعري في هذا الموضع استخفافا ". والأصل عنده (ليت شعرتي)، يريد به معنى علمي ومعرفتي، وما أشعره، وأسقطت الهاء لكثرة استعمالهم، وأنه صار كالمثل حتى لا يقال: ليت علمي، وصار بمنزلة قولهم: ذهب فلان بعذرة امرأته إذا افتضّها، ثم يقال للرجل إذا بنى بالمرأة: هذا أبو عذرها، فيحذفون الهاء؛ لأنه صار مثلا. ويقولون: تسمع بالمعيديّ لا أن تراه، وهو تصغير معدّيّ، بتشديد الدال، وكان حكمه معيّديّ، بتشديد الدال والياء، فخففوا الدال لأنه مثل. وتجيء فعلة مصدرا لما كان فاء الفعل منه واوا، كقولهم: وزن وزنا وزنة، ووعد وعدا وعدة، ووثق به ثقة، وأصله وزنة ووعدة ووثقة. وتقول: هو بزنته، تريد أنه بقدره، ويقال: العدّة، كما يقال: القتلة والضّعة والقحة، ويقولون: وقاح بيّن القحة، لا تريد شيئا من هذا، كما تقول: الشدة والدّرية والرّدّة، وأنت تريد الارتداد. يريد أن القحة مصدر لا تريد به حال الفعل، بل يكون بمنزلة الشدة والدّرية، وأنشد بيتا فاسدا ذكر أن المازني لم يحسن أن يقرأه وهو: فرحن ورحت إلى قليل ... ردّتي إلا أمامي ولم أعلم أن أحدا يرويه، وهو مكسور ناقص، فاستدللت منه على ما لو جعل تماما له لم يبعد ولم يخرج عما دل عليه بقية البيت وهو: فرحن ورحت منه إلى ثقال ... قليل ردّتي إلا أمامي (١) كأن قائل هذا الشعر شيخ قد كبر، فإذا ركب لم يمكنه أن يردّ ما يركبه إلى خلفه لعجزه، والثّقال: البطيء الذي لا ينبعث، فإذا لم يرجع إلى خلفه وهو على ثقال، فهو إذا كان على غيره أبعد من الرجوع. قال سيبويه: " وإذا أردت المرة الواحدة (من الفعل) جئت به أبدا على فعلة على

стр. 1921

الأصل؛ لأن الأصل فعل، فإذا قلت: الجلوس والذّهاب وغير ذلك فقد ألحقت زيادة ليست من الأصل، ولم تكن في الفعل، وليس هذا الضرب من المصادر لازما بزياداته لباب فعل كلزوم الإفعال والاستفعال ونحوهما لأفعالهما، فكان ما جاء على فعل فأصله عندهم الفعل، فإذا جاءوا بالمرة جاءوا بها على فعلة، كما جاءوا بتمرة على تمر، وذلك قولك: فعدت قعدة وأتيت أتية " قال أبو سعيد: واعلم أن أصل المصدر في الفعل الثلاثي فعل، بفتح الفاء وتسكين العين، وإن نطق بغيره أو زيد فيه زيادات. واستدلّ سيبويه أنه قد يقال في المرة الواحدة فعلة، وإن كان في المصدر زيادة، كقولهم: جلست جلسة، وقمت قومة، وشربت شربة. والمرة الواحدة إذا كانت بالهاء، فالباب في الجنس أن يكون بطرح الهاء من ذلك اللفظ، كقولهم: تمرة وتمر وجمرة وجمر، وكان الأصل أن تقول جلس جلسا، وقعد قعدا؛ لأن الواحدة قعدة وجلسة، ولكنهم تصرفوا في مصادر الثلاثي، فزادوا وغيّروا، كالجلوس والذّهاب والقيام. وما كان فيه الزيادات من الأفعال الثلاثية، أو كان على أكثر من ثلاثة أحرف، فالمصدر لا يتغير كالأفعال في مصدر أفعل، كقولهم: أكرم إكراما، وأمضى إمضاء، والاستفعال في مصدر استفعل، كقولك: استغفر استغفارا، واستخرج استخراجا. وقد يزيدون الهاء على المصدر الذي فيه الزيادة، يريدون به مرة واحدة. تقول: أتيته إتيانة، ولقيته لقاءة واحدة، فجاءوا به على المصدر المستعمل في الكلام كما قالوا: أعطى إعطاء، واستدرج استدراجا. وما كان من الفعل على أكثر من ثلاثة أحرف، فالمرة الواحدة بزيادة الهاء على مصدره المستعمل لا غير، كالاستغفار والإعطاء والتكسير، يراد بذلك كله مرة واحدة. وقالوا: غزاة، فأرادوا عمل وجه واحدا كما قيل: حجّة تريد عمل سنة، ولم يجيئوا به على الأصل. يريد أنه كان حقه أن يقول للمرة الواحدة: غزوة وحجّة، ولكنه جعل اسما لعمل سنة واحدة في الحجّ، وغزوة في وجه واحد. " وقالوا: قنمة، وسهكة، وخمطة، جعلوه اسما لبعض الريح، كالبنّة والشّهدة والعسلة، ولم يرد به فعل فعلة " يعني أن القنمة اسم للرائحة الموجودة في الوقت، والخمطة: تغيّر الشراب إلى الحموضة، والبنّة: رائحة موضع الغنم وأبعارها.

стр. 1922

هذا باب نظائر ما ذكرنا من بنات الياء والواو التي الياء والواو منهن في موضع اللامات قال سيبويه: " قالوا: رميته رميا وهو رام، كما قالوا: ضربته ضربا وهو ضارب، ومثل ذلك مراه يمريه مريا، وطلاه يطليه طليا، وهو مار وطال، وغزاه يغزوه غزوا وهو غاز، ومحاه يمحوه محوا وهو ماح، وقلاه يقليه قليا وهو قال، وقالوا: لقيته لقاء، كما قالوا: سفدها سفادا، وقالوا: اللّقيّ، كما قالوا: النّهوك ". يريد أن وزن اللّقيّ فعول، وأصله لقوي، وقلبت الواو ياء لسبقها بالسكون. وقالوا: قليته فأنا أقليه قلى، كما قالوا: شريته شرى. وقد جاء في هذا الباب المصدر على فعل، قالوا: هديته هدى، ولم يكن هذا في غير هدى، وذلك لأن الفعل لا يكون مصدرا في هديت، فصار هدى عوضا منه. قال أبو سعيد: اعلم أن فعلا يقلّ في المصادر، وكلام سيبويه ظاهره يوجب أنه لم يأت مصدر على فعل غير هدى. وللقائل أن يقول: قد وجدنا تقى وسرى وسلى فيمن قصر، وقد تكلم النحويون فيه، فذكر عن المبرد أنه قال: وإن تقى تعل، وأن التاء زائدة وفاء الفعل محذوفة، وذلك أن العرب يقولون في موضع اتقى يتقي بفتح التاء من (تقى يتقي)، وذلك أنهم يحذفون التاء الأولى الساكنة التي هي بدل (من الواو في وقيت)، فإذا حذفوها وليت ألف الوصل التاء الثانية المتحركة فسقطت، فصار تقى، وصار في المستقبل يتقي، فإذا أمرت قلت: تق ربك يا زيد، وللمرأة: تقي ربك يا هند، وبعض الناس يظن أنه يقال: تقى يتقي بسكون التاء، ولو كان كما ظن لكان بمنزلة رمى يرمي، ولكان الأمر منه اتق يا زيد، كما تقول: ارم يا زيد، وكلام العرب على ما ذكرناه أولا، قال الشاعر: زيادتنا نعمان لا تنسينّها ... تق الله فينا والكتاب الذي تتلو (١) وقال آخر: تقوه أيّها الفتّيان إنّي ... رأيت الله قد غلب الجدودا (٢)

стр. 1923

وقال آخر (في المتصل): جلاها الصّيقلون فأخلصوها ... فجاءت كلّها يتقي بأثر (١) فمذهب أبي العباس أن فاء الفعل سقطت في المصدر كسقوطها في الفعل، وأن الباقية هي تاء افتعل، فلهذا وزنه يتعل. وقال أبو إسحاق الزجاج: هو فعل، وكان يقول: إن تقي مخفف من اتّقى يتّقي، وهو متعد، وكان يزعم أن سيبويه إنما قال في هدى: إنه لم يجئ غيره، يرد في الفعل المتعدى، وأن سرى مصدر فعل لا يتعدى، والذي قاله غير معروف؛ لأنه لا يعرف تقى يتقي، ولا يؤمر منه باتق، كما يقال: ارم. وبكى فيه لغتان: المد والقصر، وكأن القصر تخفيف، والأصل المد لأنه صوت، والصوت بابه أن يجيء على فعال في المصادر. وقد مضي الكلام على نحو ذلك. ومعنى قول سيبويه: " وذلك لأن الفعل لا يكون مصدرا في هديت " معناه وذلك: في هديت، يعني وهدى في هديت خاص؛ لأن الفعل بلغت معه، فصار هدى عوضا من الفعل؛ لأن الفعل يكثر في المصادر. وقال: قليته قلى، وقريته قرى، فأشركوا بينهما. يعني بين فعل قلى، وبين فعل في هدى، فصار هذان البناءان عوضا من الفعل في المصدر؛ لأن الأصل الفعل، وكان حقه أن يقال في الأصل: هديته هديا، وقليته قليا، وقريته قريا. فدخل كل واحد منهما في صاحبه، كما قالوا: كسوة وكسا، وجذوة وجذا وصّوة وصوى، والصّوّة حجارة تجمع وتجعل علامة في الطريق. وفعل وفعل أخوان؛ لأنك إذا جمعت فعلة قلت: فعل، وإذا جمعت فعلة قلت: فعل، فلم تزد على فتح الثاني فيهما، وكذلك إذا جمعتهما بالتاء جاز في كل واحد منهما ثلاث لغات: الإتباع وفتح الثاني وتسكينه، تقول في ظلمة: ظلمات وظلمات وظلمات، وفي كسرة: كسرات وكسرات وكسرات، فهما يجريان مجرى واحدا. وفي المعتل يقال: رشوة ورشا، ورشوة ورشا، وكذلك في جذوة، وفي كسوة. " وقالوا: شريته شرى، ورضيته رضى، فالمعتل يختص بأشياء، وستراه فيما

стр. 1924

يستقبل إن شاء الله " فاختصاص المعتل الذي ذكره سيبويه أن فعل يقل في مصادر غير المعتل، وقد كثر المعتل، وفعل لا يوجد في غير المعتل. قال: " وقالوا: عتا يعتو عتوا، ودنا يدنو دنوّا، وثوى يثوى ثويّا، ونمى ينمي نماء، وبدا يبدو بداء، ونثا ينثو نثاءا، وقضي يقضي قضاء ". وذكر بعد هذا بدا ونثا، بالقصر. قال: " وإنما كثر الفعال في هذا كراهية الياءات والواوات مع الضمة ". يريد أنهم عدلوا عن فعول إلى فعال؛ لأنهم لو جاءوا به على فعول قالوا: بدا بدوّا، ونثا نثوّا، وقضي قضيّا، كما قالوا: ثوي ثويّا، ودنا دنوّا، على أن الفعال جاء في غير المعتل، نحو: الذّهاب والصّواب والثّبات. وقالوا: جرى جريا، كما قالوا: سكت سكتا، وقالوا: زنى زنا، وسرى يسرى سرى، والتّقى، فصارتا عوضا من فعل أيضا، فعلى هذا يجري الفعل المعتل الذي حرف الاعتلال منه لام " وقد جاء المد في زناء وشراء؛ لأنه فعل يقع من الاثنين، كل واحد منهما مثل فعل الآخر، فصار بمنزلة ضاربته ضرابا، وقاتلته قتالا (فاعرف ذلك إن شاء الله). قال سيبويه: " وقالوا: قوم غزّى وبدّى وعفّى، كما قالوا: ضمّر وشهّد وقرّح، وقالوا: السّقاء والجنّاء، كما قالوا: الجلّاس والعبّاد والنسّاك " قال أبو سعيد: ذكر سيبويه جمع الفاعل في هذا الموضع، وليس بباب له شاهدا على ما مر من المصادر مقصورا وممدودا، كقولهم: بدا وبداء، وما جاء على فعل وفعال، فالفعل نحو: الحلب والسّلب، والفعال نحو: الذّهاب والثّبات، ومثله من أسماء الفاعلين فعّل وفعّال، بثبات الألف قبل آخره وسقوطها، والجنّاء مصدر الجاني الذي يجني الثّمرة، بتشديد النون. قال: " وقالوا: بهو يبهو بهاء وهو بهيّ، وسرو يسرو سروّا، وهو سرىّ، كما قالوا: ظرف يظرف ظرفا، وهو ظريف، وقالوا: بذو يبذو بذاء وهو بذيّ، كما قالوا: سقم سقاما وهو سقيم. وبعض العرب يقول: بذيت كما تقول شقيت، ودهوت وهو دهيّ، والمصدر الدّهاء، كما تقول: سمح سماحا، وقالوا: داه، كما قالوا: عاقل، ومثله في اللفظ عقر وهو

стр. 1925

عاقر. وقد مضى الكلام على فعل وهو فاعل. " وقالوا: دها يدهو وداه، كما قالوا: عقل وعاقل، وقالوا: دهيّ كما قالوا: لبيب. ثم ذكر المعتل العين، والذي مضى المعتل اللام، فقال: تقول: بعته بيعا وكلته كيلا، وسقته سوقا، وقلته قولا، وقالوا: زرته زيارة، وعدته عيادة، وحكته حياكة، أرادوا الفعول ففروا إلى هذا كراهية الواوات والضمات، ومع هذا أنهم قالوا في الصحيح: عبد عبادة وعمر عمارة. ولو أتوا به على فعول لقالوا: زرته زؤورا، وعدته عؤودا. وقد جاء مثل ذلك على استثقاله. وقد ذكر سيبويه في آخر الباب، وهو سرته فأنا أسوره سؤورا، ومعناه سرت إليه، أي ارتفعت إليه. وقالوا: غار يغور غؤورا إذا غاب، قال الأخطل: لمّا أتوها بمصباح ومبزلهم ... سارت إليهم سؤور الأبجل الضّاري (١) وقالوا: خفته فأنا أخافه خوفا وهو خائف، كما يقال: لقمته ألقمه لقما وهو لاقم، وهبته أهابه هيبة وهو هائب، كما قالوا: خشيته خشية وهو خاش، وقالوا: رجل خاف. وأصله خوف، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وخوف بمنزلة فزع وفرق والمعنى واحد. " وقالوا: ذمته أذيمه ذاما، وعيبته أعيبه عابا، كما تقول: سرقه سرقا " وزن الذّام والعاب فعل. وسؤته سوءا، وقتّه قوتا (وقد قال قبل هذا: قتّه قوتا) في المصدر، وجعل القوت اسما لما يقتات. وعفته عيافة فأنا أعافه، وهو عائف. وقالوا: غابت الشمس تغيب غيوبا، وبادت تبيد بيودا، وقام يقوم قياما، وصام يصوم صياما كراهية للفعول لو قلت: قؤوما وصؤوما، ونظيره من الصحيح نفر نفارا. وقالوا: آبت الشمس إيابا، وقال بعضهم: أؤوبا، كما قالوا: الغؤور والسّؤور، ونظيرها من غير المعتل الرجوع، ومع هذا أنهم أدخلوا الفعال يعني في الصحيح. فقالوا: النّفار والنّفور، وشبّ شبابا وشبوبا، فهذا يكثر نظيره من العلة، وقالوا:

стр. 1926

ناح ينوح نياحة، وقاف يقوف قيافة، وصاح صياحا، وغابت الشمس غيابا، كراهية للمفعول في بنات الياء. وقد ذكر الغيوب والبيود على استثقالهم إيّاه. وقالوا: دام يدوم دواما، وهو دائم، وزال يزول زوالا وهو زائل، وراح يروح رواحا وهو رائح، كراهية للفعول. وقالوا: حاضت المرأة حيضا، وصامت المرأة صوما، وحال الرجل حولا، كما تقول: سكت سكتا، وعجز عجزا. وقالوا: لعت تلاعا لاعا، وهو لاع، كما قالوا: جزع جزعا وهو جزع. وقالوا: دئت تداء داء وهو داء، فاعلم. وقالوا: وجع يوجع وجعا وهو وجع. وقالوا: لعت وهو لائع مثل بعت وهو بائع، ولاع أكثر. هذا باب نظائر بعض ما ذكرناه من بنات الواو التي فيهن فاء قال سيبويه: " تقول: وعدته أعده وعدا، ووزنته أزنه وزنا، ووأدته أئده وأدا "، والوأد: قتل البنات. كما قالوا: كسرته أكسره كسرا، ولا يجيء في هذا الباب يفعل. لأنهم استثقلوا الواو مع الياء، وكان أصله يوعد ويوزن. قال: " والدليل على استثقالهم الياء مع الواو أنهم يقولون: ياجل وييجل في يوجل ". فحذفوا الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، وألزموا هذا الباب يفعل إذا كان الماضي على فعل؛ لأنهم إذا حذفوا الواو كانت الياء مع كسرة أخف من الياء مع ضمة، والياء مع الواو والكسرة في تقدير ياعد الذي هو يعد أخف من الياء والواو والضمة في يوعد ويوزن لو جاء على يفعل، فصرفوه إلى يفعل، وحذفوا الواو لوقوعها بين ياء وكسرة. والكوفيون يقولون: إن الواو سقطت فرقا بين ما يتعدى وبين ما لا يتعدى من هذا الباب. فما يتعدى منه فنحو: وعده يعده، ووزنه يزنه، ووقمه يقمه، وما لا يتعدى نحو قولنا: وجل يوجل، ووحل يوحل، ووهم يوهم، والذي قالوه من ذلك باطل من غير وجه، من ذلك أن ما جاء على فعل يفعل من هذا الباب تسقط واوه، وإن كان لا يتعدى، وذلك كثير، كقولنا: وكف يكف، ووجب القلب يجب، وونم الذباب ينم إذا ذرق، ووخد البعير يخد ووجد عليه في الموجدة يجد، وهو أكثر من أن يحصى. ومن الدليل أيضا على ذلك أنّا رأينا بعض الأفعال من هذا الباب يجيء مستقبله على يفعل ويفعل، وكان يفعل منه بإثبات

стр. 1927

الواو، ويفعل بإسقاطها. وقالوا: وحر صدره على يحر، ووغر يغر، وقالوا: يوغر ويوحر، فأثبتوا الواو في يفعل، وأسقطوها في يفعل. فوضح بذلك أن سقوط الواو في يعد ويزن من أجل وقوعها بين ياء وكسرة لا من أجل التعدي. فإن قال قائل: فإذا كان سقوط الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، فلم أسقطوها من يهب ويضع ويطأ ويقع؟ قيل: الأصل في ذلك يفعل، وكان يوهب ويوضع ويوطيء ويوقع، ووطيء يوطيء منه على فعل يفعل، نحو: حسب يحسب، وفي المعتل: وثق يثق، فسقطت الواو منه لوقوعها بين ياء وكسرة، فصار يهب ويطيء ويضع ويقع، ثم فتح من أجل حرف الحلق، كما قالوا: صنع يصنع، وقرأ يقرأ من أجل حرف الحلق، وما لم يكن فيه حرف الحلق في موضع عينه أو لامه لم نجز فيه ذلك. فإن قال قائل: إذا قلتم إن الواو تسقط لوقوعها بين ياء وكسرة استثقالا لذلك فهلا أسقطتموها لوقوعها بين ياء وضمة استثقالا لذلك، وهي أثقل في قولك: وضؤ يوضؤ، ووسم يوسم إذا صار وسيما، ووقح الحافر يوقح؟ قيل له: إنما أتموا هذا الباب لأنه لزم طريقا واحدا لا يمكن فيه التغيّر في وزنه، فلما ألزموه ذلك ألزموا التمام فيه، وهو أن باب وعد ووزن هو على فعل، وفعل يجيء مستقبله على يفعل ويفعل، فاقتصروا على يفعل منه لما ذكرنا من العلة، فكان اقتصارهم على يفعل تغيّرا لما يوجبه القياس في مستقبل فعل، فحملهم التغيير في ذلك على أن حذفوا الواو أيضا، وهو تغيير أيضا آخر لما فيه من الاستثقال، فكأنهم أتبعوا التغيير التغيير، وهذا التغيير يسلكه سيبويه كثيرا. وأما قولهم: وسم يوسم فإنه على فعل، ويلزم مستقبل فعل يفعل، فلما لم يغيّر مستقبله الذي هو واجب في الصحيح في مثل: ظرف وكرم لم تحذف الواو منه؛ لأن الأصل هو يفعل فيه، وإن ثبتت الواو، فلما لم يغيّر أحدهما لم يغيّر الآخر. ومما يقوي ذلك أن فعل لا يأتي مستقبله إذا كان في موضع عينه أو لامه حرف من حروف الحلق فيجعل على يفعل، كما يجعل ما كان ماضيه على فعل. فإن قال قائل: فقد تقع الواو بين ياء وكسرة في مثل يوقن ويوصل فهلا حذفت؟ فالجواب فيه نحو ما ذكرنا أن مستقبل أفعل لا يتغير عن يفعل، كما أن مستقبل فعل لا يتغير عن يفعل، ومع ذلك فإن الواو الساكنة إذا كان قبلها ضمة كالإشباع للضمة، والاستثقال لها أقل.

стр. 1928

وقد ذكر سيبويه أن من العرب من يقول: يجد، وذلك قليل، وحذفوا الواو من يجد؛ لأن الأصل فيه يجد، فسقطت الواو من أجله. " وقالوا: ورم يرم، وورع يرع ورعا وورما، ويورع لغة، ووغر صدره يغر، ووحر يحر وحرا ووغرا، ويوغر ويوحر أكثر، وولي يلي، ووثق يثق، وومق يمق، وورث يرث " وقد كثر في المعتل من هذا الباب فعل يفعل على قلته في الصحيح. والسبب في ذلك كراهتهم الجمع بين ياء وواو لو قالوا: ولي يولي، ووثق يوثق، فحللوه على بناء تسقط فيه الواو، وما كان من الياء فإنه لا تسقط منه الياء، لوقوعها بين ياء وكسرة، كقولهم يئس ييئس، وييس ييس ويسر ييسر من الميسر، ويمن ييمن من اليمن؛ لأن الياء أخف من الواو؛ لأنهم يفرون من الواو إلى الياء، ولا يفرون من الياء إلى الواو، فلما كانت الياء أخف سلّموه إذ كانت فاء الفعل. ومن العرب من يجري الياء مجرى الواو وهو قليل، فيقول: يئس يئس، والأصل فيه ييئس، فسقطت الثانية منه لوقوعها بين ياء وكسرة كسقوط الواو في يعد ويزن. هذا باب افتراق فعلت وأفعلت قال سيبويه: " تقول: دخل وخرج وجلس، فإذا خبّرت أن غيره صيره إلى شيء من هذا قلت: أدخله وأخرجه وأجلسه، وتقول: فزع وأفزعته، وخاف وأخفته، وجال وأجلته. فأكثر ما يكون إذا أردت أن غيره أدخله في ذلك يبنى الفعل منه على أفعلت، ومن ذلك أيضا مكث وأمكثه. وقد يجيء الشيء على فعّلت فيشرك أفعلت، كما أنهما قد يشتركان في غير هذا. وذلك قولك: فرح وفرّحته، وإن شئت قلت أفرحته، وغرم وغرمته وأغرمته إن شئت، كما تقول فزّعته وأفزعته، وقالوا: ملح وملّحته، وسمعنا من العرب من يقول: أملحته، كما تقول: أفزعته. وقالوا: ظرف وظرّفته، ونبل ونبّلته، ولا يستنكر أفعلت فيهما، ولكن هذا أكثر، واستغني به. ومثل أفرحته وفرّحته أنزلت ونزّلته، قال الله : لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً (١)، وكثّرهم وأكثرهم. ويدخل في ذلك عرف زيد أمره وعرّفت زيدا أمره ".

стр. 1929

قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب يسمى باب نقل الفعل عن فاعله وتصييره مفعولا، وذلك أن الفعل الثلاثي إذا أردت أن تجعل الفاعل فيه مفعولا جئت بفاعل أدخلته في ذلك الفعل، فيصير مفعولا، وعلامة نقل الفعل أن تزيد همزة في أوله، أو تشدّد عين الفعل، وزيادة الهمزة في أوله أكثر وأعمّ، فإن كان الفعل غير متعد تعدى إلى واحد، كقولك: ذهب زيد، وأذهب عمرو زيدا، وجلس زيد، وأجلس عمرو زيدا. وإن كان الفعل متعديا إلى مفعول صار بالنقل متعديا إلى مفعولين؛ لأن فاعله يصير مفعولا، كقولك: لبس الثوب، وألبست زيدا الثوب، ودخل زيد الدار، وأدخل عمرو زيدا الدار. وإن كان متعديا إلى مفعولين تعدى بالنقل إلى ثلاثة، ولا يكون أكثر من ذلك، وذلك قولك: علم عمرا خارجا، ثم تقول: أعلم الله زيدا عمرا خارجا، وقد يجوز أن يكون الفعل يصير فاعله مفعولا على غير لفظ النقل الذي ذكرته لك، وذلك قولك: زاد مالك، وزاد الله مالك، وشحا فوك، وشحا عمرو فا زيد. وقد يجوز أن يدخل أفعل وفعّل على غير وجه النقل، وسنبيّن لك تصرّف وجوه ذلك من كلام سيبويه إن شاء الله. قال سيبويه: " فأما طردته فنّحيته، وأطردته جعلته طريدا " يعني أن أطردته ليس بنقل لطردته، " وطردت الكلاب الصيد، أي جعلت تنحيّه. ويقال: طلعت أي بدوت وطلعت الشمس أي بدت، وأطلعت عليهم أي هجمت عليهم، وشرقت الشمس بدت وأشرقت: أضاءت، وأسرع: عجل، وأبطأ: احتبس. وأما سرع وبطؤ فكأنهما غريزة كقولهم: خفّ وثقل، ولا تنفذهما إلى شيء، كما تقول: طوّلت الأمر وعجّلته. يعني أن أسرع وأبطأ لا يتعديان، وإن كانا على أفعل، ثم فضّل بينهما وبين سرع وبطؤ وإن كان ذلك كله لا يتعدى بأن قال: " سرع وبطؤ كأنهما غريزة "، أي صار طبعه الإسراع والإبطاء، وفي أسرع وأبطأ ليس بطبع. وقوله: " ولا تنفذهما إلى شيء " يعني لا يتعدى أسرع وأبطأ، كما يتعدى طوّلت الأمر وعجّلته. " ويقولون: فتن الرجل وفتنته، وحزن وحزنته، ورجع ورجعته، وزعم الخليل أنك حيث قلت فتنته وحزنته لم ترد أن تقول: جعلته حزينا، وجعلته فاتنا، كما أنك حين قلت أدخلته وجعلته داخلا، ولكنك أردت أن تقول: جعلت فيه حزنا وفتنة فقلت: فتنته، كما قلت: كحلته جعلت فيه كحلا، ودهنته جعلت فيه دهنا " قال أبو سعيد: مذهب سيبويه أن أفعلته الذي للنقل معناه جعلته فاعلا للفعل الذي كان له، أي صيّرته فاعلا، وفعلته أي جعلت فيه ذلك الفعل. فإذا قلت: أدخلته أي جعلته

стр. 1930

داخلا. وإذا قلت ضربته أي جعلت فيه ضربا، وإذا قلت: بنيته جعلت فيه بناء، وإذا قلت: أبنيت زيدا الدار معناه جعلته بانيا لها، وكذلك قالوا: فتنت الرجل وأفتنته، فمن قال فتنته أراد جعلت فيه فتنة، ومن قال أفتنته أي جعلته فاتنا. يقال: فتن الرجل فهو فاتن، ويسمّي سيبويه النقل الذي قدمنا ذكره التغيير، ولذلك قال في فتنته وكحلته وحزنته: " لم ترد بفعلته هاهنا تغيير قوله حزن وفتن "، يعني نقله على ما ذكرته لك. " ولو أردت ذلك لقلت أحزنته وأفتنته، وفتن من فتنته كحزن من حزنته. ومثله شتر الرجل وشترت عينه، فإذا أردت تغيير شتر لم تقل إلا أشترته، كما تقول: فزع وأفزعته، وإذا قال: شترت عينه لم يعرض لشتر الرجل، وإنما جاء ببناء على حدة، كأنه قال: جعلت فيه شترا، كما أنك إذا قلت: طردته وأطردته فهما مختلفان، ومثل ذلك: عورت عينه وعرتها ليس بتغيير عورت عينه. وقد قالوا حين أرادوا التغيير والنّقل: أعورت عينه، ومثل ذلك: سودت وسدت غيرى، أي سودته، " وقال نصيب: سودت فلم أملك سوادي وتحته ... قميص من القوهيّ بيض بنائقه (١) وقال بعضهم: سدت يريد فعلت " تحصيل هذا أنه يقال: اسواددت واسوددت وسودت وسدت بمعنى واحد، وذلك كله غير متعد، يقال من سدت: ساد يسود في معنى اسودّ يسودّ، فإذا أردت المتعدي جاز أن تقول: سدته وسوّدته، فأما سدته فجعلت فيه سوادا، وأما سوّدته فجعلته أسود. " وقالوا: عوّرته، كما قالوا: فرّحته، وقالوا: جبرت يده وجبرتها، وركضت الدابة وركضتها، ونزحت الرّكيّة ونزحتها، وسار الدابة وسرتها. وقالوا: رجس الرجل ورجسته، ونقص الدرهم ونقصته " وبعض العرب يقولون: رجس، " وغاض الماء وغضته " وقد ذكرنا نحو هذا، والمتعدى منه ليس على طريق النقل والتغيير لما لا يتعدى، ولكن على معنى جعلت ذلك الفعل فيه. قال: " وقد جاء فعّلته إذا أردت أن تجعله مفعلا، وذلك: فطّرته فأفطر، وبشّرته فأبشر، وهذا النحو قليل ".
следующие страницы →