بمنزلة " ليس "، وقد قدمنا في " ليس " أنه لا يجوز أن يليها منصوب بغيرها. وأما على لغة بني تميم فجائز أن تقول: " ما زيدا أنا ضارب "؛ لأنهم لا يعملونها فتصير بمنزلة قولك:
" أما زيدا فأنا ضارب "، وكقولك في المبتدأ: " زيدا أنا ضارب ".
وقال مزاحم العقيلي:
وقالوا تعرّفها المنازل من منّي ... وما كلّ من وافى منّي أنا عارف (١)
وقال بعضهم:
وما كلّ من وافى مني أنا عارف
لزم اللغة الحجازية، فرفع كأنه قال: " ليس عبد الله أنا عارف ".
قال: (فأضمر الهاء في " عارف "، وكان الوجه: أنا عارفه، حيث لم يعمل " عارف " في " كل "، وكان هذا أحسن من التقديم والتأخير؛ لأنهم يدعون هذه الهاء في كلامهم وفي الشعر كثيرا، وليس ذلك في شيء من كلامهم، ولا يكاد يكون ذلك في شعر، وسترى ذلك إن شاء الله تعالى).
واعلم بأن البيت يروى بنصب " كل "، وبرفعه.
فأما من نصب " كلا "، فقد جعل " ما " تميمية، وأبطل عملها، ونصب " كلا " " بعارف ". ومن رفع " كلا "، جعل " كلا " اسم " ما "، على لغة أهل الحجاز، ورفع " كلا " ب " ما "، وجعل " أنا عارف " في موضع الخبر، وأضمر الهاء في " عارف "، حتى يكون في الجملة ما يعود على الاسم، فيصح أن يكون خبرا، كأنه قال: " أنا عارف "، وفي لغة بني تميم إذا رفع " كل "، رفع بالابتداء، و " أنا عارف خبر وفيه الهاء.
وقوله: (وكان هذا أحسن من التقديم والتأخير).
يعني: أن رفع " كل " ب " ما " على لغة أهل الحجاز، وإضمار الهاء في خبرها أحسن من أن ينصب " كلا " ب " عارف " في لغتهم فيولي " ما " منصوبا بغير " هاء "؛ لأن حذف إضمار الهاء من الخبر كثير، وليس إيلاء " الناصب " منصوبا بغيره في شيء من الكلام.
وسترى حذف الهاء من الخبر- فيما بعد- إن شاء الله تعالى.
стр. 352
هذا باب ما عمل عمل الفعل فلم يجر مجراه ولم يتمكّن تمكنه
قال سيبويه: (وذلك قولك: " ما أحسن عبد الله ". زعم الخليل أنه بمنزلة قولك: " شيء أحسن عبد الله "، ودخله معنى التعجب وهذا تمثيل فلم يتكلم به).
قال أبو سعيد: أعلم أن التعجب من الشيء أن يكون زائدا في معنى ما تعجب منه على غيره نادرا في بابه؛ لأن فيه تفضيلا. ولا يجوز أن يقال " لزيد "، إذا كان في أول مراتب الحسن " ما أحسن زيدا "؛ لأنه لا تفضيل فيه. فإذا قالوا: " ما أحسن زيدا "، " فما " عند سيبويه اسم مبتدأ غير موصولة، و " أحسن " خبر " ما "، وفي " أحسن " ضمير من " ما " وهو فاعل " أحسن "؛ لأن " أحسن " فعل، و " زيدا " مفعول " أحسن "، وهو بمنزلة قولك في الإعراب: " زيد أكرم عبد الله ".
وقد مثّل الخليل " ما " بشيء، كأنك قلت: " شيء أحسن " عبد الله، ومعنى: أحسن أي حسنه، وأصاره إلى هذا الحسن. ولو قلت: " شيء أحسن عبد الله " لم يكن فيه تعجب؛ لأن " شيء " اسم غير مبهم، و " ما " مبهمة، وإنما وضعت للتعجب من قبل إبهامها؛ لأن المتعجب منظم للأمر، وكأنه إذا قال: " ما أحسن عبد الله "، فقد جعل الأشياء التي يقع بها الحسن متكاملة في عبد الله، فلا يصلح ذلك إلا بلفظ مبهم. ولو قال:
" شيء أحسن عبد الله "، كان قد قصر حسنه على جهة دون سائر جهان الحسن.
وقد أنكر بعض الناس على الخليل قوله أن: " ما أحسن عبد الله " بمنزلة " شيء أحسن عبد الله " فقال: يلزمه في هذا أن يكون قولنا: " ما أعظم الله " بمنزلة " شيء أعظم الله ".
وليس هذا الاعتراض بشيء؛ لأنه يتوجه الجواب عنه من ثلاثة أوجه:
منها: أن يقال: قولنا: " ما أعظم الله " بمنزلة شيء أعظم الله، وذلك الشيء يعني به من يعظمه من عباده؛ لأن عباده
يعظمونه.
والوجه الثاني: أن يعني بذلك الشيء، ما دل خلقه المعتبرين على أنه عظيم، من عجائب خلق السموات والأرض وما بينهما من الأفلاك والكواكب والجبال والبحار والحيوان والنبات.
والوجه الثالث: أن يقال: شيء أعظم الله تعالى، ويرجع بذلك الشيء إليه فيكون بنفسه عظيما، لا بشيء جعله عظيما، فرقا بينه وبين خلقه؛ لأن العظيم من خلقه قد
стр. 353
عظّمه غيره، فصار بما عظموه عظيما، وهو ﵎ عظيم، لا بأحد أصاره إلى العظمة.
وفيه وجه رابع: وهو أن الألفاظ الجارية منا على معان، لا تجوز على الله تعالى، فإذا رأينا تلك الألفاظ مجراة عليه حملناها على ما يجوز في صفاته ويليق به. ألا ترى أن الامتحان منا والاختبار إنما هو بمنزلة التجربة، وإنما يمتحن ويختبر منا من يريد أن يقف على ما يكون، وهو غير عالم به، والله تعالى يمتحن، ويختبر ويبلو بمعنى الأمر، لا بمعنى التجربة، وهو عالم بما يكون.
ومن ذلك أن " لعل " يستعمله المستعمل منا عند الشك، وإذا جرى في كلام الله، فإنما هو بمعنى " كي " و " كي " يقع بعدها الفعل الذي هو غرض ما قبله كقوله تعالى:
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١) معناه: كي تفلحوا. فالفلاح هو الغرض الذي من أجله أمرهم بالتوبة. ومثل هذا كثير.
فيكون قولنا في الله: " ما أعلمه، وما أعظمه " بمنزلة الإخبار منا بأنه عظيم، ولا يقدر فيه شيء أعظمه، وإن كان تقديره في غيره على ما ذكرنا من الجواب الرابع.
وقال الفراء ومن تابعه من الكوفيين: إن قولنا: " ما أحسن عبد الله "، أصله " ما أحسن عبد الله "، وأن " أحسن " اسم كان مضافا إلى " عبد الله "، وكان المعنى فيه الاستفهام. ثم إنهم عدلوا عن الاستفهام إلى الخبر، فغيروا " أحسن " ففتحوه، ونصبوا " عبد الله "، فرقا بين الخبر والاستفهام.
وهذا قول لا دليل عليه، وهو أيضا يفسد؛ لأنه يقال: بأي شيء نصبت أحسن، و " ما " هي مبتدأه، و " أحسن " خبرها، وهو اسم، وحكم الاسم المبتدأ إذا كان خبره اسما مفردا أن يكون مرفوعا مثله، والتفريق بين المعاني لا يوجب إزالة الإعراب عن وجهه، ومن ذلك أنا نقول: " ما أحسن بالرجل أن يصدق "، ولو كان أصله الإضافة لم يفصل بين المضاف والمضاف إليه " بالياء "، ألا ترى أنا نقول: " ما أحسن بالرجل الصدق ".
واحتج القائل بأن " أحسن " اسم بقول العرب: " ما أحيسن زيدا " كما قال الشاعر:
стр. 354
يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا ... من هؤليّئكنّ الضّال والسّمر (١)
فصغر أملح، والفعل لا يصغر.
واحتج أيضا بقولهم: " ما أقوم زيدا " ولو كان فعلا لم تصح الواو: ألا ترى أنك تقول: " أقام يقيم " ولا تقول: " أقوم يقوم ".
والجواب عن هذا: أن " أحسن " في التعجب، وإن كان فعلا، فقد أشبه الاسم؛ للزومه لفظ الماضي، وقلة تصرفه، ولأن معنى: " ما أحسن زيدا " ومذهب التعجب فيه- كمعنى: زيد أحسن من غيره، وزيد أقوم من غيره. وقولنا: " أحسن من غيره "، هو اسم فيه معنى التعجب والتفضيل فلما كان " ما أحسن زيدا " زائلا عن تصرف الفعل، مشبها للاسم في لزومه لفظا واحدا، حمل على الاسم الذي هو نظيره في جواز التصغير، وترك الإعلال.
وكان الأخفش يجعل " ما " بمنزلة " الذي "، ويجعل " أحسن " صلة لها، وفي " أحسن " ضمير " ما "، و " عبد الله " مفعول " أحسن "، والجميع في صلة " ما " والخبر محذوف، كأنه قال: " الذي أحسن عبد الله فيه ".
وأنكر سيبويه هذا، وذكر أن " ما " غير موصولة.
فقال الأخفش: إنما تكون " ما " غير موصولة في الاستفهام والمجازاة. فالاستفهام قولك: " ما عندك؟ " والمجازاة قولك: " ما تفعل أفعل "، وإذا كانت في الخبر فهي بمعنى " الذي " موصولة كقولك: " ركبت ما عندك " و " شربت ما أصلحته " أي ركبت الذي عندك، وشربت الذي أصلحته، قال: والتعجب خبر، فينبغي أن يكون " ما " فيه موصولة.
فقال سيبويه: العلة التي من أجلها كانت " ما " في الاستفهام والمجازاة غير موصولة، هي بعينها موجودة في التعجب؛ وذلك أن المستفهم إنما يستفهم عما لا يعرف، فلو وصل " ما " لأوضح، واستغنى عن الاستفهام. والمجازى إنما يريد أن يعمّ ولو وصل لحصل على شيء بعينه، فاستغنى عن الصلة، والمتعجب مبهم فلا يصح أن يصل " ما " فيخرج عن الإبهام؛ لأن الصلة إيضاح وتبيين.
وقد جاءت " ما " غير موصولة في الخبر كقولك: " غسلته غسلا نعمّا " يريد: نعم
стр. 355
الغسل، فجعل " ما " بمنزلة الغسل ولم يصلها، لأن " نعم " إنما يليها المبهم، فجعل " ما " بعدها غير موصولة. ومن ذلك قول العرب: " إني مما أن أصنع " أي من الأمر أن أصنع، فجعل " ما " وحدها في موضع الأمر ولم يصلها بشيء، وتقدير الكلام إني من الأمر صنعى. كذا ... وكذا ... ؛ فالياء اسم " إن " و " صنعي " مبتدأ، و " من الأمر " خبر صنعي والجملة، في موضع خبر " إن ".
قال سيبويه: (ولا يجوز أن تقدم " عبد الله " وتؤخر " ما " ولا تزيل شيئا عن موضعه، فلا تقول فيه: " ما يحسن "، ولا شيئا مما يكون في الأفعال سوى هذا).
قال أبو سعيد: يعني لا تقول: " عبد الله ما أحسن "، ولا " ما عبد الله أحسن " كما تقول: " عمرا زيد أكرم "، و " زيد عمرا أكرم "؛ لضعف فعل التعجب، إذا فصلت بين فعل التعجب وبين المتعجب منه. وكثير من أصحابنا يجيز ذلك منهم: الجرمي، وكثير منهم يأباه؛ منهم: الأخفش، وأبو العباس المبرد، وذلك قولك: " ما أحسن في الدار زيدا ".
فاحتج الذين لم يجيزوه بأن قالوا: التعجب كالمثل، والألفاظ فيه مقصورة على منهاج واحد، وإن كان يجوز في غيره من العربية تغيير مثله، وتقديمه، وتأخيره، فلما جاء كالمثل- والأمثال لا تغير- لم يغير.
واحتج الذين أجازوا الفصل بأن قالوا: رأينا " إن " حرفا مشبها بالفعل، ورأينا فعل التعجب فعلا ناقص العمل والتصرف، وليس يبلغ من نقصان تصرفه أن يصير أضعف من " إن " التي ليست بفعل، وقد رأينا الفصل في " إن " جائزا بينها وبين الاسم بالظروف في قولك: " إن فيها زيدا " فكذلك قولك: " ما أحسن فيها زيدا "، ويدل على جواز ذلك أيضا قولهم: " ما أحسن بالرجل أن يصدق "، وتقديره: ما أحسن بالرجل الصدق، وقد فصل بين " أحسن "، وبين " الرجل " بالباء.
وقول سيبويه: (ولا تزيل شيئا عن موضعه).
إنما أراد أنك تقدم " ما " وتوليها الفعل، ويكون الاسم المتعجب منه بعد الفعل، ولم يعرض الفصل بين الفعل والمتعجب منه.
ولا يجوز التعجب بلفظ المستقبل، لأنه مدح، وإنما يمدح الإنسان بما عرف به، وثبت فيه.
قال سيبويه: (وبناؤه أبدا من فعل، وفعل، وفعل، وأفعل).
стр. 356
قال أبو سعيد يعني: أن فعل التعجب لا يكون إلا فعلا، أصله قبل التعجب فعل، كقولك: " ما أضرب زيدا، و " أشتم عمرا للناس "، وأصله، ضرب وشتم، و " ما أعلم زيدا، وأسمعه "، وأصله: علم وسمع. و " ما أظرف زيدا "، وأصله: ظرف، و " ما أعطى زيدا "، وأصله: أعطى.
وإنما كان الفعل التعجب مما أصله هذه الأفعال لأنها تحتمل زيادة الهمزة نحو:
خرج وأخرجه غيره، وسمع وأسمعه غيره، فلا تصح زيادة هذه الهمزة إلا في أول الأفعال الثلاثية.
وأما قولك: " ما أعطى زيدا "، وأصله أعطى، فإن الهمزة التي في " أعطى " قبل التعجب زائدة؛ لأنه من " عطا يعطو " إذا تناول، فحذفوا هذه الهمزة الزائدة فصار " عطا "، ثم زادوا الهمزة التي للتعجب.
وأما سائر الأفعال فلا تحتمل صيغتها زيادة الهمزة في أولها نحو: انطلق، واستغفر، واحمر، وقاتل، وما أشبه ذلك.
قال سيبويه: (هذا؛ لأنهم لم يريدوا أن يتصرف، فجعلوا له مثالا واحدا يجري عليه).
يعني: لما لم يتصرف فعل التعجب، جعلوا له مثالا واحدا يجري عليه، وإن كان قد يستعمل في باب النقل غيره، ألا ترى أنك تقول:
" عرف زيد عمرا وعرفته "، و " علم كذا "، " وأعلمته إياه ". فالنقل قد يكون بتشديد العين. كما يكون بزيادة الهمزة في أوله، فاختاروا زيادة الهمزة في باب التعجب؛ لأنها أكثر في النقل.
قال سيبويه: (فشبه هذا بما ليس من الفعل، نحو " لات " و " ما "، وإن كان من " حسن " و " كرم " و " أعطى ").
قال أبو سعيد: يعني أن فعل التعجب وإن كان مشتقا من أفعال متصرفة، فهو غير متصرف بمنزلة " لات " و " ما " في قلة تصرفها، وقد بينا ذلك. ونظير ذلك قول العرب للصقر " هذا أجدل " مصروف بمنزلة قولهم " هذا أفكل " والأجدل مأخوذ من الجدل وهو الشدة والفتل، فصرفوه ولم يجعلوه بمنزلة " أحمر "؛ لأنه وإن كان مشتقا من الجدل، فقد صار اسما للصقر ولا يقال لغيره إذا كان شديدا أجدل.
стр. 357
قال سيبويه: (ونظير جعلهم " ما " وحدها اسما قول العرب: " إني مما أن أصنع " أي: من الأمر أن أصنع، فجعل " ما " وحدها اسما. ومثل ذلك " غسلت غسلا نعمّا " أي نعم الغسل).
وقد بينا هذا.
قال سيبويه: (وتقول: " ما كان أحسن زيدا "، فتذكر كان لتدل على أنه كان فيما مضى).
إذا قلت: " ما كان أحسن زيدا " ففي " كان " وجهان:
أحدهما: أن تكون زائدة، كأنك قلت: " ما أحسن زيدا "، ثم أدخلت " كان " لتدل على الماضي، وفي " كان " ضمير الكون على ما قدمنا في معنى " كان " إذا كانت زائدة، والوجه الثاني أن تجعل " ما " مبتدأة، وتجعل في " كان " ضميرا من " ما " وهو اسم " كان "، وتجعل " أحسن " خبر " كان "، كقولك: " زيد كان ضرب عمرا ".
قال أبو الحسن: وإن شئت جعلت " أحسن " صلة " لما "، وأضمرت الخبر، فهذا أكثر وأقيس، وقد ذكرنا هذا.
وقالوا: " ما أصبح أبردها " و " ما أمسى أدفأها " وليس هذا من كلام سيبويه، وهو غير جائز، وذلك أن الذين قالوا من النحويين: " ما أصبح أبرد الغداة " جعلوا " أصبح " بمنزلة " كان "، و " أصبح " لا تشبه " كان " في هذا الموضع من وجهين:
أحدهما: أن " أصبح " لا تكون زائدة مثل " كان ".
الوجه الثاني: أنك إذا قلت " كان " فقد دللت على ماض ولم توجب له في الحال شيئا، وإذا قلت: " أصبح "، فقد أوجبت دخوله فيه، وبقاءه عليه. ألا ترى أنك تقول:
" كان زيد غنيا "، فلا توجب له الغنى في حال إخبارك. وتقول: " أصبح زيد غنيا "، فتوجب له الدخول في الغنى والخروج عن الفقر فاعرفه- إن شاء الله تعالى-.
هذا باب الفاعلين والمفعولين اللذين كل واحد منهما يفعل بفاعله مثل الذي يفعل به وما كان نحو ذلك
قال أبو سعيد: اعلم أن من العرب إذا عطفت فعلا على فعل- وكان كل واحد من الفعلين متعلقا باسمين أو باسم واحد- فإنهم يستجيزون في ذلك ما لا يستجيزونه في
стр. 358
غيره من كلامهم. فمن ذلك أنك تقول: " قام وقعد أخوك " فأنت بالخيار إن شئت رفعت الأخ بالفعل الأول، وإن شئت رفعته بالفعل الثاني.
فإن رفعته بالفعل الأول فتقديره: قام أخوك وقعد، ويكون في " قعد " ضمير من الأخ، وإذا ثنيته، أو جمعت على هذا الوجه قلت: " قام وقعدا أخواك "، و " قام وقعدوا إخوتك "، و " قامت وقعدن الهندات "، ويكون قد جعلت الاسم الذي تعلق بالفعل الأول بعد الفعل الثاني، فقد فصلت بين الفعل الأول وفاعله بجملة. فهذا لا يجوز في كل مكان، وإن أعملت الفعل الثاني في " الأخ "، جعلت في الفعل الأول ضمير الأخ؛ لأن الفعل لا يخلو من فاعل مظهر أو مضمر. وإذا ثنيت أو جمعت على هذا الوجه قلت: " قاما وقعدا أخواك "، و " قاموا وقعدوا إخوتك "، " وقمن وقعدت الهندات "، فتضمر في الأول ضمير الفاعل قبل الذكر، وليس ذلك بمستحسن في جميع المواضع وهو هاهنا الاختيار.
وإذا كان الفعل متعديا إلى مفعول جرى هذا المجرى، فقلت: " ضربني وضربت زيدا " إن أعملت الفعل الآخر، وتجعل في " ضربني " ضمير الفاعل ولا بد من ذلك، لأن الفعل لا يخلو من فاعل. فإذا ثنيت أو جمعت- على هذا
الوجه- قلت: " ضرباني وضربت الزيدين " و " ضربوني وضربت الزيدين " و " ضربني وضربت الهندات ".
وإن أعملت الفعل الأول في هذه الوجوه، كان الاختيار أن تقول: " ضربني وضربته زيد "، لأن التقدير: ضربني زيد وضربته وضربني وضربتهما الزيدان، و " ضربني وضربتهم الزيدون "، و " ضربتني وضربتهن الهندات ".
ويجوز حذف ضمير المفعول من الفعل الثاني؛ لأن المفعول يجوز حذفه؛ لأنه كالفضلة المستغنى عنها. وقد علم أن الفعل قد وقع به، وقال الله تعالى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ على معنى والذاكراته وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ (١)، ولم يأت للفعل الثاني بمفعول اكتفاء بالأول.
وإذا قلت: " ضربت وضربني زيد " فأعملت الفعل الثاني، رفعت " زيدا " به، ولم تأت للأول بمفعول، وقد علم أنه واقع " بزيد "؛ لذكرنا في الفعل الثاني، فلم تضمره كما أضمرته حيث كان فاعلا؛ لأنهم احتملوا إضماره قبل الذكر حيث كان فاعلا؛ لأن الفعل
стр. 359
لا بد له من فاعل، وقد يستغنى عن المفعول، فلم يكن بهم ضرورة توجب إضمار المفعول قبل الذكر.
فإذا ثنيت، أو جمعت- على هذا الوجه- قلت: " ضربت وضربني الزيدان "، و " ضربت وضربني الزيدون "، " وضربت وضربتني الهندات "، فإن أعملت الفعل الأول- في هذه الوجوه- قلت: " ضربت وضربني زيدا "، وجعلت في " ضربني " ضميرا من زيد، وتقديره: ضربت زيدا، وضربني. وفي التثنية والجمع " ضربت وضرباني الزيدين " و " ضربت وضربوني الزيدين "، و " ضربت وضربني الهندات ".
وإذا كان الفعل متعديا إلى اثنين جرى على هذا المجرى، وعلى هذا القياس. وإذا تعدى إلى ثلاثة مفاعيل: فالجرمي ومن ذهب مذهبه لا يرون إجراءه على قياس هذا الباب؛ لأن هذا الباب خارج عن القياس، وإنما يستعمل فيما استعملته العرب، وتكلمت به، وما لم تتكلم به فمردود إلى القياس. ومن أصحابنا من يقيس ذلك في جميع الأفعال.
فما يتعدى إلى مفعولين، تقول: " أعطاني وأعطيت أخاك درهما "، فتجعل في " أعطاني " ضمير الأخ؛ لأنه فاعل مضطر إلى ذكره، وتحذف ضمير الدرهم؛ لأنه مفعول، وما في الفعل الثاني يدل عليه، وتعمل الفعل الثاني في الآخر.
فإذا ثني أو جمع- على هذه الوجوه- قلت: " أعطياني وأعطيت أخويك درهما "، و " أعطوني وأعطيت إخوتك
درهما "، و " أعطيتني وأعطيت الهندات درهما ".
فإذا أعملت الفعل الأول- على هذا الوجه- قلت: " أعطاني وأعطيته إياه أخوك درهما "، وتقديره: أعطاني أخوك درهما وأعطيته إياه، فالهاء ضمير الأخ، وإياه ضمير الدرهم، وقد جرى ذكرهما في التقدير فأضمرتهما لذلك، فإذا ثنيت أو جمعت قلت:
" أعطاني وأعطيتهما إياه أخواك درهما "، و " أعطاني وأعطيتهم إياه إخوتك درهما "، و " أعطتني وأعطيتهن إياه الهندات درهما ".
ويجوز حذف ضمير المفعول من الفعل الثاني على نحو ما مضى: فإذا قلت:
" أعطيت وأعطاني زيد درهما " وأعملت الفعل الثاني حذفت المفعولين من الفعل الأول، وإن كانا يرادان في المعنى؛ لأن الفعل الثاني قد دل عليهما، والمفعولان أحدهما زيد والآخر الدرهم، كأنك قلت: " أعطيت زيدا درهما، وأعطاني زيد درهما، وإذا ثنيت أو جمعت قلت: " أعطيت وأعطاني الزيدان درهما "، و " أعطيت وأعطاني الزيدون درهما "،
стр. 360
و " أعطيت وأعطتني الهندات درهما ".
وإذا أعملت الأول- على هذا الوجه- قلت: " أعطيت وأعطاني إياه زيدا درهما "، و " أعطيت وأعطياني إياه الزيدين درهما "، و " أعطيت وأعطوني إياه الزيدين درهما "، و " أعطيت وأعطينني إياه الهندات درهما "، ويجوز حذف إياه؛ لأن المفعول يستغنى عنه.
وإن كان الفعل متعديا إلى مفعولين لا يجوز الاقتصار على أحدهما، فسبيله سبيل " أعطيت " الأول إلا في الاقتصار على أحد المفعولين، تقول: " ظنني وظننت زيدا منطلقا إياه "، أعملت الفعل الثاني في " زيد "، و " منطلق "، وجعلت في الفعل الأول ضمير " زيد " وهو الفاعل، والنون والياء هما المفعول الأول من مفعولي الظن، وأنت مضطر إلى ذكر الثاني؛ لأنه لا يقتصر على أحد المفعولين فجئت به في آخر الكلام. وهو ضمير " منطلق " بعد أن جرى ذكره، ولا يجوز أن تضمر قبل ذكره؛ لأن المفعول لا يضمر قبل الذكر، وكل ما تعلق بالفعل الأول فلا يجوز أن تذكره بعد الفعل الثاني حتى يتم فاعله ومفعوله.
ولو ثنيت أو جمعت- على هذا الوجه- لم يجز؛ لأنك لو أخرته لقلت: " ظناني وظننت أخويك منطلقين إياه وإياهما " وكلاهما فاسد، وذلك أنك إذا قلت: إياه فقد جعلت ضميرا واحدا، وإذا قلت: إياهما فأضمرت المنطلقين، فقد جعلت المتكلم اثنين وهما واحد، وعلى هذا قياس جميع هذا الباب، فيما يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل.
وكان الكسائي إذا أعمل الفعل الثاني في الفاعل، أعرى الفعل الأول من الفاعل، ولم يجعل فيه ضميرا له.
وكان الفراء لا يضمر الفاعل قبل ذكره في شيء من هذه الأفعال التي ذكرنا، فأما الكسائي فإنه يقال للمحتج عنه، أخبرنا عن هذا الفعل، أتنوي فاعله أو لا تنويه؟
فإن قال: لا أنويه فقد أحال؛ لأن الفعل لا يتصور بغير فاعل، وإن قال: أنويه قلنا:
فإذا كنت تنويه قبل أن تذكره لحاجة الفعل إليه، فلم لا تأتي بالعلامة التي تكون لما ينوى من الفاعلين؟
وأما الفراء فإن قوله مخالف لكلام العرب؛ لأن الرواة قد أنشدوا قول طفيل الغنوي:
стр. 361
وكمتا مدمّاة كأنّ متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب (١)
فنصب " لونا " باستشعرت، وجعل في " جرى " ضمير فاعل، كأنه قال: جرى فوقها لون مذهب، واستشعرت لون مذهب مع ما حكاه البصريون من قول العرب: " ضربني وضربت زيدا "، واختيارهم لإعمال الفعل الثاني، وإذا أعملوا الفعل الثاني جعلوا في الأول ضمير فاعل.
قال سيبويه: مفسرا لترجمة الباب: (وهو قولك: " ضربت وضربني زيد " و " ضربني وضرب زيدا "، فحمل الاسم على الفعل الذي يليه).
قال أبو سعيد: يعني أنك تعمل الفعل الثاني وهو الاختيار عنده. وقد ذكرناه. قال سيبويه:
(والعامل في اللفظ أحد الفعلين، وأما في المعنى فقد يعلم أن الأول قد وقع، إلا أنه لا يعمل في اسم واحد رفعا ونصبا).
يعني العامل في الاسم الظاهر هو أحد الفعلين، كأنا إذا قلنا: " ضربت وضربني زيد "، فالعامل في " زيد " هو " ضربني "، وقد علم أن " ضربت " له مفعول مثل " ضربني " وإن لم يذكر، وكذلك إذا قلت: " ضربني وضربت زيدا " فالعامل في " زيد " هو " ضربت "، وفاعل " ضربني " ضمير زيد، وإن لم تظهره، فقد علم أن الفعل الأول كالفعل الثاني في وصوله إلى الفاعل والمفعول. ولا يجوز أن يكون الفعل الأول والثاني يعملان في الاسم الظاهر؛ لأن الفعل الأول يوجب نصبه، والثاني يوجب رفعه، أو الأول يوجب رفعه والثاني يوجب نصبه، ومحال أن يكون الاسم مرفوعا منصوبا.
وقد زعم الفراء أنا إذا قلنا: " قام أو قعد زيد "، فالعامل في " زيد " الفعلان جميعا.
وهذا غير جائز؛ لأنهما لو كانا عاملين في " زيد " جاز أن يبدل من أحدهما ما يوجب نصب " زيد "، فتقول: " ضربت أو ضربني زيد "، فيكونان جميعا عاملين في " زيد " وهذا فاسد.
قال سيبويه: (وإنما كان الذي يليه أولى؛ لقرب جواره، وأنه لا ينقض معنى، وأن المخاطب قد عرف أن الأول قد وقع " بزيد ").
стр. 362
يعني: أن الاختيار إعمال الثاني؛ لأنه لا فرق في المعنى بين إعمال الأول والثاني، ونحن نكتسب بإعمال الثاني حمل الشيء على ما يقرب منه ويجاوره، والعرب تختار حمل الشيء على ما يقرب منه، وقد بينا هذا.
قال سيبويه: (كما أن " خشّنت بصدره وصدر زيد "، وجه الكلام، حيث كان الجر في الأول، وكانت الباء أقرب إلى الاسم من الفعل، ولا تنقض معنى سوّوا بينهما في الجر كما يستويان في النصب).
قال أبو سعيد يعني: أن قولنا: " خشنت بصدره وصدر زيد "، أجود من " خشنت بصدره وصدر زيد " وكلاهما جائز؛ لأنك إذا جررت حملته على مجرور يجاوره لفظا، وإذا نصبت حملته على المعنى، كأنك قلت: " خشنت صدره وصدر زيد " وحمله على اللفظ أجود؛ لأنه معه وإلى جنبه، فكذلك الأول حمله على ما يقاربه ويجاوره أجود. ولا فرق بين النصب والجر في " خشنت " فلما لم يكن فرق كان مطابقة اللفظ أولى بالاختيار، كما أنهم لو نزعوا الباء لسوّوا بين الأول والثاني في النصب، وقالوا: " خشنت صدره وصدر زيد ".
قال سيبويه: (ومما يقوى ترك نحو هذا لعلم الخاطب، قوله تعالى: وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ) (١).
أراد و " الحافظاتها " والذاكرين الله كثيرا والذاكراته. فترك مفعول الثاني لعلم المخاطب بذلك والاكتفاء بالأول لو كان منصوبا.
وكذلك قوله: (" ونخلع ونترك من يفجرك ").
فلو كان منصوبا ب " نخلع " كان الاختيار أن يقول: ونخلع ونتركه من يفجرك، ونصبه ب " نخلع " جائز أيضا، فقد ترك إما مفعول " نخلع " وإما مفعول " نترك " اكتفاء بعلم المخاطب.
قال سيبويه: (وقد جاء في الشعر من الاستغناء أشد من هذا، وذلك قول قيس بن الخطيم:
стр. 363
نحن بما عندنا، وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف (١)
أراد: نحن بما عندنا راضون.
ومثله قول ضابئ البرجمي:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإنّي وقيّارا بها لغريب (٢)
فجاء بخبر أحدهما.
وقال ابن أحمر:
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئا ومن أجل الطّوي رماني (٣)
ويروى: ومن جول الطوى. وحق الكلام أن يقول: بريئين فهذه الأبيات أشد مما ذكر؛ وذلك أنه حذف خبر الاسم الذي لا بد له منه اكتفاء بخبر الاسم الأخير، وما ذكرناه فإنما حذف منه المفعول المستغنى عنه، وحذف الخبر أشد من حذف المفعول.
فأما قول ضابئ البرجمي: " وإني وقيارا بها لغريب "، فيجوز أن يكون " لغريب " خبرا للنون والياء وخبر " قيار " محذوفا. ويجوز أن يكون خبرا " لقيار "، وخبر " إني " محذوف.
وكذلك بيت ابن أحمر، يجوز أن يكون خبرا " للقاء " في " كنت "، ويجوز أن يكون خبرا " لوالدي ". ومن روى: ومن أجل الطّوي رماني يعني بسبب الطّويّ، والطويّ: البئر.
وإنما كان بينهما مشاجرة في بئر، فبهته بسبب ما كان بينهما من المشاجرة، وقذفه بما لم يكن فيه.
ومن قال: " ومن جول الطوي رماني " أراد: ما رماني به رجع عليه؛ لأن من رمى من بئر رجع عليه ما رمي.
قال سيبويه بعد هذه الأبيات: (فوضع في موضع الخبر لفظ الواحد؛ لأنه قد علم أن المخاطب سيستدل به، والأول أجود).
يعني: أنه جاء بخبر واحد، وقد ذكر أكثر من واحد، فحذف الخبر اكتفاء بما ذكر والأول أجود، يعني: حذف المفعول من الفعل الذي ذكره أجود.
стр. 364
(لأنه لم يضع واحدا في موضع جمع، ولا جمعا في موضع واحد. قال: ومثله قول الفرزدق:)
يعني: مثله الاكتفاء بخبر واحد عن خبر جماعة:
إني ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبى فكان وكنت غير غدور (١)
ولم يقل: غدورين.
واعترض بعض النحويين على سيبويه فقال: " فعيل وفعول " قد يكونان للجماعة والواحد والمذكر والمؤنث، ومن ذلك قولهم: " رجل صديق " و " قوم صديق "، و " رجل خليط "، و " قوم خليط "، و " رجل عدو "، و " قوم عدو " كما قال تعالى: إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (٢).
قال فيجوز أن يكون " غدور " و " بديء " للاثنين. وهذا الذي ذكرنا يروى عن الزيادي. وهو غير ناقض لما ذكره سيبويه؛ لأنه قد ذكر في أول هذه الأبيات " نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض "، و " راض " لا يصلح إلا لواحد؛ وغرضه أن يبيّن أنه يحذف الخبر اكتفاء بخبر واحد.
على أن " فعيل " و " فعول " ليس طريقهما في كل موضع أن يكونا للجميع والواحد؛ ألا ترى أنك تقول: " رجل كريم "، و " رجلان كريمان "، و " رجل ظريف " و " رجلان ظريفان "، وما سمع " رجلان ظريف "، وكذلك " رجل صبور "، و " رجلان صبوران "، ولم نسمع: " رجلان صبور ".
قال سيبويه: (ولو لم تحمل الكلام على الآخر لقلت: " ضربت وضربوني قومك "، وإنما كلامهم: " ضربت وضربني قومك ").
يعني: إذا أعملت الأول قلت: " ضربت وضربوني قومك "؛ لأن تقديره: ضربت قومك وضربوني. والوجه " ضربت وضربوني قومك " على إعمال الثاني وترك مفعول الفعل الأول.
قال سيبويه: (فإذا قلت: " ضربني " لم يكن سبيل إلى الأول؛ لأنك لا تقول:
стр. 365
" ضربني " وأنت تجعل المضمر جميعا).
يعني إذا قلت: " ضربت وضربني قومك " لا يجوز أن تقول: " ضربت وضربني قومك " وقد أعملت الأول؛ لأنك إذا أعملت الأول في " القوم " وجب أن تضمر في الثاني ضمير جماعة.
قال: (ولو أعملت الأول لقلت: " مررت ومرّ بي بزيد ").
على تقدير " مررت بزيد ومرّ بي ".
(وإنما قبح هذا؛ لأنهم جعلوا الأقرب أولى إذا لم ينقض معنى).
يعني أن قولك: " مررت ومرّ بي زيد " أجود؛ لأن " زيدا " أقرب إلى الفعل الثاني.
قال الفرزدق في إعمال الثاني:
ولكنّ نصفا لو سببت وسبنّي ... بنو عبد شمس من مناف وهاشم (١)
ولو أعمل الأول في غير الشعر لقال: " سببت وسبّوني بني عبد شمس ".
قال طفيل الغنوي:
وكمتا مدمّاة كأنّ متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب
أعمل " استشعرت " ولو أعمل الأول، وهو " جرى " لقال: لون مذهب وقال رجل من باهلة:
ولقد أرى تغني به سيفانة ... تصبي الحليم ومثلها أصباه (٢)
قال: أعمل " تغني "، ولو أعمل " أرى " لقال " سيفانة ". والسيفانة: المهفهفة الممشوقة، ومثلها أصباه يعني: مثل السيفانة أصبى الحليم.
وقال: (فالفعل الأول في كل هذا معمل في المعنى وغير معمل في اللفظ والآخر معمل في اللفظ والمعنى).
قال سيبويه: (فإن قلت: " ضربت وضربوني قومك " نصبت إلا في قول من قال:
" أكلوني البراغيث ").
والاختيار: " ضربت وضربني قومك " عند البصريين؛ تعمل الثاني في " القوم "، وإذا
стр. 366
أعملت الثاني فيهم أفردت الفعل، وإن جمعت الفعل الثاني فقلت: " ضربوني " كان على وجهين:
أحدهما: أن تنصب " قومك بالفعل الأول وتضمر " هم " في الفعل الثاني؛ كأنك قلت: " ضربت قومك وضربوني " وهذا هو المختار من الوجهين.
والوجه الثاني: أن ترفع " قومك " فقلت: " ضربت وضربوني قومك " فإذا فعلت هذا كان فيه وجهان:
أحدهما: أن تجعل " الواو " في " ضربوني " علامة للجمع لا ضميرا على لغة من يقول: " قاما أخواك " و " ضربوني إخوتك "، و " أكلوني البراغيث ".
والوجه الثاني: أن تجعل " الواو " ضمير الفاعلين وتجعل " القوم " بدلا منهم، وجاز أن تضمر قبل الذكر على شرط التفسير، وهذا معنى قول سيبويه:
(أو تحمله على البدل فتجعله بدلا من المضمر كأنه قال: " ضربت وضربني ناس بنو فلان ").
قال: (وعلى هذا الحد تقول: " ضربت وضربني عبد الله " تضمر في " ضربني " كما أضمرت في " ضربوني ").
يعني أنك إذا قلت: " ضربت وضربني عبد الله " جاز أن يكون في ضربني ضمير فاعل، أضمرته قبل الذكر على شرط التفسير؛ على أنه لا يظهر في اللفظ لأن كناية الفاعل الواحد في الفعل لا تظهر.
قال: (فإن قلت: " ضربني وضربتهم قومك " رفعت؛ لأنك شغلت الآخر فأضمرت فيه، كأنك قلت: " ضربني قومك وضربتهم " على التقديم والتأخير).
يعني أنك إذا قلت: " ضربني وضربتهم قومك " فوحّدت الفعل الأول، فالاختيار أن ترفع " القوم " به؛ لأنك لو لم ترفعهم به لوجب أن تضمر ضمير جماعة في الفعل الأول؛ لأن الفعل الأول لجماعة فيكون تقديره: " ضربني قومك وضربتهم ".
وقال: (إلا أن تجعل " ها هنا البدل كما جعلته في الرفع، فإن فعلت ذلك لم يكن بد من " ضربوني " لأنك تضمر فيه الجمع).
يعني أنك إذا نصبت " قومك " فجعلتهم بدلا من الهاء والميم في " ضربتهم " وجب أن تأتي بفاعل الفعل الأول وهم جماعة؛ فتأتي لهم بضمير الجماعة على شرط التفسير.
стр. 367
قال عمر بن أبي ربيعة:
إذا هي لم تستك بعود أراكة ... تنحّل، فاستاكت به عود إسحل (١)
أراد: تنحّل عود إسحل، فاستاكت به، فأعمل الفعل الأول، والشاهد إنما هو إعمال الفعل الأول.
قال المرار الأسدي:
فردّ على الفؤاد هوّى عميدا ... وسوئل لو يبين لنا السؤالا
وقد نغنى به ونرى عصورا ... بها يقتدننا الخرد الخدالا
أراد: ونرى الخرد الخدال بها يقتدننا في عصور: فالعصور: ظرف، وأعمل الفعل الأول في الخرد، وهو " نرى "،
ولو أعمل الفعل الثاني لقال: ونرى عصورا بها يقتادنا الخرد الخدال.
قال: (وإذا قلت: " ضربوني وضربتهم قومك " جعلت " يقوم " بدلا من " هم "؛ لأن الفعل لا بد له من فاعل، والفاعل ها هنا جماعة، وضمير الجماعة الواو. وكذلك تقول: " ضربوني وضربت قومك "، إذا أعملت الآخر فلا بدّ في الأول من ضمير الفاعل، لأن الفعل لا يخلو من فاعل).
قال أبو سعيد: يعني أنك إذا أعملت الفعل الثاني في القوم، فلا بد من أن تأتي بالواو التي هي ضمير " هم " في الفعل الأول؛ لأنهم فاعلون للفعل الأول وهم جماعة فعلا متهم الواو.
قال سيبويه: (وإنما قلت: " ضربت وضربني قومك " فلم يجعل في الأول الهاء والميم؛ لأن الفعل قد يكون بغير مفعول، ولا يكون الفعل بغير فاعل).
يعني أنك إذا أعملت الفعل الثاني في القوم، وهم الفاعلون له، وقد وقع بهم الفعل الأول، لم يحتج إلى ضمير لهم في الفعل الأول؛ لأن الفعل قد يكون بلا مفعول؛ ألا ترى أنه يجوز أن تقول " أكلت " ولا تذكر المأكول، ولا تقول " أكل " من غير أن تذكر الأكل.
قال (وأما لقول امرئ القيس:
стр. 368
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال (١)
فإنما رفع؛ لأنه لم يجعل القليل مطلوبا، وإنما كان المطلوب عنده الملك، وجعل القليل كافيا، ولو لم يرد ذلك ونصب، فسد المعنى).
يعني أنه رفع قليلا و " كفاني " ولم ينصبه ب " أطلب "؛ لأن امرأ القيس إنما أراد: لو سعيت لمنزلة دنيئة كفاني قليل من المال ولم أطلب الملك. وعلى ذلك معنى الكلام؛ لأنه قال في البيت الثاني:
ولكنما أسعى لمجد موثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي (٢)
ولو نصب بأطلب لاستحال المعنى، وذلك أن قوله: " فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة "، يوجب أنه لم يسع لها؛ ألا ترى أنك تقول: " لو لقيت زيدا " لوجب أنك لم تلقه.
فإذا قلت: " لو لقيت زيدا ... لم يقصر " يوجب أنك تلقه، وأنه قد قصّر بسبب أنك لم تلقه. فإذا كان المعنى كذلك،
وجب متى نصبنا " قليلا " ب " أطلب " أن يكون معناه: لو سعيت لمعيشة دنيئة لم أطلب قليلا من المال، فنفيت أنك سعيت لمعيشة دنيئة، وأوجبت أنك طلبت قليلا من المال.
لأنك نفيت أنك لم تطلب قليلا من المال؛ لأن جواب " لو " منفي، كما أن الفعل بعدها منفي، وذلك متناقض.
قال سيبويه: (وقد يجوز: " ضربت وضربني زيدا "؛ لأن بعضهم قد يقول: " متى رأيت أو قلت زيدا منطلقا ").
يعني: أن إعمال الفعل الأول جائز، كما أن الذي قال: " متى رأيت أو قلت زيدا منطلقا " أعمل. " رأيت ".
قال: (والوجه: متى رأيت أو قلت زيد منطلق).
فيحكي ويعتمد على " قلت " لأنه الفعل الثاني.
قال: (ومثل ذلك في الجواز: " ضربني وضربت قومك "، والوجه أن تقول:
" ضربوني وضربت قومك " فتحمله على الآخر).
стр. 369
يعني: أن " ضربوني وضربت قومك " قد أعملت فيه الفعل الآخر، فهو أجود من:
" ضربني وضربت قومك "؛ لأنك قد أعملت فيه الفعل الأول.
قال: (وإن قلت: " ضربني وضربت قومك " فجائز، وهو قبيح أن تجعل اللفظ كالواحد كما تقول: " هذا أجمل الفتيان "، و " أحسن وأكرم بنيه وأنبله ").
يعني: أنك إذا وحّدت الفعل الأول، وأعملت الفعل الثاني في مفعولين، وقد علمت أن فاعل الفعل الأول جماعة، والفعل لا بد له من فاعل، فالضرورة تحوجك إلى أن تضمر في الفعل الأول ضميرا واحدا في معنى جمع، حتى لا معرّي الفعل من فاعل فيكون تقديره:
" ضربني من ثم "، أو " ضربني جمع "، " فمن ثم " و " جمع " إذا قدرته، لفظه لفظ الواحد، ومعناه جماعة. قال: وهذا وإن كان قبيحا؛ لأنا نقول: " هذا أجمل الفتيان، وأحسنه، وأكرم بنيه، وأنبله " وإنما تريد: أحسنهم، وأجملهم.
قال: (ولا بد من هذا؛ لأنه لا يخلو الفعل من فاعل مضمر أو مظهر مرفوع من الأسماء؛ كأنك قلت: إذا مثّلته: " ضربني من ثم "، و " ضربت قومك ").
يريد: أنه لا بد لك من فاعل مقدر في الفعل الأول، وإن أفردناه.
قال سيبويه: (وترك ذلك أحسن وأجود للبيان الذي يجيء بعده).
قال أبو سعيد: في هذا وجهان:
أحدهما: ما قاله بعض أصحابنا أن شيئا من الكلام قد سقط، وأن تمامه. وترك ذلك جائز، وذكره أجود، وأحسن للبيان الذي يجيء بعده. يعني: وترك ضمير الجماعة جائز، وإبانة ضميرهم أجود لذكر الجماعة التي تأتي بعده.
والوجه الثاني: أن قوله: (وترك ذلك أجود).
يريد: وترك إضمار الواحد في معنى الجماعة أجود بسبب ذكر الجماعة التي تأتي من بعد.
ثم قال: (وأضمر " من " لذلك. وهو رديء في القياس، فدخل فيه أن تقول:
" أصحابك جلس " تضمر شيئا يكون في اللفظ واحدا).
يعني: أن إضمار " من " الذي هو مفرد في معنى الجماعة رديء؛ لأنك إذا ألزمت هذا القياس، وجب عليك أن تقول: " أصحابك جلس " تضمر في " جلس " شيئا يكون بمعنى الجماعة وهذا قبيح جدا.
стр. 370
قال: (وقولهم: " هو أظرف الفتيان وأجمله " لا يقاس عليه. ألا ترى أنك لو قلت، وأنت تريد الجماعة: " هذا غلام القوم وصاحبه " لم يحسن).
يريد أن قولنا: " هذا أظرف الفتيان وأجمله " أجود من " ضربني وضربت قومك "، من قبل أنك تقول: " هذا أظرف فتى "، فيكون بمعنى: أظرف الفتيان، فلما كان الواحد في هذا الموضع يقع موقع الجماعة، جاز أن تضمر بعد الجماعة واحدا وحسن، ولم يحسن في " ضربني وضربت قومك "، إلا أنه مع قبحه جائز.
هذا باب ما يكون الاسم فيه مبنيا على الفعل قدّم أو أخّر وما يكون الفعل فيه مبنيا على الاسم
قال أبو سعيد: اعلم أن بناء الشيء على الشيء كثيرا ما يدور في كلام سيبويه، ونحن نبينه، حتى تقف عليه من كلامه كلّ ما مرّ بك في موضع من الكتاب.
فإذا قال: بنيت الاسم على الفعل، فمعناه: أنك جعلت الفعل عاملا في الاسم، كقولك: " ضرب زيد عمرا "، " فزيد، وعمرو " مبنيان على الفعل.
وكذلك لو قلت: " عمرا ضرب زيد "؛ لأن " عمرا " وإن كان مقدما فالنية فيه التأخير، وإذا قال لك: بنيت الفعل على الاسم، فمعناه: أنك جعلت الفعل وما يتصل به خبرا عن الاسم، وجعلت الاسم مبتدأ كقولك: " زيد ضربته "، " فزيد " مبني عليه ضربته و " ضربته " مبني على الاسم.
وجملة الأمر: أن الذي حكمه أن يكون مؤخرا مبنيا على ما حكمه أن يكون مقدما، عمل في اللفظ أو لم يعمل، إذا كان أحدهما يحتاج إلى الآخر. وقد ذهب سيبويه إلى أنك إذا قلت: " لو أن عندنا زيدا لأكرمناه "، " أنّ " التي بعد " لو " مبنية على " لو " وإن كانت " لو " غير عاملة فيها، لأن حكم " لو " أن تكون مقدمة على " أنّ " ولا يستغنى عنها.
قال سيبويه: (فإذا بنيت الاسم عليه قلت: " ضربت زيدا " وهو الحد؛ لأنك تريد أن تعمله أو تحمل الاسم عليه، كما كان الحد " ضرب زيد عمرا "، حيث كان " زيد " أول ما تشغل به الفعل).
قال أبو سعيد: قد ذكر أن المفعول مبني على الفعل وقوله: وهو الحد.
يعني: تأخر المفعول هو الأصل والوجه.
стр. 371
وقوله: (لأنك تريد أن تعمله وتحمل الاسم عليه).
يريد: لأنك تريد أن تعمل الفعل، وتجعله صدر الكلام في النية، وتعمله في الاسم، وتحمل الاسم عليه.
وقوله: (كما كان الحد ضرب زيد عمرا).
يعني: أن الحد تأخير " زيد " في " ضربت زيدا " مع الفاعل المكني وهو التاء كما كان الحد تأخير المفعول مع الفاعل الظاهر.
قال: (وإن قدمت الاسم، فهو عربي جيد، كما كان ذلك عربيا جيدا، وذلك قولك: " زيدا ضربت ").
يعني أن " زيدا ضربت " بمنزلة " زيدا ضرب عمرو "، ولا فرق بين الفاعل الظاهر والمكني.
قال: (والاهتمام والعناية هنا في التقديم والتأخير سواء، مثله في " ضرب زيد عمر " و " ضرب زيدا عمرو ").
يعني: أن المكني والظاهر الفاعلين سواء في باب تقديم المفعول وتأخيره، فإن كانت العناية بالمفعول فيهما أشد، قدمت المفعول، وإن كانت العناية بالفاعل أشد قدمت الفاعل، وقد ذكرنا نحو هذا.
قال: (فإذا بنيت الفعل على الاسم قلت: " زيد ضربته " فلزمته الهاء).
يعني: أنك إذا جعلت " زيدا " هو الأول في الرتبة، فلا بد من أن ترفعه بالابتداء، فإذا رفعته بالابتداء فلا بد من أن يكون في الجملة التي بعده ضمير يعود إليه، وتكون هذه الجملة مبنية على المبتدأ، كأنك قلت: " زيد مضروب ".
قال: (فإنما قلت: " عبد الله " فنبهته له ثم بنيت عليه الفعل، فرفعته بالابتداء).
يعني: ابتدأت ب " عبد الله "، فنبّهت المخاطب له فانتظر الخبر عنه فأخبرت بالجملة التي بعده.
قال: (ومثل ذلك قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ) (١).
يعني: أن " ثمود " مبتدأ، و " فهديناهم " في موضع الخبر مبني عليه وفيه ضمير يعود
стр. 372
إليه.
قال: (وإنما حسن أن يبني الفعل على الاسم حيث كان معملا في الضمير).
يعني أن " ضربته " إنما بني على " زيد "؛ لأنه قد عمل في ضميره، ولولا ذلك لم يحسن إلا أن تنصب " زيدا "، إلا أنك لو حذفت هذا الضمير، وأنت تريده جاز على قول البصريين، ولم يحسن فقلت: " زيد ضربت " على معنى " ضربته ".
قال: (وإن شئت قلت: " زيدا ضربته " وإنما نصبته على إضمار فعل هذا تفسيره).
يعني أنك إذا قلت: " زيدا ضربته " فتقديره " ضربت زيدا ضربته "، وحذفت الفعل الأول اكتفاء بتفسير الثاني له، والدليل على أنه ينتصب بالفعل الأول: أنك قد تقول:
" أزيدا مررت به "، فتنصبه ولو لم يكن فعل مضمر يعمل فيه النصب لما جاز نصبه بهذا الفعل؛ لأن " مررت " لا يتعدى إلا بحرف جر. فإذا قلت: " زيدا ضربته " لم يحسن إظهار الفعل الناصب لزيد مع الفعل المفسّر له، لا تقول: " ضربت زيدا ضربته " فتجمع فيهما؛ لأن أحدهما يكفيك من الآخر.
قال: (ومثل ذلك ترك إظهار الفعل ها هنا، ترك الإظهار في الموضع الذي تقدم فيه الإضمار).
يعني: أن ترك إظهار الفعل المضمر في " زيدا ضربته " مع مجيء التفسير بمنزلة قولك: " نعم رجلا زيد " وتقديره " نعم الرجل رجل زيد "، أضمر الرجل في " نعم "؛ لأن " نعم " فعل، ولا بد له من فاعل و " رجلا " تفسير له، ولا يجوز أن يجمع بينهما فنقول:
" نعم الرجل رجلا ".
قال: (وقد قرأ بعضهم: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ (١). وأنشدوا هذا البيت على وجهين: على الرفع والنصب. قال بشر بن أبي خازم:
فأمّا تميم تميم بن مرّ ... فألفاهم القوم روبى نياما) (٢)
وقد مرّ وجه النصب والرفع، غير أن النصب في " أما " بإضمار فعل مقدر بعد
стр. 373
الاسم كأنه قال: " فأما ثمود فهدينا فهديناهم ".
قال: (ومثله قول ذي الرمة:
إذا ابن أبي ليلى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر (١)
فالنصب عربي كثير والرفع أجود).
أراد: النصب عربي كثير في " زيدا ضربته "، والرفع أجود؛ لأنك إذا رفعت لم تحتج إلى إضمار شيء، وإذا نصبت أضمرت فعلا، وأنت لو أردت إعمال الفعل في الاسم كان يمكنك أن تحذف الضمير الذي في الفعل، وتصل إلى الاسم، ولم يكن يحتاج إلى هذا التأويل البعيد.
وأما قول ذي الرّمة؛ فإن الاختيار فيه النصب؛ لأن " إذا " فيها معنى المجازاة، فهي بالفعل أولى. فإذا كانت بالفعل أولى، كان إضمار الفعل الذي ينصبه أجود.
وقوله " فقام بفأس " هو دعاء، ولو لم يكن دعاء لما جاز دخول الفاء، تقول: " إن أتاني زيد أتيته "، ولا يجوز " إن أتاني زيد فأتيته "، وتقول: " إن أتاني زيد فأحسن الله جزاءه "؛ لأن فيه دعاء. والرفع فيما بعد " أما " أجود؛ لأن ما بعد " أمّا " مبتدأ؛ لأنها من حروف الاستئناف.
قال: (ومثل ذلك " زيدا أعطيت "، و " أعطيت زيدا "، و " زيد أعطيته "؛ لأن " أعطيت " بمنزلة " ضربت " وقد بيّن المفعول الذي هو بمنزلة الفاعل في أول الكتاب).
يعني: أن " أعطى عمرو زيدا " بمنزلة " ضرب عمرو زيدا " في مجازي إعرابهما وعمل الفعل فيهما، فتقديم المنصوب على " أعطى " كتقديمه على " ضرب ".
قال: (فإن قلت: " زيد مررت به "، فهو من النصب أبعد من ذلك؛ لأن المضمر قد خرج من الفعل، وأضيف الفعل إليه بالباء، ولم يوصل إليه الفعل في اللفظ، فصار كقولك: " زيد لقيت أخاه ").
يعني أنك إذا ابتدأت الاسم وجئت بالفعل فيتعدى إلى ضميره بحرف جر، كان الرفع فيه أقوى، والنصب منه أبعد؛ لأنك إذا قلت: " زيدا مررت به " فتنصبه، أضمرت
стр. 374
فعلا على غير لفظ الظاهر؛ كأنك قلت: " لقيت زيدا أو جزت زيدا ". فإذا قلت: " زيدا ضربته "، أضمرت فعلا من لفظه، كأنك قلت: " ضربت زيدا ضربته "، فيكون الظاهر دالا على مثل لفظه ومعناه، وفي الوجه الأول يكون الظاهر دالا على مثل معناه دون لفظه، وما اجتمع فيه اللفظ والمعنى كان أقوى في الدلالة، ومثل الوجه الأول: " زيد لقيت أخاه "؛ لأنك لو نصبته لأضمرت فعلا على خلاف لفظ الظاهر، كأنك قلت: " لا بست زيدا لقيت أخاه " وكل ما دل على المعنى واللفظ كان أقوى في النصب.
قال: (وإن شئت قلت: " زيدا مررت به "، تريد أن تفسّر به مضمرا، كأنك قلت إذا مثّلت ذلك " جعلت زيدا على طريقي مررت به ").
و" جعلت زيدا على طريقي " بمنزلة إضمار " جزت "، ولكنه لا يظهر هذا الفعل الأول؛ لما ذكرت لك. يعني: الفعل المضمر لا يظهر مع التفسير.
قال: (وإذا قلت: " زيد لقيت أخاه "، فهو كذلك، وإن شئت نصبت؛ لأنه إذا وقع على شيء من سببه فكأنه قد وقع به).
يعني: " زيدا لقيت أخاه " لما نصبت الأخ جاز أن تضمر فعلا ينصبه لأن وقوع الفعل بسببه كوقوعه بضميره.
قال: (والدليل على ذلك أن الرجل يقول: " أهنت زيدا بإهانتك أخاه، وأكرمته بإكرامك أخاه، وهذا النحو كثير في الكلام، يقول الرجل: " إنما أعطيت زيدا " وإنما يريد لمكان زيد أعطيت فلانا، وإذا نصبت " زيدا لقيت أخاه "، فكأنه قال: لا بست زيدا لقيت أخاه، وهذا تمثيل ولا يتكلم به، فجرى هذا على ما جرى عليه قولك:
" أكرمت زيدا "، وإنما وصلت الإكرام إلى غيره).
يعني: أن نصب " زيد " بوقوع الفعل على سببه بمنزلة " أكرمت زيدا "، وإن كان الإكرام وصل إلى غيره بسببه.
(والرفع في هذا أحسن وأجود؛ لأن أقرب إلى ذلك أن تقول: " مررت بزيد "، و " لقيت أخا عمرو ").
يعني: أن الرفع في " زيد " في " زيد مررت به "، و " عمرو لقيت أخاه "، أجود؛ لأنك لو أردت إعمال الفعل، لأعملت هذا الظاهر في " زيد " فقلت: " مررت بزيد " و " لقيت أخاه ".
стр. 375
قال سيبويه: (ومثل هذا في البناء على الفعل، وبناء الفعل عليه " أيهم " وذلك قولك: " أيهم تره يأتك " و " أيهم تر يأتك " والنصب على ما ذكرت لك؛ لأنه كأنه قال:
أيهم تر تره يأتك، فقولهم: " أيهم تره يأتك " مثل " زيد " في هذا، وقد يفارقه في أشياء كثيرة، ستبين إن شاء الله تعالى).
قال أبو سعيد: يعني: أنك إذا قلت: " أيهم تر يأتك "، نصبت " أيهم " ب " تر "، كما تقول: " زيدا ضربت " وإذا قلت: " أيهم
تره يأتك "، فشغلت الفعل بضميره، كان الاختيار الرفع، كما كان في قولك: " زيد ضربته " ويجوز فيه النصب بإضمار فعل، كأنك قلت:
" أيهم تر تره يأتك "، تقدر الفعل بعده؛ لأن " أيا " في الاستفهام والمجازاة لا تقع إلا صدرا.
ف " أي " في باب النصب والرفع واختيار أحدهما على الآخر بمنزلة " زيد ".
وهو يفارق " زيدا " في أشياء لأنها تكون استفهاما، وتكون مجازاة، وتكون بمعنى الذي، وليس في " زيد " شيء من ذلك.
هذا باب ما يجري مما يكون ظرفا هذا المجرى
وذلك قولك: (" يوم الجمعة ألقاك فيه "، وأقلّ يوم لا ألقاك فيه و " أقل يوم لا أصوم فيه "، و " خطيئة يوم لا أصيد فيه "، و " مكانك قمت فيه "، وصارت هذه الأحرف ترتفع بالابتداء كارتفاع " عبد الله "، وصار ما بعدها مبنيا عليها كبناء الفعل على الاسم الأول).
قال أبو سعيد: اعلم أن الظروف على ضربين:
ضرب يكون اسما وظرفا وهو الظرف المتمكن.
وضرب لا يكون اسما وهو الظرف الذي لا يتمكن.
فأما الضرب الذي يكون اسما وظرفا، فهو ما يكون مرفوعا في حال ومجرورا في حال ومنصوبا في حال على غير معنى الظرف، وهذا هو تمكنه، وكونه اسما؛ لأنه يصير بمنزلة " زيد، وعمرو "، وهو نحو " اليوم، والليلة، والشهر، والمكان " وما أشبه ذلك.
فأما الظرف الذي لا يتمكن، فهو ما يمتنع من الرفع ولا يكون فاعلا، ولا مبتدأ، كقولك: " عندك، وقبلك، وبعدك "، ألا ترى أنك لا تقول: " عندك واسع "، ولا " قبلك يوم الجمعة "، كما تقول: " وكأنك واسع "، ولاستقصاء الفصل بين الظروف المتمكنة وغير المتمكنة موضع غير هذا.
стр. 376
فإذا كان الظرف متمكنا، وشغلت الفعل الناصب له بضميره عنه، رفعته كما ترفع " زيدا "، إذا شغلت الناصب له عنه فقلت: " يوم الجمعة ألقاك فيه " كما تقول: " زيد أضربه "، " وعمرو أتكلم فيه ".
واعلم أن الظروف المتمكنة إذا نصبت كان لك في نصبها وجهان: أحدهما: أن تنصبها من طريق الظرف، فيكون مقدرا ل " في " وإن كانت محذوفة، ألا ترى أنك لمّا حذفتها وصل الفعل فنصب.
والوجه الثاني: أن تقدر وصول الفعل إليها بلا تقدير " في ". وهذا هو المفعول على سعة الكلام.
فإذا شغلت الفعل عنه وقد قدرته تقدير الظرف قلت: " يوم الجمعة قمت فيه "، وإن كان بتقدير المفعول على سعة الكلام، أضمرت من غير " في "، كقولك: " يوم الجمعة ألقاكه "، و " مكانكم قمته ".
قال الشاعر:
ويوم شهدناه سليما وعامرا ... قليل سوى الطّعن النّهال نوافله (١)
أراد: شهدنا فيه. وجعله مفعولا على سعة الكلام.
قال سيبويه: بعد الفصل الأول: (فكأنك قلت: " يوم الجمعة مبارك " و " مكانك حسن " وصار الفعل).
الذي هو " ألقاك فيه "، " وقمت فيه ".
(في موضع هذا) يعني صار الفعل في موضع الخبر كما أنك إذا قلت: " يوم الجمعة مبارك، ف " مبارك " خبر؛ كما أنك إذا قلت: " زيد ضربته " بمنزلة " زيد منطلق ".
(وإنما صار هذا هكذا، حين صار في الآخر إضمار اليوم والمكان).
قال أبو سعيد: يعني: حين اشتغل الفعل بضميرهما، فلم يصل إليهما، ورفع بالابتداء، كما رفع " زيد " إذا قلت: " زيد ضربته ".
قال: (فخرج من أن يكون ظرفا، كما يخرج إذا قلت: " يوم الجمعة مبارك ").
стр. 377
يعني: أن قولك: " يوم الجمعة قمت فيه "، بمنزلة " يوم الجمعة مبارك " لأن الفعل لما اشتغل بضميره لم يصلح أن ينتصب بالفعل.
قال: (فإذا قلت: " يوم الجمعة صمته "، ف " صمته " في موضع " مبارك "، حيث كان المضمر هو الأول، كما كان المبارك هو الأول).
يعني: أنك إذا قلت: " يوم الجمعة صمته "، فجعلت " اليوم " مفعولا على سعة الكلام، جعلت الضمير العائد إليه غير متصل ب " في " وقد مضى هذا.
قال: (فيدخل النصب كما دخل في الاسم الأول).
يعني: أنك تقول: " يوم الجمعة صمته " على تقدير: " صمت يوم الجمعة صمته " فهو كما تقول: " زيدا ضربته "، على
تقدير: ضربت زيدا ضربته. ويجوز " يوم الجمعة آتيك فيه "، على تقدير: " آتيك يوم الجمعة آتيك فيه "، كما تقول: " زيدا تكلمت فيه "، على تقدير: " ذكرت زيدا تكلمت فيه ".
قال سيبويه: (كأنك قلت: " ألقاك يوم الجمعة " فنصبته لأنه ظرف، ثم فسّرته فقلت: " ألقاك فيه "، وقدرته: " ألقاك فيه "، وإن شئت نصبته على الفعل نفسه، كما أعمل فيه الفعل الذي لا يتعدى إلى مفعول واحد. وكل ذلك عربي جيد).
يعني: أنك إذا قلت: " يوم الجمعة ألقاك فيه " وقدرته: " ألقاك يوم الجمعة ألقاك فيه "، فالفعل المضمر الناصب ليوم الجمعة، إن شئت أعملته فيه من طريق الظرف، وإن شئت أعملته على طريق المفعول على السعة، وقد ذكرنا هذين الوجهين، لأنه يكون ظرفا، وغير ظرف.
قال سيبويه: (ولا يحسن في الكلام أن تجعل الفعل مبنيا على الاسم؛ ولا تذكر علامة إضمار الأول، حتى يخرج من لفظ الإعمال في الأول، ومن حال بناء الاسم عليه، وتشغله بغير الأول حتى يمتنع من أن يكون يعمل فيه).
يعني: أنك إذا جعلت الاسم مبتدأ، وجعلت الفعل خبرا، والوجه أن يظهر الضمير الذي يعود إلى الاسم، حتى يخرج من لفظ ما يعمل في الأول.
يعني أنه قبيح أن تقول: " زيد ضربت "؛ لأن " ضربت " في لفظ ما يعمل في " زيد "؛ لحذفك الضمير في اللفظ، ولا بد من تقديره حتى يصح أن يكون خبرا للاسم الأول، إذ قد جعلت الاسم مبتدأ، ولا يصح أن يكون الفعل خبرا له، حتى يكون فيه ما يعود إليه.
стр. 378
قال سيبويه: (ولكنه قد يجوز في الشعر، وهو ضعيف في الكلام. قال أبو النجم العجلي.
قد أصبحت أمّ الخيار تدّعي ... عليّ ذنبا كلّه لم أصنع) (١)
فهذا ضعيف، وهو بمنزلته في غير الشعر؛ لأن النصب لا يكسر الشعر ولا يخل به.
قال: (فترك إضمار الهاء، فكأنه قال: كله غير مصنوع).
قال أبو سعيد: يعني أن إضمار الهاء إذا قلت: " زيد ضربت " هو قبيح ومع قبحه هو جائز في الكلام. قال: والدليل على جوازه في الكلام، أن الشاعر لو قال: " كله لم أصنع " لاستقام البيت ولم ينكسر، فلم تدعه الضرورة من جهة الشعر إلى رفعه فعلم بذلك جوازه في غير الشعر.
وكان الفراء يجيز " كلهم ضربت "، ولا يجيز " زيد ضربت ".
قال: لأن معنى " كلهم ضربت " معنى الجحد، كأنه قال: " ما منهم أحد إلا ضربت ". وليس هذا بحجة؛ لأن كل موجب
يتهيأ رده إلى الجحد، فيمكن للقائل أن يقول: " زيد ضربت "، معناه: " ما زيد إلا قد ضربت، وما زيد إلا مضروب ".
وقد أنشد سيبويه مع القياس الذي ذكرناه أبياتا منها:
(قول امرئ القيس:
فأقبلت زحفا على الرّكبتين ... فثوب لبست وثوب أجرّ) (٢)
لم يقل أجره ولم ينصب الثوب.
(وقال النمر بن تولب: وسمعناه من العرب ينشدونه:
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسرّ) (٣)
أراد: يوم نساء فيه، أو نساؤه، فأضمر الهاء، ولم ينصب يوم فهو بمنزلة قولك:
стр. 379
" يوم الجمعة أقوم " على معنى أقوم فيه، وضعف هذا كله مع جوازه؛ لأن الشاعر لو نصب في ذلك كله لم ينكسر الشعر، ولم يختل.
قال سيبويه: (زعموا أن بعض العرب يقول: " شهر ثرى " و " شهر ترى " و " شهر مرعى " يريدون: ترى فيه).
فرفع " الشهر " ولم يعمل فيه " ترى " للضمير الذي قدره، ومعنى هذا: شهر ثري:
أي شهر تبتدئ فيه الأرض من المطر وتثرى. والثرى: هو الندى، وشهر ترى: أي ترى فيه النبات، وشهر مرعى: أي ترعى فيه المال وتأكله.
قال الشاعر:
ثلاث كلهنّ قتلت عمدا ... فأخزى الله رابعة تعود (١)
على معنى قتلتهن.
قال: (فهذا ضعيف، والوجه الأكثر الأعرف: النصب، وإنما شبهوه بقولهم:
" الذي رأيت فلان "، حيث لم يذكروا الهاء. وهو في هذا أحسن؛ لأن " رأيت " تمام الاسم، وبه يتم، وليس بخبر ولا صفة، فكرهوا طوله، حيث كان بمنزلة اسم واحد، مكا كرهوا طول " اشهيباب " فقالوا: اشهباب).
قال أبو سعيد: اعلم أن حذف الهاء يكون في ثلاثة مواضع: في الصلة، والصفة، والخبر.
فالصلة قولك: " الذي رأيت زيد "، في معنى: الذي رأيته. والصفة قولك: " مررت برجل أكرمت " أي أكرمته.
والخبر قولك: " زيد أكرمت " في معنى: أكرمته.
فأما حذفها في الصلة فحسن، وليس بدون إثباتها، وفي كتاب الله تعالى حذفها وإثباتها، قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا (٢)، وقال جل اسمه: لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ (٣) أراد تعالى: الذي بنوه.
стр. 380
وإنما حسن حذفها من الصلة؛ لأن الذي والفعل والفاعل والمفعول جميعا كاسم واحد، وكذا كل موصول يكون هو والصلة كالشيء الواحد، فاستطالوا أن يكون أربعة أشياء كشيء واحد، فحذفوا منها للتخفيف واحدا، فلم يكن سبيل إلى حذف الموصول؛ لأنه هو الاسم، ولا إلى حذف الفعل لأنه الصلة، ولا إلى حذف الفاعل؛ لأن الفعل لا بد له من فاعل، فحذفوا المفعول لأنه كالفضلة في الكلام.
وحذف الهاء في الصفة دون حذفها في الصلة، وإثباتها أحسن من حذفها، وذلك لأن الصفة تشبه الصلة من وجه، وتفارقها من وجه. فأما شبهها: فلأن الصفة والموصوف بمنزلة اسم واحد، كما أن الصلة والموصول كاسم واحد. وأما مفارقتها لها، فلأن الموصوف يستغني عن الصفة والموصول لا يستغني عن الصلة.
وأما الخبر فهو الذي قدمنا ذكره أن حذف الهاء قبيح فيه؛ لأن الخبر غير المخبر عنه، وليس هو معه كشيء واحد، وإنما شبهوه بالذي في الحذف. ومعنى قول سيبويه:
(كما كرهوا طول اشهيباب، فقالوا: اشهباب).
أراد أن الذي وصلتها كالفاعل والمفعول، لما طالت وهي اسم واحد خففوا منها بحذف المفعول، كما خففوا " اشهيبابا "، فقالوا " اشهباب "؛ لأن " اشهيباب " سبعة أحرف، وهي نهاية ما يكون الاسم عليه مع الزيادة سوى هاء التأنيث، فخففوا منها، وهو مصدر " اشهاب ".
قال سيبويه: (وهو في الوصف أمثل منه في الخبر).
يعني حذف الهاء.
قال: (وهو على ذلك ضعيف ليس كحسنه في الهاء).
يعني: في الصفة.
قال: (لأنه في موضع ما هو من الاسم، وما يجري عليه، وليس بمنقطع منه خبرا مبنيا عليه ولا مبتدأ، فضارع ما يكون من تمام الاسم، وإن لم يكن تماما له ولا منه في البناء).
يعني: لما حسن حذف الهاء بعض الحسن، وإن كان الإثبات أحسن منه؛ لأنه ضارع الصلة، وصار كأنه من الاسم؛ لأن الصفة والموصوف كشيء واحد وليس هو خبرا له، ولا هو مبتدأ.
стр. 381
(فضارع ما يكون من تمام الاسم، وهو الصلة وإن لم يكن تماما له ولا منه في البناء).
يعني: وإن لم تكن الصفة تماما للاسم، كما كانت الصلة قال جرير:
أبحت حمى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح (١)
أراد: حميته، ولا يجوز أن ينصب " شيئا "، ب " حميت "؛ لأنه لو فعل ذلك لوجب أن يقول: " وما شيئا حميت مستباحا "، ويكون " مستباحا " نعتا لشيء، والنعت لا تكون فيه الباء زائدة، وكان ينقلب معنى المدح؛ لأنه كان يصير التقدير: وما حميت شيئا مستباحا أي: حميت شيئا محميا، وليس فيه مدح.
(وقال الحارث بن كلدة:
وما أدري أغيّرهم تناء ... وطول العهد أم مال أصابوا) (٢)
أراد " أصابوه "، والمال هو عطف على تناء، وهو فاعل غيرهم.
قال: (ولا سبيل إلى النصب وإن تركت الهاء؛ لأنه وصف).
يعني، لا تقول: " شيئا حميت " ولا " ما لا أصابوا ".
(كما لم يكن النصب فيما أتممت به الاسم يعني الصلة).
يعني كما أنك إذا قلت: " والذي رأيت " لم يصلح أن تعمل " رأيت " في " الذي " لأنه صلة.
قال: (فمن ثمّ كان أقوى مما يكون في موضع المبني على المبتدأ؛ لأنه لا ينصب به).
يعني فمن ثم كان حذف الهاء في الصفة أقوى منه في الخبر؛ لأن الصفة لا يجوز أن تعمل في الموصوف في هذه المواضع التي ذكر.
وأنت إذا قلت: " زيد ضربت " جاز أن تقول: " زيدا ضربت " فتعمله في " زيد "، والمعنى على حاله غير متغير.
قال: (وإنما منعهم أن ينصبوا بالفعل الاسم إذا كان صفة له أن الصفة تمام
стр. 382
الاسم، ألا ترى أن قولك: " مررت بزيد الأحمر " كقولك: " مررت بزيد " وذلك أنك " لو احتجت إلى أن تنعته فقلت: " مررت بزيد " وأنت تريد " الأحمر "، وهو لا يعرف حتى تقول: " الأحمر " لم يكن تم الاسم، فهو يجري منعوتا مجرى " مررت بزيد " إذا كان يعرف وحده، فصار " الأحمر " كأنه من صلته).
يريك أنك إذا قلت: " مررت بزيد " فعرفه المخاطب اكتفيت به، وإذا لم يعرفه من بين " الزيدين " حتى يقول " الأحمر ". صار " زيد الأحمر " في معرفة المخاطب به بعينه " كزيد " إذا عرفه مفردا، فالصفة والموصوف كشيء واحد.
هذا باب ما يختار فيه إعمال الفعل مما يكون في المبتدإ مبنيا عليه الفعل
وذلك قولك: " رأيت زيدا وعمرا كلمته "، و " رأيت عبد الله وزيدا مررت به "، و " لقيت زيدا وبكرا أخذت أباه " و " لقيت بكرا وخالدا اشتريت له ثوبا ".
قال أبو سعيد: اعلم أن العرب إذا ذكرت جملة كلام، اختارت مطابقة الألفاظ ما لم تفسد عليها المعاني، فإذا جئت بجملة صدرتها بفعل، ثم جئت بجملة أخرى، فعطفتها على الجملة الأولى، وفيها فعل كان الاختيار أن تصدر الفعل في الجملة الثانية لتكون مطابقة للجملة الأولى في اللفظ وتصدير الفعل. فإذا قلت: " رأيت عبد الله وزيدا مررت به "، قدرت فعلا ينصب " زيدا "، كأنك قلت: " رأيت عبد الله، ولقيت زيدا مررت به "، قدرت فعلا ينصب " زيدا "؛ لتكون الجملة الثانية مطابقة للجملة الأولى في تصدير الفعل وتقديمه، وسواء ذكرت في الفعل الأول منصوبا أو لم تذكره، كقولك: " قام عبد الله وزيدا كلمته "، على تقدير: وكلمت زيدا كلمته؛ لأن الغرض أن يجمع بين الجملتين في تقديم الفعل، لا في لفظ النصب أو غيره.
ولسيبويه في هذا المعنى احتجاج يأتي من بعد.
ويجوز ألا تحمل الجملة الثانية على الفعل، ولكنك تجعله خبرا ومبتدأ، فتقول:
" رأيت عبد الله، وزيد مررت به ".
ومن الدليل على أن الاختيار ما وصفناه، قول الله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ
стр. 383
مَنازِلَ (١) بالرفع، وقوله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ (٢) بالنصب، وذلك أن قبل قوله: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ، قوله: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ (٣) فالجملة التي قبل " القمر " صدّر فيها اسم لا فعل، والجملة التي قبل قوله:
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ (٤)، قد صدر فيها الفعل، فعطف كل واحدة من الجملتين على ما يشاكلها من الجملة التي قبلها.
قال سيبويه: (وإنما اختير النصب ها هنا؛ لأن الاسم الأول مبني على الفعل، فكان بناء الآخر على الفعل أحسن عندهم، إذ كان يبني على الفعل، وليس قبله اسم مبني على الفعل).
يعني: لما كانوا يقولون: " زيدا ضربته "، فينصبون " زيدا " بفعل مضمر، وليس قبله اسم قد عمل فيه الفعل، كان نصبه إذا تقدمه اسم يعمل فيه الفعل أولى.
قال: (ليجري الآخر على ما جرى عليه الذي قبله، إذ كان لا ينقض المعنى لو لم تبنه على الفعل).
يعني: لو قلت: " رأيت عبد الله، وزيد مررت به "، لكان معناه كمعناه، إذا قلت:
" وزيدا مررت به "، فإذا استوى المعنيان، وكان في أحد اللفظين مشاكلة ما قبله كان أولى.
قال: (وهذا أولى أن يحمل عليه ما قرب جواره منه، إذ كانوا يقولون: " ضربوني وضربت قومك ").
يعني: أن قولنا: " رأيت عبد الله، وزيدا مررت به "، أولى بعطف الثاني على الأول في تقديم الفعل لطلب حمل الشيء على مجاوره، وإيثار تطابق اللفظين من قول العرب " ضربوني وضربت قومك "؛ لأن قولك: " ضربوني " فيه إضمار قبل الذكر، وأعملوا الفعل الثاني في " قومك "؛ لأنه يليه ويقرب منه؛ فإذا كان قد حملهم حمل الشيء على مجاوره على أن احتملوا الإضمار قبل الذكر، كان حمل الجملة الثانية على الفعل لمطابقة الجملة الأولى أولى.
стр. 384
قال: (فكان أن ليكون الكلام على وجه واحد، إذا كان لا يمتنع الآخر من أن يكون مبنيا على ما بني عليه الأول أولى،
وأقرب في المأخذ).
يعني: أن حمل الثاني على الأول أجود، حتى يكون الكلام على نظم واحد في حمل الجملتين على الفعل.
ومثل ذلك قوله تعالى: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١).
وتقديره: ويعذب الظالمين؛ لأن الجملة التي قبلها مصدرة بفعل وهو " يدخل ".
وقوله جل اسمه: وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً. وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ (٢).
لأن قبله فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً وتقديره: وذكرنا كلا ضربنا له الأمثال.
وقوله: وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ (٣).
لأن قبله فَرِيقاً هَدى وهذا في القرآن كثير، قال ومثل ذلك: " كنت أخاك "، و " زيدا كنت له أخا "؛ لأن " كنت أخاك "، وزيدا كنت له أخا بمنزلة " ضربت أخاك، وتقول: " لست أخاك "، " وزيدا أعنتك عليه "، لأنها فعل، وتصرف في معناها تصرف كان.
إذا قلت: " كنت أخاك "، فجملة الكلام مصدرة بفعل وهو " كنت "، فلذلك اختير أن ينصب الاسم في الجملة الثانية بإضمار فعل، كأنك قلت: " كنت أخاك "، و " لابست زيدا كنت له أخا "، و " لست أخاك " بهذه المنزلة، من قبل أن ليس هو فعل، وإن لم يكن له تصرف غيره من الأفعال في المستقبل واسم الفاعل. والدليل أنه فعل أيضا اتصال الضمائر التي لا تتصل إلا بالأفعال نحو " لست، ولسنا "، فإذا قلت: " لست أخاك " و " زيدا أعنتك عليه "، فكأنك قلت: " لست أخاك "، و " أخاصم زيدا أعنتك عليه " وما أشبه ذلك من الأفعال.
قال الربيع بن ضبع الفزاري:
стр. 385
أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا
والذّئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرّياح والمطرا (١)
فنصب الذئب على تقدير: وأخشى الذئب أخشى، واختار ذلك لأن قبله " أصبحت " وهو فعل، و " أصبحت " من أخوات " كنت " و " لست ".
قال: (وقد يبتدأ فيحمل على ما يحمل عليه، وليس قبله منصوب، وهو عربي جيد).
أن الجملة الثانية قد يجوز أن ترفع الاسم فيها، وإن كانت الجملة الأولى مبنية على فعل، فتكون الجملة الثانية كجملة مبتدأة ليس قبلها فعل، وذلك قولك: لقيت زيدا وعمرو لقيته كأنك لم تحفل بتقدم قولك: " لقيت زيدا " إذ كانت جملة قائمة بنفسها، وكأنك قلت: " عمرو لقيته " في الابتداء، ثم عطفت جملة على جملة، فتجعله كقولك:
" لقيت زيدا وعمرو أفضل منه ". وهذا لا يجوز فيه إلا الرفع؛ لأن " أفضل " ليس بفعل يضمر مثله في نصب " عمرو ".
قال سيبويه: (فإذا جاز أن يكون في المبتدأ بهذه المنزلة، جاز أن يكون بين الكلامين).
يعني أنه لما جاز " عمرو لقيته " في الابتداء، وجاز أن تقول: " لقيت زيدا وعمرو لقيته "، فيكون رفعه بعد تقدم الجملة الأولى كرفعه في الابتداء، وإن كان الاختيار ما ذكرنا لما وصفنا.
قال: (وأقرب منه إلى الرفع " عبد الله لقيت وعمرو لقيت أخاه، وخالدا رأيت، وزيد كلمت أباه " هو ها هنا إلى الرفع أقرب كما كان في الابتداء من النصب أبعد).
قال أبو سعيد: قد قدمناه أن الفعل إذا كان واقعا على ضمير الاسم من غير حرف جر، فإن إضمار الفعل الناصب للأول أقوى، وأوجب من أن يكون الفعل واقعا على ضميره بحرف جر، أو واقعا على سبب له، فإن كان الأمر على ما وصفنا، فإن قولك:
" لقيت زيدا وعمرا كلمته "، أقوى في النصب من أن تقول: " لقيت زيدا وعمرا كلمت أخاه "؛ لأن قولك: " وعمرا كلمته " قد وقع الفعل على ضميره، وإذا قلت: " وعمرا كلمت
стр. 386
أخاه " فقد وقع الفعل على سببه. وكذلك إذا قلت: " لقيت زيدا وعمرا مررت به "، فنصبه أضعف من نصب و " عمرا كلمته "؛ لأن الفعل وقع على ضميره بلا حرف. ومتى ما كان النصب أضعف كان الرفع أقوى فوجب من هذا أن يكون " عبد الله لقيت وعمرو ولقيت أخاه "، الرفع أقوى في " عمرو " من قولك: " وعمرو لقيته " إذ كان النصب في " وعمرو لقيت أخاه " أضعف.
فأما قول الله تعالى: يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ (١).
فإنما اختير الرفع في الثاني، وإن كان قبله جملة مبنية على فعل، من قبل أن هذه الواو ليست بواو عطف، فيكون حكمها ما ذكرنا، وإنما هي واو الابتداء تقع للحال كقولك: " لقيت زيدا وأبوه قائم " و " رأيت أباك وعمرو منطلق "، وإنما أردت: " لقيت زيدا " في حال: أبوه فيها قائم، وكذلك قوله تعالى: يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ (٢)، كأنه قال: يغشى طائفة منكم في حال طائفة قد أهمتهم أنفسهم، أو يغشى طائفة منكم إذ طائفة قد أهمتهم أنفسهم. وهذه الواو تسمى واو الابتداء، وقد يجوز النصب على أن تجعلها واو عطف بإضمار: وتهم طائفة أنفسهم قد أهمتهم أنفسهم، ويجوز أن تجعلها واو عطف، وترفع على ما ذكرنا ما قولك: " لقيت زيدا وعمرو كلمته ". إلا أنا جعلناها واو الابتداء؛ لأن القراءة بالرفع فحملناه على أجود الوجوه في المرفوع.
قال: (ومما يختار فيه النصب قوله: " ما لقيت زيدا ولكن عمرا مررت به " و " ما لقيت زيدا بل خالدا لقيت أخاه ").
جعل ما بعد " بل " و " لكن " بمنزلة ما بعد الواو فيما مضى؛ لأن " بل " و " لكن " من حروف العطف، كما أن الواو من حروف العطف، فما بعدهما كما بعد الواو إذا تقدمت جملة مبنية على فعل وإن كان قبلها حرف نفي، فيكون بمنزلة قولك: " لقيت زيدا وعمرا لم ألقه "؛ لأن الفعل الذي بعد " لم " وإن كان منفيا في العمل بمنزلة الموجب، فتنصب " عمرا " كما تنصبه إذا قلت: " وعمرا لقيته "، ويكون الإضمار: ولم ألق عمرا لم
стр. 387
ألقه، حتى يكون المضمر مشاكلا للمظهر.
قال سيبويه: (يكون الآخر في أنه يدخله في الفعل بمنزلة هذا، حيث لم يدخله لأن " بل "، و " لكن " لا يعملان شيئا، ويشركان الآخر مع الأول؛ لأنهما " كالواو "، و " ثم " و " الفاء "، فأجروهما مجراهن فيما كان النصب فيه الوجه، وفيما جاز فيه الرفع إن شاء الله).
يعني: أن قولك: " ما لقيت زيدا ولكن عمرا مررت به "، الأول فعل منفي ب " ما "، والثاني موجب ب " لكن "، ويختار فيه حمل الثاني على الأول في باب النصب وإضمار الفعل، وإن اختلفا في الإيجاب والنفي، كما أن قولك: " لقيت زيدا وعمرا لم ألقه " قد أوجبت فيه الفعل الأول ونفيت الثاني، وعمل الفعل على حاله غير مختلف، و " لكن " في إدخال الاسم في الفعل المنفي عن الأول بمنزلة " الواو " في قولك: " وعمرا لم ألقه " في نفس الفعل الذي أوجبته للأول عن الثاني؛ لأن حروف العطف تعمل عملا واحدا، وإن كانت معانيها مختلفة، فكل ما كان النصب فيه الوجه مع " الواو "
كان كذلك مع " لكن ".
ويجوز الرفع في " لكن "، و " بل "، كما جاز في الواو، وذلك قولك: " ما رأيت زيدا لكن عمرو مررت به " فهذا معنى قوله: (وفيما جاز فيه الرفع) فاعرفه إن شاء الله.
هذا باب ما يحمل فيه الاسم على اسم بني عليه الفعل مرة ويحمل مرة أخرى على اسم مبني على الفعل
(أي ذلك فعلت جاز.
فإن حملته على الاسم الذي بني عليه الفعل كان بمنزلته إذا بنيت عليه الفعل مبتدأ، يجوز فيه ما يجوز فيه إذا قلت: " زيد لقيته "، وإن حملته على الذي بني على الفعل، اختير فيه النصب، كما اختير فيما قبله وجاز فيه ما جاز في الذي قبله، وذلك قولك: " عمرو لقيته وزيد كلمته "، إن حملت الكلام على الأول، وإن حملته على الآخر قلت: " عمرو لقيته وزيدا كلمته ").
قال أبو سعيد: اعلم أن الكلام إذا كان مبتدأ وخبرا، ثم عطفت عليه جملة في أولها اسم، وبعده فعل مشتغل بضميره، كان الاختيار رفع الاسم الثاني بالابتداء كحاله لو لم
стр. 388
تكن قبله جملة، كقولك: " زيد أفضل منك وعمرو كلمته "، و " زيد أخوك وأبوك قمت إليه "؛ لأنه لم يتقدم الجملة الثانية شيء يوجب إضمار الفعل الناصب للاسم الذي في أوله، فصار بمنزلة مبتدأ. وقد قدمنا أن الجملة الأولى، إذا كانت مصدرة بفعل مضمر كان الاختيار في الاسم الذي في الجملة الثانية النصب، على إضمار فعل يفسره الفعل الذي بعده فهذان أصلان لما يشتمل عليه هذا الباب.
وذلك أنك إذا قلت: " زيد لقيته وعمرو كلمته " ففيه جملتان إحداهما مبنية على اسم ولا موضع لها والأخرى مبنية على فعل ولها موضع، فالجملة التي هي مبنية على اسم، قولك: " زيد لقيته كما هو " لأن " زيدا " مبتدأ، ولقيته خبره، والجملة التي هي مبنية على فعل قولك: " لقيته " لأنه فعل وفاعل، وهذه الجملة التي هي فعل وفاعل خبر " زيد ".
ومعنى قولنا: جملة لها موضع هو: أنّا متى نحينا الجملة جاز أن يقع موقعها اسم واحد، فيلحقه الإعراب. والجملة التي ليس لها موضع: هي التي إذا نحيناها لم يقع موقعها اسم، فأما الجملة التي لها موضع فقولك: " مررت برجل أبوه قائم "، و " رأيت رجلا قام عمرو إليه " لأنك لو نحّيت " أبوه قائم " أو " قام عمرو إليه " لقلت: " مررت برجل قائم " و " رأيت رجلا قائما " فيقع موقع الجملة اسم واحد، وقولك: " مررت برجل أبوه قائم " هو جملة ليس لها موضع من الإعراب؛ لأنك لو نحيتها كما هي لم يقع موقعها اسم.
فإذ قد وطّأنا أمر الجمل نرجع إلى قولك: " زيد لقيته وعمرو كلمته ".
قال سيبويه: (أنت في " عمرو " بالخيار، إن شئت نصبته، وإن شئت رفعته).
وذلك أنه قد تقدمته جملتان: إحداهما مبنية على اسم، وهي قولك: " زيد لقيته كما هو "، والأخرى قولك: " لقيته "، فإن عطفته على الجملة التي هي " زيد لقيته كما هو "، رفعت عمرا؛ لأن صدر الجملة اسم، وإن عطفته على الجملة التي هي " لقيته "، نصبت؛ لأن صدر الجملة فعل فيصير بمنزلة قولك: " لقيت زيدا وعمرا كلمته ".
وقد أنكر الزيادي وغيره من النحويين هذا على سيبويه، فقالوا: إذا قلنا: " زيد لقيته وعمرو كلمته " لم يجز حمل " عمرو " على " لقيته "، وذلك أن لقيته " جملة لها موقع، ألا ترى أنك تقول: " زيد ملقى "، و " زيد قائم "، فيقع موقعها اسم واحد، وهي خبر " لزيد "، وكل شيء عطفت عليها وقع موقعها، وصار خبرا " لزيد "، كما هي خبر له، و " عمرو كلمته " لا يجوز أن يكون خبرا " لزيد "؛ ألا ترى أنك تقول: " زيد عمرو كلمته "، فالهاء
стр. 389
تعود على عمرو ولا شيء يعود إلى زيد من الجملة.
فإن جعلت في " عمرو كلمته " ما يعود إلى " زيد " جاز حينئذ ما قال سيبويه من الوجهين جميعا: وذلك قولك: " زيد لقيته وعمرو كلمته عنده "، فتجعل الهاء في " عنده " عائدة إلى " زيد "، أو في " كلمته "، وتجعل الأخرى عائدة إلى عمرو؛ لأنك في هذا الوجه إذا عطفت " عمرو كلمته عنده " على " لقيته " الذي هو خبر " زيد " جاز، وصار خبرا له أيضا؛ ألا ترى أنك تقول: " زيد عمرو كلمته عنده "، فتصير الجملة خبرا ل " زيد "، وأظن سيبويه إنما أراد ذلك، إذ جعل في الجملة الثانية ضميرا يعود إلى " زيد " واشتغل بأن أرانا جواز رد الجملة الثانية إلى المبتدإ مرة وإلى المفعول مرة ولم يشتغل بتصحيح لفظ المسألة.
وقال سيبويه: (ومثل ذلك " زيد لقيت أباه وعمرا مررت به "، إن حملته على " الأب "، وإن حملته على الأول رفعته).
والكلام في هذا كالكلام في الأول.
قال: (والدليل على أن الرفع والنصب جائز كلاهما، أنك تقول: " زيد لقيت أباه وعمرا "، إن أردت أنك " لقيت عمرا والأب "، وإن زعمت أنك " لقيت أبا عمرو " ولم تلقه رفعته ومثل ذلك " زيد لقيته وعمرو "، إن شئت رفعت، وإن شئت قلت: " زيد لقيته وعمرا ").
فاستشهد على جواز حمل الاسم الذي في الجملة الثانية على المنصوب في الجملة الأولى بقولك: " زيد لقيت أباه وعمرا " قال: فلما جاز عطف " عمرو " على " الأب " مرة، وعلى " زيد " مرة، جاز ذلك في قولك: " وعمرا كلمته ".
فقال له الزيادي: هذا غير مشبه لذلك؛ لأن قولنا: " وعمرا " ليس بجملة وإنما هو اسم واحد وقع عليه الفعل الذي
وقع على " الأب " بعينه، فقد صار " عمرو " مع " الأب " مفعولي " لقيت "، و " لقيت " خبرا " لزيد "، وفي مفعوليه ما يعود إليه، وهو الهاء في " الأب "، و " عمرو كلمته " جملة قائمة بنفسها ليست بداخلة في الفعل الأول ولا الفعل الأول واقع عليها.
قال سيبويه: (ومثل ذلك " زيد لقيته وعمرو "، إن شئت رفعت، وإن شئت قلت:
" زيد لقيته وعمرا " تقول أيضا: و " زيد ألقاه وعمرو وعمرا ").
قال: (فهذا يقوى أنك بالخيار في الوجهين)
стр. 390
وقد بينا الكلام في ذلك.
قال: (وإذا قلت: " مررت بزيد وعمرا مررت به " نصبت، وكان الوجه؛ لأنك بدأت بالفعل ولم تبتدئ اسما بنيته عليه، ولكنك قلت: " فعلت " ثم بنيت عليه المفعول، وإن كان الفعل لا يصل إلا بحرف الإضافة، فكأنك قلت: " مررت زيدا ").
يعني: أن قولك: " مررت بزيد " بمنزلة قولك: " ضربت زيدا "؛ لأن " مررت " فعل، كما أن " ضربت " فعل، وإن كان " مررت " لا يتعدى إلا بحرف، فإذا كان كذلك فينبغي أن تختار في الجملة الثانية نصب الاسم، كما اختير من " ضربت زيدا " نصب الاسم في الجملة الثانية.
قال: (ولولا أنه كذلك، ما كان وجه الكلام: زيدا مررت به ولا لقيت زيدا وعمرا مررت به وقمت وعمرا مررت به).
يعني أنك إذا قلت: زيدا مررت به أضمرت فعلا ينصب " زيدا "، وإن كان " مررت " قد تعدى إلى ضميره بحرف، كما ينصب الاسم إذا تعدى الفعل إلى ضميره بغير حرف، كقولك: " أزيدا ضربته ".
قال: (ونحو ذلك " خشنت بصدره "، " فالصدر " في موضع نصب وقد عملت الباء.
يريد: أن " خشنت بصدره "، كقولك " خشّنت صدره "، فإن دخول الباء لم يغير حكم الفعل؛ ليريك أن " مررت بزيد "، كقولك: " ضربت زيدا "، وكقولك: " مررت زيدا " لو كان يتكلم به.
قال: كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ (١)، وإنما هو: كفى الله، ولكنك لما أدخلت الباء عملت، والموضع موضع نصب، والمعنى معنى النصب، وهذا قول الخليل).
يعني: أن قوله: " كفى بالله " لو نزعت الباء، لقلت: " كفى الله " والباء زائدة، وقد جرت الاسم الذي بعدها، وإن كان موضعه رفعا بالفعل الذي قبله، فكذلك موضع زيد نصب، إذا قلت: " مررت بزيد ".