← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17726

شرح كتاب سيبويه للسيرافي

السيرافي، أبو سعيد

Полный текст (2 488 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فيكون التقدير: " ذهب به مكان السوق ".، ويحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه. قال: وكذلك المفعل إذا كان حينا، نحو قولهم: " أتت الناقة على مضربها " أي على زمان ضرابها، وكذلك: " مبعث الجيوش "، تقول: " سير عليه مبعث الجيوش، ومضرب الشّول ". يريد أنهم قد أجروا ما في أوله الميم في الزمان، كما أجروه في المكان. فالمكان قولك: ذهب به مذهب، وسلك به مسلك. والزمان قولهم: أتت الناقة على مضربها، وسير عليه مبعث الجيوش، وأنشد قول حميد بن ثور: وما هي إلا في إزار وعلقة ... مغار ابن همام على حيّ خثعما (١) والشاهد فيه: مغار ابن همام، وزعم " الزجاج " أن " سيبويه " أخطأ في ذكره هذا البيت في هذا الموضع، وذلك أنه قدر " مغارا " زمانا، والزمان لا يتعدى، وإنما " مغار " مصدر، قال: والدليل على ذلك أنه قد عدّاه، فإنما تقديره زمن إغارة ابن همام على حي خثعم، مثل مقدم الحاج، وهكذا قال " أبو العباس ". وقد غلطا في الرد عليه؛ لأن المصادر التي جعلها " سيبويه " ظروفا إنما هي مضاف إليها الزمان، فتكون هي نائبة عنه، فمغار الذي في البيت وإن كان مصدرا لم يخرج عما قاله " سيبويه ". وتأويل البيت: أنه وصف امرأة، فذكر أنها في إزار وعلقة، وهي البقيرة، وهي قميص بلا كمين، يريد أنها- في وقت إغارة " ابن همام " - في هذا الزي، فإما أن تكون صغيرة، أو بمعنى آخر، ويقال إن ابن همام كان لا يغير إلا وهو عريان، وهذا الذي ينساق على تأويل الزجاج كأنه شبه عريها بعري ابن همام.

стр. 632

هذا باب ما لا يعمل فيه ما قبله من الفعل الذي يتعدى إلى المفعول ولا غيره لأنه كلام قد عمل بعضه في بعض، فلا يكون إلا مبتدأ لا يعمل فيه شيء قبله؛ لأن ألف الاستفهام تمنعه من ذلك، وهو قولك: " قد علمت أعبد الله ثمّ أم زيد "، و " قد عرفت أبو من زيد "، و " قد عرفت أيّهم أبوك "، و " أما ترى أيّ برق هاهنا "، فهذا في موضع مفعول، كما أنك قلت: عبد الله هل رأيته، فهذا الكلام في موضع المبني على المبتدأ. قال أبو سعيد قوله: " هذا باب ما لا يعمل فيه ما قبله من الفعل الذي يتعدى إلى المفعول ولا غيره " يريد الاستفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وقد بينا هذا في أول الكتاب. والفعل الذي يتعدى قولك: " قد علمت أزيد عندنا أم عمرو "، و " قد عرفت أبو من زيد "، والفعل الذي لا يتعدى قولك: " قد فكرت أزيد أفضل أم عمرو فإذا قلت: أزيد عندنا أم عمرو، " فزيد " مرفوع بالابتداء و " عندنا " خبره، ودخلت ألف الاستفهام على الجملة، ثم دخل الفعل على ألف الاستفهام، فلم يغيّر شيئا مما بعدها؛ لأن بعدها جملة، وقد حالت هي بين ما بعدها وما قبلها. فإذا كان الفعل متعديا إلى مفعولين سد الاستفهام وما بعده مسدّ المفعولين، كقولك: " خلت أزيد في الدار أم عمرو "، كما تسد " أنّ " المشددة مسد المفعولين في قولك: " خلت أنّ زيدا قائم ". وإذا كان الفعل يتعدى إلى مفعول، سد الاستفهام وما بعده مسد ذلك المفعول فقلت: " عرفت أبو من زيد "، كما قلت: " عرفت أن زيدا قائم ". وإذا كان الفعل لا يتعدى قام الاستفهام وما بعده مقام اسم فيه حرف من حروف الجر، كما أن " أنّ " المشددة إذا وقعت بعد فعل لا يتعدى، كان فيها تقدير حرف الجر، كقولك: " فكرت هل زيد قائم "؛ كما تقول: " فكرت أن زيدا قائم " والتقدير: فكرت في أن زيدا قائم، أي في قيامه. وبعض أصحاب " سيبويه " يروي: " إلى المفعول ولا غيره " بالجر، وبعضهم يقول: " ولا غيره " بالرفع. فمن رواه بالجر عطفه على الفعل، كأنه قال: من الفعل الذي يتعدى ولا من غيره،

стр. 633

وهو الفعل الذي لا يتعدى. ومن رفعه عطفه على " ما " الثانية، كأنه قال: لا يعمل فيه شيء قبله من الفعل المتعدي إلى مفعول، ولا شيء غير الفعل المتعدي. واعلم أن هذه الأفعال التي يقع الاستفهام بعدها إنما هي: " أفعال القلوب " من علم، وظنّ، وفكر، وخاطر، ولا يجوز أن يقع في موقع ذلك فعل مؤثر، لا يجوز: " ضربت أيهم في الدار " ولا " ضربت أزيد في الدار أم عمرو ". قال أبو عثمان المازني: قولهم: " أما ترى أيّ برق هاهنا " يريد به رؤية العين، ولم يرد به رؤية القلب؛ لأنه إذا كان يقول: " انظر إليه ببصرك "، وجاز هذا في هذا خاصة؛ لأنها محكية، ولا يقاس. وذلك أن الحروف التي تقع على الاستفهام، إنما تقع عليها الأفعال التي تتعدى إلى مفعولين، ورؤية العين لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد. والقول الصحيح أنه يريد الرؤية التي في معنى العلم، وإليها يرجع الكلام؛ لأن الإنسان إذا قال لمن يخاطبه: " أما ترى أي شيء في الدنيا؟ " فليس يريد به رؤية العين وإنما يريد به رؤية العلم، وقد يقول القائل: " اذهب فانظر زيد أبو من هو "، وليس يريد اذهب فأبصره بعينك، وإنما يريد اعلم ذاك. قال: " ومثل ذلك: " ليت شعري أعبد الله ثمّ أم زيد " و " ليت شعري زيد هل رأيته "، فهذا في موضع خبر ليت ". يعني أن " شعري " اسم ليت، و " هل رأيته " جملة في موضع الخبر، وكذلك " عبد الله هل رأيته "، " عبد الله " مبتدأ، و " هل رأيته " في موضع الخبر. و" شعري " يريد علمي، يقال: شعر به يشعر شعرة وشعرا ولا يستعمل بعد ليت إلا بطرح الهاء، كما تقول: امرأة عذراء بينة العذرة، ثم تقول: " هو أبو عذرها " بطرح الهاء؛ لأن الأمثال تؤدّى ولا تخالف. ويجوز أن يكون الاستفهام في موضع مفعول " شعري "، على تقدير حرف الجر، ويكون الخبر محذوفا، كأنك قلت: ليت شعري أزيد ثمّ أم عمرو واقع، تقديره: ليت علمي بهذا واقع. قال: (فإنما أدخلت هذه الأشياء على قولك: " أزيد ثمّ أم عمرو "، و " أيهم

стр. 634

أبوك "، لما احتجت إليه من المعاني، وسنذكر ذلك في باب التسوية). يعني دخلت " علمت " على " أزيد ثمّ أم عمرو " لما احتجت إليه من تبيين علمك بذلك، وكذلك " ظننت أزيد في الدار أم عمرو " وأدخلت الظن لتبين أنك لست تقبله علما، وسنذكر معنى التسوية إذا انتهينا إلى بابها إن شاء الله. قال: " ومن ذلك: " قد علمت لعبد الله خير منك "، فهذه اللام تمنع العمل. كما تمنع ألف الاستفهام ". يعني تمنع " علمت " من العمل فيما بعدها، كما منعته ألف الاستفهام؛ لأنهما يقعان صدرا. قال: " وإنما دخلت " علمت " لتؤكد بها ". يعني أن الأصل: لعبد الله خير منك، غير أنك لو تكلمت بهذا جاز أن يكون على سبيل التظنّي منك، أو خبّرك به مخبر، فأردت أن تنفي ذلك، ولا تحيل على علم غيرك. كما أنك إذا قلت: " قد علمت أزيد ثمّ أم عمرو " وأردت أن تخبر أنك قد علمت أيهما ثمّ، والأصل فيه " أزيد ثمّ أم عمرو " على طريق الاستفهام، ثم دخلت " علمت " للتبيين أنه قد استقر في علمك الكائن منهما. قال سيبويه في عقب هذا: " وإن أردت تسوّي علم المخاطب فيهما كما استوى علمك في المسألة حين قلت: أزيد ثم أم عمرو ". يعني أنك إذا قلت مستفهما: " أزيد ثمّ أم عمرو " فأنت لا تدري واحدا منهما بعينه، فعلمك بزيد كعلمك بعمرو. فإذا قلت: قد علمت أزيد ثمّ أم عمرو " فقد دريت واحدا منهما بعينه، ولم تخبر المخاطب به فعلم المخاطب به كعلمه بعمرو، وقد أحللت المخاطب محلّك حين كنت مستفهما. قال: ولو لم تستفهم ولم تدخل لام الابتداء لأعملت " علمت " كما تعمل: " عرفت "، وذلك قولك: " قد عرفت زيدا خيرا منك "، كما قال الله : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ (١)، وكما قال تعالى: لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ

стр. 635

يَعْلَمُهُمْ (١). قال أبو العباس: ذكر " علمت " التي في معنى عرفت؛ ليتبين لك وجوه: " علمت " وقال غيره: إنما استشهد بعلمت التي في معنى عرفت؛ لأنه قال قبل هذا. ولو لم تستفهم ولم تدخل لام الابتداء لأعملت " علمت " كما تعمل " عرفت ". أراد لو لم تدخلهما لجاز أن تعمل: " علمت " عمل: " عرفت " فتعديه إلى مفعول واحد وأما إذا أدخلتهما، فلا يجوز أن تعديه إلى مفعولين. ثم استدل على جواز إعمال: " علمت " عمل " عرفت " بما ذكر من الآيات، وهذا قول قريب. قال أبو سعيد: والأجود عندي أن " سيبويه " إنما استشهد بدخول " علمت " على ما ليس فيه ألف الاستفهام ولا لام الابتداء، وأعمله فيه سواء كان في معنى " عرفت " أو في غير معناها، واتفق له الاستشهاد بهاتين الآيتين، والعلم فيهما على طريق المعرفة، ولو استشهد بغيرهما لجاز، ألا ترى إلى قوله: " قد علمت زيدا خيرا منك "، فعداه إلى مفعولين، وهذا هو الأشبه .. ويجوز أن يكون " خيرا منك " في موضع الحال، و " علمت " بمعنى " عرفت ". قال: " وتقول: قد عرفت زيدا أبو من هو ". " فزيد " منصوب " بعرفت "، و " أبو من هو " ذكر أبو العباس أنه حال، وقد غلط عندي؛ لأن الجملة إذا كانت في موضع الحال جاز أن تدخل عليها الواو، ألا ترى أنك تقول: " مررت بزيد أبوه قائم " وإن شئت قلت مررت بزيد وأبوه قائم وأنت لا تقول: " عرفت زيدا وأبو من هو "، كما يجوز أن تقول: " عرفت زيدا وأبوه قائم "، فقد بطل الذي قاله من الحال. والصواب عندي أن تكون الجملة بدلا من " زيد " وموضعها نصب بوقوع " عرفت " عليه، كأنك قلت: عرفت أبو من هو. قال: " وتقول: قد علمت عمرا أبوك هو أم أبو عمرو ". " فعمرا " هو المفعول الأول، وما بعده جملة في موضع المفعول الثاني.

стр. 636

وإن جعلت " علمت " في مذهب " عرفت " فقد مضى الكلام فيه. وإنما نصبت المفعول الأول؛ لأنك جئت بألف الاستفهام بعد أن وقع الفعل عليه، وعمل فيه. قال: (ويقوّي النصب قولهم: قد علمته أبو من هو وقد عرفتك أيّ رجل أنت)؛ لأن الهاء في: " علمته " والكاف في " عرفتك " لا يكونان إلا في موضع نصب. وتقول: " قد دريت عبد الله أبو من هو ". " فدريت " بمعنى " عرفت " في تعدّيه إلى واحد، وأكثر العرب لا يجعلون: " دريت " متعديا إلى بحرف جر، فيقولون: " ما دريت به "، كما يقال: " ما شعرت به ". قال: " وإن شئت قلت: " قد علمت زيد أبو من هو "، كما تقول ذلك فيما لا يتعدى إلى مفعول، كقولك: " اذهب فانظر زيد أبو من هو ". يعني أنه يجوز لك ألّا تعمل: " علمت " في " زيد "، للاستفهام الذي بعده؛ إذ كان هذا الاستفهام يجوز أن يقع على " زيد "، فتقول: " قد علمت أبو من زيد ". فلما جاز أن يتقدم زيدا الاستفهام، ولا يتغير المعنى، صار بمنزلة ما قد وقع الاستفهام عليه، ومنع من أن يعمل فيه. ثم شبه: " علمت زيد أبو من هو " بما لا يتعدى من الفعل، لما أبطل عملها، وهو قولك: " انظر زيد أبو من هو " وأنت لا تقول: " نظرت زيدا، إلا في معنى انتظرته. وكذلك " اسأل: زيد أبو من هو " فالسؤال لم يقع بزيد فينصبه، وإنما المعنى اسأل الناس: زيد أبو من هو. وحكم " انظر " و " اسأل " أن يتعدى بحرف جر في المعنى المقصود بهذا الكلام، كأنك قلت: انظر في كنية زيد، واسأل عن كنية زيد. قال: " ومثل ذلك: " ليت شعري زيد أعندك هو أم عند عمرو ". وفي بعض النسخ: " ليت شعري أزيد عندك "، فشعري منصوب بليت، وهو مصدر شعرت. وقوله: " زيد عندك هو أم عند عمرو " جملة في موضع خبر: " شعري ". فإن قال قائل: أين العائد من الخبر على الاسم، وهو جملة في موضع خبر: " شعري " فالجواب أن يقال: إن هذه الجملة محمولة على معناها، لا على لفظها؛ وذلك أن فعل الظّن

стр. 637

والعلم، وغيرهما من أفعال القلب، قد يجوز أن تكون مفعولاتها جملا، فيكون عمل هذه المفعولات في مواضعها، لا في ألفاظها، إذا دخل في الكلام ما يمنع من ذلك كقولك: " عرفت أزيد في الدار أم عمرو "، فمفعول " عرفت " الاسم الذي وقعت الجملة موقعه، كأنك قلت: " عرفت ذاك " وكذلك: " ليت شعري زيد أعندك هو أم عند عمرو "، كأنه قال: ليت شعري ذاك، وتقديره: ليت الذي أشعر به ذاك. وفيه وجه آخر وهو أن يكون: " زيد أعندك هو أم عند عمرو " في صلة: " شعري " وقد ناب عن الخبر، كما تقول: " حسبت أن زيدا منطلق " " فأنّ " وما بعدها من الاسم والخبر في تقدير اسم واحد، و " حسبت " تحتاج إلى مفعولين، و " أنّ " وما بعدها من الاسم والخبر، تسدّ مسد المفعولين، وإن كانت في تقدير اسم واحد. ولا يمتنع دخول: " شعري " على: " زيد " وإن كان حرف الاستفهام بعده؛ لأنه في المعنى مستفهم عنه، فكأنك قلت: " ليت شعري أزيد عندك أم عند عمرو "، ومثل ذلك: " إن زيدا فيها وعمرو ". تردّ عمرا على موضع " زيد "؛ لأنه في المعنى مبتدأ. قال: " ولكنه أكد كما أكد فأظهر زيدا وأضمر ". يريد أكد بإنّ كما أكد في قوله: " علمت زيد أبو من هو " بإظهار: " زيد " وإضماره، فلم يخرج " زيد " من معنى الاستفهام، كما لم يخرج اسم " إن " من معنى الابتداء. قال: فإن قلت: " عرفت أبو من زيد " لم يجز إلا الرفع لأن المضاف إلى الاستفهام بمنزلة الاستفهام. فإن قلت: قد عرفت أبا من زيد مكنيّ ". انتصب " الأب " بمكني، وزيد مبتدأ، ومكنيّ خبره، وفيه ضمير مرفوع من: " زيد "، يقوم مقام الفاعل و " أبا من " مفعول ما لم يسم فاعله، ألا ترى أنك تقول: " زيد مكنيّ أبا عمرو "، فإذا جعلته استفهاما وجب أن تقدمه فتقول: " أبا من زيد مكنّي " فإذا دخلت عليه: " عرفت " لم يتغير. ومثله: " أأبا زيد تكنى أم أبا عمرو "، ثم تدخل عليه: " علمت " فلا يتغير، فتقول: " قد علمت أأبا زيد تكنى أم أبا عمرو " فلا تغيّر المنصوب المستفهم عنه، كما لم تغير المرفوع؛ في قولك: " قد علمت أزيد في الدار أم عمرو ". وتقول: " قد عرفت زيدا أبا من هو مكني "، وإن شئت قلت: " قد عرفت زيد "

стр. 638

بالرفع؛ فمن نصبه أوقع " عرفت " على " زيد "؛ لأن الاستفهام لم يقع عليه في اللفظ، وجعل ما بعده جملة في موضع الحال، ومن رفع- وهو أضعف الوجهين- يعمل فيه " عرفت "؛ لأن الاستفهام في المعنى واقع على " زيد ". قال: " وتقول: قد عرفت زيدا أبو أيهم يكنى به ". وإنما رفع: " أبو أيهم " لأنه شغل " يكنى " بضميره المتصل بالياء. قال: ومثله: " الدرهم أعطيت " بنصب الدرهم، فإذا قلت: " الدرهم أعطيته " رفعت. قال: وتقول: " أرأيتك زيدا أبو من هو " و " أرأيتك عمرا أعندك هو أم عند فلان ". يعني أنه لا بد بعد قولك: " أرأيتك " من منصوب ثم تأتي بالاستفهام بعد ذلك المنصوب، فإن قال قائل: فهلا أجزتم رفعه؛ لأنه في المعنى مستفهم عنه كما أجزتم " علمت زيدا أبو من هو "؛ لأنه في المعنى مستفهم عنه؟ فأجاب سيبويه عن هذا، بأن قال: إنّ " أرأيتك " لا تشبه " علمت "؛ لأن فيه معنى " أخبرني "، وأخبرني فعل لا يلغى، فلم يلغ " أرأيتك "، غير أنه وإن كان في معنى " أخبرني " فهو فعل يتعدى إلى مفعولين، لا يجوز الاكتفاء بأحدهما، فالمفعول الأول هو " زيد "، والمفعول الثاني: الجملة التي بعده، فقد جمع " أرأيتك " معنى " أخبرني " في ترك الإلغاء، ومعنى الرؤية رؤية القلب في التعدي إلى مفعولين، ثم عقب " سيبويه " بما يسدّ هذا المعنى. فقال: هذا المعنى فيه لم يجعله بمنزلة " أخبرني ". يعني: دخول معنى: " أخبرني " في: " أرأيتك " لم يمنعه من أن يكون له مفعولان، كما كان له قبل أن يدخل فيه معنى: " أخبرني " ومنعه هذا المعنى من أن يلغى، وقد قيل: أراد فدخول: " أخبرني " في " أرأيت " لم يجعله مقتصرا به على مفعوله الأول، كما يجوز أن يقتصر على النون والياء في قولك: " أخبرني ". وقال بعضهم: في النّسخ غلط، وإنما أراد أن يقول: بمنزلة " رأيت " في الاستغناء وذلك. أنك قد تقول: " علمت أبو من زيد " و " رأيت أبو من زيد " في معنى: " علمت "، فرأيت قد تستغني وتلغى، حتى لا تكون واقعة على مفعول، فإذا قلت: " أرأيت " وجب أن تقع على مفعول، ولم يله حرف الاستفهام.

стр. 639

قال: وتقول: " قد عرفت أيّ يوم الجمعة ". ويجوز " أيّ يوم الجمعة " فمن نصب جعله ظرفا للجمعة، ولم ينصبه بعرفت، كما تقول: " اليوم الجمعة " و " السبت " مثل الجمعة وإنما جاز النصب في ذلك؛ لأن الجمعة فيها معنى الاجتماع، والأصل في السبت الراحة، وهو فعل واقع في اليوم، ولو قلت: " اليوم الأحد والاثنان " إلى " الخميس " لم يجز إلا بالرفع؛ لأن " اليوم " هو الأحد وليس الأحد بمعنى يقع في اليوم. وإذا قلت: قد علمت أيّ حين عقبتي (١). فعقبتي مصدر ومعناها المعاقبة. يريد. أي وقت يصيبني حظي من الركوب، وإن رفعت فتقديره: أيّ حين حين عقبتي، و " علمت " لم يعمل فيه رفعا كان أو نصبا، وقول الشاعر: حتى كأن لم يكن إلا تذكره ... والدهر أيّتما حال دهارير (٢) فالدهر مبتدأ، و " دهارير " خبره، وهي: الدواهي، وأيّتما حال ظرف، كأنه قال: والدهر دهارير في كل حال. هذا باب من الفعل سمي الفعل فيه بأسماء لم تؤخذ من أمثلة الفعل الحادث (وموضعها من الكلام الأمر والنهي، ومنها ما يتعدّى المأمور إلى مأمور به، ومنها ما لا يتعدّى المأمور، ومنها ما يتعدّى المنهيّ إلى منهيّ عنه، ومنها ما لا يتعدى المنهيّ. أمّا ما تعدّى فقولك: رويد زيدا " فإنما هو اسم قولك أرود زيدا).

стр. 640

واعلم أن هذا الباب مشتمل على أسماء وضعت موضع فعل الأمر، ولا يجوز أن يذكر الفعل معها وهي مشتقة من لفظه وليست بالمصادر المعروفة للفعل كقولك: " ضربا زيدا " في معنى " اضرب ضربا ". فمن ذلك " رويد زيدا " وهو مبنيّ، وكان الأصل فيه أن يبنى على السكون لأنه واقع موقع الأمر، والأمر مبنيّ على السكون فاجتمع في آخره ساكنان الياء والدال فحرّكت الدال لاجتماع الساكنين، وكان الفتح أولى بها استثقالا للكثرة من أجل الياء التي قبلها كما قالوا: أين وكيف ففتحوا، ورويد تصغير إرواد، وإرواد مصدر أرود، ومعنى أرود: أمهل، وصغّروه تصغير الترخيم لحذف الزوائد وهي الهمزة التي في أولها، والألف التي هي رابعها. وقال الفرّاء: (١) " إن رويد تصغير رود "، والذي قاله، البصريون أولى لأن أرود يقع موقع " رويد "، و " رود " لا يقع في موقعه فلأن يكون مأخوذا ممّا يقع موقعه ويطابقه في المعنى أولى. ومنها هلمّ زيدا إنما يريد: هات زيدا والأصل فيه: ها لمّ زيدا ولكنهم جعلوهما كشيء واحد وأسقطوا الألف منها، وجعلوه بمنزلة الأسماء التي سمّى الفعل بها مثل: " رويد "، و " حذار "، و " دراك " ولم يثن ولم يجمع ولم يؤنث كما لم يثن " رويد " و " دراك "، وهذه لغة أهل الحجاز؟ قال الله : وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا (٢). فوحّدوا، وبنو تميم يثنون ويجمعون ويؤنثون، وقد ذكرنا هذا فيما مضى. قال: (ومنها قول العرب: " حيّ هل الثريد "). جعلوا حيّ وهل بمنزلة شيء واحد، وفتحوها وأقاموها مقام اسم الفعل فلم تثن ولم تجمع، وجعلوا " حيّ هل الثريد " بمنزلة ائتوا الثريد؛ وربما اكتفت العرب ب " حيّ " فعدّوه بحرف الجر قالوا: " حيّ على الصلاة " وربما اكتفوا بهل، قال النابغة الجعدي:

стр. 641

ألا حيّيا ليلى وقولا لها هلا (١) قال: (ومنها قوله: تراكها من إبل تراكها (٢) فهذا اسم لقوله اتركها، وكذلك: مناعها من إبل مناعها (٣) وهو اسم لقوله: امنعها. والواحد والاثنان والجميع والمؤنث في ذلك سواء؛ وكان حكم " تراك " أن يكون ساكنا لوقوعه موقع الأمر فاجتمع في آخره ساكنان فكسر على ما يوجبه اجتماع الساكنين وهذا مطّرد في جميع الأفعال الثلاثية كقولك: " حذار من زيد "، و " نعاء زيدا " بمعنى انع زيدا، وقد استقصيناه فيما مضى؛ فهذا الذي ذكره: هو ما يتعدى المأمور إلى مأمور به والمنهيّ إلى منهيّ عنه. وأما ما لا يتعدى المأمور ولا المنهي إلى مأمور به ولا إلى منهي عنه فنحو قولك: مه مه، وصه صه، وإيه وما أشبه ذلك). فهذه أصوات وضعت مواضع أسماء الفعل ولا تثنى ولا تجمع، فمعنى مه: كفّ، ومعنى صه: اسكت، وإيه: استزادة. فإن قال قائل: لم فصل سيبويه بين الأمر والنهي في أول هذا الباب وليس في شيء من هذه الأفعال نهيّ بل لا يجوز أن يكون فيها نهي لأنه ليس شيء من هذه المصادر التي هي اسم الفعل يقدر فيها " لا " التي هي للنهي وإنما تقع موقع الأمر المحض، قيل له: إنما سماه نهيا بالمعنى لا بدخول حرف نهي، لأنه إذا قال: اتركها، وامنعها، فالمعتاد في الكلام أن يقال نهى عنها، وإذا قال: صه صه، فأمره بالسكوت والكفّ، فقد نهاه عن الكلام

стр. 642

والإقدام، والأكثر المألوف أنه إذا قال له: اسكت، أنه قد نهاه عن الكلام. قال سيبويه: (واعلم أن هذه الحروف التي هي أسماء للفعل لا تظهر فيها علامة المضمر وذلك أنها أسماء وليست على الأمثلة التي أخذت من الفعل الحادث فيما مضى وفيما يستقبل وفي يومك ولكن المأمور والمنهيّ مضمران في النّية). يعني أن هذه الأسماء التي هي أسماء الفعل لا يظهر فيها ضمير الفاعل والواحد والتثنية والجمع. تقول: " يا عمرو حذار زيدا "، و " يا عمران حذار زيدا "، و " يا عمرون حذار زيدا "، و " يا هندات حذار زيدا ". وفي حذار ضمير الفاعل يجوز أن يؤكد فنقول: حذار زيدا أنت نفسك، وحذار زيدا أجمعون إذا أمرت جماعة، وإنما تظهر العلامة في الفعل لأنه هو العامل في الأصل، وتتغير أمثلته ويخالطه اسم الفاعل واللفظ حتى يصير معه كشيء واحد نحو قولك: جلست، وقمت، فالتاء اسم الفاعل، وقد خالط الفعل وظهر فيه، فلو جعلت مكان حذار احذر لثنيت وجمعت فقلت: احذرا واحذروا. قال: (وإنما كان أصل هذا في الأمر والنهي وكان أولى به لأنهما لا يكونان إلّا بفعل). يعني أن هذه الأسماء التي ذكرها في هذا الباب لا تقع إلّا في الأمر والنهي، لا يجوز أن يقول: أعجبني مناع زيدا، ولا هذا رويد زيدا، كما تقول أعجبني منعك زيدا، وقد بيّنا لم لا يقع إلّا في الأمر. قال: (وأجريت مجرى ما فيه الألف واللام لئلا يخالف ما بعدها لفظ ما قبلها بعد الأمر والنهي). يعني أنها جعلت مفردة غير مضافة كما أن النجاء مفرد غير مضاف، حتى لا ينخفض ما بعدها وينتصب ما بعد الأمر والنهي ولا ينخفض. قال: (ولم تصرّف تصرّف المصادر لأنها ليست بمصادر). يعني أنها لا تكون إلا مفردة على لفظ واحد، والمصادر المشتقة من الأفعال قد

стр. 643

تكون مفردة ومضافة ويكون فيها الألف واللام، وقد لا يكون فيها كقولك: ضربا زيدا، والضرب زيدا، وضرب زيد، قال الله تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ (١). هذا باب متصرّف رويد (تقول: رويد زيدا وإنما تريد أرود زيدا. قال الهذليّ: رويد عليّا جدّ ما ثدي أمّهم ... إلينا ولكن بغضهم متماين) (٢) قد ذكرنا نصب رويد لما بعده فأمّا معنى البيت فإنّ عليّا قبيلة، وجدّ: قطع، وهذا مثل، يريد قطع نسبهم إلينا بالعقوق، وبغضهم متماين يعني متكاذب وإنما أراد أنهم أبغضونا على غير ذنب، والمين: الكذب، وكأن بغضهم كذب إذ كان على غير أصل. ويروى: " ولكن ودّهم متماين " وهو ظاهر المعنى وهمز بعض أهل اللغة متمأين وهو ظاهر المعنى، وهمز بعض أهل اللغة متمأين وزعم أن معناه متقادم. قال: (وسمعنا من العرب من يقول: " والله لو أردت الدراهم لأعطيتك رويد ما الشعر " يريد أرود الشعر كقول القائل: لو أردت الدراهم لأعطيتك فدع الشعر). قال أبو العباس: " هذا رجل مدح رجلا فقال الممدوح للمادح هذا القول؛ أي لو أردت الدراهم لأعطيتك فدع الشعر لا حاجة بك إليه ". قال أبو سعيد: وقد يقال إن سائلا سأل آخر أن ينشد شعرا وكان إنشاده عليه سهلا فقال: لو أردت الدراهم التي إعطاؤها صعب لأعطيتك فدع الشعر الذي هو سهل تقرّبا إليه في مبادرته إلى قضاء حاجته. قال: (ويكون رويد أيضا صفة يقولون: ساروا سيرا رويدا، ويقولون أيضا:

стр. 644

ساروا رويدا فيحذفون السير ويجعلونه حالا وصف به المصدر اجتزاء بما في صدر حديثه من ذكر ساروا عن ذكر السير). قال أبو سعيد: اعلم أن رويد قد تكون لها حالان سوى حالها التي ذكرنا تكون فيها معربة وهي النعت والحال، ويجوز أن تكون في هاتين الحالتين تصغيرا لإرواد الذي هو المصدر، ويجوز أن تكون تصغير مرود أو مرود بحذف الزوائد على ما ذكرنا من تصغير الترخيم، فإذا جئت بالموصوف فأظهرته كان وصفا كقولك: ضعه وضعا رويدا، وإذا لم تجئ بالموصوف كان الاختيار أن يكون حالا لضعف الصفة من غير أن تقدّم الموصوف، ويجوز أن يكون صفة قامت مقام الموصوف تقول: رويدا، تريد وضعا رويدا. قال: (واعلم أن رويدا تلحقه الكاف وهي في موضع الفعل كقولك: رويدك زيدا افعل، ورويدكم زيدا، ودخلت الكاف علامة للمخاطب إذا خفت أن يلتبس من تعني بمن لا تعني وتجد فيها استغناء بعلم المخاطب أنه لا يعني غيره). ولا موضع للكاف عند سيبويه ومن ذهب مذهبه من نصب ولا رفع ولا جرّ، وهي عندهم بمنزلة الكاف في ذلك وذلكما لا موضع لها من الإعراب. وبعض النحويين يزعم أن موضعها رفع، وبعضهم يقول: موضعها نصب، فأما الذي يزعم أن موضعها رفع فالحجة عليه أن يقال: إنّا لم نر شيئا يعمل عمل الفعل وليس بفعل يتصل به ضمير الفاعل ظاهرا وإنما يكون الضمير في النية كقولك: حذار زيدا. ومن الحجة عليه- أيضا- أنا قد نقول: رويد زيدا فنحذف الكاف ونقدّر في رويد ضميرا مرفوعا في النية؛ فلو كانت الكاف هي الفاعلة ما جاز حذفها. والحجة على من قال: إنها في موضع نصب أن رويد إنما هو اسم أرود، وأرود لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، فكلما كان اسما لأرود لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، ولو كانت الكاف منصوبة كنت قد عديت رويدا إلى مفعولين، ولو جاز هذا لجاز: رويد زيدا عمرا. ثم استدل على بطلان قول من يقول: إن الكاف اسم لها موضع بما تقدّم، ثم احتجّ

стр. 645

سيبويه على أن الكاف لا موضع لها بقول العرب: هاء وهاءك في معنى: تناول؛ فزاد الكاف على هاء للخطاب، وفيه لغات قد ذكرناها في أول الكتاب. واحتجّ في ذلك على من انتحل والتزم أن كاف ذلك لها موضع بأن قال: إن كان لها موضع فلا بدّ من أن تكون مجرورة أو منصوبة، فإن كانت منصوبة وجب أن تقول: ذاك نفسك زيدا إذا أراد تأكيد الكاف، وينبغي له أن يقول: إذا كانت مجرورة ذاك نفسك زيد وهو أن لا يقولهما أحد. ومما دخل للكاف أيضا التاء في أنت وهي ملازمة، تختلف في المذكر والمؤنث ولا موضع لها، ولو كان لها موضع من رفع أو نصب لوجب أن يؤتى بعامل يعمل ذلك العمل ولا عامل موجود في لفظ ولا تقدير. ثم احتج سيبويه- أيضا- في ذلك بقولهم: أرأيتك زيدا ما فعل؟ فذكر أن الكاف لا موضع لها وأن التاء علامة المضمر المرفوع المخاطب، ولو لم تلحق الكاف كنت مستغنيا كاستغنائك حين كان المخاطب مقبلا عليك، فهذا الذي ذكر سيبويه صحيح، وسقوط الكاف مع صحة المعنى الذي يكون بوجودها دلالة على أن لا موضع لها، ولو كانت الكاف في موضع رفع كما قالوا لوجب ألا تسقط لأن ضمير الفاعل لا يسقط من الفعل أبدا. وزعم الفراء أن العرب تجعل " أرأيتك " على مذهبين مختلفين: فإذا قلت رأيتك منطلقا كما تقول حسبتك ذاهبا فعدّيتك فعل المخاطب إلى نفسه كان موضع التاء رفعا، وموضع الكاف نصبا، وثنيت وجمعت فقلت: رأيتماكما منطلقين، ورأيتموكم منطلقين ورأيتنّكنّ منطلقات لجماعة المؤنث، فإن أدخلت ألف الاستفهام على هذا أقررته على حاله فقلت: أرأيتماكما منطلقين فهذا أحد المذهبين، والمذهب الآخر: أن تقول: أرأيتكم زيدا ما فعل؟ على معنى أخبرنّي عن زيد؟ وإذا ثنى وجمع لحقت التثنية والجمع الكاف وكانت التاء مفردة على كل حال فقلت: أرأيتكما زيدا ما فعل؟ قال الله : قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً (١) فاستدل بتوحيد التاء في هذا على أنه لا

стр. 646

موضع لها وأن الموضع للكاف، وقد بيّنا ما تقدّم من الاحتجاج أن لا موضع للكاف. ويجوز أن يكون إفرادهم التاء استغناء بتثنية الكاف وجمعها لأنها للخطاب وإن كان لا موضع لها كما أن التاء للخطاب، وإنما استغنوا بتثنية الكاف وجمعها عن تثنية التاء وجمعها للفرق بين أرأيت إذا كان في معنى أخبرني، وبينها إذا أردت به معنى علمت، فاعرفه إن شاء الله. قال: (ونظير الكاف في رويد في المعنى لا في اللفظ " لك " التي تجيء بعد هلمّ في قوله: هلمّ لك فالكاف ههنا اسم مجرور باللام والمعنى في التوكيد والاختصاص بمنزلة الكاف التي في رويد وما أشبهها كأنه قال: هلمّ ثم قال: إرادتي بهذا لك فهو بمنزلة قولك: سقيا لك). أما قوله: نظير الكاف في رويدك لك التي تجيء بعد هلمّ فإنما يعني أنك إذا قلت: رويد فالمعنى تامّ، فإذا زدت الكاف زدتها بعد تمام المعنى لتبيين المخاطب وإن كانت رويد قد أغنتك عن ذلك، كما أنك إذا قلت: هلمّ للمخاطب استغنى الكلام به وتمّ فإذا قلت: هلمّ لك فجئت ب " لك " فإنما تجيء بها بعد استغناء الكلام عنها وتمامه دونها حرصا على تبيين المخاطب، وكذلك إذا قلت: سقيا لك، فسقيا غير محتاج إلى لك لأن معناه: سقاك الله سقيا، ولكنك لما قلت: سقيا جئت ب " لك " تأكيدا وتبيينا كأنك قلت: دعائي بهذا لك أو إرادتي لك، غير أن الكاف في هلمّ لك، وسقيا لك مجرورة باللام وفي رويدك لا موضع لها من الإعراب، وإنما جمع بينهما سيبويه في التأكيد بهما بعد تمام الكلام دونهما لا في موضع الإعراب، وفي رويد ضمير فاعل في النيّة يجوز أن يؤكّد وأن يعطف عليه بحسب ما يجوز في ضمير الفاعلين. تقول: رويدكم أنتم وعبد الله، ورويدكم أجمعون، كما تقول: قم أنت وعبد الله، وقوموا أجمعون، وكذلك إن لم يكن فيه الكاف، فإذا خاطبت الواحد قلت: رويد أنت زيدا، وإذا خاطبت اثنين قلت: رويد كلاكما زيدا، وللجميع: رويد أجمعون. وأمّا هلمّ لك ففيه ضميران مرفوع ومجرور: فالمرفوع هو ضمير الفاعل الذي في هلم، والمجرور هو الكاف في لك فيجوز أن تقول: هلم لكم أجمعون وأجمعين، فأجمعون على تأكيد الضمير الذي في هلم، وأجمعين

стр. 647

على تأكيد الكاف والميم في لكم وموضعه جرّ. (وهذا ضرب من الفعل سمّي الفعل فيه بأسماء مضافة ليست من أمثلة الفعل الحادث ولكنها بمنزلة الأسماء المفردة التي كانت للفعل نحو: رويد وحيهل ومجراهنّ واحد). قال أبو سعيد: اعلم أن هذا يخالف ما قبله لأنه قد اشتمل على ظروف وحروف جرّ تجري مجرى الظروف ومصادر مضافات كلّهنّ، والفرق بين هذا الفصل والذي قبله أن هذا مضاف والذي قبله مفرد وينقسم هذا قسمين: قسم يتعدّى، وقسم لا يتعدّى. فأما ما يتعدى فقولك: عليك زيدا ودونك زيدا وعندك زيدا تأمره به؛ فأمّا عليك فحرف من حروف الجرّ، وأما دونك وعندك فظرفان، وقد جعلن بمنزلة قولك: خذ زيدا، والكاف منهن في موضع جرّ. وذكر عن المازنيّ أنه كان الأصل في عليك زيدا أي: خذه من فوقك. وفي عندك زيدا أي: خذه من عندك. وفي دونك زيدا أي: خذه من أسفل من موضعك. وتحصيل هذا خذ من دونك زيدا، وخذ من عندك زيدا، وخذ من عليك زيدا. كما تقول: خذه من فوقك، كما قال الشاعر: غدت من عليه بعد ما تمّ ظمؤها ... تصلّ وعن قيض بزيزاء مجهل (١) ثم حذف حرف الجر وهو " من " فوصل الفعل إلى هذه الأسماء وحذف فعل الأمر وهو: " خذ " اكتفاء واستخفافا. قال: وما تعدّى المنهيّ إلى منهيّ عنه قولك: حذرك زيدا وحذارك زيدا فردّ عليه أبو العباس المبرّد هذا اللفظ من وجهين:

стр. 648

أحدهما: أن قولك: حذرك إنّما هو: احذر وقد جعله سيبويه نهيا. قال أبو العباس: " فإن قال قائل فمعنى احذر: لا تدن منه " قيل: وكذلك عليك معناه: لا يفوتنك، وكلّ أمر أمرت به فأنت ناه عن خلافه، وإذا نهيت عن شيء فقد أمرت بخلافه، فقد يجوز في الأمر أن يقال نهي وفي النهي أن يقال أمر على المعنى، فإذا كان كذلك فلا وجه للتفصيل الذي فصل به سيبويه بين الأمر والنهي. والوجه الآخر: أنه وضع في هذا الباب ما لم يؤخذ من أمثلة الفعل، وحذرك مأخوذ من الحذر فهو خارج من هذا الباب؛ لأن هذا الباب عليك ودونك. وليس الأمر على ما ردّه أبو العباس في الوجهين جميعا. أما الوجه الأول فقد ذكرنا أن ألفاظا من ألفاظ الأمر الأكثر في عادة كلام الجمهور أن يقال: نهى وإن كان بلفظ الأمر كقولك: تجنب فلانا، واحذر فلانا، وابعد عن فلان فإنما يقال: نهاه عنه؛ فجرى سيبويه على اللفظ المعتاد. وأما الوجه الآخر فإنما غرّ سيبويه في هذا الباب تفصيل المضاف من المفرد الذي قبله لأنه قد ذكر ظروفا وأسماء كلها مضافات، وقد ترجم الباب بقوله: بأسماء مضافة. (وأما ما لا يتعدّى فقولك: مكانك، وبعدك إذا قلت: تأخّر، وكذلك عندك إذا كنت تحذّره شيئا من بين يديه أو تبصّره شيئا، وإليك إذا أردت تنحّ، ووراءك إذا قلت: افطن لما خلفك). وقد ذكر سيبويه عندك فيما يتعدى، وقد ذكره فيما لا يتعدى وهذا غير مستنكر وذلك أنه قد يكون فعل واحد متعديا وغير متعدّ؛ كقولك: علقتك وعلقت بك وجئت زيدا وجئت إلى زيد. قال: (وحدثنا أبو الخطاب أنه سمع من يقال له: إليك فيقول إليّ كأنه قيل له: تنحّ فقال: أتنحّى، ولا يقال: دوني ولا عليّ هذا، إنما سمعناه في هذا الحرف وحده وليس لها قوة الفعل فتقاس). اعلم أن هذه الأسماء والحروف التي تضمّنها هذا الفصل وما قبله من المفرد والمضاف لا يجوز أن تقع إلا في أمر المخاطب هذا حكمه وبابه، وذلك من قبل أنّ أمر المخاطب يقع بالفعل المحض من غير حرف يدخل عليه، وأمر الغائب لا يقع إلا بحرف ألا ترى أنك تقول: قم يا زيد ولا يجوز أن تقول: قم يا عمرو إذا كان غائبا وإنما تقول:

стр. 649

ليقم عمرو، ومع هذا فإنما الأمر إنما يكون بمواجهة المخاطب وتنبيهه وندائه، فقد يوضع كثير من الأصوات في موضع الأمر للإنسان وللبهائم، كقولك للإنسان: مه وصه، وللناقة: حل، وللجمل: حوت، وللحمار: تشوه. وهذه الأشياء لا تقع إلّا في أمر فجعلوا- إليك، وعليك، ووراءك، ودونك- بمنزلة هذه الأصوات التي يؤمر بها، فالقياس ألّا يقع هذا في غير الأمر، فإذا قلت: إليك فقال: إليّ فقد جعل إليّ بمعنى أتنحّى وهو خبر ليس بأمر، وهذا شاذّ مخالف لقياس الباب. فإذا قلت: عليك زيدا ودونك زيدا على معنى خذ زيدا فلا يجوز أن تقول: عليّ زيدا ودوني زيدا على معنى آخذ زيدا؛ لأن ذلك لا يجوز في غير الأمر، وقد يجوز أن تقول: عليّ زيدا على غير هذا المعنى إذا أردت ائتني بزيد فيكون في باب الأمر، ولا يجوز أن تقول: دوني زيدا إذا أردت ائتني بزيد وذلك إذا قلت: عليّ زيدا فقد عدّيته إلى زيد وإليك بحرف الجرّ، وإذا قلت: عليك زيدا فإنما عديته إلى زيد وإلى المخاطب بحرف الجر، فقد توسّعت العرب في هذا الفعل فعدّته مرّة إلى المتكلم بحرف الجرّ ومرّة إلى المخاطب ولم تتوسّع في دونك وعندك لأنهم لم يقولوا: دوني وعندي، ولا يجب أن نقيس ذلك لأنّه قد يجوز أن يكون فعل منه متعدّ ولا يتعدى نظيره. ألا ترى أنك تقول: علقتك وعلقت بك، ولا يجوز في مررت بك مررتك. قال: وحدّثني من سمعه أنّ بعضهم قال: عليه رجلا ليسنى، وهذا قليل شبّهوه بالفعل. يعني أنه قال: عليه فأمر غائبا، وقد روي مثل هذا عن النبي صلّى الله عليه وعلى آله أنّه قال: " من استطاع منكم الباءة فليتزوّج وإلّا فعليه الصوم، فإنّه له وجاء " (١). وإنما أمر الغائب، فهذا الحرف على شذوذه، لأنه قد جرى للمأمور ذكر فصار بالذّكر الذي جرى له كالحاضر فأشبه أمره أمر الحاضر، ولو كان المأمور اسما ظاهرا لم يجز؛ لأنه لا يجوز أن تقول: على زيد عمرا، وإذا قلت عليك زيدا فللمخاطب ضميران:

стр. 650

أحدهما: مجرور، وهو الكاف، ومعناه معنى المفعول، والآخر: مرفوع في النية فاعل، ويجوز أن تؤكدهما أو ما شئت منهما تقول: عليك نفسك زيدا، ويجوز أن تقول: عليك نفسك أنت نفسك، على أن تجعل المجرور تأكيدا للكاف، والمرفوع تأكيدا لضمير الفاعل، ولا يجوز أن تقول: عليك وأخيك فتعطف أخيك على الكاف؛ لأن المجرور الظاهر لا يعطف على المجرور المضمر، والاحتجاج لهذا في غير هذا الموضع. قال: (ومن جعل رويدك مصدرا قال: رويدك نفسك). يعني من قال: رويدا يا زيد كما تقول: ضربا يا زيد جاز أن تضيفه إلى الكاف كما قال : فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ (١). فأضاف ضرب الرقاب، وكذلك أضاف رويد إلى الكاف وجاز أن يؤكد الكاف لمجرور ويصير للمخاطب ضميران. أحدهما: مجرور وهو الكاف. والآخر: ضمير الفاعل في النية. (وأما قول العرب: رويدك نفسك، فإنهم يجعلون النفس بمنزلة عبد الله، ويجعلون الكاف للخطاب لا موضع لها، وكأنهم قالوا: رويد نفسك على ما فسّرنا في رويد زيدا). قال: (وأما حيّهلك، وهاءك وأخواتها فليس فيها إلا ما ذكرنا لأنّهنّ لم يجعلن مصادر). يعني أن الكاف في هذه الأشياء لا موضع لها وإنما هي للخطاب. أراد الفرق بين رويدك وبين حيّهلك؛ لأن رويدك قد تكون الكاف فيه مرّة للخطاب ومرّة في موضع جرّ، فإذا كان للخطاب فهو بمنزلة حيّهلك، وإذا كان في موضع جرّ فهو بمنزلة عليك وحذرك. (واعلم أنك لا تقول: دوني، كما قلت: عليّ لأنه ليس كل فعل بمنزلة أولني قد تعدى إلى مفعولين، فإنما عليّ بمنزلة أولني ودونك بمنزلة خذ لا تقول: آخذني درهما ولا خذني درهما).

стр. 651

يعني أنك تقول: عليك زيدا فيكون بمنزلة خذ زيدا ثم تقول: عليّ زيدا فيكون بمنزلة: أولني زيدا كما تقول: أعطني زيدا ودونك زيدا ولا تقول: دوني زيدا، كما لا تقول: خذني زيدا، فإنما ننتهي في ذلك حيث انتهت العرب. قال: (واعلم أنه يقبح أن تقول: زيدا عليك، وزيدا حذرك، وإنّما قبح لأن هذه الحروف ليست بأفعال وإنما وضعت موضع الأفعال ولا تصرّف لها؛ فلم تعمل عمل الفعل في جميع الأحوال، ولم تقو قوّته). فإذا رأيت في شعر " زيدا عليك " فإنما تنصب " زيدا " بفعل وتكون " عليك " مفسّرة له كما قال: يا أيّها المائح دلوي دونكا ... إنّي رأيت الناس يحمدونكا (١) فدلوي في موضع نصب بإضمار فعل؛ كأنه قال: خذ دلوي دونك، وكذلك قوله : كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (٢). ينتصب كتاب بما قبله لا بعليكم؛ كأنه لما قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ (٣). فقد دلّ أنّه كتب التحريم عليكم كتابا فنصب الكتاب بالمصدر، لا بعليكم، وكان الكسائي ينصب كتاب الله بعليكم، ويحتج بالبيتين اللذين أنشدنا، والفراء يخالفه ويقول نحو ما ذكرناه في البيتين. هذا باب ما جرى من الأمر والنهي على إضمار الفعل المستعمل إظهاره إذا علمت أن الرجل مستغن عن لفظك بالفعل (وذلك قولك: زيدا وعمرا ورأسه، وذاك أنّك رأيت رجلا يضرب أن يشتم أو

стр. 652

يقتل فاكتفيت بما هو فيه من عمله). اعلم أنّ الإضمار على ثلاثة أوجه: - وجه يجب فيه الإضمار ولا يحسن فيه الإظهار. - ووجه لا يجوز أن تضمر العامل فيه. - ووجه أنت مخيّر بين إضماره وإظهاره. فأما ما لا يجوز فيه الإضمار لعامل فأن تقول مبتدئا: زيدا، من غير سبب نحويّ ولا حال حاضرة دالة على معنى، وأنت تريد: اضرب زيدا، وغيره من الأفعال لأنك إذا أضمرته لم يعلم أنّه " أكرم زيدا " أو اشتم زيدا أو غير ذلك. وأما ما يجوز إظهاره وإضماره فأن ترى رجلا يضرب أو يشتم فتقول: زيدا، تريد اضرب زيدا، ويجوز إظهاره فتقول: اضرب زيدا، ومثل ذلك أيضا في الخبر أن تلقى رجلا قادما من سفر فتقول: خير مقدم أي: قدمت خير مقدم، ولو أظهرته لم يكن بأس، وكذلك إذا قلت لرجل في طريق: الطريق يا هذا، معناه: خلّ الطريق وعن الطريق، ويجوز إظهاره، قال جرير: خلّ الطريق لمن يبني المنار به ... وابرز ببرزة حيث اضطرك القدر (١) ولا يجوز أن تضمر في شيء من هذا الباب الجارّ؛ فإذا قلت: الطريق لم يجز أن يكون الضمير تنحّ عن الطريق؛ لأن الجارّ لا يضمر، وذلك أن المجرور داخل في الجار غير منفصل. والوجه الثالث: قوله: إياك وأن تقرب الأسد، معناه: إيّاك اتق، وإياك احذر، ولا يحسن إظهار ما نصب إياك، ثم استشهد سيبويه على جواز الحذف الذي عقد به الباب: (تقول العرب في مثل من أمثالهم: " اللهمّ ضبعا وذئبا " إذا كان يدعو بذلك على غنم رجل، فإذا سألهم ما يعنون قالوا: اللهم اجمع فيها ضبعا وذئبا، كلّهم يفسر ما ينوي). قال أبو العباس: سمعت أن هذا دعاء له لا دعاء عليه؛ لأن الضبع والذئب إذا اجتمعا تقاتلا فأفلتت الغنم.

стр. 653

وقال: أمّا ما وضعه عليه سيبويه فإنه يريد ذئبا من ههنا وضبعا من ههنا. قال: (وحدثنا من يوثق به أن بعض العرب قيل له: أما بمكان كذا وكذا وجد وهو موضع يمسك الماء) نحو النقرة في الصخرة، (فقال: بلى وجادا، ومنه قول الشاعر: أخاك أخاك إنّ من لا أخا له ... كماش إلى الهيجا بغير سلاح (١) كأنه يريد: الزم أخاك). غير أنّ هذا مما لا يحسن فيه إظهار الفعل إذا كررت، ويحسن إذا لم تكرّر، إذا قلت: أخاك، حسن أن تقول: الزم أخاك، وإذا قلت: أخاك أخاك، لم يحسن أن تقول: الزم أخاك أخاك لأنهم إذا كرروا جعلوا أحد الاسمين كالفعل، والاسم الآخر كالمفعول. وكأنهم جعلوا أخاك الأول بمنزلة " الزم "، فلم يحسن أن تدخل " الزم " على ما قد جعل بمنزلة " الزم ". ومنه قول العرب: " أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك " فمعناه: عليك بأمر مبكياتك، واتّبع أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك. فمعناه: اتبع أمر من ينصح لك فيرشدك وإن كان مرّا عليك صعب الاستعمال، ولا تتبع أمر من يشير عليك بهواك؛ لأن ذلك ربما أدى إلى العطب. ومنه: " الظّباء على البقر ". والمعنى في المثل: أنك تنهاه عن الدخول بين قوم يتشابهون ويتكافؤون في سوء أو غيره، وتقديره: خلّ الظباء على البقر. هذا باب ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره في غير الأمر والنهي (وذلك إذا رأيت رجلا متوجّها وجه الحاجّ، قاصدا في هيئة الحاجّ قلت: مكّة

стр. 654

وربّ الكعبة، حيث زكنت أنه يريد مكة، كأنك قلت: تريد مكة والله). فهذا من الباب الذي يجوز إظهار الفعل فيه وإضماره لحال حاضرة ودلالة بينة، فهذا وغيره في ذلك سواء. وهذا الباب يشتمل على هذا النحو ولا يجوز أن تقول: زيد، وأنت تريد: ليضرب زيد، وليضرب زيد عمرا إذا كان فاعلا، ولا يجوز أن تجعل الفعل المضمر لغائب في الأمر لأنك إذا فعلت ذلك فلا بد من أن تقدّر للمخاطب فعلا يبلّغ به الغائب، فكأنك قلت: قل له: ليضرب زيدا، أو قل له ليضرب زيد عمرا، فضعف هذا عندهم لإضمار فعلين لشيئين مع ما يدخل فيه من اللّبس، واللّبس الذي يدخل فيه أنه ليس للمخاطب فعل ظاهر ولا مضمر عليه دلالة فلا يعلم أنك أردت: قل: ليضرب زيدا، أو أردت: لا تقل له ليضرب زيدا، ونحو ذلك من الأفعال المتضادّة. هذا باب ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره بعد حرف (وذلك قولك: الناس مجزيّون بأعمالهم إن خيرا فخير، وإن شرا فشرّ، والمرء مقتول بما قتل به إن خنجرا فخنجر، وإن سيفا فسيف). قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب تجوز فيه أربعة أوجه: - الرفع في الشرط والجواب، كقولك: إن خير فخير. - والنصب فيهما، كقولك: إن خيرا فخيرا. - والنصب في الأول والرفع في الثاني، كقولك: إن خيرا فخير. - والرفع في الأول والنصب في الثاني، كقولك: إن خير فخيرا. أما الأول فالعامل فيه " كان " رفعت أو نصبت، فإذا قلت: الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرا، تقديره: إن كان عملهم خيرا، وإذا قلت: إن خير، تقديره: إن كان في عملهم خير. وأما الجواب فإنه إن كان نصبا، فإضمار كان، وإن كان رفعا، جاز أن يكون بإضمار مبتدإ. وجاز أن يكون بإضمار فعل. وأجود هذه الوجوه، نصب الأول ورفع الثاني، وإنما صار كذلك من قبل أنّ " إن "

стр. 655

تقتضي الفعل فلا بدّ من إضمار " كان " أو نحوها، فإذا أضمرنا كان ونصبنا، فقد جعلنا اسم كان مع " كان " مضمرا محذوفا، والفعل متى أضمر أضمر معه الفاعل، لأن الفعل والفاعل كشيء واحد، وإذا أضمرنا كان وجعلنا الاسم الذي بعد " إن " مرفوعا فالذي أضمر مع " كان " الخبر الذي هو بمنزلة المفعول، فكأنك أضمرت الفعل مع المفعول، ولا يدل على المفعول كدلالته على الفاعل لأنه لا يستغني عن الفاعل. وأما رفع الجواب بعد الفاء فإنما صار الاختيار الرفع؛ لأن الفاء جواب الشرط، وإنما أتي بها ليكون ما بعدها مبتدأ وخبرا، وذلك أنّ جواب الشرط إذا كان فعلا لم تحتج إلى فاء، كقولك: إن أكرمني زيد أكرمته، وإن يكرمني أكرمه، ولا يجوز أن تقول: إن تأتني زيد مقيم عندي، حتى تقول: إن تأتني فزيد مقيم عندي، فقد تبين لك أن الفاء إنما أتي بها للاسم، فالاختيار أن يكون المضمر بعدها مبتدأ، فإذا قلت: إن خير فخير، فتقديره: إن كان في عمله خير فالذي يجزى به خير. وإن قلت: إن خيرا فخيرا، فتقديره: إن كان عمله خيرا فيكون الذي يجزى به خيرا، وإن قلت: إن خيرا فخير فتقديره: إن كان عمله خيرا فالذي يجزى به خير، وإن قلت: إن خير فخيرا، فتقديره: إن كان في عمله خير فيكون الذي يجزى به خيرا. وقد فسر سيبويه قوله: إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا قال: كأنه قال: إن كان خيرا جزي خيرا، فجاء بفعل ماض ليس فيه فاء على تقدير المعنى لا على تقدير اللفظ، وذلك أنه لا يجوز أن يكون الفعل الماضي في جواب الشرط تدخل عليه الفاء، لا تقول إن تأتني فأكرمتك، إنما تقول كما قال الله : وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ (١) إلّا أن يكون دعاء كقولك: إن يأتني زيد فأحسن الله جزاءه، فلما كانت الفاء إنما تدخل على المستقبل وجب أن تقدّر ما بعد الفاء مستقبلا، فقدّره سيبويه على ما يجوز في المعنى لا على حقيقة اللفظ. وقال: (فإذا أضمرت فأن تضمر الناصب أحسن؛ لأنّك إذا أضمرت الرافع أضمرت أيضا خبرا أو شيئا يكون في موضع خبر، فكلما كثر الإضمار كان أضعف، فإن أضمرت الرافع كما أضمرت الناصب فهو عربي حسن).

стр. 656

وقد بيّنا اختيار إضمار الناصب في الشرط. وقوله فكلما كثر الإضمار كان أضعف يريد أنك إذا أضمرت الرافع أضمرت خبرا وهو منفصل من الرافع كأنك قلت: إن كان في عمله خير، وإن كان معه خنجر، وإن أضمرت الناصب جعلت اسم كان مستكنّا في كان وهو ضمير متصل. ألا ترى أنك تقول: من كذب كان شرا له، فتجعل في كان ضمير الكذب مستكنّا غير منفصل منه، فلذلك صار الضمير المرفوع أكثر، وكان أضعف من المنصوب، وهو مع ضعفه جائز قال هدبة بن خشرم: فإن تك في أموالنا لا نضق بها ... ذرعا وإن صبر فنصبر للصّبر (١) أي وإن وقع فينا صبر، أي وإن وقع صبر، والصبر في هذا الموضع: الأمر الذي يجب الصبر عليه، ويكون كرما وهو فعله، قال وأمّا قوله: قد قيل ذلك إن حقّا وإن كذبا ... فما اعتذارك من شيء إذا قيلا (٢) فالنصب على التفسير الأول، ويجوز إن حقّ وإن كذب على معنى: إن وقع حق وإن وقع كذب، أو على: إن كان فيه حقّ وإن كان فيه كذب. (ومثل ذلك قول العرب في مثل من أمثالها: " إن لا حظيّة فلا أليّة " أي إن لا تكن لك في الناس حظيّة فإنّي غير أليّة، كأنها قالت في المعنى: إن كنت ممّن لا يحظى عنده فإنّي غير أليّة، ولو عنت بالحظّية نفسها لم يكن إلّا نصبا إذا جعلت الحظية على التفسير الأول). أصل هذا أنّ رجلا تزوج امرأة فلم تحظ عنده، ولم تكن بالمقصّرة في الأشياء التي تحظي النّساء عند أزواجهن فقالت: " إن لا حظية فلا ألية " أي: إن لم تكن حظية النساء لأن طبعك لا يلائم طباعهن فإنّي غير مقصّرة فيما يلزمني للزوج. يقال من ذلك: ما

стр. 657

ألوت في كذا أي: قصرت، وما ألو جهدا: أي ما أقصّر، وهو آل وأليّ أي: مقصّر، ولألوت موضع آخر، يقال: ألوت الشيء إذا استطعته، وهي لغة هذيل، قال: جهراء لا تألو إذا هي أظهرت ... بصرا ولا من عيلة تغنيني (١) وقوله: لو عنت بالحظية نفسها لم يكن إلا نصبا. يعني: إن كان التقدير في قوله " إن لا حظيّة " إن لا أكن حظية فالنصب لا غير. قال: (ومثل ذلك قد مررت برجل إن طويلا وإن قصيرا). لا يكون في هذا إلا النصب، لأنه لا يجوز أن يحمل الطويل والقصير على غير الأول. يعني أنك تقدّر إن كان طويلا، وتجعل في كان ضمير الرجل وهو اسم كان فلا بد من أن ينتصب الطويل على الخبر، لا يمكن فيه غير ذلك كما أمكن في: إن حقّ وإن كذب أن تقدّر: إن كان فيه حقّ وإن وقع فيه حقّ، ولا يكون فيه ضمير الأوّل، ولا يحسن في: إن طويل وإن قصير، إن كان فيه طويل أو كان فيه قصير، لأنك لا تقول إن كان في زيد طويل؛ لأن زيدا هو الطويل وإنما تقول: إن كان زيد طويلا. وقال: (لا تقربنّ الدّهر آل مطرّف ... إن ظالما أبدا وإن مظلوما) (٢) فهذا لا يجوز فيه إلا النصب، لأنك إنما تريد إن كنت ظالما وإن كنت مظلوما. قال: (فأحضرت عذري عليه الشّهو ... د إن عاذرا لي وإن تاركا) (٣) هذا رجل يخاطب أميرا في شيء قذف به عنده وعذره حجّته، وأراد: إن كنت عاذرا لي أيها الأمير وإن كنت تاركا؛ فنصبه لأنه عنى الأمير المخاطب، ولو قال: إن

стр. 658

عاذر لي وإن تارك، على معنى: إن كان لي في الناس عاذر أو تارك، ومعنى تارك: غير عاذر جاز. (قال النابغة: حدبت عليّ بطون ضنّة كلّها ... إن ظالما فيهم وإن مظلوما) (١) فلا يكون هذا إلّا نصبا، لأنه أراد إن كنت فيهم ظالما وإن كنت مظلوما. قال سيبويه: (ومن ذلك مررت برجل صالح وإن لا صالحا فطالح). فهذا يشبه إن خيرا فخير على الوجه المختار. ومن العرب من يقول: إن لا صالحا فطالحا بإضمار فعلين على من قال: إن خيرا فخيرا، كأنه يقول: إن لا يكن صالحا فقد لقيته طالحا. وزعم يونس أنّ من العرب من يقول: إن لا صالح فطالح، كأنه قال: إن لا أكن مررت بصالح فبطالح. قال سيبويه: (وهذا ضعيف قبيح لأنك تضمر بعد " إن لا " فعلا آخر غير الذي يضمر بعد " إن لا " في قولك إن لا يكن صالحا فطالح ولا يجوز أن يضمر الجارّ). فقبّح سيبويه قول يونس من جهتين: إحداهما: أنك تحتاج إلى إضمار أشياء، وحكم الإضمار أن يكون شيئا واحدا وذلك أنك إذا قلت: مررت برجل إن لا صالح فطالح تقديره: إن لا أكن مررت بصالح، فتضمر " أكن " ومررت والباء، ولا يشبه هذا إن لا صالحا لأنك إذا قلت إن لا صالحا تقديره: إن لا يكن صالحا فتضمر شيئا واحدا. والجهة الأخرى: أنّ حرف الجر يقبح إضماره إلّا في مواضع قد جعل منه عوض كقولهم: وبلد عامية أعماؤه ... كأنّ لون أرضه سماؤه (٢)

стр. 659

في معنى ورب بلد. ثم قال سيبويه محتجّا لإجازة ما أجازه يونس على قبحه: (ولكنهم لما ذكروه في أول كلامهم شبّهوه بغيره من الفعل وكان هذا عندهم أقوى إذا أضمر رب ونحوها في قوله: وبلدة ليس بها أنيس) يعني أنّ الباء الجارّة لمّا ذكروها في أول كلامهم حين قال القائل: " مررت برجل " كان إضمارها بعد ذكرها أقوى من إضمار ربّ ولم يجز لها ذكر. قال: (ومن ثمّ قال يونس: " امرر على أيّهم أفضل إن زيد وإن عمرو "). يعني إن مررت على زيد أو على عمرو على الوجه الأوّل الذي احتجّ له سيبويه بما ذكرنا. قوله على أيّهم أفضل تقديره على الذي هو أفضل. قال سيبويه: (وأعلم أنه لا ينتصب شيء بعد " إن " ولا يرتفع إلّا بفعل لأنّ " إن " من الحروف التي يبنى عليها الفعل). يعني أنّ " إن " التي للمجازاة إنما تدخل على الأفعال؛ لأن الأفعال التي بعدها هي شروط والشروط لا تكون بالأسماء، وذلك أنها بحدوثها توجب المعاني التي ضمّنها الشرط كقولك: " إن تأتني أكرمك " فالإكرام معنى قد ضمّنه الشارط بحدوث الإتيان، فإذا رأيت الاسم بعد " إن " مرفوعا أو منصوبا قضيت على إضمار فعل رافع أو ناصب كما ذكرناه في قوله: " إن خيرا فخير " على تقدير إن يكن فعله خيرا أو إن يكن في فعله خير، وكذلك قال البصريون في قوله : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ (١). تقديره: وإن استجارك أحد من المشركين استجارك، فأحد مرفوع باستجارك المضمر، والثاني تفسير له. وزعم الفرّاء أنّ " أحد " مرفوع بالعائد الذي عاد إليه وهو ضمير الفاعل الذي في استجارك، وهذا لا يصحّ؛ لأنّا إذا رفعناه بما ذكر فقد جعلنا استجارك خبرا لأحد وصار الكلام كالمبتدأ والخبر، ولا يجوز أن يكون بعد " إن " مبتدأ وخبر. ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال: " إن زيد قائم أكرمك "، ولا " إن زيد عندك آتك ".

стр. 660

فإن قال قائل: فقد رأيناكم تزعمون أنّ " لو " التي لها جواب لا يليها إلا الفعل لأن فيها معنى الشرط، ثم يقولون " لو أن زيدا أتاني لأكرمته " ولا يقولون " أنّ زيدا قائم لأكرمته " ففصلهم بين الخبر إذا كان اسما، وإذا كان فعلا فجعلهم الخبر إذا كان فعلا بمنزلة فعل الشرط فكذلك تقول: إن زيد قام أكرمناه " ويكون زيد مبتدأ وقام خبره، وناب قام عن فعل الشرط فكأنا قلنا " إن قام زيد أكرمناه " في المعنى. قيل له إنما جاز " لو أنّ زيدا قام " لأنّ " أنّ " قد وقع عليها فعل مضمر بعد " لو " على الأصل الذي قدّمناه والفعل الذي هو خبر " أنّ " تفسير له، كأنا قلنا لو صح أنّ زيدا قام أو لو عرف. فإن قال قائل: فكيف يكون قام دلالة على صحّ وعرف وليس هو منه. قيل له: لا فرق بين قام زيد، وبين صحّ قيام زيد، ووقع قيام زيد، فغير مستنكر أن يدل قام على صحّ لأنّ الصحة للقيام، وقد يجوز أيضا أن يكون دلالة عليه من حيث كانا فعلين ماضيين أحدهما ملابس للآخر؛ وأنّ وما اتصل بها بمنزلة المصدر. فإن قال قائل: فقد رأينا الجواب بالمبتدإ والخبر، فكيف لا يكون الشرط كذلك والجواب مضمون وقوعه لوقوع الشرط؟ قيل له وقوع المبتدإ والخبر في الجواب من أدلّ الأشياء على ما قلنا، وذلك أنك ترى الجواب إذا كان بالفعل مجزوما لم تدخل عليه الفاء كقولك: " إن تأتني أكرمك " فإذا أدخلت الفاء قلت: إن تأتني فأنت مكرم محبوب؛ فصار الموضع الذي ينجزم فيه الفعل لا يقع فيه الاسم، فلمّا كانت " إن " جازمة بطل أن يقع بعدها الاسم البتّة. ووجه آخر: لو كان الاسم يقع بعد " إن " بلا ضمير فعل لكان متى وقع هذا الموقع يكون مرفوعا، لأن الفعل يرتفع بحلوله محل الاسم، كقولك: " كان زيد يقوم "، و " مررت برجل يقوم ". وأمّا قوله: فإن تأتني فأنت مكرم محبّ فهو محمول على المعنى كأنه قال تصادف كرامة وحبّا، ومثله قوله : وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١). وليس ذلك معنى يحدث عند عزمهم الطلاق؛ لأن الله ﵎ لم يزل سميعا

стр. 661

عليما وإنما معناه تجدوا الله سميعا عليما، كما قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (١). وإن كان غفورا رحيما قبل استغفار هذا المستغفر له. قال سيبويه: (ولو قلت: عندنا أيّهم أفضل، أو عندنا رجل، ثم قلت: إن زيدا وإن عمرا، كان نصبه على كان، وإن رفعته كان رفعه على كان، ولا يكون رفعه على عندنا). يعني أنك إذا قلت: إن زيد وإن عمرو فتقديره: إن كان عندنا زيد؛ فيرتفع زيد بكان المضمرة، ولا يجوز أن يكون تقديره: إن عندنا زيد، لأنك إذا قلت: عندنا زيد أو في الدار زيد فإنما يرتفع زيد عند سيبويه بالابتداء، وعندنا خبر مقدّم، و " إن " لا بدّ لها من فعل يليها على ما بيّناه فأضمرت " كان " لذلك. قال: (فلا يجوز بعد " إن " أن تبنى عندنا على الأسماء ولا الأسماء تبنى على عند كما لم يجز أن تبنى بعد " إن " الأسماء على الأسماء). يعني لا تجعل عندنا خبرا للاسم إذا جئت " بإن " لأنّ " إن " لا يليها إلّا الفعل، ولا يجعل الاسم مرفوعا بعند لأنه ليس بفعل. قال: (ولا يجوز أن تقول " عبد الله المقتول " وأنت تريد كن عبد الله المقتول). لأنه ليس قبله، ولا في الحال دلالة عليه إذ كان يجوز أن يكون على معنى: " تولّ عبد الله المقتول وأجبه " وما أشبه ذلك وإنما يضمرون ما عليه الدلالة من الكلام أو شاهد من الحال. قال: (ومن ذلك قوله: من لد شولا فإلى إتلائها (٢) نصب لأنّه أراد زمانا، والشول لا يكون زمانا ولا مكانا). والمعنى: أنّ لد إنما يضاف إلى ما بعده من زمان تتصل به أو مكان إذا اقترنت بها إلى؛ كقولك: جلست من لد صلاة العصر إلى وقت المغرب، وزرعت من لد الحائط إلى

стр. 662

الأسطوانة، فلمّا كان الشول جمعا للناقة الشائل لم تصلح أن تكون زمانا ولا مكانا. والإتلاء: أن تلد فيتبعها ولدها ويتلوها، ولم يجز أن تقول من لد زيد إلى دخول الدار لأنه ليس بزمان ولا مكان؛ فأضمر ما يصلح أن يقدّر زمانا، فكأنه من لد أن كانت شولا ومن لد كونها شولا إلى إتلائها، وإن كانت بمعنى كونها وهو مصدر والمصادر تستعمل في معنى الأزمنة، كقولك: جئتك مقدم الحاجّ، وخلافة المقتدر، وصلاة العصر، على معنى أوقات هذه الأشياء. قال: (وقد جرّه قوم على سعة الكلام، وجعلوه بمنزلة المصدر). يعني من لد شول إلى إتلائها. قال أبو سعيد: والجر يحتمل وجهين: أحدهما: أن تجعل شولا مصدرا صحيحا، كقولك: شالت الناقة شولا إذا ارتفع لبنها، فإذا جعلته مصدرا صحيحا جاز أن يجعل وقتا، ويجوز أن يكون قد حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فيكون التقدير: من لد كون شول، ثمّ يحذف كون، كما قال : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (١)، أراد أهل القرية. قال: (واعلم أنه ليس كل حرف يظهر بعده الفعل يحذف منه الفعل، ولكنك تضمر فيما أضمروا وتظهر فيما أظهروا، كما تحذف ما حذفوا وتبقي ما أبقوا، نحو: لم يكن ويك، ولم أتل وأتال). ولا يجوز أن تقول: لم أصن في معنى: لم أصن، وقالوا: خذ وكل فاستعملوا بالحذف، ولا يجوز في الكلام أوكل وأوخذ، وإن كانا هما الأصل، ولا يقولون: جد ومر، وقالوا في الأمر: أومر ومر، فاستعملوا فيه الوجهين جميعا، وليس ذلك في غيره، وقد بيّنا ما يقتضيه هذا الفصل من الشرح التامّ فيما مضى. قال: (وأما قول الشاعر: لقد كذبتك نفسك فاكذبنها ... فإن جزعا وإن إجمال صبر (٢)

стр. 663

فهذا على معنى " إمّا " ولا يكون على إن الجزاء) كما مرّ في الباب. قال أبو سعيد: وذلك من قبل أنّا لو جعلنا " إن " ههنا للجزاء لاحتجنا إلى جواب، وذلك أنّ جواب " إن " في ما بعدها، وقد يكون ما قبلها مغنيا عن الجواب إذا لم يدخل عليها شيء من حروف العطف، كقولك: " أكرمك إن جئتني " فإن أدخلت عليها فاء أو ثمّ بطل أن يكون ما قبلها مغنيا عن الجواب، لا يجوز أن تقول: " أكرمك فإن جئتني " ولا " أكرمك ثم إن جئتني " حتى تأتي بالجواب فتقول: " أكرمك فإن جئتني زدت في الإكرام " فلذلك بطل أن يكون " فإن جزعا " على معنى المجازاة وصارت بمعنى " ألّا " لأنّها تحسن في هذا الموضع، وحذف " ما " للضرورة قال الله : حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً (١). فلم يأت بجواب بعد " إما ". (ولو قال: " فإن جزع وإن إجمال صبر " كان جائزا كأنك قلت: أمري جزع وإما إجمال صبر ولا يجوز طرح " ما " من " إمّا " إلّا في الشعر قال النمر بن تولب: (٢) سقته الرّواعد من صيّف ... وإن من خريف فلن يعدما (٣) فإنما يريد: وإمّا من خريف). وقد أنكر الأصمعيّ (٤) هذا، وزعم أنّ " إن " في بيت النمر بن تولب هي للجزاء، وإنما أراد وإن سقته من خريف فلن يعدم الرّيّ، ولم يحتج إلى ذكر سقته لذكره في أول البيت وإنّما يصف وعلا، وابتداؤه: فلو كان من حتفه ناجيا ... لكان هو الصدع الأعصما (٥) يصف أنه وإن كان في الجبل لا يعدم معاشا به. والوجه قول سيبويه في بيت النمر، وذلك أنه لا ذكر للرّيّ، وإنما المعنى: سقته

стр. 664

الرواعد في الصيف وأمّا في الخريف فلن يعدم السّقي- أيضا- أي: هو يسقى من الصيف ومن الخريف، والبيت الأول قد دلّ دلالة واضحة على أن معنى " إن " معنى " أمّا " وأنه لا يجوز أن تكون معنى التي للجزاء، ومع ذلك فلا تحذف " ما " من إمّا إلّا في الشعر. قال سيبويه: (ومما ينتصب على إضمار الفعل المستعمل إظهاره قولك: هلّا خيرا من ذلك، وإلّا خيرا من ذلك، أو غير ذلك، كأنك قلت: " ألّا تفعل خيرا من ذلك "، أو " ألّا تفعل غير ذلك " و " هلّا تأتي خيرا من ذلك "). قال: (وربما عرضت هذا على نفسك وكنت فيه كالمخاطب). قال أبو سعيد اعلم أنّ هلّا، وألّا، ولولا، ولو ما، يجرين مجرى واحدا، ويقعن على الفعل الماضي والمستقبل، فإذا وقعن للماضي فهو لتنديم المخاطب على ما فاته، أو لومه على ما فرّط فيه. وإن كان للمستقبل فهو للحضّ على إتيانه. وأهل البصرة يسمونها حروف التحضيض، ومن الناس من يقول إنها استفهام فإذا قلت هلّا فعلت كذا وكذا فكأنك قلت: لم لم تفعل؟ وإذا قلت: هلّا تفعل كذا فمعناه: لم لا تفعل كذا، وهذا الذي ذكروا غير خارج عمّا ذكرنا، لأنّا متى جعلنا هذه الحروف استفهاما على ما ذكره هذا القائل فإن جعلناها بمعنى لم فهي خارجة عن معنى الاستفهام، وذلك أنّ " لم " وقعت هنا لمّا كان معناها الاستفهام على الحقيقة؛ ولأن القائل لم يرد أن يستفهم، إنما استبطأ المخاطب الفاعل على فعل فرّط فيه فحثه عليه في المستقبل، أو فعل كان ينبغي أن يفعله فقصر فيه حتى فاته. فإن قال قائل: قد نرى " هل " دخلت على " لا " وهي من حروف الاستفهام فصار قولك هلّا بمنزلة قولك لم لا. قيل له: هذا الذي ذكرته لا يدلّ على ما أردته؛ وذلك أن الحروف قد تركّب فيزول معناها الأول، نحو قولنا: لو جئتني أكرمتك، ومعناه: أنّ الإكرام لم يقع لعدم المجيء، فإذا قلت: لولا عبد الله لأكرمتك لزال ذلك المعنى بضمّ " لا " إلى " لو "، وكذلك يزول معنى هل لضمّ لا إليها. ومن الدليل على ما قلناه أن " لوما " و " لولا " و " إلّا " ليست من حروف الاستفهام،

стр. 665

وقد جعلن في معنى " هلّا " فصحّ ما ذكرناه من موضوع هذه الحروف. فإن قال قائل: هذه حروف وضعن للأفعال لما فيها من معنى التحضيض فكيف حسن أن تخزل أفعالها ويليها الاسم، ولا يجوز ذلك في قد وسوف وسائر الحروف الموضوعة للفعل، لأنك لا تقول قد زيدا، ولا سوف زيدا بمعنى: قد ضربت زيدا وسوف أضرب زيدا. قيل له: هذه الحروف الأربعة لما كانت في معنى التحضيض نابت عمّا بعدها من الفعل واستغني عنه، وأمّا قد وسوف فإنهما يغيّر ان معنى الفعل المطلق ويقصرانه على معنى بعينه، لأنّ سوف تقصر الفعل على المستقبل وتخرجه عن الحال، و " قد " لما يتوقع من الفعل فصار بمنزلة الألف واللام للتعريف، فكما أنّ الألف واللام لا يفارقان ما دخلتا عليه ولا يحذف ما بعدهما، كذلك قد وسوف وسائر الحروف الداخلة على الفعل من عوامله فهي تضعف عن حذف ما بعدها، لأن الحذف دلالة على قوة العامل، وقد مضى نحوه. قال سيبويه: (وإن شئت رفعت فقد سمعنا رفع بعضه). يعني أنه " يجوز هلّا خير من ذلك " على إضمار شيء يرفع، كأنك قلت: " هلا كان منك خير من ذلك " أو " هلّا فعل خير من ذلك ". قال: ومن ذلك قولك: (" أو فرقا خيرا من حبّ " وإنما حمله على الفعل لأنه سئل عن فعله فأجابه على الفعل الذي هو عليه، ولو رفع جاز كأنه قال: أو أمري فرق خير من حب، وإنما انتصب نحو هذا على أنه يكون الرجل في فعل فيريد أن ينقله أو ينتقل إلى فعل آخر، فمن ثمّ نصب " أو فرقا " لأنه أجاب على أفرق وترك الحبّ). وإنما هذا كلام تكلم به رجل عند الحجّاج، وذلك أنه كان قد فعل له فعلا فاستجاده فقال الحجاج: " أكلّ هذا حبا " أي فعلت كلّ هذا حبّا لي؟ فقال الرجل مجيبا له: " أو فرقا خيرا من حبّ " أي: أو فعلت هذا فرقا؛ فهو أنبل لك وأجلّ. ثم ذكر أشياء منصوبة بأفعال مضمرة، وقد يجوز رفعها بإضمار ما يرفع، وبعضه مجرور بإضمار ما يجرّ على ما تقدّم تفسيره من هذا الباب، فمن ذلك: أن يقدم رجل من سفر فتقول: خير مقدم؛ على معنى: قدمت خير مقدم، ويجوز أن تقول: خير مقدم؛ على معنى: قدومك خير مقدم.

стр. 666

وإذا خرج قلت: مصاحب معان، ومثله: مبرور مأجور، فإذا رفعت هذه الأشياء فالذي في نفسك ما أظهرت، وإذا نصبتها فالذي في نفسك غير ما أظهرت. يعني: أنك إذا رفعت فالذي أضمرت مبتدأ، والذي ظهر هو خبره، والمبتدأ هو الخبر. وإذا نصبت فالذي أضمرت فعلا، والفعل غير الاسم؛ لأنك إذا قلت: مصاحبا معانا فتقديره: اذهب مصاحبا معانا. قال: (ومن ذلك أن ترى رجلا قد أوقع أمرا أو تعرّض له فتقول: " متعرضا لعنن لم يعنه ") كأنه قال: فعل هذا متعرضا، والعنن: ما عنّ لك، أي عرض لك، أي دخل في شيء لا يعنيه ولا ينبغي له التشاغل به. (ومثله: " مواعيد عرقوب أخاه بيثرب " (١) كأنه قال وعدتني مواعيد عرقوب) وهو رجل وعد وعدا فأخلف وله قصة طويلة. وقال أبو عبيدة: (٢) " مواعيد عرقوب أخاه بيثرب " لأنّ عرقوبا رجل من العماليق، وكانوا بالبعد من يثرب، ويثرب بالثاء وفتح الراء: موضع عندهم. قال: (ومن العرب من يقول: " متعرّض " على معنى: هو متعرض، ومثله " غضب الخيل على اللّجم "، وذلك إذا رأيت رجلا غضب غضبا لا يضير، أي غضبت كغضب الخيل على اللّجم). قال: (ومن العرب من يرفع فيقول غضب الخيل على اللّجم كما رفع بعضهم " الظباء على البقر ") إذا قال غضب الخيل على اللّجم. فإذا قال الظباء على البقر فتقديره: الظباء متروكة على البقر، وإذا نصب فقال: " الظباء على البقر " فكأنّه قال: اترك الظباء على البقر، وإنما يعني بقر الوحش لأنها ترعى مع الظباء في موضع، وبعضها أولى ببعض قال:

стр. 667

ولقد ذعرت بنات عم ... م المرشقات لها بصابص (١) أراد البقر وجعلها بنات عمّ الظباء وهي المرشقات، وإنما يقول القائل هذا إذا نهى صاحبه عن الدخول بين أقوام بعضهم أولى ببعض. هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره استغناء عنه (سأمثله لك مظهرا لتعلم ما أرادوا إن شاء الله تعالى). قال أبو سعيد ﵀: قد تقدم من كلام سيبويه أن ما ينتصب بالفعل على ثلاثة أضرب: ضرب منها: لا يجوز إضمار الفعل الناصب له. وضرب منها: يجوز إضماره ويحسن إظهاره. وضرب: يضمر ويترك إظهاره. وهذا الباب ترجمته لأبواب تأتي بعده مفصلة إن شاء الله تعالى. هذا باب ما جرى على الأمر والتحذير (وذلك قولك: إذا كنت تحذّر: إيّاك، كأنك قلت: إياك نحّ وإياك باعد، ومثله أن تقول: نفسك يا فلان، أي اتق نفسك). هذا الذي ذكره سيبويه من إضمار الفعل صحيح، وبعض النحويين يأباه، ويزعم أنه لا مضمر ينصبه، وكذلك يزعم في قولنا: خلفك زيد، أنّ خلفك ينتصب لا بإضمار فعل ولكن بمخالفته ما بعده. وهذا كلام فاسد، لأنّ المنصوب لا بد له من ناصب مضمرا كان أو مظهرا، وليست مخالفة أحدهما للآخر بموجبة نصبا من قبل أن كلّ واحد منهما قد خالف صاحبه؛ فلو كانت المخالفة توجب النصب انتصبا جميعا؛ لأن كلّ واحد منهما قد خالف الآخر، ففي كل واحد منهما مخالفة توجب له النصب، فعلم أن المخالفة لا تنصب. وهذا الفعل الناصب لإيّاك لا يحسن إظهاره، وذلك أن العرب اكتفت بإياك وكان موضعها غير مشكل.

стр. 668

قال: (ومن ذلك قولك: إيّاك والأسد، وإياك والشرّ). وأما قوله: إيّاك والأسد فإنه يضمر فعلا ينصب به إياك، كما قدّمنا، ويعطف الأسد على إياك كأنه قال: زيدا فاضرب وعمرا. فإن قال قائل: إذا جعلت الأسد عطفا على إياك بالواو فقد شاركه في معناه. لأن المعطوف بالواو يشارك المعطوف عليه. ألا ترى أنّك تقول: ضربت زيدا وعمرا؛ فالضرب واقع عليهما جميعا، فينبغي أن يكون الأسد مشاركا لإياك؛ فيكون الأسد مشاركا مخوفا كما كان المخاطب، أو يكون المخاطب محذورا مخوفا كما أن الأسد محذور مخوف. قيل له: لا يستنكر أن يكون التخويف واقعا بهما وإن كان طريق التخويف مختلفا؛ ألا ترى أنك تقول: خوّفت زيدا الأسد؛ فزيد مخوّف والأسد مخوّف وليس معناهما واحدا إلّا أن الأسد مخوّف منه وزيد مخوّف، على معنى أنه يجب أن يحذر منه، ولفظ خوّفت قد تناولهما جميعا، وكذلك إياك والأسد المعنى الناصب لهما معنى واحد وإن كان طريق التخويف مختلفا فيهما. وأمّا إياك والشر فليس يخاطب نفسه ولا يأمرها، وإنما يخاطب رجلا يقول له: إيّاك باعد عن الشرّ فينتصب إيّاك بباعد وما أشبهه، وتحذف حرف الجر من الشرّ وتوقع الفعل المقدّر عليه فيعطفه على الأوّل لأنّ الفعل قد وقع على الأول. ومثله: إياي وأن يحذف أحدكم الأرنب، يعني: يرميه بسيف أو ما أشبهه، وأن في موضع نصب كأنّه قال: إيّاي وحذف أحدكم. وزعم الزجّاج (١) أنّ معناه: " إيّاي وإيّاكم وأن يحذف أحدكم الأرنب " والذي قاله لا يحتاج إليه؛ لأن قوله وأن يحذف أحدكم قد دلّ على أنهم حذّروا من فعلهم أن يأتوه إلى المتكلم. (وزعم أن بعضهم يقال له: إياك، فيقول: إيّاي) كأنّه أعاد لفظ المتكلم لما قيل له منه واستجاب له، كأنّه قال: إياي احذر احفظ، وحذفهم الفعل الناصب لإيّاك لما كثر

стр. 669

استعمالهم له وصيروا لفظه نائبا عن المضمر كحذفهم " حينئذ الآن ". قولهم: حينئذ الآن كلام جرى للعرب محذوفا من حينئذ ومن الآن، ومعنى ذلك: أن ذاكرا ذكر شيئا فيما مضى يستدعي مثله في الحال فقال له المخاطب: حينئذ الآن معناه: كان هذا الذي ذكرت حينئذ في الوقت الذي ذكرت واسمع الآن غير ذلك أو نحوه من التقدير، ولا يستعملون الفعل الذي حذف، وكذلك لا يستعملون الفعل الناصب لإيّاك. قال: وإذا قلت: إياك والأسد فلا بدّ من الواو لأنه اسم مضموم إلى آخر. يعني معطوف عليه. فإن قال قائل: فقد تقول: إياك من الأسد وإيّاك من الشرّ فلم لا يجوز حذف حرف الجر وإيصال الفعل إلى الأسد وإلى الشرّ؟ فيقال: إيّاك الأسد وإياك الشرّ. قيل له: لأن حروف الجر لا تحذف إلّا في المواضع التي حذفتها العرب فيها، ألا ترى أنك تقول: أخذت من زيد درهما، ولا يجوز أخذت زيدا درهما، وتقول: اخترت من الرجال زيدا وتحذف " من " فتقول اخترت الرجال زيدا، لأن العرب قد استعملت ذلك، قال الله : وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا (١). وكان ابن أبي إسحاق يجيز حذف من فيقول: إياك الشرّ في الشعر وأنشد: فإيّاك إياك المراء فإنّه ... إلى الشّرّ دعّاء وللشّرّ جالب (٢) قال سيبويه: (المراء منصوب بفعل غير الفعل الذي نصب إياك، كأنه لما قال: إياك اكتفى ثم أضمر فعلا آخر نصب به المراء كأنه قال: اتق المراء، وإذا قال: إياك وأن تكلم زيدا جاز أن تقول: إياك أن تكلم زيدا بغير واو ولا حرف جر، وإنّما جاز هذا في " أنّ " لأنّ " أن " الخفيفة والمشددة إذا اتصلت بهما حروف الجر جاز حذفها كقولك: أنا راغب في أن ألقاك وحريص على أن أحسن إليك، ولو قلت: أنا راغب أن ألقاك وحريص أن أحسن إليك جاز، ولو جعلت مكان أن المصدر فقلت أنا راغب في لقائك حريص على الإحسان إليك لم يجز حذف حرف الجر، لا يجوز: أنا راغب

стр. 670

لقاءك وحريص الإحسان إليك، وإنما لم يجز في المصدر المحض ما جاز في " أن " لأن " أن "؛ وما بعدها من الفعل وما يتعلق بالفعل من فاعل أو مفعول بمعنى المصدر وطال فجوزوا حذف حرف الجر منها لطول الكلام. ومن ذلك قولهم: رأسه والحائط، كأنه قال: خلّ رأسه مع الحائط، وقولهم: شأنك والحجّ، كأنه قال: شأنك مع الحج، ومن ذلك امرأ ونفسه، كأنك قلت: دع امرءا مع نفسه، فصارت الواو في معنى مع كما صارت في معنى مع: في قوله ما صنعت وأخاك). لأنه إذا حذف " مع " وهي منصوبة قام ما بعد الواو مقامها في النصب. وقد ذكرنا نحو هذا في غير هذا الموضع. قال سيبويه: (وإن شئت لم يكن فيه ذلك المعنى وهو عربيّ جيد). يريد إن شئت لا تقدر " مع " وجعلت كل واحد منهما منصوبا بالفعل، وعطفت أحدهما على الآخر أدّى معنى " مع " وإن لم يكن مقدرا بلفظه، كأنه قال: عليك رأسك وعليك الحائط، وكأنه قال: دع امرأ ودع نفسه، وليس ينقض هذا ما أردت في معنى " مع " من الحديث، ومثل ذلك " أهلك والليل " كأنه قال بادر أهلك قبل الليل ". وتحقيق المعنى في ذلك أنه عطف الليل على الأهل وجعلهما مبادرين، ومعنى المبادرة: مسابقتك الشيء إلى الشيء كقولك: بادرت زيدا المنزل، كأني سابقته إليه، فكأن الليل والرجل المخاطب يتسابقان إلى أهل الرجل، فأمره الآمر أن يسابق الليل إليهم ليكون عندهم قبل الليل. وقال: (قال بعض العرب: " ماز رأسك والسيف " كما تقول: رأسك والحائط وهو يحذّره كأنه قال: اتق رأسك والحائط). وقولهم: " ماز رأسك والسيف " كثير من النحويين يقولون: إنه أراد ترخيم مازن فلم يكن اسم الرجل الذي خوطب بهذا مازنا، ولكنه كان من بني مازن بن العنبر بن عمرو بن تميم وكان اسمه كدلما أسر بجيرا القشيريّ، فجاءه قعنب اليربوعيّ ليقتله، فمنع المازني منه، فقال للمازنيّ: ماز رأسك والسيف، وترخيمه على أحد وجهين: إمّا أن يكون سمّاه بمازن؛ إذ كان من مازن، وقد تفعل العرب مثل هذا في بعض المواضع، كقولهم: " الأشعرون " يريدون الأشعريون، جعلوا كل واحد منهما مسمّى بالأشعر الذي هو اسم جد، ثم ترخّمه على ذلك.
следующие страницы →