ناح ينوح نياحة، وقاف يقوف قيافة، وصاح صياحا، وغابت الشمس غيابا، كراهية للمفعول في بنات الياء.
وقد ذكر الغيوب والبيود على استثقالهم إيّاه.
وقالوا: دام يدوم دواما، وهو دائم، وزال يزول زوالا وهو زائل، وراح يروح رواحا وهو رائح، كراهية للفعول. وقالوا: حاضت المرأة حيضا، وصامت المرأة صوما، وحال الرجل حولا، كما تقول: سكت سكتا، وعجز عجزا. وقالوا: لعت تلاعا لاعا، وهو لاع، كما قالوا: جزع جزعا وهو جزع. وقالوا: دئت تداء داء وهو داء، فاعلم.
وقالوا: وجع يوجع وجعا وهو وجع. وقالوا: لعت وهو لائع مثل بعت وهو بائع، ولاع أكثر.
هذا باب نظائر بعض ما ذكرناه من بنات الواو التي فيهن فاء
قال سيبويه: " تقول: وعدته أعده وعدا، ووزنته أزنه وزنا، ووأدته أئده وأدا "، والوأد: قتل البنات.
كما قالوا: كسرته أكسره كسرا، ولا يجيء في هذا الباب يفعل.
لأنهم استثقلوا الواو مع الياء، وكان أصله يوعد ويوزن.
قال: " والدليل على استثقالهم الياء مع الواو أنهم يقولون: ياجل وييجل في يوجل ".
فحذفوا الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، وألزموا هذا الباب يفعل إذا كان الماضي على فعل؛ لأنهم إذا حذفوا الواو كانت الياء مع كسرة أخف من الياء مع ضمة، والياء مع الواو والكسرة في تقدير ياعد الذي هو يعد أخف من الياء والواو والضمة في يوعد ويوزن لو جاء على يفعل، فصرفوه إلى يفعل، وحذفوا الواو لوقوعها بين ياء وكسرة. والكوفيون يقولون: إن الواو سقطت فرقا بين ما يتعدى وبين ما لا يتعدى من هذا الباب. فما يتعدى منه فنحو: وعده يعده، ووزنه يزنه، ووقمه يقمه، وما لا يتعدى نحو قولنا: وجل يوجل، ووحل يوحل، ووهم يوهم، والذي قالوه من ذلك باطل من غير وجه، من ذلك أن ما جاء على فعل يفعل من هذا الباب تسقط واوه، وإن كان لا يتعدى، وذلك كثير، كقولنا:
وكف يكف، ووجب القلب يجب، وونم الذباب ينم إذا ذرق، ووخد البعير يخد ووجد عليه في الموجدة يجد، وهو أكثر من أن يحصى. ومن الدليل أيضا على ذلك أنّا رأينا بعض الأفعال من هذا الباب يجيء مستقبله على يفعل ويفعل، وكان يفعل منه بإثبات
стр. 1927
الواو، ويفعل بإسقاطها.
وقالوا: وحر صدره على يحر، ووغر يغر، وقالوا: يوغر ويوحر، فأثبتوا الواو في يفعل، وأسقطوها في يفعل. فوضح بذلك أن سقوط الواو في يعد ويزن من أجل وقوعها بين ياء وكسرة لا من أجل التعدي. فإن قال قائل: فإذا كان سقوط الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، فلم أسقطوها من يهب ويضع ويطأ ويقع؟
قيل: الأصل في ذلك يفعل، وكان يوهب ويوضع ويوطيء ويوقع، ووطيء يوطيء منه على فعل يفعل، نحو: حسب يحسب، وفي المعتل: وثق يثق، فسقطت الواو منه لوقوعها بين ياء وكسرة، فصار يهب ويطيء ويضع ويقع، ثم فتح من أجل حرف الحلق، كما قالوا: صنع يصنع، وقرأ يقرأ من أجل حرف الحلق، وما لم يكن فيه حرف الحلق في موضع عينه أو لامه لم نجز فيه ذلك.
فإن قال قائل: إذا قلتم إن الواو تسقط لوقوعها بين ياء وكسرة استثقالا لذلك فهلا أسقطتموها لوقوعها بين ياء وضمة استثقالا لذلك، وهي أثقل في قولك: وضؤ يوضؤ، ووسم يوسم إذا صار وسيما، ووقح الحافر يوقح؟
قيل له: إنما أتموا هذا الباب لأنه لزم طريقا واحدا لا يمكن فيه التغيّر في وزنه، فلما ألزموه ذلك ألزموا التمام فيه، وهو أن باب وعد ووزن هو على فعل، وفعل يجيء مستقبله على يفعل ويفعل، فاقتصروا على يفعل منه لما ذكرنا من العلة، فكان اقتصارهم على يفعل تغيّرا لما يوجبه القياس في مستقبل فعل، فحملهم التغيير في ذلك على أن حذفوا الواو أيضا، وهو تغيير أيضا آخر لما فيه من الاستثقال، فكأنهم أتبعوا التغيير التغيير، وهذا التغيير يسلكه سيبويه كثيرا.
وأما قولهم: وسم يوسم فإنه على فعل، ويلزم مستقبل فعل يفعل، فلما لم يغيّر مستقبله الذي هو واجب في الصحيح في مثل: ظرف وكرم لم تحذف الواو منه؛ لأن الأصل هو يفعل فيه، وإن ثبتت الواو، فلما لم يغيّر أحدهما لم يغيّر الآخر. ومما يقوي ذلك أن فعل لا يأتي مستقبله إذا كان في موضع عينه أو لامه حرف من حروف الحلق فيجعل على يفعل، كما يجعل ما كان ماضيه على فعل.
فإن قال قائل: فقد تقع الواو بين ياء وكسرة في مثل يوقن ويوصل فهلا حذفت؟
فالجواب فيه نحو ما ذكرنا أن مستقبل أفعل لا يتغير عن يفعل، كما أن مستقبل فعل لا يتغير عن يفعل، ومع ذلك فإن الواو الساكنة إذا كان قبلها ضمة كالإشباع للضمة، والاستثقال لها أقل.
стр. 1928
وقد ذكر سيبويه أن من العرب من يقول: يجد، وذلك قليل، وحذفوا الواو من يجد؛ لأن الأصل فيه يجد، فسقطت الواو من أجله.
" وقالوا: ورم يرم، وورع يرع ورعا وورما، ويورع لغة، ووغر صدره يغر، ووحر يحر وحرا ووغرا، ويوغر ويوحر أكثر، وولي يلي، ووثق يثق، وومق يمق، وورث يرث "
وقد كثر في المعتل من هذا الباب فعل يفعل على قلته في الصحيح. والسبب في ذلك كراهتهم الجمع بين ياء وواو لو قالوا: ولي يولي، ووثق يوثق، فحللوه على بناء تسقط فيه الواو، وما كان من الياء فإنه لا تسقط منه الياء، لوقوعها بين ياء وكسرة، كقولهم يئس ييئس، وييس ييس ويسر ييسر من الميسر، ويمن ييمن من اليمن؛ لأن الياء أخف من الواو؛ لأنهم يفرون من الواو إلى الياء، ولا يفرون من الياء إلى الواو، فلما كانت الياء أخف سلّموه إذ كانت فاء الفعل.
ومن العرب من يجري الياء مجرى الواو وهو قليل، فيقول: يئس يئس، والأصل فيه ييئس، فسقطت الثانية منه
لوقوعها بين ياء وكسرة كسقوط الواو في يعد ويزن.
هذا باب افتراق فعلت وأفعلت
قال سيبويه: " تقول: دخل وخرج وجلس، فإذا خبّرت أن غيره صيره إلى شيء من هذا قلت: أدخله وأخرجه وأجلسه، وتقول: فزع وأفزعته، وخاف وأخفته، وجال وأجلته. فأكثر ما يكون إذا أردت أن غيره أدخله في ذلك يبنى الفعل منه على أفعلت، ومن ذلك أيضا مكث وأمكثه. وقد يجيء الشيء على فعّلت فيشرك أفعلت، كما أنهما قد يشتركان في غير هذا. وذلك قولك: فرح وفرّحته، وإن شئت قلت أفرحته، وغرم وغرمته وأغرمته إن شئت، كما تقول فزّعته وأفزعته، وقالوا: ملح وملّحته، وسمعنا من العرب من يقول: أملحته، كما تقول: أفزعته. وقالوا: ظرف وظرّفته، ونبل ونبّلته، ولا يستنكر أفعلت فيهما، ولكن هذا أكثر، واستغني به. ومثل أفرحته وفرّحته أنزلت ونزّلته، قال الله : لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً (١)، وكثّرهم وأكثرهم. ويدخل في ذلك عرف زيد أمره وعرّفت زيدا أمره ".
стр. 1929
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب يسمى باب نقل الفعل عن فاعله وتصييره مفعولا، وذلك أن الفعل الثلاثي إذا أردت أن تجعل الفاعل فيه مفعولا جئت بفاعل أدخلته في ذلك الفعل، فيصير مفعولا، وعلامة نقل الفعل أن تزيد همزة في أوله، أو تشدّد عين الفعل، وزيادة الهمزة في أوله أكثر وأعمّ، فإن كان الفعل غير متعد تعدى إلى واحد، كقولك: ذهب زيد، وأذهب عمرو زيدا، وجلس زيد، وأجلس عمرو زيدا. وإن كان الفعل متعديا إلى مفعول صار بالنقل متعديا إلى مفعولين؛ لأن فاعله يصير مفعولا، كقولك: لبس الثوب، وألبست زيدا الثوب، ودخل زيد الدار، وأدخل عمرو زيدا الدار.
وإن كان متعديا إلى مفعولين تعدى بالنقل إلى ثلاثة، ولا يكون أكثر من ذلك، وذلك قولك: علم عمرا خارجا، ثم تقول: أعلم الله زيدا عمرا خارجا، وقد يجوز أن يكون الفعل يصير فاعله مفعولا على غير لفظ النقل الذي ذكرته لك، وذلك قولك: زاد مالك، وزاد الله مالك، وشحا فوك، وشحا عمرو فا زيد. وقد يجوز أن يدخل أفعل وفعّل على غير وجه النقل، وسنبيّن لك تصرّف وجوه ذلك من كلام سيبويه إن شاء الله.
قال سيبويه: " فأما طردته فنّحيته، وأطردته جعلته طريدا "
يعني أن أطردته ليس بنقل لطردته، " وطردت الكلاب الصيد، أي جعلت تنحيّه.
ويقال: طلعت أي بدوت وطلعت الشمس أي بدت، وأطلعت عليهم أي هجمت عليهم، وشرقت الشمس بدت وأشرقت: أضاءت، وأسرع: عجل، وأبطأ: احتبس. وأما سرع وبطؤ فكأنهما غريزة كقولهم: خفّ وثقل، ولا تنفذهما إلى شيء، كما تقول: طوّلت الأمر وعجّلته. يعني أن أسرع وأبطأ لا يتعديان، وإن كانا على أفعل، ثم فضّل بينهما وبين سرع وبطؤ وإن كان ذلك كله لا يتعدى بأن قال: " سرع وبطؤ كأنهما غريزة "، أي صار طبعه الإسراع والإبطاء، وفي أسرع وأبطأ ليس بطبع. وقوله: " ولا تنفذهما إلى شيء " يعني لا يتعدى أسرع وأبطأ، كما يتعدى طوّلت الأمر وعجّلته.
" ويقولون: فتن الرجل وفتنته، وحزن وحزنته، ورجع ورجعته، وزعم الخليل أنك حيث قلت فتنته وحزنته لم ترد أن تقول: جعلته حزينا، وجعلته فاتنا، كما أنك حين قلت أدخلته وجعلته داخلا، ولكنك أردت أن تقول: جعلت فيه حزنا وفتنة فقلت: فتنته، كما قلت: كحلته جعلت فيه كحلا، ودهنته جعلت فيه دهنا "
قال أبو سعيد: مذهب سيبويه أن أفعلته الذي للنقل معناه جعلته فاعلا للفعل الذي كان له، أي صيّرته فاعلا، وفعلته أي جعلت فيه ذلك الفعل. فإذا قلت: أدخلته أي جعلته
стр. 1930
داخلا. وإذا قلت ضربته أي جعلت فيه ضربا، وإذا قلت: بنيته جعلت فيه بناء، وإذا قلت: أبنيت زيدا الدار معناه جعلته بانيا لها، وكذلك قالوا: فتنت الرجل وأفتنته، فمن قال فتنته أراد جعلت فيه فتنة، ومن قال أفتنته أي جعلته فاتنا. يقال: فتن الرجل فهو فاتن، ويسمّي سيبويه النقل الذي قدمنا ذكره التغيير، ولذلك قال في فتنته وكحلته وحزنته:
" لم ترد بفعلته هاهنا تغيير قوله حزن وفتن "، يعني نقله على ما ذكرته لك.
" ولو أردت ذلك لقلت أحزنته وأفتنته، وفتن من فتنته كحزن من حزنته. ومثله شتر الرجل وشترت عينه، فإذا أردت تغيير شتر لم تقل إلا أشترته، كما تقول: فزع وأفزعته، وإذا قال: شترت عينه لم يعرض لشتر الرجل، وإنما جاء ببناء على حدة، كأنه قال: جعلت فيه شترا، كما أنك إذا قلت: طردته وأطردته فهما مختلفان، ومثل ذلك: عورت عينه وعرتها ليس بتغيير عورت عينه. وقد قالوا حين أرادوا التغيير والنّقل: أعورت عينه، ومثل ذلك: سودت وسدت غيرى، أي سودته، " وقال نصيب:
سودت فلم أملك سوادي وتحته ... قميص من القوهيّ بيض بنائقه (١)
وقال بعضهم: سدت يريد فعلت "
تحصيل هذا أنه يقال: اسواددت واسوددت وسودت وسدت بمعنى واحد، وذلك كله غير متعد، يقال من سدت: ساد
يسود في معنى اسودّ يسودّ، فإذا أردت المتعدي جاز أن تقول: سدته وسوّدته، فأما سدته فجعلت فيه سوادا، وأما سوّدته فجعلته أسود.
" وقالوا: عوّرته، كما قالوا: فرّحته، وقالوا: جبرت يده وجبرتها، وركضت الدابة وركضتها، ونزحت الرّكيّة ونزحتها، وسار الدابة وسرتها. وقالوا: رجس الرجل ورجسته، ونقص الدرهم ونقصته " وبعض العرب يقولون: رجس، " وغاض الماء وغضته "
وقد ذكرنا نحو هذا، والمتعدى منه ليس على طريق النقل والتغيير لما لا يتعدى، ولكن على معنى جعلت ذلك الفعل فيه.
قال: " وقد جاء فعّلته إذا أردت أن تجعله مفعلا، وذلك: فطّرته فأفطر، وبشّرته فأبشر، وهذا النحو قليل ".
стр. 1931
ومعنى ذلك أنه جعل فعّلته نقلا لأفعلت، والباب أن يكون نقلا لفعلت، كما يقال:
عرف وعرّفته، ونبل ونبّلته، وفرح وفرّحته.
قال: " وأما خطّأته فإنما أردت سمّيته مخطئا، كما أنك حيث قلت: فسّقته وزنّيته، أي سمّيته بالزّنى والفسق، كما يقال حيّيته، أي استقبلته بحياك الله، كقولك: سقّيته ورعّيته، أي قلت سقاك الله ورعاك الله ".
فالباب فيما نسبته إلى الشيء أن يكون على فعّلت، كقولك: لحّنته وخطّأته، وصوّبته وجهّلته، ومثله ما يدعي به له أو عليه، كقولك:
" جدّعته وعقّرته، أي قلت له: جدعك الله وعقرك، وأفّفت به، أي قلت له:
أفّ. وقالوا: أسقيته في معنى سقّيته، تعني به الدعاء له. فدخلت أفعلت على فعّلت، كما تدخل فعّلت عليها.
يريد أن الباب في نقل الفعل وتغييره أفعلت، وقد استعملوا فيه فعّلت، كفرّجت وفزّعت، والباب في الدعاء والتسمية فعّلت، وقد أدخلوا عليه أفعلت، فقالوا: سقّيته في معنى دعوت له بالسّقيا. قال ذو الرمة:
وقفت على ربع لميّة ناقتي ... فما زلت أبكي حوله وأخاطبه
وأسقيه حتى كاد ممّا أبثّه ... تكلّمني أحجاره وملاعبه (١) "
قال سيبويه: " ويجيء أفعلته على أن تعرضه لأمر وذلك أقتلته، أي عرّضته للقتل، ويجيء مثل قبرته وأقبرته، فقبرته دفنته، وأقبرته جعلت له قبرا. ويقال: سقيته فشرب، وأسقيته جعلت له ماء وسقيا.
قال الخليل: سقيته مثل كسوته، وأسقيته مثل ألبسته.
هذا الصحيح؛ لأن في بعض النسخ سقيته مثل كسوته، وأسقيه مثل ألبسته والصواب هذا والأول؛ لأن كسوته معناه جعلت له كسوة وإن لم يلبسها، وألبسته إذا جعلته لابسا، فألبسته مثل سقيته، وكسوته مثل أسقيته على ما ذكر من الفرق بين سقيته وأسقيته، وبعض أهل اللغة ذكر أنه لا فرق بينهما، وأنشد للبيد:
سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرا والقبائل من هلال (٢)
стр. 1932
قال: " وتقول: أجرب الرجل وانحز وأحال، أي صار صاحب جرب وحيال ونحاز في ماله ". وهذا الباب يجيء على أربعة أوجه: منها أن يكون الرجل صاحب شيء قد صار بتلك الصفة كقولنا: رجل " مشدّ مقطف ومقو "، أي صاحب إبل قويّة وخيل تقطف وإبل شداد. وعلى هذا يقال: امرأة مطفل أي لها أطفال، وظبية مشدن مغزل، أي ولدها غزال وشادن. ومن ذلك يقال: فلان خبيث مخبث، أي هو خبيث في نفسه، وله أصحاب خبثاء، ومنها أن يقال لمن يصادف الشيء على صفة أفعلته، أي صادفته كذلك، كقولك: أبخلت الرجل، أي وجدته بخيلا. وروي أن عمرو بن معد يكرب سأل مجاشع بن مسعود السّلميّ بالبصرة فمدح بني سليم، فقال: (سألناكم فما أبخلناكم، وقاتلناكم فما أجبناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم)، أي ما وجدناكم بخلاء ولا جبناء ولا مفحمين. ومنها أن يأتي وقت يستحق فيه شيء فيقال لمستحقّه ذلك، كقولك:
" أصرم النخل وأمضغ وأحصد الزرع وأجزّ النخل وأقطع، أي قد استحق أن يصرم ويمضغ ويحصد. ويقال في قولهم:
" ألام الرجل، أي صار صاحب لائمة "، أي صاحب من يلومه، فإذا صار له لوّام قيل: مليم، كما يقال لصاحب الإبل الجربى: مجرب، ويقال: إنه قيل له: ألام لأنه استحق أن يلام، فصار بمنزلة قولهم: أصرم النخل.
ووجه رابع أن يقال: أفعل من الدخول في الشيء، كقولك: أفجرنا، أي دخلنا في وقت الفجر، وأمسينا وأصبحنا وأظهرنا دخلنا في المساء والصباح والظّهر، ومنه يقال:
أشملنا وأجئبنا وأصبينا وأدبرنا وإذا دخلنا في الشمال والجنوب، والصبّا والدّبور.
ويقال: أشهرنا إذا دخلنا في الشهر، قال الشاعر:
ما زلت مذ أشهر السّفّار أنظرهم ... مثل انتظار المضحّي راعي الإبل (١)
وإنما يستعمل ذلك في الأوقات وما جرى مجراها.
قال: " وتقول لما أصابه: هذا نحز وجرب وحالت الناقة "
يعني أنه ليس يقال للبعير الذي أصابه الجرب في نفسه مجرب، ولا للذي أصابه النحاز منحز، إنما يقال: منحوز، والمنحز صاحبه، والنّحاز: السّمال، وفي غير ذلك إذا لم يكن على الوجوه التي ذكرناها لام الرجل صاحبه وصرم النخل وجذّه وقطفه وما أشبه ذلك.
стр. 1933
قال سيبويه: " ومثل ذلك: أسمنت وأكرمت فأربط "
يقال ذلك للرجل إذا وجد شيئا نفيسا يرغب فيه أن يتمسك به، فمعنى أسمنت أي وجدت سمينا، وأكرمت أي وجدت فرسا كريما أو غير ذلك، فاربط، أي اتّخذه.
قال: " فأما أحمدته فوجدته مستحقا للحمد. وقالوا: أراب، كما قالوا: ألام، أي صار صاحب ريبة، كما قالوا: ألام، أي استحق أن يلام. وأما رابني فتقول: جعل فيّ ريبة، كما تقول: قطعت النخل، أي أوصلت إليه القطع "
فأراب غير متعد، وراب متعد، لا تقل أرابني ولا أربته، لأنك لم تفعل به إلا رابة، وإنما استوجبت الريبة أو صرت صاحب ريبة. وقال بعض أهل اللغة: رابني إذا تبيّنت منه الريبة، وأراب إذا اتّهم به ولم تتبيّن، ولذلك قال بعض الشعراء:
أخوك الذي إن ربته قال: إنما ... أربت، وإن عاتبته لان جانبه (١)
فمعناه إن تبيّن منك ريبة قال لم أتبيّن بعد.
ومثل ذلك: أبقّت المرأة، وأبقّ الرجل إذا كثر أولادهما، وهو يدخل في باب المجرب والمنجز، أي لهما أولاد كثير، وإن جئت بالفعل من ذلك قلت:
بقّت المرأة ولدا، وبقّت كلاما، كقولك: نثرت ولدا ونثرت كلاما، ومثل المجرب المقطف والمعسر والموسر والمقلّ. وأما عسّرته فمعناه ضيّقت عليه، ويسّرته وسعت عليه. وقد يكون فعلت وأفعلت بمعنى واحد.
كأن كل واحد منهما لغة لقوم ثم تختلط، فتستعمل اللغتان كقولك:
قلته البيع وأقلته، وشغله وأشغله، وصرّ أذنيه وأصرّ إذا أقامهما، وبكر وأبكر.
وقالوا: بكّر فأدخلوها مع أبكر، فبكّر أدخل مع أبكر.
كما قالوا: أدنف فبنوه على أفعل، وهو من الثلاثة، ولم يقولوا: دنف.
يريد أن الباب من الثلاثة في الأمراض أن يجيء على فعل، فلم يستعملوا ما يوجبه الباب وهو دنف، واستعملوا أدنف.
وقالوا: أشكل أمرك ولم يستعملوا غيره، وقالوا: حرثت الظّهر أي أتعبته، والظّهر المركوب، وأحرثت.
стр. 1934
قال: " ومثل أدنفت أصبحنا وأمسينا وأفجرنا شبّهوه بهذه التي تكون في الأحيان، كأن معناه دخلت في وقت الدّنف، كما دخلت في وقت السّحر.
قال: " ومثل ذلك: نعم الله بك عينا، وأنعم الله بك عينا "
فهذا من باب فعلت وأفعلت بمعنى واحد. ويقال: إن قوما من الفقهاء كانوا يكرهون استعمال هذه اللفظة، وهي نعم الله بك عينا؛ لأنه لا يستعمل في الله نعم الله. وللقائل أن يقول: الباء في بك بمنزلة التعدي، ألا ترى أنك تقول: ذهب الله به وأذهبه، ومعناهما واحد.
وزلته من مكانه وأزلته، وتقول: غفلت، أي صرت غافلا، وأغفلت إذا خبّرت بأنك تركت شيئا، ووصلت غفلتك إليه.
وقد يقال: أغفلت الإنسان إذا وجدته غافلا، كما يقال: أجبنته إذا وجدته جبانا، وعلى ذلك يحمل قوله : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا (١)، أي وجدناه غافلا. وغفلت عنه بمعنى أغفلت.
ومثل ذلك: لطف له وألطف غيره، ولطف به كغفل عنه، وألطفه كأغفله. ولطف له بمعنى تلطّف به ورفق به.
ويقال: بصر الرجل فهو بصير، إذا خبّرت عن وجود بصره وصحته لا على معنى وقوع الرؤية منه؛ لأنه قد يقال بصير لمن غمّض عينه ولم ير شيئا لصحة بصره، فإذا قلت: أبصر، أخبرت بوقوع رؤيته على الشيء.
وتقول: وهم يهم، وأوهم يوهم، ووهم يوهم.
فأما وهم يوهم فهو الغلط في الشيء، تقول: وهمت في الحساب أوهم وهما، إذا غلطت فيه، ووهمت إلى الشيء إذا
ذهب قلبي إليه أهم وهما، وأوهمت الشيء أوهمه إيهاما إذا تركته كلّه.
قال: " وقد يجيء فعّلت وأفعلت في معنى واحد مشتركين، كما جاء فيما صيّرته فاعلا، وذلك: وعزت إليه وأوعزت، وخبّرت وأخبرت، وسمّيت وأسميت ".
فقد اشتركا في هذا كما اشتركا في باب نقل الفاعل إلى المفعول في قولك:
غرّمته وأغرمته، وفرّحته وأفرحته، وليس هذا من ذلك.
стр. 1935
" وقد يجيئان مفترقين " من معنى واحد، فيكون لكل واحد منهما غير معنى الآخر.
كقولك: أذّنت وأذنت، وكقولك: علّمته وأعلمته، فعلّمت أدّبت، وأعلمت آذنت، وآذنت أعلمت وأذّنت، إذا ناديت للصلاة.
النداء والتصويب بإعلام. وبعض العرب يجري أذّنت وآذنت مجرى سمّيت وأسميت. ويقول: أمرضته إذا جعلته مريضا، ومرّضته إذا قمت عليه ووليته، ومثله أقذيت عينه، أي طرحت فيها القذى وجعلتها قذيّة، وقذّيتها: نظفتها.
وقد قيل في قول الله : حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ (١): أذهب الفزع عنها على معنى مرّضته، أي أزلت مرضه.
وتقول: أكثر الله فينا مثلك وكثّر. فأما أكثر فمعناه أدخل الله فينا مثلك كثيرا.
وأما كثّر فمعناه جعل القليل كثيرا.
وكذلك أقللت وقلّلت. فأما أقللت فمعناه جئت بقليل، وكذلك أوتحت، أي جئت بوتح قليل، وقلّلت، أي جعلت الكثير قليلا، وهو في معنى صيّرت.
وقد يقال: أقللت وأكثرت في معنى قلّلت وكثّرت.
قال: " وتقول: أصبحنا وأمسينا وأسحرنا، وذلك إذا صرت في حين صبح ومساء وسحر. وقد مضى نحو ذلك ".
" وأما صبّحنا ومسّينا وسحّرنا فمعناه أتينا صباحا ومساء وسحرا، ومثله بيّتناه أتيناه بياتا ".
قال: " وما بني على يفعّل، يشجّع ويجبّن ويقوّى، أي يرمى بذلك ".
ومعناه أنه يذكر به وينسب إليه كما تقول: يفسّق ويضلّل.
ومثله: قد شيّع الرجل، أي قد رمى بذلك " والمشيّع: الشجاع، كأنه نسب إلى الشجاعة وقيلت فيه.
ويقال: أغلقت وغلّقت الأبواب حين أكثروا العمل، وسترى ذلك في باب فعّلت، وإن قلت: أغلقت الأبواب كان عربيّا
جيدا، وقال الفرزدق:
стр. 1936
ما زلت أغلق أبوابا وأفتحها ... حتّى أتيت أبا عمرو عمّار (١)
قال أبو سعيد: اعلم أن اللفظ يدلّ به على التكثير، فهو تشديد عن الفعل في الفعل، وإن كان قد يقع التشديد لغير التكثير، كقولنا: حرّكته، ولا تريد كثيرا. فما يدل على التكثير أنك تقول: أغلقت الباب الواحد، ولا تقول: (غلّقته، وتقول: غلّقت الأبواب، وتقول: ذبحت الشاة، ولا تقول: ذبّحتها، وتقول: ذبّحت الغنم.
وأما سائر الأفعال فليس فيها دليل على أحدهما، وقد يقع للقليل والكثير، فمن أجل ذلك يجوز أن تستعملها للكثير، فتريد بها ما تريد بالمشدّد، ومن أجل ذلك صار أغلق أبوابا بمعنى أغلّق أبوابا، وقوله: وأفتحها بمعنى أفتّحها.
وقد أعاد سيبويه هذا البيت بعينه في الباب الذي يلي هذا شاهدا في أن أفتحها في معنى أفتّحها، وفي هذا الموضع أغلق في معنى أغلّق.
وقد استعملوا أنزل ونزل في معنى واحد، وقد يستعمل نزل في معنى الكثير.
فأما أنزل ونزل بمعنى واحد غير التكثير فقوله : وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ (٢)، وقال : وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً (٣)، فهذا لغير التكثير؛ لأن آية واحدة لا يقع فيها تكثير الإنزال.
وكان أبو عمرو يختار التخفيف في كل موضع ليس فيه دلالة من الخط على التثقيل إلا في موضعين: أحدهما قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٤) اختار التثقيل في هذا؛ لأنه تنزيل بعد تنزيل، فصار من باب التكثير.
والموضع الآخر: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً فاختار التثقيل في ينزل حتى يشاكل نزل؛ لأن المعنى واحد. فالأول للتكثير، وهذا للمطابقة، وليس فيها تكثير.
وقد يجوز أن يكون بيّن في معنى أبان، ويجوز أن يكون للتكثير.
هذا باب دخول فعّلت على فعلت لا يشركه في ذلك أفعلت
قال سيبويه: " تقول: كسرتها وقطعتها، فإذا أردت كثرة العمل قلت: كسّرتها
стр. 1937
وقطّعتها، ومما يدلّك على ذلك قولهم: علّطت البعير، وإبل معلّطة، وبعير معلوط، ولا يقال: معلّط؛ لأن الإبل كثير، فقد تكرر فيه العلاط، وعلى هذا شاة مذبوح، وغنم مذبّحة، وباب مغلق وأبواب مغلّقة. وجرحت الرجل إذا جرحته مرة أو أكثر، و " جرّحته " إذا أكثرت الجراحات في جسده.
وقالوا: ظلّ يفرّسها السّبع ويؤكّلها إذا أكثر ذلك فيها. وقالوا: موّتت وقوّمت إذا أردت جماعة الإبل أنها ماتت وقامت. وقالوا: ولدت الشاة وولّدت الغنم؛ لأنها كثيرة.
وقالوا: يجوّل ويطوّف، يكثر الجولان والطّوف.
قال: " واعلم أن التخفيف في هذا كله جائز عربي، إلا أن فعّلت إدخالها هاهنا لتبيّن الكثير، وقد يدخل في هذا التخفيف، كما أن الركبة والجلسة معناهما في الركوب والجلوس، ولكن بيّنوا بها الضّرب، كما أن هذا بناء خاص للتكثير "
يريد أن التخفيف قد يجوز أن يراد به القليل والكثير، فإذا شدّدت دللت به على الكثير، وقد مضى هذا، كما أن الركوب والجلوس قد يقع لقليل الفعل وكثيره ولجميع صنوفه، فإذا قلت: الركبة والجلسة على هيئته وحاله. وإذا قلت: الركبة والجلسة دل على مرة واحدة، والجلوس قد يجوز أن يراد به المرة، ويجوز أن يراد به الهيئة التي تقع عليها الجلسة، فصار اختصاص الجلسة والجلسة بشيء خاص كاختصاص يطوّف ويجوّل بشيء خاص، وصار الركوب والجلوس بمنزلة يجوّل ويطوّف في أنه يصلح للأمرين.
قال: " وكما أن الصوف والريح قد يكون فيه معنى صوفة وريحة ".
يريد أنك إذا قلت: شممت ريحا فيجوز أن تريد معنى الرائحة، كأنه جعل الرائحة للواحدة والريح للجنس، فهذا في الاستعمال، قال الله : وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ (١)، فعبّر عنها بالريح وهي للكثير، فأما الرائحة فأكثر ما تستعمل فيما يفوح في دفعة واحدة ثم أنشد:
ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها
ثم قال: " وفتحت أحسن في هذا، كما أن قعدة في ذلك أحسن "
يريد أن اللفظ الخاص الموضوع لمعنى أكشف لذلك المعنى من أن يأتي مبهما.
стр. 1938
وقد قال الله : جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (١). وقال: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً (٢) فهذا وجه فعلت وفعّلت مبيّنا في هذه الأبواب، وهكذا صفته ثم ذكر:
" باب ما طاوع الذي فعله على فعل يكون على انفعل وافتعل " والباب فيه انفعل، وافتعل قليل.
تقول: كسّرته فانكسر، وحطمته، فانحطم، وحسرته فانحسر، ودفعته فاندفع.
ومعنى قولنا مطاوعة أن المفعول به لم يمتنع مما رامه الفاعل، ألا ترى أنك تقول فيما امتنع مما رمته دفعته فلم يندفع، وكسّرته فلم ينكسر؛ أي أوردت أسباب الكسر فلم تؤثر.
وتقول: شويه فانشوى، وبعضهم يقول: فاشتوى، بمعنى شويته فانشوى. وقد تقول: اشتويته بمعنى شويته؛ أي اتخذته مشويّا، وكذلك اطبّخت في معنى طبخت؛ أي اتخذت طبيخا.
" وتقول: غممته فاغتمّ، وانغمّ عربية، وصرفته فانصرف ".
وأما أفعلت الشيء فمطاوعه هو الفعل الذي دخل عليه أفعلت، كقولك: " أدخلته فدخل وأخرجته فخرج.
غير أن الأصل في قولك: قطعته فانقطع، قطعت الأصل وانقطع فرعه المطاوع.
وقوله: أدخلته فدخل، الأصل دخل، وقولك: أدخلته أي صيّرته داخلا.
" وربما استغني عن انفعل في هذا الباب فلم يستعمل، وذلك قولهم: طردته فذهب، ولا يقولون: انطرد، ولا فاطّرد "، استغنوا عنه كما استغنوا بترك عن ودع.
ونظير هذا من المطاوعة فعّل تفعّل، كقولك: كسّرته فتكسّر، وعشيّته فتعشى، وغدّيته فتغدّى، وفي فاعلته فتفاعل كقولك: ناولته فتناول، وفتحت التاء؛ لأن معناه معنى الافتعال والانفعال.
يعني تاء تفاعل فتحت؛ لأنها أول فعل ماض سمي فاعله، وإن كانت زائدة للمطاوعة كالافتعال والانفعال، وليست بألف وصل، دخولها لسكون لما بعدها.
" ونظير ذلك في بنات الأربعة على مثال تفعلل، نحو: دحرجته فتدحرج، وقلقلته فتقلقل، ومعددته فتمعدد، وصعررته فتصعرر ".
стр. 1939
ومعنى معددته حملته على الخشونة والصّلابة، قال الشاعر:
ربّيته حتى إذا تمعددا ... وآض نهدا كالحصان أجردا
كان جزائي بالعصا أن أجلدا (١)
ومعنى صعررته دورته.
قال: " وأما تقيّس وتنزر وتتمّم فإنما يجري على نحو كسّرته، كأنه قال: تمّم فتتمّم، وقيّس فتقيس، ونزر فتنزر ".
ومعنى قيّس نسب إلى نزار، وتقيّس انتسب إلى قيس، وتتمّم انتسب إلى تميم، وتنزر انتسب إلى نزار. قال ذو الرمة:
إذا ما تمضّرنا فما الناس غيرنا ... ونضعف إضعافا ولم نتمضّر (٢)
أي انتسبنا إلى مضر.
قال: " وكذلك كل شيء على زنة فعللته، عدد حروفه أربعة ما خلا أفعلت، فإنه لم يلحق ببنات الأربعة ".
يريد أن كل شيء من الفعل كان ماضيه على أربعة أحرف يجوز أن تزاد في أوله التاء ما خلا أفعلت، فإنه لا تزاد فيه التاء. والذي تزاد فيه التاء ثلاثة أبنية: فعللت وما كان ملحقا به فعللت، كقولك: دحرجت مرهفت وعذلجت، تقول فيه: تسرهف وتعذلج، وفاعلت كقولك: عالجته فتعالج، وفعّلت كقولك: كسّرته فتكسّر، ولا تقع زيادة في باب أفعلت، لا تقول: أكرمته فتأكرم، ولا يجوز ذلك فاعرفه.
هذا باب ما جاء فعل منه على غير فعلت
قال سيبويه: " وذلك نحو: جنّ وسلّ وزكم وورد "، ومعنى ورد: حمّ، وكذلك وعك، ومورود وموعوك ومحموم بمعنى واحد.
وقال على هذا: مجنون ومسلول ومحموم ومورود، وإنما جاءت هذه الحروف على جننت وسللت، وإن لم يستعمل في الكلام ".
كما أن رجلا أقطع جاء على قطع، وكما يقال: أعور من عور، ولا يستعمل قطع،
стр. 1940
استغني عنه بقطع، وقال بعضهم: رجل محبوب، وكان حقه أن يقال في فعله: حببته فهو محبوب.
وقال بعضهم: حببته. قال الشاعر:
فو الله لولا تمره ما حببته ... ولا كان أدنى من عبيد ومشرق (١)
وذكر أن بعض القراء قرأ: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ (٢)، وذكر غير سيبويه أن هذه الأشياء ليست من أفعال الآدميين قد جاءت على مفعول، وفعله فيما لم يسمّ فاعله إذا نسب الفعل إلى الله كان على أفعل، فيقال: أجنّة الله، وأسلّه وأزكه وأورده، أي فعل الله به ذلك.
هذا باب دخول الزيادة في فعلت للمعاني
" اعلم أنك إذا قلت فاعلته فقد كان من غيرك إليك مثل ما كان منك إليه حين قلت فاعلته، ومثل ذلك: ضاربته وفارقته، وعازّني وعازرته وخاصمته "
كذلك سائر ما يكون الفعل منه بين اثنين كقاتلته وشاتمته وما أشبه ذلك. فإذا غلب أحدهما كان فعله على فعل يفعل وإن كان المستعمل في الأصل على يفعل.
قال سيبويه: واعلم أن يفعل من هذا الباب على مثال يخرج، تقول: خاصمني فخصمته أخصمه، وتقول: غالبني فغلبته أغلبه، وشاتمني فشتمته أشتمه ".
إلا أن يكون فيه من الحروف ما يلزم فيه يفعل أو يفعل فيجري عليه، فمن ذلك ما لامه أو عينه ياء، أو فاؤه واو، فإنه يجيء على فعل يفعل؛ لأن ذلك يلزم فيه في الأصل قياسا لا ينكسر، فتقول: بايعني فبعته أبيعه، وراماني فرميته أرميه، وواعدني فوعدته أعده، وواخذني فوخذته أخذه. " وعازّني فعززته أعزّه ".
قال: " وليس في كل شيء يكون هذا، ألا ترى أنك لا تقول: نازعني فنزعته، استغني عنها بغلبته وأشباه ذلك "
ومما جاء من هذا الباب قولك: طاولته فطلته، وتقول: طال زيد عمرا إذا غالبه في الطول فغلبه، ويكون الفعل متعديا، فإن لم ترد هذا لم يتعد فعله، وكان على فعل،
стр. 1941
كقولك: طال يطول فهو طويل، قال الشاعر:
إنّ الفرزدق صخرة عادية ... طالت فلا تسطيعها الأوعالا (١)
يعني طالت الأوعال، على معنى غلبتها في الطول، فهذا الباب في فاعلت.
قال سيبويه: " وقد يجيء فاعلت لا تريد به عمل اثنين، ولكنهم بنوا عليه الفعل كما بنوه على أفعلت، كقولك: ناولته وعاقبته وعافاه الله وسافرت وظاهرت "
ومعنى ظاهرت عليه، أي أضعفت عليه لباسه، كقولك: ظاهر عليه درعين وثوبين، أي جعل أحدهما ظهارة والآخر بطانة، ومن هذا قولهم: تظاهرت نعم الله عليه، وظاهرت كتبه إليه أي تابعت بعضها لبعض فصار بعضها أظهر لبعض، فصارت هذه الأفعال كسائر الأبنية التي ترد فيما يتعدى من الأفعال كقولك: أكرمته وما أشبه ذلك.
" وقالوا: ضاعفت وضعّفت، وناعمته ونعّمته، كما قالوا: عاقبته، وتقول: تعاطينا تعطّينا، فيكون تعاطيه من اثنين "
وكأنك قلت: عاطيته الكأس، أي أعطاني كأسا فأعطيته مثلها، فإذا قلت: تعطّينا فقد أردت التكثير في هذا المعنى.
قال: " ولا يجوز أن يكون معملا في مفعول ولا يتعدى الفعل إلى منسوب، ففي تفاعلنا يلفظ بالمعنى الذي كان في فاعلته، وذلك قولك: تضاربنا وتقاتلنا "
قال أبو سعيد: اعلم أن فاعلته يجوز أن يكون من فعل متعدّ إلى مفعول ثان غير الذي يفعل بك مثل فعلك، ويجوز أن لا يكون متعديا إلى غيرك، والذي لا يكون متعديا أكثر، كقولك: ضاربت زيدا أو شاتمته، وليس بعد زيد مفعول آخر، فإذا قلت تضاربنا وتشاتمنا فقد ذكرت فعل كل واحد منكما بالآخر ولا مفعول غيركما، وهو الذي أراد سيبويه أنه لا يكون معملا في مفعول.
وقد يجوز أن يكون الفعل متعديا إلى مفعولين في الأصل، فيؤتى بمفعول آخر في قولك: فتفاعلنا، وذلك قولك: عاطيت زيدا الكأس ونازعته المال، فإذا جعلت الفعل لنا قلت: تعاطينا الكأس وتنازعنا المال، قال الشاعر:
فلمّا تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميّال (٢)
وقال الأعشى:
стр. 1942
نازعتهم قضب الرّيحان متّكئا ... وقهوة مزّة راووقها خضل (١)
وقال عمر بن أبي ربيعة:
ولمّا تفاوضنا الحديث وأسفرت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا (٢)
وقد يجيء تفاعلوا وافتعلوا في معنى واحد، كقولك: تضاربوا واضطربوا، وتقاتلوا واقتتلوا، وتجاوروا واجتوروا، وتلاقوا والتقوا، وقد يجيء تفاعلت على غير معنى فاعلته فتفاعلنا، كما جاء عاقبته ونحوها وأنت لا تريد بها الفعل من اثنين، وذلك قولك: تقاربت من ذلك وتراءيت له، وتقاضيته وتماريت في ذلك " أي شككت " وتعاطيت منه أمرا قبيحا، وقد يجيء تفاعلت ليريك أنه في حال ليس فيها، من ذلك قوله: تغافلت وتعاميت وتعاشيت وتعارجت " إذا رأيت من نفس ما ليس فيك. من ذلك قال الشاعر:
إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثمّ كسرت العين من غير عور
ألفيتني ألوي بعيد المستمر ... أحمل ما حمّلت من خير وشر (٣)
ومعنى تخازرت صغّرت عيني، وما كانت عينه صغيرة. ويقال: تذاءبت الرياح إذا جاءت من كل ناحية.
هذا باب استفعلت
قال سيبويه: " تقول استجدته، أي أصبته جيدا، واستكرمته أي أصبته كريما، واستعظمته أي أصبته عظيما، واستسمنته أي أصبته سمينا. وقد يجيء على غير هذا المعنى، كما جاء تذاءبت وعاقبت "
قال أبو سعيد: اعلم أن أصل استفعلت الشيء في معنى طلبته واستدعيته، وهو الأكثر، وما خرج عن هذا فهو يحفظ وليس بالباب، وأنا أسوقه إليك على ما قال سيبويه، ويكون أيضا استفعلته على معنى أصبته، وهو كالباب فيه، ولذلك قال سيبويه:
" وقد يجيء على غير هذا المعنى كما جاء تذاءبت الريح وعاقبت "، وليس بالباب، وقد مضى الكلام فيه، وتقول: استلأم إذا لبس اللأمة، واستخلف لأهله، كما تقول: أخلف
стр. 1943
والمعنى واحد. وتقول: استعطيت، أي طلبت العطيّة، واستعتبته، أي طلبت إليه العتبى، وهي الرّضا من العتب، " واستفهمت، أي طلبت أن يفهمني، وكذلك استجرت واستثرت واستخرجته، أي لم أزل أطلب إليه حتى خرج. وقد يقولون: اخترجته شبهوه بافتعلت وانتزعته ".
وذكر أبو بكر مبرمان عن أصحابه الذين أخذ منهم التفسير أن استخرجته طلبت خروجه وقتا بعد وقت، واخترجته أخرجته دفعة، كما قالوا: انتزعته.
" وقالوا: قرّ في مكانه واستقرّ، وقالوا: جلب الجرح وأجلب " والمعنى واحد.
قال سيبويه: وأما استحقّه فإنه يقول: طلب حقه، واستخفّه: طلب خفّته، واستعمله: طلب إليه العمل، واستعجلت زيدا إذا طلبت عجلته، فإذا قلت:
استعجلت غير متعدّ إلى مفعول فمعناه طلبت ذلك من نفسي وكلّفتها إياه. والباب في استفعلت الشيء أن يكون للطلب أو الإصابة، كقولك: استجدته، وما عدا ذلك فإنه يحفظ حفظا، كقولك: " علا قرنه واستعلاه، وقرّ في المكان واستقرّ، ومنه في التحول من حال إلى حال: استنوق الجمل، إذا تخلّق بأخلاق الناقة، واستتيست الشاة إذا أشبّهت بالتيس.
قال: " وإذا أراد الرجل أن يدخل نفسه في أمر حتى يضاف إليه ويكون من أهله فإنك تقول: تفعّل، وذلك تشجّع وتبصّر وتحلّم وتجلّد وتمرّأ، وتقديرها تمرّع، أي صار ذا مروءة، وقال حاتم طيّيء:
تحلّم عن الأدنين واستبق ودّهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلّما (١)
وليس هذا بمنزلة تجاهل؛ لأن هذا يطلب أن يصير حليما.
وتجاهل يري من نفسه غير الذي هو، وقد مضى ذلك.
" وقد تجيء تقيّس وتنزر وتعرّب على هذا ".
يعني أنه يقال للرجل: تقيّس إذا دخل في قيس حتى يضاف إليه، ويكون من أهله، وكذلك تنزر إذا دخل في نسب نزار.
وقد دخل استفعل هاهنا، قالوا: تعظم واستعظم، وتكبّر واستكبر، كما شارك تفاعلت تفعّلت الذي ليس في هذا المعنى، ولكنه استثبات، وذلك قولهم:
стр. 1944
تيقّنت واستيقنت، وتبيّنت واستبنت، وتثبّتّ واستثبتّ، ومثل ذلك، يعني تحلّم، تقعّدته، أي ريّئته عن حاجته وعفته، ومثله تهيّبتني البلاد، وتكأدني ذلك الأمر " معناه هابني أهل البلاد، وتكأدني معناه شقّ عليّ، من قولهم للمكان الشّاقّ المصعد كؤود وكأداء.
قال سيبويه: وأما قوله: تنقّصته وتنقّصني فكأنه الأخذ من الشيء الأول فالأول.
وأما تفهّم وتبصّر وتأمّل فاستثبات بمنزلة تيقّن، وقد يشركه استفعل، نحو: استثبت.
وأما يتجرّعه ويتحسّاه ويتفوّقه فهو يتنقّصه؛ لأنه يأخذ منه شيئا بعد شيء، وليس من معالجتك الشيء بمرة واحدة، ولكنه في مهلة. وأما تعقّله فنحو: تقعّده، لأنه يريد أن يختله عن أمر يعوقه عنه، ويتملّقه نحو ذلك؛ لأنه إنما يديره عن شيء. وقالوا:
تظلّمني، أي ظلمني مالي، فبناه على تفعّل، كما قالوا: جزته وجاوزته، وهو يريد شيئا "، قال الشاعر.
تظلّمني حقّي كذا ولوى يدي ... لوى يده الله الذي هو قاتله (١)
" وقلته وأقلته، ولقت وألقت، وهو إذا لطخته بالطين، وألقت الدواة ولقتها.
وأما تهّيبه فإنه حصر ليس فيه معنى شيء مما ذكرنا، كما أنك تقول: استعليته لا تريد إلى معنى علوته "
يريد أن معنى تهيّبه في معنى هابه، ولم يبن على تفعّل لزيادة معنى في فعل، كما أن استعليته لم يزد معناه على علوته، ومعنى قوله: " فإنه حصر "، يريد أن الهيبة حصلت للإنسان عن الإقدام.
" وأما تخوفه فهو أن يوقع أمرا يقع بك، فلا تأمنه في حالك التي تكلمت فيها.
وأما خافه فقد يكون وهو لا يتوقّع منه في تلك الحال شيئا "
قال أبو سعيد: فرّق سيبويه بين تخوّف وخاف، ولم يفرّق بين تهيّب وهاب.
قال سيبويه: " وأما تخوّنته الأيام فهو تنقّصته، وليس في تخوّنته من هذه المعاني شيء، كما لم يكن استنهيته في نهيته ".
يريد أنه ليس في تخوّفته معنى خفته المطلق، كما لم يكن في نهيته معنى استنهيته؛
стр. 1945
لأن استنهيته إنما هو معاودته في النهي، ونهيته هو النهي مطلقا، وقد بين هو الفصل بين تخوّفته وخفته.
" وأما يتسمّع ويتحفّظ فهو يتبصّر "، قال: " وهذه الأشياء نحو يتجرّع ويتفوّق لأنها في مهلة ".
يعني أنه ليس يسمع في مرة واحدة، وإنما هو شيء يتصل، ومعنى يتفّوّق أنه يتشرّبه بعد شيء، وهو مأخوذ من الفراق.
ومثل ذلك تخيّره، كأنه تمهّل في اختياره.
وأما التغمّج والتعمّق والتدخّل فنحو من هذا؛ لأنه عمل بعد عمل في مهلة " والتغمّج الشرب، والتعمّق التشديد.
وأما تنجّز حوائجه واستنجز فهو بمنزلة تيقّن واستيقن في شركة استفعلت في الاستثبات، والتقعّد والتحجّز والتنقّص، وهذا النحو كله في مهلة وعمل.
قد بيّن وجوه تفعّل الذي ليس فيه مهلة.
هذا باب موضع افتعلت
تقول: اشتوى القوم، أي اتخذوا شواء، وأما شويت فكقولك: أنضجت، وكذلك اختبز وخبز، واطّبخ وطبخ، واذّبح وذبح. فأما ذبح فمنزلة قوله: قتله، وأما اذّبح فتقول: اتخذ ذبيحة، وقد يبنى على افتعل ما لا يراد به شيء من ذلك، كما بنوا على أفعلت وغيره من الأبنية، وذلك افتقر واشتدّ، فقالوا هذا كما قالوا: استلمت، فبنوه على افتعل، كما بنوا على أفعل.
يريد أنهم يبنون على افتعل ما لا يراد به إلا معنى فعل لا زيادة فيه، ولا يستعمل إلا بالزيادة، كقولهم: افتقر فهو فقير، ولا يستعمل فقر. وقالوا: اشتد الأمر فهو شديد، ولا يستعمل بغير الزيادة في هذا المعنى. وقالوا: استلم الحجر، ولم يقولوا: أسلمه، ولا سلّمه.
ومثل هذا في أفعل قولهم: أفلح الرجل وما أشبهه ولا يستعمل بغير الزيادة.
قال سيبويه: " وأما كسب فإنه أصاب، واكتسب فهو التصرّف والطلب والاجتهاد بمنزلة الاضطراب ".
قال أبو سعيد: فرّق سيبويه بين كسب واكتسب، وقال غيره: لا فرق بينهما، قال
стр. 1946
الله : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ (١)، والمعنى واحد.
قال سيبويه: " وأما قولك: حبسته فبمنزلة قولك: ضبطته، واحتبسته بمنزلة اتخذته حبيسا، كأنه بمنزلة شوى واشتوى. وقالوا: ادّخلوا وادّلجوا وتدخّلوا وتولّجوا " والمعنى دخلوا، قال الشاعر:
رأيت القوافي يتّلجن موالجا ... تضايق عنها أن تولّجها الإبر (٢)
" وقالوا: قرأت واقترأت، يريدون شيئا واحدا، كما قالوا: علاه واستعلاه وخطف واختطف. وأما انتزع فإنما هو خطفة، كقولك: استلب، وأما نزع فهو تحويلك إياه وإن كان على نحو الاستلاب، وكذلك قلع واقتلع وجذب واجتذب.
وأمّا اصطبّ الماء فبمنزلة اشتوه، كأنه يقول: اتّخذه لنفسك، وكذلك اكتل واتّزن.
وقد يجيء على وزنته وكلته فاكتل واتّزن ".
وقد أنشد سيبويه آخر الباب عقيب ما أمللته: وقال رؤبة:
يعرضن إعراضا لدين المفتن (٣)
وليس بشاهد لما تقدّمه، فقال بعض أصحابنا: يريد أن الفتن والفتون واحد، فقال:
فتن وأفتن، فجاء هذا كما جاء قلع واقتلع، وجذب واجتذب.
هذا باب افعوعلت وما هو على مثاله مما لم تذكره
" قالوا: خشن، وقالوا: اخشوشن، وسألت الخليل فقال: كأنهم أرادوا المبالغة والتوكيد، كما أنه إذا قال: اعشوشبت الأرض فإنما يريد أن يجعل ذلك عاما كثيرا قد بالغ، وكذلك احلولى، وربما بني عليه الفعل فلم يفارقه، كما أنه قد يجيء الشيء على أفعلت وافتعلت ونحو ذلك لا يفارقه بمعنى، ولا يستعمل في الكلام إلا على زيادة.
يريد أن افعوعل ربما جاء من لفظه ومعناه الفعل بغير زيادة، كقولهم: حلا واحلولى، وخلق الشيء واخلولق، وربما جاء بالزيادة ولا يستعمل بحذفها، كقولهم:
اذلولى، وذكرا أفعالا فيها زيادات ولم تستعمل إلا بها، كقولهم: " اقطرّ النبت واقطارّ إذا
стр. 1947
ولّي وأخذ يجف، وابهارّ الليل، إذا اشتدت ظلمته وتوسّط، وهو مأخوذ من البهرة، وبهرة الشيء وسطه، وكذلك: "
ابهارّ القمر إذا كثر ضوؤه "، وكذلك " ارعويت " لم يستعمل إلا بالزيادة، " واجلوّذ إذا جدّبه السير، واعلوّطه إذا لاركبه بغير سرج، " واعرّوريت الفلوّ إذا ركبته عريا "، ومما استعمل بالزيادة " اقشعرّ واشمأزّ واسحنكك اسودّ "، ولم يستعمل إلا بالزيادة، يقال: شعر سحكوك إذا اسودّ، وهو فعلول، وإحدى الكافين زائدة، قال الشاعر:
واستنوكت وللشّباب نوك ... وقد يشيب الشّعر السّحكوك (١)
قال سيبويه: " وأرادوا بافعنلل أن يبلغوا به بناء احرنجم، كما أنهم أرادوا بصعررت بناء دحرجت ".
قال أبو سعيد: يريد أنهم ألحقوا قعنسس واسحنكك باحرنجم بزيادة سين على اقعنسس، وكاف على اسحنكك، كما ألحقوا صعررت بدحرجت، بإحدى راءيّ صعررت، فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
هذا باب ما لا يجوز فيه فعلته (٢)
هذا باب مصادر ما لحقته الزوائد من الفعل من بنات الثلاثة
قال سيبويه: " فالمصدر على أفعلت إفعالا أبدا، وذلك قولك: أعطت إعطاء وأخرجت إخراجا. وأما افتعلت فمصدره افتعالا، وألفه موصولة، كما كانت موصولة في الفعل، وكذلك ما كان على مثاله. ولزوم الوصل هاهنا كلزوم القطع في أعطيت، وذلك قولك: احتبست احتباسا، وانطلقت انطلاقا "
وجملة الأمر أن ما كان من الفعل في أول ماضيه ألف وصل فمصدره أن يزاد قبل آخره ألف، ويؤتى بحروفه مع ألف الوصل، وذلك تسعة أبنية: ثلاثة منها خماسية وستة سداسية. فأما الخماسية فافتعلت افتعالا، نحو: احتبست احتباسا، وانفعلت انفعالا، نحو: انطلقت انطلاقا، وافعللت افعلالا، نحو: احمررت احمرارا. وأما السداسية فاستفعلت استفعالا، كقولك: استخرجت استخراجا، وافعاللت افعيلالا،
стр. 1948
كقولك: اشهاببت اشهيبابا، وافعنللت افعنلالا، كقولك: اقعنسست اقعنساسا واحرنجمت احرنجاما، وافعولت افعوّالا، كقولك: اجلوذت اجلوّاذا، وافعوعلت افعيعالا، كقولك: اغدودنت اغديدانا، وافعلّلت افعلالا، كقولك: اقشعررت اقشعرارا.
قال سيبويه:
" وأما فعّلت فالمصدر منه التفعيل، جعلوا التاء التي في أوله بدلا من العين الزائدة في فعّلت، وجعلوا الياء بمنزلة ألف الإفعال، فغيّروا أوله كما غيروا آخره، وذلك قولك: كسّرته تكسيرا، وعذّبته تعذيبا. وقد قال قوم: كلّمته كلّاما وحمّلته حمّالا، أرادوا أن يجيئوا به على الإفعال فكسّروا أوله "
قال أبو سعيد: من قال كلّمته كلّاما فهو نحو: أفعل إفعالا؛ لأن إفعالا على حروف أفعل، وقد زيد في آخره ألف وكسر أوله، فكذلك كلّام وحمّال قد زيد قبل آخره ألف وكسر أوله، وأتي بحروف الفعل على جملتها.
وأما مصدر تفعّلت فإنه التفعّل، جاءوا به بجميع ما في تفعّل وضموا العين لأنه ليس في الكلام اسم على تفعّل.
ولم يزيدوا ياء ولا ألفا قبل آخره؛ لأنهم جعلوا زيادة التاء في أوله وتشديد عين الفعل منه عوضا مما يزاد، وذلك قولك: تكلّمت تكلّما، وتقوّلت تقوّلا.
قال: " وأما الذين قالوا: كذّابا، فإنهم قالوا: تحّملت تحمّالا، أرادوا أن يدخلوا الألف كما أدخلوها في أفعلت واستفعلت "
يعني أنهم أتوا بحروف الفعل بأسرها وزادوا قبل آخرها ألفا، وكسروا أولها كما يفعلون ذلك في مصدر أفعلت واستفعلت، وإنما يزيدون في المصدر ما لم يكن في الفعل، لأن المصدر اسم، والأسماء أخف من الأفعال وأحمل للزيادة ".
" وأما فاعلت فإن المصدر منه الذي لا ينكسر أبدا مفاعلة، جعلوا الميم عوضا من الألف التي بعد أول حرف منه، والهاء عوض من الألف التي قبل آخر حرف، وذلك: جالسته مجالسة وقاعدته مقاعدة وشاربته مشاربة، وجاء كالمفعول؛ لأن المصدر مفعول ".
قال أبو سعيد: كلام سيبويه في هذا مختلّ، وقد أنكر، وذلك أنه جعل الميم عوضا من الألف التي بعد أول حرف منه، وذلك غلط، لأن الألف التي بعد أول حرف هي موجودة في مفاعلة، ألا ترى أنك تقول: قاتلت، وبعد القاف ألف زائدة، وتقول: مقاتلة
стр. 1949
في المصدر، وبعد القاف ألف زائدة، فالألف موجودة في المصدر والفعل، فكيف تكون الميم عوضا من الألف، والألف لم تذهب.
وأما قوله: " جاء كالمفعول "، يعني مجالسة، لفظ كلفظ مجالس وهو المفعول من جالسته، والجيد في هذا ما وجدته في نسخة أبي بكر مبرمان، وهو أن هذه المصادر جاءت مخالفة للأصل كفعلت، وذلك أن فعلت يجيء مصدره مخالفا لما يوجبه قياس الفعل، وتزاد في أوله الميم، كما يقال: ضربه مضربا، وشربته مشربا، وقد تزاد
فيه مع الميم الهاء، كما يقال المرحمة، وألزموا الهاء في هذا لما ذكره من تعويض الألف التي قبل آخر المصدر.
قال سيبويه: " وأما الذين يقولون: تحملت تحمّالا فإنهم يقولون: قاتلت قيتالا، فيوفرون الحروف ويجيئون به على مثال إفعال، وعلى مثال قولهم: كلّمته كلّاما، وقالوا: ماريته مراء، وقاتلته قتالا "
قال أبو سعيد: يريد أنهم يأتون بحروف فاعل موفّرة ويزيدون الألف قبل آخرها ويكسرون أول المصدر، فإذا كسروه انقلبت الألف ياء لانكسار ما قبلها فيصير فيعالا، وقد يحذفون هذه الياء لكثرة هذا المصدر في كلامهم، ويكتفون بالكسرة، فيقولون: قتالا ومراء، واللازم عند سيبويه في مصدر فاعلت المفاعلة، وقد يدعون الفعال والفعال في مصدره ويدعون مفاعلة، قالوا: جالسته مجالسة، وقاعدته مقاعدة، ولم يسمع جلاسا ولا جيلاسا، ولا قعادا ولا قيعادا.
قال سيبويه: وأما تفاعلت فالمصدر التّفاعل، كما أن التفعّل مصدر تفعلت؛ لأن الزنة وعدّة الحروف واحدة، وتفاعلت من فاعلت بمنزلة تفعّلت من فعّلت، وضموا العين لئلا يشبه الجمع، ولم يفتحوا لأنه ليس في الكلام تفاعل في الأسماء ".
هذا باب ما جاء المصدر فيه من غير الفعل لأن المعنى واحد
وفي بعض النسخ على غير الفعل (١). قال سيبويه:
" وذلك قولك: اجتوروا وتجاوروا اجتوارا؛ لأن معنى اجتوروا وتجاوروا واحد، ومثل ذلك: انكسر كسرا، وكسر انكسارا "، وكذلك كل فعلين في معنى واحد أو يرجعان إلى معنى واحد إذا ذكرت أحدهما جاز أن تأتي بمصدر الآخر فتجعله في
стр. 1950
موضع مصدره، فمن ذلك: قول الله : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (١) "، ومصدر تبتّل تبتّلا، وتبتيلا مصدر بتّل، فكأنه قال: بتّل، ومنه وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (٢)، لأنه إذا أنبتهم فقد نبتوا، ونباتا مصدر نبت، فكأنه قال نبتم نباتا.
وزعموا أن في قراءة عبد الله بن مسعود: وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٣) لأن معنى أنزل ونزول واحد، وقال القطامي:
وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبّعه اتّباعا
لأن تتبّعت واتّبعت في المعنى واحد. قال رؤبة:
وقد تطوّيت انطواء الحضب
لأن معنى تطوّيت وانطويت واحد.
والحضب: الحية. وقد يجيء المصدر على خلاف حروف الفعل إذا كان الفعلان متساويين في المعنى، كقولك: أدعه تركا شديدا؛ لأن معنى يدع ويترك واحد، ورضته إذلالا شديدا وتذليلا حسنا، وذلّلته رياضة جيدة، كما قال:
فصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا ... ورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال (٤)
هذا باب ما لحقته هاء التأنيث عوضا لما ذهب
" وذلك قولك: أقمته إقامة، واستعنته استعانة، وأريته إراءة " مثل إراعة، وإن شئت لم تعوّض وتركت الحروف على الأصل، قال الله : لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ (٥) "
قال أبو سعيد: اعلم أن الأصل في هذا الباب هو أن يكون الفعل على أفعل وعين الفعل منه واو أو ياء فإنهما يعتلان وتلقى حركتهما على ما قبلهما وتقلب كل واحدة منهما ألفا في الماضي وياء في المستقبل، كقولك: أقام يقيم، وألان يلين، والأصل أقوم يقوم، وألين يلين، فألقيت حركة الياء والواو على ما قبلهما، وقلبتهما ألفا بعد الفتحة وياء بعد الكسرة، ثم يعلّ المصدر لإعلال الفعل، فتقول: إقامة وإلانة، وكان الأصل إقواما
стр. 1951
وإليانا، كما تقول: أكرم يكرم إكراما، غير أنك لمّا أعللت الواو والياء في الفعل أعللتهما في المصدر، فألقيت حركتهما على ما قبلهما فسكنتا وبعدهما ألف إفعال وهي الألف التي في الإقوام والإليان قبل الميم والنون فاجتمع ساكنان: أحدهما عين الفعل المعتلة، والآخر ألف إفعال، فأسقط أحدهما وجعلت هاء التأنيث عوضا من الحرف الذاهب فقالوا: إقامة وإلانة.
وكذلك يعمل في استفعل ومصدره كقولك: استعان يستعين استعانة، واستلان يستلين استلانة، والأصل استعون
يستعون استعوانا، واستلين يستلين استليانا، فاختلف النحويون في الذاهب من الحرفين لاجتماع الساكنين، فقال الخليل وسيبويه: الذاهب هو الساكن الثاني؛ لأن الساكن الثاني زائد والأول أصلي، وإسقاط الزائد أولى. وقال الأخفش والفراء: الذاهب هو الأول؛ لأن حق اجتماع الساكنين أن يسقط الأول منهما، وقد أحكمنا الاحتجاج لهذا في التصريف.
وقد أجاز سيبويه ألا تدخل الهاء عوضا، واحتج بقوله : وَأَقامَ الصَّلاةَ، * ولم يفصل بين ما كان مضافا وغير مضاف، وذكر الفراء أن الهاء لا تسقط إلا مما كان مضافا، فالإضافة عوض منها، وأنشد:
إنّ الخليط أجدّوا البين فانجردوا ... وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا (١)
وذكر أن الأصل: عدة الأمر والهاء سقطت للإضافة وأن ذلك لا يجوز في غير الإضافة، وقال خالد بن كلثوم: عد الأمر، جمع عدوة، والعدوة: الناحية والجانب من قوله : إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى (٢) وإنما أراد الشاعر نواحي الأمر وجوانبه، فأجاز سيبويه أقمته إقاما ولم يجزه الفراء. وأما قوله: " أريته إراءة " فليس من هذا الباب؛ لأنه لم يعتل عين الفعل فيه، ولكنه دخله النقص لتليين الهمزة، فعوّض الهاء والأصل أرأيته إرءاء، كما تقول: أرعيته إرعاعا، فخفّفت الهمزة في المصدر كما خففت في الفعل بأن ألقيت حركتها على الراء وأسقطت فجعلت الهاء عوضا من ذلك، وإذا كان الفعل على انفعل وافتعل وعين الفعل واو أو ياء فإنه لا يسقط من مصدره شيء؛ لأنه لا يلتقي فيه ساكنان، ولا تلزمه الهاء؛ لأنه لم يسقط منه شيء تكون الهاء عوضا منه،
стр. 1952
وذلك قولك: انقاد انقيادا، وانحاز انحيازا، واكتال اكتيالا، واختار اختيارا.
قال سيبويه: " وأما عزّيت تعزية ونحوها فلا يجوز الحذف فيه ولا فيما أشبهه، لأنهم لا يجيئون بالياء في شيء من بنات الياء والواو مما هما في موضع اللام، وقد يجيء في الأول نحو: الإحواذ والاستحواذ ونحوه "
يريد أن ما كان على فعل فمصدره التفعيل أو تفعلة في الصحيح، كقولك: كرّمته تكرمة وتكريما، وعظّمته تعظمة وتعظيما، والباب فيه تفعيل، فإذا كان لام الفعل منه معتلا ألزموه تفعلة كتكرمة كراهة أن يقع الإعراب على الياء، وأرادوا أن تعرب الهاء، وتكون الياء مفتوحة أبدا، كقولك: عزيته تعزية، وسويته تسوية، ولم يقولوا عزّيته تعزيّا،
وهذا تعزيّك، وعجبت من تعزيك؛ لأن لهم عنه مندوحة باستعمالهم الوجه الآخر.
وفرق سيبويه بين هذا وبين (إقام الصلاة)، فلم يجز في هذا حذف الهاء، كما أجاز في (إقام الصلاة) بأن قال: " إنه قد جاء في باب إقام الصلاة المصدر على الأصل بغير هاء، كقولهم: الإحواذ والاستحواذ، ولم يقولوا في هذا الباب بإسقاط الهاء ".
قال أبو سعيد: وقد جاء في الشعر، قال الراجز:
بات ينزي حوضة تنزيّا ... كما تنزي شهلة صبيّا (١)
قال سيبويه: " ولا يجوز حذف الهاء في تجزئة وتهنئة، وتقديرهما تجرعة وتهنعة؛ لأنهم ألحقوا الهاء بأختيها من بنات الياء والواو كما ألحقوا حين قالوا: أريت وأقمت "
قال أبو العباس المبرد: الذي قاله في تفعلة مصدر فعلت من الهمز جيد بالغ، والإتمام على تفعيل كغير المعتل أجود وأكثر عن أبي زيد وجميع النحويين، تقول: هنأته تهنيئا وتهنئة، وخطّأته تخطيئا وتخطئة.
قال أبو سعيد: الذي عنده أن سيبويه لم يرد ما قاله أبو العباس من الإتيان بالمصدر على التمام، وإنما أراد أنه لا يجوز حذف الهاء من الناقص من تفعلة كما جاز في (إقام الصلاة)، لا تقول: جزأته تجزئا (ولا هنّأته) تهنئا، والدليل على ذلك أن سيبويه قال في باب المفعول الذي يتعداه فعله إلى مفعولين: " ونبّئت تنبيئا "، ولو كان ذلك لا يجوز عنده ما استعمله.
стр. 1953
هذا باب ما تكثّر فيه المصدر من فعلت فتلحق الزوائد وتبنيه ببناء آخر كما أنك قلت في فعلت حين كثّرت الفعل
" وذلك قولك في الهدر: التّهدار، وفي اللّعب: التّلعاب، وفي الرّدّ: التّرداد، وفي الصّفق: التّصفاق، وفي الجولان: التّجوال والتّقتال والتّسيار، وليس شيء من هذا مصدر فعّلت، ولكن لمّا أردت التكثير بنيت المصدر على هذا كما بنيت فعلت على فعّلت "
قال أبو سعيد: اعلم أن سيبويه يجعل التّفعال تكثيرا للمصدر الذي هو للفعل الثلاثي فيصير التّهدار بمنزلة قولك: التهدر الكثير، والتّلعاب بمنزلة قولك: اللّعب الكثير.
وكان الفراء وغيره من الكوفيين يجعلون التّفعال بمنزلة التفعيل، والألف عوضا من الياء، ويجعلون ألف التّكرار والترّداد بمنزلة ياء تكرير وترديد، والقول ما قاله سيبويه؛ لأنه يقال: التّلعاب، ولا يقال: التّلعب. قال سيبويه:
" وأما التّبيان فليس على شيء من الفعل لحقته الزيادة، ولكنه بني هذا البناء فلحقته الزيادة، كما لحقت الرئمان (١)، وهي من الثلاثة وليس من باب التّفعال، لو كان أصلها من ذلك فتحوا التاء، فإنما هي من بيّنت، كالغارة من أغرت والنّبات من أنبت ".
يريد أن التّبيان ليس بمصدر لبيّنت، وإنما مصدره التّبين والتّبيان اسم جعل موضع المصدر، وكذلك مصدر أغرت إغارة، وتجعل غارة مكان إغارة، ومصدر أنبت إنبات، ويستعمل النبات موضع الإنبات.
قال سيبويه: " ونظيرها التّلقاء يريد اللّقيان، قال الراعي:
أمّلت خيرك هل تدنو مواعده ... فاليوم قصّر عن تلقائك الأمل (٢) "
يريد عن لقائك، والمصادر كلها على تفعال بفتح التاء، وإنما يجيء تفعال في الأسماء، وليس بالكثير، وقد ذكر بعض أهل اللغة منها ستة عشر حرفا لا يكاد يوجد غيرها، منها: التّبيان والتلقاء، ومرّ تهوام الليل وتبراك وتعشار وتربعاع مواضع، وتمساح:
стр. 1954
الدابة المعروفة، والتّمساح: الرجل الكذّاب وتجفاف وتمثال وتمراد بيت للحمام، (وتلفاق) هو ثوبان يلفقان، وتلقام: سريع اللّقم، ويقال: أتت الناقة على تضرابها، أي الوقت الذي ضربها الفحل فيه، وتلعاب: كثير اللّعب، وتقصار: وهي المخنقة، وتنبال:
وهو القصير.
هذا باب مصادر بنات الأربعة
" فالزم لها الذي لا ينكسر عليه أي يجيء على مثال فعللة، وكذلك كل شيء ألحق من بنات الثلاثة بالأربعة، وذلك نحو: دحرجته دحرجة، وزلزلته زلزلة، فهذا الأصلي، والملحق نحو: " حوقلته حوقلة، وزحولته زحولة "، وهو من الزّحلة، وإنما ألحقوا الهاء عوضا من الألف التي تكون قبل آخر حرف، وذلك ألف زلزال، وقالوا:
زلزلته زلزالا، وقلقلته قلقالا، وسرهفته سرهافا، كأنهم أرادوا مثال الإعطاء والكذّاب؛ لأن مثال دحرجت وزنتها على أفعلت وفعّلت "
قال أبو سعيد: قد كنت ذكرت ما يلزم المصدر في أكثر ما جاوز الثلاثة من ألف تزاد قبل آخره بما أغني عن إعادته، ولفعللت مصدران: أحدهما فعللة والآخر فعلان، كقولك: سرهفته سرهفة وسرهافا، والأغلب فيه الألزم الفعللة؛ لأنها عامة في جميعها، وربما لم يأت فعلال، نحو: دحرجته دحرجة، ولم يسمع دحراج. وألزموا فعللة الهاء عوضا من الألف التي قبل آخر فعلال، فإذا كان فعللته مضاعفا جاز الفعلال.
" وتقول: الزّلزال والقلقال، ففتحوا كما فتحوا أول التّفعيل ".
كأنهم حذفوا الهاء من فعللة وزادوا الألف عوضا منها، وفي غير المضاعف لا يفتحون أوله، لا يقولون السرهاف.
" والفعللة هاهنا بمنزلة المفاعلة في فاعلت، والفعلال بمنزلة الفعال في فاعلت، تمكّنهما هاهنا كتمكّن ذينك هناك "
قال أبو سعيد: قد ذكرنا في مصدر فاعلت أنه مفاعلة، وفعال، فإن الأصل مفاعلة، وكذلك مصدر فعللت فعللة وفعلال، والأصل فعللة.
قال: " وأما ما لحقته الزيادة من بنات الأربعة وجاء على مثال استفعلت وما لحق من بنات الثلاثة ببنات الأربعة فإن مصدره يجيء على مثال استفعلت، وذلك:
احرنجمت احرنجاما، واطمأننت اطمئنانا، والطّمأنينة والقشعريرة ليس واحد منهما بمصدر على اطمأننت واقشعررت، كما أن النبات ليس بمصدر على أنبت، فمنزلة
стр. 1955
اقشعررت من القشعريرة، واطمأننت من الطمأنينة بمنزلة أنبت من النّبات "
يريد أن القشعريرة والطّمأنينة اسمان وليسا بمصدرين لهذين الفعلين، وإن كانا قد يوضعان في موضع المصدر، فيقال: اطمأننت طمأنينة، واقشعررت قشعريرة، كما أن النبات ليس بمصدر لأنبتّ، وإن كان يوضع في موضعه، قال الله : وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١)، والمسرهف: المنعّم الذي قد أحسن غذاؤه.
هذا باب نظير ضربته ضربة ورميته رمية من هذا الباب
قال أبو سعيد: اعلم أن حكم المرة الواحدة من مصدر ما تجاوز الثلاثة أن تزيد على مصدره الهاء، فإن كان المصدر تلزمه الهاء اكتفيت بما يلزمه من الهاء، وإن كان للفعل مصدران جعلت الواحد من لفظ المصدر الذي هو الأصل
والأكثر.
وتقول: أعطيت إعطاءة، وأخرجت إخراجة " إذا أردت المرة الواحدة.
وقولك: احترزت احترازة، وانطلقت انطلاقة واحدة، واستخرجت استخراجة واحدة، واقعنست اقعنساسة، واغدودنت اغديدانة، وفعلّت بهذه المنزلة، تقول: عذّبته تعذيبة، وروّحته ترويحة. والتفعّل كذلك، وذلك قولهم: تقلّب تقلّبة واحدة. وكذلك التفاعل، تقول: تغافل تغافلة، وتعاقل تعاقلة واحدة، وأما فاعلت فإنك إن أردت الواحدة قلت: قاتلته مقاتلة، وراميته مراماة ".
ولا تقول قاتلته قتالا؛ لأن أصل المصدر في فاعلت مفاعلة لا فعال، وإنما تجعل المرة على لفظ المصدر الذي هو الأصل، وأغنتك الهاء عن هاء تجلبها للمرة.
فالمقاتلة بمنزلة الإقالة والاستغاثة؛ لأنك لو أردت الفعلة في هذا لم تجاوز لفظ المصدر للهاء التي في المصدر.
قال: " ولو أردت الواحدة من اجتورت فقلت تجاورة جاز؛ لأن المعنى واحد، فكما جاز تجاورا كذلك يجوز هذا ".
يعني في مصدر اجتور جاز تجاورة في الواحدة من مصدر اجتور.
ومثل ذلك: يدعه تركة واحدة، كما يقال في غير الواحد: يدعه تركا.
هذا باب نظير ما ذكرنا من بنات الأربعة وما ألحق ببنائها من بنات الثلاثة
" تقول: دحرجته دحرجة واحدة، وزلزلته زلزلة واحدة، تجيء بالواحدة على
стр. 1956
المصدر الأغلب الأكثر "
يريد أنك لا تقول زلزلة؛ لأن الأصل والأكثر في مصدر فعللت فعللة.
" وأما ما لحقته الزوائد فجاء على مثل استفعلت، فإن الواحدة تجيء على مثال استفعالة، وذلك قولك: احرنجمت احرنجامة، واقشعررت اقشعرارة. وقد مضى الكلام في نحوه.
هذا باب اشتقاقك الأسماء لمواضع بنات الثلاثة التي ليست فيها زيادة من لفظها
" أما ما كان من فعل يفعل فإن موضع الفعل مفعل، وذلك قولك: هذا مجلسنا ومضربنا ومحبسنا، كأنهم بنوه على بناء يفعل، وكسروا العين كما كسروها في يفعل، فإذا أردت المصدر بنيته على مفعل، وذلك قولك: إن في
ألف درهم لمضربا، أي لضربا، قال الله : أَيْنَ الْمَفَرُّ (١)، يريد أين الفرار، فإذا أراد المكان قال:
المفر، كما قال: المبيت حين أراد المكان؛ لأنها من بات يبيت، وقال الله :
وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (٢)، أي جعلناه عيشا. وقد يجيء المفعول يراد به الحين، فإذا كان من فعل يفعل بنيته على مفعل، يجعل الحين الذي فيه الفعل كالمكان الذي فيه الفعل، وذلك قولك: أتت الناقة على مضربها، وأتت على منتجها، إنما تريد الحين الذي فيه النّتاج والضّراب، وربما بنوا المصدر على المفعل كما بنوا المكان عليه والقياس المفعل، فما بنوا فيه المصدر على المفعل المرجع، قال الله : إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ (٣) "
ومن ذلك فيما ذكره سيبويه المطلع في معنى الطلوع، وقد قرأ الكسائي: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٤) ومعناه حتى طلوع الفجر، وقال بعض الناس: المطلع الموضع الذي يطلع فيه الفجر، والمطلع المصدر، والقول ما قاله سيبويه؛ لأنه لا يجوز إبطال قراءة من قرأ بالكسر، ولا يحتمل إلى الطّلوع؛ لأن (حتى) إنما يقع بعدها في التوقيت ما يحدث، والطلوع هو الذي يحدث، والمطلع ليس بحادث في آخر الليل؛ لأنه الموضع.
стр. 1957
وقال الله : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ (١) أي الحيض، وقالوا: المعجز، يريدون العجز، وقالوا: المعجز على القياس، وربما ألحقوا هاء التأنيث فقالوا: المعجزة، كما قالوا: المعيشة. وكذلك يدخلون الهاء في المواضع، قالوا: المزلّة، أي موضع الزّلل وقالوا: المعذرة والمعتبة، فألحقوا الهاء وفتحوا على القياس، وقالوا: المصيف، كما قالوا: أتت الناقة على مضربها، أي على زمان ضرابها، والمصيف زمان، وقالوا: المشتاة فأنثوا وفتحوا؛ لأنه من يفعل.
وما كان على فعل يفعل فاسم المكان منه مفعل، كما يقال: مقتل؛ لأنه من قتل يقتل، وقالوا: في هذا: شتا يشتو.
وقالوا: المعصية والمعرفة كقولهم: المعجزة، وربما استغنوا بالمفعلة عن غيرها، وذلك قولك: المشيئة والمحمية، وقالوا: المزلّة. وقال الراعي:
بنيت مرافقهنّ فوق مزلّة ... لا يستطيع بها القراد مقيلا
يريد قيلولة.
قال: " وأما ما كان على يفعل مفتوحا فإن اسم المكان مفعل، وذلك قولك:
شرب يشرب، وتقول للمكان مشرب، ولبس يلبس والمكان الملبس، وإذا أردت المصدر فتحته أيضا، كما فتحته في يفعل، فإذا كان، مفتوحا في المكسور فهو في المفتوح أجدر أن يفتح. وقد كسر المصدر كما كسر في الأول، قالوا: علاه المكبر، وتقول: المذهب للمكان، وأردت مذهبا، أي ذهابا فتفتح؛ لأنك تقول: يذهب.
وقالوا: مشربة فأنثوا، كما أنثوا الأول، وكسروا كما كسروا الأول ".
فإذا جاء المفعل في مصدر فعل يفعل كان في فعل يفعل أولى، وكذلك في فعل يفعل، وقد مضى الكلام في نحو ذلك.
" وأما ما كان يفعل منه مضموما فهو بمنزلة ما كان يفعل منه مفتوحا، ولم يبنوه على مثال يفعل؛ لأنه ليس في الكلام مفعل، فلما لم يكن إلى ذلك سبيل وكان مصيره إلى إحدى الحركتين ألزموه أخفهما، وذلك: قتل يقتل، وهذا المقتل، وقام يقوم، وهذا المقام، وقالوا: أكره مقال الناس وملامهم، وقالوا: الملامة والمقالة فأنثوا.
وقالوا: المردّ والمكرّ، يريدون الرّدّ والكرور. وقالوا: المدعاة والمأدبة، يريدون
стр. 1958
الدّعاء إلى الطعام، وقد كسروا المصدر كما كسروا في يفعل، فقالوا: أتيتك عند مطلع الشمس، أي عند طلوع الشمس، وهذه لغة بني تميم. وأما أهل الحجاز فيفتحون، وقد كسروا الأماكن أيضا في هذا، كأنهم أدخلوا الكسر أيضا كما أدخلوا الفتح "
قال أبو سعيد: اعلم أن مذهب العرب في الأماكن والأزمنة كأنهم يبنونها على لفظ المستقبل، فقالوا فيما كان المستقبل منه يفعل: المفعل للمكان والزمان، كقولهم: المحبس والمجلس والمضرب. وقالوا فيما كان المستقبل منه يفعل: الملبس والمشرب والمذهب، وكان يلزم على هذا أن يقال فيما كان المستقبل منه يفعل مفعل، فيقال في المكان من قتل يقتل: المقتل، ومن قعد يقعد: مقعد، غير أنهم عدلوا عن هذا؛ لأنه ليس في الكلام مفعل إلا بالهاء، كقولك: مكرمة وميسرة ومقبرة ومسربة، فعدلوا إلى أحد اللفظين الآخرين، وهما مفعل أو مفعل، فاختاروا مفعل حرفا؛ لأن الفتح أخف، وقد جاءت عن العرب أحد عشر حرفا على مفعل مما فعله على فعل يفعل، وهي منسك ومحزر ومنبت ومطلع ومشرق ومغرب، ومفرق ومسقط ومسكن ومرفق ومسجد، كأنهم حملوا يفعل
على يفعل؛ لأنهما أخوان.
وقد ذكر بعض الكوفيين أنه قد جاء مفعل، وأنشد في ذلك:
ليوم روع أو فعال مكرم (١)
وأنشد أيضا:
بثين الزمي لا، إنّ لا إن لزمته ... على كثرة الواشين أيّ معون (٢)
فقال بعضهم: معون في معنى معونة، وأصله معون، وقال بعضهم: معون جمع معونة، وليس في شيء من ذلك ما يمنع ما قاله سيبويه؛ لأن أصل الكلام مكرمة ومعونة وإنما اضطر الشاعر إلى حذف الهاء، والنية الهاء، ومثل هذا كثير في الشعر، كقوله:
أما تريني اليوم أمّ حمز
يريد حمزة، وقول الآخر:
أمال بن حنظل
يريد حنظلة.
قال سيبويه: " وأما المسجد فإنه اسم للبيت، ولست تريد به موضع السجود
стр. 1959
وموضع جبهتك، ولو أردت ذلك لقلت مسجد، ويقوي ذلك ما روي عن الحجاج أنه قال: " ليلزم كل رجل مسجده " أراد مواضعهم من المسجد؛ لئلا يكون لهم تجمع في المسجد للفتن ".
قال: " ونظير ذلك المكحلة والمحلب والميسم، لم ترد موضع الفعل، ولكنه اسم لوعاء الكحل، وكذلك المدق صار اسما كالجلمود، وكذلك المقبرة والمشرقة "، يريدون الموضع الذي تجمّع فيه القبور، ويقع فيه (التشريق).
ولو أرادوا موضع الفعل لقالوا: مقبر، ولكنه اسم بمنزلة المسجد، ومثل ذلك المشربة، وإنما هو اسم لها (كالغرفة) وكذلك: المدهن والمظلمة بهذه المنزلة، إنما هي اسم ما أخذ منك، ولم ترد مصدرا ولا موضع فعل. وقالوا: مضربة السيف، جعلوه اسما للحديدة، وبعض العرب يقول: مضربة كما تقول: مقبرة ومشربة، فالكسر في مضربة كالضم في مقبرة، والمنخر بمنزلة المدهن، كسروا الحرف كما ضمّ ثمّة "
قال أبو سعيد: ولقائل أن يقول: إن منخر هو من باب منسك؛ لأنه هو موضع النّخور، وفعله نخر ينخر، ومنهم من يكسر الميم اتباعا للخاء.
قال: " وأما المسربة، وهو الشّعر الممدود في الصدر وفي السّرّة فبمنزلة المشرقة، لم ترد مصدرا ولا موضعا لفعل، وإنما هو اسم مخطّ الشّعر الممدود في الصدر، وكذلك المأثرة والمكرمة. وقد قال قوم: معذرة كالمأدبة، ومثله: (فنظرة إلى ميسرة ".
ويقرأ: ميسره، وهو منكر ليس في الكلام مفعل على ما ذكرناه.
قال: " ويجيء المفعل اسما، كما جاء في المسجد والمنكب، وذلك المطبخ والمربد. كل هذه الأبنية تقع أسماء للتي ذكرنا من هذه الفصول لا لمصدر ولا لموضع عمل ".
هذا باب ما كان اسما من هذا النحو من بنات الياء والواو التي الياء والواو فيهن لام
" فالموضع والمصدر فيهن سواء؛ لأنه معتل، وكان الألف والفتح أخف عليهم من الكسرة من الكسرة مع الياء، ففروا إلى مفعل، وقد كسروا في نحو: معصية ومحمية ولا يجيء مكسورا أبدا بغير الهاء؛ لأن الإعراب يقع على الياء، ويلحقها الاعتلال، فصار هذا
стр. 1960
بمنزلة الشّقاء والشّقاوة، وتثبت الواو مع الهاء وتبدل مع ذهابها.
يريد أن الشّقاء أصله الشقاو، فوقعت الواو طرفا بعد ألف واستثقل الإعراب عليها، فقلبت همزة، فإذا كان بعد هاء يقع الإعراب عليها جاز أن لا تقلب كالشقاوة فكذلك معصية ومحمية لا تجيء إلا بالهاء إذا بنيته على مفعل، والباب فيه مفعل، مثل المومى والمقضى وما أشبه ذلك وبنات الواو أولى بذلك، لأن فعلها على يفعل، كقولك: دعا يدعو ودنا يدنو، والموضع المدعى والمدنى.
وذكر الفراء أنه قد جاء في ذلك مأوي الإبل، وذكر غيره مأوي الإبل ومآقي العين، والذي ذكر مآقي العين غالط عندي، لأن الميم أصلية في قولنا: مأق وآماق وموق وأمواق.
هذا باب ما كان من هذا النحو من بنات الواو التي الواو فيهن فاء
" فكل شيء من هذا كان فعل فإن المصدر منه والمكان والزمان يبنى على مفعل، وذلك قولك للمكان: الموعد والموضع والمورد وفي المصدر الموجدة والموعدة.
" يعني أنه قد تزاد في المصدر الهاء للتأنيث، وإنما جاء على مفعل؛ لأن ما كان على فعل وأوله واو يلزم مستقبله
بفعل، ويلزمه الإعلال وهو حذف الواو من المستقبل، كقولك: وعد يعد ووجد يجد ووصل يصل، ثم حملوا ما كان منه على فعل يفعل على ذلك، " فقالوا في وجل يوجل ووحل يوحل موجل وموجل ".
قال سيبويه: " وذلك أن يوجل وأشباههما في هذا الباب من فعل يفعل قد يعتل، فتقلب الواو مرة ياء ومرة ألفا، وتعتل لها الهاء التي قلبها حتى تكسر، فلما كانت كذلك شبهوها بالأول لأنها في حال اعتلال ولأن الواو منها في موضع الواو من الأول، فهم ما يشبهون الشيء بالشيء وإن لم يكن مثله في جميع حالاته ".
ومعنى قول سيبويه: " تقلب الواو ياء " أنه يجوز في يوجل ويوحل ييجل وييحل، وقوله " مرة " يعني قولهم: ياجل وياحل، وقوله: " تعتل لها الياء "
يريد أنهم يقولون: ييجل وييحل، فيكسرون الياء الأولى، وحقها الفتح ومما يقوى كسر الموجل " والموحل وإن كان من وجل يوجل (إنهم قالوا): علاه المكبر في الصحيح، وهو من كبر يكبر.
قال: " وحدثنا يونس وغيره أن ناسا من العرب يقولون في " وجل " " يوجل " ونحوه: " موجل " و " موحل "، وكأنهم الذين يقولون: " يوجل "، فسلّموه، فلما سلّم من
стр. 1961
الإعلال وكان يفعل ك " يركب " شبه به ".
قال: " وقالوا: مودّة، لأن الواو تسلّم ولا تقلب "
يعني في قولهم: وديود، ولا يقال: ييد، كما يقال: ييجل، فصار بمنزلة الصحيح إذا قلت: شرب يشرب، والمشرب المصدر والمكان، وقد جاء على مفعل من هذا الباب أسماء ليست بمصادر ولا أمكنة للفعل، فمن ذلك: موحد، وهو اسم معدول في باب العدد، يقال: موحد وأحاد، ومثنى وثناء، ومثلث وثلاث، ومربع ورباع، وهذا قد ذكر في بابه، وجاء معدولا كما عدل عمر عن عامر، وموهب اسم رجل، وموألة اسم رجل، ومورق اسم وقالوا: فلان بن مورق، والموهبة الغدير من الماء، ومؤكل اسم موضع أو رجل.
" وبنات الياء بمنزلة غير المعتل لأنها تتم ولا تعتلّ، وذلك لأن الياء مع الياء أخف عليهم، ألا تراهم قالوا: ميسرة، وقال بعضهم: ميسرة ".
ومعنى قوله: " الياء مع الياء أخف عليهم " أنك تقول: يسر ييسر، ويعر ييعر فتثبت الياء التي هي فاء الفعل وقبلها ياء الاستقبال. وتقول: وعد يعد فتسقط الواو، فصارت الواو مع الياء أثقل من الياء مع الياء.
هذا باب ما يكون مفعلة لازمة لها الهاء والفتحة
" وذلك إذا أردت أن تكثر الشيء بالمكان " والباب فيه مفعلة، وذلك قولك:
أرض مسبعة ومأسدة ومذأبة إذا أردت أرضا كثر بها السباع والذئاب والأسد، وليس في كل شيء يقال، يعني لم تقل العرب في كل شيء من هذا " فإن قست على ما تكلمت به العرب كان هذا لفظه.
قال: " ولم يجيئوا بنظير هذا فيما جاوز ثلاثة أحرف من نحو: الضفدع والثعلب كراهية أن يثقل عليهم؛ لأنهم قد يستغنون بأن يقولوا: كثيرة الثعالب ونحو ذلك:
وإنما اختصوا بها بنات الثلاثة لخفتها، ولو قلت من بنات الأربعة نحو قولك: مأسدة، لقلت: مثعلبة، لأن ما جاوز الثلاثة يكون نظير المفعل منه بمنزلة المفعول "
يريد أن لفظ المصدر والمكان والزمان الذي في أوله الميم زائدة جعل ثلاثة أحرف يجيء على لفظ المفعول سواء، وفي الثلاثة على غير لفظ المفعول، ألا ترى أنك تقول:
في الثلاثة للمصدر: المضرب والمقتل، والمفعول مضروب ومقتول. وتقول فيما جاوز الثلاثة: المقاتل في معنى القتال، والمسرح في معنى التسريح، والموقّى في معنى التّوقية
стр. 1962
ولفظ المفعول أيضا كذلك، تقول: قاتلت زيدا فهو مقاتل، وسرحته فهو مسرّح، ووّقيته فهو موقّى، فقالوا على ذلك: أرض مثعلبة، وأرض معقربة.
ومن قال: ثعالة قال: مثعلة " لأن ثعالة من الثلاثي والألف زائدة.
وقالوا: أرض محياة ومفعاة فيها أفاع وحيّات، ومقثاة فيها القثّاء.
مذهب سيبويه أن عين الفعل من حية ياء، ولذلك قالوا: " أرض محياة "، وقال غيره: هي واو. وقال صاحب كتاب العين: أرض محواة، وقالوا: رجل حوّاء صاحب حيات، وفي ذلك دليل على أن عين الفعل واو.
هذا باب ما عالجت به
ذكر في هذا الباب ما كان في أوله ميم زائدة من الآلات، فالباب في ذلك إذا كان شيء يعالج به وينقل وكان الفعل ثلاثيا أن تكون الميم مكسورة، ويكون على مفعل أو مفعلة، وربما على مفعال. وقد تجتمع اللغتان في شيء واحد، قالوا: مقص للذي يقص به ومحلب للإناء الذي يحلب فيه ومنجل ومكسحة ومسلّة ومصفاة ومخرز ومخيط، وقد يجيء على مفعال نحو مقراض ومفتاح ومصباح.
" وقالوا: المفتح، كما قالوا: المخرز، وقالوا: المسرجة، كما قالوا: المكسحة، وقد جاء منه أحرف بضم الميم، قالوا: مكحلة ومسعط ومنخل ومدق ومدهن، لم يذهبوا بها مذهب الفعل، ولكنها جعلت أسماء لهذه الأوعية، كما جعل
المغفور والمغرود والمعلوق والمغثور، وهذه أربعة أحرف جاءت على مفعول لا نظير لها في كلام العرب، وليست مأخوذة من فعل، فعلى ذلك جرت مكحلة والأربعة التي معها، أما المغفور والمغثور فلضرب من الصمغ الذي يقع على الشجر وفيه حلاوة، والمغرور ضرب من الكمأة، والمعلوق المعلاق.
هذا باب نظائر ما ذكرنا مما جاوز بنات الثلاثة بزيادة أو غير زيادة
" فالمكان والمصدر يبنى من جميع هذا بناء المفعول، وكان بناء المفعول أولى به (لأن المصدر مفعول والمكان مفعول فيه، فيضمون أوله كما يضمون المفعول) لأنه قد خرج من بنات الثلاثة، فيفعل بأوله ما يفعل بأول مفعوله، كما أن أول ما ذكرت لك من بنات الثلاثة كأول مفعوله مفتوح "
يعني أن اشتراك المصدر والمكان والمفعول في وصول الفعل إليهن ونصبه إياهن يوجب اشتراكهن في اللفظ، فيجب أن يكون بناء المصدر الذي في أوله الميم وبناء
стр. 1963
المكان والزمان كبناء المفعول فيما جاوز ثلاثة أحرف، وجعل في الثلاثة علامة المفعول واو قبل آخره كواو مضروب.
قال سيبويه: " وإنما منعك أن تجعل قبل آخر حرف من مفعوله " يعني فيما جاوز الثلاثة. " واو كواو مضروب، أن ذلك ليس من كلامهم ولا مما بنوا عليه "
يعني زيادة الواو فيما جاوز الثلاثة، ولأن ذلك يثقل أيضا فيما تكثر حروفه والثلاثة أخف.
يقولون للمكان: هذا مخرجنا ومدخلنا (ومصبحنا ومسانا، وكذلك إذا أردت المصدر.
قال أمية بن أبي الصّلت:
(الحمد لله مسانا ومصبحنا ... بالخير صبّحنا ربي ومسانا) (١)
ويقولون للمكان: هذا متحاملنا ويقولون: ما فيه متحامل، أي ما فيه تحامل، ويقولون: " مقاتلنا "، وتعني المكان، وكذلك تقول إذا أردت المقاتلة، قال أبو كعب بن مالك "، قال أبو سعيد: في نسختي قال مالك بن أبي كعب:
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا غمّ الجبان من الكرب (٢)
وقال زيد الخيل:
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا لم ينج إلا المكيّس (٣)
وقال في المكان: هذا موتانا، وقال:
(أن الموقى مثل ما وقّيت)
يريد التّوقية، وكذلك هذه الأشياء، وأما قوله: دعه إلى معسوره وإلى ميسوره دع معسوره، ودعه إلى ميسوره، فإنما يجيء هذا على المفعول، كأنه قال: دعه إلى أمر يوسر عليه أو يعسر فيه، وكذلك المرفوع والموضوع، كأنه يقول: له ما يرفعه هو وله ما يضعه، وكذلك المعقول، كأنه قال: عقل له شيء، أي حبس له لبه وشدّ، ويستغنى بهذا عن
стр. 1964
المفعل الذي يكون مصدرا، لأن في هذا دليلا عليه.
قال أبو سعيد: اعلم أن المفعول عند بعض النحويين يجوز أن يكون مصدرا، وجعلوا هذه المفعولات التي ذكرها سيبويه مصادره، فالميسر عندهم بمنزلة اليسر، والمعسور كالعسر، والمرفوع والموضوع والمعقول كالرفع والوضع والعقل. وقالوا في قوله : (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ)، أي بأيكم الفتنة.
وكلام سيبويه يدل على أنها غير مصادر وأنها مفعولات، فجعل الميسور والمعسور زمانا يعسر فيه ويوسر فيه، كما تقول: هذا وقت مضروب فيه زيد، وعجبت من زمان مضروب فيه زيد، وجعل المرفوع والموضوع هو الشيء الذي يضعه ويرفعه، وتقول:
هذا مرفوع ما عندي وموضوعه، أي ما أرفعه وأضعه، وجعل المعقول مشتقا من قولك:
عقل له، أي شدّ له وحبس، فكأن عقله قد حبس وشد، واستغن بهذه المفعولات التي ذكرها عن المفعل الذي يكون مصدرا، ولأن فيها دليلا على المفعل، وقال بعض أهل العلم في قوله : (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ): إن الباء زائدة، ومعناه أيكم المفتون.
ومثله في زيادة الباء قوله في بعض الأقاويل: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ (١) (أي تنبت الدّهن) وقال الشاعر:
هنّ الحرائر لا ربات أحمرة ... سود المحاجر لا يقرأن بالسّور (٢)
أي لا يقرأن السّور، ويجوز في قوله: " بأيكم المفتون "
قول آخر وهو: أن الكفار ادّعوا أن النبي ﷺ مجنون وأن به جنيا فردّ الله ذلك عليهم وتوعدهم فقال: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٣)، يعني الجنّي فيما يحتمل التأويل لأن الجنّي مفتون.
هذا باب ما لا يجوز فيه ما أفعله
" وذلك ما كان أفعل لونا أو خلقة، ألا ترى أنك لا تقول ما أحمره ولا ما أبيضه، ولا تقول في الأعرج ما أعرجه، ولا في الأعشى ما أعشاه، إنما تقول: ما أشد عشاه، وما لم يكن فيه ما أفعله لم يكن فيه أفعل به رجلا، ولا هو أفعل منه لأنك تريد أن ترفعه من
стр. 1965
غاية دونه كما أنك إذا قلت ما أفعله فأنت تريد أن ترفعه عن الغاية الدنيا، والمعنى في أفعل به وما أفعله واحد، وكذلك أفعل منه "
وقد ذكرنا فيما تقدم أن التعجب يشترك فيه أربعة أشياء على لفظ، فما جاز في واحد منها جاز في الباقي، وذلك أنها مشتركة في رفع الشيء عن منزلة إلى ما فوقها، وهو قولك: ما أفعله وأفعل به وهو أفعل منه وأفعل الناس.
تقول: " ما أظرف زيدا " و " أظرف بزيد "، " وزيد أظرف من عمرو "، " وزيد أظرف الناس "، ولا يجوز أن تقول: " ما أبيض زيدا ولا أبيض بزيد "، " ولا هو أبيض من عمرو ولا أبيض الناس "، فما جاز في واحد منها جاز في الباقي، وما لم يجز فيه لم يجز في الباقي وإنما اشتركت في البناء لاشتراكها في المعنى، لأن التعجب والتفضيل إنما هو رفع الشيء عن منزلة ما دونه. فأما ما أفعل زيدا وأفعل به ففعلان، وأما هو أفعل الناس وهو أفعل منه فاسمان.
قال: " وإنما دعاهم إلى ذلك أن هذا البناء داخل على الفعل، ألا ترى قلّته في الأسماء وكثرته في الصفة لمضارعتها الفعل، فلما كان مضارعا للفعل موافقا له في البناء كره فيه ما لا يكون في فعله "
يريد: إنما دعاهم إلى أن لا يقولوا: " أفعل منه فيما لا يقولون فيه ما أفعله أن أفعله فعل، فإذا كان يمتنع في الفعل فهو في الاسم أشد امتناعا؛ لأن أصل هذا البناء للفعل، ومما يدل على أن أصله للفعل أن كل فعل مستقبله على " يفعل " فهو للمتكلم على أفعل مثل " أذهب " و " أصنع "، وإنما لم يجز " ما أحمره " و " لا ما أبيضه " لعلتين:
إحداهما أن الخليل قال هذه خلق يخلق عليها الإنسان في لونه كما تخلق أعضاؤه كاليد والرجل، فكما لا يقال ما (أيداه) ولا ما (أرجله)، فكذلك لا يقال ما أبيضه ولا ما أحمره وإنما يقال ما أشدّ بياضه وما أشدّ حمرته، والعلة
الثنية أن فعل هذه الأشياء على أكثر من ثلاثة أحرف وإنما تدخل الهمزة زائدة في أول الفعل الثلاثي تنقل الفعل عن فاعله إلى فاعل آخر كقولك: " علم زيد " و " أعلم عمرو زيدا "، وكذلك " دخل زيد " و " أدخل عمرو زيدا "، وكذلك " حسن زيد " و " أحسن عمرو زيدا "، أي صيّره حسنا. قال:
" ولا تكون هذه الأشياء في مفعال ولا فعول، كما تقول: ضروب ورجل محسان، لأن هذا في معنى ما أحسنه، وإنما تريد أن تبالغ ولا تريد أن تجعله بمنزلة كل من وقع عليه ضارب وحسن. "