واستدل سيبويه (على أنه لا يحسن عطف عمرو على الشأن بأنك لو قلت: ما شأنك وما عبد الله، لم يكن كحسن " ما جرم وما ذاك السويق " لأنّك توهم أنّ الشأن هو الذي يلتبس بزيد، ومن أراد ذلك فهو ملغز تارك لكلام الناس الذي يسبق إلى أفئدتهم).
وإذا أضفت الشأن إلى ظاهر حسن الكلام كقولك ما شأن عبد الله وأخيه، وما شأن زيد وأمة الله يشتمها، ويكون يشتمها في موضع نصب على الحال، فإن شئت جعلته حالا من الأوّل وإن شئت جعلته حالا من الثاني.
وقد سمع من العرب: " ما شأن قيس والبرّ تسرقه " أراد بقيس القبيلة.
وقد مثّل سيبويه ما شأنك وملابسة زيدا وملابستك زيدا، ولا يخرج ذلك عن معنى ما صنعت وزيدا، وما تصنع وزيدا؛ لأنّ ذلك ملابسة، وكيف ما عبّر عنه إذا أدّى المعنى جاز، ولو نصب مع الظاهر جاز، فقال: ما شأن عبد الله وزيدا، لأنّ الملابسة مع الظاهر كالملابسة مع المكنيّ في المعنى، ومن نصب قال: ما لزيد وأخاه، كأنه قال: ما كان شأن زيد وأخاه، ومن ثمّ قالوا: حسبك وزيدا، لأنّ معناه: كفاك، كأنّه قال: كفاك وزيدا وكأنّه قال: حسبك وبحسب زيدا درهم، وكذلك: كفيك وقطك في معنى حسبك، تقول: قطك وزيدا درهم، وكفيك وزيدا درهم، قال الشّاعر:
إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا ... فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد «*»
كأنه قال: يكفيك ويكفي الضّحّاك.
قال: وأما ويلا له وزيدا، وويله وأباه فالنّصب على معنى الفعل الذي نصبه، وعنده أنّ الفعل الذي نصبه كأنّه قال: ألزمه الله ويلا، فعطف زيدا والأب على ذلك المعنى، كأنه قال: وألزم زيدا وألزم أباه، وكذلك لو رفع ويلا فقال: ويل له وأباه، لأنّ معناه وإن كان رفعا معنى الفعل، كما أن حسبك وزيدا معناه معنى يكفيك، ومعنى ويل له
كمعنى ويله إذا نصبت فتقديره الزم موجود.
стр. 702
قال: ولا يجوز أن تقول: هذا لك وأباك، لأنه لم يتقدم استفهام ولا فعل ولا حرف فيه معنى فعل، وإنّما يجرّ هذا في ضرورة الشّعر، لأن الذي يقول: مررت بك وزيدا لا يقول: هذا لك وزيدا؛ لأن الفعل عامل قويّ ظهر وموضع حرف الجرّ نصب فيحمل الثّاني في النّصب على معنى الفعل كأنّه قال: لقيتك وأباك، ولا يقال: هذا لك وأباك، لأنّه لا فعل ههنا.
هذا باب ما ينتصب من المصادر على إضمار الفعل غير المستعمل إظهاره
(وذلك قولك: سقيا لك، ورعيا وخيبة لك، ودفرا، وجدعا، وعقرا، وبؤسا، وأفّة، وتفّة، وبعدا، وسحقا، ومن ذلك أيضا قولك: تعسا، وتبّا، وجوعا، ونوعا)، وذكر سيبويه جودا وجوسا في معنى: جوعا ومعنى نوعا: عطشا، وفي الناس من يقول: هو إتباع، قال الشاعر:
" والأسل النّياعا "، (١) أي: العطاشا، ونحو قول ابن ميادة:
تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي ... بجارية بهرا لهم بعدها بهرا (٢)
ومعنى بهرا: قهرا، أي: قهروا قهرا، وغلبوا غلبا، كقولك: بهرني الشيء، ومنه القمر الباهر إذا تم ضوءه وغلب، كأنك قلت: سقاك الله سقيا، ورعاك رعيا، وخيبك الله خيبة، فهذا وما أشبهه ينتصب على الفعل المضمر، وجعلوا المصدر بدلا من اللفظ بذلك الفعل، ومعنى قولنا: بدل من ذلك الفعل أنهم استغنوا بذكره عن إظهاره كما قالوا: الحذر الحذر أي: احذر الحذر، ولم يذكروا احذر، وبعض هذه المصادر لا يستعمل الفعل المأخوذ منه، وبعض يستعمل، فمما لم يستعمل قولهم: بهرا كأنك قلت: بهرك الله إذا دعا عليه، وهذا
стр. 703
تمثيل ولا يتكلم به، وكذلك لا يتكلم بالفعل من جوسا وجودا في معنى: جوعا.
قال سيبويه: (ومما يدلّك أيضا أنه على الفعل نصب أنك لم تذكر شيئا من هذه المصادر لتبني عليه كلامك، كما تبني على عبد الله إذا ابتدأته، وأنك لم تجعله مبنيا على اسم مضمر في نيتك، ولكنه في دعائك له أو عليه).
يعني: أن هذه المصادر لم يذكرها الذاكر ليخبر عنها بشيء كما يخبر عن زيد إذا قال: زيد قائم، أو عبد الله قائم، وهذا معنى قوله: لتبني عليه كلامك كما تبني على عبد الله، يعني: تبني عليه خبرا، ولم تجعل هذه المصادر أيضا خبرا لابتداء محذوف فترفعها، وهذا معنى قوله: إنك لم تجعله مبنيا على اسم مضمر يعني: خبرا لاسم مضمر وإنما هو دعاء منك لإنسان كقولك: سقيا ورعيا، أو دعاء عليه كقولك: تعسا وتبّا وجدعا، وتركوا الفعل استغناء بعلم المخاطب، وربما جاءوا به توكيدا فقالوا: سقاك الله سقيا كما أكدوا قولك: مرحبا بقولهم: بك، ولو قالوا: مرحبا لكان المعنى مفهوما، وربما رفعوا ذلك والمعنى واحد، كما يقول: سلام عليكم وإنما تريد معنى سلّم الله عليك، ولكنه يخرجه فخرج ما قد ثبت.
(وقال أبو زبيد يصف أسدا:
أقام وأقوى ذات يوم وخيبة ... لأوّل من يلقى وشرّ ميسّر) (١)
أراد: أقام الأسد وأقوى: لم يأكل شيئا، الإقواء: فناء الزاد وعدم الأكل، وخيبة لأول من يلقاه الأسد الذي قد أقوى وجاع، وهذا ليس بدعاء، ولكن أجراه سيبويه مجرى الدعاء عليه؛ لأنه لم يكن بعد وإنما يتوقع، كما أنّ المدعوّ به لم يوجد في حال الدعاء.
(ومثله في الرفع بيت سمعناه ممن يوثق بعربيته يرويه لقومه:
عذيرك من مولى إذا نمت لم ينم ... يقول الخنا أو تعتريك زنابره (٢)
فرفع عذيرك والأكثر نصبه وقد ذكرناه، والذي يرفعه يجعله مبتدأ ويضمر خبرا، كأنه قال: إنما عذرك إياي من مولى هذا أمره).
وزنابره يعني: ذكره إياه بالسوء وغيبته.
стр. 704
قال: (ومثله قول الشاعر، وهو حسان:
أهاجيتم حسّان عند ذكائه ... فغيّ لأولاد الحماس طويل) (١)
فهذا دعاء من حسان لأنه هجا رهط النجاشي، ورفع كما يرفع- رحمة الله عليه- وفيه معنى الدعاء.
هذا باب ما أجري من الأسماء مجرى المصادر التي يدعى بها
(وذلك قولك: تربا، وجندلا، وما أشبه هذا. فإن أدخلت " لك " فقلت: تربا لك، فإن تفسيرها هاهنا كتفسيرها في الباب الأول).
قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب يدعى فيه بجواهر لا أفعال منها نحو التراب والترب والجندل، وهو: الصخر، وقوله فاها لفيك، وفاها إنما هو اسم للفم وليس لشيء من ذلك فعل يصير مصدرا له، ولكنهم أجروه في الدعاء مجرى المصادر التي قبل هذا الباب وقدّروا الفعل الناصب لها ما قاله سيبويه.
قال: (كأنهم قالوا: ألزمك الله، وأطعمك الله تربا وجندلا، وما أشبه هذا من الفعل، واختزل الفعل هاهنا، يعني: حذف، لأنهم جعلوه بدلا من قولهم تربت يداك).
فعبّر عنه سيبويه بفعل قد صرف من التراب، وقد رفعه بعض العرب، والرفع فيه أقوى من الرفع في المصادر في الباب الذي قبله، قال الشاعر:
فترب لأفواه الوشاة وجندل (٢)
فترب مبتدأ والخبر لأفواه الوشاة، وفيه معنى المنصوب في الدعاء كما كان في قولك " سلام عليكم " معنى الدعاء.
قال: (فمثله قول العرب " فاها لفيك ". وإنما يريد " فا " الداهية، فجعل " فاها " منصوبا بمنزلة تربا لفيك، وإنما يخصّون في مثل هذا الفم لأن أكثر المتآلف فيما يأكله
стр. 705
الإنسان أو يشربه من السم وغيره.
قال: وصار " فاها " بدلا من اللفظ بقولك: دهاك الله وإنما جعله بدلا من هذا تقريبا؛ لأنه فم الداهية في التقدير، فذكر الفعل المتصرف من الداهية والفعل المقدر في هذا ونحوه ليس بشيء معين لا يتجاوز، قال أبو سدرة الأسدي:
تحسّب هوّاس وأيقن أنني ... بها مفتد من واحد لا أغامره
فقلت لها فاها لفيك فإنّها ... قلوص امرئ قاريك ما أنت حاذره (١)
يصف الأسد، والهوّاس من أسماء الأسد، وتحسّب: تحسّس، يقال: فلان يتحسّب الأخبار، أي: يتحسّس، ويجوز أن يكون تحسّب في معنى: حسبته فتحسّب، مثل: كفيته فاكتفى).
قال أبو سعيد: والذي أحفظ في هذا " وأيقن أنني " معناه: أنه عرض لناقة له فحكى عن الأسد أنه توهم أنني أدع الناقة وأفتدي بها من لقاء الأسد، وواجه هو الأسد و " لا أغامره ": ولا أقاتله، لا أرد معه غمرات الحرب، وتكون تحسّب من المحسبة، وأنني:
مفعول المحسبة، وتكون الرواية: " وأقبل معطوفا على تحسّب " يكون التقدير: تحسب هوّاس أنني مفتد بها من واحد لا أغامره وأقبل، كما تقول: حسب زيد أنني قائم وأقبل، ولو قلت: حسب زيد وأقبل بأنني قائم لجاز، كما تقول: ضربت وضربني زيدا على معنى: ضربت زيدا وضربني، " فقلت له ": يعني الأسد " فاها لفيك: دعاء عليه بإصابة الداهية له وهو على وجه التهدد، " فإنها قلوص امرئ " يعني الناقة التي أراد أخذها الأسد، قال: والدليل على أنه يريد بها الداهية ما أنشده سيبويه:
وداهية من دواهي المنو ... ن تحسّبها الناس لا فا لها (٢)
" لا فا لها " في موضع خبر المحسبة، كما تقول: حسبت زيدا لا غلام له، وإنما ذكر هذا تعظيما لأمرها، أي: لا يدري الناس كيف يأتونها ويتوصلون إلى دفعها.
стр. 706
هذا باب ما أجري مجرى المصادر المدعوّ بها من الصفات
(وذلك قولك: هنيئا مريئا، وليس في الباب غير هذين الحرفين صفة دعائها، وذلك أنّ هنيئا مريئا صفتان، لأنك تقول: هذا شيء هنيء مريء كما تقول: هذا جميل صحيح، وما أشبه ذلك من الصفات على فعيل فدعي بهما للإنسان وليستا بمصدرين، ولا هما من أسماء الجواهر كالتراب والجندل).
فأفرد لهما بابا آخر، ويكون التقدير في نصبهما كأنه قال: ثبت لك ذلك هنيئا مريئا، وذلك لشيء تراه عنده مما يأكله وممّا يستمتع به أو يناله من الخير، فاختزل الفعل وجعل بدلا من اللفظ بقولهم هنأك، ويدل على ذلك أنّه قد يظهر " هنأك " في الدّعاء.
قال الأخطل:
إلى إمام تغادينا فواضله ... أظفره الله فليهنئ له الظّفر (١)
فدعا له بيهنئ، والظفر فاعله، وصار " يهنئ له الظفر " كقوله: هنيئا له الظّفر، وصار اختزال الفعل وحذفه في هنيئا كحذفه في قولهم: الحذر، والتقدير: احذر الحذر، فإذا قلت: هنيئا له الظّفر، فالتقدير: ثبت هنيئا له الظفر، فيكون الظفر مرفوعا بالفعل المقدّر، ومثله:
هنيئا لأرباب البيوت بيوتهم ... وللعزب المسكين ما يتلمّس (٢)
كأنّه قال: ثبت هنيئا، إذا ظهر الفعل ارتفع به الاسم، كقولك هنأه الظّفر وليهنئ له الظّفر وما أشبه ذلك.
هذا باب ما أجري من المصادر المضافة مجرى المصادر المفردة المدعوّ بها
(وإنّما أضيف ليكون المضاف فيها بمنزلته في اللام إذا قلت: سقيا لك؛ لتبيّن من تعني، وذلك قولك: ويحك، وويلك، وويسك، وويبك، ولا يجوز سقيك).
ذكر سيبويه هذه الأشياء على نحو استعمال العرب لها، ولم يجز سقيك لأنّ العرب لم تدع به، وإنّما وجب لزوم استعمال العرب إيّاها لأنّها أشياء قد حذف منها
стр. 707
الفعل وجعلت بدلا من اللفظ بالفعل على مذهب أرادوه من الدّعاء، فلا يجوز تجاوزه؛ لأنّ الإضمار والحذف اللازم وإقامة المصادر مقام الأفعال حتّى لا تظهر الأفعال معها ليس بقياس مستمرّ فيتجاوز فيه الموضع الّذي لزموه.
قال: (ومثله عددتك، وكلتك، ووزنتك، ولا تقول: وهبتك، لأنّهم لم يعدّوه، ولكن وهبت لك).
وكان المبرد يقول: إنّما قالوا: عددتك، ووزنتك، وكلتك في معنى: عددت لك، وكلت لك، ووزنت لك، لأنّه لا يشكل، ولم يقولوا: وهبتك في معنى: وهبت لك، لأنّه يجوز أن يهبه، فإذا زال الإشكال زال، وهو أن يقول: وهبتك الغلام، أي: وهبت لك، وإنّما ذكر سيبويه كلام العرب أنّهم يحذفون حرف الخفض في عددتك ووزنتك وكلتك وإن لم يذكر المعدود والمكيل والموزون، كما قال وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (١).
ولا يجوز مثل ذلك في وهبتك، لأنّ ما كان أصله متعدّيا بحرف لم يجز حذفه، وإن لم يكن ليس إلا فيما حذفته العرب، ألا ترى أنه لا يجوز مررتك ولا رغبتك على معنى: رغبت فيك، وحكى أبو عمرو الشّيباني (٢) عن بعض العرب: انطلق معي أهبك نبلا، يريد أهب لك نبلا وهذا يؤيد قول أبي العبّاس.
قال سيبويه: (وهذا حرف لا يتكلّم به مفردا إلا أن يكون معطوفا على ويلك، وهو قولك: ويلك وعولك).
وهذا كالإتباع الذي لا يؤتى به إلا بعد شيء يتقدمه، نحو: أجمعين وأكتعين، فإن قال قائل: عولك لا يجري مجرى الإتباع لأمرين:
أحدهما: أن فيه الواو، والإتباع المعروف لا يكون بعد واو.
والآخر: أن عولك معنى معروف، لأنّه من عال يعول، كما تقول جاز يجوز، والعول هو: البكاء، والحزن معروف.
стр. 708
قيل له: إنّما أراد سيبويه أنّه لا يستعمل في الدّعاء وإن كان معقول المعنى إلا عطفا ولم يرد باب الإتباع الّذي هو بمنزلة أجمعين وأكتعين.
قال أبو سعيد: وقد اعترض في مواضع من كلام سيبويه في هذا الباب منها: أنّه قال: وإنّما أضيفت يعني أضيفت ويلك، وويسك، وويبك، ليكون المضاف فيها بمنزلته في اللّام إذا قلت: سقيا لك ومن قوله إنّ لك منصوبة بأعني، وإنّما جاز بعد سقيا لتبين الدّعاء لمن هو، وإذا أضاف كان من كلام واحد.
وقد يردّ عليه فيقال: اللام بمعنى أعني وليست الإضافة كذلك فلم جعله بمنزلته؟
فيقال: ليكون المضاف فيها بمنزلته في اللام ولم يرد سيبويه أنه مثله في العامل وإنما أراد أنه مثله في بيان من عني به.
وقد ردّ على سيبويه بعض الكوفيين فرقه بين الإضافة واللام.
وزعم الكوفي أن الإضافة واللام جميعا من كلام واحد كقولك: غلام زيد، وغلام لزيد.
والوجه ما قاله سيبويه، لأنا إذا رددناه إلى الذي هو " سقاك الله سقيا " لم يقل فيه لك، ومذهب البصريين وسيبويه أنّ ويلك وويسك اتّصل بهن كلّهنّ كاف المخاطب، وأصل الكلمات ويح وويل وويس.
وقال الفرّاء: أصلها كلها وي، فأما ويلك فهي: وي زيدت عليها لام الجرّ، فإذا كان بعدها مكنيّ كانت اللام مفتوحة، كقولك: ويلك، وويله، وإن كان بعدها ظاهر جاز فتح اللام وكسرها، وذكر أنّه ينشد:
يا زبرقان أخا بني خلف ... ما أنت ويل أبيك والفخر (١)
بكسر اللّام وفتحها، فالّذين كسروا اللّام تركوها على أصلها، والّذين فتحوا اللّام جعلوها مخلوطة بوي كما قالت العرب: يا آل تيم ثمّ أفردت هذه اللّام فخلطت بيا كأنّها منها، قال الفرّاء: أنشدت:
فخير نحن عند النّاس منهم ... إذا الدّاعي المثوّب قال يالا (٢)
стр. 709
ثم كثر الكلام فأدخلوا لها لاما أخرى، يعني ويل لك، وويح لك، وذكر أن ويسا، وويحا هما كنايتان عن الويل والويح، لأنّ الويل كلمة شتم معروفة مصرّحة، وقد استعملتها العرب حتّى صارت تعجّبا، يقولها أحدهم لمن يحبّ ولمن يبغض، وكنّوا بالويس عنها، ولذلك قال بعض العلماء: الويس: رحمة، كما كنّوا عن غيرها فقالوا: قاتله الله، ثم استعظموا ذلك فقالوا: قاتعه الله، وكاتعه الله، كما قالوا: جوعا ثم كنوا عنها فقالوا: جوسا له، وجودا وترابا له ومعناه: الجوع.
قال أبو سعيد: لو كان القول على ما قال الفرّاء لما قيل: ويل لزيد فتضمّ اللام وتنوّن وتدخل لاما أخرى.
فإن قال قائل: لمّا كثر الكلام توهّموا أنّها من الأصل.
قيل له: قد أقررت أنّ الذي أدخل اللّام الثانية أدخلها على أنّ اللام من الأصل توهّما وغلطا، وبعيد أن نتوهّم كلّ هذا
الغلط ونستعمله، وإنّما الغلط يجوز على بعض ويجيء شاذا.
وأيضا لو كان الأمر على إدخال لام أخرى لكان ينبغي أن تترك هذه على كسرتها أو فتحتها فيقال: ويللزيد أو يللزيد وويللك وهذا بيّن واضح.
هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره من المصادر في غير الدّعاء
(من ذلك قولك حمدا وشكرا لا كفرا وعجبا، وأفعل ذاك وكرامة ومسرّة ونعمة عين، وحبّا ونعام عين، ونعمى عين، ولا أفعل ذاك ولا كيدا ولا همّا، ولأفعلنّ ذاك رغما وهوانا).
وهذا الباب الفعل المضمر فيه العامل في هذه المصادر إخبار يخبر المتكلم فيه عن نفسه وليس بدعاء على أحد، ولكنّه قد ضارع الدعاء؛ لأن المضمر فعل مستقبل فأشبه الدّعاء لاستقباله، كأنّه قال: أحمد الله حمدا، وأشكر الله شكرا، وأعجب عجبا، وأكرمك كرامة، وأسرّك مسرّة، وإذا قال: ولا كيدا ولا هما، فمعناه: ولا أكاد كيدا، ولا أهمّ هما به تبعيدا لما نفى أن يفعل.
وقوله: لأفعلنّ ذلك رغما وهوانا أي: أرغمك بفعله رغما، وأهينك هوانا به، والرّغم: لصوق الأنف بالتّراب، وإنما يراد به الذّلّ، وحذف الفعل المقدّر في هذا كحذفه
стр. 710
في الدّعاء.
قال: (وقد جاء بعض هذا رفعا يبتدأ ثمّ يبنى عليه.
وزعم يونس أنّ رؤبة بن العجّاج كان ينشد هذا البيت رفعا، وهو لبعض مذحج:
عجب لتلك قضيّة وإقامتي ... فيكم على تلك القضيّة أعجب) (١)
إذا رفع عجب كأنّه قال: أمري عجب، وإنما هذا البيت يتلو قضيّة غير مرضيّة يتعجّب فيها، والذي قبله:
أمن السّوية أن إذا أخصبتم ... وأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا تكون شديدة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس أدعى جندب
هذا لعمركم الصغار بعينه ... لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب (٢)
ثم قال: " عجبا لتلك قضيّة " ... البيت.
قال: (وسمعنا بعض العرب الموثوق به يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: حمدا لله وثناء عليه، كأنه قال: أمري وشأني، ولو نصب فقال: حمدا لله وثناء عليه كان على الفعل، ومن المرفوع قوله:
فقالت حنان ما أتى بك ههنا ... أذو نسب أم أنت بالحيّ عارف) (٣)
كأنها قالت: أمرنا حنان ولم ترد تحنن، ولو أرادته لقالت: حنانا كما قال الشاعر:
تحنّن عليّ هداك المليك ... فإنّ لكلّ مقام مقالا (٤)
(ومثل الرفع قول الله : قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ (٥).
لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا من أمر ليموا عليه، ولكنهم قيل لهم: لم
стр. 711
تعظون؟
فقالوا: معذرتنا إياهم معذرة إلى ربّكم.
ولو قال رجل لرجل: معذرة إلى الله وإليكم من كذا وكذا، يريد اعتذارا، لنصب ومثله قول الشّاعر:
يشكو إليّ جملي طول السّرى ... صبر جميل فكلانا مبتلى (١)
والنصب أجود وأكثر لأنه يأمره بالصّبر.
ومثل الرّفع قول الله فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) (٢).
فنصب صبر في البيت أجود؛ لأن الجمل كان شاكيا لطول السّرى فأمره صاحبه بالصّبر، والذي في الآية إخبار يعقوب ﵇ بصبر حاصل فيه، أو تخبرنا بأنه سيكون فيه عند فقدان يوسف ﵇ لأنه قال بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ (٣). أي فأمري صبر جميل، والمضمر الذي يكون بعده مرفوع كالمضمر الذي بعده منصوب في ترك إظهاره لأنّ المعنيين متقاربان.
هذا باب- أيضا- من المصادر ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره
(ولكنها مصادر وضعت موضعا واحدا لا يتصرف في كلام تصرّف ما ذكرنا من المصادر، وتصرّفها أنها تقع
في موضع الجر والرفع وتدخلها الألف واللام.
وذلك قولك: سبحان الله، ومعاذ الله وريحانه، وعمرك الله إلّا فعلت، وقعدك الله إلّا فعلت، كأنّه حيث قال: سبحان الله قال تسبيحا، وحيث قال: وريحانه قال واسترزاقا، لأنّ معنى الرّيحان: الرزق، فنصب هذا على معنى أسّبح الله تسبيحا، وأسترزق الله استرزاقا، فهذا بمنزلة سبحان الله وريحانه.
وخزل الفعل هنا لأنّه بدل من اللّفظ بقوله أسبّحك وأسترزقك، وكأنه حيث
стр. 712
قال معاذ الله قال عياذا بالله فانتصب على أعوذ بالله عياذا، ولكنّهم لم يظهروا الفعل ههنا كما لم يظهروا في الذي قبله.
وكأنه حين قال: عمرك الله وقعدك الله قال: عمّرتك الله، بمنزلة نشدتك الله، فصار عمرك منصوبة بعمّرتك كأنك قلت: عمّرتك عمرا ونشدتك نشدا، ولكنهم خزلوا الفعل لأنهم جعلوه بدلا من اللّفظ به، قال الشاعر:
عمّرتك الله إلّا ما ذكرت لنا ... هل كنت جارتنا أيّام ذي سلم (١)
وقعدك يجري هذا المجرى وإن لم يكن له فعل، كأن قولك عمرك الله، وقعدك الله بمنزلة نشدك الله ولكن زعم الخليل أن هذا تمثيل يمثّل به، قال الشاعر:
عمّرتك الله الجليل فإنّني ... ألوي عليك لو أنّ لبّك يهتدي (٢)
والمصدر النّشدان والنّشدة).
قال أبو سعيد: أمّا سبحان فهو مصدر فعل لا يستعمل كأنه قال: سبّح سبحانا، كما تقول: كفر كفرانا، وشكر شكرانا، ومعناه معنى التبرئة والبراءة، ولم يتمكن في مواضع المصادر؛ لأنه لا يأتي إلا مصدرا منصوبا مضافا وغير مضاف، وإذا لم يضف ترك صرفه، فقيل: سبحان من زيد، أي: براءة من زيد، كما قال:
أقول لمّا جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر (٣)
وإنّما منع الصّرف لأنه معرفة وفي آخره ألف ونون زائدتان مثل: عثمان ونحوه.
فأما قولهم: سبّح يسبّح فهو فعل ورد على سبحان بعد أن ذكر وعرف، ومعنى سبّح زيد، أي: قال: سبحان الله، كما
تقول: بسمل إذا قال: بسم الله، وقد يجيء في الشعر سبحان منونا كقول أمية:
سبحانه ثم سبحانا نعوذ به ... وقبلنا سبّح الجوديّ والجمد (٤)
стр. 713
وفيه وجهان: يجوز أن يكون نكرة فيصرفه، ويجوز أن يكون صرفه للضرورة.
وروى الرّياشيّ: " ثم سبحانا يعود له " بالدال غير معجمة، أي: يعاود مرّة بعد مرّة.
وأمّا معاذ الله فإنه يستعمل منصوبا كما ذكر سيبويه مضافا، والعياذ الذي هو في معناه يستعمل منصوبا ومرفوعا ومجرورا بالألف واللام، فيقال: العياذ بالله وألجأ إلى العياذ بالله.
وأما ريحانه: ففيه معنى الاسترزاق، فإذا دعوت به كان مضافا، وقد أدخله سيبويه في جملة ما لا يتمكن من المصادر، ولا ينصرف، ولا يدخله الرّفع والجر والألف واللام، وقد ذكر في معنى قوله تعالى: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١)، أنه الرزق وهو مخفوض بالألف واللام، قال النّمر بن تولب:
سلام الإله وريحانه ... ورحمته وسماء درر (٢)
فرفع، ولعل سيبويه أراد إذا ذكر ريحانه مع سبحانه كان غير متمكّن كسبحان.
وأما عمرك الله فهو مصدر ونصبه على تقدير فعل، وقد يقدر ذلك الفعل على غير وجه.
منهم من يقدر أسألك بعمرك الله وبتعميرك الله، أي: وصفك الله بالبقاء، وهو مأخوذ من العمر، والعمر في معنى البقاء، العرب تقول: لعمرك الله فيحلف ببقاء الله، وقال:
إذا رضيت عليّ بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها (٣)
ومنهم من يقدر أنشدك بعمر الله فيجعل المضمر أنشدك، وهم يستعملون أنشدك في هذا المعنى، فيقولون: أنشدك بالله، وإذا حذف الباء وصل الفعل، ويصرفون منه الفعل فيقولون عمّرتك الله على معنى ذكّرتك الله وسألتك به، قال الشاعر:
стр. 714
عمّرتك الله إلا ما ذكرت لنا ... هل كنت جارتنا أيّام ذي سلم (١)
وقال آخر:
عمّرتك الله الجليل فإنّني ... ألوي عليك لو أنّ لبّك يهتدي (٢)
وأمّا نصب اسم الله تعالى فلأنه منصوب مفعول المصدر. فكأنّه قال: أسألك بتذكيرك الله أو بوصفك الله تعالى بالبقاء.
وأجاز الأخفش (٣) رفعه على أن الفاعل للتذكير هو الله تعالى، كأنه قال: أسألك بما ذكّرك الله تعالى به، وقعدك بمعنى: عمرك، وفيه لغتان:
قعدك الله، وقعيدك الله، قال الشاعر:
فقعدك ألّا تسمعيني ملامة ... ولا تنكئي قرح الفؤاد فتيجعا (٤)
وتقديره: أسألك بقعدك وبقعيدك الله، ومعناه بوصف الله تعالى بالثبات والدوام، مأخوذ من القواعد التي هي الأصول لما يثبت ويبقى، ولم يتصرف منه فعل فيقال:
قعّدتك الله كما قيل: عمّرتك الله، لأن العمر معروف في كلام العرب، وهي كثيرة الاستعمال له في اليمين، فلذلك تصرّف وكثرت مواضعه.
وأما جواب عمرك الله، وقعدك الله، ونشدتك الله؛ فإنها تكون بخمسة أشياء:
بالاستفهام، والأمر، والنهي، وأن، وإلّا، ولمّا.
والأصل في ذلك: نشدتك الله ومعناه: سألتك به، وطلبت منك به؛ لأنه يقال:
نشد الرجل الضالة إذا طلبها، كما قال:
" أنشد والباغي يحبّ الوجدان "
أي: أطلب الضّالة والطّالب يحبّ الإصابة، وجعل عمرك الله وقعدك الله في معنى الطلب والسؤال كنشدتك الله، فكان جوابها كلّها ما ذكرت لك، لأن الأمر والنهي
стр. 715
والاستفهام كلّها بمعنى السؤال والاستدعاء، وكذلك " أن " لأنه في صلة الطلب بقولك:
نشدتك الله أن تقوم، وكذلك نشدتك الله لا تقم، قال الشاعر في الأمر:
عمرك الله ساعة حدّثينا ... ودعينا من ذكر ما يؤذينا (١)
وقال الآخر في الاستفهام:
عمرك الله أما تعرفني ... أنا حرّاث المنايا في الفزع (٢)
لأنّه في معنى الطلب والمسألة، وعمّرتك الله إلّا فعلت كذا وكذا، كما تقول: بالله إلّا فعلت كذا وكذا.
ومثل ما ينصب ذلك قولك للرجل: سلاما أي: سلاما منك.
وعلى هذا قوله : وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٣). معناه:
براءة منكم، لأنّ هذه الآية في سورة الفرقان، وهي مكية، والسّلام في سورة النّساء وهي مدنيّة ولم يؤمر المسلمون بمكّة أن يسلموا على المشركين، وإنما هذا على معنى: براءة منكم وتسلّما، لا خير بيننا وبينكم ولا شرّ، ومنه قول أمّية:
سلامك ربّنا في كلّ فجر ... بريئا ما تغنّثك الذّموم (٤)
أي: تنزيها من السّوء، ومعنى ما تغنّثك أي: تلزّق بك صفة الذم.
وكان أبو ربيعة يقول: إذا لقيت فلانا فقل سلاما، ومعناه: براءة منك.
قال: (فكل هذا ينتصب انتصاب حمدا وشكرا، إلا أن هذا يتصرّف وذاك لا يتصرّف).
قال: (ونظير سبحان الله من المصادر في البناء والمجرى لا في المعنى " غفران " لأن بعض العرب يقول: غفرانك لا كفرانك، يريد: استغفارا لا كفرا).
وجعل فيما لا يتمكن لأنه لا يستعمل على هذا إلّا منصوبا مضافا، وكذلك قوله تعالى: وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (٥).
أي: حرما محرّما، ومعناه: وتقول الملائكة:
стр. 716
حجرا محجورا، أي: حراما عليهم الغفران والجنّة ونحوه من التقدير على معنى:
حرّم الله ذلك تحريما، أو جعل الله ذلك محرّما عليهم.
(ويقول الرجل للرّجل: أتفعل كذا وكذا، فيقول: حجرا وبراءة).
وكل ذلك يؤول إلى معنى المنع؛ لأن الحجر مأخوذ من البناء الذي يحجّر به ليمنع من وصول ما يصل إلى ما وراءه.
(ومن العرب من يرفع " سلام " إذا أراد معنى المبارأة كما رفعوا " حنان "، سمعنا بعض العرب يقول لرجل: لا تكونن منّي في شيء إلا سلام بسلام، أي: أمري وأمرك المبارأة المتاركة، وتركوا لفظ ما يرفع كما تركوا فيه لفظ ما ينصب).
وقد مضى نحوه.
قال: (وأما سبّوحا قدّوسا ربّ الملائكة والرّوح فعلى شيء يخطر على باله أو يذكره ذاكر فقال: سبّوحا أي ذكرت سبّوحا، كما تقول: أهل ذلك، إذا سمعت رجلا يذكر رجلا بثناء أو ذمّ كأنك قلت: ذكرت أهل ذاك، واذكر أهل ذاك ونحوه مما يليق به، وخذلوا الفعل النّاصب لسبحان لأن المصدر صار بدلا منه).
(ومن العرب من يرفع فيقول: سبّوح قدّوس على إضمار " هو " سبوح) ونحوه مما مضى.
قال: (وممّا ينتصب فيه المصدر على إضمار الفعل المتروك إظهاره ولكنه في معنى التعجّب قولك: كرما، وصلفا، كأنه يقول: أكرمك الله كرما، وأدام الله لك كرما، وألزمك صلفا، وفيه معنى التعجّب فيصير بدلا من قولك: أكرم به وأصلف، وقال أبو مرهب: " كرما وطول أنف " أي أكرم بك وأطول بأنفك).
لأنّه أراد به التعجّب، وأضمرت الفعل النّاصب كما انتصب مرحبا بما ذكر قبل.
هذا باب يختار فيه أن تكون المصادر مبتدآت مبنيّا عليها ما بعدها وما أشبه المصادر من الأسماء والصفات
(وذلك قولك: الحمد لله والعجب لك، والويل لك، والتّراب لك، والخيبة له، وإنّما استحبّوا الرّفع فيه لأنّه صار معرفة فقوي في الابتداء بمنزلة عبد الله والرجل
стр. 717
والذي تعلم، لأنّ الابتداء إنّما هو خبر).
قال أبو سعيد: يعني هذه المصادر التي ذكرها اختارت العرب فيها الرّفع؛ لأنّهم جعلوها كالشيء اللّازم الواجب فأخبروا عنها، وجعلوها مبتدأة وجعلوا ما بعدها خبرها وصار بمنزلة قولك: الغلام لزيد، ثم وصل ذلك من جهة الابتداء فقال: وإذا اجتمع معرفة ونكرة فأحسنه أن يبتدأ بالأعرف وهو وجه الكلام، ومعنى يبتدأ بالأعرف أن تجعله هو المبتدأ المخبر عنه وإن أخّر في اللفظ، وكذلك لو وقع بعد كان وإنّ فالوجه: أن تجعل الأعرف هو الاسم كقولك: كان زيد منطلقا، وكان منطلقا زيد، ولم يحسن أن تقول: كان منطلق زيدا؛ لأنّك إنما تخبر عمّن يعرفه المخاطب بما لا يعرفه من شأنه حتّى يعرفه فيساويك فيه وفي خبره.
وفائدة الإفادة من المتكلم للمخاطب في الخبر، ولو جعل الاسم نكرة والخبر معرفة والاسم لا يستفيده المخاطب لم يصر المخاطب بمنزلة المتكلم في معرفة ما أفاده إياه.
قال: (ولو قلت: رجل ذاهب، لم يحسن، لأنه لا فائدة فيه، فإن قرنته بشيء يقرّبه من المعرفة وتقع به فائدة جاز؛ فتقول: راكب من بني فلان سائر، وتبيع الدّار فتقول: حدّ منها كذا وحدّ منها كذا، فأصل الابتداء للمعرفة فإذا أدخل فيه الألف واللام حسن الابتداء).
يعني أنّ الذي حسّن الابتداء في: " الحمد لله، والعجب والويل لزيد " دخول الألف واللام فيه، وإذا نكّر ضعف الابتداء بالنكرة إلا أن يكون في المنكور المبتدأ به معنى المنصوب كنحو ما ذكرنا، وقولهم: سلام عليكم، وويل لزيد، وخيبة لزيد؛ لأن هذه أشياء يدعى بها ويجوز فيها النّصب، فإذا رفع وذهب به مذهب الدعاء جرى مجرى المنصوب في حسنه وإن كان الابتداء بنكرة، وقد مضى نحو هذا.
قال سيبويه: (وليس كلّ حرف يصنع به كذلك، كما أنه ليس كلّ حرف تدخل فيه الألف واللّام من هذا الباب، لو قلت: السقي لك والرعي لك لم يجز).
قال أبو سعيد: اعتماد سيبويه في هذا ونحوه على استعمال العرب فيما استعملته على وجه لم يجاوزه ولم يجز
غيره قياسا، وما استعملته على وجهين أو أكثر جاز من ذلك ما استعملوه، ولم تستعمل العرب السقي لك، والرعي لك، فلم يجزه، وأجازه الجرميّ والمبرّد، وقد ذكرنا الاحتجاج لذلك فيما مضي.
стр. 718
(والحمد وإن ابتدأته فمعناه معنى المنصوب).
وهو إخبار فإذا نصب فمعناه أحمد الله حمدا يخبر عن نفسه بما يفعله من ذلك، وإذا رفع فكأنه قال: أمري وشأني ومقصودي فيما أفعله الحمد لله.
ثم ذكر سيبويه أشياء قد ابتدأت العرب بالنكرة فيها وجّه لها وجها، وذلك قولك:
شيء ما جاء بك، " وشرّ أهرّ ذا ناب "، فذكر أنه حسن ذلك لأن معناه: ما جاء بك إلّا شيء، وما أهرّ ذا ناب إلّا شرّ، فالابتداء في هذا محمول على معنى الفاعل وجرى مثلا فاحتمل.
ومعنى شرّ أهرّ ذا ناب معناه: كأنهم سمعوا هرير كلب في وقت لا يهرّ في مثله إلا بسوء، ولم يكن غرضهم الإخبار عن شرّ، وإنما يريدون أن الكلب أهره شرّ، وكذلك قولهم: شيء ما جاء بك، يقوله الرجل لرجل جاءه ومجيئه غير معهود في ذلك الوقت، ما جاء بك إلا شيء حادث لا يعهد مثله.
ومما يجري مجرى هذا ولم يذكره سيبويه: " شرّ ما جاءك إلى مخة عرقوب "، وشرّ ما أشاءك إلى مخة عرقوب، أي: ألجأك إلى أكل مخة عرقوب، وهو لا خير فيه، شرّ يعني:
جوعا وضرورة شديدة.
ثم قال: (وقد ابتدئ المنكور في الكلام على غير الوجه الذي ذكروا على غير ما فيه معنى المنصوب وهو قولهم: " أمت في حجر لا فيك ").
ومعناه: اعوجاج في حجر لا فيك فحمله سيبويه على أنّه إخبار محض وأن ذلك جاز لأنه مثله.
وقال المبّرد: أرادوا به معنى الدعاء فهو في مذهب المنصوب كأنهم قالوا: جعل الله في حجر أمتا لا فيك.
ومما جاء من نحو هذا ولم يذكره سيبويه قول العرب: " عبد صريخه أمة "، و " ذليل عاذ بقرملة "، ويقال هذا إذا استعان الرجل بضعيف لا نصرة له، ومعنى: صريخه: مغيثه، والقرملة: شجرة على ساق لا تكنّ ولا تظلّ، ولو تأوّل متأوّل هذا أن ذلك إنما جاز لأن في تعجّبا، وقد يجوز أن يقال: عجب لذلك، وقد مضى ذكر جوازه، وعبد صريخه أمة وذليل استعان بقرملة من العجب يحسن ذلك حملا على العجب.
وقد رأيت بعض النحويين يذكر أنّ كلّ نكرة مبتدإ بها من هذا النحو، ففيه معنى
стр. 719
عجب أو دعاء.
قال سيبويه: (ومن العرب من ينصب بالألف واللّام، ومن ذلك: الحمد لله، ينصبها عامّة من بني تميم وكثير من العرب، وسمعنا العرب الموثوق بهم يقولون:
التّراب لك؛ فتفسير نصب هذا كتفسيره حيث كان نكرة، كأنك قلت: حمدا وعجبا ثم جئت ب " لك " لتبين من تعني ولم تجعله مبنيا عليه فتبتدئه).
وقد مضى تفسير هذا.
هذا باب من النكرة يجري مجرى ما فيه الألف واللام من المصادر والأسماء
وما في هذا الباب من كلام سيبويه قد مضى شرحه في تضاعيف الأبواب المتقدّمة له، وأنا أسوق كلام سيبويه إلى آخر الباب إلّا الشيء اليسير الذي يحتاج إلى تفسير.
قال: (وذلك قولك: سلام عليك، ولبّيك وخير بين يديك، والمراد في قوله:
خير بين يديك، وويل لك، وويح لك، وويس له، وويلة لك، وعولة وخير لك، وشرّ لك، وفَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (١)؛ فهذه الحروف كلّها مبتدأة مبنيّ عليها ما بعدها، والمعنى فيهنّ: ابتدأت شيئا قد ثبت عندك ولست تعمل في حال حديثك في إثباتها وتزجيتها وفيها ذلك المعنى، كما أن " حسبك " فيه معنى النهي، وكما أن قولك:
" رحمة الله عليه " في معنى: ﵀، فهذا المعنى فيها، ولم تجعل بمنزلة الحروف التي إذ ذكرتها كنت في حال ذكرك إياها تعمل في إثباتها وتزجيتها، كما أنهم لم يجعلوا " سقيا ورعيا " بمنزلة هذه الحروف؛ فإنما نجريها كما أجرتها العرب ونضعها في المواضع التي وضعن فيها، ولا تدخلنّ ما لم يدخلوا من الحروف. ألا ترى أنك لو قلت: طعاما لك أو شرابا لك أو مالا لك تريد معنى سقيا لك أو معنى المرفوع الذي فيه معنى الدعاء لم يجز، لأنه لم يستعمل هذا الكلام كما استعمل ما قبله، فهذا يدلّك ويبصّرك أنّه ينبغي لك أن تجرى هذه الحروف كما أجرتها العرب، وأن تعني ما عنوا بها؛ فكما لم يجز أن يكون كلّ حرف بمنزلة المنصوب الذي أنت في حال ذكرك
стр. 720
إيّاه تعمل في إثباته، ولا بمنزلة المرفوع المبتدإ الذي فيه معنى الفعل، كذلك لم يجز أن تجعل المرفوع الذي فيه معنى الفعل بمنزلة المنصوب الذي أنت في حال ذكرك إياه تعمل في إثباته وتزجيته، ولم يجز لك أن تجعل
المنصوب بمنزلة المرفوع لأن العرب إنما أجرت الحروف على وجهين.
ومثل المرفوع: طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (١). يعني أنّ طوبي وإن لم يتبين فيها الإعراب فهي في موضع رفع؛ لأن المعطوف عليها وهو حسن مآب رفع، وأما قوله : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢). ووَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (٣). فإنّه لا ينبغي أن تقول إنه دعاء عليهم؛ لأن الكلام واللفظ بذلك قبيح، ولكن العرب إنما كلّموا بكلامهم، وجاء القرآن على لغتهم وما يعنون؛ فكأنه- والله أعلم- قيل لهم ويل للمطففين، وويل يومئذ للمكذبين، أي: هؤلاء ممن وجب لهم هذا القول، لأنّ هذا الكلام إنما يقال لصاحب الشّرّ والهلكة، فقيل: هؤلاء ممن دخل في الهلكة ووجب لهم هذا.
ومثل ذلك: قوله : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤).
فالعلم قد أتى من وراء ما يكون ولكن اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم وليس لهما أكثر من ذا ما لم يعلماه.
ومثله: قاتَلَهُمُ اللَّهُ * (٥). وإنما أجري هذا على كلام العرب وبه نزل القرآن).
قال أبو سعيد: قد يعبّر عن بعض أفعال الله ممّا جاء في القرآن وغيره بما لو حمل على حقيقة اللغة لم يجز أن يوصف بذلك، من ذلك قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى (٦). وقوله جلّ وعزّ: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ
стр. 721
مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ (١). والامتحان والبلوى فيما يتعارفه النّاس إنما هو في معنى: التجربة، وهو من الله على وجه الأمر لهم أو إيراد بعض أفعاله عليهم مما يظهر للناس ثبات المفعول به والصبر على طاعة الله تعالى أو خلاف ذلك.
وكذلك ما جاء في القرآن من " لعلّ " قد جعل بمعنى " كي "، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢).
ونظائر ذلك مما أتى فيه لعلّ بعد أمر أمر به إنما هو على معنى " كي يكون ذلك "؛ أي:
أمرناكم بهذا الأمر ليكون ذلك؛ فالشيء الذي جعل الأمر سببا له يجوز ألّا يكون، ولا يخرج الأمر أن يكون وقع مقصودا به لذلك المعنى؛ ألا ترى أنّ القائل قد يقول: مدحت الأمير ليعطيني، وكي يعطيني ولعله يعطيني، وإن لم يعطه فالقصد لم يتغيّر أن يكون واقعا لذلك المعنى.
وكذلك ما في القرآن مما يتعارفه الناس في كلامهم دعاء إذا وقع من الله فهو من طريق اللفظ على ما قد تعارفه الناس، وهو من الله واجب، لأن القائل إذا قال: قاتلك الله، ولعنك الله، فإنما يريد أن يوقع الله ذلك بالذي دعا عليه، فإذا قاله الله فهو على طريق أنه يوقعه، وكذلك القول في قوله : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣). ووَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (٤). لأن القائل من الناس يذكره على جهة الدعاء عليهم، والله يذكره على طريق وجوب ذلك لهم، لأنه هو المدعوّ المستدعى منه ذلك.
قال: (وتقول: ويل لك ويل طويل، وإن شئت جعلته بدلا من المبتدإ الأوّل، وإن شئت جعلته صفة له، وإن شئت قلت: ويل لك ويلا طويلا تجعل الأخير غير مبدل ولا موصوف به ولكن تجعله دائما).
يعني: تجعل ويلا طويلا في معنى الحال؛ كأنّه قال: ويل لك دائما.
قال: (ومن هذا الباب: فداء لك أبي وأمي، وحمي لك أبي، ووقاء لك أميّ، ولا
стр. 722
يقال: عولة لك، إلّا أن يكون قبلها ويلة لك، ولا تقول: عول لك حتى تقول: عول، لأنّ ذا يتبع ذا، كما أنّ ينوءك يتبع يسوءك ولا يكون ينوءك مبتدأ.
واعلم أنّ بعض العرب تقول: ويلا لك، وويلة لك، وعولة تجريه مجرى خيبة، من ذلك قول جرير:
كسا اللؤم تيما خضرة في جلودها ... فويلا لتيم من سرابيلها الخضر (١)
ويقول الرجل: يا ويلاه؛ فيقول الآخر: نعم ويلا كيلا، كأنه يقول: لك الذي دعوت به ويلا كيلا، وهذا شبيه بقولهم:
ويل له ويلا كيلا، وربّما قالوا: ويل كيل).
يعني أن الذي قال: نعم ويلا كيلا يضمر مبتدأ وخبرا، ويجعل ويلا كيلا في موضع الحال؛ لأنه لو أظهر وقال: لك الويل ويلا كيلا كان " الويل " مبتدأ و " لك " خبر، وويلا كيلا في معنى كثيرا، ثم جعل نعم دليلا على الإضمار، لأن نعم تحقيق لكلام يتكلم به، وذلك الكلام الذي تحقيقه نعم هو قولهم: لك الويل وما أشبهه.
وقوله: (وإن شاء جعله على قوله: جدعا وعقرا).
أي: إن شاء نصب ويلا كيلا بإضمار فعل فجعله كأنه مصدر له، لأن " جدعا وعقرا " على معنى: جدعك الله جدعا، وعقرك عقرا، فهو بإضمار فعل، وتجعل ويلا كذلك بإضمار فعل.
هذا باب منه استكرهه النحويون، وهو قبيح فوضعوا الكلام فيه على غير ما وضعته العرب
(وذلك قولك: ويح لك وتبّ، وتبّا وويحا).
أما قوله: استكرهه النحويون يعني أنهم جمعوا في الدّعاء بين شيئين لا تجمع العرب بينهما، وقاسوا كلام العرب، والشيئان:
أحدهما: ويل وويح لك وما جرى مجراه مما ترفعه العرب في الأكثر من كلامهم.
والآخر: تبّا لك وويل، إذا أفردوه رفعوه وأتوا له بخبر وهو اللام، فإذا جمعوا بينهما فقدّموا الذي يستحقّ الرفع وثنّوا بالذي يستحقّ النّصب حملا على المرفوع فيقولون: ويل لك وتبّ.
стр. 723
وسيبويه يختار أن يقول: " ويل لك وتبّا " وكذلك " ويل لك وتبّا لك " لأن تبّا إن أفردته عن ذلك أو ذكرت بعده لك فإنه ينتصب مصدرا لفعل مضمر، ولك تبيين، كما يقول لك بعد سقيا لك، فهي مستغنية عن لك فتجريه على ما أجرته عليه العرب.
وإذا قدمت المنصوب ثم جئت بما يرفعونه فقلت تبّا له وويحا، فإنهم ينصبونه على الفعل حملا على تبّا.
وسيبويه لا يخالفهم في ذلك إلا أنه استقبحه؛ لأنه مستقبح استكراه النحويين لذلك، غير أنه رأى متى ما قرن بينهما أن ينصب ويحا فقال: ولا بد ل " ويح " مع قبحها من أن تحمل على " تبّ " لأنها إن ابتدئت لم تحسن حتّى يبنى عليها الكلام، يعني:
حتى يؤتى له بالخبر؛ لأنّ العرب لا تقول: " ويح " ولا " ويل " إلا مع خبرهما وإن نصبت فقد بنيتها على شيء ينصبها مع قبحها كما جاء " تبّا " وما أشبه ذلك، فإذا قلت: " تبّا " له، و " ويح " له؛ فجئت ل " ويح " بخبر وهو اللام حسن الرّفع في " ويح "، وإن نصبت تبّا وليس بينهما خلاف، ولا يختلف النحويون في نصب " التبّ " إذا كان معه " له ".
وقد قدمت المرفوع إذا قلت ويح ويح له وتبّا له.
قال سيبويه: (فهذا يدلّك على النصب في " تبّا ").
يعني إذا لما تكن معه " له " أحسن، لأن " له " لا تعمل في " التبّ " ما عملت في " ويح " لأنه خبر ل " ويح " وليس بخبر في " تبّ " وإنما هو تبيين.
هذا باب ما ينتصب فيه المصدر كان فيه الألف واللام أو لم يكن فيه على إضمار الفعل المتروك إظهاره؛ لأنه يصير في الإخبار والاستفهام بدلا من اللفظ بالفعل، كما كان " الحذر " بدلا من احذر في الأمر
(وذلك قولك ما أنت إلا سيرا، وإنّما أنت سيرا سيرا، وما أنت إلا الضّرب الضّرب، وما أنت إلا قتلا قتلا، فكأنه قال في هذا كلّه ما أنت إلا تفعل فعلا).
قال أبو سعيد: إنما يقال هذا ونحوه لمن يكثر منه ذلك الفعل ويواصله، واستغنى عن إظهار الفعل بدلالة المصدر عليه، وكذلك في الإخبار عن الغائب إذا قلت: زيد سيرا سيرا، وليتك سيرا سيرا، إذا أخبرت عنه بمثل ذلك المعنى، وكذلك إذا قلت: أنت الدهر
стр. 724
سيرا، وكان عبد الله الدّهر سيرا سيرا، وأنت مذ اليوم سيرا سيرا، وذلك كله إذا أخبرت بشيء متّصل بعضه ببعض في أي الأحوال كان، وإن رفعت قلت: إنّما أنت سير، على معنى: إنما أنت صاحب سير؛ وحذفت الصّاحب وأقمت السّير مقامه.
فإن قلت: ما أنت إلا شرب الإبل، وما أنت إلا ضرب النّاس، جاز في ضرب الناس التنوين؛ فتقول: ما أنت إلا ضربا الناس، ولا تقول: ما أنت إلا شربا الإبل، لأن شرب الإبل ليس من فعلك، ولم ترد: ما أنت إلا شرب الإبل وإنما هو تشبيه، والفعل الذي يشبّه به محذوف، تقديره: ما أنت إلا تشرب شربا مثل شرب الإبل، والمثل في موضوع النعت لشربا فحذفت الشرب وأقمت المثل مقامه وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (١). وهذا الحذف وإن كثر فهو مطرد في القياس في كلام
العرب مفهوم.
وإذا قلت: ما أنت إلا ضربا النّاس فنوّنته؛ فالمعنى: ما أنت إلا تضرب الناس؛ لأنّ فعلك واقع بهم، ونظير ذلك من المصادر المنصوبة: قوله فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً (٢). على معنى: إما تمنّون منّا وإما تفادون فداء.
وقال جرير:
ألم تعلم مسرّحي القوافي ... فلا عيّا بهنّ ولا اجتلابا (٣)
تقديره: فلا أعيى بهن عيّا ولا أجتلبهنّ، أي: لا أسرق من غيري، كأنّ قائلا قال:
هو عيّا بهن، واجتلابا لهن على معنى: يعيى بهن عيا، ويجتلبهنّ اجتلابا، فنفى على ذلك التقدير بإدخال لا.
(ومثله قولك: ألم تعلم يا فلان مسيري فإتعابا وطردا).
والمسرّح بمنزلة مشترى، والفاء في قوله، فإتعابا وطردا بمنزلة الفاء في قوله:
" فلا عيّا بهن ولا اجتلابا ".
وإنما أراد أني إذا سرحت القوافي اتّصل بتسريحي لها إلا عيّا ولا أجتلب؛ فلذلك أدخل الفاء.
стр. 725
وكذلك يتّصل الإتعاب بالمسير، فلذلك أدخل الفاء.
قال سيبويه: (وإن شئت رفعت هذا كلّه فجعلت الآخر هو الأوّل، فجاز على سعة الكلام. كقول الخنساء:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت ... فإنّما هي إقبال وإدبار (١)
على معنى: فإنما هي صاحب إقبال وإدبار؛ فجعل إقبال وإدبار في موضع مقبلة ومدبرة على سعة الكلام، كقولك: نهارك صائم وليلك قائم).
قال أبو سعيد: فجعل النّهار صائما، والنحويّون يقدّرون مثل هذا على تقديرين:
أحدهما: أن يقدّروا مضافا إلى المصدر وهو الاسم الأوّل، ويحذفون كما يحذفون في وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (٢). كأنه قال: صاحب إقبال وصاحب إدبار، وصاحب نهارك صائم، وصاحب ليلك قائم فيحذفون المضاف.
والوجه الثاني: أن يكون المصدر في موضع اسم الفاعل من غير إضافة فيكون إقبال في موضع مقبلة، والنهار
صائم مجازا كما قال وَالنَّهارَ مُبْصِراً (٣).
وكما قال:
" أمّا النّهار ففي قيد وسلسلة " (٤)
وكما قال تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ (٥).
ومثله قولهم: رجل عدل، وماء غور، ودرهم ضرب، على معنى: رجل عادل، ودرهم مضروب، وماء غائر.
وكان الزجّاج يأبى إلا الوجه الأول.
ومما يقوّي الوجه الثاني أن نقول: رجل ضخم وعبل، وليسا بمصدرين لضخم وعبل، وقد جعلا في موضع اسم الفاعل، ومصدرهما: عبل عبالة، وضخم ضخما.
стр. 726
ومما يشبه هذا قول متمّم:
لعمري وما دهري بتأبين هالك ... ولا جزع ممّا أصاب فأوجعا (١)
أي: فدهر تأبين هالك، وجعل الدّهر هو التأبين مجازا.
(ومما ينتصب في الاستفهام من هذا الباب قولهم: أقياما يا فلان والناس قعود، وأجلوسا والناس يعدون فلا يريد أن يخبر أنّه يجلس ولا أنّه قد جلس، وانقضى جلوسه، ولكنّه يخبر أنّه في تلك الحال في حال جلوس).
وهذا الكلام يقوله الإنسان عند فعل يشاهده ممّا ينكر عليه من أجل شيء آخر، كأنّه إذا قال: أقياما والناس قعود فقد أنكر عليه القيام من أجل قعود النّاس، وأنكر الجلوس من أجل فرارهم توبيخا له على ذلك.
ومثله: أصبى وأنت شيخ، ومثله: " ... أطربا وأنت قنّسريّ ... ".
وهو: المسنّ في هذا الموضع، إنكارا للطرب مع هذه الحال، (ومثله: قول بعض العرب وهو يعزى إلى عامر بن
الطفيل:
" أغدّة كغدّة البعير ... وموتا في بيت سلولية " (٢)
واجتماعهما يزيد في المكروه فهو يجري مجرى التوبيخ، وإن لم يكن توبيخا وإنما قاله عامر، لمّا أصابته الغدّة، وهي داء إذا أصاب البعير لم يلبّثه حتّى يموت، وكان قد أتى النبي ﷺ هو وأربد بن ربيعة العامريّ أخو لبيد ليغتالاه، فأطلعه الله عليهما؛ فقال: " اللهمّ أكفني عامرا وأربد " فأصابت أربد صاعقة، وأصابت عامرا الغدّة، ومثله:
أعبدا حلّ في شعبي غريبا ... ألؤما لا أبا لك واغترابا (٣)
الشاهد في قوله: ألؤما لا أبا لك، وبّخه على ما يأتيه من اللؤم مع غربته على نحو ما تقدّم، كأنّه قال: أتلؤم لؤما وتغرب اغترابا (إن لم تستفهم وأخبرت جاز كقولك:
سيرا سيرا، عنيت نفسك أو غيرك؛ كأنك رأيت رجلا في حال سير أو كنت في حال سير، أو ذكر رجل بسير أو ذكرت أنت بسير، وجرى كلام يحسن بناء هذا عليه كما
стр. 727
حسن في الاستفهام. لأنّك إنما تقول: أطربا وأسيرا، إذا رأيت ذلك من الحال أو ظننته في، وعلى هذا يجري هذا الباب إذا كان خبرا أو استفهاما، وإذا رأيت رجلا في حال سير أو ظننته فيه فأثبتّ ذلك له.
وكذلك أنت في الاستفهام إذا قلت: أأنت سيرا. ومعنى هذا الباب أنّه فعل متّصل في حال ذكرك إيّاه استفهمت أو أخبرت، وأنّك في حال ذكرك شيئا من هذا الباب تعمل وفي تثبيته لك أو لغيرك.
ومثل ما تنصبه في هذا الباب وأنت تعني نفسك قول الشّاعر:
سماع الله والعلماء أنّي ... أعوذ بحقو خالك يا ابن عمرو) (١)
كأنه قال: أسمع الله هذا، كما تقول: أشهد الله بهذا على نفسي، وسماع الله بمنزلة إسماع الله كأنه قال: أسمع الله إسماعا، كما تقول: ما أنت إلا ضربا النّاس إذا نوّنت، وإن لم تنوّن قلت: إلا ضرب الناس، ولو نوّن في سماع الله لقال: سماعا الله والعلماء، بمعنى: إسماعا الله، كما تقول أعطيته عطاء على معنى: أعطيته إعطاء.
هذا باب ما ينتصب من الأسماء الّتي أخذت من الأفعال انتصاب الفعل، استفهم أو لم يستفهم
(وذلك قولك: أقائما وقد قعد الناس، وأقاعدا وقد سار الركب، وكذلك إن أردت هذا المعنى ولم تستفهم تقول: قاعدا قد علم الله وقد سار الركب، وقائما قد علم الله وقد قعد الناس).
قال أبو سعيد: هذا الباب مثل ما مضى في الباب الذي قبله من قولك: أقياما والناس قعود، وأطربا وأنت قنّسريّ، غير أنّ الباب الأوّل بمصدر وهذا باسم الفاعل، وقدّره سيبويه أن العامل فيه مثل الفعل الذي يعمل في المصدر، فقال: وكأنّه يقوله أتقوم قائما، وأتقعد قاعدا، ولكنّه حذفه استغناء، وهذا ينكره بعض الناس لأنّ لفظ الفعل لا يكاد يعمل في اسم الفاعل الذي من لفظه، وإذا جاء ذلك صرف إلى أنّه مصدر لاسم الفاعل كقولهم: قائما تريد قياما، هكذا قال أبو العبّاس المبرّد، ويلزمه على قوله إذا كان
стр. 728
العامل في قائما أيقوم، وفي قاعدا أيقعد أن يكون قائما في معنى قياما، وقاعدا في معنى قعودا.
والقول عندي ما قاله سيبويه؛ لأنّه قد تكون الحال توكيدا كما يكون المصدر توكيدا، وإن كان الفعل قد دلّ عليه قول الله وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا (١).
ولا يجوز إضمار الفعل الدالّ على الحال إلّا أن تكون الحال المشاهدة تدل عليه، ولا يجوز أن يقول إنسان- مبتدئا من غير حال تدل-: " قائما يا زيد " كما تقول: يجوز " قياما يا زيد " لأنّ المصدر مأخوذ من لفظ الفعل فهو دال على فعل معيّن دون غيره.
وإذا قال قائما يا زيد، لم يدلّ على فعل محصور لأنّه يجوز أن يقول: اثبت قائما، وتكلم قائما، واضحك قائما، وما أشبه ذلك مما لا يحصر، وإنّما جاز أن يقول: أقائما وقد قعد النّاس، لما شوهد منه من القيام والتعمّل له.
قال سيبويه: " (ومثل ذلك قوله: عائذا بالله من شرّها؛ كأنه رأى شيئا يتّقى فصار عند نفسه في حال استعاذة حتّى صار بمنزلة الذي رآه في حال قيام وقعود ....
فقال: عائذا بالله؛ كأنه قال: أعوذ بالله عائذا).
وإذا ذكرت شيئا من هذا الباب فالفعل متّصل في حال ذكرك إيّاه وأنت تعمل في تثبيته كما كان ذلك في الباب الذي قبله.
(وقال الشاعر، وهو عبد الله بن الحارث السهمي، من الصحابة:
ألحق عذابك بالقوم الذين طغوا ... وعائذا بك أن يعلوا فيطغوني (٢)
كما قال في المصدر عياذا بك، ومثله:
أراك جمعت مسألة وحرصا ... وعند الحقّ زحّارا أنانا) (٣)
قال أبو سعيد: زحّارا فعّال من زحر يزحر زحرا، وأنان في معنى: أنين، كما يقال:
نهيق ونهاق في باب الأصوات، لأن الزحير صوت.
стр. 729
قال سيبويه: (كأنه قال: زحيرا، وأنينا، والأولى عندي أن نجعل أنانا مصدرا للفعل الذي يعمل في زحّار، أو لزحّار نفسه فيكون التقدير: تزحر أنينا، لأنّ يزحر ويئنّ يتقاربان؛ فهو مثل قولك: تبسّمت وميض البرق، وإنما اخترت هذا لأنّه لا واو في قولك زحّارا أنانا).
هذا باب ما أجرى من الأسماء التي لم تؤخذ من الفعل مجرى الأسماء التي أخذت من الفعل
(وذلك قولك: أتميميّا مرّة وقيسيّا أخرى، وإنّما هذا أنّك رأيت رجلا في حال تلوّن وتنقّل، فقلت: أتميميّا مرّة وقيسيا أخرى؛ كأنك تقول: أتتحوّل تميميّا مرّة وقيسيّا أخرى.
فأنت في هذه الحال تعمل في تثبيت هذا له، وهو عندك في تلك الحال في تلوّن وتنقّل، وليس تسأله مسترشدا عن أمر هو جاهل به لتفهّمه إيّاه وتخبره عنه ولكنّك وبخته بذلك).
قال أبو سعيد: وهذا الباب مثل الذي قبله إلّا أنّ الاسم الذي نصبه ليس بمأخوذ من فعل فأحوج إلى تقدير فعل ليس من لفظه مما شاهده من حاله.
قال سيبويه: (وحدّثنا بعض العرب: أنّ رجلا من بني أسد قال يوم جبلة واستقبله بعير أعور فتطيّر- فقال: يا بني أسد، أعور وذا ناب!
فلم يرد أن يسترشدهم ليخبروه عن عوره وصحّته، ولكنّه نبّههم كأنّه قال:
أتستقبلون أعور وذا ناب!
فالاستقبال في حال تنبيهه إيّاهم كان واقعا، كما كان التلوّن والتنقّل عندك ثابتين في الحال الأولى، وأراد أن يثّبّت لهم الأعور ليحذروه).
قال أبو سعيد: يوم جبلة: يوم لبني عامر على بني أسد وذبيان، وتطيّر هذا الأسديّ على قومه من استقبالهم هذا البعير الأعور فحقّق محذوره وهزموا وقتل منهم.
والفعل الناصب الأعور وذا ناب أتستقبلون، وكأنّ ذلك في الحال المشاهدة.
قال سيبويه: (ومثل ذلك: قول الشاعر:
стр. 730
أفي السّلم أعيارا جفاء وغلظة ... وفي الحرب أشباه النّساء العوارك) (١)
هجاهم بما شاهدهم عليه من التنقّل والتلون بكونهم في حال السّلم مثل الحمير من جفوتهم وغلظتهم على الأهل، وفي الحرب مثل النساء الحيّض من اللّين والانقباض توبيخا لهم، لأنهم في الحالين على طريق الذم.
(وقال آخر:
أفي الولائم أولادا لواحدة ... وفي العيادة أولادا لعلّات) (٢)
وهذا أيضا ذمّ لهم مشبّه بالأول، لأنه وصفهم بالنّهم والتواصل من أجل الطعام، فإذا كانوا في الولائم كانوا متآلفين كأنهم إخوة بنو أمّ واحدة، وفي قضاء حقوق بعضهم لبعض متقاطعين متهاجرين، كأنهم أولاد علات.
(وأمّا قول جرير:
أعبدا حلّ في شعبي غريبا ... ألؤما لا أبا لك واغترابا (٣)
فيكون نصب عبدا على وجهين: على النداء، وعلى أنّه في حال افتخار واجتراء قد شاهده عليه، فقال: أعبدا، أي: اتفتخر عبدا، كما قال: أتميميا.
فإن أخبرت في هذا الباب على هذا الحد نصبت أيضا كما نصبت في حال الخبر في الاسم الذي أخذ من الفعل، وذلك قولك: أتميميّا قد علم الله مرّة وقيسيّا أخرى؛ فلم يرد أن يخبر القوم بأمر قد جهلوه؛ ولكنه أراد أن يشتمه بذلك، وصار بدلا من اللفظ بقولهم: اتتتمّم مرّة وتتقيّس أخرى!.
وأتمضون وقد استقبلكم هذا، أتنقلون وتلوّنون، فصار هذا هكذا؛ كما كان تربا وجندلا بدلا من الفعل، وقد مثّل هذا الفعل الذي جعل هذا بدلا منه).
وكان في نسخة أبي بكر محمّد بن عليّ مبرمان (٤) بدلا من تربت وجندلت وفي
стр. 731
غيرها: تربت وجندلت على ما لم يسمّ فاعله.
قال سيبويه: " (ولو مثّلت ما نصبت عليه الأعيار).
يعني في البيت الذي مضى: أفي السّلم أعيارا، وأعور في قوله يعني: أعور وذا ناب لتدلّ على النصب في البدل (لقلت: أتعيّرون وأتعوّرون إذا أوضحت معناها لأنك إنما تجريه مجرى ماله فعل من لفظه، وقد يجرى مجرى الفعل ويعمل عمله).
قال أبو سعيد: يعني أنّهم لمّا جعلوا في السّلم أعيارا، وأعور وذا ناب مجرى قولهم: أقائما وقد قعد النّاس، والأعيار والأعور ليس بمأخوذ من فعل يجري عليه، وقائما مأخوذ من فعل، وقد أضمر ناصبه على لفظ الفعل الذي أخذ منه، كان الأحسن في الأعيار والأعور أن يقدر فعل من لفظه، وإن كان لا يستعمل؛ إذ قد يجري مثله في الكلام على طريق التشبيه. ألا ترى أنّا نقول: قد ترجّلت المرأة، إذا تشبّهت بالرجال؛ فهذا التقدير أحسن في مثل هذا.
قال: (وأما قوله بَلى قادِرِينَ (١). كأنه قال: بلى نجمعها قادرين).
وإنّما قدّرها سيبويه بنجمعها لقوله تعالى قبله أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ * بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٢). وتسوية بنانه أن يضمّ بعضها إلى بعض ولا تكون متفرقة، والبنان: الأصابع.
وذكر الفرّاء هذا المعنى، وقدّم قبله معنى آخر فيه وفي نظائره، وهو أن ينصبه بإضمار الفعل المذكور قبله وهو يحسب؛ كأنه قال: أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى فليحسبنا قادرين.
ومثله من الكلام: أتحسب أن لن أزورك، بلى سريعا إن شاء الله، كأنّه قال: بلى فاحسبني زائرك، وقال قوم من النحويين: إنّ " قادرين " ينتصب لوقوعه موقع نقدر لأنّ معناه بلى نقدر على أن نسوي بنانه، وهذا باطل، لأنّه ليس من نواصب الاسم وقوعه مواقع الفعل. ألا ترى أنّك تقول: أتقوم يا زيد، فإذا رددته إلى الاسم قلت: أقائم أنت يا زيد.
стр. 732
قال: (وأما قوله، وهو الفرزدق:
ألم ترني عاهدت ربّي وأنّني ... لبين رتاج قائما ومقام
على حلفة لا أشتم الدّهر مسلما ... ولا خارجا من فيّ زور كلام) (١)
قال سيبويه: (أراد ولا تخرج فيّ ما استقبل كأنّه قال: ولا تخرج خروجا. ألا تراه ذكر عاهدت في البيت الذي قبله).
قال: (ولو حملته على أنّه نفى شيئا هو فيه ولم يرد أن يحمل على عاهدت لجاز، وإلى هذا الوجه كان يذهب عيسى بن عمر فيما نرى؛ لأنه لم يكن يحمله على عاهدت).
قال أبو سعيد: فسّر أبو العباس وأبو إسحاق الزجاج في هذين البيتين قول سيبويه وقول عيسى بن عمر:
فإما قول سيبويه فإنه جعل لا أشتم جواب يمين إمّا أن يكون جواب حلفة كأنه قال: عاهدت ربي على أن أقسمت، وعلى أن حلفت لا أشتم الدّهر مسلما، أو يكون عاهدت بمعنى: أقسمت، كأنّه قال: ألم ترني أقسمت.
ويكون خارجا في معنى ويكون التقدير: ولا يخرج خروجا عطفا على أشتم، وجعل خارجا في معنى خروجا.
قال أبو العبّاس: ومثله: قم قائما، أي: قم قياما، ومثله من المصادر: العاقبة والعافية، فهو على لفظ فاعل.
وفسّرا قول عيسى إنّ خارجا حال، وإذا كان حالا فهو عطف على ما قبله، وإذا كان كذلك وجب أن يجعل الفعل في موضع الحال؛ فكأنه قال: لا شاتما مسلما ولا خارجا من فيّ زور كلام، والفعل المستقبل يكون في موضع الحال كقولك: جاءني زيد يضحك، أي: ضاحكا.
وجعلا العامل في الحال على مذهب عيسى بن عمر عاهدت؛ كأنه قال: عاهدت ربي لا شاتما الدهر مسلما، فالمعنى: موجبا على نفسي ذلك ومقدّرا ألا أفعله، فهذا معنى
стр. 733
تفسير أبي العباس وأبي إسحاق الزجاج.
وكلام سيبويه الذي حكاه عن عيسى يخالفه لأنّه قال- يعني عيسى بن عمر-:
لم يكن يحمله على عاهدت.
ومعنى قول سيبويه لو حملته على أنّه نفى شيئا هو فيه، أي: نفي الحال وهو قوله:
لا أشتم، ولا خارجا، فإذا لم يكن العامل في الحال " عاهدت " على ما حكاه سيبويه عن عيسى كان نصبه على أحد وجهين:
إما أن يكون المفعول الثاني من ترني كأنه قال: ألم ترني لا شاتما مسلما ولا خارجا من فيّ زور كلام، فهذا وجه ذكره أبو بكر مبرمان.
قال أبو سعيد: ما يعجبني هذا؛ لأنّ " عاهدت " في موضع المفعول الثاني فقد تمّ المفعولان بعاهدت.
وأجود منه أن يكون على حلفة؛ كأنّه قال: على أن حلفت لا شاتما ولا خارجا، والمصدر وهو " حلفة " يعمل عمل الفعل.
وكان الفرّاء يذهب مذهب عيسى بن عمر وينصب خارجا على الحال، ويجعل لا أشتم في موضع نصب؛ كأنه قال: لا شاتما مسلما و " لا خارجا " عطف عليه.
وبعض النحويين ينصب خارجا لوقوعه موقع يخرج على ما تقدّم، وقد ذكرنا الحجّة.
وإذا قلت ما أنت قائم ولا قاعد، وأنت تميميّ مرة وقيسيّ أخرى، وإني عائذ بالله ارتفع.
قال أبو سعيد: مذهب سيبويه- ولا أعلم له مخالفا- أنك إذا قلت: ما زيد إلا سائر أو قائم أو قاعد لم يجز فيه غير الرّفع، ولو كان بدل سائر وقائم مصدر لجاز النصب، كقولك: ما أنت إلا سيرا، وما أنت إلا قياما؛ لأنّ السير والقيام يدلان على يسير ويقوم.
ولقد تأوّل بعض المتقدمين في النحو على مذهب الكوفيين ممن أدركته رواية رويت عن عليّ بن أبي طالب- ﵇ فيما رواه هو في قوله تعالى وَنَحْنُ عُصْبَةٌ (١).
стр. 734
بنصب عصبة، وزعم أنّ عصبة تنتصب كما تقول العرب: إنّما العامريّ عمته؛ فجعل عصبة بمنزلة المصدر.
ورددت أنا ذلك فقلت: إنما يجوز هذا في المصادر دون الأسماء لأنك تقول: أنت سيرا، ولا تقول: أنت سائرا، ولا
خلاف في ذلك، وعصبة هي اسم لا مصدر، والتأوّل على الرواية غير صحيح؛ لأنّ الذي في أصل النسخة، ونحن عصبة، ولم يقل نصب أيش، وقد تكلمت على هذا في غير هذا الموضع.
قال سيبويه: " (ولو قال: هو أعور وذو ناب لرفع ...).
وكذلك إذا قلت: أنت تميميّ مرّة وقيسيّ أخرى، وإني عائذ بالله، ليس في ذلك غير الرّفع؛ لأنه قدّم الاسم، وجاء بعده بخبر هو هو، فلم يجز غير الابتداء والخبر، وإنما يجوز النصب إذا قال: أتميميّا بغير أنت، وقال عائذا بغير إني، أو قال: أعور وذا ناب بغير هو فتفهّم ذلك إن شاء الله، وكذلك لو أضمرت أنت والاسم الذي يكون المذكور هو هو لرفع وكان بمنزلة المظهر.
هذا باب ما يجري من المصادر مثّنى منتصبا على إضمار الفعل المتروك إظهاره
(وذلك قولك: حنانيك؛ كأنه قال: تحنّنا بعد تحنّن، ولكنّهم حذفوا الفعل؛ لأنه صار بدلا منه. ولا يكون هذا مثنّى إلا في حال إضافة، كما لم يكن سبحان الله، ومعاذ الله إلا مضافا؛ فحنانيك لا يتصرّف كما لم يتصرف سبحان وما أشبهه، قال الشاعر، وهو طرفة:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض (١)
وزعم الخليل أنّ معنى التثنية أنّه أراد تحنّنا بعد تحنّن؛ كأنّه قال: كلما كنت في رحمة وخير منك فلا ينقطعنّ ذلك وليكن موصولا بآخر من رحمتك.
ومثل ذلك: قولك: لبيك وسعديك، وسمعنا من العرب من يقول:
سبحان الله وحنانيه، كأنّه قال: سبحان الله واسترحاما كما قال: سبحان الله
стр. 735
وريحانه، يريد: واسترزاقه.
وأمّا لبيك وسعديك فانتصب كانتصاب سبحان الله، وهو أيضا بمنزلة قولك:
أمرت سمعا وطاعة، إلا أنّ لبيّك لا يتصرّف كما أنّ سبحان الله، وعمرك الله، وقعدك الله لا يتصرف).
قال أبو سعيد: اعلم أنّ التثنية في هذا الباب الغرض فيها التكثير، وأنّه شيء يعود مرة بعد أخرى ولا يراد بها اثنان
فقط من المعنى الذي يذكر.
فالدليل على التكثير بلفظ التثنية أنك تقول: ادخلوا الأوّل فالأول؛ فإنما غرضك أن يدخل كلّ وجئت بالأوّل فالأوّل حتّى تعلم أنه شيء بعد شيء.
وتقول: جاءني رجلا رجلا على هذا المعنى ولا تحتاج إلى تكريره أكثر من مرّة واحدة فتعلم به أنه شيء لا يقتصر به على الأول، وأنّ ذلك المعنى يعود بعد الأوّل ويكثر فتكتفي بذلك اللّفظ، وهذا المثنى كله غير متصرّف، ومعنى قولنا غير متصرّف أن لا يكون إلا مصدرا منصوبا أو اسما في موضع الحال كما يكون المصدر في موضع الحال، وإنّما لم يتمكّن إذا ثنّيت لأنه دخله بالتثنية لفظا معنى التكثير لا معنى التثنية، ودخل هذا اللفظ لهذا المعنى في موضع المصدر فقط، قال: فلم يتصرّفوا فيه، وبعضه يوحّد فيتصرّف كما قال الله تعالى في توحيده وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا (١) وقال الشاعر:
فقالت حنان ما أتى بك ههنا ... أذو نسب أم أنت بالحيّ عارف (٢)
فرفع لمّا أفرد لأنّه لم يدخله معنى غير الذي يوجبه اللّفظ وهو أصل الاسم الموضوع.
ولبيك وسعديك تثنية ولا يفرد واحد منهما لما ذكرته لك من معنى التكثير، ولبيك مأخوذ من قولنا ألبّ بالمكان إذا أقام به، وألبّ على كذا وكذا إذا أقام عليه ولم يفارقه.
قال سيبويه: (حدّثنا أبو الخطّاب أنّه يقال للرجل المداوم على الشيء لا يقلع عنه ولا يفارقه قد ألبّ على كذا وكذا).
стр. 736
وسعديك مأخوذ من المساعدة والمتابعة، فإذا قال الإنسان لبّيك وسعديك فكأنه قال: دواما على طاعتك وإقامة عليها مرّة بعد مرة وكذلك سعديك، أي: مساعدة لك بعد مساعدة، ومتابعة بعد متابعة، وإنما يعبّر عن هذه الأشياء باللفظ الذي يقرب معناه منه فيمثّل به ويطلب له الاشتقاق وما يقدّر فيه من الفعل لو أتى به آت لم يحسن ولم يك واقعا ذلك الموقع كما وقع سقيا مكان سقاك الله، ورعيا مكان رعاك الله؛ فهذا الذي أحوج سيبويه وغيره إلى تطلّب التّقديرات المقرّبة للمعنى وليوقف على وجه النصب؛ فقال سيبويه مرّة: (كأنه إذا قال الرجل للرّجل: يا فلان، فقال: لبيك وسعديك، فقد قال: قربا منك ومتابعة لك، فهذا تمثيل، وإن كان لا يستعمل في الكلام كما كان براءة الله تمثيل سبحان الله وإن لم يستعمل ذلك استعمال سبحان الله).
وقال مرّة: (وكذلك إذا قال: لبّيك وسعديك يعني بذلك الله تعالى، فكأنه قال:
لا أنأى عنك يا ربّ في شيء تأمرني به، فإذا فعل ذلك فقد تقرّب إلى الله بهواه).
يعني بإرادته وقصده.
(وأما قوله وسعديك فكأنّه يقول: أنا متابع أمرك وأولياءك غير مخالف، فإذا فعل ذلك فقد تابع وطاوع، وإنّما حملنا على تفسير معنى لبيك وسعديك لنوضح به وجه نصبهما لأنّهما ليسا بمنزلة سقيا وحمدا وما أشبه ذلك.
ألا ترى أنّك تقول للسائل في تفسير سقيا وحمدا إنما هو سقاك الله سقيا وأحمد الله حمدا، فحمدا بدل من أحمد، وسقيا بدل من سقاه الله، ولا تستطيع أن تقول: ألبّك لبّا، ولا أسعدك سعدا.
ولا تقول: سعد بدل من أسعد، ولا لبّ من ألبّ، فلمّا لم يكن ذلك التمييز له شيء من غير لفظه معناه كبراءة حين ذكرتها لتبيّن معنى سبحان الله، والتمست للبّيك وسعديك غير اللّفظ الذي اشتقّا منه إذ لم يكونا فيه بمنزلة الحمد والسقي في فعليهما، ولا يتصرفان تصرّفهما، ومعناهما: القرب والمتابعة فمثّلت بهما النصب في سعديك ولبيك كما مثّلت النصب في سبحان الله ببراءة الله).
وممّا يقوّي إفراد حنان أنّ الفعل في حنان قد يستعمل فيقال: تحنّن أي: ارحم، قال الشاعر:
стр. 737
تحنّن عليّ هداك المليك ... فإنّ لكلّ مقام مقالا (١)
فهذا مما تلحقه بباب (الحمد لله) وجواز التّصرّف فيه والرفع.
ومما يجري مصدرا مثنّى: حذاريك كأنه قال: حذرا بعد حذر ولا يستعمل حذرا مفردا، ولا يرفع حذاريك؛ لأنّه صيغت هذه البنية لتوضع غير متمكّنة كحنانيك ولبيك وسعديك فلم تستعمل إلا مصدرا منصوبا، ومن ذلك دواليك، وقال عبد بني الحسحاس:
إذا شقّ برد شقّ بالبرد مثله ... دواليك حتّى ليس للبرد لابس (٢)
وهذا من فعل العرب في الجاهلية إذا أراد رجل أن يعقد مودّة مع امرأة شق كلّ واحد منهما ثوب الآخر ليؤكد المودّة.
ودواليك: مأخوذ من المداولة من شقّ كلّ واحد منهما ثوب الآخر وهو في موضع الحال، كأنّه قال متداولين متعاقبين للفعل الذي فعلاه.
ومن التثنية: هذاذيك، مأخوذ من هذّه يهذّه هذّا، ومعناه: السّرعة في القراءة، وفي الضرب، قال الراجز:
ضربا هذاذيك وطعنا وخضا (٣)
كأنه يقول: هذّا عد هذّ من كلّ وجه، ومثل ذلك قولهم: حواليك بمعنى: حولك، يقال: حولك وحوالك، وقد يقال: حواليك وحوليك إنما يريدون الإحاطة من كل وجه.
ويقسّمون الجهات التي تحيط به إلى جهتين كما يقال: أحاطوا به من جانبيه، ولا يراد أنّ جانبا من جوانبه قد خلا، وأنشد سيبويه قول الراجز:
أهدموا بيتك لا أبا لكا ... وزعموا أنّك لا أخا لكا
وأنا أمشي الدّألى حوالكا (٤)
فوحّد حوالك:
стр. 738
وزعم الجرميّ (١) عن أبي عبيدة أنّ هذا قول العرب، يعني هذه الأبيات تحكيها العرب عن الضّبّ أنه قال للحسل وهو ولده حيث كانت الأشياء تتكلم، وهذا من قول الحشو منهم أو على وجه التمثيل أو ضرب المثل، كما يحكى عن الفرس وغيرهم أشياء عن ألسنة الطير والسباع والوحش، وقد أحاط علم الحاكي أن ذلك على وجه الأمثال والتحرّز من مثل ذلك المعنى على نحو ما أراده المتمثّل.
وأنشد غير سيبويه في تثنية حوال قول كعب بن زهير:
يسعى الوشاة حواليها وقولهم ... إنّك يا ابن أبي سلمى لمقتول (٢)
وفي تثنية حول قول آخر:
يا إبلي ما ذامه فتأبيه ... ماء رواء ونصيّ حوليه (٣)
وقال امرؤ القيس في جمع حول:
فقالت سباك الله إنّك فاضحي ... ألست ترى السّمّار والناس أحوالي (٤)
وزعم يونس أنّ لبيك اسم واحد غير مثنى، وأنّ الياء التي فيه كالياء التي في عليك ولديك، وكان الخليل وسيبويه
يخالفانه.
وأنشد سيبويه:
دعوت لما نابني مسورا ... فلبّى فلبّى يدي مسور (٥)
فجعل لبّى يدي بالياء في لبّى كالياء في يدي مسور وهى تثنية يد والياء في قولك رأيت ثوبي زيد وهذا روايته، وإنشاده عن العرب بهذا اللفظ فلو كان بمنزلة قولك:
عليك ولديك ثم أضيف إلى ظاهر لكان بالألف. ألا ترى أنّك تقول: على زيد مال، ولدى زيد خير، فلا يكون إلا بالألف في اللفظ.
стр. 739
وكأن يونس قدّر أنه لو أضيف إلى اسم ظاهر لكان يقال: لبّى زيد كما تقول لدى زيد، وما حكاه سيبويه عن العرب أولى.
قال: وبعض العرب يقول: لبّ لبّ، وفي نسخة أبي بكر مبرمان تقول: لبّ مرّة واحدة فيجره يعني فيكسره، يجريه مجرى أمس وغاق يعني أنّه تثنية، ويجعله صوتا معرفة مثل غاق وما أشبه ذلك؛ كأنّه يحكي أصوات الملبّين.
وقد ذكرت أنّ سيبويه فصل بين الناصب لهذه الأشياء التي ذكرها مما لا يتمكّن ولا يستعمل فيها الفعل وليست بمصادر معروفة وبين سقيا ورعيا وما جرى مجراه ومثلت ذلك.
ومما يجري مجراه قوله: أفّة وتفّة، إذا سئلت عنهما مثّلتهما بقولك أنتنا لقرب معناها منه وليس من (أفّة وتفّة) فعل، وإنما تردّه إلى انتنا لأنه مصدر معروف.
وكذلك تمثيلك بهرا بنتنا، ودفرا بنتنا، لأنّه لا يستعمل من " دفرا " فعل، فجئت بمصدر فعل مستعمل وهو قولك: نتن نتنا، هذا قول سيبويه في بهرا ولم يزد على أن مثّله ب " نتنا ".
ويقال في الكلام: بهرني الشيء إذا غلبني، كما تقول: بهر القمر الكواكب أي:
غطّاها وأذهب ضوءها، وأنشدوا:
حتّى بهرت فما تخفى على أحد ... إلا على أحد لا يعرف القمر (١)
يقال: بهرا في معنى عجبا، وفسّر بيت عمر بن أبي ربيعة على ذلك، وهو:
ثم قالوا تحبّها قلت بهرا ... عدد القطر والحصى والتّراب (٢)
ويقال: بهر فلان فلانا إذا دعا عليه بسوء، ولم أر أحدا فسّر ذلك المدعوّ به إلا سيبويه في قوله: نتنا، وقال ابن ميّادة:
تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي ... بجارية بهرا لها بعدها بهرا (٣)
فإن قال قائل: ذكرتم أنّ: سبحان، وأفّة، وتفّة، ولبّيك، ليس لها أفعال مستعملة
стр. 740
تنصبها، والعرب تقول: سبّح، ولبّى، وأفّف.
قيل له: أمّا قولهم: سبّح، ولبّى، وأفّف، معناه: قال: سبحان الله، ولبّيك، وأفّة فبنيت هذه الأفعال من هذه الألفاظ بعد استعمالها، كما يقال: دعدع الرجل بغنمه إذا قال لها: داع داع، وهو تصويت بها كما قال:
فانعق ودعدعا بالبهائم (١)
كقوله: بأبأ الرجل بفلان، إذا قال له: بأبي أنت، قال الراجز:
وأن تبأبآن وأن تفدّين (٢)
وقولهم: هلّل الرجل إذا قال: لا إله إلا الله، وحوقل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وبسمل إذا قال: بسم الله، وقد علمنا أنّ لا إله إلا الله ليس بفعل ولا بمصدر لفعل، وإن كنا نأخذ منه فعلا، وكذلك سائر ما ذكرناه فاعرفه إن شاء الله.
هذا باب ما ينتصب فيه المصدر المشبّه به على إضمار الفعل المتروك إظهاره
(وذلك قولك: مررت به فإذا له صوت صوت حمار، ومررت به فإذا له صراخ صراخ الثكلى، قال النابغة الذبيانّي:
مقذوفة بدخيس النّحض بازلها ... له صريف صريف القعو بالمسد (٣)
وقال آخر:
لها بعد إسناد الكليم وهدئه ... ورنّة من يبكي إذا كان باكيا
هدير هدير الثور ينفض رأسه ... يذبّ بروقيه الكلاب الضّواريا) (٤)
يصف طعنة لها خرير مما يجري من دمها؛ فقال: لها بعد إسناد الكليم، وهدئه هدو فيه أو هو المطعون، وإسناده أن يسند، وهدؤه وهديه: هدوءه وبكاء من يبكي عليه هدير