← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17726

شرح كتاب سيبويه للسيرافي

السيرافي، أبو سعيد

Полный текст (2 488 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وإذا خرج قلت: مصاحب معان، ومثله: مبرور مأجور، فإذا رفعت هذه الأشياء فالذي في نفسك ما أظهرت، وإذا نصبتها فالذي في نفسك غير ما أظهرت. يعني: أنك إذا رفعت فالذي أضمرت مبتدأ، والذي ظهر هو خبره، والمبتدأ هو الخبر. وإذا نصبت فالذي أضمرت فعلا، والفعل غير الاسم؛ لأنك إذا قلت: مصاحبا معانا فتقديره: اذهب مصاحبا معانا. قال: (ومن ذلك أن ترى رجلا قد أوقع أمرا أو تعرّض له فتقول: " متعرضا لعنن لم يعنه ") كأنه قال: فعل هذا متعرضا، والعنن: ما عنّ لك، أي عرض لك، أي دخل في شيء لا يعنيه ولا ينبغي له التشاغل به. (ومثله: " مواعيد عرقوب أخاه بيثرب " (١) كأنه قال وعدتني مواعيد عرقوب) وهو رجل وعد وعدا فأخلف وله قصة طويلة. وقال أبو عبيدة: (٢) " مواعيد عرقوب أخاه بيثرب " لأنّ عرقوبا رجل من العماليق، وكانوا بالبعد من يثرب، ويثرب بالثاء وفتح الراء: موضع عندهم. قال: (ومن العرب من يقول: " متعرّض " على معنى: هو متعرض، ومثله " غضب الخيل على اللّجم "، وذلك إذا رأيت رجلا غضب غضبا لا يضير، أي غضبت كغضب الخيل على اللّجم). قال: (ومن العرب من يرفع فيقول غضب الخيل على اللّجم كما رفع بعضهم " الظباء على البقر ") إذا قال غضب الخيل على اللّجم. فإذا قال الظباء على البقر فتقديره: الظباء متروكة على البقر، وإذا نصب فقال: " الظباء على البقر " فكأنّه قال: اترك الظباء على البقر، وإنما يعني بقر الوحش لأنها ترعى مع الظباء في موضع، وبعضها أولى ببعض قال:

стр. 667

ولقد ذعرت بنات عم ... م المرشقات لها بصابص (١) أراد البقر وجعلها بنات عمّ الظباء وهي المرشقات، وإنما يقول القائل هذا إذا نهى صاحبه عن الدخول بين أقوام بعضهم أولى ببعض. هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره استغناء عنه (سأمثله لك مظهرا لتعلم ما أرادوا إن شاء الله تعالى). قال أبو سعيد ﵀: قد تقدم من كلام سيبويه أن ما ينتصب بالفعل على ثلاثة أضرب: ضرب منها: لا يجوز إضمار الفعل الناصب له. وضرب منها: يجوز إضماره ويحسن إظهاره. وضرب: يضمر ويترك إظهاره. وهذا الباب ترجمته لأبواب تأتي بعده مفصلة إن شاء الله تعالى. هذا باب ما جرى على الأمر والتحذير (وذلك قولك: إذا كنت تحذّر: إيّاك، كأنك قلت: إياك نحّ وإياك باعد، ومثله أن تقول: نفسك يا فلان، أي اتق نفسك). هذا الذي ذكره سيبويه من إضمار الفعل صحيح، وبعض النحويين يأباه، ويزعم أنه لا مضمر ينصبه، وكذلك يزعم في قولنا: خلفك زيد، أنّ خلفك ينتصب لا بإضمار فعل ولكن بمخالفته ما بعده. وهذا كلام فاسد، لأنّ المنصوب لا بد له من ناصب مضمرا كان أو مظهرا، وليست مخالفة أحدهما للآخر بموجبة نصبا من قبل أن كلّ واحد منهما قد خالف صاحبه؛ فلو كانت المخالفة توجب النصب انتصبا جميعا؛ لأن كلّ واحد منهما قد خالف الآخر، ففي كل واحد منهما مخالفة توجب له النصب، فعلم أن المخالفة لا تنصب. وهذا الفعل الناصب لإيّاك لا يحسن إظهاره، وذلك أن العرب اكتفت بإياك وكان موضعها غير مشكل.

стр. 668

قال: (ومن ذلك قولك: إيّاك والأسد، وإياك والشرّ). وأما قوله: إيّاك والأسد فإنه يضمر فعلا ينصب به إياك، كما قدّمنا، ويعطف الأسد على إياك كأنه قال: زيدا فاضرب وعمرا. فإن قال قائل: إذا جعلت الأسد عطفا على إياك بالواو فقد شاركه في معناه. لأن المعطوف بالواو يشارك المعطوف عليه. ألا ترى أنّك تقول: ضربت زيدا وعمرا؛ فالضرب واقع عليهما جميعا، فينبغي أن يكون الأسد مشاركا لإياك؛ فيكون الأسد مشاركا مخوفا كما كان المخاطب، أو يكون المخاطب محذورا مخوفا كما أن الأسد محذور مخوف. قيل له: لا يستنكر أن يكون التخويف واقعا بهما وإن كان طريق التخويف مختلفا؛ ألا ترى أنك تقول: خوّفت زيدا الأسد؛ فزيد مخوّف والأسد مخوّف وليس معناهما واحدا إلّا أن الأسد مخوّف منه وزيد مخوّف، على معنى أنه يجب أن يحذر منه، ولفظ خوّفت قد تناولهما جميعا، وكذلك إياك والأسد المعنى الناصب لهما معنى واحد وإن كان طريق التخويف مختلفا فيهما. وأمّا إياك والشر فليس يخاطب نفسه ولا يأمرها، وإنما يخاطب رجلا يقول له: إيّاك باعد عن الشرّ فينتصب إيّاك بباعد وما أشبهه، وتحذف حرف الجر من الشرّ وتوقع الفعل المقدّر عليه فيعطفه على الأوّل لأنّ الفعل قد وقع على الأول. ومثله: إياي وأن يحذف أحدكم الأرنب، يعني: يرميه بسيف أو ما أشبهه، وأن في موضع نصب كأنّه قال: إيّاي وحذف أحدكم. وزعم الزجّاج (١) أنّ معناه: " إيّاي وإيّاكم وأن يحذف أحدكم الأرنب " والذي قاله لا يحتاج إليه؛ لأن قوله وأن يحذف أحدكم قد دلّ على أنهم حذّروا من فعلهم أن يأتوه إلى المتكلم. (وزعم أن بعضهم يقال له: إياك، فيقول: إيّاي) كأنّه أعاد لفظ المتكلم لما قيل له منه واستجاب له، كأنّه قال: إياي احذر احفظ، وحذفهم الفعل الناصب لإيّاك لما كثر

стр. 669

استعمالهم له وصيروا لفظه نائبا عن المضمر كحذفهم " حينئذ الآن ". قولهم: حينئذ الآن كلام جرى للعرب محذوفا من حينئذ ومن الآن، ومعنى ذلك: أن ذاكرا ذكر شيئا فيما مضى يستدعي مثله في الحال فقال له المخاطب: حينئذ الآن معناه: كان هذا الذي ذكرت حينئذ في الوقت الذي ذكرت واسمع الآن غير ذلك أو نحوه من التقدير، ولا يستعملون الفعل الذي حذف، وكذلك لا يستعملون الفعل الناصب لإيّاك. قال: وإذا قلت: إياك والأسد فلا بدّ من الواو لأنه اسم مضموم إلى آخر. يعني معطوف عليه. فإن قال قائل: فقد تقول: إياك من الأسد وإيّاك من الشرّ فلم لا يجوز حذف حرف الجر وإيصال الفعل إلى الأسد وإلى الشرّ؟ فيقال: إيّاك الأسد وإياك الشرّ. قيل له: لأن حروف الجر لا تحذف إلّا في المواضع التي حذفتها العرب فيها، ألا ترى أنك تقول: أخذت من زيد درهما، ولا يجوز أخذت زيدا درهما، وتقول: اخترت من الرجال زيدا وتحذف " من " فتقول اخترت الرجال زيدا، لأن العرب قد استعملت ذلك، قال الله : وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا (١). وكان ابن أبي إسحاق يجيز حذف من فيقول: إياك الشرّ في الشعر وأنشد: فإيّاك إياك المراء فإنّه ... إلى الشّرّ دعّاء وللشّرّ جالب (٢) قال سيبويه: (المراء منصوب بفعل غير الفعل الذي نصب إياك، كأنه لما قال: إياك اكتفى ثم أضمر فعلا آخر نصب به المراء كأنه قال: اتق المراء، وإذا قال: إياك وأن تكلم زيدا جاز أن تقول: إياك أن تكلم زيدا بغير واو ولا حرف جر، وإنّما جاز هذا في " أنّ " لأنّ " أن " الخفيفة والمشددة إذا اتصلت بهما حروف الجر جاز حذفها كقولك: أنا راغب في أن ألقاك وحريص على أن أحسن إليك، ولو قلت: أنا راغب أن ألقاك وحريص أن أحسن إليك جاز، ولو جعلت مكان أن المصدر فقلت أنا راغب في لقائك حريص على الإحسان إليك لم يجز حذف حرف الجر، لا يجوز: أنا راغب

стр. 670

لقاءك وحريص الإحسان إليك، وإنما لم يجز في المصدر المحض ما جاز في " أن " لأن " أن "؛ وما بعدها من الفعل وما يتعلق بالفعل من فاعل أو مفعول بمعنى المصدر وطال فجوزوا حذف حرف الجر منها لطول الكلام. ومن ذلك قولهم: رأسه والحائط، كأنه قال: خلّ رأسه مع الحائط، وقولهم: شأنك والحجّ، كأنه قال: شأنك مع الحج، ومن ذلك امرأ ونفسه، كأنك قلت: دع امرءا مع نفسه، فصارت الواو في معنى مع كما صارت في معنى مع: في قوله ما صنعت وأخاك). لأنه إذا حذف " مع " وهي منصوبة قام ما بعد الواو مقامها في النصب. وقد ذكرنا نحو هذا في غير هذا الموضع. قال سيبويه: (وإن شئت لم يكن فيه ذلك المعنى وهو عربيّ جيد). يريد إن شئت لا تقدر " مع " وجعلت كل واحد منهما منصوبا بالفعل، وعطفت أحدهما على الآخر أدّى معنى " مع " وإن لم يكن مقدرا بلفظه، كأنه قال: عليك رأسك وعليك الحائط، وكأنه قال: دع امرأ ودع نفسه، وليس ينقض هذا ما أردت في معنى " مع " من الحديث، ومثل ذلك " أهلك والليل " كأنه قال بادر أهلك قبل الليل ". وتحقيق المعنى في ذلك أنه عطف الليل على الأهل وجعلهما مبادرين، ومعنى المبادرة: مسابقتك الشيء إلى الشيء كقولك: بادرت زيدا المنزل، كأني سابقته إليه، فكأن الليل والرجل المخاطب يتسابقان إلى أهل الرجل، فأمره الآمر أن يسابق الليل إليهم ليكون عندهم قبل الليل. وقال: (قال بعض العرب: " ماز رأسك والسيف " كما تقول: رأسك والحائط وهو يحذّره كأنه قال: اتق رأسك والحائط). وقولهم: " ماز رأسك والسيف " كثير من النحويين يقولون: إنه أراد ترخيم مازن فلم يكن اسم الرجل الذي خوطب بهذا مازنا، ولكنه كان من بني مازن بن العنبر بن عمرو بن تميم وكان اسمه كدلما أسر بجيرا القشيريّ، فجاءه قعنب اليربوعيّ ليقتله، فمنع المازني منه، فقال للمازنيّ: ماز رأسك والسيف، وترخيمه على أحد وجهين: إمّا أن يكون سمّاه بمازن؛ إذ كان من مازن، وقد تفعل العرب مثل هذا في بعض المواضع، كقولهم: " الأشعرون " يريدون الأشعريون، جعلوا كل واحد منهما مسمّى بالأشعر الذي هو اسم جد، ثم ترخّمه على ذلك.

стр. 671

وإمّا أن يكون ترخيما بعد ترخيم؛ كأنه رخم مازنيا فصار مازنا، ثم رخّم مازنا فصار ماز، ونحوه مذكور في الترخيم. وتقديرهم: اتق رأسك والحائط على تقديرين في الانتصاب، ومعناه: اتق رأسك أن يدقه الحائط أو يكسره أو نحو ذلك، واتق الحائط أن يصيب رأسك بسوء، وإذا ثنّيت هذه الأشياء لم تذكر الفعل معها، ولو قلت: الليل الليل لم يحسن أن تقول بادر الليل الليل، وإذا قلت الليل منفردا حسن أن تقول: بادر الليل، وكذلك لو قال قائل: الله الله في أمري لم يحسن أن تقول: اتق الله الله في أمري. وإذا قال: الطريق الطريق، لم يحسن أن تقول: خلّ الطريق الطريق، وإذا قال: الطريق حسن أن تقول: خلّ الطريق؛ كما قال جرير: خلّ الطريق لمن يبني المنار به ... وابرز ببرزة حيث اضطرّك القدر (١) والاسمان المعطوف أحدهما على الآخر لا يذكر الفعل فيهما- أيضا- كقولك: رأسك والحائط و " امرأ ونفسه " ولو أفردت أحدهما حسن لو قلت: اتق رأسك، أو احفظ نفسك، واتق الجدار، كان جائزا حسنا وقبح في التكرير؛ لأنك لما كررت شبّه الأول من اللفظين بالفعل فأغنى عنه وصار بمنزلة " إياك " النائب عن الفعل، كما كانت المصادر كذلك، كقولهم: الحذر الحذر، والنجاء النجاء، وضربا ضربا، كأنهم جعلوا الأول بمنزلة الزم وعليك ونحوه من تقدير الفعل، ودخول فعل على فعل محال. قال سيبويه: (ومن ثم قال عمرو بن معدي كرب: أريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد (٢) وقال الكميت: نعاء جذاما غير موت ولا قتل ... ولكن فراقا للدّعائم والأصل (٣)

стр. 672

وكقول ذي الإصبع: عذير الحيّ من عدوا ... ن كانوا حيّة الأرض (١) ولا يظهر الفعل الذي نصب عذير، ولا الفعل الواقع على نعاء، لأن ذلك أقيم مقام الفعل، ودخول فعل على فعل محال). قال أبو سعيد: أنا أذكر أصل عذيرك وما يراد به لينكشف معناه والفعل الناصب له: تقول العرب: من يعذرني من فلان، ويفسّر على وجهين: أحدهما: من يعذرني في احتمالي إياه. والآخر: من يذكر لي عذرا فيما يأتيه وقوله: عذيرك من خليلك يخرّج على وجهين: أحدهما: من يعذرني في احتمالي إياه وإن لم يذكر لي عذره فيما يأتيه. والآخر: من يذكر عذره فيما أتاه أو نحوه من الألفاظ، واختلفوا في عذير؛ فقال بعضهم: هو بمنزلة عاذر يقال: عاذر وعذير كشاهد وشهيد، وقادر وقدير، وعالم وعليم. وضعّف المفضّل بن سلمة اللغوي (٢) هذا أن يكون بمعنى العذر مصدرا قال: " لأن المصادر على فعيل لا تأتي إلّا في الأصوات، نحو: الصرير والصهيل والصليل والزئير، وأجاز أن يكون مصدرا بمعنى العذر غير أنه اختار الأول، وسيبويه يقدر عذير تقدير عاذر، وقد أفصح به في غير هذا الموضع ". فإذا قال: عذيرك على معنى عاذرك كأنه قال: هات عاذرك أو أحضر عاذرك،

стр. 673

وكذلك أحضر عاذر الحيّ من عدوان، ونعاء في معنى أنع من النعي وهو اسم واقع موقع فعل مثل نزال وحذار، ولا يحسن ذكر الفعل معه. هذا باب ما يكون معطوفا في هذا الباب على الفاعل المضمر في النية (ويكون معطوفا على المفعول وما يكون صفة المرفوع المضمر في النية ويكون معطوفا على المفعول. وذلك قولك: إياك أنت نفسك أن تفعل، وإياك نفسك أن تفعل، فإن عنيت الفاعل المضمر في النية قلت: إياك أنت نفسك، كأنك قلت: إياك نحّ أنت نفسك، وحملته على الاسم المضمر في نحّ، فإن قلت: إياك نفسك تريد الاسم المضمر الفاعل فهو قبيح، وهو على قبحه رفع، ويدلك على قبحه أنك لو قلت: اذهب نفسك كان قبيحا حتى تقول أنت نفسك فمن ثمّ كان نصبا لأنك إذا وصفت بنفسك المضمر المنصوب بغير أنت كان حسنا تقول: رأيتك نفسك ولا تقول: انطلقت نفسك). قال أبو سعيد: قد تقدم في الباب الذي قبله أن قولنا: إياك وما جرى مجراه منصوب بفعل مضمر، وذلك الفعل فعل المخاطب، وله فيه ضمير مرفوع وهو فاعل ذلك الفعل وإياك ضميره- أيضا- وهو منصوب فصار بمنزلة قولك للمخاطب: إياك ضربت، وإياك نفعت، فما صلح أن يكون توكيدا للتاء الفاعلة صلح أن يكون توكيدا للضمير في الفعل المحذوف، وما صلح أن يكون عطفا على التاء صلح أن يكون عطفا على ذلك الضمير المقدر، وكذلك التوكيد المنصوب، فلما لم يحسن أن تقول: قمت نفسك، حتى تقول: قمت أنت نفسك، لم يصلح أن تقول: إياك نفسك فتجعل نفسك توكيدا حتى تقدم قبله أنت. ولو قلت: رأيتك نفسك، لحسن من غير توكيد، وكذلك لو قلت: إياك نفسك لحسن. وإنما لم يحسن في المرفوع ألا يتقدمه توكيد قبل النفس؛ لأن المرفوع يكون في النية بغير علامة، والمنصوب لا يكون إلا بعلامة، وقد يقع في المرفوع اللبس في بعض

стр. 674

الأحوال، وذلك أنك لو قلت: هند خرجت نفسها، فجعلت في خرجت ضميرها، ثم جعلت النفس توكيدا لضميرها في خرجت لجاز أن يتوهّم أن الفعل للنفس فيصير كقولك: هند خرجت جاريتها، فإذا قلت: خرجت هي نفسها، علم أنها توكيد، والعطف بهذه بمنزلة إذا قلت: إياك وزيدا والأسد، فهو مستحسن لأنك عطفت زيدا على المنصوب وهو: إياك ولو قلت: إياك وزيد لم يحسن حتى تقول: أنت وزيد، كما لم يحسن: اذهب وزيد، حتى تقول: اذهب أنت وزيد، وإن قلت: رأيتك، قلت: ذاك وزيدا بالنصب أحسن في زيد لأنك تعطفه على الكاف في: رأيتك، ولو رفعته لكنت عاطفا على تاء قلت، وهو ضمير مرفوع فلا يحسن، وأنشد سيبويه لجرير: وإيّاك أنت وعبد المسي ... ح أن تقربا قبلة المسجد (١) فنصب عبد المسيح بالعطف على إياك، وأنشده يونس منصوبا، ولو رفع كان حسنا أيضا؛ لأن أنت تجعل توكيدا للضمير المرفوع المقدر، فيحسن حينئذ العطف عليه، ولا يجوز أن تقول: إياك زيدا، لأن زيدا لا يخلو من أن تجعله عطفا على إياك، فلا يجوز حذف حرف العطف منه، كما لا يجوز أن تقول: رأيت زيدا عمرا، على معنى رأيت زيدا وعمرا، أو على معنى إياك من زيد، أي اتق نفسك من زيد، واحذر نفسك من زيد، فلا يجوز حذف حرف الجر في هذا الموضع، وكذلك لا تقول: رأسك الجدار، حتى تقول: من الجدار ولو جئت بأن، فقلت: إياك من أن تكلم زيدا، لجاز أن تقول: إياك أن تكلم زيدا، وذلك أن " أن " الخفيفة والمشددة يجوز طرح حروف الجر منها إذا كانت في صلة فعل؛ لأنها وما بعدها بمنزلة المصدر فطالت فحسن حذف حروف الجر لطولها تخفيفا، كما حسن في الذي حذف العائد مع الفعل، ولو جئت بالمصدر لم يحسن حذف حرف الجر، لا تقول: إياك ضرب زيد كما تقول: إياك أن تضرب زيدا، لأنه لم يطل كطول " أن " وأما قوله: إيّاك إيّاك المراء فإنّه ... إلى الشّرّ دعّاء وللشّرّ جالب (٢) فإن سيبويه ذهب إلى أن المراء منصوب بفعل غير الفعل المقدر لإياك، كأنه أضمر

стр. 675

بعد إياك: اتق المراء، وقد يجوز أن يكون حمل المراء على أنه تمادى في إسقاط حروف الجر. وقال الخليل (١) ﵀: لو أن رجلا قال: إياك نفسك لم أعنّفه لأن هذه الكاف مجرورة. قال سيبويه: (وحدّثني من لا أتهم عن الخليل أنه سمع أعرابيا يقول: " إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيّا الشوابّ "). قال أبو سعيد: اختلف الناس في إياك وإياه وإياي وتثنية ذلك وجمعه في تأنيثه وتذكيره، فقال الخليل ﵀: ولم يذكر سيبويه خلافا له أن إيا: اسم مضاف إلى ما بعده، وأن ما بعده في موضع خفض. وجماعة من النحويين يخالفون هذا، وقالوا: لا يجوز أن يكون إيا مضافا لأنه ضمير، والضمير لا يضاف، وما حكاه الخليل شاذ لا يعمل عليه ولا يعرف، وجعلوا الكاف في إياك وسائر ما يقع بعدها من الضمائر لا موضع لها مثل الكاف في ذاك وذاكما، والصحيح عندي ما قاله الخليل ﵀، وذلك إني رأيت ما يقع بعد أي من الضمير هو الضمير الذي كان يقع للمنصوب لو كان متصلا بالفعل؛ لأنك تقول: ضربتك، ثم تقول: إياك ضربت، وضربتكما، وإياكما ضربت وضربتكم، وإياكم ضربت، وضربتكن وإياكن ضربت، وضربته وإياه ضربت، وضربتهما وإياهما ضربت، وكان حق هذا الضمير أن يكون متصلا بفعل، فلما قدموه لما يستحقه المفعول به من التقديم والتأخير، أتوا ب " إيا " فتوصلوا بها إلى الضمير المتصل، وإيا: هو اسم ظاهر واتصال الأسماء بالأسماء يوجب للثاني منهما الخفض، وجعلوا إيا هو الذي يقع عليه الفعل، وقد رأيناهم فعلوا شبيها بهذا حيث قالوا: يا أيها الرجل، لأنهم أرادوا نداء الرجل، فلم يمكن نداؤه من أجل الألف واللام، فأتوا بأي فجعلوه وصلة إلى الألف واللام، وأوقفوا حرف النداء عليه وأعطوه حقه من لفظ المنادى، وجعلوا المقصود بالنداء نعتا له، كما قالوا: يا زيد العاقل، ولا أبعد أن يكون لفظ " إيا " هو فعلى من أي، وأخذ أحدهما من الآخر

стр. 676

لاشتراكهما في الوصلة. وما حكاه الخليل شاذ في الظاهر، لأن الظاهر في التقديم والتأخير على حال واحدة. فإن قال قائل فأنت تقول: إياي ضربت، ولا يجوز أن تقول: ضربتني، والفعل لا يقع على المتكلم من نفسه، ولو وقع عليه لكان: بنون وياء كقولك: ظننتني فلم يغير حكمه في إيا، وأنت تزعم أنها وصلة إلى اللفظ كما كان يتصل بالفعل. قيل له: لما توصلوا بإيا وصار في حكم الظاهر المضاف، وجعلوا ما بعد " إيا " في موضع خفض بطلت النون التي قبل الياء كما بطلت من عصاي وهداي، وصار تعدي الفعل إليه من نفسه كتعديه إلى النفس في قولك: نفس ضربت، فاعرفه إن شاء الله تعالى. ثم ذكر سيبويه أشياء من كلام العرب وأشعارها حذفوا فيها الفعل، فمن ذلك قول: العرب: " هذا ولا زعماتك " معناه: أن المخاطب كان يزعم زعمات، فلما ظهر خلاف قوله، قال: هذا الحق ولا زعماتك، ولا أتوهم ما زعمته، ومنه قول ذي الرمة: ديار ميّة إذ ميّ تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب (١) كأنه قال: اذكر ديار مية، ولكنه لا يذكر " اذكر " لكثرته في كلامهم، ولم يذكر: ولا أتوهم زعماتك لكثرة استعمالهم إياه، ولاستدلاله بما ينبئ من حاله ومن أنه ينهاه عن زعمه، وقد يدخل هذا المثل في أن يقال للإنسان إذا زعم شيئا في رأي يراه ومشورة يشير بها أن يقول هذا لرأي آخر أصح من ذاك " هذا ولا زعماتك "، أي: هذا حق صحيح دون ما زعمته. (ومن ذلك قول العرب: " كليهما وتمرا " (٢) وكثر هذا في كلامهم). وجرى مثلا، والتقدير: اعطني " كليهما وتمرا، كأن إنسانا خيّر آخر بين شيئين فطلبهما جميعا المخيّر وزيادة عليهما، فقال: أعطنيهما وتمرا، ومنهم من يرفع كليهما وينصب التمر فيقول: كلاهما وتمرا، كأنه قال: كلاهما لي ثابتان وزدني تمرا. ويقول بعضهم: " كل شيء ولا هذا، وكل شيء ولا شتيمة حر " أي: ائت كل

стр. 677

هذا، ومنهم من يقول: كل شيء ولا شتيمة حر؛ فيرفع الأول وينصب الثاني، كأنه قال: كل شيء أمم ولا تشتمنّ حرّا، أي: كل شيء قصد يحتمل: ولا تشتمنّ حرّا. وقد ذكر في هذا الباب أشياء فيها حذف لأنها أمثال، واعتمد على أنّ ترك الفعل فيها لأنها أمثال. فإن قال قائل: ما السبب الذي سوغ الحذف في الأمثال؟ قيل له: أصل الأمثال أن يتكلم الإنسان بحضرة قوم، وفي كلامه من الألفاظ ما يستطرفه بعضهم من الألفاظ فيعيد اللفظ المستطرف، فربما أعاد جملة الكلام، وربما كان على سبب لا يعيده ولا يذكره ولا يتم إلا بذلك السبب، ويقع فيه ضمير ليس في الكلام ما يعود إليه، لأنه المتمثّل استطرفه وتمثّله فلا حاجة به إلى ذكر ما حذف من الكلام لأن المتبقي هو المثل، فمن ذلك قول العرب: " كلاهما وتمرا "، أو " كليهما وتمرا "، وذلك في كلامهم أكثر من أن يحصى، ومما لم يذكره قولهم: " أسعد أم سعيد " (١)، وهو مبتدأ لم يذكر خبره، والمتمثل يذكره في غير سعد وسعيد في الشيء الذي يبدو ولا يدرى ما هو، فيقال: أسعد أم سعيد معناه: أخير أم شر، وكذلك قولهم: " لكن الأثلاث لحم لا يظلّل " (٢)، وقد علمنا أن لكن لا يبتدأ به ولكن ابتدأه قائل هذا على كلام يجري فترك ذكر الكلام، وكذلك " ثكل أرأمها ولدا " في المثل ضمير ليس فيه ما يعود إليه، ومن العرب من يقول: ديار مية وسائر ما يجيء من ذكر الديار في هذا الموضع، كأنه يقول: تلك ديار مية، وقال الشاعر: اعتاد قلبك من سلمى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطّلل ربع قواء أذاع المعصرات به ... وكلّ حيران سار ماؤه خضل (٣) كأنه أراد: ذاك ربع. قال أبو سعيد: ويجوز أن يكون جعل " ربع قواء " بدلا من الطلل، كأنه قال: أهواك ربع قواء، قال ومثله:

стр. 678

هل تعرف اليوم رسم الدار والطّللا ... كما عرفت بجفن الصّيقل الخللا دار لمروة إذ أهلي وأهلهم ... بالكانسيّة نرعى اللهو والغزلا (١) ويروى بالكامسية، كأنه قال: " تلك دار لمروة " وهو يقوّي التفسير في " ربع قواء " لأنه يحتمل البدل. (قال: فإذا رفعت فالذي في نفسك ما أظهرت، وإذا نصبت فالذي في نفسك غير ما أظهرت، يعني: أنك إذا رفعت فالذي حذفت هو الذي ظهر، لأن المحذوف مبتدأ وهذا خبره، والمبتدأ هو الخبر، وإذا نصبت فالذي أضمرت هو الفعل، وهو غير الاسم الظاهر). قال: (ومما ينتصب في هذا الباب على إضمار الفعل المتروك إظهاره: انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (٢) و " وراءك أوسع لك "، و " حسبك خيرا لك "، إذا كنت تأمره). قال أبو سعيد " انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ (٣). وما جرى مجراه فيه ثلاثة أقاويل للنحويين، ونظيره في القرآن: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ (٤). قال سيبويه: (إنما نصبت خيرا وأوسع لك، لأنك إذا قلت: انته، فأنت تريد أن تخرجه من أمر وتدخله في آخر). وقال الخليل: كأنك تحمله على ذلك المعنى، كأنك حين قلت: انته وادخل فيما هو خير لك فنصبته لأنك قد عرفت أنك إذا قلت: " انته " أنك تحمله على أمر آخر، فلذلك انتصب، وحذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه في الكلام، ولعلم المخاطب أنه محمول على أمر حين قال: انته، فصار بدلا من قوله: ائت خيرا. ويقوي قوله الخليل وسيبويه أنك إذا أمرته بالانتهاء، فإنما تأمره بترك شيء، وتارك الشيء آت ضده، فكأنه أمره أن يكفّ عن الشر والباطل ويأتي الخير.

стр. 679

وقال الكسائي: معناه انتهوا يكن الانتهاء خيرا لكم، فأنكره الفراء وقال قولا قريبا فيه وفي أمثاله، فقال في قوله تعالى: فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ. أنّ خيرا متصلا بالأمر، واستدل على ذلك أنّا نقول: اتق الله هو خير لك، تريد: الاتقاء خير لك، فإذا حذفنا " هو " الذي يرتفع به خير وصل الفعل إليه فنصبه. ويكشف قول الفراء أنا نقدر " خير " تقدير مصدر فعل الأمر الذي هو في الكلام، كأنه قال: انتهوا انتهاء خيرا لكم، وآمنوا إيمانا خيرا لكم، واتق الله اتقاء خيرا لك. قال: ولا يجوز أن تقول: " اتق الله محسنا " ونحن نريد أن: " اتق الله تكن محسنا "، ولا تقول: " انصرنا أخانا "، ونحن نريد: تكن أخانا، وهذا رد صحيح، وذكر أن هذا الحرف لم يأت إلا فيما كان على باب أفعل، نحو: خير لك. وأفعل وما أشبهه، وقول الخليل أقوى لأنه قد جاء هذا فيما ليس بمصدر، وهو قولهم: وراءك أوسع لك، وأوسع مكان. وأنشد سيبويه في نحو ذلك قول عمر بن أبي ربيعة: فواعديه سرحتي مالك ... أو الرّبا بينهما أسهلا (١) قدّر أنه: أراد: ائت أسهل، لأنه لما قال: واعديه، دلّ على أنها تقول: ائت مكان كذا وكذا. وأسهل على وجهين: أحدهما: مكانا سهلا ليس فيه رمل ليس بخشن، ونحو ذلك. والآخر: أن يكون أسهل مكانا يعنيه بين سرحتي مالك والربا. قال سيبويه: (فإنما ذكرت لك ذلك لأمثّل الأول به، لأنه قد كثر في كلامهم حتى صار بمنزلة المثل، فحذف كحذفهم: " ما رأيت كاليوم رجلا ").

стр. 680

قال أبو سعيد: يريد: أي ذكرت هذا المحذوف منه الفعل المذكور خيرا وهو من قولك: " هذا ولا زعماتك "، إلى الموضع الذي انتهينا إليه ليمثل باب إياك وما اتصل به، وقولهم: ما رأيت كاليوم رجلا، تقديره: ما رأيت كرجل أراه اليوم رجلا. قال: ومثل ذلك قول القطامي: فكرّت تبتغيه فصادفته ... على دمه ومصرعه السّباعا (١) ومثله أيضا: لن تراها ولو تأمّلت إلّا ... ولها في مفارق الرّأس طيبا (٢) وإنما نصب هذا لأنه حين قال: فصادفته، وقال: لن تراها فقد علم أنّ السباع والطّيب قد دخلا في الرؤية والمصادفة، وأنهما قد اشتملا على ما بعدهما في المعنى، ومثل ذلك قول عمرو بن قميئة: تذكّرت أرضا بها أهلها ... أخوالها فيها وأعمامها لمّا رأت ساتيدما استعبرت ... لله درّ- اليوم- من لامها (٣) وقال: إن الأخوال والأعمام قد دخلوا في التذكر، قال: ومثل ذلك فيما زعم الخليل: إذا تغنّى الحمام الورق هيّجني ... ولو تغرّبت عنها أمّ عمّار (٤) قال الخليل: لما قال: هيجني، عرف أنه قد كان تذكر لتذكره الحمام وتهيجه إياه،

стр. 681

فألقى ذلك الذي عرف منه على أم عمار، كأنه قال: هيجني فذكرني أم عمار). قال أبو سعيد ﵀: وقد ردّ بعض هذه الأبيات أبو العباس المبرد، وذكر في قوله: في مفارق الرأس طيبا، وإضمار رأيت إنما هو محمول على تراها. قال: فلما لم يتم الكلام لم يحمل على معناه، وكذلك قوله: فكرّت تبتغيه فصادفته لم يتم ما قصده لأنه أراد: فصادفته على حال ما. فتمام الكلام المقصود ذكر الحال، فلم يجز أن يحمل النصب على إضمار معنى اللفظ الأول. وقد ردّ هذا الزجاج وذكر أن القصد في قوله: فصادفته، إنما هو إلى الولد؛ لأن الوحشية طلبت ولدها، فصادفته وصادفت على دمه السباع، فلما كان المعنى يدل على هذا واحتاج الشاعر إلى إيقاع المصادفة على الولد المطلوب، أضمر للسباع الفعل الذي دل عليه أول الكلام، كأنه قال: فصادفته، صادفت السّباع على دمه ومصرعه، وقوله: " لن تراها ولو تأملت "، إنما يصفها بأن الطيب لا يفارقها، وقد علم ذلك من مقصده فجاز استغناؤه باللفظ الأول عن إعادة الفعل، فأضمر: إلا رأيت لها، وأنشد البيت الأول على ما يقع فيه خلاف، وهو: فكرّت تبتغيه فوافقته ... على دمه ومصرعه السّباعا وأما ما ذكره أبو العباس من عطف الشيء على المعنى بعد تمام الأول، فله مواضع تختلف. ألا ترى أن قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ (١). جمع على معنى (من)، ولم يتم الكلام، وكذلك: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً (٢). أتت على المعنى، وللكلام في هذا مواضع أخر. (ومن الباب قول الخليل، وهو قول أبي عمرو (٣):

стр. 682

ألا رجل إمّا زيدا وإمّا عمرا. لأنه حين قال: ألا رجل فهو متمن شيئا ليسأله ويريده، فكأنه قال: اللهم اجعله زيدا أو عمرا، وإن شاء أظهره فيه، ومثله: قد سالم الحيات منه القدما ... الأفعوان والشّجاع الشّجعما وذات قرنين ضموزا ضرزما) (١) قال أبو سعيد: ضموز: ساكنة، الضّرزم: المسنّة، وذلك أخبث الحيات، والأفعوان وما بعده حيات. والحيات الأولى مرفوعة، وإنما حمل الأفعوان على المعنى، وذلك أنه يصف رجلا بخشونة قدميه وصلابتهما، وأن الحيات لا يعملن فيهما وأنها قد سالمتها، وإذا سالمت الحيات القدم، فالقدم- أيضا- قد سالمت الحيات، فكأنه قال: سالمت القدم الأفعوان. وحكي عن الفراء أنه قال: القدما: بمعنى القدمان، وهي رفع وروى: " قد سالم الحيات- بكسر التاء- منه القدما ". (وحذف النون من القدمان، كما قال: هما خطتا إما إسار ومنّة) قال المفسر: ويروى: هما خطتا إما إسار ومنة وإذا روى كذلك فليس للفراء فيه حجة، لأنه قد أضاف خطتا إلى إسار ومنة، كأنه قال: هما خطّتا إسار ومنّة ... وإما دم والقتل بالحرّ أجدر (٢)

стр. 683

وأنشد سيبويه لأوس: تواهق رجلاها يداها ورأسه ... لها قتب خلف الحقيبة رادف (١) وكان وجه الكلام: تواهق رجلاها يديها. فحمله على المعنى لأنه إذا واهقت الرجلان اليدين، فقد واهقت اليدان الرجلين على مثل ما مر البيت الأول، وأنشد: ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط ممّا تطيح الطوائح (٢) رفع يزيد بما لم يسمّ فاعله، ثم جاء بالفاعل وهو ضارع، فرفعه؛ لأن الفعل الذي لم يسم فاعله يدل على أنّ له فاعلا، قال: ليبكه ضارع. ومن الناس من يروي: ليبك يزيد ضارع، فيجعل يزيد منصوبا، وضارع فاعل يبك على ما سمي فاعله، وذكر بعض أصحابنا أن الرواية هي الأولى وأن هذا تغيير النحويين. وقال: ومثل ليبك يزيد قراءة بعضهم وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ (٣). قال سيبويه: (رفع شركاؤهم على ما رفع عليه ضارع، كأنه قال: زينه شركاؤهم، وهي الشياطين الدعاة لهم إلى ذلك، وأنشد: وجدنا الصّالحين لهم جزاء ... وجنّات وعينا سلسبيلا (٤) لأن الوجدان مشتمل في المعنى على الجزاء. فحمل الآخر على المعنى، ولو نصب الجزاء كما نصب السباع لجاز). وإذا رفع الجزاء فهو مرفوع بالابتداء، ولهم: خبره، والجملة في موضع الحال من وجدنا.

стр. 684

ويحتمل أن يكون في موضع المفعول الثاني، ولكن كلام سيبويه وقوله: (ولأن الوجدان ...) دليل على أن وجدنا بمعنى أصبنا، وهو يتعدى إلى مفعول واحد، وقد دخل الجزاء وإن كان مبتدأ في معنى الوجدان، فأضمر وجدنا بعد ذلك، ونصب جنات لأنه في المعنى عطف على جزاء، كأنه قال: وجدنا لهم جنات، وإن نصبت جزاء فتقديره: وجدنا لهم جزاء وجنات، وقال الشاعر: أسقى الإله عدوات الوادي ... وجوفه كلّ ملث غادي كلّ أجشّ حالك السّواد (١) رفع كلّ الأخير، ونصب الذي قبله لأنه حمله على سقاها كل أجش، لأن في قوله: أسقى الإله كل ملث غاد دليلا على سقاها كل أجش، لأنه إذا أسقاها الله السحاب، سقاها السحاب، وكل أجش من صفة السحاب، وهو شبيه ب " ليبك يزيد ضارع ". قال: (ولا يجوز أن تقول: ينتهي خيرا له، ولا انتهى خيرا له). وإنما يجوز هذا في الأمر، لأن الآمر إنما يسوق المأمور إلى أمر يحدثه، فله قوة في الإضمار وحكم ليس لغيره (وقد يجوز أن تقول: ألا رجل إما زيد وإما عمرو، كأنه قيل له: من هذا المتمنّى؟ فقال: زيد أو عمرو). هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره في غير الأمر والنهي (وذلك قولك: أخذته بدرهم فصاعدا، وأخذته بدرهم فزائدا، حذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إيّاه، ولأنهم أمنوا أن يكون على الباء لو قلت: أخذته بصاعد، كان قبيحا، لأنه صفة ولا يكون في موضع اسم، كأنه قال: أخذته بدرهم، فزاد الثمن صاعدا، ولا يجوز أن تقول: وصاعد لأنّك لا تريد أن تخبّر أنّ الدرهم مع صاعد ثمن لشيء كقولك: بدرهم وزيادة، ولكنّك أخبرت بأدنى الثمن فجعلته أولا ثم قروت شيئا بعد شيء لأثمان شتّى، فالواو لم ترد فيها هذا المعنى، ولم

стр. 685

تلزم الواو الشيئين أن يكون أحدهما بعد الآخر. ألا ترى أنّك إذا قلت: مررت بزيد وعمرو، لم يكن في هذا دليل أنّك مررت بعمرو بعد زيد. وصاعد بدل من زاد ويزيد. وثم بمنزلة الفاء، تقول: ثم صاعدا إلّا أنّ الفاء أكثر في كلامهم). قال أبو سعيد- ﵀: أمّا قوله: أخذته بدرهم فصاعدا، كأنه متاع قد اشتري بأثمان مختلفة أدناها: درهم. فإذا قال: أخذت كلّ ثوب منها بدرهم فصاعدا، كان أدنى الثمن درهما، ثم يزيد عليه، فالتقدير: أخذت كلّ ثوب منها بدرهم، فزاد الثمن صاعدا، فصار بعضها بدرهم وقيراط، وبعضها بدرهم ودانق، وهذا معنى قوله: ثم قروت شيئا بعد شيء لأنه مأخوذ من: قروت الأرض، إذا أنبتّ قطعة منها بعد قطعة على جهة التتبّع لشيء فيها، ومنه قولهم: الاستقراء للكتب وللمعاني، واستقرأت الكتب والمعاني على جهة التتبع لها، والفكر فيها، ولا يحسن أن تقول: أخذته بدرهم فصاعد، من جهتين: إحداهما: أنّ صاعدا نعت، ولا يحسن أن تعطف على الدرهم إلّا المنعوت. والجهة الأخرى: أنّ الثمن لا يعطف بعضه على بعض بالفاء، لا تقول: أخذت الثوب بدرهم فدانق، ولا اشتريت الدار بمائة درهم فخمسة دراهم، لأن الثمن تقع جملته عوضا عن المبيع، فليس يتقدم بعضه على بعض، وإنما يعطف بالواو لأنها للجمع، تقول: اشتريته بمائة وخمسة، ونحو ذلك، وإنما هو على ما فسّرته لك، أنّك أخذت بعضه، ثم زاد الثمن في بعض، وتقديره: فزاد الثمن صاعدا، ينتصب على الحال، وبدرهم فزائدا، على تقدير: فصعد الثمن زائدا. وفرّع أصحابنا على هذا فقالوا: يجوز أن تقول: مررت بزيد وخالد، وبزيد وخالدا، عطفا على موضع الباء، فإن قلت: مررت بزيد وخالدا، وأنت تريد: وأكرمت خالدا، لم يجز لأنّ إخراجه عن الباء، ومعناها لا يجوز إلّا بدليل عليه أو ضرورة تقود إليه، ولا يحسن الواو في هذا لأنّ الأثمان المذكورة إنّما يتلو بعضها بعضا، والواو لا تدل على ترتيب الفعل، فلم تجز فيه إلّا الفاء وثمّ، وهما الدليلان على الترتيب، والفاء أكثر في كلام العرب لاتصالها بما قبلها، وثمّ فيها مهلة.

стр. 686

قال سيبويه: (ومما ينتصب في غير الأمر والنهي على الفعل المتروك إظهاره، قولك: يا عبد الله، والنداء كله. فأمّا: يا زيد، فله علّة ستراها في باب النداء إن شاء الله تعالى). قال أبو سعيد ﵀: المنصوب من المنادى، يقدّر نصبه بفعل ينوب عنه حرف النداء، وهو: يا، كأنه قال: أدعو عبد الله، وأنادي عبد الله، وأريد عبد الله، والمفرد هو المضموم مبني لعلة قد ذكرت، تعاد في باب النداء إن شاء الله تعالى. واستدلّ سيبويه على أنّ النداء على الفعل قولهم: يا إيّاك، إنما قلت: يا إياك، أعني. وهذا الذي ذكره سيبويه يقوّي ما ذكرناه؛ أنّ " إياك " مضاف لأنّا رأينا العرب إذا كنّوا عن المنادي قالوا: يا أنت، ويا إياك، فأنت: مفرد لم ينصب كما لم ينصب: يا زيد، وإيّاك: مضاف نصب كما نصب: يا عبد الله، أنشد أبو زيد: يا مرّ يا ابن واقع يا أنتا ... أنت الذي طلّقت عام جعتا حتّى إذا اصطبحت واغتبقتا ... أقبلت معتادا لما تركتا قد أحسن الله وقد أسأتا (١) قال سيبويه: (ومن ذلك قول العرب: من أنت زيدا، وزعم يونس أنه على قوله: من أنت تذكر زيدا، ولكنّه كثر في كلامهم واستغنوا عن إظهاره بأنه قد علم أنّ زيدا ليس خبرا ولا مبنيا على مبتدإ، ولا بدّ من أن يكون على الفعل كأنه قال: من أنت معرّفا ذا الاسم، ولم يحمل زيدا على من ولا أنت، ولا يكون من أنت زيدا إلّا جوابا، كأنه قال: أنا زيد، قال: فمن أنت ذاكرا زيدا، وبعضهم يرفع، وذلك قليل، كأنه قال: من أنت كلامك أو ذكرك زيد. وإنّما قلّ لأنّ إعمالهم الفعل أحسن من أن يكون خبرا لمصدر ليس به، ولكنّه يجوز على سعة الكلام وصار كالمثل الجاري حتى إنهم يسألون الرجل عن غيره فيقول القائل منهم: من أنت زيدا، كأنه يكلم الذي يقول: أنا زيد،

стр. 687

أي: أنت عندي بمنزلة زيد الذي قال: أنا زيد، فقيل له: من أنت زيدا كما تقول للرجل: " أطرّي فإنك ناعلة " و " أحمقي " أي أنت عندي بمنزلة التي يقال لها ذلك. سمعنا رجلا منهم يذكر رجلا فقال لرجل ساكت لم يذكر ذلك الرجل من أنت فلانا). قال أبو سعيد ﵀: أصل هذا أنّ رجلا غير معروف بفضل كأنه يسمّى بزيد، وكان زيد مشهورا بشجاعة وضرب من ضروب الفضل التي يذكر بها الرجل، فلما تسمّى الرجل المجهول بزيد الذي هو معروف بالفضل دفع عن ذلك وأنكر عليه، فقيل له: من أنت زيدا على جهة الإنكار، أي من أنت ذاكرا زيدا ومعرّفا هذا الاسم. وقد يجوز الرفع، والنصب أقوى، لأنك إذا رفعته تقديره: كلامك زيد، وذكرك زيد، على معنى: كلامك ذكر زيد، وكلامك اسم زيد؛ فيكون على سعة الكلام كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ (١). فكان النصب أحسن من أن تجعله خبرا لمصدر. وقد يجوز لمن ليس اسمه بزيد " من أنت زيدا " على المثل الجاري كما قالوا: " أطرّي فإنك ناعلة "، و " الصيف ضيّعت اللبن " (٢)، و " أحمقي " فتخاطب الرجل بهذا وإن كان اللفظ للمؤنث؛ لأن أصل ما جرى به المثل التأنيث، وإنما يقال للذكر ذلك على معنى: أنت عندي بمنزلة التي يقال لها. أما وقد ذكرنا تفسير هذه الأمثال في موضع آخر، وقد يجوز أن تذكر غير زيد باسمه، كأنّ رجلا ذكر عمرا وذكر ملابسة بينه وبينه، أو سؤالا عنه، وكأنّ منزلة عمرو ترتفع عند بكر أن يسأل عنه مثل هذا الرجل السائل فقال له: من أنت عمرا، كأنّ في سؤاله عن عمرو ما يتشرّف به أو يكسب به حالا فيها فخر. يقال: من أنت سائلا عن ذلك أو مفتخرا به. وأمّا ما حكاه من قول القائل لرجل سأله لم يذكر ذلك الرجل: من أنت فلانا، فيجوز أن يكون على معنى التعريض بالرجل الذي ذكره أنه ليس بموضع أن يذكره. (ومن ذلك قول العرب: إمّا أنت منطلقا انطلقت معك، وإمّا زيد ذاهبا ذهبت معه، قال الشاعر:

стр. 688

أبا خراشة إمّا أنت ذا نفر ... فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع (١) فإنما هي (أن) ضمّت إليها (ما) للتوكيد، ولزمت كراهية أن يجحفوا بها لتكون عوضا من ذهاب الفعل كما كانت الهاء والألف في: الزنادقة واليماني، ومثل: إن في لزوم ما قولهم: إمّا لا، فألزموها ما عوضا. وهذا أحرى أن يلزموا فيه إذ كانوا يقولون: آثرا ما، فيلزمون " ما " شبّهوها بما يلزم من النونات في: لأفعلنّ، واللام في: إن كان ليفعل. فإن كان ليس مثل وإنما هو شاذّ كنحو ما شبّه بما ليس مثله، فلما كان قبيحا عندهم أن يذكروا الاسم بعد أن، ويبتدئونه بعدها، كقبح: " كي عبد الله يقول ذلك " حملوه على الفعل حتى صار كأنّهم قالوا: " إذ صرت منطلقا فأنا أنطلق معك "، لأنها في معنى: إذ، وإذ في معناها- أيضا- في هذا الموضع، إلا أنّ إذ لا يحذف معها الفعل، وإمّا لا يذكر بعدها الفعل لأنه من المضمر المتروك إظهاره حتى صار ساقطا بمنزلة تركهم ذلك في النداء، وفي " من أنت زيدا "، فإن أظهرت الفعل قلت: " إمّا كنت منطلقا انطلقت "، إنما تريد إن كنت منطلقا انطلقت. فحذف الفعل لا يجوز ههنا، كما لم يجز إظهاره؛ لأنّ " أمّا " كثرت في كلامهم واستعملت حتى صار كالمثل المستعمل، وليس كلّ حرف هكذا). قال أبو سعيد ﵀: أمّا أنت منطلقا، اختلف فيه الكوفيون والبصريون مع إجماعهم على حذف الفعل. فقال الكوفيون: هو بمعنى إن، وعندهم أنّ " أن " المفتوحة فيها معنى " إن " التي للمجازاة، وعلى ذلك يحملون: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى (٢). ويحتجون بأنها تقرأ: " إن تضلّ ". بكسر " إن " والمعنى عندهم سواء. وأما البصريّون: فالتقدير عندهم: " لأن كنت أنت منطلقا أنطلق معك "، أي: لهذا المعنى الذي كان منك في الماضي: أنطلق معك، ولذلك شبهها سيبويه ب " بإذ " وجعلهما

стр. 689

كشيء واحد لاشتراكهما في المضيّ، وإذا ولى " أن " الفعل الماضي فهو ماض لا غير، كما إذا وليها المستقبل، فهو للاستقبال لا غير، لأجل أنّ الثاني استحقّ بالأول جاز دخول الفاء في الجواب في قوله: فإنّ قومي لم تأكلهم الضّبع وجعلوا لزوم " ما " عوضا من حذف الفعل، فلا يحسن ذكر الفعل بعدها لحصول الغرض. وكان المبرّد يجيز ذكر الفعل بعدها ويجعلها زائدة كزيادتها في قوله تعالى: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ * (١). وليس على ما قال دليل لأنّها زائدة في هذا الموضع، ثم لزمت عوضا ولم تستعمل إلا على ذلك، وحسن حذف الفعل لإحاطة العلم بأنّ " أن " هذه الخفيفة لا يقع بعدها الاسم مبتدأ، فكان ذلك بمنزلة فعل محذوف لحضور الدلالة عليه. وأمّا قوله كالعوض في: الزنادقة واليماني. فأصل الزنادقة: الزناديق، واليماني: يمنيّ، والألف في الزنادقة عوض من الياء، والألف في اليماني عوض من إحدى (ياءي) النسب، ونستقصي ذلك في غير هذا الموضع. ومثل " أن " في لزوم " ما " قولهم: " إمّا لي ". والأصل فيه: أن الرجل قد يمتنع من أشياء يلزمه أن يفعلها ويسومه إياها سائم فيمتنع منها، فيقنع منه بالبعض فيقال: " إمّا لي فافعل هذا " على معنى إن كنت لا تفعل غيره فافعل هذا، ثم زيدت " ما " كما تزاد في حروف الجر، ثم حذف الفعل لكثرة هذا في كلامهم، وصار " إمّا " مع " لا " كالشيء الواحد عندهم، فأجازوا فيها الإمالة، ولو انفردت " لا " لم تجز فيها الإمالة. وقولهم: " أثرا ما "، يلزمونه " ما " فلا يكادون يحذفونها منه، ومعناها في قولك: آثرا أن تفعل كذا في معنى: أثر، وهو يريد: أفعل هذا أول شيء، ويقولون: آثر ذي أثير، ومنه قوله:

стр. 690

فقالت ما تشاء، فقلت ألهو ... إلى الإصباح آثر ذي أثير (١) أي أوّل ما يؤثر ويقدّم في الفعل. وقد ذكرنا لزوم النون في لأفعلنّ، واللام في إن كان ليفعل في موضعه، وسائر ما ذكر من المحذوفات. قال: وإن جئت بالفعل كسرت " إن " لأنك تريد إن كنت منطلقا انطلقت، ولا يمتنع عند المبرد وغيره إذا حذفت (ما) وأتيت بالفعل أن تفتح وتكسر فتقول: إن كنت منطلقا وأن كنت منطلقا انطلقت، وقال: إمّا أقمت وإمّا كنت مرتحلا ... فالله يكلأ ما تأتي وما تذر (٢) كسرت هذا لحضور الفعل، وهو الأجود، ولا يمتنع عند أبي العباس وغيره إذا حذفت " ما " وأتيت بالفعل أن تفتح وتكسر، فتقول: إن كنت منطلقا، وأن كنت منطلقا، فإن كسرت فهو المعنى الظاهر في الشرط، وإن فتحت فالمعنى: لأن كنت منطلقا، أي: لانطلاقك، وقد ذكرنا " أن " و " إن " في موضعهما. قال: ومن ذلك قولهم: مرحبا وأهلا وسهلا، وإن تأتني فأهل الليل وأهل النهار. وتقدير الناصب فيه: أتيت مرحبا وأهلا، وإن تأتني فتأتي أهل الليل وأهل النهار على معنى: أنّك تأتي من يكون لك كالأهل بالليل والنهار، وقد قدره سيبويه، كأنه صار بدلا من قولك: رحبت بلادك، وأهلت. وهذا التقدير إنما قدّر بالفعل لأن الدعاء إنما يكون بفعل، فردّه إلى فعل من لفظ الشيء المدعوّ به، كما يقدّرون: تربا وجندلا بتربت وجندلت. وإنما الناصب له: أصبت تربا وجندلا، وألزمت تربا وجندلا على معنى ما تحسن به العبارة عن

стр. 691

المعنى المقصود، وهذا إنما يستعمل فيما لا يستعمل الفعل فيه، ولا يحسن إلا في موضع الدعاء به. ألا ترى أن الإنسان الزائر إذا قال له المزور: مرحبا وأهلا، فليس يريد رحبت بلادك وأهلت. إنما يريد: أصبت رحبا وسعة وأنسا. لأنّ الإنسان إنما يأنس بأهله، ومن يألفه. (وقد مثله الخليل أنه بمنزلة رجل رأيته قد سدّد سهما فقلت القرطاس، أي: أصاب القرطاس، أي: أنت عندي ممّن سيصيبه، وإن أثبت سهمه قلت: القرطاس أي: قد استحق وقوعه بالقرطاس. قال: وإذا رأيت رجلا قاصدا إلى مكان أو طالبا أمرا فقلت: مرحبا وأهلا وسهلا، أي: أدركت ذلك وأصبت، فحذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه). قال: ويقول الرّادّ: وبك أهلا وسهلا، وبك وأهلا، فإذا قال: وبك وأهلا فكأنه قد لفظ بمرحبا بك وأهلا وسهلا. (وإذا قال: وبك أهلا فهو يقول: لك الأهل، أي: عندك الرّحب والسّعة، فإذا رددت فإنّما تقول: أنت عندي بمنزلة من يقال له: هذا لو جئتني وإنما جئت ب " بك " لتبيّن من تعني بعد ما قلت: مرحبا كما قلت: لك بعد سقيا). قال أبو سعيد: هذا الكلام تقديره أن يقوله الرجل الذي يدخل إذا قال له المدخول عليه: مرحبا وأهلا، فيردّ فيقول: وبك وأهلا كأنه قال: وبك مرحبا وأهلا، وإنما هذه تحية المزور ومن يدخل عليه، يحيي بها الزائر المزور على معنى أنك أصبت عندي سعة وأنسا. وإذا قال الزائر: وبك أهلا، والحال لا تقتضي من الزائر أن يصادف المزور عنده ذلك فيحمل على معنى: أنك لو جئتني لكنت بهذه المنزلة، وإذا قال: وبك أهلا، فإنما اقتصر في الدعاء له على معنى الأهل فقط من غير أن يعطفه على شيء قبله، كأنّ الرّحب والسّعة قد استقرا استقرارا يغنيه عن الدّعاء، وأمّا مجيئه ب " بك "، فللبيان أنه المعنيّ به لا لأنّه المتصل بالفعل المقدّر كما كان قولك: " سقيا لك "، تقديره: سقاك الله سقيا ولك، كأنّه قال: هذا الدعاء لك على تقدير آخر غير تقدير سقاك الله. قال: (ومنهم من يرفع فيجعل ما يضمر هو ما يظهر).

стр. 692

يعني منهم من يقول: مرحب وأهل، أي: هذا مرحب أو لك مرحب وأهل، قال الشاعر: وبالسّهب ميمون النقيبة قوله ... لملتمس المعروف أهل ومرحب (١) أي: هذا أهل ومرحب، وقال آخر: إذا جئت بوّابا له قال مرحبا ... ألا مرحب واديك غير مضيّق (٢) ثم ذكر الإضمار والإظهار على ثلاثة مجار منها: فعل مظهر لا يحسن إضماره، وهو أن تقول: اضرب زيدا أو أكرم زيدا، لا يحسن إضمار هذا الفعل إذ لم تجد ما يدلّ عليه، لأنك إذا قلت: زيدا ولم تقدّم قبله فعلا لم تدر أيريد أكرم زيدا أم أهن زيدا أم غير ذلك. وفعل يجوز إضماره وإظهاره كقولك: زيدا لرجل كان في ذكر ضرب، تريد: اضرب زيدا، يجوز أن تحذف اضرب اكتفاء بما جرى من ذكر الضرب، ويجوز أن تذكره. ومنها فعل يضمر وقد ترك إظهاره وهو من الباب الذي ذكر فيه إياك إلى الباب الذي آخره ذكر مرحبا، وهو الباب الذي نحن فيه، وقد تقدم الكلام على ذلك. هذا باب ما يظهر فيه الفعل وينتصب فيه الاسم لأنه مفعول معه ومفعول به كما انتصب نفسه في قولك: " امرأ ونفسه " (وذلك قولك: ما صنعت وأباك، ولو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، إنما أردت ما صنعت مع أبيك، ولو تركت الناقة مع فصيلها، فالفصيل مفعول معه، والأب كذلك، والواو لم تغيّر معنى ولكنها تعمل في الاسم ما قبلها، ومثل ذلك: ما زلت وزيدا، أي: ما زلت بزيد حتى فعل، فهو مفعول به. وما زلت أسير والنيل، أي: مع النيل.

стр. 693

واستوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطيالسة، أي: مع الطيالسة، قال الشاعر: كونوا أنتم وبني أبيكم ... مكان الكليتين من الطّحال (١) وقال آخر: وكان وإيّاها كحرّان لم يفق ... عن الماء إذا لاقاه حتّى تقدّدا (٢) ويدلك على أن الاسم ليس على الفعل في صنعت أنك لو قلت: اقعد وأخوك. كان قبيحا حتى تقول: اقعد أنت وأخوك؛ لأنه قبيح أن تعطف على المرفوع المضمر، فإذا قلت: ما صنعت أنت، ولو تركت هي فأنت بالخيار، إن شئت حملت الآخر على ما حملت عليه الأول، وإن شئت حملته على المعنى الأول). قال أبو سعيد- ﵀: هذا آخر الباب وهو كلام سيبويه- ﵀، ومذهبه أنك إذا قلت: ما صنعت وأباك، أن الأب منصوب بصنعت، وكذلك فصيلها منصوب بتركت، وكان الأصل فيها ما صنعت مع أبيك، ولو تركت الناقة مع فصيلها، ومعنى مع الواو يتقاربان لأنّ معنى " مع ": الاجتماع والانضمام، والواو تجمع ما قبلها مع ما بعدها وتضمه إليه، فأقاموا الواو مقام " مع " لأنها أخفّ في اللفظ، والواو حرف لا يقع عليه الفعل ولا يعمل في موضعه، فجعلوا الإعراب الذي كان في " مع " من النصب في الاسم الذي بعد الواو لمّا لم تكن الواو معربة ولا في موضع معرب، كما قالوا: ما قام أحد إلّا زيد، وقام القوم إلّا زيدا، فإذا جئت ب " غير " أعربتها بإعراب الاسم الذي يقع بعد " إلّا "، فقلت: ما قام أحد غير زيد، وجاءني القوم غير زيد، فإذا جعلوا " إلّا " مكان " غير " تجاوز الإعراب الذي كان في " غير " إلى ما بعد " إلّا "، لأنّها حرف غير عامل، وكذلك الكلام في ما زلت وزيدا إذا كان الحرف الذي يتصل بالفعل عاملا في الاسم الذي بعده منع من تجاوز الفعل إلى غيره كقولك: ما زلت بزيد، فتعمل الباء في زيد، والباء في موضع نصب، فإذا قلت: ما زلت

стр. 694

وزيدا، تجاوز النصب الذي كان يقدّر في الباء إلى ما بعد الواو. وكان الزجّاج يقول: إنّا إذا قلنا: ما صنعت وأباك؛ أنّا ننصب بإضمار، كأنه قال: ما صنعت ولا بست أباك. وزعم أنّ ذلك من أجل أنه لا يعمل الفعل في المفعول وبينهما الواو. وهذا قول فاسد، لأنّ الفعل يعمل في المفعول على الوجه الذي يتصل به المفعول، فإن كان لا يحتاج في عمله فيه إلى وسيط فلا معنى لدخول حرف بينهما، وإن كان يحتاج إلى وسيط في عمله فيه، عمل مع توسّط الوسيط ووجوده، ألا ترى أنّا نقول: ضربت زيدا وعمرا، فتنصب عمرا بضربت، كما تنصب زيدا بضربت، لأن المعنى الذي يوجب الشركة بين عمرو وزيد في ضربت، هو: الواو فجئت بها ولم تمنع من وقوع ضربت على ما بعدها. ومنه أيضا: أنك تقول: ما ضربت إلّا زيدا، فتنصب زيدا بضربت، وإن كان بينهما " إلّا " للمعنى الذي يوجب ذلك في اتصال هذا المفعول به، وإنما يذهب بالواو إلى معنى " مع " إذا كان فيه معنى غير العطف المحض، والعطف المحض أن يوجب لكل واحد من الاسمين الفعل الذي ذكر له من غير أن يتعلق فعل أحدهما بالآخر، كقولك: قام زيد وعمرو إذا أردت أن كل واحد منهما قام قياما لا يتعلق بالآخر. وكذلك: ما صنع زيد وعمرو إذا أردت هذا المعنى؛ كان صنع كلّ واحد لا يتعلق بالآخر، وما صنع زيد وعمرو إذا أردت هذا المعنى، فإن أردت ما صنع زيد مع عمرو على معنى: إلى أي شيء انتهيا فيما بينهما من خصومة أو مواصلة أو غير ذلك، جاز أن تنصب، وقد اجتمع في قولك: " ما صنعت وأباك " قبح الرفع في الأب لأنك تعطفه على التاء من غير توكيد، وحمل ما بعد الواو على معنى " مع " لما يقتضيه المعنى إذا أكدت التاء كنت مخيرا في رفع الأب وفي نصبه، فقلت: ما صنعت أنت وأبوك، وإن شئت " وأباك ". فمن رفع فلزوال قبح اللفظ لأن كلّ واحد منهما صانع بالآخر شيئا وملابس له على ضرب من الملابسة، وإن نصبت فعلى إبانة معنى " مع " وأنّ صنيع الأول ملتبس بالآخر.

стр. 695

هذا باب معنى الواو فيه كمعناها في الباب الأول إلّا أنها تعطف الاسم ههنا على ما لا يكون ما بعده إلا رفعا على كلّ حال. (وذلك قولك: أنت وشأنك، وكلّ رجل وضيعته، وما أنت وعبد الله، وكيف أنت وقصعة من ثريد، وما شأنك وشأن زيد، وقال الشاعر: يا زبرقان أخا بني خلف ... ما أنت ويل أبيك والفخر (١) وقال الآخر: وأنت امرؤ من أهل نجد وأهلنا ... تهام وما النجديّ والمتغوّر (٢) وقال آخر: وكنت هناك أنت كريم قيس ... فما القيسيّ بعدك والفخار) (٣) قال أبو سعيد: هذا الباب معنى الواو فيه كمعناها في الباب الأول؛ لأنهما بمعنى " مع " إلّا أنّ الباب الأول في أوله فعل يعمل فيما بعد الواو على الترتيب الذي ذكرته، وهذا الباب فيه اسم معطوف على اسم بالواو التي معناها: " مع "، فيعطف ما بعد الواو على ما قبلها لفظا، والمعنى فيه الملابسة. فإن قال قائل: نحن متى عطفنا شيئا على شيء بالواو، ودخل الثاني فيما دخل فيه الأول اشتركا في المعنى، وكانت الواو بمعنى مع لاشتراك المعطوف والمعطوف عليه كقولنا: قام زيد وعمرو، فكيف اختصصتم هذا الباب وما قبله بمعنى " مع "؟ قيل له: نحن متى عطفنا شيئا على شيء بالواو دخل في معناه، ولم يكن بين المعطوف والمعطوف عليه فرق في وقوع ذلك المعنى لكل واحد منهما، وليس أحدهما ملابسا للآخر، وإذا قلنا: ما صنعت؟ أو قلنا في الباب الثاني: ما أنت والفخر؟! فإنما يراد: ما صنعت مع أبيك، وأين بلغت فيما فعلته به، أو فعله بك.

стр. 696

وما أنت مع الفخر في افتخارك وتحقّقك به؛ فالمعنيان مختلفان غير أن اللفظ في قولك: ما أنت والفخر، كقولك: أنت وزيد قائمان، أو أنت وزيد في الدار، والمعنى ما ذكرت لك. وبهذا فرّق سيبويه بين هذا الباب والذي قبله، ويدلك على صحة المعنى الذي ذكرته أن قائلا لو قال: زيد وعمرو وهو يريد: زيد وعمرو قائمان أو خارجان أو ما أشبهه، لم يجز حذف الخبر لأنه بمنزلة قولك: زيد معرّى من الخير، ويجوز أن تقول: أنت وشأنك، وكلّ رجل وضيعته، وكل امرئ وصنعته. فيكتفون بذلك، لأن معنى الواو معنى " مع "، كأنهم قالوا: كل رجل مع ضيعته، وأنت مع شأنك، وهذا كلام مكتف. فإذا قالوا: أنت وشأنك، اكتفوا بهذا اللفظ وأضمروا الخبر، وتقديره: أنت وشأنك مقرونان، لأن معنى " الواو " إذا ذهب بها مذهب " مع " قد دلّت على مقرونين، ومما يذهب به مذهب الملابسة: أنت أعلم وعبد الله، وأنت أعلم ومالك، معناه: أنت أعلم مع مالك فيما تدبره به، وأنت أعلم " مع " عبد الله فيما تعامله به، وإن شئت أن لا تذهب به هذا المذهب فيما يصح منه العلم جاز أن تقول: أنت وعبد الله أعلم، أي: أنتما أعلم من غيركما، كما تقول: أنت وعبد الله أفضل، وأحدهما غير ملابس للآخر، ولا يجوز أن تقول: كلّ امرئ وضيعته، ولا أنت وشأنك، فتنصب الثاني كما كنت تنصب " مع " لو حضرت " مع "، لأنّ " مع " إذا حضرت فمذهبها مذهب الظرف، تقول: زيد مع عمرو، كما تقول: زيد خلف عمرو، والناصب استقر وإضماره جائز مع الظروف، فإذا جعلت الواو مكان " مع " والذي بعدها اسم، لم يتخطّ الاستقرار إليه ولا يعمل فيه كما عمل الفعل فيه في قولك: ما صنعت وزيدا. وقد حكى سيبويه النصب في حرفين، قالوا: ما أنت وعبد الله، وما أنت وعبد الله، وكيف أنت وعبد الله وعبد الله. فإذا رفع فبالعطف على أنت، وإذا نصب بإضمار كنت أو تكون، فيكون تقديره:

стр. 697

كيف كنت أنت وعبد الله، وكيف تكون أنت وعبد الله، وما كنت أنت وعبد الله وما تكون أنت وعبد الله، على ما ذكر في جواز النصب في الباب قبله. وقد ردّ عليه المبرد لفظه في تقدير الناصب في كيف، وما، وذلك أن سيبويه قدر فقال: كيف تكون أنت وقصعة من ثريد، وما كنت أنت وزيدا. فقال المبرد: ولم جعل " كيف " مختصة بتكون و " ما " مختصة بكنت؟ قال أبو سعيد ﵀: لم يذهب سيبويه إلى اختصاص " كيف " بالمستقبل، و " ما " بالماضي وإنما أراد التمثيل على الوجه الذي يمكن أن يمثّل به، وبيّن هذا بقوله: كأنه قال: والتمثيل ليس بحدّ لا يتجاوز، وإنما جاز عنده في " كيف " و " ما " في لغة من حكى عنه ذلك، وهم ناس من العرب، لأنّ كنت وتكون يقعان ههنا كثيرا، وما كثر في الكلام حذف تخفيفا، كأنه قد نطق به. واستدلّ سيبويه في أنّ قولهم: ما أنت والفخر ونحوه، بمنزلة العطف الصحيح فيما يعطف أحد الاسمين فيه على الآخر، بأنّ العرب قد تقول: ما أنت، وما زيد، وهم يريدون معنى: " مع "، قال: تكلّفني سويق الكرم جرم ... وما جرم وما ذاك السّويق (١) يهجو جرما بذلك ويستكثر لها شرب الخمر. يقول بعد هذا البيت: وما عرفته جرم وهو حلّ ... وما غالى بها إذ قام سوق فلمّا أنزل التّحريم فيها ... إذا الجرميّ منها ما يفيق (٢) يريد: أنه لم يكن محل جرم أن تعرف الخمر في الجاهلية ولا تشربها، وإنما ذكر عرفته لأنه رده إلى لفظ السّويق في " سويق الكرم " هو: الخمر. سماها: سويق الكرم لانسياقها في الحلق، وكذا أصل السّويق سمّي سويقا لذلك، لأنه يشرب ولا يؤكل، ومثله في إعادة " ما " في الثاني: قول علقمة بن عبدة:

стр. 698

وما القلب أم ما ذكره ربعيّة ... يخطّ لها من ثرمداء قليب (١) إلا أنّ العطف في هذا البيت ب " أم "، وأدغمت ميم " أم " في " ما "، وأنشد قول شدّاد أبي عنترة العبسي: فمن يك سائلا عنّي فإنّي ... وجروة لا ترود ولا تعار (٢) أراد " مع " جروة، وإنما هذا كقولك: كلّ رجل وضيعته، إذا أدخلت عليه " إنّ " نصبتهما جميعا، وكان الثاني لتضمنه معنى مع يغني عن ذكر الخبر. كقول العرب: " إنك ما وخيرا ". تريد: إنك " مع " خير، و " ما ": زائدة، والخبر: محذوف. وقد مرّ هذا فيما تقدم وأنشد سيبويه لبعض الهذليين عن إنشاد بعض العرب في إضماره الفعل بعد " ما ": فما أنا والسّير في متلف ... يبرّح بالذكر الضّابط (٣) كأنه قال: ما كنت. ومثله في إضمار الفعل قول الراعي: أزمان قومي والجماعة كالذي ... لزم الرحالة أن تميل مميلا (٤) أراد: أزمان كان قومي مع الجماعة، وحذف: كان، لأنهم يستعملونها كثيرا في مثل هذا الموضع ولا لبس فيه، ولا يغير معنى. وإذا قلت: أنت وشأنك، فلا يجوز في الثاني غير الرفع؛ لأن العرب لا تضمر في مثل هذا، ولا يجوز الإضمار فيه.

стр. 699

وقوله: أنت وشأنك. إنما يريد به الحال، فإن حملته على فعل فإنما تحمله على شيء ماض أو مستقبل لم يدلّ عليه دليل. ومما أنشده عن أبي الخطاب عن بعض العرب من النصب في " ما ": أتوعدني بقومك يا بن حجل ... أشابات يخالون العبادا بما جمّعت من حضن وعمرو ... وما حضن وعمرو والجيادا (١) على معنى: وما كان حضن. وأنشد سيبويه ما قوّى به ما ذكره من أنّه يعطف على شيء يقدر وإن لم يلفظ به، وشيء يعطف على ما كان يجوز استعماله في موضع المعطوف عليه، قول صرمة الأنصاري: بدا لي أنّي لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا (٢) وقال الأخوص اليربوعيّ: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلّا ببين غرابها (٣) وإنما خفض سابق وناعب وليس قبلهما مخفوض، لأنه يجوز أن تقول: لست بمدرك ما مضى، وليسوا بمصلحين، فتقع الباء فيهما ويكثر في موضعهما من خبر ليس الباء، فحملها في الخفض على ما كان يستعمل، ومثل ذلك قول عامر الطائيّ: فلم أر مثلها خباسة واحد ... ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله (٤) أراد: كدت أن أفعله، فحذف أن ضرورة، وغير سيبويه يقول:

стр. 700

إنهم أرادوا بعد ما كدت أفعلها، والعرب قد تحذف في الوقف الألف التي بعد الهاء في المؤنث وتلقي فتحة الهاء على ما قبلها. ويروى في مثل هذا: أن بعض العرب قتل رجلا يقال له: مرقمة، وقد سامه وآخر، أن يبتلعا جردان الحمار في خبر طويل، فامتنعا فقتل مرقمة، فقال الآخر: " طاح مرقمة ": فقال القائل: وأنت إن لم تلقمه، يريد تلقمها، فحذف الألف وألقى حركة الهاء على الميم، وهذا يخرّج في مذهب البصريين على طرح النون الخفيفة، كأنه قال: تلقمنه، فحذف النون وبقيت الميم مفتوحة كما قال: اضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسّوط قونس الفرس (١) أراد: اضربن عنك الهموم، وحذف النون. هذا باب منه يضمرون فيه الفعل لقبح الكلام إذا حمل آخره على أوله (وذلك قولك: مالك وزيدا وما شأنك وعمرا). وإنّما نصبوا عمرا لأن عمرا هو شريك الكاف في المعنى ولم يصح العطف عليه، لأن الكاف ضمير مخفوض، ولا يجوز عطف الظّاهر المخفوض على المكنيّ، ولم يصلح أيضا رفعه؛ لأنك لو رفعته كنت عاطفا له على الشأن، وليس عمرو بشريك للشأن ولا أردت أن تجمع بينهما فحمل الكلام على المعنى، فجعل ما شأنك ومالك بمنزلة ما تصنع فصار كأنك قلت ما صنعت وزيدا، (قال الشاعر: فما لك والتلدّد حول نجد ... وقد غصّت تهامة بالرّجال (٢) وقال الآخر: فما لكم والفرط لا تقربونه ... وقد خلته أدنى مردّ لعاقل) (٣)

стр. 701

واستدل سيبويه (على أنه لا يحسن عطف عمرو على الشأن بأنك لو قلت: ما شأنك وما عبد الله، لم يكن كحسن " ما جرم وما ذاك السويق " لأنّك توهم أنّ الشأن هو الذي يلتبس بزيد، ومن أراد ذلك فهو ملغز تارك لكلام الناس الذي يسبق إلى أفئدتهم). وإذا أضفت الشأن إلى ظاهر حسن الكلام كقولك ما شأن عبد الله وأخيه، وما شأن زيد وأمة الله يشتمها، ويكون يشتمها في موضع نصب على الحال، فإن شئت جعلته حالا من الأوّل وإن شئت جعلته حالا من الثاني. وقد سمع من العرب: " ما شأن قيس والبرّ تسرقه " أراد بقيس القبيلة. وقد مثّل سيبويه ما شأنك وملابسة زيدا وملابستك زيدا، ولا يخرج ذلك عن معنى ما صنعت وزيدا، وما تصنع وزيدا؛ لأنّ ذلك ملابسة، وكيف ما عبّر عنه إذا أدّى المعنى جاز، ولو نصب مع الظاهر جاز، فقال: ما شأن عبد الله وزيدا، لأنّ الملابسة مع الظاهر كالملابسة مع المكنيّ في المعنى، ومن نصب قال: ما لزيد وأخاه، كأنه قال: ما كان شأن زيد وأخاه، ومن ثمّ قالوا: حسبك وزيدا، لأنّ معناه: كفاك، كأنّه قال: كفاك وزيدا وكأنّه قال: حسبك وبحسب زيدا درهم، وكذلك: كفيك وقطك في معنى حسبك، تقول: قطك وزيدا درهم، وكفيك وزيدا درهم، قال الشّاعر: إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا ... فحسبك والضّحّاك سيف مهنّد «*» كأنه قال: يكفيك ويكفي الضّحّاك. قال: وأما ويلا له وزيدا، وويله وأباه فالنّصب على معنى الفعل الذي نصبه، وعنده أنّ الفعل الذي نصبه كأنّه قال: ألزمه الله ويلا، فعطف زيدا والأب على ذلك المعنى، كأنه قال: وألزم زيدا وألزم أباه، وكذلك لو رفع ويلا فقال: ويل له وأباه، لأنّ معناه وإن كان رفعا معنى الفعل، كما أن حسبك وزيدا معناه معنى يكفيك، ومعنى ويل له كمعنى ويله إذا نصبت فتقديره الزم موجود.

стр. 702

قال: ولا يجوز أن تقول: هذا لك وأباك، لأنه لم يتقدم استفهام ولا فعل ولا حرف فيه معنى فعل، وإنّما يجرّ هذا في ضرورة الشّعر، لأن الذي يقول: مررت بك وزيدا لا يقول: هذا لك وزيدا؛ لأن الفعل عامل قويّ ظهر وموضع حرف الجرّ نصب فيحمل الثّاني في النّصب على معنى الفعل كأنّه قال: لقيتك وأباك، ولا يقال: هذا لك وأباك، لأنّه لا فعل ههنا. هذا باب ما ينتصب من المصادر على إضمار الفعل غير المستعمل إظهاره (وذلك قولك: سقيا لك، ورعيا وخيبة لك، ودفرا، وجدعا، وعقرا، وبؤسا، وأفّة، وتفّة، وبعدا، وسحقا، ومن ذلك أيضا قولك: تعسا، وتبّا، وجوعا، ونوعا)، وذكر سيبويه جودا وجوسا في معنى: جوعا ومعنى نوعا: عطشا، وفي الناس من يقول: هو إتباع، قال الشاعر: " والأسل النّياعا "، (١) أي: العطاشا، ونحو قول ابن ميادة: تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي ... بجارية بهرا لهم بعدها بهرا (٢) ومعنى بهرا: قهرا، أي: قهروا قهرا، وغلبوا غلبا، كقولك: بهرني الشيء، ومنه القمر الباهر إذا تم ضوءه وغلب، كأنك قلت: سقاك الله سقيا، ورعاك رعيا، وخيبك الله خيبة، فهذا وما أشبهه ينتصب على الفعل المضمر، وجعلوا المصدر بدلا من اللفظ بذلك الفعل، ومعنى قولنا: بدل من ذلك الفعل أنهم استغنوا بذكره عن إظهاره كما قالوا: الحذر الحذر أي: احذر الحذر، ولم يذكروا احذر، وبعض هذه المصادر لا يستعمل الفعل المأخوذ منه، وبعض يستعمل، فمما لم يستعمل قولهم: بهرا كأنك قلت: بهرك الله إذا دعا عليه، وهذا

стр. 703

تمثيل ولا يتكلم به، وكذلك لا يتكلم بالفعل من جوسا وجودا في معنى: جوعا. قال سيبويه: (ومما يدلّك أيضا أنه على الفعل نصب أنك لم تذكر شيئا من هذه المصادر لتبني عليه كلامك، كما تبني على عبد الله إذا ابتدأته، وأنك لم تجعله مبنيا على اسم مضمر في نيتك، ولكنه في دعائك له أو عليه). يعني: أن هذه المصادر لم يذكرها الذاكر ليخبر عنها بشيء كما يخبر عن زيد إذا قال: زيد قائم، أو عبد الله قائم، وهذا معنى قوله: لتبني عليه كلامك كما تبني على عبد الله، يعني: تبني عليه خبرا، ولم تجعل هذه المصادر أيضا خبرا لابتداء محذوف فترفعها، وهذا معنى قوله: إنك لم تجعله مبنيا على اسم مضمر يعني: خبرا لاسم مضمر وإنما هو دعاء منك لإنسان كقولك: سقيا ورعيا، أو دعاء عليه كقولك: تعسا وتبّا وجدعا، وتركوا الفعل استغناء بعلم المخاطب، وربما جاءوا به توكيدا فقالوا: سقاك الله سقيا كما أكدوا قولك: مرحبا بقولهم: بك، ولو قالوا: مرحبا لكان المعنى مفهوما، وربما رفعوا ذلك والمعنى واحد، كما يقول: سلام عليكم وإنما تريد معنى سلّم الله عليك، ولكنه يخرجه فخرج ما قد ثبت. (وقال أبو زبيد يصف أسدا: أقام وأقوى ذات يوم وخيبة ... لأوّل من يلقى وشرّ ميسّر) (١) أراد: أقام الأسد وأقوى: لم يأكل شيئا، الإقواء: فناء الزاد وعدم الأكل، وخيبة لأول من يلقاه الأسد الذي قد أقوى وجاع، وهذا ليس بدعاء، ولكن أجراه سيبويه مجرى الدعاء عليه؛ لأنه لم يكن بعد وإنما يتوقع، كما أنّ المدعوّ به لم يوجد في حال الدعاء. (ومثله في الرفع بيت سمعناه ممن يوثق بعربيته يرويه لقومه: عذيرك من مولى إذا نمت لم ينم ... يقول الخنا أو تعتريك زنابره (٢) فرفع عذيرك والأكثر نصبه وقد ذكرناه، والذي يرفعه يجعله مبتدأ ويضمر خبرا، كأنه قال: إنما عذرك إياي من مولى هذا أمره). وزنابره يعني: ذكره إياه بالسوء وغيبته.

стр. 704

قال: (ومثله قول الشاعر، وهو حسان: أهاجيتم حسّان عند ذكائه ... فغيّ لأولاد الحماس طويل) (١) فهذا دعاء من حسان لأنه هجا رهط النجاشي، ورفع كما يرفع- رحمة الله عليه- وفيه معنى الدعاء. هذا باب ما أجري من الأسماء مجرى المصادر التي يدعى بها (وذلك قولك: تربا، وجندلا، وما أشبه هذا. فإن أدخلت " لك " فقلت: تربا لك، فإن تفسيرها هاهنا كتفسيرها في الباب الأول). قال أبو سعيد: اعلم أن هذا الباب يدعى فيه بجواهر لا أفعال منها نحو التراب والترب والجندل، وهو: الصخر، وقوله فاها لفيك، وفاها إنما هو اسم للفم وليس لشيء من ذلك فعل يصير مصدرا له، ولكنهم أجروه في الدعاء مجرى المصادر التي قبل هذا الباب وقدّروا الفعل الناصب لها ما قاله سيبويه. قال: (كأنهم قالوا: ألزمك الله، وأطعمك الله تربا وجندلا، وما أشبه هذا من الفعل، واختزل الفعل هاهنا، يعني: حذف، لأنهم جعلوه بدلا من قولهم تربت يداك). فعبّر عنه سيبويه بفعل قد صرف من التراب، وقد رفعه بعض العرب، والرفع فيه أقوى من الرفع في المصادر في الباب الذي قبله، قال الشاعر: فترب لأفواه الوشاة وجندل (٢) فترب مبتدأ والخبر لأفواه الوشاة، وفيه معنى المنصوب في الدعاء كما كان في قولك " سلام عليكم " معنى الدعاء. قال: (فمثله قول العرب " فاها لفيك ". وإنما يريد " فا " الداهية، فجعل " فاها " منصوبا بمنزلة تربا لفيك، وإنما يخصّون في مثل هذا الفم لأن أكثر المتآلف فيما يأكله

стр. 705

الإنسان أو يشربه من السم وغيره. قال: وصار " فاها " بدلا من اللفظ بقولك: دهاك الله وإنما جعله بدلا من هذا تقريبا؛ لأنه فم الداهية في التقدير، فذكر الفعل المتصرف من الداهية والفعل المقدر في هذا ونحوه ليس بشيء معين لا يتجاوز، قال أبو سدرة الأسدي: تحسّب هوّاس وأيقن أنني ... بها مفتد من واحد لا أغامره فقلت لها فاها لفيك فإنّها ... قلوص امرئ قاريك ما أنت حاذره (١) يصف الأسد، والهوّاس من أسماء الأسد، وتحسّب: تحسّس، يقال: فلان يتحسّب الأخبار، أي: يتحسّس، ويجوز أن يكون تحسّب في معنى: حسبته فتحسّب، مثل: كفيته فاكتفى). قال أبو سعيد: والذي أحفظ في هذا " وأيقن أنني " معناه: أنه عرض لناقة له فحكى عن الأسد أنه توهم أنني أدع الناقة وأفتدي بها من لقاء الأسد، وواجه هو الأسد و " لا أغامره ": ولا أقاتله، لا أرد معه غمرات الحرب، وتكون تحسّب من المحسبة، وأنني: مفعول المحسبة، وتكون الرواية: " وأقبل معطوفا على تحسّب " يكون التقدير: تحسب هوّاس أنني مفتد بها من واحد لا أغامره وأقبل، كما تقول: حسب زيد أنني قائم وأقبل، ولو قلت: حسب زيد وأقبل بأنني قائم لجاز، كما تقول: ضربت وضربني زيدا على معنى: ضربت زيدا وضربني، " فقلت له ": يعني الأسد " فاها لفيك: دعاء عليه بإصابة الداهية له وهو على وجه التهدد، " فإنها قلوص امرئ " يعني الناقة التي أراد أخذها الأسد، قال: والدليل على أنه يريد بها الداهية ما أنشده سيبويه: وداهية من دواهي المنو ... ن تحسّبها الناس لا فا لها (٢) " لا فا لها " في موضع خبر المحسبة، كما تقول: حسبت زيدا لا غلام له، وإنما ذكر هذا تعظيما لأمرها، أي: لا يدري الناس كيف يأتونها ويتوصلون إلى دفعها.
следующие страницы →