فإذا بلغت إلى الألف أضفت إلى واحد، فقلت: ألف درهم، كما أضفت " المائة " إلى الواحد حين قلت: مائة درهم، والعلة فيه كالعلة فيها؛ من قبل أن الألف على غير قياس ما قبله؛ لأنك لم تقل: عشر مائة، كما قلت: تسعمائة، وصغت لفظا يدل على العقد الذي بعد تسعمائة، غير جار على شيء قبله، كما فعلت ذلك بالمائة، حين لم تجرها على قياس التسعين، فإذا جمعت الألف جمعته على حد ما يجمع عليه الواحد.
وتضيف ثلاثته وأربعته إلى جماعة نوعه، فتقول: ثلاثة ألف وعشرة ألف، كما قلت: ثلاثة أثواب وعشرة أثواب.
وإنما خالف جمع الألف في الإضافة جمع المائة؛ لأن الألف عشرته كثلاثته، فصار بمنزلة الآحاد التي عشرتها كثلاثتها، وليس عشرة المائة كثلاثتها، وقد بينا هذا فيما تقدم، وليس بعد الألف شيء من العدد على خلاف لفظ الآحاد إلى الألف، فإذا تضاعف أعيد عليه اللفظ بالتكرير كقولك: عشرة آلاف ألف ومائة ألف ألف ونحو ذلك،
وإنما قلت: عشرة آلاف درهم، لأن الألف قد لزم إضافته إلى واحد يبيّنه، وكذلك جماعته كواحده في تبيينه بالواحد من النوع، واعلم أن " الألف " مذكر، تقول: أخذت منه ألفا واحدا، وقال الله : بِثَلاثَةِ آلافٍ (١) فأدخل الهاء على الثلاثة فدل على تذكير الألف، وربما قيل: هذه ألف درهم، يريدون: " هذه الدراهم " فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى:
قال سيبويه: " فعلى هذا يجرى الواحد إلى التسعة ".
يعني يجرى النّيّف من " أحد عشر " إلى " تسعة عشر " مجرى واحدا في بناء أحدهما مع الآخر، وقد بيناه بما فيه.
قال سيبويه: " فإذا ضاعفت أدنى العقود كان له اسم من لفظه ولا يثنى ذلك العقد " يعني " عشرين " واسمها من لفظها؛ لأنها ليست بتثنية شيء ينطق به ولا بجمعه؛ لأنك لا تجد شيئا من العدد تقع عليه عشر، فقد صح أنه ليس بتثنية عشرة، ولا بجمع شيء ينطق به.
قال سيبويه: " ويجرى ذلك الاسم مجرى الواحد الذي لحقته الزيادة للجمع،
стр. 597
كما لحقته الزيادة للتثنية، ويكون حرف الإعراب الواو والياء، وبعدهما النون، وذلك قولك: عشرون درهما ".
قال أبو سعيد: يعني يجرى " العشرون " بما لحقه من الواو والنون بمنزلة اسم كان على عشر، فجمع جمع السلامة، الذي هو بمنزلة التثنية في سلامة الواحد، ولحاق الزيادة، ويدخل التغيير على زيادته من واو إلى ياء، كما قد عرفت في الجموع السالمة.
قال سيبويه: " فإن أردت أن تثلث أدنى العقود كان له اسم من لفظ الثلاثة يجرى مجرى الاسم الذي كان للتثنية، وذلك قولك: " ثلاثون عبدا "، وكذلك إلى أن تتسّعه ".
قال أبو سعيد: يعني أن الثلاثين قد فعل بها ما فعل بالعشرين من إجرائها على حد جمع السلامة، إلا أن لفظها مأخوذ من الثلاثة، بإسقاط الهاء غير مغيّر منه شيء، إلا إسقاط الهاء، وكذلك إلى التسعين مأخوذ من الثلاثة إلى التسعة على حد ما ذكرناه من أخذ " الثلاثين " من " الثلاثة ".
قال سيبويه: " وتكون النون لازمة له كما كان ترك التنوين لازما للثلاثة إلى العشرة ".
قال أبو سعيد: يعني أن النون والتمييز لازم للعشرين إلى التسعين، كما كان ترك التنوين والإضافة لازما للثلاثة إلى العشرة، وقد ذكرنا هذا مشروحا فيما مضى.
قال سيبويه: " وإنما فعلوا هذا بهذه الأسماء؛ وألزموها وجها واحدا؛ لأنها ليست كالصفة التي في معنى الفعل، ولا التي شبّهت به ".
قال أبو سعيد: يعني إنما ألزموها النون ولم يجيزوا إضافتها إلى الجنس، فيقولوا:
" عشرو درهم "، كما قالوا في الصفة التي في معنى الفعل، يريد اسم الفاعل: " ضاربون زيدا " و " ضاربو زيد "، وفي الصفة المشبّهة: حسنون وجوها؛ وحسنو وجوه؛ لأنها- أعني عشرين- لم تقو قوة اسم الفاعل والصفة المشبهة فلم تصرّف تصرفهما، وألزمت طريقا واحدا، وقد مرّ في هذا ما يغني عن إعادته.
قال سيبويه: " ولم يجز حين جاوزت أدنى العقود فيما تبيّن به من أيّ صنف العدد، إلا أن يكون لفظه واحدا، ولا يكون فيه الألف واللام لما ذكرت لك، وكذلك هو إلى التسعين فيما يعمل فيه، ويبيّن به من أيّ صنف العدد ".
стр. 598
قال أبو سعيد: يعني أنه لا يجوز أن يجعل المميز من " أحد عشر " الذي يلي أدنى العقود إلى " تسعة وتسعين " إلا واحدا منكورا لا ألف فيه ولا لام.
قال سيبويه: (فإذا بلغت العقد الذي يليه تركت التنوين والنون وجعلت الذي يعمل فيه ويبيّن به العدد من أيّ صنف هو واحدا).
قال يعني: إذا بلغت عقد العشرة وهو " مائة " أضفت إلى واحد منكور.
قال سيبويه: (كما فعلت ذلك فيما نوّنت فيه، إلّا أنك تدخل فيه الألف واللام، لأن الأول يكون به معرفة ولا يكون المنّون به معرفة، وذلك قولك: " مائة درهم " و " مائة الدرهم ").
قال أبو سعيد: يعني بينت " مائة " بواحد أضفتها إليه، كما بيّنت ما فيه النون، وما كان في تقدير التنوين نحو: " خمسة عشر " بواحد ميّزه؛ لأن الواحد الذي أضيفت إليه المائة قد يكون معرفة بدخول الألف واللام عليه، وقد تكون " المائة " معرفة بإضافتك إياها إليه، والواحد الذي يميز " العشرين " ونحوها لا تدخله الألف واللام، ولا يتعرف الأول به، وقد مر تفسير هذا.
قال سيبويه: (وكذلك إن ضاعفته فقلت: مائتا الدرهم ومائتا الدينار).
يعني أنك تضيف " المائتين " إلى واحد بينهما، كما أضفت المائة، وتعرّف ذلك الواحد بإدخال الألف واللام، كما فعلت ذلك بالمائة.
قال سيبويه: " وكذلك العقد الذي بعده واحدا كان أو مثنى، وذلك قولك: ألف درهم وألفا درهم ".
قال أبو سعيد: يعني أن ألف درهم وألفي درهم، كمائة درهم ومائتي درهم.
قال سيبويه (وقد جاء في الشعر بعض هذا منونا، قال الرّبيع بن ضبع الفزاري):
إذا عاش الفتى مائتين عاما ... فقد ذهب اللذاذة والفتاء (١)
وقال آخر:
أنعت عيرا من حمير خنزره ... في كل عير مائتان كمره (٢)
стр. 599
قال أبو سعيد: قد ذكرنا هذين البيتين بما يستحقانه من التفسير.
قال سيبويه: " وأما تسعمائة فكان ينبغي أن تكون في القياس " مئين " أو " مئات "، ولكنهم شبّهوه بعشرين وأحد عشر، حيث جعلوا ما يبيّن به العدد واحدا؛ لأنه اسم لعدد ".
قال أبو سعيد: يعني أن القياس في " تسعمائة " كان بجمع المائة، فكان ينبغي أن تقول: " ثلاث مئات " أو " ثلاث مئين "، وذلك أن " ثلاثا " و " تسعا " تضاف إلى جماعة في الآحاد فانبغى أن تكون هاهنا أيضا مضافة إلى جماعة غير أنهم أضافوها إلى واحد، وبينوها كما بيّنوا " أحد عشر " و " عشرين " بواحد، وقد بينا وجه الشبه فيه.
قال سيبويه: " وليس بمستنكر في كلامهم أن يكون اللفظ واحدا، والمعنى جمع حتى قال بعضهم في الشعر من ذلك ما لا يستعمل في الكلام، قال علقمة بن عبدة ":
بها جيف الحسرى فأمّا عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب (١)
وقال آخر:
لا تنكروا القتل وقد سبينا ... في حلقكم عظم وقد شجينا (٢)
قال أبو سعيد: يعني ليس بمستنكر في كلام العرب أن يكون اللفظ واحدا، ويكون عبارة عن جميع، ولا سيما في باب العدد، كما قلنا في: " عشرين درهما "، و " مائة درهم "، وقد استعملت العرب لفظ الواحد بمعنى الجميع في الشعر، لمّا لم يستعمل في الكلام؛ لأن من كلامهم في مواضع كثيرة العبارة عن الجميع بواحد، فحمل الشاعر هذا المعنى بأن استعمل لفظ الواحد بمعنى الجمع في غير تلك المواضع، وهو البيت الذي أنشده لعلقمة.
وإنما يريد وأما: " جلودها " فاكتفى بقوله: " جلدها " عن جلودها، وإنما يصف فلاة قطعها، ويذكر بعدها فيقول: " بها جيف الحسرى " أي بها جيف الإبل المعيبة التي قد تركت في هذه الفلاة لبعدها، " فأما عظامها فبيض " أي قد
تفصّلت وظهرت من اللحم، وأكلت الطيور والسباع ما عليها من اللحم، وأما جلودها فقد سال ودكها عليها، بوقوع
стр. 600
الشمس وإحمائها لها، وكان ينبغي أن يقول: " جلودها " كما قال: " عظامها ".
وأما البيت الثاني فالشاهد منه: " في حلقكم عظم " وإنما أراد في حلوقكم، لأنهم جماعة، وكأنّ هؤلاء قوم سبوا من عشيرة هذا الشاعر، وباعوا ما سبوا منهم، ثم ثاب لعشيرة هذا الشاعر ظفر لمن سبي منهم، فقتلوا منهم، فقال شاعرهم وهو: " المسيّب بن زيد مناة الغنوي " من القبيلة التي عاقبت وقتلت، ويخاطب الآخرين، الذين سبوا منهم:
لا تنكروا القتل وقد سبينا
والأبيات في غير كتاب سيبويه، يقولها المسيب بن زيد مناة الغنوي، يخاطب حنظلة بن الأعرف الضبابيّ:
إن تك مقتولا فقد سبينا ... أو تك مجذوعا فقد شرينا
أو تك مفجوعا فقد وهينا ... في حلقكم عظم وقد شجينا (١)
" شرينا " أي باعونا، وقوله: " شجينا " أي شجينا نحن، و " في حلقكم عظم " هذا مثل، كأنّه يقول: قد غصصتم؛ لشدة ما نزل بهم كأنّ في حلوقكم عظاما لا تنزل ولا تخرج، ومعنى " شجينا " أي شجينا نحن أيضا كما أصابكم، ولا تنزل الغصّة ولا تخرج، ومن ذلك شجيت الساق بالخلخال، إذا لم يكن الخلخال قلقا فيها، ويقال: " فلان شجى " في حلق فلان " إذا كان يثقل عليه أمره فلا يستسيغه، فاعرفه إن شاء الله تعالى.
قال سيبويه: " واختص بهذا الباب إلى تسعمائة ".
يعني أضيف: " الثلاث " و " التسع " وما بينهما إلى " مائة " وهي واحدة، وليس ذلك بالقياس في إضافة: " الثلاث "؛ لأن الثلاث حكمها أن تضاف إلى جماعة، غير أن الثلاث خصت بالإضافة إلى مائة.
وقد تقدم المعنى الذي له خصّت بذلك.
قال سيبويه: (كما أن " لدن " لها مع غدوة حال ليست لها في غيرها تنصب بها).
يعني: أن " لدن " ينخفض ما بعدها؛ لأنها بمنزلة " عند " فتقول: " من لدن زيد " و " لدن عشية " و " لدن عتمة " وما أشبه ذلك، وهو القياس فيها، غير أنهم قد قالوا: " لدن غدوة " فنصبوا بها " غدوة " خاصة، وإنما نصب بها " غدوة "؛ لأن فيها لغات: منهم من
стр. 601
يقول: " لدا ولد " وغير ذلك، فالذي نصب بها شبه النون الداخلة على " لد " بعد فقدها منه، بمنزلة النون الداخلة في " عشرين "، بعد نزعها منه في قولك: " عشرو زيد " و " عشرون درهما "؛ إذ كانت تسقط في حال، وتثبت في حال، وقال بعضهم: " لدن غدوة " فنصب بها " غدوة " خاصة، كأنه أدخل النون على " لد " في لغة من يسكّنها ثم فتح الدال؛ لالتقاء الساكنين كما قالوا: " اضربن زيدا "، ففتحوا الباء لالتقاء الساكنين.
قال سيبويه: (كأنه ألحق التنوين في لغة من قال " لد "، وذلك قولك: " من لدن غدوة " وقال بعضهم من لدن غدوة كأنه أسكن الدال ثم فتحها، كما قال: " اضربن زيدا "، ففتح الباء لما جاء بالنون الخفيفة، والجر في " غدوة " هو الوجه والقياس وتكون النون من نفس الكلمة بمنزلة من وعن).
قال أبو سعيد: يعني أن النون في " لدن " بمثلة النون في " من " والدليل على ذلك أنه يخفض بها مع ما بعدها، مع ثبات النون، فعلمنا أن النون من صيغتها، وقد مرّ الكلام في هذا الفصل.
قال سيبويه: " وقد يشذّ الشيء من كلامهم عن نظائره ويستخفون الشيء في موضع لا يستخفونه في غيره ".
يعني في شذوذ " غدوة " مع " لدن ".
ومن ذلك قولهم: ما شعرت به شعرة وليت شعري.
قال أبو سعيد ﵀: يعني أن مصدر " شعرت " إنما هو " شعرة " في أكثر المواضع بإثبات الهاء، وهي مع " ليت " بحذفها؛ إذ قالوا: " ليت شعري " لما كثر استعمالها طرحوا الهاء منها.
ومثل ذلك تقول: امرأة عذراء بيّنة العذرة، كما تقول: حمراء بينة الحمرة، ويقولون لمن افتضها: هو أبو عذرها، يريدون أبو عذرتها، أي صاحب عذرتها، وجرى ذلك مثلا لكل من يستخرج شيئا أن يقال له: أبو عذرها، والأصل فيه: " عذرة المرأة " واستخفوا بطرح الهاء حين جرى في كلامهم مثلا، وكثر استعمالهم له.
قال سيبويه: (وتقول العمر والعمر، ولا يقولون في اليمين إلا بالفتح، يقولون كلّهم: " لعمرك " وسترى أشباه هذا في كلامهم إن شاء الله تعالى).
قال أبو سعيد: وإنما قالوا في اليمين بالفتح حين كثر الحلف، فاختاروا أخفّ
стр. 602
اللفظين، وتركوا الآخر الذي في معناه، وإنما يستدل " سيبويه " بما ذكر من ذلك، أنّ اللفظ قد تكون له حال، لا
تكون لنظيره لضرب من العلل.
قال سيبويه: (ومما جاء في الشعر على لفظ الواحد يراد به الجمع:
كلوا في بعض بطنكم تعفّوا ... فإن زمانكم زمن خميص) (١)
قال: وهو مثل البيتين الأولين أراد في بعض بطونكم، ومعنى هذا البيت أنهم في زمن من مجاعة فيأمرهم أن يأكلوا بعض الشبع، فإن الزمان فيه جدوبة.
قال سيبويه: (ومثل ذلك في الكلام قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً (٢)، و " قررنا به عينا " وإن شئت قلت: أعينا وأنفسا، كما قلت: ثلثمائة وثلاث مئين ومئات ".
وقد مر تفسير ذلك.
قال سيبويه: " ولم يدخلوا الألف واللام كما لم يدخلوا في امتلأت ماء ".
قال أبو سعيد ﵀: يعني لم يدخلوا الألف واللام في " طبت به نفسا " ونحوه.
هذا باب استعمال الفعل في اللفظ
لا في المعنى؛ لاتساعهم في الكلام، وللإيجاز والاختصار. فمن ذلك أن تقول على قول السائل: " كم صيد عليه " وكم غير ظرف؛ لما ذكرت لك من الاتساع والإيجاز فتقول: " صيد عليه يومان "، وإنما المعنى صيد عليه الوحش في يومين، ولكنه اتسع واختصر؛ ولذلك وضع السائل " كم " غير ظرف.
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الفصل قد اشتمل على معان يكشفها التفسير، منها أن تعلم أن في الظروف ما يجوز أن يستعمل اسما كزيد وعمرو، كقولك: " صمت اليوم " على مثل: " ضربت زيدا "، وتجعل " اليوم " مفعولا كزيد.
ومنها أن تعلم أن المبتدأ إذا كان بعده فعل فيه ضميره، جاز أن يجري على المبتدأ من الاسم ما لزم ضميره من اللفظ، كقولك: " زيد ضربته " يجوز أن يقال: " زيد " مفعول، ونحن نعلم أن " زيدا " مبتدأ، وإنما يراد ضميره مفعول.
стр. 603
ومنها أن تعلم أن الاسم الذي يستفهم به، إذا كان له موضع من رفع أو نصب أو جر، فجوابه يكون على لفظ ما
يستحقّ الاستفهام، وعلى تقدير عامله الذي عمل فيه كقولك: " كم رجلا جاءك " فتقول: " عشرون "، وذلك أن " كم " في موضع مبتدأ، وهو حرف الاستفهام و " جاءك " خبره، ورجلا على التمييز، والجواب: " عشرون " على لفظ كم مرفوع بالابتداء وتقديره " عشرون رجلا جاءني ".
وإذا قال: " كم رجلا رأيت " فالجواب: " عشرين "؛ لأن " كم " في موضع نصب برأيت.
وإذا قال: " بكم رجلا مررت " قلت: " ثلاثة رجال " فخفض؛ لأن " كم " في موضع خفض.
ومنها أن الظرف الذي يجوز إجراؤه مجرى الأسماء يجوز أن يقام مقام الفاعل مجازا؛ لأنا قد جعلناه بمنزلة " زيد " كقولك: " سير بزيد يوم طويل "، كما تقول: " ضرب بزيد الحائط "، فقد أقمت " اليوم " مقام الفاعل وجعلته كالأسماء الصحيحة. ومنها أن تعلم أن المقادير المضافة إلى الأنواع المميزة بها، حكمها حكم ما أضيفت إليه، وميزت به كقولنا: " سرت عشرة أيام "، فعشرة هي الظرف؛ لأنها مقدار أضيف إلى الأيام و " أيام " ظرف، و " سرت عشرين يوما "، " العشرون " ظرف؛ لأنها مقدار مميّز بظرف.
فتقول الآن: إن قول السائل: " كم صيد عليه " أرادكم يوما صيد عليه، فكم مبتدأ، وهو مقدار مميّز بظرف فهو إذن ظرف و " صيد عليه " خبره، وفي " صيد " ضمير يعود إلى " كم " قد أقيم مقام الفاعل، فصار ذلك الضمير بمنزلة سير عليه يوم طويل.
وقوله: ولم يجعل " كم " ظرفا. أراد لم يجعل ضمير " كم " الذي في " صيد " فعبّر بلفظ " كم " عن ضميره ولم يجعله ظرفا؛ لأنه قد أقامه مقام الفاعل، ثم أتى المجيب بنحو ما بنى السائل عليه كلامه، فجعل اليومين مرفوعين بصيد، ولم يجعلهما ظرفا، كما لم يجعل الضمير الذي في " صيد " ظرفا حين سأل، وهو مجاز واتساع؛ لأن " اليوم " لا يصاد، وإنما يصاد فيه كما قال:
أما النهار ففي قيد وسلسلة ... والليل في جوف منحوت من الساج (١)
стр. 604
وإنما أراد أن الرجل في قيد وسلسلة في النهار، فكذلك المعنى صيد عليه الوحش في يومين.
قال: (ومن ذلك أيضا أن تقول: " كم ولد له؟ " فيقول: " ستون عاما "، والمعنى ولد له الأولاد، وولد له الولد ستين عاما).
فحذف الأول وأقام الستين مقام الأولاد اتساعا.
ومن ذلك أن يقول: " كم ضرب به "؟ فتقول: " ضرب به ضربتان " و " ضرب به ضرب كثير ".
فمعنى " كم " هاهنا معنى المصدر، كأنه قال: " كم ضربة ضرب به " يريدكم ضرب بزيد، وفي " ضرب " ضمير يعود إلى " كم " قد أقيم مقام الفاعل وهو مصدر: فلذلك كان جوابه: " ضرب به ضربتان "، فسبيل المصدر في الاتساع كسبيل الظرف؛ لأنك إذا قلت:
" ضرب بزيد ضرب شديد " فالضرب ليس بمضروب في الحقيقة، وإنما المضروب الذي وقع به الضرب، وجعلت الضرب مفعول: " ضرب " مجازا.
قال: (ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها (١) وإنما يريد أهل القرية فاختصر، وعمل الفعل في " القرية " كما كان عاملا في " الأهل " لو كان هاهنا).
وقد بينا حذف المضاف والاكتفاء بالمضاف إليه فيما مضى، وإنما ذكره سيبويه حجة في الاتساع والاختصار؛ لأن المسألة في اللفظ للقرية والمعنى للأهل، فكذلك قولهم: " ولد له ستون عاما " لفظ " الأولاد " للأعوام، والمعنى للأولاد في الأعوام، على أن بعض الناس يزعم أن ذلك على الحقيقة، وأن مسألة القرية من " يعقوب " ﵇ صحيحة؛ لأن القرية يجوز أن تخاطبه؛ إذ كان نبيّا، وتكون مخاطبتها معجزة له.
ولا معنى للتشاغل بنقض هذا الكلام؛ إذ كان جوازه في كلام العرب وغيرهم أشهر من أن تحتاج معه إلى إقامة دليل.
стр. 605
قال: " ومثله بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ (١) والمعنى بل مكرهم في الليل والنهار، ومثله وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ (٢) وإنما هو ولكن البرّ برّ من آمن بالله ".
وفي هذا وجه آخر، وهو أن يجعل البر في معنى البارّ، فكأنه قال تعالى: ولكن البارّ من آمن بالله.
قال: (ومثله في الاتساع قوله : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما (٣) المعنى: مثلكم ومثل الذين كفروا كمثل ... الناعق والمنعوق به).
فالناعق الراعي والمنعوق به الغنم، فجعل المؤمنين كالراعي والكفار كالمنعوق به، والتمثيل في ذلك كلّه أن الكفار لم يعتقدوا ما خوطبوا به، ولم يحصلوا به أكثر من سماعه، ويدلك على صحة هذا أن الكفار لم يشبّهوا بما
ينعق؛ لأن الذي ينعق هو الراعي، وهم لم يشبهوا به، وإنما شبّهوا بالمنعوق به.
وقال بعضهم: أراد بقوله تعالى: كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ الذي ينعق به، كما قال تعالى: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ (٤) أي ينطق به، وكما قال تعالى: وَالنَّهارَ مُبْصِراً (٥) أي يبصر فيه، والمعنى في هذا التأويل أنه جعل الذين كفروا في دعاء بعضهم لبعض كمثل صياح الغنم بعضها ببعض، واللفظ مقلوب على ما خبّرتك.
قال: ومثل ذلك " بنو فلان يطؤهم الطريق " يريد يطؤهم أهل الطريق ".
وهذا مدح، والمعنى فيه أن بيوتهم على الجادة فالمارّة تنزل عليهم ويضيفونهم، فجعل مرور أهل الطريق بهم وطأهم إياهم.
وقالوا: " صدنا قنوين " وإنما يريد صدنا بقنوين أو صدنا وحسن قنوين وإنما قنوان اسم أرض.
قال: وفي السعة مثله " أنت أكرم عليّ من أن أضربك "، و " أنت أنكد من أن تتركه " إنما يريد أنت أكرم عليّ من صاحب الضرب.
стр. 606
والقول في ذلك ما قاله " أبو إسحاق الزجاج " ﵀، قال: إن قدّرته: أنت أكرم عليّ من ضربك، لم يجز لأنك لست تريد أن تخبر أنه أكرم عليك من ضربه، وهذا هو ظاهر الكلام، وإن حمل المعنى عليه بطل، قال أبو إسحاق: وتهذيب هذا الكلام هو: كأن قائلا قال: " أنت تضربني " فنسب الضرب إلى نفسه، فقال الآخر: أنت أكرم عليّ من صاحب الضرب الذي نسبته إلى نفسك، وليس ذلك.
ومثل هذا أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (١) وليس لله تعالى شريك، وإنما جاز هذا؛ لأنهم جعلوا لله تعالى شركاء في زعمهم، فكأنه قال: أنت أكرم عليّ ممن يستحق ما زعمت أنه لك، ونسبته إلى نفسك، وأنشد سيبويه قول " النابغة الجعدي " مستشهدا لجواز الحذف:
كأنّ عذيرهم بجنوب سلّى ... نعام قاق في بلد قفار (٢)
أراد عذير نعام، والعذير الحال، وقال " أبو العباس " وحده: العذير الصوت، وما فسر أحد سواه ذلك، و " قاق ": صوت.
ومن ذلك قول عامر بن الطفيل:
فلأبغينّكم قنا وعوارضا ... ولأقبلنّ الخيل لابة ضرغد (٣)
أراد بقنا وعوارض، وحذف الباء فأوصل الفعل ومعناه: ولأطلبنكم بهذين المكانين.
قال: ومن ذلك قولهم: " أكلت أرض كذا وكذا، أراد أكلت خير بلد كذا، ومنه قولهم: هذه الظهر، أو العصر، أو المغرب ".
تريد هذه صلاة الظهر وصلاة العصر، وصلاة المغرب؛ لأن الظهر اسم للوقت، وكذلك العصر، كأنه أراد هذه صلاة هذا الوقت، ومنه قولهم: " اجتمع القيظ "، وإنما يريدون: اجتمع الناس في القيظ، وتقديره: اجتمع ناس القيظ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
стр. 607
وقال الحطيئة:
وشرّ المنايا ميّت بين أهله ... كهلك الفتى قد أسلم الحيّ حاضره (١)
يريد: وشر المنايا منية ميّت بين أهله، كموت الفتى، وقد أسلم الحيّ حاضره، والحيّ هو الفتى، قد أسلمه الحاضرون له من أهله؛ لأنهم لا حيلة لهم في دفع المرض والموت عنه.
وقال النابغة الجعدي:
وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب (٢)
يريد كخلالة أبي مرحب، وهي صداقته.
هذا باب وقوع الأسماء ظروفا
(وتسمى هذه الأسماء الظروف العليا وتصحيح اللفظ على المعنى، فمن ذلك قولك: " متى يسار عليه "؟ وهو يجعله ظرفا، فيقول: اليوم، أو غدا، أو بعد غد، أو يوم الجمعة).
يعني إذا جعل السائل " متى " ظرفا، وقدّره نصبا، وجعل الذي يقوم مقام الفاعل حرف الجر، أو مصدرا مضمرا في " يسار " وجب أن تنصب الجواب إذا اخترت أن تكون على حد السؤال، وقد مضى هذا.
قال: (وتقول: متى سير عليه؟ فيقول: " أمس "، أو " أول من أمس "، فيكون ظرفا، على أنه كان السير في ساعة دون ساعات، أو حين دون سائر أحيان اليوم، ويكون أيضا على أنه يكون السير في اليوم كله).
اعلم أن الظروف تنقسم قسمين: أحدهما يتضمن أجزاءه كلها الفعل، والآخر يتضمن جزءا منه الفعل، واللفظ يجري على كلّ.
فالذي يتضمن أجزاءه كلها الفعل قولك: " صمت اليوم " فلا يجوز أن يكون جزء من اليوم، لم يكن فيه صوم، وكذلك قولك: " لم أكلّم فلانا اليوم " لا يجوز أن تكون كلمته في جزء منه، وقد جعلت " اليوم " ظرفا لترك كلامه، ألا ترى أن رجلا لو قال:
стр. 608
" والله لا كلّمتك اليوم " ثم كلمه في جزء منه حنث.
وأما ما يكون العمل في بعضه فقولك: " صحت اليوم وتحكّمت يوم الجمعة " وقد أحاط العلم بأنه لا يكون صياحه متصلا بلا فتور ولا مراوحة، وإنما ذلك على ما يعتاد من عادة الناس في الأفعال التي تتصل والتي تنقطع، فإذا كان الفعل قد يكون متصلا في حال، ومتقطعا في حال كالسير وما أشبه ذلك، وجاز أن تنوي الاتصال، فتجعله في الظرف كله، وجاز أن تنوي الانقطاع فتجعله في بعض الظرف، وسواء في ذلك أن تنصب الظرف أو ترفعه، فتقيمه مقام الفاعل.
قال: " ومن ذلك الليلة الهلال، وإنما الهلال في بعض الليلة، وتقديره:
الليلة ليلة الهلال " فجعل هذا شاهدا لقولك: " سير عليه اليوم " والسير في بعضه.
قال (ومما لا يكون العمل فيه من الظروف إلا متصلا في الظرف كله قولك:
" سير عليه الليل والنهار والدهر والأبد " وهذا جواب لقوله كم سير عليه؟ إذا جعله ظرفا).
قال أبو سعيد: اعلم أن " كم " استفهام عن كل مقدار من عدد وغيره، في الأنواع كلها، زمانا كان أو مكانا أو غيرهما، وليس يختص بنوع دون نوع، و " متى " استفهام عن الزمان فقط، فإذا أوقعت " كم " استفهاما عن الزمان، كان
القصد فيها المسألة عن مقداره أو عدده، و " متى " استفهام عن الزمان فقط من غير اقتضاء مقدار أو عدد، فإذا أجبت عن " متى " فحكم الجواب أن يكون واقعا على زمان بعينه، غير متضمن لعدد، كقول القائل:
" متى سير بزيد " فيقال: " يوم الجمعة "؛ لأن مسألته وقعت لتعرف الزمان بعينه، لا لتعرف كميته.
ولا يجوز أن تقول: " يومان "؛ لأن قوله: " يومان " إجابة عن كمية، ولا يعرف السائل الوقت الذي سار فيه بعينه، ولو قرّبه من المعرفة فقال: " يوم سار فلانّ " أو " يوم كان المطر " لجاز وحسن، ولو قال: متى سير عليه؟ فقال: " أيام الصّرام " لجاز، وإن كانت أيام الصّرام فيها عدد؛ لأن القصد منها إلى تعيين وقت لا إلى عدد الأيام؛ لأن أيام الصّرام قد جعلت لوقت واحد يعرف بهذا اللفظ، كما يعرف يوم الجمعة بهذا اللفظ.
وأما " كم " فقد يكون جوابها معرفة ونكرة، وأيتهما كانت جوابا لها، فالفعل واقع
стр. 609
فيها كلّها، كقولك: " كم سير عليه؟ " فيقول: يوم الجمعة، فالسير واقع في يوم الجمعة كلّه، وكذلك إذا قيل: " كم سير عليه "؟ فيقال: " يومان "، فالسير واقع فيهما، وقد تقول: " كم سير عليه " فيقال: " يوم الجمعة "، والسير واقع في بعضه، إذ كان المجيب مستكثرا للسير في الساعات التي وقع فيها من الجمعة، فيجري اللفظ على الكل وهو يريد البعض، كما تقول: " يوم الرحيل جاءني الخلق " يريد الكثير منهم، وفلان يتكلم دهره، إذا كان كثير الكلام، وإن كان السكوت الذي يكون منه أكثر من الكلام، فاللفظ على الكل والمعنى فيه البعض.
وقوله: " سير عليه الليل والنهار، والدهر، والأبد ".
لا يكون إلا جواب " كم "، لأنه وضع هذه الألفاظ على الأوقات فهي متضمنة للكمية ولم يجعل اسما لوقت بعينه، غير أنه إذا قيل: " سير عليه الليل والنهار والدهر والأبد "، في جواب: كم سير عليه؟ فإنما يريد التكثير والمبالغة، وقد علم أن الدهر لا يتصل فيه السير، ولكنه على ما عرّفتك من قول القائل: " جاءني الخلق " وأنت تريد البعض.
قال: " ومما يدلك على أنه لا يكون أن تجعل العمل فيه في يوم دون الأيام، وفي ساعة دون الساعات؛ أنك لا تقول: " لقيته الدهر والأبد "، وأنت تريد يوما منه، ولا " لقيته الليل "، وأنت تريد لقاءه في ساعة دون ساعات إلا أن تريد: سير عليه الليل أجمع، والدهر كلّه ".
يعني أن الأبد والدهر، والليل والنهار، إذا كانا على طريق الأبد، والدهر أسماء، جعلت لترادف الأزمنة، وللدلالة على تكثيرها، لا يجوز أن تقول: " لقيته الدهر " وأنت تريد مرة، وإنما يستعمل مثل هذا في الأوقات المحصلة، والتي تميّز عن غيرها. وبيّن أن الفعل وقع فيها دون ما سواها، كقولك " لقيته يوم الجمعة " و " لقيته العام الماضي " وإن كنت لقيته مرة واحدة في يوم الجمعة، وفي العام الماضي؛ لأنك أردت أن تعرف وقت اللقاء، لا مقداره.
قال: " وإن لم تجعله ظرفا فهو عربي كثير في كلامهم ".
يعني إن قلت: " سير عليه الليل والنهار "، فتجعله مفعولا على السعة ثم تقيمه مقام الفاعل.
стр. 610
قال سيبويه: " وإنما جاء هذا على جواب كم؛ لأنه حمله على عدة الأيام والليالي، فجرى على جواب ما هو للعدد، كأنه قال: سير عليه يومين أو ثلاثة أيام ".
يعني أن الدهر والأبد جرى على جواب " كم "؛ لأنه موضوع على عدة الأيام وترادفها، كما كان سير عليه يومان أو ثلاثة " أيام " على ذلك، ولا يجوز أن يكون السير في أحد اليومين إذا قلت: " سير عليه يومين ".
قال: وأما " متى "، فإنما تريد أن توقت لك بها وقتا، ولا تريد بها عددا فإنما الجواب اليوم أو يوم كذا أو شهر كذا ".
وقد بينا هذا، وذكرنا أن " متى " جعلت للدلالة على وقت بعينه، لينماز من سائر الأوقات قال: (ومما أجري مجرى الدهر والليل والنهار المحرّم وصفر وسائر أسماء الشهور إلى ذي الحجة؛ لأنهم جعلوهن جملة واحدة لعدة الأيام، كأنهم قالوا: سير عليه الثلاثون يوما، ولو قلت: شهر رمضان أو شهر ذي القعدة، لكان بمنزلة يوم الجمعة والليلة والبارحة، ولصار جواب " متى ").
قال أبو سعيد: ظاهر كلام سيبويه الفصل بين أن تقول شهر كذا، وبين ألا تذكر الشهر، فإذا قلت: " سير عليه المحرم " فالسير في كل يوم من أيام المحرم، وإذا قلت: " سير شهر المحرم " أو " شهر ذي القعدة " جاز أن يكون السير في بعضه.
وهذه رواية رواها، كأنهم جعلوا قولهم المحرم نائبا مناب قولهم: الثلاثين يوما، وهم لو قالوا: " سير عليه الثلاثون يوما " لكان السير في كل يوم منهن، وإذا أدخلوا " شهرا " جعلوه اسما للوقت بعينه، فصار بمنزلة يوم الجمعة.
فإن قال قائل: فكيف اختلفا وهما لمعنى واحد؟ قيل له: قد يجوز- وإن كانا لمعنى واحد- أن يكون أحدهما يدل عليه من طريق الكمية، والآخر من طريق التوقيت، ألا ترى أنّا إذا قلنا: " سير عليه يوم الجمعة " يجوز أن يكون السير في بعضه، وإذا قلنا: " سير عليه ساعات يوم الجمعة "، لم يجز أن يكون السير في ساعة منها، وساعات يوم الجمعة في معنى " يوم الجمعة ".
وقال أبو إسحاق الزجاج في قول سيبويه: " ومما أجري مجرى الدهر والليل والنهار المحرم وصفر " قولا يخالف ما ذكرناه، وليس ببعيد، قال: يعني إذا عطفت على المحرم صفرا، فقلت: " سير عليه المحرم وصفر " فلا بد أن يكون السير في كل واحد من
стр. 611
الشهرين، ولو قلت: " سير عليه المحرم " لجاز أن يكون السير في بعضه، قال: والدليل على ذلك قول سيبويه: " لو قلت: سير عليه شهر رمضان أو شهر ذي القعدة، كان بمنزلة يوم الجمعة، فأبو إسحاق عنده أن قولك: المحرم وشهر المحرم بمنزلة واحدة، وأن " سيبويه " لم يفرق بينهما، ولقائل أن يقول: إن سيبويه فرق بينهما؛ لأنه ذكر المحرم وصفر وسائر أسماء الشهور.
ثم قال: كأنهم قالوا: " سير عليه الثلاثون يوما "، فجعل كل شهر من الشهور بمنزلة الثلاثين يوما.
قال سيبويه: " وجميع ما ذكرت لك مما يكون على " متى " يكون مجرى على " كم " ظرفا وغير ظرف ".
يعني أن " يوم الجمعة "، و " شهر رمضان "، وما أشبه ذلك من جوابات " متى " قد يجوز أن يكون جوابا لكم، يعني يجوز أن تقول: كم سير عليه، فيقال: يوم الجمعة، فيكون السير فيه كله، وقوله: " ظرفا وغير ظرف " أي ظرفا ومفعولا، لا جوابا " لمتى ".
قال: " وبعض ما يكون في " كم " لا يكون في " متى " نحو الدهر والليل؛ لأن " كم " هو الأول، فجعل الآخر تبعا له، ولا يكون الدهر والليل والنهار إلا على العدّة جوابا لكم ".
يعني: أن الدهر والليل والنهار، قد يكون جوابا لكم لما فيه من التكثير، ولا يكون جوابا لمتى؛ لأنه لا دلالة فيه على وقت بعينه.
وقوله: " لأن كم الأول ".
يعني لأنه دلالة على المقدار في الزمان وغيره، ويقع تحتها المنكور والمعروف؛ لوقوع التقدير عليهما، فجعل الآخر وهو " متى " تبعا له.
قال: (وقد تقول: سير عليه الليل. تعني ليل ليلتك، وتجري على الأصل، كما تقول في الدهر: سير عليه الدهر).
يعني أنك إذا قلت: " سير عليه الليل " جاز أن تعني ليلة واحدة، وهي الليلة التي يليها يومك؛ فيجوز فيه الرفع والنصب أيضا، كما جاز فيه حين كان في معنى الدهر، وتقول: " سير عليه الدهر " وأنت تريد بعضه على جهة التكثير، فتجعل ما كثّرت من ذلك بمنزلة الدهر كلّه كما تقول: " أتاني أهل الدنيا " و " عسى ألا يكون أتاك منهم إلا خمسة
стр. 612
فاستكثرتهم ".
قال: (وكذلك شهرا ربيع، حين ثنّيت جاء على العدد عندهم).
يعني لا يجوز أن تقول: " ضرب زيد شهري ربيع " وأنت تعني في أحدهما.
قال: (وتقول: ذهبت الشتاء ويضرب الشتاء. وسمعنا الفصحاء يقولون: انطلقنا الصيف، على جواب متى). يعني أن الذهاب والانطلاق، كان في وقت من الشتاء والصيف؛ لأن الشتاء معروف من أوله إلى آخره، وكذلك الصيف، لو أراد أن يكون الفعل في الشتاء كله جاز، قال " ابن الرقاع "، والأعرف أنه لأبي دواد الإيادي:
فقصرن الشتاء بعد عليه ... وهو للذود أن يقسّمن جار (١)
يصف نوقا قصرت ألبانها على فرس، وذلك الفرس جار للنوق أن يغار عليهن، فيجوز أن يكون الشتاء هاهنا على جواب " كم "، فيكون قصر ألبانهن على الفرس في أيام الشتاء كلّها، ويجوز أن يكون في بعض الأيام على جواب " متى ".
قال: " واعلم أن الظروف من الأماكن كالظروف من الأيام والليالي في الاختصار، وسعة الكلام ".
يعني أن الظروف من المكان قد يجوز أن تقيمها مقام الفاعل، بأن تجعلها مفعولا على سعة الكلام، ويجوز أن تنصبها، ويكون الرفع والنصب فيها في جواب " كم " و " متى "، كما كان ذلك في " الأيام "، فتقول: " سير عليه فرسخان وميلان أو بريدان " في جواب: كم سير عليه؟ وإن شئت قلت: فرسخين وميلين، كما قلت: سير عليه يومان ويومين، في جواب " كم ".
قال: " ونظير " متى " من الأماكن " أين "، فإذا قلت: أين سير عليه؟ قيل: مكان كذا وكذا وخلف دارك ".
يعني أن " أين " يسأل بها عن مكان بعينه محصور، كما تسأل " بمتى " عن زمان بعينه محصور، فإذا قلت: أين سير عليه؟ لم يجز أن تقول: فرسخان، كما لا يجوز أن تقول:
" سير عليه يومان " في جواب: " متى سير عليه " وإنما تقول: " سير عليه يومان وفرسخان " في جواب " كم " في الزمان والمكان.
стр. 613
قال: " وتقول: سير عليه ليل طويل، وسير عليه نهار طويل، وإن لم تذكر الصفة، وأردت هذا المعنى رفعت إلا أن الصفة تبيّن بها معنى الرفع وتوضّحه ".
يعني أنك إذا قلت: " سير عليه ليل طويل " فهو إلى الرفع وإقامته مقام الفاعل أقرب؛ لأنه كلما نعت قرب من الأسماء، وبعد من الظروف، وإذا قلت: " سير عليه ليل " وأنت تريد هذا المعنى رفعت أيضا، إلا أنّ ذكر النعت أجود، لأنه يبيّن بها قربه من الاسم، وإن نصبت جاز أيضا، فقلت: " سير عليه ليلا طويلا "، كما تقول: " سير عليه الدهر ".
قال: (وتقول: " سير عليه يوم " على حد قولك: يومان).
يعني على أن تجعله جوابا لكم؛ لأن اليوم مبهم.
قال: وإن شئت قلت: " سير عليه يوما أتانا فيه فلان ".
فيكون جوابا لمتى؛ لأنه حصر اليوم بإتيان فلان فيه.
قال: (وتقول: سير عليه غدوة وبكرة)، فترفع على مثل ما رفعت ما ذكرنا، والنصب فيه على ذلك يعني أن " غدوة وبكرة " وإن كانا لا ينصرفان، فسبيلهما سبيل ما ينصرف في هذا الباب مما يرفع على أنه مفعول في سعة الكلام؛ وينصب على الظرف كيوم الجمعة وما أشبه ذلك.
والذي منع " غدوة وبكرة " من الصرف، أنه كان الأصل في " غدوة " غداة منكورة، ثم غيروا لفظ النكرة ليجعلوها علما، فصارت غدوة معرفة وفيها هاء التأنيث، فاجتمع فيها التعريف والتأنيث و " بكرة " محمولة على غدوة؛ لأنها على لفظها ومعناها، غير أنها لم تغيّر عن نكرة كانت لها لتعرّف، ومثل ذلك في جواز النصب والرفع " صباح يوم الجمعة " و " عشية يوم الجمعة " و " مساء ليلة الجمعة ".
قال: (وتقول: " سير عليه يومئذ وحينئذ والنصب على ما ذكرنا ")
يعني أن " حينئذ " وإن كان الحين مضافا إلى " إذ " فلا يمتنع من الرفع والنصب كيوم الجمعة، ويجوز أيضا فيه وجه آخر، وهو أن تفتحه فتحة بناء في حال الرفع والجر: كقوله تعالى: وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ (١)، وذلك أنه مضاف إلى " إذ "، و " إذ " بمنزلة الحروف فبني
стр. 614
لذلك حين خالف منهاج الأسماء.
ومما يجوز فيه الرفع والنصب " نصف النهار " و " سواء النهار " ومعناه نصف النهار؛ لأنك تقول " بعد نصف النهار " و " هو عندك نصف النهار "، ولأنك تقول: هذا سواء النهار، وهذا حجة لتمكنهما، وجواز الرفع فيهما.
و" سراة اليوم " ومعناها أول اليوم و " ضحوة من الضحوات " إذا لم تعن ضحوة يومك، كقولك: " ساعة من الساعات "، وكذلك " عتمة من الليل " إذا أردت عتمة من العتمات.
قال: " وتقول في الأماكن: سير عليه ذات اليمين وذات الشمال، وإن شئت نصبت، وكذلك الرفع في قولك: سير عليه أيمن وأشمل، وكذلك دارك اليمين ودارك الشمال، وقال أبو النجم:
يأتي لها من أيمن وأشمل " (١)
فجعل: " أيمنا وأشملا " متمكّنين حين أدخل عليهما حرف الجر ونكرهما، فاستدلّ بالجر على جواز الرفع؛ لأن كلّ ما جاز أن يدخل عليه حرف الجر من الظروف كان متمكنا، وجاز أن يرفع، وقال عمرو بن كلثوم:
صددت الكأس عنا أمّ عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا (٢)
فيجوز أن يكون: " اليمين " ظرفا، ويجوز أن يكون اسما، فإذا جعلت الكأس اسم كان، وجعلت: " مجراها " مبتدأ كان اليمين ظرفا للمجرى، والجملة في موضع خبر الكأس، وإذا جعلت: " مجراها " بدلا من الكأس، جاز أن يكون اسما.
قال: " ومن ذلك شرقيّ الدار وغربيّ الدار ".
ويجوز فيه الرفع والنصب، والعرب تقول: البقول يمينها وشمالها، فيجعلونه ظرفا، ويجوز: " البقول يمينها وشمالها " على ما ذكرناه.
стр. 615
هذا باب ما يكون فيه المصدر حينا لسعة الكلام والاختصار
وذلك قولك: متى " سير عليه " فيقول: " مقدم الحاجّ "، و " خفوق النّجم "، و " خلافة فلان "، و " صلاة العصر " فإنما هو زمن مقدم الحاجّ وحين خفوق النّجم، ولكنه على سعة الكلام والاختصار).
يعني حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك إن قال: " كم سير عليه؟ " جاز أن يكون جوابه: مقدم الحاج، وخفوق النجم، وخلافة فلان، فيكون المعنى:
سير عليه مدة خلافة فلان.
قال: " وإن رفعته أجمع كان عربيّا كثيرا ".
يعني إن قلت: " سير عليه مقدم الحاجّ " و " خلافة فلان " جاز، وقد بيّنا وجه الرفع والنصب فيه،
قال: (وليس هذا سعة الكلام بأبعد من: " صيد عليه يومان " و " ولد له ستون عاما ").
يعني ليس حذف " زمن " من " مقدم الحاج " و " خفوق النجم " وإقامة المضاف إليه مقامه بأبعد من حذف الأولاد، في قولك: " ولد له ستون عاما ": لأن التقدير فيهما واحد، بل قوله: " ولد له ستون عاما " أبعد؛ وذلك لأن التقدير فيه:
ولد له الأولاد في ستين عاما فحذف منه شيئان " الأولاد " و " في "، إلا أنه قدر بعد حذف " في ": ولد له أولاد ستين عاما، فحذفت المضاف وأقمت المضاف إليه مقامه.
قال: (وتقول: سير عليه فرسخان يومين، لأنك شغلت الفعل بالفرسخين، فصار كقولك: " سير عليه بعيرك يومين " وإن شئت قلت: سير عليه فرسخين يومان).
يعني أنك تقيم أيّهما شئت مقام الفاعل، وأيّهما أقمته مقام الفاعل فقد جعلته كالمفعول؛ فلذلك شبّهته بقولك: " سير عليه بعيرك يومين "، والذي تنصبه فيهما يجوز أن تنصبه على الظرف، وأنه مفعول على سعة الكلام.
وتقول: (صيد عليه يوم الجمعة غدوة "، فتقيم " غدوة "، مقام الفاعل وتنصب " اليوم " على الظرف، أو مفعول على سعة الكلام).
وإن شئت رفعت: " اليوم "، ونصبت: " غدوة " على مثل ذلك التفسير.
وإن شئت نصبتهما جميعا على الظرف، ألا ترى أنك تقول: " سير عليه في يوم
стр. 616
الجمعة في هذه الساعة "، فتأتي بهما جميعا، وكذلك تحذفها عنهما، فيصيران ظرفين.
وإن شئت رفعتهما جميعا، فتبدل: " غدوة " من يوم الجمعة.
وإن قدمت " غدوة " جازت فيهما هذه الوجوه إلا رفعها، فإنه غير جائز أن تقول:
" سير عليه غدوة يوم الجمعة "؛ لأنه لا يجوز أن تبدل " اليوم " من غدوة؛ لأن الكل لا يبدل من البعض، وإنما يبدل البعض من الكلّ.
قال: وتقول: " إذا كان غد فأتني، وإذا كان يوم الجمعة فالقني ".
فالفعل لغد ويوم الجمعة، و " كان " في معنى وقع وحدث، وكأنه قال: إذا جاء غد فالقني.
قال: " ومن العرب من يقول: إذا كان غدا فالقني، وهم بنو تميم ".
وإنما نصبوا بإضمار فعل كأنهم قالوا: إذا كان ما نحن عليه من السلامة أو من الحال التي هم عليها، والمعنى فيه إذا لم يحدث لك مانع أو حال تعذر في التخلف لحدوثها فالقني، فهذا جائز، والمعنى فيه مفهوم؛ وذلك أن مواعيد الناس إنما تقع على بقاء الأحوال التي هم عليها، ألا ترى أن رجلا لو قال لآخر: إني آتيك في غد مسلّما أو زائرا، ومنزله عنه شاسع، ثم مطروا في غد مطرا عظيما، يشق فيه تجشم الزيارة، كان معذورا في ترك الزيارة، ولم ينسب إلى جملة المتخلفين الكذابين؛ لأن وعده كان معلّقا بسلامة الأحوال، وإن لم يكن ملفوظا به.
قال سيبويه: " وحذفوا كما قالوا: حينئذ الآن "
يريد حذفوا المرفوع ب " كان " في قولهم: " إذا كان غدا فأتني "، والمرفوع به " ما نحن عليه من السلامة " أو غيرها، كما حذفوا " في حينئذ الآن " والذي حذفوه: كان هذا حينئذ وأسمع إليّ الآن، كما قال: " تالله ما رأيت كاليوم رجلا "، أراد: " ما رأيت رجلا كرجل أراه اليوم "، ثم أضاف الرجل المرئيّ في اليوم إلى اليوم، فصار التقدير: " ما رأيت رجلا كرجل اليوم " ثم حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، فصار التقدير ما رأيت رجلا كاليوم، ثم أخّره في اللفظ.
ومما حذف قولهم: " لا عليك "، وقد علم المخاطب أنه يعني لا بأس عليك. قال:
" وتقول: " إذا كان غدا فأتني "، كأنه ذكر أمرا إما خصومة وإما صلحا، فقال: " إذا كان غدا فأتني " فهذا جائز في كل فعل.
стр. 617
يريد أن القائل قد يقول: " فلان يصالح فلانا غدا " أو " يخاصمه غدا، أو يزوره غدا "، أو غير ذلك من الأفعال فيقول: " إذا كان غدا فأتني "، أي إذا كان ما ذكرت في غد فأتني، فهذا على غير الوجه الأول؛ لأن الوجه الأول إنما يقوله القائل من غير أن يجرى ذكر شيء اعتمادا على الحال التي هم فيها، واكتفاء بها، وهذا على إضمار شيء يجري ذكره.
قال: " فإن قلت: إذا كان الليل فأتني " لم يجز ذلك؛ لأن الليل لا يكون ظرفا إلا أن تعني الليل كلّه ". يعني أن الليل اسم لليالي التي تكون أبدا، فلا يجوز أن تعلق الوقت بها؛ لأنها غير متقضية ولا موجودة في وقت واحد، وسبيلها سبيل الدهر، وأنت لا تقول:
" إذا كان الدهر فأتني "
قال: " فإن وجّهته على إضمار شيء قد ذكر على ذلك الحد جاز، وكذلك:
أخوات الليل ".
يعني إن وجّهته على كلام يعلم السامع أنه يريد ليل ليلته جاز، وذلك نحو: أن تكون مع رجل في شيء، فقال: " إذا كان الليل فأتنا "، فعلمت أنت بالحال التي أنتما فيها أنه يعني ليل ليلته التي تجيء، فيجوز فيه النصب والرفع.
قال: (ومما لا يحسن فيه إلا النصب قوله: سير عليه سحر، لا يكون فيه إلا أن يكون ظرفا؛ لأنهم إنما يتكلمون به في الرفع والنصب والجر، بالألف واللام، يقولون:
هذا السحر، وبأعلى السحر، وإنّ السحر خير لك من أول الليل).
قال أبو سعيد: اعلم أن: " سحر " إذا أردت به سحر يومك فإنه معرفة بغير ألف ولام، غير منصرف ولا متصرف، فأما قولنا: غير منصرف، فالذي منعه من الصرف أنه معدول عن الألف واللام، كأن الألف واللام تراد فيه، وغيّر
عن لفظ ما فيه الألف واللام، مع الإرادة، كما عدل " جمع " في قولك: " جاءت النسوة جمع " وهو معرفة، فاجتمع فيه التعريف والعدل، فلم ينصرف.
وأما قولنا: إنه لا يتصرف، فمعناه أنه لا يدخله الرفع والجر، وربما دخله الجر، ولا يكون إلا منصوبا على الظرف، وكذا: كل ظرف غير متصرف، فمعناه أنه لا يدخله الرفع والجر، وربما دخله الجر " بمن " فقط من بين حروف الجر.
والذي منع " سحر " من التصرف أنه عرّف من غير وجه التعريف!!؛ لأن وجوه
стр. 618
التعريف إنما هي بخمسة أشياء: بالإضمار، والإشارة، والعلم، والألف واللام، والإضافة إلى هذه الأربعة، وإنما صار: " سحر " معرفة؛ بوضعك إياه هذا الموضع، كما صار:
" أجمع، وأجمعون، وجمع " بوضعك إياهن هذا الموضع، وهو أنك لا تصف به إلا معرفة.
فإذا صغّرت " سحر " من يومك انصرف فدخله التنوين، " ولا يتصرف " لا يدخله الرفع والجر، أما التنوين فإنما دخل عليه، كما دخل على: " ضحوة " وذلك أنهم لم يضعوا المصغّر مكان ما فيه الألف واللام، فيكون معرفة أو معدولا.
وإنما نكروه كما نكّروا " ضحوة " و " عتمة " و " عشاء "، لأنه فهم به ما يفهم بالمعارف، فلم يتمكّن، وكذلك: كل شيء من أسماء ساعات يومك، نحو: " ضحى، وضحوة، وعشاء، وعشيّا ومساء " إذا أردت ذلك من يومك لم يكن إلا ظروفا، وذلك أنك إذا قلت لرجل " أنا آتيك عشاء " لم يذهب وهمه إلا إلى عشاء يومك وكذلك:
" عتمة "، فلما كان يفهم ما كان يفهم بالمعارف من حصر وقت بعينه لم يتمكن عندهم تمكّنا يتّسع فيه فيجعل اسما غير ظرف، فيرفع ويجر، لا تقول: " آتيك عند ضحى، ولا موعدك مساء " و " لا أتانا عند عشاء " فاعرف ذلك إن شاء الله تعالى.
قال: ومثل ذلك: " سير عليه ذات مرة " نصب لا يجوز إلا هذا، ألا ترى أنك لا تقول: إن " ذات مرة " كان موعدهم، ولا تقول: " إنما لك ذات مرة "، كما تقول: " إنما لك يوم ".
وكذلك: " إنما يسار عليه بعيدات بين "؛ لأنه بمنزلة " ذات مرة ".
ومثله " سير عليه بكرا "، ألا ترى أنه لا يجوز: موعدك بكر، ولا مذ بكر، فالبكر لا يتمكن في يومك، كما لم يتمكن: " ذات مرة " و " بعيدات بين " وكذلك:
" ضحوة في يومك الذي أنت فيه ".
أما: " ذات مرة " و " بعيدات بين " فلا يستعمل عنده إلا ظرفا، والذي منعها من التصرف، ومن كونها غير ظرف أنها قد استعملت في ظروف الزمان، وليست من أسماء الدهر، ولا من أسماء ساعاته، ألا ترى أنك تقول: " ضربتك مرة ومرتين " وأنت تعني:
ضربة وضربتين، فلما استعمل في الدهر ما ليس من أسمائه ضعف ولم يتمكن.
فإن قال قائل: فأنتم تقولون: " سير عليه مقدم الحاجّ "، و " خفوق النّجم "، وما أشبه ذلك، من أسماء المصادر، وليست المصادر من أسماء الزمان.
стр. 619
قيل له: إنما يجوز ذلك في المصادر التي يحسن معها إظهار الأوقات كقولنا: " سير عليه وقت مقدم الحاج "، ولما كانت " المرة " لا يحسن إظهار الوقت معها، فيقال: " سير عليه وقت ذات مرة "، ولا " وقت مرة "، لم تجر مجرى مقدم الحاج.
وأما " بعيدات بين " فهي جمع " بعد " مصغّرا و " بعد " و " قبل " لا يتمكنان، ولا يجوز أن يقال: " سير عليه قبلك " ولا بعدك ولا يرفعان، والذي منعهما من التصرف والرفع أنهما ليستا باسمين لشيء من الأوقات، كالليل والنهار، والساعة، والظهر، والعصر؛ وقد استعملا في الوقت للدّلالة على التقديم والتأخير، وأما " بكر " و " عتمة " و " ضحوة " وما أشبه ذلك، فقد ذكرنا الوجه في خروجها عن التمكن إذا كنّ من يومك، وكذلك قولك:
" سير عليه ذات يوم وذات ليلة "؛ لأن نفس " ذات " ليست من أسماء الزمان فأجري " ذات يوم " و " ذات ليلة " مجرى " ذات مرة ".
قال: (وكذلك سير عليه ليلا ونهارا، إذا أردت ليل ليلتك ونهار نهارك، لأنه إنما يجري على قولك: " سير عليه " بصرا وسير عليه ظلاما).
يعني إذا أردت الليل من ليلتك التي تلي يومك، والنهار الذي أنت فيه، فهو يجري مجرى: " ضحوة " و " بكرا " من يومك، وهو غير متمكن؛ لأنه نكرة قد عرف بها ما يعرف بالمعارف فإن قلت: " سير عليه ليل طويل، ونهار طويل، جاز، وتمكن لأنك لم ترد ذلك من يومك، وإن قلت: سير عليه ليل ونهار، على هذا المعنى جاز.
قال: (فهو متمكن في هذا الحال، وغير متمكن على الحد الأول، كما أن السحر بالألف واللام متمكن في المواضع التي ذكرت، وبغير الألف واللام غير متمكّن فيها).
يعني أنك إذا أردت ليل ليلتك، في قولك: " سير عليه ليلا ونهارا، كان غير متمكن، كما أنك إذا قلت: " سحر " بغير ألف ولام، وأردت سحر يومك، فهو غير متمكن، وإذا قلت: " سير عليه ليل طويل "، فهو متمكّن، كما أن السحر
بالألف واللام متمكن.
قال: " وذو صباح بمنزلة " ذات مرة "، تقول: " سير عليه ذا صباح "، أخبرنا بذلك يونس إلا أنه قد جاء في لغة لخثعم: " ذات مرة " و " ذات ليلة "، وأما الجيّدة العربية فأن تكون بمنزلتها ظرفا، قال رجل من خثعم:
стр. 620
عزمت على إقامة ذو صباح ... لشيء ما يسوّد من يسود (١)
فهو على هذه اللغة يجوز فيه الرفع.
قال بعض أصحابنا: أحسب أنه قد وقع في كلام سيبويه غلط، وذلك أن في نسخة المبرد قد جاء: في لغة لخثعم " ذات مرة وذات ليلة "، وهذا ينقضه قوله: " وأما الجيدة فأن تكون بمنزلتها "، وأحسب أن يونس حكى: " ذات يوم وذات ليلة "، ويكون قوله: " وأما الجيدة فأن تكون بمنزلتها ".
وقوله: " فهو على هذه اللغة "
يعني من قال: " ذات يوم وذات ليلة " وفي بعض النسخ " مفارقا ذات مرة وذات ليلة " وهذا أيضا خطأ؛ لأنه مثل: " ذات ليلة "، وإنما هو اضطراب وقع عند القارئ، فزاد " مفارقا "، وهو لا شيء، وقال بعض أصحابنا: لا يصح الكلام إلا بقوله: " مفارقا "، وذلك أنه قال: " وذو صباح بمنزلة ذات مرة "، يعني أنهما غير متمكنين، ثم قال: " إلا أنه قد جاء في لغة لخثعم مفارقا ذات مرة " يعني أنه جاء متمكنا مثل البيت الذي أنشده.
قال: " الجيدة أن تكون بمنزلتها فتكون متمكنة ".
وقوله: " فهو على هذه اللغة يجوز فيها الرفع "
يعني على ما جاء في البيت متمكنا يجوز: " سير عليه ذو صباح " قال أبو سعيد:
هذا الفصل فيه اضطراب، وأنا ألخصه وأبين كلام سيبويه ومذهبه من كلام المفسّرين ومذاهبهم، إن شاء الله تعالى:
اعلم أن " سيبويه " قد سوّى بين: " ذات يوم " و " ذات ليلة " و " ذات مرة " وخبرنا أنه غير متمكن فيما مضى من الباب، وجعل " ذا صباح " بمنزلة " ذلك ".
ثم قال: " إلا أنه قد جاء في لغة لخثعم " ذات مرة وذات ليلة "، وفي بعض النسخ:
" في لغة لخثعم مفارقا ذات مرة وذات ليلة " فإن كانت الرواية: " مفارقا ذات مرة " فإنه يريد أن " ذا صباح " في لغة خثعم قد جاء مفارقا: " ذات مرة "، وتمكن في لغتهم فجاز فيه الرفع والجر، وأنشد البيت في الجر.
ويكون قوله: " وأما الجيدة العربية فأن تكون بمنزلتها "
стр. 621
يعني أن تكون: " ذو " بمنزلة: " ذات مرة " في ألّا يتمكن.
وإن كانت الرواية بغير: " مفارق "، فإنه يعني في لغة خثعم: " ذات مرة وذات ليلة " متمكنان، وأما الجيدة العربية فأن تكون بمنزلتها التي قد ذكرنا في غير المتمكن.
ثم أنشد بيتا في تمكن: " ذي صباح "؛ لأنه قد علم أن: " ذا صباح وذات مرة وذات ليلة " بمنزلة واحدة، ولا معنى لقول من قال من أصحاب سيبويه: إن ذات يوم وذات ليلة بخلاف ذات مرة، لأن: " ذات " غير متمكنة، وإن كانت مضافة إلى متمكن؛ إذ لم تكن من أسماء الزمان.
قال: " وجميع ما ذكرنا من غير المتمكن إذا ابتدأت اسما، لم يجز أن تبنيه عليه وترفع، إلا أن تجعله ظرفا، وذلك قولك: موعدك سحيرا، وموعدك صباحا "
ولا يجوز أن تقول: " موعدك سحير "، ولا أن تقول: " موعدك ذات مرة "
قال: " ومثل ذلك إنه يسار عليه صباح مساء إنما معناه صباحا ومساء، وليس يريد بقوله: صباحا ومساء، صباحا واحدا، ولا مساء واحدا ولكنه يريد صباح أيامه ومساءها ".
يقال: " سير عليه صباح مساء " و " صباحا ومساء وصباح مساء " ومعناهن واحد، وإنما بنيت؛ لأن فيها معنى الواو، وجعلتهما اسما واحدا؛ لأنهما وقعا لأوقات مجتمعة، كما وقعت: " خمسة عشرة " لعدد مجتمع، فجعلت اسما واحدا، وبنيت؛ لأنها تضمنت معنى الواو.
وأما: " حضر موت " اسم رجل أو اسم موضع، فلا تبنه؛ لأنه ليس فيه معنى الواو، وليس: " سير عليه صباح مساء " مثل: " ضربت غلام زيد " في أن: " سير " لا يكون إلا في الصباح، كما أن الضرب لا يقع إلا في الأول- وهو الغلام- دون الثاني؛ لأنك إذا قلت:
ضربت غلام زيد، أفدت بزيد معنى، وإن لم ترد في قولك: " سير عليه صباح مساء " أن السير وقع فيهما، لم يكن في إتيانك بالمساء فائدة.
قال: " فليس يجوز في هذه الأسماء التي لم تمكن من المصادر، التي وضعت للحين، وغيرها من الأسماء، أن تجرى مجرى يوم الجمعة وخفوق النجم "
إن قال قائل: هل ذكر " سيبويه " مصدرا غير متمكن فيما تقدم من الكلام ففي ذلك جوابان:
стр. 622
أحدهما: ما قاله: " أبو العباس " أنه لم يذكر مصدرا غير متمكن، ولكنه قدم هذا لك ليعلمك أن كل مصدر غير متمكّن لا يتّسع فيه نحو: " سبحان "، لا يجوز أن تقول:
" جئتك زمن سبحانه "، كما تقول: جئتك زمن تسبيحه.
والجواب الثاني: أن يكون عنى صباح مساء؛ لأنه من لفظ المصادر، ألا ترى أنك تقول: " أصبحنا صباحا " كما تقول: تكلّمنا كلاما، فتضع الصباح موضع الإصباح، كما وضعت الكلام موضع التكليم. فيجوز على هذا أن يكون عنى صباحا.
قال سيبويه: " ومما يختار أن يكون ظرفا، ويقبح أن يكون غير ظرف صفة الأحيان، كقولك: سير عليه طويلا، وسير عليه حديثا، وسير عليه كثيرا، وسير عليه قليلا، وسير عليه قديما ".
يريد أنك إذا جئت بالنعت، ولم تجئ بالمنعوت ضعف، وكان الاختيار ألا يستعمل إلا ظرفا؛ لأنك إذا قلت: " سير عليه طويلا "، والطويل يقع على كل شيء طال، من زمان وغيره، فإذا أردت به الزمان فكأنك استعملت غير لفظ الزمان، فصار بمنزلة قولك:
" ذات مرة " و " بعيدات بين ".
قال: وإنما نصبت صفة الأحيان على الظرف، ولم يجز الرفع؛ لأن الصفة لا تقع مواقع الأسماء، كما أنه لا يكون إلا حالا في قوله: " ألا ماء ولو باردا "؛ لأنه لو قال: " أتاني بارد " لكان قبيحا، ولو قال: آتيك بجيد، لكان قبيحا، حتى تقول: بدرهم جيد، وتقول: أتيتك به جيدا.
يعني لما لم تقو الصفة إلا بتقدّم الموصوف جعلوه حالا في قولك: " ولو باردا " أو " أتيتك به جيدا "، وكذلك الصفة لا تجوز إلا ظرفا، وفي قولك: " سير عليه طويلا "، أو تجري على اسم، فتقول: " سير عليه دهر طويل ".
قال: وقد يحسن أن تقول: " سير عليه قريب " لأنك تقول: أتيته مذ قريب، والنصب عربي جيد.
وإنما جاز: " مني قريب " لأنه قد تمكن حتى صار يعنى به الرجل، فتقول: " زيد مني قريب " فتجعله هو القريب، وتقول: " زيد منّي قريبا "، أي في موضع قريب.
وربما جرت الصفة في كلامهم مجرى الاسم ".
حتى تغني عن الموصوف، كقولهم: " الأبرق والأبطح " وإنما يراد به: المكان
стр. 623
الأبرق، وهو الذي تربته ألوان، و " الأبطح ": وهو المكان السهل.
قال: " وتقول: سير عليه مليّ من النهار ".
ليس " مليّ " بمنزلة " طويل ": لأن الطويل يقع لكل شيء، ومليّ لا يكاد يستعمل إلا في الزمان.
قال: " ومما يبين لك أن الصفة لا يقوى فيها إلا هذا أن سائلا لو سألك: هل سير عليه؟ لقلت: نعم، " سير عليه شديدا " و " سير عليه حسنا " فالنصب في هذا على أنه حال، وهو وجه الكلام؛ لأنه وصف السّير، ولا يكون فيه الرفع، لأنه لا يقع موقع ما كان اسما، ولم يكن ظرفا؛ لأنه ليس بحين يقع فيه الأمر، إلا أن تقول: سير عليه سير حسن، أو: سير عليه سير شديد.
يعني أنك إذا قلت: " سير عليه شديدا "، فالوجه أن تنصب شديدا على الحال.
ولا يحسن أن تقول: " شديد " على معنى شدّ شديد؛ لأنك لم تأت بالموصوف فضعف، و " شديدا وحسنا " حال من السير، وهو مضمر، قد أقيم مقام الفاعل فكأنك قلت: سير عليه السير شديدا.
وقوله: " ليس بحين يقع فيه الأمر "
يعني: " شديدا وحسنا " ليس بمنزلة مليّ وقريب.
قال: فإن قلت: سير عليه طويل من الدهر، وشديد من السير، فأطلت الكلام ووصفته كان أحسن وأقوى، وجاز، ولا يبلغ في الحسن الأسماء، وإنما جاز حين وصف؛ لأنه ضارع الأسماء؛ لأن الموصوفة في الأصل هي الأسماء.
يعني أنك لمّا قلت: " سير عليه طويل من الدّهر "، قرب من قولك: " سير عليه دهر طويل " فجاز فيه الرفع.
هذا باب ما يكون من المصادر مفعولا فيرتفع كما ينتصب إذا شغلت الفعل به وينتصب إذا شغلت الفعل بغيره
يعني بالمصدر قولك: " سير عليه سير شديد " ترفع السير إذا شغلت الفعل به، وشغلك الفعل به أن تقيمه مقام الفاعل.
стр. 624
" وينتصب إذا شغلت الفعل بغيره "، وشغلك الفعل بغيره، أن تقيم غيره مقام الفاعل، كقولك: " سيّر زيد تسييرا "، و " ضرب زيد ضربا "، وترتيب الكلام: فيرتفع إذا شغلت الفعل به كما ينتصب.
يعني أنه مصدر مفعول في حال الرفع، كما أنه مفعول في حال النصب.
قال: وإنما يجيء ذلك على أن تبين أيّ فعل فعلت أو تأكيدا.
يعني إنما يجيء المصدر منصوبا أو مرفوعا على أحد وجهين: إمّا لبيان صفة المصدر الذي دل الفعل عليه، وإما
للتأكيد.
فأما الذي لبيان صفة المصدر، فقولك: " ضربت زيدا ضربا شديدا " و " سرت سير الإبل ".
وأما الذي يجيء تأكيدا فقولك: " ضربت زيدا ضربا " و " حرّكته تحريكا " وإنما صار تأكيدا؛ لأنه ليس فيه من الفائدة إلا ما في قولك " ضربت " و " حركت ".
قال: " فمن ذلك قولك على قول السائل: " أيّ سير سير عليه " فتقول: " سير عليه سير شديد " و " ضرب به ضرب ضعيف "، فأجريته مفعولا والفعل له ".
أما قوله: " فمن ذلك "
يعني من المصدر الذي يرتفع " ضرب به ضرب ضعيف ".
وقوله: " فأجريته مفعولا والفعل له "
يعني " ضرب ضعيف " مفعول في الحقيقة.
وقوله: و " الفعل له "
يعني أنه قد صيغ الفعل له، ورفع به، وصيّر حديثا عنه.
قال: (وإن قلت: " ضرب به ضربا ضعيفا "، فقد شغلت الفعل به).
هذا الذي في الكتاب وينبغي أن يكون: " فقد شغلت الفعل بغيره "، كأنك شغلت الفعل بالباء، وجعلت موضعها رفعا.
ويجوز أن يكون اللفظ الواقع على ما يشاكل لفظ الكتاب، أضمر في ضرب الضرب، وشغل الفعل به، فيكون قوله: به الهاء تعود إلى المصدر، والمضمر في: " ضرب " مصدر، فلا يستكره أن يكون إياه عنى.
وقد يجوز أن يقال: شغلت الفعل به، ويكون " به " في موضع الفاعل لشغلت، وهو
стр. 625
وجه لطيف.
قال: " وكذلك إن أردت هذا المعنى ولم تذكر الصفة، تقول: " سير عليه سير " و " ضرب به ضرب " كأنك قلت: " سير عليه ضرب من السير "، أو سير عليه شيء من السير، وكذلك جميع المصادر ترتفع على أفعالها إذا لم يشغل الفعل بغيرها ".
يعني يجوز أن ترفع المصدر وإن لم تصفه، فتقول: " ضرب به ضرب ".
وقوله: " إن أردت هذا المعنى "
يجوز أن يعني إن أردت معنى الصفة، وإن لم يذكرها، ويجوز أن يعني: إن أردت هذا المعنى من إقامته مقام الفاعل، وصياغة الفعل له.
قال: وتقول: " سير عليه أيّما سير سيرا شديدا "، كأنك قلت: سير عليه بعيرك سيرا شديدا، وسير عليه سيرتان أيّما سير ".
يعني أنك إذا ذكرت مصدرين للفعل جاز أن تقيم أحدهما مقام الفاعل، وتنصب الآخر، وإنما يذكر المصدران والأكثر في الفعل، إذا كانت في كل واحد منهما فائدة، لأن قولك: " سير عليه سيرتان أيّما سير "، في " سيرتين " فائدة العدد، وفي: " أيّما سير " فائدة المبالغة، وما يحمد من السير.
ويجوز أن تقول: " سير عليه سيرتان أيّما سير سيرا شديدا " إذا رفعت واحدا ونصبت الثاني.
قال: " وتقول على قول السائل: " كم ضربة ضرب به " وليس في هذا إضمار شيء سوى " كم "، والمفعول: " كم "، فتقول: ضرب به ضربتان ".
تقدير هذا الكلام كم ضربة ضرب بالسوط؟ والهاء كناية عنه، أو عن غيره ممّا يضرب به.
والكلام مجاز لا حقيقة، وذلك أنه جعل: " كم " لمقدار الضرب، وجعل ضميره في " ضرب " مرفوعا بضرب، مقاما مقام الفاعل، فكأنه قال: " أعشرون ضربة ضرب بالسوط؟ " فجعل الضرب مضروبا، والضرب لا يضرب، وإنما يضرب المضروب، كما قال: " نهارك صائم " والنهار لا يصوم.
ولا يجوز البتة: " متى سير به؟ " و " أين جلس به؟ " على أن يكون في: " سير " لم يسمّ فاعله راجع إلى: " متى " و " أين "، وإنما يجوز هذا في: " كم "؛ لأنه يخبر عنه، ويكون في
стр. 626
موضع رفع، ولا يجوز ذلك فيهما، ولم أجد " سيبويه " ذكر هذا، وأشار إليه على المعنى.
ثم قال بعد فصل معناه كمعنى ما ذكرنا من المجاز: وليس ذلك بأبعد من " ولد له ستون عاما ".
وقد فسرنا ذلك.
قال: (وسمعت من أثق به من العرب يقول: " بسط عليه مرتان " يريد: بسط عليه العذاب مرتين).
يحتمل أن تكون: " مرتين " يعني: " وقتين "، ويحتمل أن يعني: " بسطتين " على المصدر.
قال: " وتقول: سير عليه طوران، طور كذا وطور كذا ".
ذكر بعض أصحابنا أن الرفع في هذا أقوى، والنصب يضعف؛ لأنك لما ثنيت فقد قربت من الأسماء وقوي الرفع، والنصب جائز إذا أضمرت ما تقيمه مقام الفاعل، فتقول:
" سير عليه مرّتين وطورين " كأنك قلت: سير عليه السير مرتين، ويجوز أن تقيم حرف الجرّ مقام الفاعل.
قال: (وتقول: ضرب به ضربتين، أي قدر ضربتين من الساعات، كما تقول:
سير عليه ترويحتين، فهذا على الأحيان، ومثل ذلك: انتظر به نحر جزورين).
وقد بينا المصادر التي تجعل ظروفا على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فإذا قلنا: " ضرب به ضربتين "، فكأنا قلنا: وقت ضربتين.
قال: (ومما يجيء توكيدا وينصب قوله: سير عليه سيرا، وانطلق به انطلاقا، وضرب به ضربا، فينصب على وجهين، على أنه حال على حد قولك: ذهب به مشيا، وقتل به صبرا).
تريد به الحال، كأنه قال: ذهب به ماشيا، وقتل به مصبورا، وإن وصفت المصدر على هذا الحد كان نصبا كقولك: " ذهب به مشيا عنيفا " كأنه قال: ماشيا معنفا.
والوجه الآخر ما قاله سيبويه:
" وإن شئت نصبته على إضمار فعل آخر ".
فيكون قولك: " سير عليه سيرا " كقولك: " سير عليه مسيرا "، و " ضرب به ضربا "، أي ضرب به مضروبا، وعلى هذا يجوز أن تقول: " قام زيد قائما " على الحال.
стр. 627
وربما استوحش من هذا بعض النحويين البصريين ممن لا يفهم، فيقول: إذا قلنا: " قام زيد قائما "، وأنت تعني في حال قيامه، قيل له: إنما يذكر هذا تأكيدا، وإن كان الأول قد دل عليه، كما يذكر المصدر بعد الفعل تأكيدا، كما تقول: " ضربت زيدا ضربا " وإن كان الأول يدل عليه، وقد قال الله : وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا (١)، فقد يجوز أن يكون على الحال، ويجوز أن يكون على المصدر، بمعنى رسالة، وإن الأول قد دل عليه.
وقوله: " ذهب به مشيا " في معنى " ماشيا " على الحال، كما تقول: " جاء زيد عدلا "، أي: " عادلا " فإن وصفت المصدر لم يتغير النصب، وجاز أن يكون على المصدر، وعلى الحال، كقولك: " سير به سيرا عنيفا ".
قال: " وإن شئت نصبته على إضمار فعل آخر " ويكون بدلا من اللفظ بالفعل، تقول: سير عليه سيرا، وضرب به ضربا، كأنك قلت بعد ما قلت: سير عليه يسيرون سيرا، ويضربون ضربا.
ودل المصدر على الفعل لأن المصدر يكون بدلا من اللفظ بالفعل.
وجرى على قوله: " إنما أنت سيرا "، سيرا.
يريد: تسير سيرا.
وعلى قوله: " الحذر الحذر ".
يريد: احذر الحذر.
قال: (وإن قلت على هذا الحد: " سير عليه السير " جاز أن تدخل الألف واللام؛ لأن المصدر لا يمتنع من ذلك وإن وصفت أو أضفت لم يتغير نصبه على المصدر، كقولك: سير عليه سير البريد، ولا يجوز أن تدخل الألف واللام في السير، إذا كان حالا، كما لم يجز أن تقول: ذهب به المشي العنيف).
يعني أن المصدر إذا كان في معنى الحال، فالقياس يمنع من دخول الألف واللام عليه، كما لا تدخل الألف واللام على الحال، لا تقول: " مررت بزيد القائم " على الحال.
ثم أنشد سيبويه:
стр. 628
نظّارة حين تعلو الشمس راكبها ... طرحا بعيني لياح فيه تحديد (١)
يقال: " لياج " و " لياح "، وهو الثور الوحشي، ويروى: " تجديد " فمن قال: " تحديد " أراد في بصره وناظره. ومن قال: " تجديد " أراد في لونه، والجدّة: الطريقة في الشيء، تخالف سائر لونه، من قوله وعز وجل: وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ (٢).
والشاهد في البيت قوله: " طرحا " وهو مصدر فعل لم يذكره، ولكن " نظارة " قد دلت عليه؛ لأنه إذا قال: " نظارة " فقد علم أنها تقلّب طرفها وناظرها في جهات؛ لأن النظر إنما هو تقليب الناظر، فإذا قلّبت الناظر في الجهات فقد طرحته فيها، فكأنه قال:
تطرح نظرها طرحا.
وإنما جعل هذا شاهدا للكلام الذي قبله؛ لأنه ذكر أن قوله: " سير به سيرا " أنه يجوز أن يكون نصب: " سيرا " بإضمار فعل آخر.
قال: " وإن شئت قلت: سير عليه السير ".
فتقيمه مقام الفاعل، وإن قلت: " سير عليه السير الشديد " فالرفع فيه أقوى؛ لأنه من الاسم أقرب؛ بالوصف الذي وصف به.
قال: (وجميع ما يكون بدلا من اللفظ بالفعل لا يكون إلا على فعل قد عمل في الاسم ".
يعني أنك إذا نصبت المصدر بإضمار فعل، فذلك الفعل الذي أضمرته معه فاعله؛ لأن الفعل لا يكون إلا بفاعل، وكذلك إذا قلت: " الحذر الحذر " فإنما تريد: احذر الحذر، فالفعل والفاعل محذوفان.
ومعنى قوله: " وقد عمل في الاسم ":
أي عمل في الفاعل وحذف معه.
قال: " ومما يسبق فيه الرفع من المصادر؛ لأنه يراد به أن يكون في موضع غير المصدر قوله: " قد خيف منه خوف " و " قد قيل في ذلك قول ".
يعني أنه قد يجيء به على لفظ المصدر المفعول والفاعل، وإذا كان كذلك، عاملناه
стр. 629
معاملة المفعول لا المصدر، فقوله: " خيف منه خوف " يراد أمر مخوف، ولم ترد الخوف الذي في القلب.
والمصدر الذي بمعنى الفاعل قوله: " كان منه كون " أي أمر من الأمور، كأنه قال:
كان منه أمر كائن.
قال: وإن جعلته- على ما حملت عليه السير والضرب في التوكيد- حالا، وقع به الفعل، أو بدلا من اللفظ بالفعل، نصبت.
يعني إن جعلت: " خيف منه خوف " هو الخوف الذي في القلب، فسبيله سبيل قولك: " سير به سيرا ".
قال: (فإذا كان المفعل مصدرا جرى مجرى ما ذكرنا من الضرب وذلك قولك:
إن في ألف درهم لمضربا، يعني أن فيها لضربا).
قال أبو سعيد: اعلم أن المصادر هي مفعولة، والميم تدخل؛ لعلامة المفعول. فإذا كان الفعل ثلاثيّا، فإن الميم تدخل في مصدره، فيكون على " مفعل " كقولك: " ضربته مضربا " و " قتلته مقتلا ". كما تقول: " ضربته ضربا " و " قتلته قتلا "
ويكون على مفعل كقولك: " وعدته موعدا "، و " وقفته موقفا ".
وهو في الفعل الثلاثي دخلته الميم؛ لأنه مفعول، إلا أنه مفعول يخالف لفظ المفعول به؛ لأنك تقول: " قتلته فهو مقتول "، و " ضربته فهو مضروب "، وإذا جاوز الفعل الثلاثة استوى لفظ المفعول والمصدر، فقلت: " أخرجت زيدا
إخراجا " و " مخرجا " والمفعول به مخرج وأنزلته منزلا، والمفعول به منزل، قال الله : وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً (١) يجوز أن يكون: " إنزالا مباركا ".
فإذا كان الأمر على ما وصفنا جرى المصدر الذي فيه ميم، مجرى ما ليس فيه ميم، فيقال: " سير بزيد مسير شديد "، و " مسيرا شديدا "، وضرب به مضرب شديد، ومضربا شديدا، كما تقول: " سير به سير شديد، وسيرا شديدا "، وقال جرير:
ألم تعلم مسرّحي القوافي ... فلا عيّا بهنّ ولا اجتلابا (٢)
стр. 630
أراد: تسريحي، و " القوافي " في موضع نصب، وأسكنه ضرورة، كما قال:
كأنّ أيديهن بالقاع القرق ... أيدي جوار يتعاطين الورق (١)
قال: (وكذلك تجري المعصية بمنزلة العصيان والموجدة بمنزلة المصدر لو كان الوجد يتكلم به).
يعني الموجدة في الغضب سبيلها سبيل الوجد، الذي ليس فيه ميم، ولا يتكلم بالوجد في معنى الموجدة، يقال: " وجدت عليه موجدة " إذا غضبت عليه، و " وجدت به وجدا " إذا أحببته، و " وجد وجدا " إذا استغنى، و " وجدت الضالّة وجدانا " إذا أصبتها، و " وجدت زيدا عالما وجدا " إذا علمته.
" فالموجدة " في الغضب تجري مجرى " الوجد " في الحب، تقول: " وجدت عليه موجدة "، ولا يقال: " وجدت عليه وجدا "، كما تقول: " وجدت به وجدا "، ولا يقال:
" وجدت به موجدة "، وقال الشاعر:
تداركن حيا من نمير بن عامر ... أسارى تسام الذّل قتلا ومحربا (٢)
يريد حربا أي سلبا، ويجوز أن يكون حربا في معنى غيظا.
قال: (فإن قلت: ذهب به مذهب، أو سلك به مسلك، رفعت؛ لأن " المفعل " هاهنا ليس بمنزلة الذهاب والسلوك).
يعني أن " المذهب " و " المسلك " تريد به المكان الذي يذهب فيه ويسلك، والأمكنة أقرب إلى الرفع من المصادر؛ لأن الأماكن جثث، وهي شبيهة بالأناسيّ.
قال سيبويه: " وهو بمنزلة قولك: ذهب به السوق "
فقال: إن قال قائل: لم أسقط حرف الجر من السوق، وليس بظرف، وقد زعم سيبويه أن قولهم: " ذهبت الشام " شاذ؛ لأنه يتعدّى إليه بحرف الجر، والشام ليس بظرف؛ لأنه مكان مخصوص.
فالجواب أن هذا: وإن لم يكن ظرفا فإن العرب تتسع فيه؛ لعلم المخاطب فيضمر،
стр. 631
فيكون التقدير: " ذهب به مكان السوق ".، ويحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه.
قال: وكذلك المفعل إذا كان حينا، نحو قولهم: " أتت الناقة على مضربها " أي على زمان ضرابها، وكذلك: " مبعث الجيوش "، تقول: " سير عليه مبعث الجيوش، ومضرب الشّول ".
يريد أنهم قد أجروا ما في أوله الميم في الزمان، كما أجروه في المكان. فالمكان قولك: ذهب به مذهب، وسلك به مسلك.
والزمان قولهم: أتت الناقة على مضربها، وسير عليه مبعث الجيوش، وأنشد قول حميد بن ثور:
وما هي إلا في إزار وعلقة ... مغار ابن همام على حيّ خثعما (١)
والشاهد فيه: مغار ابن همام، وزعم " الزجاج " أن " سيبويه " أخطأ في ذكره هذا البيت في هذا الموضع، وذلك أنه قدر " مغارا " زمانا، والزمان لا يتعدى، وإنما " مغار " مصدر، قال: والدليل على ذلك أنه قد عدّاه، فإنما تقديره زمن إغارة ابن همام على حي خثعم، مثل مقدم الحاج، وهكذا قال " أبو العباس ".
وقد غلطا في الرد عليه؛ لأن المصادر التي جعلها " سيبويه " ظروفا إنما هي مضاف إليها الزمان، فتكون هي نائبة عنه، فمغار الذي في البيت وإن كان مصدرا لم يخرج عما قاله " سيبويه ".
وتأويل البيت: أنه وصف امرأة، فذكر أنها في إزار وعلقة، وهي البقيرة، وهي قميص بلا كمين، يريد أنها- في وقت إغارة " ابن همام " - في هذا الزي، فإما أن تكون صغيرة، أو بمعنى آخر، ويقال إن ابن همام كان لا يغير إلا وهو عريان، وهذا الذي ينساق على تأويل الزجاج كأنه شبه عريها بعري ابن همام.
стр. 632
هذا باب ما لا يعمل فيه ما قبله من الفعل الذي يتعدى إلى المفعول ولا غيره
لأنه كلام قد عمل بعضه في بعض، فلا يكون إلا مبتدأ لا يعمل فيه شيء قبله؛ لأن ألف الاستفهام تمنعه من ذلك، وهو قولك: " قد علمت أعبد الله ثمّ أم زيد "، و " قد عرفت أبو من زيد "، و " قد عرفت أيّهم أبوك "، و " أما ترى أيّ برق هاهنا "، فهذا في موضع مفعول، كما أنك قلت: عبد الله هل رأيته، فهذا الكلام في موضع المبني على المبتدأ.
قال أبو سعيد قوله: " هذا باب ما لا يعمل فيه ما قبله من الفعل الذي يتعدى إلى المفعول ولا غيره " يريد الاستفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وقد بينا هذا في أول الكتاب.
والفعل الذي يتعدى قولك: " قد علمت أزيد عندنا أم عمرو "، و " قد عرفت أبو من زيد "، والفعل الذي لا يتعدى قولك: " قد فكرت أزيد أفضل أم عمرو فإذا قلت: أزيد عندنا أم عمرو، " فزيد " مرفوع بالابتداء و " عندنا " خبره، ودخلت ألف الاستفهام على الجملة، ثم دخل الفعل على ألف الاستفهام، فلم يغيّر شيئا مما بعدها؛ لأن بعدها جملة، وقد حالت هي بين ما بعدها وما قبلها.
فإذا كان الفعل متعديا إلى مفعولين سد الاستفهام وما بعده مسدّ المفعولين، كقولك: " خلت أزيد في الدار أم عمرو "، كما تسد " أنّ " المشددة مسد المفعولين في قولك: " خلت أنّ زيدا قائم ".
وإذا كان الفعل يتعدى إلى مفعول، سد الاستفهام وما بعده مسد ذلك المفعول فقلت: " عرفت أبو من زيد "، كما قلت: " عرفت أن زيدا قائم ".
وإذا كان الفعل لا يتعدى قام الاستفهام وما بعده مقام اسم فيه حرف من حروف الجر، كما أن " أنّ " المشددة إذا وقعت بعد فعل لا يتعدى، كان فيها تقدير حرف الجر، كقولك: " فكرت هل زيد قائم "؛ كما تقول: " فكرت أن زيدا قائم " والتقدير: فكرت في أن زيدا قائم، أي في قيامه.
وبعض أصحاب " سيبويه " يروي: " إلى المفعول ولا غيره " بالجر، وبعضهم يقول:
" ولا غيره " بالرفع.
فمن رواه بالجر عطفه على الفعل، كأنه قال: من الفعل الذي يتعدى ولا من غيره،
стр. 633
وهو الفعل الذي لا يتعدى.
ومن رفعه عطفه على " ما " الثانية، كأنه قال: لا يعمل فيه شيء قبله من الفعل المتعدي إلى مفعول، ولا شيء غير
الفعل المتعدي.
واعلم أن هذه الأفعال التي يقع الاستفهام بعدها إنما هي: " أفعال القلوب " من علم، وظنّ، وفكر، وخاطر، ولا يجوز أن يقع في موقع ذلك فعل مؤثر، لا يجوز: " ضربت أيهم في الدار " ولا " ضربت أزيد في الدار أم عمرو ".
قال أبو عثمان المازني: قولهم: " أما ترى أيّ برق هاهنا " يريد به رؤية العين، ولم يرد به رؤية القلب؛ لأنه إذا كان يقول: " انظر إليه ببصرك "، وجاز هذا في هذا خاصة؛ لأنها محكية، ولا يقاس.
وذلك أن الحروف التي تقع على الاستفهام، إنما تقع عليها الأفعال التي تتعدى إلى مفعولين، ورؤية العين لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد.
والقول الصحيح أنه يريد الرؤية التي في معنى العلم، وإليها يرجع الكلام؛ لأن الإنسان إذا قال لمن يخاطبه: " أما ترى أي شيء في الدنيا؟ " فليس يريد به رؤية العين وإنما يريد به رؤية العلم، وقد يقول القائل: " اذهب فانظر زيد أبو من هو "، وليس يريد اذهب فأبصره بعينك، وإنما يريد اعلم ذاك.
قال: " ومثل ذلك: " ليت شعري أعبد الله ثمّ أم زيد " و " ليت شعري زيد هل رأيته "، فهذا في موضع خبر ليت ".
يعني أن " شعري " اسم ليت، و " هل رأيته " جملة في موضع الخبر، وكذلك " عبد الله هل رأيته "، " عبد الله " مبتدأ، و " هل رأيته " في موضع الخبر.
و" شعري " يريد علمي، يقال: شعر به يشعر شعرة وشعرا ولا يستعمل بعد ليت إلا بطرح الهاء، كما تقول: امرأة عذراء بينة العذرة، ثم تقول: " هو أبو عذرها " بطرح الهاء؛ لأن الأمثال تؤدّى ولا تخالف.
ويجوز أن يكون الاستفهام في موضع مفعول " شعري "، على تقدير حرف الجر، ويكون الخبر محذوفا، كأنك قلت: ليت شعري أزيد ثمّ أم عمرو واقع، تقديره: ليت علمي بهذا واقع.
قال: (فإنما أدخلت هذه الأشياء على قولك: " أزيد ثمّ أم عمرو "، و " أيهم
стр. 634
أبوك "، لما احتجت إليه من المعاني، وسنذكر ذلك في باب التسوية).
يعني دخلت " علمت " على " أزيد ثمّ أم عمرو " لما احتجت إليه من تبيين علمك بذلك، وكذلك " ظننت أزيد في الدار أم عمرو " وأدخلت الظن لتبين أنك لست تقبله علما، وسنذكر معنى التسوية إذا انتهينا إلى بابها إن شاء الله.
قال: " ومن ذلك: " قد علمت لعبد الله خير منك "، فهذه اللام تمنع العمل. كما تمنع ألف الاستفهام ".
يعني تمنع " علمت " من العمل فيما بعدها، كما منعته ألف الاستفهام؛ لأنهما يقعان صدرا.
قال: " وإنما دخلت " علمت " لتؤكد بها ".
يعني أن الأصل: لعبد الله خير منك، غير أنك لو تكلمت بهذا جاز أن يكون على سبيل التظنّي منك، أو خبّرك به مخبر، فأردت أن تنفي ذلك، ولا تحيل على علم غيرك.
كما أنك إذا قلت: " قد علمت أزيد ثمّ أم عمرو " وأردت أن تخبر أنك قد علمت أيهما ثمّ، والأصل فيه " أزيد ثمّ أم عمرو " على طريق الاستفهام، ثم دخلت " علمت " للتبيين أنه قد استقر في علمك الكائن منهما.
قال سيبويه في عقب هذا: " وإن أردت تسوّي علم المخاطب فيهما كما استوى علمك في المسألة حين قلت: أزيد ثم أم عمرو ".
يعني أنك إذا قلت مستفهما: " أزيد ثمّ أم عمرو " فأنت لا تدري واحدا منهما بعينه، فعلمك بزيد كعلمك بعمرو.
فإذا قلت: قد علمت أزيد ثمّ أم عمرو " فقد دريت واحدا منهما بعينه، ولم تخبر المخاطب به فعلم المخاطب به كعلمه بعمرو، وقد أحللت المخاطب محلّك حين كنت مستفهما.
قال: ولو لم تستفهم ولم تدخل لام الابتداء لأعملت " علمت " كما تعمل:
" عرفت "، وذلك قولك: " قد عرفت زيدا خيرا منك "، كما قال الله : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ (١)، وكما قال تعالى: لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ
стр. 635
يَعْلَمُهُمْ (١).
قال أبو العباس: ذكر " علمت " التي في معنى عرفت؛ ليتبين لك وجوه: " علمت "
وقال غيره: إنما استشهد بعلمت التي في معنى عرفت؛ لأنه قال قبل هذا.
ولو لم تستفهم ولم تدخل لام الابتداء لأعملت " علمت " كما تعمل " عرفت ".
أراد لو لم تدخلهما لجاز أن تعمل: " علمت " عمل: " عرفت " فتعديه إلى مفعول واحد وأما إذا أدخلتهما، فلا يجوز أن تعديه إلى مفعولين.
ثم استدل على جواز إعمال: " علمت " عمل " عرفت " بما ذكر من الآيات، وهذا قول قريب.
قال أبو سعيد: والأجود عندي أن " سيبويه " إنما استشهد بدخول " علمت " على ما ليس فيه ألف الاستفهام ولا لام الابتداء، وأعمله فيه سواء كان في معنى " عرفت " أو في غير معناها، واتفق له الاستشهاد بهاتين الآيتين، والعلم فيهما على طريق المعرفة، ولو استشهد بغيرهما لجاز، ألا ترى إلى قوله: " قد علمت زيدا خيرا منك "، فعداه إلى
مفعولين، وهذا هو الأشبه ..
ويجوز أن يكون " خيرا منك " في موضع الحال، و " علمت " بمعنى " عرفت ".
قال: " وتقول: قد عرفت زيدا أبو من هو ".
" فزيد " منصوب " بعرفت "، و " أبو من هو " ذكر أبو العباس أنه حال، وقد غلط عندي؛ لأن الجملة إذا كانت في موضع الحال جاز أن تدخل عليها الواو، ألا ترى أنك تقول: " مررت بزيد أبوه قائم " وإن شئت قلت مررت بزيد وأبوه قائم وأنت لا تقول:
" عرفت زيدا وأبو من هو "، كما يجوز أن تقول: " عرفت زيدا وأبوه قائم "، فقد بطل الذي قاله من الحال.
والصواب عندي أن تكون الجملة بدلا من " زيد " وموضعها نصب بوقوع " عرفت " عليه، كأنك قلت: عرفت أبو من هو.
قال: " وتقول: قد علمت عمرا أبوك هو أم أبو عمرو ".
" فعمرا " هو المفعول الأول، وما بعده جملة في موضع المفعول الثاني.