أحد "، نافيا للرجال والنساء والصبيان، كما تقول: " ما بالدار عريب ولا كرّاب "، " وما بالدار طوري ". ولا يجوز أن تقول: " بالدار أحد ". كما لا تقول " بالدار عريب ". وتقول:
" هل بالدار أحد "، فيكون بمنزلة " وما بالدار أحد "؛ لأنه غير واجب.
وقد كان أبو العباس المبرد يجيز وقوع " أحد " في كل موضع يصلح أن يكون فيه الواحد بمعنى الجماعة نفيا كان أو استفهاما، أو إيجابا. كقولهم: " قد جاءني كل أحد "، كما تقول: " قد جاءني كل رجل "؛ لأن " كلا " إذا وقع بعدها واحد منكور، صار في معنى جماعة. وأما قول الأخطل: (١)
حتّى ظهرت فما تخفى على أحد ... إلا على أحد لا يعرف القمرا
ففي قوله: " إلا على أحد ". وجهان.
أحدهما: أنه بمعنى: " واحد " كأنه قال: إلا على إنسان لا يعرف القمر.
والوجه الثاني: أنه على الحكاية لما قبله، ولو كان مبتدأ لم يجز؛ لأن قوله " إلا على " في موضع إيجاب إذا كان استثناء من نفي.
فإن قال قائل: وكيف جاز أن يقع في النفي ما لا يصح وقوعه في الإيجاب؟ قيل له: النفي قد يصح لأشياء متضادة في حال واحدة، ولا يصح إيجابها. ألا ترى أنك تقول:
" زيد ليس بقائم ولا قاعد "، إذا كان مضطجعا، أو ساجدا، أو راكعا، فتنفي قيامه وقعوده معا. ولا يصح أن تقول: " هو قائم قاعد ". وكذلك تقول: " زيد ليس بأبيض ولا أحمر "، إذا كان أسود، ولا يجوز أن تقول: " هو أبيض أحمر "، " وزيد ليس في الدار ولا في المسجد "، إذا كان في السوق أو غيرها. ولا يجوز أن تقول: " هو في الدار والمسجد "، وهذا أكثر من أن يؤتى عليه.
فإذا قلنا: " ما جاءني أحد "، و " ما بالدار أحد "، فقد نفينا أن يكون فيها كل من يعقل، ونفينا أن يكون بها واحد منهم فقط، وأن يكون بها جماعة دون غيرهم، أو صغير أو كبير. ولا يصح إيجاب هذا على طريق نفيه؛ لأنا إذا قلنا: " جاءني أحد "، وسلكنا به مسلك نفي، قد أوجبنا أن يكون قد جاءك كل من يعقل، وأن يكون قد جاءك واحد منهم فقط، وأن يكون قد جاءك جماعة دون جماعة.
стр. 317
وأما ما قاله أبو العباس، في وقوعها موقع كل اسم في معنى جماعة، فليس ذلك بمشهور من كلام العرب، ولا يكاد يعرف " جاءني كل أحد "، وإن صحت الرواية، جاز أن يكون " أحد " في معنى " واحد ".
ثم مثل سيبويه تمثيلات يبين لك فيها أن أحدا نفي عام، فقال:
(لو قلت: " كان أحد من آل فلان، لم يجز؛ لأنه إنما وقع في كلامهم نفيا عاما.
يقول الرجل: " أتاني رجل "، يريد واحدا في العدد لا اثنين).
أراد سيبويه: أن قول القائل: " أتاني رجل " خاص؛ لأنه أراد: واحدا، فيجوز أن ينفى هذا بعينه.
(فيقال: " ما أتاك رجل "، أي أتاك أكثر من ذلك).
فيكون هذا نفيا خاصا.
(ويقول: " أتاني رجل لا امرأة "، فيقال: " ما أتاك رجل "، أي: أتتك امرأة).
فيكون هذا أيضا نفيا خاصا؛ لأنه نفى الذكور دون الإناث.
(ويقول: " أتاني اليوم رجل ". أي في قوته ونفاذه، فيقول: " ما أتاك رجل " أي أتاك الضعفاء)، فيكون نفيا خاصا؛ لأنه نفى الأشداء.
(فإذا قلت: " ما أتاك أحد " كان نفيا).
لهذا كله، الواحد والجماعة، والرجال والنساء، والأشداء والضعفاء.
قال سيبويه: (ولو قلت: " ما كان مثلك أحدا "، و " ما كان زيد أحدا ". كنت ناقضا؛ لأنه قد علم أنه لا يكون " زيد "، ولا " مثله " إلا من الناس).
قال أبو سعيد: قد قدمنا أن الفائدة إنما تكون في الخبر دون الاسم. فإذا قلت: " ما كان مثلك أحدا "، " وما كان زيد أحدا مثلك "، " فمثلك "، و " زيد " هو الاسم، و " أحد " هو الخبر، والنفي واقع على " أحد " و " أحد " معناه: إنسان، فكأنك قلت: " ما كان مثلك إنسانا "، " وما كان زيد إنسانا "، فهذا محال. إلا أن تريد: معنى الوضع منه، أو الرفعة له، وإن كنت معتقدا أنه إنسان من الجنس. ألا ترى أنك تقول: " ما زيد بإنسان "، إذا أردت أنه ينسلخ عن الأخلاق التي ينبغي أن يتخلق بها الإنسان، وكذلك يقال: " ما أنت إنسانا " عند فضل بارع يظهر منه، يقل وجوده في الناس قال: " فلست بإنسي، ولكن بملاك ".
قال سيبويه: (ولو قلت: " ما كان مثلك اليوم أحد "، فإنه يريد ألا يكون في اليوم
стр. 318
إنسان على حاله).
يريد: أن هذا جائز، كما جاز " ما كان مثلك أحد ". وزيادة " اليوم " لم تغير الكلام؛ لأنه يجوز أن يكون فضله على الناس في يومه دون ما تقدم من الأيام. ثم رجع إلى ما ذكرنا، فقال:
(إلا أن تقول: " ما كان زيد أحدا " أي من الأحدين. " وما كان مثلك أحدا ".
على تصغير لشأنه وتحقير له).
وقد ذكرنا هذا. وقوله " من الأحدين ". أي من الناس المستقيمي الأحوال. فإذا قلت: " ما كان زيد أحدا " - على هذا المعنى- صار بمنزلة قولك: " ما ضرب زيد أحدا " في العمل، وجاز فيه التقديم والتأخير، ولا فرق بين المعرفة والنكرة في التقديم والتأخير.
وقوله: (وحسنت النكرة في هذا الباب؛ لأنك لم تجعل الأعرف في موضع الأنكر).
يريد أن الفائدة قد انعقدت بالإخبار عن النكرة، ولم يكن ذلك بمنزلة معرفة ونكرة يجتمعان في " كان "، فتخبر عن النكرة، كقولك: " كان قائم زيدا "؛ لأن هذا إذا قلته، فقد جعلت الأعرف الذي هو " زيد " خبرا، وحق الخبر أن يكون " قائم "، فقد جعلت " زيدا ". الذي هو الأعرف في موضع " قائم " الذي هو الأنكر.
(والنكرتان متكافئتان) متساويتان في جعل إحداهما خبرا عن الأخرى (كما تتكافأ المعرفتان) في جعل إحداهما خبرا عن الأخرى.
ثم قال: (وتقول: " ما كان فيها أحد خير منك " و " ما كان أحد مثلك فيها "، و " ليس أحد فيها خير منك "، إذا جعلت " فيها " مستقرا، ولم تجعله على قولك: " فيها زيد قائم ").
يريد: أنك إذا جعلت " أحدا " اسم كان، وجعلت " خير منك "، " ومثلك " نعتا له، وجعلت " فيها " خبر " كان "، كأن قلت: استقر فيها. وإذا كان الظرف، أو حرف الجر خبرا، سمّي مستقرا؛ لأنه بمعنى استقر.
وقوله: (ولم تجعله على قولك: " فيها زيد قائم "؛ لأن " زيدا " مبتدأ، و " قائم " هو الخبر، و " فيها " من صلة قائم. كأنك قلت: " زيد قائم فيها ").
стр. 319
قال: (فإن جعلته على قولك: " فيها زيد قائم " نصبت. تقول: " ما كان فيها أحد خيرا منك "، و " ما كان أحد فيها خيرا منك " و " ما كان أحد خيرا منك فيها ").
تجعل " أحد " اسم كان، و " خيرا منك " خبرها، و " فيها " من صلة " خيرا منك "، وهو ظرف ل " خيرا منك ". وإذا كان الظرف أو حرف الجر غير خبر، وكان من صلة الخبر، سماه ملغى؛ لأنه يستغنى عنه، إذا كان الخبر في غيره، فقولك: " ما كان فيها أحد خيرا منك فيها "، ملغى إذا لم يكن خبرا.
(إلا أنك إذا أردت الإلغاء، فكلما أخرت الذي تلغيه كان أحسن، وإذا كان مستقرا مكتفى به. فكلما قدمته كان أحسن).
يعني أن قولك: " ما كان أحد خيرا منك فيها "، أحسن من قولك: " ما كان فيها أحد خيرا منك "؛ لأن " فيها " لغو.
وقولك: " ما كان فيها أحد خير منك "، أحسن من قولك: " ما كان أحد خير منك فيها "؛ لأن " فيها " خبر.
ثم مثله " بأظن، وأحسب " وذلك أن " أظن، وأحسب " وبابهما يجوز فيه الإلغاء والإعمال. فإذا أعملت، كان التقديم أحسن؛ فقلت: " أظن زيدا منطلقا "، وهو أحسن من قولك: " زيدا أظن منطلقا "، وإذا ألغيت كان التأخير أحسن. فقولك: " زيد منطلق ظننت "، أحسن من قولك: " زيد ظننت منطلق " تجعل جعلك ل " فيها " إذا كان خبرا، بمنزلة إعمال الظن، وإلغاءها كإلغاء الظن في اختيارك التقديم والتأخير.
ثم قال: (والتقديم ههنا والتأخير فيما يكون ظرفا، أو يكون اسما في العناية والاهتمام. مثله فيما ذكرت لك في باب الفاعل والمفعول وجميع ما ذكرت لك من التقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد).
يعني: تقديم " فيها " وتأخيرها، وجعلها خبرا مستقرا جيد كثير.
فمن ذلك قوله تعالى: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (١).
قدم " له "، وجعل الخبر " كفوا "، والاسم " أحد "، و " لم يكن له "، مستقرا وقد قدمه.
فإن قال قائل: فكيف اختار سيبويه ألا يقدم الظرف إذا لم يكن خبرا، وكتاب الله
стр. 320
تعالى أولى بأفصح اللغات؟
قيل له: قوله تعالى: " له " وإن لم يكن خبرا يتم المعنى، فإن سقوطها يبطل معنى الكلام؛ لأنك لو قلت: " لم يكن كفوا أحد " لم يكن له معنى، فلما أحوج الكلام إلى ذكر " له " صار بمنزلة الخبر الذي لا يستغنى عنه وإن لم يكن خبرا، ولم يكن بمنزلة قوله:
" ما كان فيها أحد خيرا منك "؛ لأنك لو حذفت " فيها " كان كلاما صحيحا.
قال: (وأهل الجفاء من العرب يقولون: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ).
يعني: الأعراب الذين لا يدرون كيف هو مكتوب في المصحف لقوة التأخير في أنفسهم إذا لم يكن حفظ.
قال الشاعر: (١)
لتقربنّ قربا جلذيّا ... ما دام فيهنّ فصيل حيّا
فقد دجا اللّيل فهيّا هيّا
الشاهد في هذا: أنه قدم " فيهن فصيل " وجعله لغوا، لأنه جعل " فصيل " اسم " مادام "، و " حيا " خبره.
ومما سوغ أيضا التقديم، أنك لو حذفت " فيهن " انقلب المعنى؛ لأنك إذا قلت:
" مادام فصيل حيا "، فالمراد " أبدا " كما تقول: " ما طلعت شمس " و " ما ناح قمري ".
وقوله " جلذيا " يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون نعتا ل " قربا " ومعناه: جلذيا أي شديدا كما قال العجاج:
فالخمس والخمس بها جلذيّ
ويحتمل أن يكون اسم ناقته جلذية ورخّم.
هذا باب ما أجري مجرى ليس
(في بعض المواضع بلغة أهل الحجاز، ثم يصير إلى أصله.
وذلك الحرف " ما " تقول: " ما عبد الله أخاك "، و " ما زيد منطلقا ").
قال أبو سعيد: أعم أن " ما " حرف نفي يليه الاسم والفعل، وقد كان من حكمه ألا يعمل شيئا، وذلك أن عوامل الأسماء لا تدخل على الأفعال، وعوامل الأفعال لا
стр. 321
تدخل على الأسماء.
فإذا كان الحرف يدخل عليهما جميعا فمن حكمه ألا يعمل في واحد منهما، مثل:
" ألف الاستفهام. وهل. وإنما ". ألا ترى أنك تقول: " هل زيد قائم "، و " إنما زيد أخوك "، و " أزيد منطلق "، فترفع ما بعدهن على الابتداء والخبر؛ لأنك تقول: " هل انطلق زيد "، و " هل قام أخوك "، و " أذهب عمرو؟ " فتوليهن الأفعال، كما توليهن الأسماء. فهذا هو القياس في " ما "؛ لأنك تقول: " ما قام زيد " كما تقول: " ما زيد قائم "، فتوليها الاسم والفعل. غير أن أهل الحجاز حملوا " ما " على " ليس "، فرفعوا الاسم بعدها بها، ونصبوا الخبر أيضا، كما يرفعون الاسم " بليس "، وينصبون الخبر بها، إذا قالوا: " ليس زيد قائما " وهم وإن أعملوها عمل " ليس "، فهي أضعف عندهم من " ليس "؛ لأن " ليس " فعل، و " ما " حرف، ولضعفها عندهم لم يجروها مجرى " ليس " في كل المواضع؛ وذلك أن الخبر إذا تقدم على الاسم في " ما "، أو دخل حرف الاستثناء بين الاسم والخبر بطل عملها، وارتفع ما بعدها بالابتداء والخبر، كقولك: " ما قائم زيد "، و " ما زيد إلا قائم ".
وأما " ليس "، فهي تعمل في كل حال، تقول: " ليس زيد قائما "، و " ليس قائما زيد "، و " ليس زيد إلا قائما ".
وإنما عملت " ليس " في هذه الأحوال من قبل أنها فعل، والفعل لا يمنع عمله التقديم والتأخير والاستثناء؛ ألا ترى أنك تقول: " زيدا ضربت " و " ما ضربت إلا زيدا ".
وإنما حملوا " ما " على " ليس "؛ لاتفاقهما في المعنى؛ لأنهما يدخلان لنفي الحال، فإذا قلت: " ما زيد إلا منطلق "، فقد انتقض النفي الذي اشتبها به بدخول الاستثناء، فبطل عمل " ما " وإذا قلت: " ما قائما زيد " لم يجز ذلك لأن الكلام قد
غيّر عن وجهه بالتقديم والتأخير.
وزعم أهل الكوفة أن خبر " ما " إنما ينتصب بسقوط الخافض وهو الباء، وهذا قول فاسد؛ لأنّا قد رأينا أسماء تدخل عليها خوافض من الحروف، ولا تنتصب بزوالها عنها، كقولك: " كفى بالله شهيدا "، ثم تقول: " كفى الله شهيدا "، وكقولك " بحسبك زيد "، ثم تقول: " حسبك زيد " قال عبد بني الحسحاس: (١)
стр. 322
عميرة ودّع إن تجهّزت غاديا ... كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا
على معنى: كفى بالشيب والإسلام. وتقول: " ما قام من أحد "، و " هل عندك من شيء "؛ فإذا حذفت قلت " ما قام أحد "، و " هل عندك شيء ". فليس حذف حرف الجر هو الذي نصبه، وإنما نصب بها لشبه ليس.
وهذه اللغة إنما هي لغة أهل الحجاز، وبها نزل القرآن، وهو قوله تعالى: ما هذا بَشَراً (١). وروي عن الأصمعي أنه قال: " ما سمعته في شيء من أشعار العرب "، يعني نصب خبر " ما ". وقد أنشدنا أبو بكر بن دريد في معاني الأشنانداني:
وأنا النذير بحرة مسودّة ... تصل الجيوش إليكم أقوادها
أبناؤها متكنفون أباهم ... حنقوا الصدور وما هم أولادها
فنصب خبر " ما ".
قال سيبويه: (وأما بنو تميم فيجرونها مجرى " أما "، و " هل "، أي لا يعملونها في شيء، وهو القياس؛ لأنها ليست بفعل).
وقد ذكرنا هذا.
قال: (وليس " ما " " كليس " ولا يكون فيها إضمار).
يعني: لا يكون في " ما " إضمار الفاعل، كما يكون في " ليس " إذا قلت: " لسنا " و " لست "، وما أشبه ذلك.
قال سيبويه: (فأما أهل الحجاز فيشبهونها " بليس " إذ كان معناها كمعناها، وقد مر هذا).
قال: (كما شبّهت " لات " " بليس " في بعض المواضع، وذلك مع " الحين " خاصة.
لا تكون " لات " إلا مع " الحين ").
يعني أنك إذا قلت لاتَ حِينَ مَناصٍ (٢) أو " لات حين فرار "، وما أشبه ذلك، فبعد " لات " اسم مرفوع " بلات "، و " حين "
خبر ذلك الاسم، وهو منصوب، وجعلت " لات " رافعة لذلك الاسم المحذوف، وناصبة للخبر، كما ترفع " ليس " الاسم وتنصب
стр. 323
الخبر. وحملت " لات " على " ليس "؛ لاشتراكها في النفي، وتقديره: " لات الحين حين مناص "، كما تول: " ليس الحين حين مناص ". غير أن " لات "، تحمل على " ليس " مع " الحين " خاصة، والنفي بلا، و " التاء " زائدة، كما تقول: " ثم، وثمت "، وهي تاء التأنيث؛ وقد زيدت لأحد وجهين.
أحدهما: أن يكون زادوها على معنى الكلمة؛ لأن " لا " كلمة، و " ثم " كلمة.
وإما أن يكون زادوها للمبالغة في معناها من نفي أو غيره، كما قالوا:
" علامّة "، و " راوية ".
ولا يظهر بعد " لات " الاسم والخبر جميعا: إما أن يظهر الاسم، ويحذف الخبر كقولك: " لات حين مناص " وتقديره " لات حين مناص لنا "، وإما أن يحذف الاسم، فتقول: " لات حين مناص "، على معنى " لات الحين حين مناص ".
قال سيبويه: (تضمر فيها مرفوعا، وتنصب " الحين "؛ لأنه مفعول به، ولم تمكّن تمكنها، ولم تستعمل إلا مضمرا فيها).
يعني: تضمر بعد " لات " مرفوعا، ولم تعن الإضمار الذي يكون في الفعل مستكنا، مثل " لست "، و " زيد ليس قائما "؛ لأن " لات " حرف، والحروف لا يستكن فيها ضمير المرفوع.
ولكن قوله: " وتضمر فيها " يعني تضمر في هذه الجملة بعد " لات " - في قلبك- " الحين "، الذي قدرناه غير مستكن في " لات ".
وقوله: " تنصب الحين؛ لأنه مفعول به ". يعني: لأنه شبيه مفعول به؛ إذ كان خبر ليس، إنما ينصب تشبيها بالمفعول به.
وقوله: " ولم تمكن تمكنها " يعني ولم تمكن " لات " تمكن " ليس ".
وقوله: " ولم تستعمل إلا مضمرا فيها ". يعني: ولم تستعمل " لات " إلا محذوفا بعدها الاسم أو الخبر.
وقوله: " مضمرا " أي: مقدرا في قلبك محذوفا.
قال سيبويه. (وليست " كليس " في المخاطبة والإخبار عن غائب). يعني: ليس " لات " كليس في المخاطبة؛ لأنك تقول: " لست قائما "، وليس هذا في " لات "، والإخبار عن غائب كقولك: " عبد الله ليس منطلقا، فتجعل " عبد الله " مبتدأ، وتجعل في " ليس "
стр. 324
ضميرا منه، وتجعل " ليس " وما بعدها خبرا " لعبد الله " مبنيا عليه.
(وليس هذا في " لات " لأنك لا تقول: " عبد الله لات منطلقا "، ولا " قومك لاتوا منطلقين ").
قال سيبويه: (ونظير " لات " في أنه لا يكون إلا مضمرا فيها: " ليس " و " لا يكون " في الاستثناء، إذا قلت: " أتوني ليس زيدا "، و " لا يكون بشرا ").
قال أبو سعيد: واعلم أنك تقول في الاستثناء: " أتاني القوم ليس زيدا "، و " أتاني إخوتك لا يكون بشرا "، وتقديره: ليس بعضهم زيدا، ولا يكون بعضهم بشرا. غير أن العرب لا تستعمل إظهار ذلك في الاستثناء، وإن كان مقدرا في الكلام. قال: فكذلك في لاتَ حِينَ مَناصٍ (١) لا يستعمل إلا على الحذف ثم قال: (وزعموا أن بعضهم قرأ:
ولات حين مناص وهي قليلة).
يعني: أن الرفع قليل بعد " لات "، والأكثر حذف الاسم وإظهار الخبر.
كما قال سعد بن مالك القيسي:
من صدّ عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح (٢)
فجعل " لا " بمنزلة " ليس "، ورفع " براح " بها، وجعل الخبر محذوفا. ويجوز أن يكون رفع " براح " بالابتداء وحذف الخبر. غير أن الأحسن إذا رفع ما بعد " لا " بالابتداء أن تكرر كقوله تعالى: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣) ولا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ (٤).
قال: (فجعلها بمنزلة " ليس ") يعني: قوله " لا براح ".
قال: (فهي بمنزلة " لات " في هذا الموضع في الرفع).
يعني: " لا براح " بمنزلة (لات حين مناص) إذا رفعت.
ثم قال: (ولا يجاوز بها الحين رفعت أو نصبت). يعني: " لات " لا تستعمل إلا مع
стр. 325
" الحين "، أظهرت الحين بعدها مرفوعا أو منصوبا، وهي العاملة.
قال الأخفش: " لات " لا تعمل شيئا في القياس؛ لأنها ليست بفعل، فإذا كان ما بعدها رفعا فهو على الابتداء، ولم تعمل في شيء رفعت أو نصبت.
يعني الأخفش: أن " لات " حرف غير عامل، فإذا كان ما بعدها مرفوعا فبالابتداء، وإن كان منصوبا، فبإضمار فعل، كما قال جرير:
فلا حسبا فخرت به لتيم ... ولا جدّا إذا ازدحم الجدود (١)
يعني: فلا ذكرت حسبا. فإنما نصبت " حين مناص " بعد " لات " عند الأخفش بإضمار فعل كأنه قال: لا أرى حين كذا.
وقال المحتج عن سيبويه: ليس كون " لات " حرفا، بمانعها أن تعمل عمل " ليس " تشبيها، كما عملت " ما " في لغة أهل الحجاز عمل " ليس " تشبيها.
قال سيبويه: (ولا تمكن في الكلام كتمكن " ليس " وإنما هي مع " الحين "، كما أن " لدن " إنما ينصب بها مع " غدوة ").
وقد مر الكلام في " لدن ".
ثم قال: (وكما أن التاء لا تجر في القسم وغيره إلا في " الله " تعالى إذا قلت " تا لله لأفعلن ").
يعني: أن " التاء "، لا تدخل إلا في قولك: " تالله ". لا تقول: " تالرحمن "، ولا تدخل على غيره من الأسماء، وإنما كانت كذلك لأن الأصل في المحلوف به " الباء "، إذا قلت:
" بالله لأفعلن "، ومعناه: أحلف بالله. و " الباء " توصل الحلف إلى المحلوف به، كما تقول " اسألك بالله "، و " مررت بزيد ".
وأبدلت " الواو " من " الباء "، لأنها من مخرجها فقيل: " والله "، ثم أبدلت التاء من " الواو " في هذا الموضع لأنها تبدل منها كثيرا نحو قولهم: " تراث "، و " تجاه "، و " تهمة " و " تقي "، والأصل: وراث، ووجاه، ووهمة، ووقي؛ لأنه من ورث، وواجه، والوهم، ووقيته. وكان الأصل " الباء "، وهي تدخل على كل مقسم به من ظاهر ومضمر، فيما حلف به الإنسان أو حلف على غيره. كقولك: " بالله وبك لأفعلن كذا "، و " بالله إلا فعلت
стр. 326
كذا "، إذا كنت تحلّفه. و " الواو " أنقص توسعا من " الباء "؛ لأنها بدل منها، فلم تدخل على المضمر، ولا في الحلف على المخاطب، لا يجوز أن تقول: " وك "، كما تقول: " بك " في اليمين ولا تقول: " والله إلا فعلت "، كما تقول: " بالله إلا فعلت ".
و" التاء " أضيقها كلها توسعا؛ لأنها بدل من بدل، فلم يستعمل إلا في اسم الله تعالى وحده. وإنما جعل سيبويه هذا شاهدا؛ لأنه يدخل على قولك: " الله "، ولا يدخل على غيره من الأسماء، مثل دخول " لات " على الحين دون غيره.
وقوله: (فإذا قلت: " ما منطلق عبد الله "، و " ما مسئ من أعتب " رفعت، ولا يجوز أن يكون مقدما مثله مؤخرا، كما أنه لا يجوز أن تقول: " إن أخوك عبد الله "، على حد قولك: " إن عبد الله أخوك "؛ لأنها ليست بفعل، وإنما جعلت بمنزلته. فكما لم تصرف " إن " كالفعل، كذلك لم يجز فيها كل ما يجوز فيه، ولم تقو قوته وكذلك " ما ").
قال أبو سعيد: يريد أن " ما "، إذا تقدم الخبر لم تعمل، وإن كانت مشبهة ب " ليس "، كما أن " إنّ " مشبهة بالفعل، واسمها مشبه بالمفعول، وخبرها مشبه بالفاعل، ومع ذلك فلا يجوز أن يتقدم الخبر على الاسم، كما تقدم الفاعل على المفعول؛ لأنها حرف لا يبلغ من قوتها أن تكون بمنزلة ما شبهت به.
قال: (وتقول: " ما زيد إلا منطلق "، يستوي في اللغتين جميعا. ومثله ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا (١)، لم تقو " ما " حيث نقضت معنى " ليس " كما لم تقو حين قدمت الخبر).
قال أبو سعيد: يعني أنك لما استثنيت فبطل معنى النفي، بطل تشبيه " ما " ب " ليس "، ولم تقو " ما "؛ لإبطال معناها أن تعمل عمل " ليس " وقد ذكرنا هذا المعنى.
قال: (فمعنى " ليس " النفي، كما أن معنى " كان " الواجب، فكل واحد منهما يعني " ليس وكان " إذا جردته كان هذا معناه. فإن قلت: " ما كان "، أدخلت عليها ما ينفي به، فإذا قلت: " ليس زيد إلا ذاهبا "، أدخلت ما يوجب، كما أدخلت ما ينفي. فلم تقو " ما " في قلب المعنى، كما لم تقو في تقديم الخبر).
يريد: أن " ليس " على عملها، وإن دخلها الاستثناء فانتقض معناها؛ لأنها فعل،
стр. 327
وانتقاض معناها لا يبطل عملها، كما أن " كان " للإيجاب وقد تدخل عليها حروف النفي، فيبطل معنى الإيجاب، ولا يبطل العمل كقولك: " ما كان زيد ذاهبا "، نفيت ذهابه، ونصبت كما تنصب في قولك: " كان زيد ذاهبا " وليست " ما " كذلك؛ لأنها أضعف من " ليس ".
قال سيبويه: (وزعموا أن بعضهم قال: وهو الفرزدق: (١)
فأصبحوا قد أعاد نعمتهم ... إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر)
قال أبو سعيد: حكى سيبويه أن بعض الناس نصب " مثلهم " وجعله على وجه الخبر في هذا البيت. ثم استبعد، وقال: (هذا لا يكاد يعرف).
إلا أنه حكى ما سمع.
وهذا التأويل في هذه الرواية، يوجب جواز " ما قائما زيد "، وهذا بعيد جدا.
وقد رد هذا التأويل على سيبويه. فقيل له: قد علمنا أن الفرزدق من بني تميم، وقد علمنا أن بني تميم يرفعون الخبر مؤخرا فكيف ينصبونه مقدما؟ فقال المحتج عن سيبويه:
يجوز أن يكون الفرزدق قد سمع أهل الحجاز ينصبونه مؤخرا وفي لغة الفرزدق لا فرق بين التقديم والتأخير؛ لأنه يرفع مقدما ومؤخرا، فظن الفرزدق أن أهل الحجاز لا يفرقون بين الخبر مقدما ومؤخرا. فاستعمل لغتهم فأخطأ، وفي نصب " مثلهم " وجهان آخران:
أحدهما: أن يكون تقديره، وإذ ما في الدنيا بشر مثلهم فيكون " بشر ": مبتدأ، " ومثلهم ": نعتا له، و " في الدنيا ": هو الخبر، فلما قدمت " مثلهم "، نصبته على الحال كقولك: " في الدار قائما رجل " كما قال:
لميّة موحشا طلل ... يلوح كأنه خلل (٢)
فكأنه قال: وإذ ما في الدنيا مثلهم بشر.
والوجه الثاني: أن يكون " مثلهم " منصوبا على الظرف: وإذ ما في حالهم وفي
стр. 328
مكانهم في الرفعة بشر، كما تقول: " وإذ ما فوقهم بشر " أي فوق منزلتهم بشر وإذ ما دونهم على الظرف.
قال: (وهذا لا يكاد يعرف كما أن لاتَ حِينَ مَناصٍ كذلك و " رب شيء هكذا "، وهو كقولهم: " هذه ملحفة جديدة " في
القلة).
يعني: أن نصب " مثلهم بشر "، على تقديم الخبر لا يعرف، كما أن لاتَ حِينَ مَناصٍ بالرفع قليل، لا يكاد يعرف.
كما أن " ملحفة جديدة " قليل وذلك أن " فعيلا " الذي بمعنى مفعول حكمه ألا يلحقه هاء التأنيث، كقولهم: " امرأة قتيل "، و " كف خضيب "، و " ملحفة جديد "، في معنى مقتولة، ومخضوبة، ومجدودة، ولا يقال: قتيلة، ولا جديدة، وقد قيل: " ملحفة جديدة "، وهو قليل خارج عن نظائره، وإنما قبل ذلك عندي على تأويل متجددة؛ فكأنها جعلت فاعلة وجعلت " فعيلة " على معنى فاعلة. وإذا كان " فعيل " بمعنى فاعل لحقه التأنيث كقولك: " امرأة كريمة، وظريفة " وما أشبه ذلك.
قال سيبويه: (وتقول: " ما عبد الله خارجا، ولا معن ذاهب "، ترفعه على ألا تشرك الاسم الآخر في " ما " ولكن تبتدئه كما تقول: " ما كان عبد الله منطلقا ولا زيد ذاهب " إذا لم تجعله على معنى " كان " وجعلته غير ذاهب الآن).
قال أبو سعيد: يعني أنك إذا قلت: " ولا معن ذاهب "، فإنما نفيت ب " لا " نفيا مستأنفا، و " لا " لا تعمل شيئا؛ لأنك تقول: " لا زيد ذاهب ولا عمرو منطلق "، وجعلت الواو لعطف جملة على جملة، غير أنه لا يحسن أن تنفي ب " لا "، وترفع ما بعدها على الابتداء والخبر، إلا أن تكرر النفي. لا يحسن أن تقول: " لا زيد ذاهب "، فإذا قلت: " ولا عمرو منطلق " حسن، أو " ما زيد ذاهبا ولا عمرو منطلق "، وهذا يستقصى في بابه.
وإذا قلت: " ما كان عبد الله منطلقا ولا زيد ذاهب "، " فزيد " أيضا مرفوع بالابتداء، واستأنفت النفي ب " لا "، وجعلت الواو لعطف جملة على جملة، وكذلك " ليس عبد الله ذاهبا ولا زيد منطلق ".
فإن جعلت " لا " لتأكيد النفي الذي قبلها ولم تجعلها هي النافية عطفت آخر الكلام على أوله فقلت: " ما كان عبد الله خارجا ولا معن ذاهبا "، و " ما كان زيد ذاهبا ولا عمرو منطلقا " و " ليس زيد ذاهبا ولا عبد الله خارجا "؛ لأنك لم تحفل ب " لا " وجعلت العطف
стр. 329
بالواو على العامل الذي قبل.
قال سيبويه: (وليس قولهم لا يكون في " ما " إلا الرفع بشيء، لأنهم يحتجون بأنك لا تستطيع أن تقول: " ولا ليس " " ولا ما ").
قال أبو سعيد: يعني بذلك قوما من النحويين يزعمون أنه لا يجوز " ليس زيد ذاهبا، ولا معن منطلقا "، ولا يجيزون أيضا " ما زيد ذاهبا ولا معن منطلقا "، حملا على " ما، وليس "، وذلك أنه عندهم لا يصح عطف الثاني على الأول إلا بتقدير إعادة العامل بعد حرف العطف، كقولك: " قام زيد وعمرو " و " ضربت زيدا وعمرا "، والتقدير عندهم:
قام زيد وقام عمرو، وضربت زيدا وضربت عمرا، فلا يجيزون " ما زيد ذاهبا ولا عمرو منطلقا "؛ لأنه لا يصح إعادة العامل، وهو " ما "، ألا ترى أنك لا تقول: " ما زيد ذاهبا ولا ما عمرو منطلقا "، و " ليس زيد ذاهبا ولا ليس عمرو منطلقا ".
وأما الذي عندنا فإن المعطوف لا تقدر له إعادة العامل بعد حرف العطف، بل تجعل العامل الأول لهما جميعا وتجعل حرف العطف كالتثنية فيصير المعطوف والمعطوف عليه كالمثنى، ألا ترى أن قولنا " قام الزيدان "، بمنزلة: " قام زيد وقام زيد "، و " قام زيد وعمرو "، بمنزلة: قام الزيدان، غير أنه لم يمكن تثنية " زيد وعمرو " بلفظ واحد، ففصل بينهما بالواو، وصارت الواو كالتثنية فيما اتفق لفظه.
ولو قدمت ذكر " زيد، وعمرو " ثم كنيت عنهما لم تحتج إلى عطف وثنيت كنايتهما لاتفاق الكنايتين، وإن كان الاسمان مختلفين، فقلت: " زيد وعمرو قاما ". وكذلك إذا قلنا:
" ليس زيد ذاهبا ولا عمرو منطلقا "، و " ما زيد ذاهبا ولا عمرو منطلقا "، لم تحتج إلى إعادة العامل، فبطل العطف لبطلان إعادة العامل والذي منع من إعادة العامل أنك لا تجمع بين حرفي نفي؛ فلم يجز إعادة " ما " و " ليس " بعد " لا ".
ثم أراهم سيبويه المناقضة فيما أضلوا.
فقال: (فأنت تقول: " ليس زيد ولا أخوه ذاهبين ". و " ما عمرو ولا خالد منطلقين "، فتشركه مع الأول في " ليس " وفي " ما ").
يعني: أنهم يقولون: " ليس زيد ولا أخوه ذاهبين "، فيعطفون الأخ على " زيد "، والعامل فيه " ليس "، ولا يحسن إعادة " ليس " فقد ناقضوا.
فإن قال قائل: إنا إذا قلنا " ليس زيد ذاهبا ولا عمرو منطلقا "، فقد تم الأول،
стр. 330
وأمكن استئناف الجملة الثانية بعده. وإذا قلت: " ليس زيد ولا أخوه ذاهبين "، لم يجز استئناف الثاني بعد الأول، ولا الأول حيث أتى بعده بجملة تامة يحسن السكوت عليها.
فهذا هو كلام واحد والأول كلامان.
قيل له: لسنا ننكر هذا، ولكنا نلزمكم المناقضة فيما اعتللتم به؛ لأن العلة المانعة من الأول إن كانت هي في بطلان إعادة العامل، فقد وجدناها في المسألة الأخيرة، وقد جازت مع وجود هذه العلة فيها، فلو كانت هذه العلة مانعة للعطف لمنعت في كل كلام.
قال سيبويه: (" فما " يجوز فيها الوجهان كما يجوز في " كان "، إلا أنك إن حملته على الأول، أو ابتدأت، فالمعنى أنك تنفي شيئا غير كائن في حال حديثك، وكان الابتداء في " كان " أوضح؛ لأن المعنى يكون على ما مضى، وعلى ما هو الآن، وليس يمتنع أن يراد به الأول، كما أرادت به الثاني في " كان ").
قوله: (ف " ما " يجوز فيها الوجهان).
يريد: " ما زيد ذاهبا ولا عمرو منطلقا، ومنطلق "، كما يجوز في " كان " إذا قلت:
" ما كان زيد ذاهبا ولا عمرو منطلقا ومنطلق ". غير أن الجملة الثانية فيما رفعت أو نصبت إنما تنفي شيئا في حال حديثك، ألا ترى أنك إذا قلت: " ما زيد ذاهبا "، فإنما تنفي ذهابه في حال حديثك فإذا قلت: " ولا عمرو منطلقا "، فإنما تنفي انطلاقه في حال حديثك، وإذا رفعت أيضا، فأنت تنفيه في حال حديثك، لأنه نفي مستأنف، ويختلف المعنى في " كان "؛ لأنك إذا قلت: " ما كان زيد ذاهبا ولا عمرو منطلقا "، فإنما تنفي انطلاقه فيما مضى، وإذا قلت: " ولا عمرو منطلق "، فإنما تنفي انطلاقه الساعة. وهذا معنى قوله:
(وكان في " كان " أوضح؛ لأن المعنى يكون على ما مضى وعلى ما هو الآن).
يعني: في النصب على ما مضي، وفي الرفع على ما هو الآن.
وقوله: (وليس يمتنع أن يراد به الأول).
يعني " ما زيد ذاهبا، ولا عمرو منطلقا، ليس يمتنع أن تردّ الجملة الثانية على " ما " فتنصب.
قال: (ومثل ذلك: " إن زيدا لظريف وعمرو أو عمرا ". فالمعنى في الحديث واحد، وما تريد به من الإعمال مختلف).
стр. 331
يعني: أنك إذا قلت: " إن زيدا لظريف "، فمعناه: " زيد ظريف "، فأدخلت إن واللام لتؤكد، فإذا قلت: " وعمرو "؛ فإنما تعطفه على موضع " زيد " قبل دخول " إن "، وإن نصبت فعلى لفظ " زيد "، والمعنى فيهما واحد، غير أن التقدير الذي قدرته للرفع والنصب مختلف، فكذلك قولك: " ما زيد ذاهبا ولا عمرو منطلقا ومنطلق "، المعنى واحد، وتقدير الإعراب مختلف.
وقال سيبويه: (وتقول: " ما زيد كريما ولا عاقلا أبوه "، تجعله كأنه للأول بمنزلة " كريم "؛ لأنه ملتبس به إذا قلت: " أبوه " فتجريه عليه، كما أجريت عليه الكريم؛ لأنك لو قلت: " ما زيد عاقلا أبوه "، نصبت. وكان كلاما).
قال أبو سعيد: أعلم أنه لا يجوز أن تجري اسم الفاعل المشتق من فعله نعتا لغير فاعله، أو خبرا، أو حالا، إذا كان في فاعله ضمير يعود إلى الاسم الذي أجريته عليه، وكذلك إن كان الضمير في شيء يتعلق به الفعل من الكلام. تقول: " رأيت رجلا قائما أبوه "، و " مررت برجل قائم أبوه "، و " جاءني رجل قائم أبوه "، فجعلت قائما نعتا لرجل، وهو فعل
أبيه لا فعله، غير أنك أجريته عليه، لأن في الأب هاء تعود إليه. وكذلك لو قلت: " مررت برجل قائم عمرو إليه، أو في داره "، كان بمنزلة " قائم أبوه "، فهذا في النعت.
وأما الخبر فقولك: " كان زيد قائما أبوه " أو " إن زيدا قائم أبوه "، و " كان زيد قائما عمرو إليه "، و " كان أخوك منطلقا رجل يحبه "، و " مررت بزيد قائما رجل يحبه "، " فقائما ": حال من " زيد " وهو مشتق من فعل " رجل "، وفي " يحبه " الذي هو نعت لرجل ضمير يعود إلى " زيد "، فاسم الفاعل، وإن كان لغير الأول- إذا كان في الكلام ما يعود إلى الأول- بمنزلة اسمه المشتق من الفعل، وترفع الذي له الفعل بفعله. فإذا قلت: " ما زيد كريما، ولا عاقلا أبوه " " فكريما ": خبر " لزيد "، و " عاقلا ": عطف عليه، و " أبوه ":
مرتفع " بعاقل "، فقد صار " عاقلا أبوه " في أنه خبر عن " زيد " بمنزلة " كريما "، لما فيه من الضمير العائد إليه. ألا ترى أنك لو قلت: " ما زيد عاقلا أبوه "، جاز، وصار خبرا له، وإن كان الفعل منفيّا عن أبيه، كما تقول: " ما زيد عاقلا ".
وتقول: " ما زيد ذاهبا ولا عاقل عمرو "، فلا يجوز في " عاقل " إلا الرفع، وذلك أنه لا يصح عطف " عاقل " على " ذاهبا "؛ لأنه ليس في الكلام ما يعود إلى " زيد " ألا ترى أنك
стр. 332
لا تقول: " ما زيد عاقلا عمرو "، فرفعت " عاقلا " وجعلته خبرا لعمرو، و " عمرو " مرفوع بالابتداء. ولم يجز أن تقول: " ولا عاقلا عمرو " على حد قولك: " ولا عمرو عاقلا "؛ للحمل على " ما "؛ لأن " ما " متى تقدم خبرها بطل عملها. ألا ترى أنك تقول: " ما عاقل عمرو "؛ ولا يجوز أن تقول: " ما عاقلا عمرو "، فلم يكن إلا الاستئناف والابتداء والخبر.
ولو قلت: " ولا عاقلا عمرو في داره " أو " عنده "، أو ما أشبه ذلك من الضمير جاز، ونصبت " عاقلا "؛ لأنه خبر " ما " عطفا على " ذاهبا "، ورفعت " عمرا " بفعله.
قال: (وإن شئت قلت: " ما زيد عاقلا ولا كريم أخوه "، إن ابتدأته، ولم تجعله على ضمير " ما "، كما فعلت ذلك حين بدأت بالاسم).
قال أبو سعيد: يعني: أنه يجوز أن تقول: " ولا كريم أخوه " على أن تجعل " أخوه " مرفوعا بالابتداء، لا " بكريم "، وتجعل " كريما " مرفوعا بخبر الابتداء، وإن كان مقدما، ويكون التقدير: ولا أخوه كريم، وقد تقدم جواز مثل هذا في قولنا: " ما زيد ذاهبا ولا عمرو منطلق ".
ثم قال: (ولكن " ليس "، و " كان " يجوز فيهما النصب، وإن قدمت الخبر ولم يكن ملتبسا؛ لأنك لو ذكرتهما، كان
الخبر فيهما مقدما مثله مؤخرا).
يعني: أنك إذا قلت: " ما كان زيد ذاهبا، ولا منطلقا عمرو "، " وليس زيد ذاهبا ولا منطلقا عمرو "، جاز على حد قولك: " ولا عمرو منطلقا "، بأن يكون " عمرو " مرتفعا " بكان، وليس ". و " منطلقا ": خبر؛ لأنك تقول: " ما كان منطلقا عمرو "، فلما جاز في العامل الأول تقديم الخبر مع النصب، جاز في المعطوف.
قال: (وتقول: " ما زيد ذاهبا، ولا محسن زيد "، الرفع أجود، وإن كان، يريد الأول:
لأنك لو قلت: " كان زيد منطلقا زيد "، لم يكن حد الكلام، وكان هاهنا ضعيفا، ولم يكن كقولك: " ما زيد منطلقا هو "؛ لأنك قد استغنيت عن إظهاره، وإنما ينبغي لك أن تضمره ألا ترى أنك لو قلت: " ما زيد منطلقا أبو زيد "، لم يكن كقولك: " ما زيد منطلقا أبوه "؛ لأنك قد استغنيت عن إظهاره، وإنما كان ينبغي لك أن تضمره. فلما كان هذا كذلك، أجرى مجرى الأجنبي، واستؤنف على حياله حيث كان ضعيفا فيه).
قال أبو سعيد: اعلم أن الاسم الظاهر متى احتيج إلى تكرار ذكره في جملة واحدة، كان الاختيار أن يذكر ضميره؛ لأن ذلك أخف، وأنفى للشبهة واللبس كقولك: " زيد
стр. 333
ضربته "، و " زيد ضربت أباه "، و " زيد مررت به "، ولو أعدت لفظه بعينه في موضع كنايته لجاز، ولم يكن وجه الكلام كقولك: " زيد ضربت زيدا "، و " زيد ضرب أبا زيد "، و " زيد مررت بزيد " على معنى: زيد ضربته، وضربت أباه، ومررت به. وإذا أعدت ذكره في غير تلك الجملة، جاز إعادة ظاهره وحسن، كقولك: " مررت بزيد " و " زيد رجل صالح ". قال الله تعالى: وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ (١) فأعاد الظاهر؛ لأن قوله: (الله أعلم) جملة ابتداء وخبر، وقد مرت الجملة الأولى. فإذا قلت: " ما زيد ذاهبا ولا محسن زيد " جاز الرفع والنصب. فإذا نصبت، قلت: " ولا محسنا زيد "، جعلت " زيدا " هو الظاهر بمنزلة كنايته، فكأنك قلت: " ما زيد ذاهبا ولا محسنا هو "، كما تقول: " ولا محسنا أبوه "، فتعطف " محسنا " على " ذاهبا "، وترفع " زيدا " بفعله، وهو محسن. وإذا رفعت، جعلت " زيدا " كالأجنبي ورفعته بالابتداء، وجعلت " محسنا " خبرا مقدما. واختار سيبويه الرفع؛ لأن العرب لا تعيد لفظ الظاهر إلا أن تكون الجملة الأولى غير الجملة الثانية، وتكون الجملة الثانية مستأنفة، كما قلنا في قوله: (... رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ ...) فإذا رفعته فهو مطابق لما ذكرناه وخرج عن باب العيب؛ لأنك جعلته جملة مستأنفة.
واستشهد سيبويه لجواز النصب، وجعل الظاهر بمنزلة المضمر بقول: سوادة بن عدي:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا (٢)
وبقول الجعدي:
إذا الوحش ضمّ الوحش في ظللاتها ... سواقط من حرّ وقد كان أظهرا (٣)
فأعاد الإظهار.
وذلك أن قوله: لا أرى الموت يسبق الموت شيء. الموت الأول هو المفعول الأول لأرى، ويسبق الموت شيء في موضع المفعول الثاني، وهما جملة واحدة، وكان
стр. 334
ينبغي أن يقول: " يسبقه شيء " فيضمر.
وقوله: إذا الوحش ضم الوحش: " الوحش " الأول مرفوع بفعل مضمر هذا الظاهر تفسيره: كأنه قال: إذا ضم الوحش ضمه سواقط من حرّ. على ما لم يسم فاعله كما قال:
ليبك يزيد ضارع لخصومة
فهما في جملة واحدة؛ لأن الأول لا يستغني بنفسه، فقد كان ينبغي أن يضمر ولا يظهر.
ومن الناس من يقول: " الوحش " الأول مرفوع بالابتداء، و " ضم الوحش في ظللاتها ". خبر، و " سواقط ": فاعل " ضم "، فكأنه قال: " زيد ضرب زيدا عمرو ". وقد بينا أنه بمنزلة قولك: " زيد ضربه عمرو ".
واستشهد لاختيار الرفع فيما اختاره فيه بقول الفرزدق:
لعمرك ما معن بتارك حقّه ... ولا منسئ معن ولا متيسر (١)
ومعنى الثاني هو الأول، وهو بمنزلة قوله: " ما زيد ذاهبا ولا محسن زيدا ".
وللمعترض أن يقول: الفرزدق تميمي، وهو يرفع خبر " ما " على كل حال، مكنيّا كان أو ظاهرا. ألا ترى أن الفرزدق من لغته أن يقول: " ما معن تارك حقه ولا منسئ هو " فالظاهر والمكني على لغته سواء.
قال سيبويه: (وإذا قلت: " ما زيد منطلقا أبو عمرو "، " وأبو عمرو أبوه " - لم يجز- لأنك لم تعرفه به ولم تذكر له إظهارا ولا إضمارا، فهذا لا يجوز؛ لأنك لم تجعل له فيه سببا).
يعني: أن: " أبا زيد " إذا كانت كنيته أبا عمرو، لم يجز أن تقول: " ما زيد منطلقا أبو عمرو "، كما جاز " ما زيد منطلقا
أبوه "؛ لأن في " أبوه " هاء تعود إلى " زيد "، وليس في " أبو عمرو " ما يعود إلى " زيد "، وإن كان " أبو عمرو " أباه، ولا يشبه هذا قولك: " ما زيد منطلقا زيد "؛ لأن " زيدا " الثاني هو لفظ " زيد " الأول: فكان بمنزلة ضميره على ما قدمنا، فلا يجوز أن يكون خبر الأول إلا ما كان فيه ضمير يعود إليه، أو كان الظاهر معادا بعينه.
стр. 335
فقول سيبويه: (" ما زيد منطلقا أبو عمرو " غير جائز، ولأنك لم تعرفه به).
يعني: لم تعرف الأب بزيد. فتقول: أبوه أو أبو " زيد ".
(ولم تذكر له إظهارا ولا إضمارا).
يعني: ولم تذكر لزيد.
قال: (وتقول: " ما أبو زينب ذاهبا، ولا مقيمة أمها "، فترفع؛ لأنك لو قلت: " ما أبو زينب مقيمة أمها " لم يجز؛ لأنها ليست من سببه).
قال أبو سعيد: قوله: " ما أبو زينب ذاهبا "، " أبو ": اسم: " ما "، وهو مضاف إلى زينب و " ذاهبا " خبره، والهاء التي في " أمها " تعود إلى " زينب "، و " زينب " ليست هي اسم " ما " و " أمها " أجنبية من اسم " ما "، فصار بمنزلة قولك: " ما أبو زينب ذاهبا ولا مقيمة هند " الرفع لا غير، وقد تقدم هذا.
قال: (ومثل ذلك قول الأعور الشني:
هوّن عليك فإنّ الأمور ... بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها (١)
لأنه جعل المأمور من سبب الأمور، ولم يجعله من سبب المذكر وهو المنهي)، والشاهد في البيت الثاني.
قال أبو سعيد: قوله: منهيها اسم ليس، والضمير الذي فيها ضمير المأمور، فكأنه قال: " ليس بآتيك منهي الأمور "، وخبره: " ليس بآتيك.
وقوله: و " لا قاصر عنك مأمورها ". " مأمور "، مضاف إلى الأمور، وليس بمضاف إلى اسم " ليس "، فهو أجنبي منه، فصار بمنزلة قولك: " ما أبو زينب ذاهبا، ولا مقيمة أمها "؛ لأن " الأم " لم تضف إلى اسم " ما ". غير أن النصب في " قاصر عنك مأمورها " جائز، ولا يجوز في: " مقيمة أمها " في المسألة الأولى: وذلك أن خبر ليس إذا تقدم نصب، فكذلك إذا عطفت جملة على ليس، وقد تقدم الخبر منها، جاز أن يكون منصوبا، وإن لم يكن فيها ما يعود
إلى الأول. ألا ترى أنك تقول: " ليس زيد قائما، ولا منطلقا عمرو "،
стр. 336
كما تقول: " ليس منطلقا عمرو ".
فإن قال قائل: فقد ذكر سيبويه في المسألة الأولى، فقال:
(تقول: " ما أبو زينب ذاهبا ولا مقيمة أمها "، فترفع؛ لأنك لو قلت:
" ما أبو زينب مقيمة أمها " لم يجز؛ لأنها ليست من سببه).
ثم قال: (ومثل ذلك قول الأعور الشنيّ)؛ فأنشد البيت مستشهدا لإبطال النصب، والنصب في البيت جائز سائغ.
فإن في ذلك جوابين:
أحدهما: أنه أنشد البيت؛ ليرينا كيف حكم " ما " لو كانت مكان " ليس " في البيت الذي أنشده، وهذا يحكى عن أبي العباس.
والجواب الثاني:- وهو أرضاهما عندي- أنه أنشد البيت؛ ليرينا أن الجملة الثانية غريبة من الجملة الأولى، لما لم يكن الضمير الذي من الجملة الثانية ضمير الاسم الأول، وإنما هو ضمير ما أضيف إليه كما قال ذلك في المسألة الأولى.
قال سيبويه: (وجرّه قوم، فجعلوا المأمور للمنهي، والمنهي هو الأمور؛ لأنه من الأمور فهو بعضها).
قال أبو سعيد: أعلم أن سيبويه لا يجيز " ليس زيد بقاعد ولا قائم عمرو ". وتجويز " ليس زيد بقاعد ولا قائم أبوه ".
فأما إبطاله " ليس زيد بقاعد ولا قائم عمرو " لأنه لا يرى العطف على عاملين، ومتى أجاز ذلك كان عطفا على عاملين. ومعنى ذلك أنك إذا قلت: " ليس زيد بقائم "، " فزيد ": مرتفع " بليس " و " قائم " مجرور بالباء، و " الباء وليس " عاملان، أحدهما عمل الرفع والآخر عمل الجر. فإذا قلت: " ولا قائم عمرو "، فقد عطفت " قائما " على " قاعد "، وعامله الباء، وعطفت " عمرو " على اسم " ليس " وعامله " ليس ". فقد عطفت على شيئين مختلفين، ومثل ذلك في الفساد " قام زيد في الدار والقصر عمرو ".
فإن قال قائل: وما الذي أبطل العطف على عاملين؟
قيل له: حرف العطف يقوم مقام العامل، ويغني عن إعادته؛ ألا ترى أنك إذا قلت:
" قام زيد وعمرو " كان بمنزلة قولك: " قام زيد. قام عمرو "، فلما كان حرف العطف كالعامل: والعامل لا يعمل رفعا وجرا، لم يجز أن تعطف بحرف واحد على عاملين
стр. 337
مختلفين. فإن قلت " قام زيد في الدار وفي القصر عمرو " جاز؛ لأنك أعدت أحد العاملين فصار العطف على عامل واحد وهو " قام ".
وقد أجاز الأخفش وغيره من البصريين العطف على عاملين، فقالوا: " قام زيد في الدار والقصر عمرو "، وقدموا في العطف المجرور على المرفوع؛ لأن الجار والمجرور كالشيء الواحد. ولم يجيزوا " قام زيد في الدار، وعمرو القصر " لئلا يفصل بين الجار والمجرور، واحتجوا بأشياء أخر: منها قوله تعالى: إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١). فقالوا: وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ مجرور بالعطف على المجرور الذي قبله. والعامل في قوله: آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ " إن " وهو منصوب بالعطف على ما عمل فيه " إن "، فصار بمنزلة قولك: " إن في الدار لزيدا والقصر عمرا ". فرد أبو العباس هذه القراءة؛ لأنه كان مذهبه إبطال العطف على عاملين مختلفين، وقدّر أن هذه القراءة لا بد فيها من العطف على عاملين، ورفع " الآيات " في الآيتين الأخريين ليتخلص من العطف على عاملين، فلزمه في الرفع مثل ما فر منه، ذلك أنه جر وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ بالعطف على ما قبله. والعامل في رفع الآيات، فيقال له: لم رفعتها؟ فلا بد من أن يكون رفعها بالابتداء عطف على موضع " إن "، كما تقول: " إن زيدا في الدار وعمرو "، فإذا صار كذلك، فقد عطف على عاملين، وهما في موضع " إن "، الذي هو الابتداء.
فإن قال: أجعله كلاما مستأنفا، وأعطف جملة على جملة.
قيل له: فلا بد من ذكر حرف الجر في الجملة الثانية إذ كانت مستأنفة، ألا ترى أنا لا نقول: " ... القصر عمرو "، على معنى " في القصر عمرو ".
وقد احتجوا بأبيات ظاهرها العطف على عاملين، وهي تخرج على تأويل لا يكون عطفا على عاملين، منها قول أبي النجم:
أوصيت من برّة قلبا حرّا ... بالكلب خيرا والحماة شرا
فقالوا: " الحماة " مجرور بالعطف على " الكلب "، والعامل " الباء "، " والشرّ " منصوب
стр. 338
بالعطف على " خيرا "، والعامل " أوصيت ".
وليس في شيء مما احتجوا به حجة على سيبويه.
أما الآية التي ذكرناها: فإن " الآيات " المعادة فيها أعيدت لتأكيد الآيات الأولى وهي هي، وكان تقدير الكلام: إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ....
ومثله " إن في الدار زيدا، والقصر زيدا " وهو جائز إذا كان " زيد " الثاني هو الأول.
وكأنه قال: " إن في الدار زيدا، والقصر "؛ لأن ذكره وتركه في الفائدة سواء غير التأكيد.
فإن قال قائل: وكيف تكون الآيات التي في السموات هي الآيات التي في الأرض، وفي خلق السموات والمطر وتصريف الرياح؟
قيل له: لما كانت هذه الآيات التي في هذه الأشياء المختلفة، تدل مع اختلافها دلالة واحدة على خالقها- جاز أن يقال إنها واحدة ألا ترى أنك لو سمعت قوما يخبرون عن شيء بمعنى واحد جاز أن تقول: سمعت أقاويلهم، وهي واحدة. وتقول:
" قول زيد وعمر وواحد " إذا كانا يخبران عن معنى واحد مجازا وتوسعا.
وأما البيت الذي أنشده، فهو على تقدير إعادة حرف الجر، وحذفه اختصارا واكتفاء بما قبله، وكأنه قال: " وبالحماة شرا " وخفض الحماة بهذه " الباء " الثانية دون الأولى، وحذفها ضرورة، ولم يكن جره على طريق العطف والدليل على ذلك قول الشاعر:
سل المفتي المكّي ذا العلم ما الذي ... يحلّ من التقبيل في رمضان
ثم قال:
فقال لي المكي أما لزوجة ... فسبع وأمّا خلّة فثمان (١)
فخفض " خلة " بلام قدرها وحذفها، فكأنه قال: وأما لخلة.
ولا يجوز إن يكون بالعطف من قبل أن " ما " لا يعطف ما بعدها على ما قبلها، وهي من الحروف التي ما بعدها مستأنف، وقد علمتم أن قولنا: " ليس زيد بقاعد ولا قائم أبوه " جائز. فيكون " قاعد " مجرورا بالباء، وهو خبر " ليس "، و " قائم " عطف عليه،
стр. 339
و " الأب " مرتفع بفعله فكأنك قلت: " ليس زيد بقائم أبوه "، فجاز؛ لأنه من سبب " زيد ".
فتأول سيبويه في البيت تأويلا أخرجه إلى مثل هذا فأجاز: " ولا قاصر عنك مأمورها ".
وذلك أنه جعل منهي الأمور بمنزلة الأمور؛ إذ كان البعض قد يجوز أن يجرى مجرى ما أضيف إليه، فجعل منهي الأمور إذ كان بعضها بمنزلة الأمور. فكأنه قال: " ليس بآتيك الأمور، ولا قاصر عنك مأمورها "، و " مأمورها " من سبب الأمور. وقد جعل المنهي كأنه هو الأمور، فقد صار المأمور من سبب المنهي.
ثم استشهد لجعله منهي الأمور بمنزلة الأمور بقول جرير:
إذا بعض السّنين تعرّقتنا ... كفى الأيتام فقد أبي اليتيم (١)
وقد مر البيت.
قال: ومثل ذلك قول النابغة الجعدي:
فليس بمعروف لنا أن نردّها ... صحاحا ولا مستنكرا أن تعقّرا (٢)
الرفع والنصب في " مستنكر " مثلهما في " ولا قاصر عنك ... ".
وأما الخفض على مذهب سيبويه فعلى تأويل أن يجعل الثاني من سبب الأول:
وذلك أن قوله: " فليس بمعروف لنا أن نردها " يريد: ردها. أي: رد الخيل. وقبله.
وننكر يوم الرّوع ألوان خيلنا ... من الطّعن حتى نحسب الجون أشقرا (٣)
فإذا قال: " فليس بمعروف لنا رد الخيل "، جاز أن تجعل رد الخيل بمنزلة الخيل.
كما قال:
(طوال الليالي أسرعت في نقضي) (٤)
والمعنى: الليالي أسرعت
стр. 340
و ... تسفهت ... أعاليها مرّ الرياح ... (١)
(كأنه قال: تسفهتها الرياح).
فقد صار رد الخيل بمنزلة الخيل، فكأنه قال ليس بمعروفة لنا الخيل، ولا مستنكر عقرها، والعقر يعود إلى الخيل، غير أنه قد جعل الرد بمنزلة الخيل، فجعل عقرها من سبب الرد.
ثم قال سيبويه: (كأنه قال: " ليس بآتيك منهيها، وليس بمعروفة ردها " حين كان من الخيل، والخيل مؤنثة، فأنث).
يعني: أنا لما جعلنا منهيّها بمنزلة الأمور، وردها بمنزلة الخيل، فكأنهما قد صارا مؤنثين، فعاد إليهما ضمير المؤنث في مأمورها وفي تعقّرا.
قال: (وهذا مثل قوله تعالى: بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (٢).
وحدّ الأول على اللفظ، وجمع ما بعده على المعنى، فكذلك ذكر " بآتيك منهيها "، و " بمعروف لنا ردها "، على اللفظ، وأنث مأمورها وتعقرا على المعنى.
قال الأخفش: هذا كله يجوز فيه النصب وإن كان الأخير ليس من سبب الأول؛ لأن " ليس " إن قدمت فيها الخبر، أو أخرته فهو سواء.
قال أبو سعيد: وقد ذكرنا هذا.
قال الأخفش: وليس هذان البيتان على ما زعم سيبويه في الجر؛ لأنه لا يجوز عنده العطف على عاملين وإن لم يكن الثاني من سبب الأول.
وقال أبو سعيد: كان الأخفش يجيز " ولا قاصر عنك مأمورها "، " ولا مستنكر أن تعقّرا "، وإن لم يكن " مأمورها " من سبب منهيها، ولا " عقرها " من سبب ردّها؛ لأنه يجيز " ليس زيد بقائم ولا قاعد عمرو "، عطفا على عاملين.
وزعم الأخفش أن سيبويه غلط في إنكار العطف على عاملين، وأنه جائز مثل قول
стр. 341
الله تعالى في قراءة بعض الناس: وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ (١)، فجر " الآيات " وهي في موضع نصب، ومثل ذلك قول الله تعالى: ... لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢)، عطفا على خبر إن. وعلى اللام.
وغلط الأخفش في الآيتين اللتين ذكرهما من غير وجه.
أما قوله تعالى: وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ فالشاهد في الآية التي بعدها لا فيها، لأن حرف الجر قد ذكر في قوله: وَفِي خَلْقِكُمْ وموضع الاحتجاج في الآية التي بعدها وقد ذكرنا الجواب عنه.
وأما قوله تعالى: لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. فإن الأخفش يقدر: " إنا أو إياكم لعلى هدى وإنا أو إياكم لفي ضلال مبين ". فحذف إن واللام من قوله: " أو في ضلال مبين ". وهذا لا حجة له فيه؛ لأن قوله: " أو في ضلال مبين " ليس فيه معمول إن منفي، فيكون عطفا على " إن ". و " اللام " في قوله : لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ غير عاملة. فاحتجاجه بهذا بعيد.
قال أبو العباس: غلط أبو الحسن في الآيتين جميعا في أنهما عطف على عاملين، ولكن ذلك في قراءة من قرأ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ، إذا قال: " آيات " فجره فقد عطف على عاملين، وهي قراءة.
قال أبو سعيد: وقد غلط أبو العباس في تفريقه بينهما: وذلك أن أبا العباس كان يرى أن من قرأ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ عاطف على عاملين وأن من قرأ " آيات " غير عاطف على عاملين؛ لأن الذي يقرأ: " آيات " ينصبها " بأن "، والذي يقرأ " آيات " يرفعها بالابتداء، فيقال: أخبرنا عن الذي يقرأ: " آيات " إذا رفعها بالابتداء هل يعطفها على موضع " إن "، أو يقطعها من الكلام الأول؟، فإن كان يعطفها على موضع " إن "، فقد عطف على عاملين أحدهما موضع " إن "، والآخر " في "، وإن كان مقطوعا من الكلام الأول، وجب أن يذكر حرف الجر في " اختلاف الليل والنهار "، ألا ترى أنه لا يجوز لك
стр. 342
أن تقول: " اختلاف الليل والنهار آيات " وأنت تريد في؛ لأنه مستأنف ليس قبله ما يعطف عليه.
قال سيبويه: (وتقول: ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة وإن شئت نصبت).
يعني: إن شئت قلت: شحمة.
(و " بيضاء " في موضع جر؛ كأنك أظهرت " كلّ " كأنك قلت: ولا كلّ بيضاء شحمة).
فاحتج بعض الناس بأن هذا عطف على عاملين، وذلك أن " بيضاء " جر عطفا على " سوداء " والعامل فيها كل، و " شحمة " منصوبة عطفا على خبر " ما ".
فقال سيبويه: (ليس ذلك عطفا على عاملين، وتأوّله تأويلا أخرجه عما قاله القائل. فقال: " بيضاء " مجرور " بكل " أخرى محذوفة مقدرة بعد " لا "، وليست معطوفة على سوداء، فلم يحصل العطف على عاملين.
وقال أبو دؤاد:
أكلّ امرئ تحسبين أمرأ ... ونار توقد بالليل نارا (١)
أراد: كل نار توقد بالليل نارا. بتقدير " كلّ " معادة، ولم يعطف " نار " على " امرئ واستغنى عن تثنية " كلّ " بذكره إيّاها في أول الكلام ولقلة التباسه على المخاطب).
قال سيبويه: (وجاز ذلك كما جاز في قولك: " ما مثل عبد الله يقول ذاك ولا أخيه ". وإن شئت قلت: " ولا مثل أخيه فهذا يحتمل أن يكون " مثل " مقدرا بعد " لا "، ويجوز ألا يكون مقدرا، ويكون " الأخ " معطوفا على " عبد الله " والعامل فيهما " مثل " الأول، ثم يقول: " ما مثل عبد الله يقول ذاك، ولا أخيه يكره ذاك " ومثل ذلك وما مثل أخيك ولا أبيك يقولان ذاك ").
فهنا لا محالة تقدر " مثل " بعد " لا "، وذلك أنه لو كان " وأبيك " معطوفا على " أخيك "، والعامل " مثل " ما جاز أن يثنّي " يقولان " فلما ثني، علمنا أن تقديره: " وما مثل أخيك ولا مثل أبيك يقولان ذاك ". و " مثل " الأول غير الثاني فلما جاز حذف الثاني اكتفاء بالأول في هذه المسألة، جاز في التي قبلها، وجاز أيضا فيما كان خبره معرّفا، كقولك:
стр. 343
" ما مثل عبد الله يقول ذاك، ولا أخيه يكره ذاك "، فخبر " عبد الله " يقول ذاك، وخبر " أخيه " يكره ذاك.
وقد حذف منه " مثل " اكتفاء بالأول، كأنه قال: ولا مثل أخيه يكره ذاك.
وهو العامل دون الأول، وقوله:
" أكل امرئ تحسبين أمرا " (١)
مشبه لهذا؛ لأن خبر " كل امرئ " هو " امرأ "، وخبر " كل نار " " نارا " الثانية.
هذا باب ما يجرى على الموضع لا على الاسم الذي قبله
قال سيبويه: (وذلك قولك: " ليس زيد بجبان ولا بخيلا "، و " ما زيد بأخيك ولا صاحبك "، والوجه فيه الجر. لأنك تريد أن تشرك بين الخبرين، وليس ينقض إجراؤه عليه المعنى، وأن يكون آخره على أوله أولى؛ ليكون حالهما في الباء سواء، كحالهما في غير الباء مع قربه منه).
قال أبو سعيد: معنى ذلك أنك إذا قلت: " ليس زيد بجبان ولا بخيلا "، جاز النصب في " بخيل "، والجر أيضا، غير أن الجر أجود لأن معناهما واحد ولفظ الخبر مطابق للفظ الأول، وإذا تطابق اللفظان مع تساوي المعنيين، كان أفصح من تخالف اللفظين، والعرب تختار مطابقة الألفاظ، وتحرص عليها، وتختار حمل الشيء على ما يجاوره، حتى قالوا: " جحر ضبّ خرب " فجروا " خربا "، وهو نعت " للجحر " لمجاورة " الضّب "، فكذلك إذا قلت: " ليس زيد بجبان ولا بخيل "، فأقرب الأسماء من " بخيل " هو اسم مجرور، والحمل عليه أولى من النصب على المعنى؛ إذ كان معنى النصب والجر واحدا وقال الشاعر في بيت أنشده سيبويه في جواز النصب على قوله عقيبة الأسدي:
معاوي إنّنا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا (٢)
فحمله على موضع الباء لو لم تكن، كأنه قال: فلسنا الجبال ولا الحديدا.
والباء زائدة. وهذا البيت أيضا يروى مع أبيات سواه على الجر. منها:
стр. 344
أكلتم أرضنا فجزرتموها ... فهل من قائم أو من حصيد
ومن روى البيت بالنصب أنشد الأبيات منصوبة، ولم يرو هذا البيت المجرور.
قال سيبويه بعد إنشاده البيت: (لأن الباء دخلت على شيء لو لم تدخل عليه لم يخل بالمعنى، ولم يحتج إليه لو كان نصبا، ألا تراهم يقولون: " حسبك هذا وبحسبك هذا " فلم تغير الباء معنى، وجرى هذا مجراه قبل أن تدخل الباء؛ لأن " بحسبك " في موضع ابتداء).
وهذا بيّن؛ لأن الباء إذا كانت زائدة، فكأنها ليست في الكلام، فجاز حمل الثاني على الأول، وكأن الباء ليست فيه.
قال: (ومثل ذلك قول لبيد:
فإن لم تجد من دون عدنان والدا ... ودون معدّ فلتزعك العواذل) (١)
وكان الوجه أن يقول: " ودون معدّ "، عطفا على " من دون عدنان "، ولكنه نصبه على الموضع، كأنه قال: فإن لم تجد دون عدنان.
فإن قلت: " ما زيد على قومنا ولا عندنا "، كان النصب في " عندنا " لا غير، ولا يجوز " ولا عندنا " حملا على " قومنا "؛ لأن " عند " لا يجوز أن تدخل عليها " على ". لا تقول: " زيد على عندنا "، ولا تستعمل " عند " إلا ظرفا ولا يدخل عليها من حروف الجر إلا " من ".
قال: (وتقول: " أخذتنا بالجود وفوقه "؛ لأنه ليس في كلامهم وبفوقه).
ومعنى هذا الكلام: أخذتنا السماء بالجود من المطر، وبمطر فوق الجود، ولم يجز جر " فوق " عطفا على " الجود "؛ لأن العرب لا تكاد تدخل الباء على " فوق "؛ لا يقولون:
" أخذتنا بفوق الجود " إنما يقولون: " أخذتنا بمطر فوق الجود "، ولو جررت لجاز، وليس الاختيار. ثم أنشد بيتين في مثل معنى البيت المتقدم وهو قول كعب بن جعيل:
إلا حيّ ندماني عمير بن عامر ... إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدا (٢)
فنصب " غدا "، ولم يعطفه على اليوم، كأنه قال: " إذا ما " تلاقينا اليوم أو غدا. وقال
стр. 345
العجاج:
كشحا طوى من بلد مختارا ... من يأسة اليائس أو حذارا (١)
وكان الأجود أن يقول: أو حذار، ولكنه حمله على موضع " من " كأنه قال: يأسة اليائس، وهذا مفعول له كقولك: " انصرفت عن زيد يأسا " أي من " يأس " أو " ليأس ".
قال: (وتقول: " ما زيد كعمرو ولا شبيها به " و " ما عمرو كخالد ولا مفلحا ":
النصب في هذا جيد؛ لأنك إنما أردت: ما هو مثل فلان، ولا مفلحا. هذا معنى الكلام. فإن أردت أن تقول: ولا بمنزلة
من يشبهه جررت، وذلك نحو قولك: " ما أنت كزيد ولا شبيه به " فإنما أردت ولا كشبيه به).
قال أبو سعيد: إذا قلت: " ما زيد كعمرو ولا شبيها به "، فمعناه: ما زيد كعمرو، وما زيد شبيها بعمرو. وإذا قلت: " ما عمرو كخالد ولا مفلحا "، فمعناه: ولا عمرو مفلحا. " فشبيها "، و " مفلحا " عطف على موضع " الكاف "، وموضعها منصوب بخبر " ما ".
وإذا قلت: " ما زيد كعمرو ولا شبيه به " فمعناه: ما زيد كعمرو ولا كشبيه بعمرو، فقد أثبت لعمرو شبيها، ثم نفيت عن " زيد " شبه عمرو، وشبه شبيهه.
قال سيبويه: (فإذا قال قائل: " ما أنت بزيد ولا قريبا منه " فإنه ليس ها هنا معنى للباء، لم يكن قبل أن تجيء بها، وأنت إذا ذكرت الكاف تمثل).
يريد أنك إذا قلت: " ما أنت بزيد ولا قريبا منه أو ولا قريب منه " فالمعنى واحد، ويجوز الجر والنصب، وإن كان الجر أجود لما ذكرنا أن الباء زائدة في قولك: " بزيد "، وإذا قلت: " ما زيد كعمرو " فالكاف دخلت للتشبيه. فإذا قلت: " ولا شبيه به "، فخفضت، فكأنك قلت: " ولا كشبيه بعمرو " فأثبت له شبيها. وإذا نصبت " شبيها " فمعناه: ولا زيد شبيها به.
قال سيبويه: (وإن شئت قلت: " ما أنت بزيد ولا قريبا منه "، فجعلت " قريبا " ظرفا).
وإذا جعلته ظرفا لم يكن فيه إلا النصب كأنك قلت: " ما أنت بزيد ولا خلف زيد ".
стр. 346
وقال الأخفش: والفصل بين الجر والنصب في قولك: " ما أنت كزيد، ولا شبيها به " أنك إذا جررت " الشبيه "، فقد أثبت شبيها، وإذا نصبت لم تثبت هاهنا شبيها بزيد وقد بينا هذا.
هذا باب الإضمار في " ليس " و " كان " كالإضمار في " إنّ "
(إذا قلت: " إنه من يأتنا نأته "، و " إنه أمة الله ذاهبة " فمن ذلك قول العرب:
" ليس خلق الله مثله "، فلولا أن فيه إضمارا، لم يجز أن تذكر الفعل، ولم تعمله في اسم، ولكن فيه من الإضمار مثل ما في " إنه " وسوف نبين حال هذا الإضمار، وكيف هو إن شاء الله تعالى).
قال أبو سعيد: اعلم أن كل جملة فهي حديث أمر وشأن، والعرب قد تقدم قبل الجمل ضمير الأمر والشأن، ثم تأتي
بالجملة، فتكون الجملة هي خبر الأمر والشأن؛ لأن الجملة هي الأمر والشأن وهذا الذي يسميه الكوفيون المجهول. فمن ذلك قولهم: " إنه أمة الله ذاهبة " و " إنه زيد ذاهب ". " فالهاء " ضمير الأمر و " زيد ذاهب " مبتدأ، وخبره في موضع خبر الأمر والشأن، و " إنه من يأتنا نأته "، و " إنه قام عبد الله ". فالهاء في هذه المواضع هي الاسم، وما بعدها من الجملة خبر، ولا يجوز حذفها إلا في الشعر، لا يجوز أن تقول: " إن زيد ذاهب " على معنى: إنه زيد ذاهب في الكلام. وقد جاء في الشعر. قال الشاعر:
إنّ من لام في بني بنت حسّا ... ن ألمه وأعضه في الخطوب (١)
أراد: " إنه ".
وربما جعلوا مكان ضمير الأمر والشأن ضمير القصة. فيقولون: " إنها جاريتك منطلقة "، قال الله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ (٢) تقديرها: فإن القصة: وأكثر ما يجيء إضمار القصة مع المؤنث، وإضمارها مع المذكر جائز في القياس، ومن ذلك: " كان زيد ذاهب "، و " كان قام زيد " تريد: كان الأمر والشأن زيد ذاهب. ففي " كان " ضمير
стр. 347
الأمر، والجملة التي بعدها في موضع خبر " كان ".
وأخوات " كان " بمنزلتها، كما أن أخوات " إنّ " بمنزلتها، ولم يظهر ذلك الضمير في " كان " وأخواتها؛ لأنه اسم " كان "، و " كان " فعل، فإذا أضمرناه استكنّ في الفعل.
ومن ذلك: " ظننته زيد قائم "، و " ظننته قام أبوك "، فالهاء ضمير الأمر والشأن، وهي في موضع المفعول الأول، والجملة التي بعدها في موضع المفعول الثاني.
ومن ذلك " ما هو زيد قائم "، و " ما هو قام زيد "، " فهو " ضمير الأمر والشأن، والجملة بعدها خبر " ما ". وتقول في المبتدأ: " هو زيد قائم " وإن لم يكن جرى ذكر شيء، فهو مبتدأ ضمير الأمر والشأن، والجملة التي بعدها خبر.
وقد قال جماعة من البصريين- والكسائي معهم- في قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) أن " هو " ضمير على غير مذكور، جرى كالضمير في " إنه زيد قائم ".
وقال الفراء: " هو " ضمير اسم الله تعالى، وجاز ذلك وإن لم يكن قبله ذكر، لما في النفوس من ذكره تبارك اسمه. وكان الفراء يجيز " كان قائما زيد " و " كان قائما الزيدان، والزيديون "، فيجعل " قائما " خبر ذلك الضمير، ويجعل
ما بعده مرفوعا به. وكذلك " ليس بقائم أخواك " و " ما هو بذاهب الزيدان ".
وأهل البصرة لا يجيزون أن يكون خبر ذلك الضمير اسما مفردا؛ لأن ذلك الضمير هو ضمير الجملة، فينبغي أن تأتي بالجملة كما هي، فتجعلها في موضع خبر الضمير، كما تقول: " كان زيد أخاك " فتجعل " الأخ " خبرا له؛ إذ كان " هو " هو، غير أن الاسم المفرد يتأثر فيه الإعراب: إذا كان خبرا. ولا يجيز البصريون " كان ذاهبا زيد "، إلا على ألا يكون في " كان " ضمير الأمر والشأن، ويكون " زيد " الاسم و " ذاهبا " الخبر.
وأما " ما هو بذاهب أخواك " فلا يجيزون إلا على أن يقال: " ما هو بذاهبين أخواك " فيثنون، ويجعلون " أخواك " مرتفعين بالابتداء، لا بالذهاب ويجعلون الباء خبرا مقدما، وتقديره: " ما هو أخواك بذاهبين "، كما تقول: " ليس بذاهبين أخواك "، على معنى:
ليس أخواك بذاهبين.
стр. 348
ولقائل أن يقول:- وفيه نظر- وليس تقديم الباء في " ما " بالحسن.
قال أبو سعيد: ويجوز عندي " ليس بذاهب أخواك "، و " ما هو بذاهب أخواك " على أن تجعل " ذاهبا " في معنى الفعل، وترفع ما بعده به، وتجعل الجملة في موضع خبر المجهول، ولا تجعل " ذاهبا " خبرا له، ولكن تجعل " ذاهبا " في موضع ابتداء وإن كان فيه الباء، و " الأخوين " مرتفعين بفعلهما، وقد سدا مسد الخبر كما تقول: " ما ذاهب أخواك "، فترفع " ذاهبا " بالابتداء، وترفع " الأخوين " بفعلهما، وقد سدا مسد الخبر، وإنما دخلت الباء على المبتدأ في هذا الموضع لنفي الذي وجب بالحرف الذي قبله، ألا ترى أنك تقول: " ليس زيد بقائم "، فإذا استثنيت لم يجز أن تقول: " ليس زيد إلا بذاهب " لبطلان معنى النفي.
فإن قال قائل: فأجز على هذا: " ليس زيد بأبيه قائم "، على معنى " ليس زيد أبوه قائم "، كما أجزت " ليس زيد بذاهب أبواه "، على معنى " ليس زيد ذاهبا أبواه ".
قيل له: قولنا: " ليس زيد أبوه قائم "، " قائم " مع الأب خبر " ليس "، والعامل فيه الابتداء، فلا يجوز أن يبطل الابتداء بالباء وتعمله، وإذا قلنا: " ليس زيد بذاهب أخواه "، فإنما ترفع " الأخوين " بفعلهما.
فإن قال قائل: فأنت تقول: " بحسبك زيد "، فترفع " زيدا " بخبر المبتدأ، وقد دخلت الباء على " حسبك ".
قيل له: دخول الباء في " حسبك "، مع جعله مبتدأ، شاذ لا يقاس عليه، ألا ترى أنك لا تقول: " بأخيك زيد "، على
معنى " أخوك زيد "، ودخول الباء على خبر كل منفي مطرد.
ومن أصحابنا من لا يجيز البتة: " ما هو بذاهب زيد "، و " ليس بذاهب أخوك "، إذا جعلت في " ليس " ضمير الأمر والشأن؛ لأن الأمر إنما تفسيره جملة، ولا يكون في ابتداء الجمل " الباء "، فاحتج عليه بقوله تعالى: وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ (١).
فقال مجيبا عن ذلك: يجوز أن يكون " هو " ضمير التعمير؛ لأنه قد جرى ذكره في قوله: لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وقوله: " أن يعمّر " بدل من " هو "، وقد صار " هو " ضميرا للتعمير الذي قد تقدم الفعل الدال عليه، كما قال: " من كذب كان شرا له ". والمعنى: كان
стр. 349
الكذب شرا له. فاكتفى بدلالة " كذب " على إظهار الكذب.
قال سيبويه: (فلو لم يكن في " ليس " ضمير الأمر، لما جاز " ليس خلق الله مثله "؛ لأن " ليس " و " خلق " فعلان، والفعل لا يعمل في الفعل، فلا بد من اسم يرتفع به. وقال حميد الأرقط:
فأصبحوا والنّوى عالي معرّسهم ... وليس كلّ النّوى تلقي المساكين) (١)
فقوله " كل " ينتصب ب " يلقي "، و " المساكين " يرتفع ب " يلقي "، وفي " ليس " ضمير الأمر، ولو لم يكن في " ليس " ضمير الأمر لارتفع " كلّ " " بليس "، وصار " يلقي المساكين " خبر " كل "، واحتيج إلى إضمار " كل " في " يلقي "، فيصير التقدير: " وليس كل النوى يلقيه المساكين "، وهو قبيح؛ لأن حذف الهاء من الإخبار قبيح؛ ألا ترى أنه لا يحسن أن تقول:
" زيد ضربت " في معنى " زيد ضربته ".
قال: (ولا يحسن أن تحمل " المساكين " على " ليس " وقد قدمت. فجعلت الذي يعمل فيه الفعل الآخر يلي الأول، وهذا لا يحسن ولا يجوز).
يعني لا يجوز أن ترفع " المساكين "، " بليس "، وقد جعلت الذي يلي، ليس " كل "، وهو منصوب ب " يلقي "؛ لأن " كان " و " ليس " وأخواتهما لا يليهن منصوب يغيرهن، ولا يجوز أن تقول: " كانت زيدا الحمّى تأخذ "، أو " كانت زيدا تأخذ الحمى "، وذلك أن " كان " وبابها أن تعمل الرفع والنصب، فلا يجوز أن يليه إلا شيء يعمل فيه أو في موضعه، فإذا قلت: " كانت زيدا الحمى تأخذ "، فإنما تنصب " زيدا " ب " تأخذ " لا ب " كان ".
وقد احتج بعض من يجيز هذا بقول الفرزدق:
قنافذ هدّاجون حول خبائهم ... بما كان إيّاهم عطية عوّدا (٢)
وهذا البيت لا حجة فيه؛ لأنه يجوز أن يكون جعل في " كان " ضمير الأمر والشأن، وتنصب " إياهم " ب " عوّدا " وتجعل الجملة في موضع خبر للضمير الذي في " كان "، ويجوز أن تكون زائدة ويكون تقديره: " بما إياهم عطية عودا "، كما يقال: " الذي إياهم عطية
стр. 350
عوّد "، على معنى " عوّده ". ولا يجوز أن يقال: " كان عمرا زيد ضاربا " بنصب " عمرو "، وقد جعلت " ضاربا " منصوبا ب " كان ". ولكنك لو قلت: " كان عمرا زيد ضارب "، جاز.
والفرق بينهما أن المسألة الأولى ليس في " كان " ضمير الأمر والشأن، وفي هذه ضمير الأمر والشأن فإذا نصبت " عمرا "، فالذي يلي " كان " الأمر والشأن. فلم يلها منصوب يغيرها. ولو قلت: " عمرا كان زيد ضاربا " جاز؛ لأن هذا الذي قبله كان كالملغى، ولم يصر حاجزا بينهما وبين ما حكمها أن تعمل فيه:
قال سيبويه: (ومثل ذلك من الإضمار:
إذا متّ كان النّاس صنفان شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أصنع (١)
أضمر في " كان " الأمر والشأن. وقال بعضهم: " كان أنت خير منهم " على معنى كان الأمر، ومثله قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) (٢).
يعني: أن في " كاد " ضميرا من الأمر والشأن؛ لأن " كاد " فعل، و " يزيغ " فعل، ولا يعمل الفعل في الفعل.
(وقال هشام أخو ذي الرمة:
هيّ الشّفاء لدائي لو ظفرت بها ... وليس منها شفاء الدّاء مبذول) (٣)
معناه: ليس الأمر.
وقال: (وليس يجوز هذا في " ما " في لغة أهل الحجاز).
يعني أنه لا يجوز أن تقول: " ما زيد قائم "، وتجعل في " ما " ضمير القصة والشأن مستكنا، لأنها ليست بفعل ليستكن فيها الضمائر.
قال سيبويه: (ولا يجوز أيضا في لغتهم أن تقول: " ما زيدا عبد الله ضاربا " و " ما زيدا أنا قاتلا "؛ لأنه لا يستقيم في " ما " كما لم يستقم أن تقدم في " كان وليس " ولا يجوز أن تقدم في " كان " و " ليس " ما يعمل فيه الآخر).
يعني: لا يجوز أن يلي " ما " منصوب بغيرها. على لغة أهل الحجاز، لأنهم يجعلونها
стр. 351
بمنزلة " ليس "، وقد قدمنا في " ليس " أنه لا يجوز أن يليها منصوب بغيرها. وأما على لغة بني تميم فجائز أن تقول: " ما زيدا أنا ضارب "؛ لأنهم لا يعملونها فتصير بمنزلة قولك:
" أما زيدا فأنا ضارب "، وكقولك في المبتدأ: " زيدا أنا ضارب ".
وقال مزاحم العقيلي:
وقالوا تعرّفها المنازل من منّي ... وما كلّ من وافى منّي أنا عارف (١)
وقال بعضهم:
وما كلّ من وافى مني أنا عارف
لزم اللغة الحجازية، فرفع كأنه قال: " ليس عبد الله أنا عارف ".
قال: (فأضمر الهاء في " عارف "، وكان الوجه: أنا عارفه، حيث لم يعمل " عارف " في " كل "، وكان هذا أحسن من التقديم والتأخير؛ لأنهم يدعون هذه الهاء في كلامهم وفي الشعر كثيرا، وليس ذلك في شيء من كلامهم، ولا يكاد يكون ذلك في شعر، وسترى ذلك إن شاء الله تعالى).
واعلم بأن البيت يروى بنصب " كل "، وبرفعه.
فأما من نصب " كلا "، فقد جعل " ما " تميمية، وأبطل عملها، ونصب " كلا " " بعارف ". ومن رفع " كلا "، جعل " كلا " اسم " ما "، على لغة أهل الحجاز، ورفع " كلا " ب " ما "، وجعل " أنا عارف " في موضع الخبر، وأضمر الهاء في " عارف "، حتى يكون في الجملة ما يعود على الاسم، فيصح أن يكون خبرا، كأنه قال: " أنا عارف "، وفي لغة بني تميم إذا رفع " كل "، رفع بالابتداء، و " أنا عارف خبر وفيه الهاء.
وقوله: (وكان هذا أحسن من التقديم والتأخير).
يعني: أن رفع " كل " ب " ما " على لغة أهل الحجاز، وإضمار الهاء في خبرها أحسن من أن ينصب " كلا " ب " عارف " في لغتهم فيولي " ما " منصوبا بغير " هاء "؛ لأن حذف إضمار الهاء من الخبر كثير، وليس إيلاء " الناصب " منصوبا بغيره في شيء من الكلام.
وسترى حذف الهاء من الخبر- فيما بعد- إن شاء الله تعالى.
стр. 352
هذا باب ما عمل عمل الفعل فلم يجر مجراه ولم يتمكّن تمكنه
قال سيبويه: (وذلك قولك: " ما أحسن عبد الله ". زعم الخليل أنه بمنزلة قولك: " شيء أحسن عبد الله "، ودخله معنى التعجب وهذا تمثيل فلم يتكلم به).
قال أبو سعيد: أعلم أن التعجب من الشيء أن يكون زائدا في معنى ما تعجب منه على غيره نادرا في بابه؛ لأن فيه تفضيلا. ولا يجوز أن يقال " لزيد "، إذا كان في أول مراتب الحسن " ما أحسن زيدا "؛ لأنه لا تفضيل فيه. فإذا قالوا: " ما أحسن زيدا "، " فما " عند سيبويه اسم مبتدأ غير موصولة، و " أحسن " خبر " ما "، وفي " أحسن " ضمير من " ما " وهو فاعل " أحسن "؛ لأن " أحسن " فعل، و " زيدا " مفعول " أحسن "، وهو بمنزلة قولك في الإعراب: " زيد أكرم عبد الله ".
وقد مثّل الخليل " ما " بشيء، كأنك قلت: " شيء أحسن " عبد الله، ومعنى: أحسن أي حسنه، وأصاره إلى هذا الحسن. ولو قلت: " شيء أحسن عبد الله " لم يكن فيه تعجب؛ لأن " شيء " اسم غير مبهم، و " ما " مبهمة، وإنما وضعت للتعجب من قبل إبهامها؛ لأن المتعجب منظم للأمر، وكأنه إذا قال: " ما أحسن عبد الله "، فقد جعل الأشياء التي يقع بها الحسن متكاملة في عبد الله، فلا يصلح ذلك إلا بلفظ مبهم. ولو قال:
" شيء أحسن عبد الله "، كان قد قصر حسنه على جهة دون سائر جهان الحسن.
وقد أنكر بعض الناس على الخليل قوله أن: " ما أحسن عبد الله " بمنزلة " شيء أحسن عبد الله " فقال: يلزمه في هذا أن يكون قولنا: " ما أعظم الله " بمنزلة " شيء أعظم الله ".
وليس هذا الاعتراض بشيء؛ لأنه يتوجه الجواب عنه من ثلاثة أوجه:
منها: أن يقال: قولنا: " ما أعظم الله " بمنزلة شيء أعظم الله، وذلك الشيء يعني به من يعظمه من عباده؛ لأن عباده
يعظمونه.
والوجه الثاني: أن يعني بذلك الشيء، ما دل خلقه المعتبرين على أنه عظيم، من عجائب خلق السموات والأرض وما بينهما من الأفلاك والكواكب والجبال والبحار والحيوان والنبات.
والوجه الثالث: أن يقال: شيء أعظم الله تعالى، ويرجع بذلك الشيء إليه فيكون بنفسه عظيما، لا بشيء جعله عظيما، فرقا بينه وبين خلقه؛ لأن العظيم من خلقه قد
стр. 353
عظّمه غيره، فصار بما عظموه عظيما، وهو ﵎ عظيم، لا بأحد أصاره إلى العظمة.
وفيه وجه رابع: وهو أن الألفاظ الجارية منا على معان، لا تجوز على الله تعالى، فإذا رأينا تلك الألفاظ مجراة عليه حملناها على ما يجوز في صفاته ويليق به. ألا ترى أن الامتحان منا والاختبار إنما هو بمنزلة التجربة، وإنما يمتحن ويختبر منا من يريد أن يقف على ما يكون، وهو غير عالم به، والله تعالى يمتحن، ويختبر ويبلو بمعنى الأمر، لا بمعنى التجربة، وهو عالم بما يكون.
ومن ذلك أن " لعل " يستعمله المستعمل منا عند الشك، وإذا جرى في كلام الله، فإنما هو بمعنى " كي " و " كي " يقع بعدها الفعل الذي هو غرض ما قبله كقوله تعالى:
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١) معناه: كي تفلحوا. فالفلاح هو الغرض الذي من أجله أمرهم بالتوبة. ومثل هذا كثير.
فيكون قولنا في الله: " ما أعلمه، وما أعظمه " بمنزلة الإخبار منا بأنه عظيم، ولا يقدر فيه شيء أعظمه، وإن كان تقديره في غيره على ما ذكرنا من الجواب الرابع.
وقال الفراء ومن تابعه من الكوفيين: إن قولنا: " ما أحسن عبد الله "، أصله " ما أحسن عبد الله "، وأن " أحسن " اسم كان مضافا إلى " عبد الله "، وكان المعنى فيه الاستفهام. ثم إنهم عدلوا عن الاستفهام إلى الخبر، فغيروا " أحسن " ففتحوه، ونصبوا " عبد الله "، فرقا بين الخبر والاستفهام.
وهذا قول لا دليل عليه، وهو أيضا يفسد؛ لأنه يقال: بأي شيء نصبت أحسن، و " ما " هي مبتدأه، و " أحسن " خبرها، وهو اسم، وحكم الاسم المبتدأ إذا كان خبره اسما مفردا أن يكون مرفوعا مثله، والتفريق بين المعاني لا يوجب إزالة الإعراب عن وجهه، ومن ذلك أنا نقول: " ما أحسن بالرجل أن يصدق "، ولو كان أصله الإضافة لم يفصل بين المضاف والمضاف إليه " بالياء "، ألا ترى أنا نقول: " ما أحسن بالرجل الصدق ".
واحتج القائل بأن " أحسن " اسم بقول العرب: " ما أحيسن زيدا " كما قال الشاعر:
стр. 354
يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا ... من هؤليّئكنّ الضّال والسّمر (١)
فصغر أملح، والفعل لا يصغر.
واحتج أيضا بقولهم: " ما أقوم زيدا " ولو كان فعلا لم تصح الواو: ألا ترى أنك تقول: " أقام يقيم " ولا تقول: " أقوم يقوم ".
والجواب عن هذا: أن " أحسن " في التعجب، وإن كان فعلا، فقد أشبه الاسم؛ للزومه لفظ الماضي، وقلة تصرفه، ولأن معنى: " ما أحسن زيدا " ومذهب التعجب فيه- كمعنى: زيد أحسن من غيره، وزيد أقوم من غيره. وقولنا: " أحسن من غيره "، هو اسم فيه معنى التعجب والتفضيل فلما كان " ما أحسن زيدا " زائلا عن تصرف الفعل، مشبها للاسم في لزومه لفظا واحدا، حمل على الاسم الذي هو نظيره في جواز التصغير، وترك الإعلال.
وكان الأخفش يجعل " ما " بمنزلة " الذي "، ويجعل " أحسن " صلة لها، وفي " أحسن " ضمير " ما "، و " عبد الله " مفعول " أحسن "، والجميع في صلة " ما " والخبر محذوف، كأنه قال: " الذي أحسن عبد الله فيه ".
وأنكر سيبويه هذا، وذكر أن " ما " غير موصولة.
فقال الأخفش: إنما تكون " ما " غير موصولة في الاستفهام والمجازاة. فالاستفهام قولك: " ما عندك؟ " والمجازاة قولك: " ما تفعل أفعل "، وإذا كانت في الخبر فهي بمعنى " الذي " موصولة كقولك: " ركبت ما عندك " و " شربت ما أصلحته " أي ركبت الذي عندك، وشربت الذي أصلحته، قال: والتعجب خبر، فينبغي أن يكون " ما " فيه موصولة.
فقال سيبويه: العلة التي من أجلها كانت " ما " في الاستفهام والمجازاة غير موصولة، هي بعينها موجودة في التعجب؛ وذلك أن المستفهم إنما يستفهم عما لا يعرف، فلو وصل " ما " لأوضح، واستغنى عن الاستفهام. والمجازى إنما يريد أن يعمّ ولو وصل لحصل على شيء بعينه، فاستغنى عن الصلة، والمتعجب مبهم فلا يصح أن يصل " ما " فيخرج عن الإبهام؛ لأن الصلة إيضاح وتبيين.
وقد جاءت " ما " غير موصولة في الخبر كقولك: " غسلته غسلا نعمّا " يريد: نعم
стр. 355
الغسل، فجعل " ما " بمنزلة الغسل ولم يصلها، لأن " نعم " إنما يليها المبهم، فجعل " ما " بعدها غير موصولة. ومن ذلك قول العرب: " إني مما أن أصنع " أي من الأمر أن أصنع، فجعل " ما " وحدها في موضع الأمر ولم يصلها بشيء، وتقدير الكلام إني من الأمر صنعى. كذا ... وكذا ... ؛ فالياء اسم " إن " و " صنعي " مبتدأ، و " من الأمر " خبر صنعي والجملة، في موضع خبر " إن ".
قال سيبويه: (ولا يجوز أن تقدم " عبد الله " وتؤخر " ما " ولا تزيل شيئا عن موضعه، فلا تقول فيه: " ما يحسن "، ولا شيئا مما يكون في الأفعال سوى هذا).
قال أبو سعيد: يعني لا تقول: " عبد الله ما أحسن "، ولا " ما عبد الله أحسن " كما تقول: " عمرا زيد أكرم "، و " زيد عمرا أكرم "؛ لضعف فعل التعجب، إذا فصلت بين فعل التعجب وبين المتعجب منه. وكثير من أصحابنا يجيز ذلك منهم: الجرمي، وكثير منهم يأباه؛ منهم: الأخفش، وأبو العباس المبرد، وذلك قولك: " ما أحسن في الدار زيدا ".
فاحتج الذين لم يجيزوه بأن قالوا: التعجب كالمثل، والألفاظ فيه مقصورة على منهاج واحد، وإن كان يجوز في غيره من العربية تغيير مثله، وتقديمه، وتأخيره، فلما جاء كالمثل- والأمثال لا تغير- لم يغير.
واحتج الذين أجازوا الفصل بأن قالوا: رأينا " إن " حرفا مشبها بالفعل، ورأينا فعل التعجب فعلا ناقص العمل والتصرف، وليس يبلغ من نقصان تصرفه أن يصير أضعف من " إن " التي ليست بفعل، وقد رأينا الفصل في " إن " جائزا بينها وبين الاسم بالظروف في قولك: " إن فيها زيدا " فكذلك قولك: " ما أحسن فيها زيدا "، ويدل على جواز ذلك أيضا قولهم: " ما أحسن بالرجل أن يصدق "، وتقديره: ما أحسن بالرجل الصدق، وقد فصل بين " أحسن "، وبين " الرجل " بالباء.
وقول سيبويه: (ولا تزيل شيئا عن موضعه).
إنما أراد أنك تقدم " ما " وتوليها الفعل، ويكون الاسم المتعجب منه بعد الفعل، ولم يعرض الفصل بين الفعل والمتعجب منه.
ولا يجوز التعجب بلفظ المستقبل، لأنه مدح، وإنما يمدح الإنسان بما عرف به، وثبت فيه.
قال سيبويه: (وبناؤه أبدا من فعل، وفعل، وفعل، وأفعل).