← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17726

شرح كتاب سيبويه للسيرافي

السيرافي، أبو سعيد

Полный текст (2 488 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

له هذه الأعضاء، فإذا ثنوها فالاختيار لفظ الجمع في تثنيتها، كقولك في تثنية وجه أوجه ووجوه. قال الله : إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما (١)، وإنما صار هكذا لأن في البدن أعضاء كثيرة مثناة وهي أكثر البدن، وإذا ضمّ ما في بدن واحد من المثنى إلى مثله صار جمعا لأنه يصير أربعة، والواحد المضموم إلى مثله من آخر محمول على الاثنين، فلذلك اختير الجمع. ووجه آخر فرقوا بين ما في البدن منه واحد وما في البدن منه اثنان إذا ضموا أحد الاثنين إلى مثله من آخر يكون مثنى وإذا ضموا الواحد إلى مثله يكون جمعا للفرق، وهذا هو الاختيار، وقد يجمع الذي يختار تثنيته ويثنى الذي يختار جمعه. قال الراجز وهو خطام المجاشعيّ: ظهراهما مثل ظهور الترسين (٢) فثنى وجمع. (وذكر يونس أن رؤبة كان يقول: ما أحسن رأسيهما وقالوا: وضعا رحالهما، يريد: رحلي الراحلتين). وحدّ الكلام وضعا: رحلي الراحلتين، وربّما وجدوا ما يصفونه إلى الاثنين والجمع، وأمنوا اللبس بدلالة المضاف إليه، قال الشاعر: كأنه وجه تركيين قد غضبا ... مستهدف لطعان غير تذبيب (٣) واحتج في لفظ الجمع الذي يراد به التثنية بقوله تعالى: وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ (٤)، فذكر خصمين وهما اثنان، وقبلها قالوا. قال أبو سعيد: وليس في هذا حجة لأن الخصم يقع على جماعة، والخصمين تقع

стр. 877

على جماعتين، قال الله تعالى: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ (١)، والحجة في قوله: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ (٢)، ولعل سيبويه أراد ذلك، والله أعلم. هذا باب إجراء الصفة على الاسم فيه بعض المواضع أحسن (وقد يستوي فيه إجراء الصفة على الاسم وأن تجعله خبرا فتنصبه. فأمّا ما استويا فيه فقوله: مررت برجل معه صقر صائد به، إن جعلته وصفا وإن لم تحمله على الرجل وحملته على الاسم المضمر المعروف، نصبته. فقلت: مررت برجل معه صقر صائدا به. كأنه قال: معه، ناب (صائدا به) حين لم يود أن يحمله على الأول، كما تقول: أتيت على رجل مررت به قائم. إن حملته على الرجل وإن حملته على مررت به، نصبته. كأنك قلت: مررت به قائما). قال أبو سعيد: إذا قلت: مررت برجل معه صقر صائد به، فقولنا: معه صقر: جملة في موضع الصفة ل (رجل) صقر مبتدأ، ومعه خبر مقدم، كما تقول: في الدار زيد. وصائد به: صفة أخرى، كما تقول: مررت برجل ضاحك. وأصله: مررت برجل معه صقر صائد بصقر. ولكن لما تقدم ذكر الصقر أوجب أن يكنى عنه إذا عاد ذكره. فهاتان صفتان لرجل، فإن لم تحمل صائدا على رجل، وحملته على الهاء التي في معه، وهو الاسم المضمر المعروف الذي عناه سيبويه، نصبته، وصار بمنزلة قولك: مررت برجل مع أبيه صقر صائدا به، ومررت برجل مع جاريته صقر صائدة به، ومررت برجل مع غلاميه صقر صائدين به. إذا جعلت الصيد للاسم المتصل ب (مع)، لم يكن سبيل إلى النعت، لأنه لا تنعت معرفة بنكرة، فنصب على الحال، هذا في معنى قوله: تجعله خبرا.

стр. 878

يعني: حالا فنصبته، ومعنى قول سيبويه: (كأنه قال معه ناب صائدا)، يعني: لو ابتدأ فقال: مع زيد أو معك أو معه لشيء قد جرى ذكره، صقر صائدا به، لم يكن بدّ من نصب (صائدا) لأنه لا يمكن صفة الأول المعرفة به. وإذا نصبت صائدا على الحال، فهو من الجملة التي هي صفة، فيصير للأول صفة واحد، ثم ذكر نظائر لم تقدم مما تجوز فيه الحال وغيره. فقال: (ومثله: نحن قوم ننطلق عامدون إلى بلد كذا وكذا، إن جعلته وصفا. وإن لم تجعله وصفا نصبت، كأنه قال: نحن ننطلق عامدين، ومنه: مررت برجل معه باز قابض على آخر، ومررت برجل معه جبة لابس غيرها. وإن جعلته على الإضمار الذي في معه، نصبت، وكذلك: مررت برجل عنده صقر صائد بباز)، وإن جعلته على الوصف، فهو هكذا. وإن حملته على ما في عنده من الإضمار، نصبت، كأنك قلت: عنده صقر صائدا بباز، يعني كأنك بدأت فقلت: عنده صقر صائدا بباز لرجل جرى ذكره، كما تقول: عنده صقر صائدا بباز، وكذلك: مررت برجل معه الفرس راكبا برذونا، يعني قلت: مبتدئا معه، على ما مضى من شرح مثله فهذا لا يكون فيه وصف ولا يكون إلا خبرا يريد حالا. قال: (ولو كان هذا على القلب كما يقول النحويون، لفسد كلام كثير ولكان الوجه: مررت برجل حسن الوجه جميله، لأنك لا تقول: مررت بجميله حسن الوجه، ولقال: مررت بعبد الله معه بازك الصائد به، فنصب، فهذا لا يكون فيه إلا الوصف لأنه لا يجوز أن تجعل المعرفة حالا يقع فيه شيء، ولم تقل: جميله لأنك لم ترد أن تقول: إنه حسن الوجه في هذه الحال، ولا أنه حسن وجهه جميلا وجهه، في هذه الحال: حسن وجهه، فلم يرد هذا المعنى، ولكنه أراد أن يقول: هذا رجل جميل الوجه، كما يقال: هذا رجل حسن الوجه، فهذا الغالب في كلام الناس. وإن أردت الوجه الآخر فنصبت، فهو جائز لا بأس به، وإن كان ليست له قوة الوصف في هذا، فهذا الذي الوصف فيه أحسن وأقوى). قال أبو سعيد: هذا الذي ذكره سيبويه عن النحويين من نصب ما لا يحسن فيه القلب، أصله صفة مضافة إلى ضمير شيء جرى ذكره أو صفة متعلقة، فضمير شيء

стр. 879

جرى ذكره، ولو أظهر ذلك الضمير لم يقع فيه خلاف، وجواز الصفة وحسن القلب فيه كقولنا: مررت برجل معه صقر صائد بصقر، ومررت برجل معه جبّة لابس غير جبّة، وكذلك: مررت برجل حسن الوجه جميل الوجه. فإذا أظهر الكناية جاز قلبه ولم يقع بينهم خلاف في جوازه، ولا فرق في التحصيل من أن يكون مضافا إلى ظاهر أو مكنىّ في صحة معنى الصفة، ألا ترى أنك تقول: مررت برجل ملازمك ومكرمك، وما أشبه ذلك، كما تقول: مررت برجل ملازم زيد ومكرم عمرو، وما أشبه ذلك، ثم ألزمهم في نصبهم لقبح القلب أن ينصبوا المعرفة في قولهم: مررت بعبد الله معه بازك الصائد به، ولا وجه لنصب الصائد إلا على هذه الحال، ولا تجوز الحال فيما فيه الألف واللام من نحو الصائد وما أشبهه. وقال في بعض ما نصبوه مما لا يحسن فيه القلب أن نصبه على الحال تجوز إذا حمل على الضمير الذي ذكرناه وفسرناه، وبعضه يجوز وليس بوجه الكلام لأن المتكلم لا يريد الوجه الذي تصبح به الحال كقوله: مررت برجل حسن الوجه جميله، إذا نصبنا جميله على الحال أنه حسن وجهه في حال جماله، وليس ذلك بالمقصود من كلام الناس وإن أراده مريد فهذا إعرابه. (ونحو ذلك ممّا الوصف فيه أحسن: هذا رجل عاقل لبيب، لم تجعل الآخر حالا وقع فيه الأول ولكنه أثنى عليه) بعاقل ولبيب (وجعلهما شرعا سواء فيه وسوى بينهما في الإجراء على الاسم، والنصب فيه جائز على ما ذكر فيه)، فيقول: هذا رجل عاقل لبيبا، وتقديره: يعقل في حال لبّه (وإنما ضعف لأنه لم يرد أن الأول وقع وهو في هذه الحال، ولكنه أراد أنهما ثابتان ولم يكن واحد منهما قبل صاحبه كما تقول: هذا رجل سائر راكبا دابة)، وحسن سائر راكبا، لأن تقديره: يسير راكبا، وهو كلام حسن جيد مفيد. (وقد يجوز في سعة الكلام): هذا رجل عاقل لبيبا، وحسن الوجه جميله على التقدير الذي ذكرناه. قال: (ولا ينقض المعنى في أنهما شرع سواء فيه، وسترى هذا النحو في كلامهم) ونحو هذا في كلامهم قول قائلهم: قم قائما، وقد علم أن وقوع القيام في حال ما هو

стр. 880

قائم، وقال الله تعالى: وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا (١) وقد علم أنه رسول في حال الإرسال. قال: (فأما القلب فباطل لو كان ذلك لكان الحدّ والوجه في قولهم: مررت بامرأة آخذة عبدها فضاربته، النصب، لأن القلب لا يصلح، ولقلت: مررت برجل عاقلة أمّة لبيبة، لأنه لا يصلح أن تقدم لبيبة فتضمر فيها الأم، ثم تقول: عاقلة أمه، وسمعناهم يقولون: هذه شاة ذات حمل مثقلة به، قال الشاعر وهو حسان بن ثابت: ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم ... وفينا نبيّ عنده الوحي واضعه (٢) ومما يبطل القلب قولهم: زيد أخو عبد الله مجنون به، إذا جعلت الأخ صفة، والجنون من زيد بأخيه لأنه لا يستقيم: زيد مجنون به أخو عبد الله، وتقول: مررت برجل معه كيس مختوم عليه، الرفع الوجه لأنه صفة الكيس، والنصب جائز على قوله: فيها رجل قائما، وهذا رجل ذاهبا). قال أبو سعيد: ألزمهم بقبح القلب نصب خبر المبتدإ في: زيد أخو عبد الله مجنون به، وذلك أن زيدا مبتدأ، وأخو عبد الله صفته، ومجنون به خبره، والهاء تعود إلى عبد الله، ولو قيل: زيد مجنون به أخو عبد الله، لم يجز. قال أبو سعيد: قد ذكرنا من الاحتجاج لبطلان اعتبار القلب ما فيه مقنع وكثّر سيبويه المسائل في ذلك تشنيعا على قائله وتقبيحا له، وقد طعن في استشهاده بالبيت، والذي قاله صحيح على ما أذكره. جعل سيبويه الهاء في واضعه ضمير الوحي، وفي واضعه ضمير فاعل للرسول، وقوله: عنده الوحي صفة لرسول، وواضعه صفة أخرى، ومعناه: مفشيه وذاكره، لأنهم ظنوا أنه يخفي ما دبروه فيبلغوا إرادتهم، فأفشاه الوحي فبطل، ولا يحسن القلب فيه لأن الهاء في واضعه ضمير الوحي، فإن قلب فقيل: وفينا رسول واضعه عنده الوحي، فقد قدّم ضمير الوحي وهو الهاء في واضعه، ومعنى الوحي في البيت هو ما بيّنه الله بالوحي من صنيع القوم، والذي كشفه النبي ﷺ

стр. 881

بالوحي، وكشفه النبي ﷺ لأصحابه، وليس بحقيقة الإيحاء، فهذا طريق واضح واحتجاج صحيح من سيبويه والذي ردّ على سيبويه ذهب إلى الظاهر من الوحي الذي هو نزول الملك عليه، وليس ذلك ممّا يضعه النبي ﷺ ، وجعل هذا القائل الهاء في واضعه للذي صنعتم كأنه قال: وفينا رسول الله عنده الوحي مبين ما صنعتم، ولو قدم واضعه على هذا التأويل، فقال: وفينا رسول واضعه، لجاز لأن الهاء ترجع إلى الصنيع، وقد تقدم ذكره في واضعه معنى آخر، وهو أن يكون من قولنا: وضعت الشيء، أي: وضعت منه وأسقطته، فيكون وضع النبي ﷺ لصنعهم إسقاطه وإبطاله. وفيه وجه آخر: أن يكون الوحي مبتدأ، وواضعه: خبره، وعنده: ظرف لواضعه، أو تقدير الكلام. وفينا رسول الوحي واضع ما صنعتم عنده. قال: (فاعلم أنك إذا نصبت في هذا الباب، فقلت: مررت برجل معه صقر صائدا غدا، فالنصب على حاله، لأنّ هذا ليس بابتداء ولا يشبه فيها (عبد الله قائم غدا) لأن الظروف تلغى حتى يكون المتكلم كأنه لم يذكرها في هذا الموضع، فإذا صار مجرورا أو عاملا فيه فعل أو مبتدأ لم يلغه لأنه ليس يرفعه الابتداء. وفي الظروف إذا قلت فيها: أخواك قائمان. ترفعه بالابتداء). قال أبو سعيد: في هذا الفصل من كلام سيبويه ما يختلف في معناه، والذي أقوله: إن سيبويه أراد أن إلغاء الظرف ورفع ما بعده على الابتداء والخبر لا يجوز في هذا الموضع، كما يجوز في المبتدإ الذي ليس قبله شيء كقولك مبتدئا: معك زيد قائما وقائم بالرفع والنصب، فإن نصبته جعلت معك خبر زيد، وجعلت زيدا مبتدأ، ونصبت قائما على الحال، وإن رفعت قائما ألغيت معك وقدّرت زيد قائم، وقائم رفع لأنه خبر، وكذلك فيها عبد الله قائم، يجوز إلغاء فيها ورفع قائم فيكون التقدير: عبد الله قائم، ولا يجوز الإلغاء إذا اتصل الظرف بما يكون نعتا له أو خبرا أو حالا إذا كان مع الظرف الضمير العائد إلى الأول، وذلك قولك في نعت المجرور: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، وفي المنصوب الذي يعمل فيه: رأيت رجلا معه صقر صائدا به غدا، وفي المبتدإ: زيد معه صقر صائدا به غدا. وهذا معنى قوله: (فإذا صار مجرورا أو عاملا فيه فعل أو مبتدأ لم تلغه)، وإلغاؤه

стр. 882

أنك لو حذفت معه لم يعد إلى المنصوب شيء من نعته، ولا إلى المبتدإ شيء من خبره، لأن قولك: معه صقر: جملة، فإذا كانت في موضع نعت أو خبر أو حال لم يكن بدّ من عائد يعود إليه، والعائد هو: الهاء في (معه)، وإذا كان الكلام مبتدأ ليس قبله شيء فليس يمتنع من إسقاط الظرف مانع، كقولك: فيها عبد الله قائم غدا، وفيها أخواك قائمان لا يخل بالكلام إسقاط الظرف وإلغاؤه. وقد ظن من فسّر الكتاب: أن سيبويه يرفع الاسم بالظرف لا بالابتداء، فيكون (صقر) مرفوعا معه، ويتأول قوله: (لأنه ليس يرفعه الابتداء)، والذي عندنا من مذهب سيبويه في هذا الموضع وفي غيره أن الاسم تقدم أو تأخر يرتفع بالابتداء، كقولك: خلفك زيد، وعندك مال، لأنك إذا قلت: إن عندك مالا، نصبته ب (إنّ) والذي تنصبه إنّ هو الذي يرفعه الابتداء. وأما قول سيبويه: (لأنه ليس يرفعه الابتداء)، ترجع الهاء في (لأنه) إلى أول الكلام، وإنما يريد، لأن الهاء المجرورة في (معه) فاعرف ذلك إن شاء الله. قال أبو سعيد: وفيما يرد من كلام سيبويه ما يحتاج إلى تبيين أصول تسهله، فمن ذلك: أن اسم الفاعل إذا جرى على من هو له صفة أو حالا أو خبرا أو صلة، لم يحتج إلى إظهار فاعله، وكان الفاعل مضمرا فيه منونا وإن جرى على غير من هو له احتجت إلى إظهار فاعله كقولك في الصفة: مررت برجل معه امرأة ضاربها. فضاربها: مخفوضا، صفة لرجل ولا تحتاج إلى شيء بعده فإن قلت: ضاربها بالرفع احتجت أن تقول: ضاربها هو، لأنك إذا رفعت فهو صفة للمرأة وفعل للرجل، فجعلت، ضاربه صفة لغير من هو فاعله فاحتجت إلى إظهار الفاعل، وإن قلت: مررت برجل معه امرأة ضاربته لم يحتج إلى إظهار شيء بعده، لأن ضاربته صفة لها وفعل لها، وإن قلت: ضاربته بالخفض فجعلتها نعتا للرجل احتجت إلى أن تقول: ضاربته هي، فتظهر اسم الفاعل فتقول: ضاربته هي، ولو جعلت مكان اسم الفاعل فعلا، لم تحتج إلى إظهار شيء وتكتفي بالضمير الذي فيه، ويكون صفة لغير من هو له، تقول: مررت برجل معه امرأة تضربه، ومررت برجل معه امرأة يضربها. فتجعل تضربه ويضربها صفة لمن شئت منهما ولا تحتاج إلى إظهار اسم الفاعل المستكن في الفعل ألا ترى أنك تقول: مررت برجل تضربه، فيكون تضربه في موضع

стр. 883

الصفة له، والفاعل المخاطب. ولو قلت: مررت برجل ضاربه، لم يجز حتى تقول: أنت، ولو قلت: مررت برجل يضربك، ورددته إلى اسم الفاعل لقلت: مررت برجل ضاربك، ولم تحتج إلى إظهار الفاعل. قال سيبويه: (وتقول: مررت برجل معه امرأة ضاربته)، فهذا بمنزلة: مررت برجل معه كيس مختوم عليه، فهذا جرى على من هو له، فإن قلت: ضاربها، جررت صفة لرجل ونصبت حالا من الهاء، وإن شئت قلت: ضاربها هو، فيكون (هو) توكيدا للضمير الذي في ضاربها، ويجوز أن يكون منفصلا فاعلا للضرب، كقولك: مررت بامرأة ضاربها زيد، وإن شئت جررت وجئت ب (هو) توكيدا، فقلت: برجل معه امرأة ضاربها هو. قال: (ومثل قولك: ضاربها هو قولك: مررت برجل معه امرأة ضاربها، هو قولك: مررت برجل معه امرأة ضاربها أبوه، إذا جعلت الأب مثل زيد)، يعني يكون ضاربها هو متبدأ وخبرا في موضع نعت المرأة، وكذلك إذا قلت: ضاربها أبوه، ولو جعلت مكان أبوه زيدا جاز أيضا، فقلت: مررت برجل معه امرأة ضاربها زيد مبتدأ وخبر في موضع نعت المرأة، والعائد من المرأة إلى الجملة (الهاء) في ضاربها، وذكر أبوه فهو كذكر الأجنبي الذي هو زيد، فإن جعلت الجملة صفة لرجل لم يكن بد من عائد إليه، فقلت: مررت برجل معه امرأة ضاربها هو أو ضاربها أبوه، ولم يجز: ضاربها زيد، لأنه لا شيء فيه يرجع إلى رجل، ويجوز أن تجعل الاسم جاريا على ما هو صفته وترفع ما بعده به، كقولك: مررت برجل معه امرأة ضاربها أبوه أو هو، ولا يجوز أن نصف ما ليس فيه ما يعود إلى الموصوف، ولا حالا مما ليس فيه ما يعود إليه لو قلت: مررت برجل ضاربها زيد، أو مررت بعبد الله ضاربها خالد، لم يجز لأنه ليس فيه ما يعود إلى الأول، وإذا قلت: يا ذا الجارية الواطئها زيد، تنصب الواطئها، لم يجز لأنه صفة للجارية، والضمير يعود إليها. فإن قلت: يا ذا الجارية الواطئها أبوه، جاز للضمير العائد في أبوه إلى المنادى، وإذا قلت: يا ذا الجارية الواطئها، نصبت صفة للمنادى، والتقدير: يا ذا الجارية الذي وطئها فإن جعلت: الواطئها بمعنى التي جعلتها صفة للجارية وخفضتهما، وجئت باسم الفاعل فقلت: الواطئها هو، لأنّ واطئ ليس من فعل التي، وقد وصلتها به فأظهرت اسم الفاعل،

стр. 884

ولا يجوز حذف هو، كما لا يجوز حذف أبوه وزيد، إذا قلت: يا ذا الجارية الواطئها أبوه، ويا ذا الجارية الواطئها زيد، ولو جئت بالذي ووصلتها بفعل استغنيت عن إظهار الضمير فقلت: يا ذا الجارية التي وطئها إذا كان الوطء لزيد، وقد جرى ذكره، ويا ذا الجارية التي وطئها، وإنما جاز ذلك في الفعل ولم يجز في اسم الفاعل لأنّ صيغة الفعل تدل على فاعله، ويقع فيه الضمير الدالّ عليه لفظا، واسم الفاعل ضميره في النية وليست له علامة، ألا ترى أنّا نقول: زيد تضربه، فنعلم أن الفاعل هو المخاطب، وكذلك: زيد أضربه، الضارب هو المتكلم للصيغة الدالة عليه، ولو قيل: زيد ضاربه، يريد ذلك المعنى، لم يستقم ولم يدلك على المراد. قال: (ولو جاز هذا) يعني: (يا ذا الجارية الواطئها، وأنت تريد هو وتحذفها وما أشبهه مما ذكرناه لجاز: مررت بالرجل الآخذه، تريد: أنت، ولجاز: مررت بجاريتك راضيا عنها، تريد: أنت، ولو قلت: مررت بجارية رضيت عنها، أو مررت بجاريتك قد رضيت عنها، كان جيدا لأنك تضمر في الفعل وتكون فيه علامة الإضمار)، وقد مضى الفصل بين الاسم والفعل. وأهل الكوفة يجيزون حذف الفاعل من اسم الفاعل في مثل ما ذكرنا إذا كان له ذكر في أول الكلام كقولك: يدك باسطها، يريد: باسطها أنت، ولذكر الكاف في أوله جاز حذفها، وقد أنشدوا: وإن امرؤ أسرى إليك ودونه ... من الأرض موماة وبيداء سملق لمحقوقة أن تستجيبي لصوته ... وأن تعلمي أن المعار موفّق (١) قالوا: أراد لمحقوقة أنت، وحذف أنت لذكرها في إليك. قال المفسر: والذي عندنا لمحقوقة استجابتك لصوته مبتدأ وخبر، وهي في موضع خبر (أن) في العائد إلى اسم أنّ من الجملة الهاء، في لصوته، ولا يجوز حذف الفاعل بوجه، وقد مضى الاحتجاج لذلك. (وأمّا ربّ رجل وأخيه منطلقين، ففيهما قبح حتى تقول: وأخ له، فالمنطلقان عندنا مجروران من قبل أن قوله: وأخيه في موضع نكرة، لأن المعنى إنما هو وأخ له.

стр. 885

فإن قلت: أمضافة إلى معرفة أم إلى نكرة؟ فإنك قائل: إلى معرفة ولكنّها أجريت مجرى النكرة، كما أنّ مثلك مضافة إلى معرفة وهي توصف بها النكرة وتقع مواقعها، ألا ترى أنك تقول: ربّ مثلك، ويدلك على أنها نكرة أنه لا يجوز لك أن تقول: ربّ رجل وزيد، ولا يجوز لك أن تقول: ربّ أخيه، حتى يكون قد ذكرت قبل ذلك نكرة. ومثل ذلك قول بعض العرب: كلّ شاة وسخلتها، أي: وسخلة لها، ولا يجوز حتى تذكر قبلها نكرة فيعلم أنّك لا تريد شيئا بعينه، وأنك تريد شيئا من أمة كل واحد منهم رجل وضممت إليه شيئا من أمة كلهم، يقال له: أخ، ولو قلت: وأخيه تريد به شيئا بعينه كان محالا، وقال الشاعر: أي فتى هيجاء أنت وجارها ... إذا ما رجال بالرجال استقلّت) (١) وجارها جر عطف على فتى، ومعناه: أيّ فتى هيجاء أنت، وأي جار هيجاء أنت، وجارها: نكرة لأنّ أيّ إذا أضيفت إلى واحد لم يكن إلا نكرة لأنه في معنى الجنس، كقولك: أيّ رجل زيد، ولا تقل: أيّ غلامك زيد، فجارها وإن كان مضافا إلى ضمير هيجاء نكرة مجرورة بإضافة أيّ إليه في التقدير، ولا يجوز أن يكون رفعا لأنه إذا رفع فهو على أحد وجهين: إمّا أن يكون عطفا على أنت، أو عطفا على أيّ. فإن كان عطفا على أنت صار غير أنت، وصار شريك أنت في المدح، وكأنه قال: أيّ فتى هيجاء أنت وزيد، وتكون الهاء في جارها ضمير مؤنث غير هيجاء، كأنه قال: أنت وجار هند وما أشبهها، وإن قدّر أنت وجار الهيجاء، فجار الهيجاء ليس برجل يعرف، وليس قصد الشاعر إلى هذا وإن كان عطف، وجارها على أيّ كان الكلام بإعادة حرف الاستفهام واحتاج أن تقول: أيّ رجل عندك، وأزيد عندك؟ ومتى قال: وجارها لم يكن فيه أي: جارها الذي هو التعجب، قال الأعشى: وكم دون بينك من صفصف ... ودكداك رمل وأعقادها

стр. 886

ووضع سقاء وإحقابه ... وحلّ حلوس وإغمادها (١) وفيها حجة لربّ رجل وأخيه، لأن قولك: من صفصف لا يليه إلا نكرة، كما أنّ ربّ لا يليه إلا نكرة، وأعقادها: معطوف على صفصف كعطف أخيه على رجل، وكذلك أغمادها: معطوف على ما قبلها، ولا تكون إلا نكرة، والذي ذكره من ذلك كلام العرب، وهذه الأبيات شواهده ولم تصر نكرة إلا على الوجه الذي ذكره من تقدّمه، تكون في موضع لا تقع فيه إلا نكرة، وعطف شيء مضاف إلى ضميرها عليها ولا تتجاوز ذلك. (كما أن أجمعين لا يجوز في الكلام إلا وصفا، وكما أنّ أيّا تكون في النداء كقوله: يا هذا، ولا يجوز إلا موصوفا وليس هذا حال الوصف والموصوف في الكلام، كما أنه ليس حال النكرة كحال الذي ذكرت لك). وهذه أشياء شاذة ذكرها سيبويه ليؤنس بشذوذ ربّ رجل وأخيه، وما جرى مجراه ثم استضعف ذلك لخروجه على القياس وقلته. فقال: (وهذا على جوازه، وكلام العرب به ضعيف). هذا باب ينصب فيه الاسم لأنه لا سبيل له إلى أن يكون صفة (وذلك قولك: هذا رجل معه رجل قائمين، فهذا ينتصب لأن الهاء التي في معه معرفة، فأشرك بينهما وكأنه قال: معه امرأة قائمين، ومثله: مررت برجل مع امرأة ملتزمين، فله ضمير إضمار في (مع) كما كان له إضمار في معه، إلا أن المضمر في معه علم، وليس له في مع امرأة علم إلا بالنية، ويدلك على أنه مضمر والنية قولك: مررت بقوم مع فلان أجمعون). قال أبو سعيد: جملة هذا الباب أن يتقدّم اسمان أو أسماء قد أعربت بإعراب مختلف أو إعراب واحد من جهتين مختلفتين، فلا يمكن جمع صفاتها أو تثنيتها بلفظ واحد محمول على الإعراب الأول، فحمل على شيء يجتمعان فيه ممّا يصحّ اجتماعهما على ما أسوقه وأبيّنه إن شاء الله.

стр. 887

وأما قوله: (هذا رجل)، فرجل مرفوع لأنه خبر مبتدإ، وخبره معه، فرفعاها من جهتين مختلفتين فلا يصحّ أن يكون: قائمان نعتا لهما، لأن قائمان لفظ واحد لا يصلح أن يكون رفعا بنعت الابتداء وخبر المبتدإ، فحمل على: معه رجل، ونصب على الحال، والاسمان اللذان منهما الحال: أحدهما: الهاء في معه، والآخر: رجل. وقد تكون الحال من اسمين مختلفي الإعراب، كقولك: ضرب زيد عمرا قائمين، قال الشاعر عنترة: متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف إليتيك وتستطارا (١) وفردين: حال من اسم الفاعل والمفعول في (تلقني) ومثله: تعلقت ليلى وهي ذات مؤصد ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم صغيرين نرعى البهم يا ليت أنّنا ... إلى اليوم لم نكبر ولم يكبر البهم (٢) فصغيرين: حال من التاء في تعلقت، وهي في موضع رفع، ومن ليلى وهي في موضع نصب، والهاء في معه ورجل تأويلهما تأويل فاعلين أو فاعل ومفعول، لأنك إذا قلت: مع عمرو زيد، فتأويله: اجتمعا أو جامع زيد عمرا، ثم تكون الحال منهما على هذا التأويل أو يحمله على هذا، فيكون على التنبيه فتقدير أتيت لهما قائمين أو الإشارة بمعنى: أسير إليهما قائمين. وكذلك: مررت برجل مع امرأة في قولنا: مع امرأة، ضمير مرفوع لرجل في النية لا علم له في اللفظ، كما أنّ في قولنا: معه امرأة فيه ضمير مجرور وهو الهاء، والمعنى: في الاجتماع واحد، ومثل هذا الضمير قولك: مررت بقوم مع فلان أجمعون، في مع فلان: ضمير مرفوع من قوم، أجمعون توكيد له، والنصب في قائمين كالنصب فيهما لو ابتدأت فقلت: معه امرأة قائمين أو معك أو مع زيد. (ومما لا تجوز فيه الصفة: فوق الدار رجل، وقد جئتكم برجل آخر)، لأن

стр. 888

إعرابهما مختلف ولا يحسن أن تنصب هذا على الحال كما نصبت قائمين، وإن كان ليس فيه الألف واللام، لأن المنصوب بالحال لا بد له من عامل واحد مقدّر في نصبه، وليس في قولك: في الدار رجل وقد جئتك برجل آخر، شيء يقع عليهما من تنبيه أو إشارة أو اجتماع. ويقول: (فيما اختلف إعرابه، فلم يمكن اجتماع صفة الاسمين: اصنع ما سرّ أخاك، وأحبّ أبوك الرجلان الصالحان على الابتداء، وتنصبه على المدح والتعظيم كقول الخرنق في قصيدة ": لا يبعدن قومي الذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر النّازلين بكل معترك ... والطّيبون معاقد الأزر) (١) وقال بعض أصحابنا: الرفع أحسن وأكثر في كل شيء كان تعظيما لأنك إذا أثنيت على قوم فإنما تقول: هم كذا. (وأما الألف واللام فلا تكونان حالا البتة، لو قلت: مررت بزيد القائم، كان قبيحا لا يجوز إذا أردت قائما، وإن شئت نصبته على المدح، وذلك قولك: اصنع ما ساء أباك وكره أخوك الفاسقين الخبيثين، وإن شاء ابتدأ، ولا سبيل إلى الصفة في هذا ولا في قولك: عندي غلام وقد أتيت بجارية فارهين، لأنك لا تستطيع أن تجعل فارهين صفة للأول ولا للآخر ولا سبيل إلى أن يكون بعض الاسم جرا وبعضه رفعا، فلما كان كذلك صار بمنزلة: ما كان معه معرفة من النكرات لأنه لا سبيل إلى وصف هذا، كما أنه لا سبيل إلى وصف ذلك، فجعل نصبا كأنه قال: عندي عبد الله، وقد أتيت بزيد فارهين، جعل الفارهين ينتصبان على: النازلين بكل معترك. وفرّوا من الإحالة في: عندي غلام، وقد أتيت بجارية إلى النصب، كما فروا إليه في قولهم: فيها قائما رجل). يريد لما لم يكن صفة غلام وجارية بفارهين لاختلاف إعرابهما، فروا إلى نصب فارهين على المدح، كما هربوا إلى نصب قائما على الحال من قولهم: فيها قائما رجل، لما لم يمكن أن يجعل قائم صفة لرجل لتقدمه عليه.

стр. 889

قال: (واعلم أنه لا يجوز أن تصف المعرفة والنكرة، كما لا يجوز وصف المختلفين، وذلك قولك: هذه ناقة وفصيلها الراتعان، فهذا محال لأن الراتعين لا يكونان صفة للفصيل ولا للناقة، ولا تستطيع أن تجعل بعضها معرفة وبعضها نكرة، وهذا قول الخليل. وزعم الخليل أن الجرين والرفعين إذا اختلفا فهما بمنزلة الجر والرفع وذلك قولك: هذا رجل، وفي الدار آخر كريمين، لأنهما لم يرتفعا من وجه آخر وقبّحه بقوله: هذا لابن إنسانين عندنا كراما، فقال الجر هاهنا مختلف ولم يشرك الآخر فيما جرّ الأول، ومثل ذلك: هذه جارية أخوي ابنين لفلان كراما، لأن أخوي ابنين اسم واحد، والمضاف إليه الآخر منتهاه، ولم يشرك الآخر بشيء من حروف الإشراك فيما جر الاسم الأول، ومثل ذلك: هذا فرس أخو ابنيك العقلاء الحكماء، لأن هذا في المعرفة مثل ذاك النكرة، فلا يكون الكرام والعقلاء صفة للأخوين والابنين، ولا يجوز أن يجرى وصفا لما انجرّ من وجهين، كما لم يجز فيما اختلف إعرابه. ومما لا تجري الصفة عليه: هذان أخواك، وقد تولى أبواك الرجال الصالحون، إلا أن ترفعه على الابتداء وتنصبه على المدح والتعظيم). قال أبو سعيد: اختلاف الرفعين والجرين منع من جمع الصفتين، لأن الصفة تتبع الموصوف في الإعراب، فيكون الإعراب الحاصل في الموصوف وفي الصفة متعلقا بالعامل الذي عمل في الموصوف، فلو جمع الصفتان بلفظ واحد فجعلتا للمرفوعين المتقدمين أو المجرورين، صار لفظ الصفتين وهو واحد معلقا برافعين أو جارّين، فلذلك لم يصلح: هذا رجل في الدار آخر كريمان، لأن الرجل رفع بخبر الابتداء، وآخر مرفوع بالابتداء، وهما عاملان مختلفان لا يحمل كريمان عليهما، ورفع كريمين على الابتداء فهما عاملان مختلفان لا يحمل كريمان عليهما، وكذلك تقول: هذا لابن إنسانين عندنا كراما، على المدح ولم تقل: كرام على الصفة، لأن ابن مجرور باللام، وإنسانين مجروران بإضافة ابن إليهما، فهذان عاملان مختلفان، لا يصلح حمل كرام عليهما، وهو لفظ واحد، وكذلك: هذا فرس أخوي ابنيك العقلاء، لو خفضنا العقلاء وجعلناها صفة للأخوين والابنين كان فاسدا، لأن ابنيك من تمام الأخوين، وليس أخواك من تمام أنفسهما، والصفة داخلة فيما دخل فيه الموصوف، فيكون العقلاء من تمام الأخوين من حيث كان صفة للابنين وغير تمام

стр. 890

لهما من حيث كان صفة للأخوين فيتناقض. قال: (وسألت الخليل عن: مررت بزيد وأتاني أخواه أنفسهما، فقال: الرفع على هما صاحباي أنفسهما، والنصب على أعينهما ولا مدح فيه لأنه ليس مما يمدح به. قال: وتقول: هذا رجل وتلك امرأة منطلقان، وهذا عبد الله وذاك أخوك الصالحان، لأنهما ارتفعا من وجه واحد، وهما اسمان بنيا على مبتدأين. وانطلق عبد الله، ومضى أخوك الصالحان، لأنهما ارتفعا بفعلين، وذهب أخوك وقدم عمرو الرجلان الحكيمان). قال أبو سعيد: لا خلاف بين أصحابنا أنّ الفعلين إذا اتفق معناهما جاز أن يوصف فاعلاهما بلفظ واحد، كقولك: مضى زيد وانطلق عمرو الصالحان، وجلس أخوك وقعد أبوك الكريمان، وإذا اختلف معناهما فمذهب الخليل وسيبويه في الفعلين المختلفين والمتفقين واحد، فأجازا: ذهب أخوك وقدم عمرو الرجلان الحكيمان، وكان المبرد والزجاج وكثير من المتأخرين يأبون جواز ذلك إلا في المتفقين. والحجّة للخليل وسيبويه: أن مذهب عمل الفعل والفاعل مذهب واحد وإن اختلف معنى اللفظين، وممّا يدل على ذلك، أنك تقول: اختلف زيد وعمرو الصالحان، ومعنى اختلف واحد منهما فعل فعلا مخالفا لفعل الآخر، وتقول: فعل زيد وعمرو فعليهما وعملا عمليهما وإن كانا مختلفين لأن اللفظ الواحد من الفعل يجوز أن يقع على مختلفين، وتردّ الفعلان إلى فعل واحد يكون الاسمان فاعليه، فإذا قلت: أذهب أخوك وقدم عمرو الرجلان الصالحان الحكيمان؟ فكأنّا قلنا: فعل أخوك وعمرو هذين الفعلين الصالحان، والذي لا يجيز هذا ويجيز: ذهب زيد وانطلق عمرو الصالحان، يلزمه نحو ما قدرناه، لأن ذهب ارتفع به زيد وحده، وانطلق ارتفع به عمرو وحده، ولا يجوز أن يكون الصالحان يرتفع بالفعلين أو يتعلق بهما، وهو لفظ واحد. فإن قال قائل: نسقط الفعل الثاني في التقدير ونجعله مؤكدا للأول وكانّا قلنا: ذهب زيد وعمرو الصالحان، قيل له: فإذا رفعتهما بالأول بقي انطلق بلا فاعل، وهذا فاسد في مذهب البصريين، وكان أقيس ممّا قالوه: أن لا يجاز ذلك وتجتمع الصفتان وأحد عاملي الاسم غير الآخر، لأن الصفة إذا حملناها على أحد العاملين لم يجز، لأن الموصوف واحد، وإذا حملناها عليهما لم يجز لأنها ترتفع بشيئين، وإنما جاز: هذا رجل، وتلك

стр. 891

امرأة منطلقان، فتجعل منطلقين نعتا للرجل والمرأة لأنهما خبر مبتدأين مشار إليهما وإن كانت إحدى الإشارتين أقرب من الأخرى كفاعلي الفعلين المختلفين. قال: (واعلم أنه لا يجوز من عبد الله، وهذا زيد الرجلين الصالحين، رفعت أو نصبت لأنك لا تثني إلا على من أثبته وعلمته، ولا يجوز أن تخلط من تعلم بمن لا تعلم فتجعلهما بمنزلة واحدة، وإنما الصفة علم فيمن قد علمته). لأن عبد الله لست تعرفه، وإنما تسأل عنه لتعرفه، فإذا نعتّه فسؤالك عنه عن نعته، وزيد تعرفه وتعرف نعته، فإذا ثنيت الصفتين بلفظ واحد، فأنت لا تعرفه من حيث كان نعتا لعبد الله، وتعرفه من حيث كان نعتا لزيد، فيصير لفظ واحد معروفا مجهولا. والله أعلم. هذا باب ما ينتصب لأنه حال صار فيها المسئول والمسئول عنه (وذلك قولك: ما شأنك قائما، وما شأن زيد قائما، وما لأخيك قائما. فهذا حال قد صار فيه وانتصب بقولك: ما شأنك قائما، كما ينتصب قائما في قولك: هذا عبد الله قائما بما قبله، وسنبين هذا في موضعه إن شاء الله تعالى، وفيه معنى: لم قمت؟ يعني: ما شأنك ومالك، قال الله تعالى: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (١) ومثل ذلك: من ذا قائما بالباب؟ أي: من ذا الذي هو قائم بالباب. هذا المعنى تريد. وامّا العامل فيه فبمنزلة: هذا عبد الله، لأنّ من مبتدأ قد بني عليه اسم، وكذلك: لمن الدار مفتوحا بابها؟ وأما قولهم: من ذا خير منك؟ فهو على قوله: من ذا الذي هو خير منك؟ لأنك لم ترد أن تشير أو تومئ إلى إنسان قد استبان لك فعله على المسئول فيعلمكه، ولكنك أردت: من ذا الذي هو أفضل منك، فإن أومأت إلى إنسان قد استبان لك فضله عليه فأردت أن يعلمكه نصبت، كما قلت: من ذا قائما؟ كأنك قلت: إنما أريد أن أسألك عن هذا الذي قد صار في حال قد فضلك بها، ونصبه كنصب: ما شأنك قائما).

стр. 892

قال أبو سعيد: قوله: (قائما) شيء قد عرفه المتكلّم من المسئول، وهو الكاف في شأنك، والمسئول عنه وهو زيد، فسأل عن شأنه في هذه الحال. وقوله: (ما شأنك؟) ما: مبتدأ، وشأنك: خبر في هذه الحال، وإن شئت: شأنك المبتدأ وما خبر مقدم، والناصب ل (قائما) شأنك، ومعناه: ما تصنع وما تلابس في هذه الحال، وقد يكون فيه إنكار لقيامه، والمسألة عن السبب الذي أداه إليه، فكأنه قال: لم قمت؟، وعلى هذا المعنى يجوز أن يكون قوله : فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (١) كأنه أنكر إعراضهم فوبخهم على السبب الذي أدّاه إلى الإعراض، فأخرجه مخرج الاستفهام في اللفظ، وتأويل ما لهم تأويل ما شأنك، كأنه قال: ما تصنعون؟ ومن ذا قائما بالباب؟ أي: من ذا الذي هو قائم بالباب، هذا المعنى يريد: من مبتدأة، وذا خبره، أو يكون ذا: مبتدأ، ومن: خبر مقدم، وقائما: منصوب على الحال، والعامل فيه (ذا) بمعنى الإشارة، كأنه سأل عمّن عرف قيامه ولم يعرفه. ولمن الدار مفتوحا بابها؟ الدار: مبتدأ، ولمن: الخبر، وفي اللام معنى الملك، كأنه قال: من يملك الدار مفتوحا بابها؟ وأما قولهم: من ذا خير منك؟ فيجوز أن تكون، من: مبتدأ، وذا: خبره، وخير منك: بدل منه، فكأنه قال: من خير منك، ويجوز أن يكون ذا بمعنى الذي، ويكون تقديره: من ذا الذي هو خير منك. وأكثر ما يستعمل هذا على إنكار أن يكون أحد خيرا منه، كقولك: من ذا أرفع من الخليفة؟ والغرض: ما أجد أرفع منه، ولم يرد أن يشير أو يومئ إلى إنسان قد استبان لك فضله، فتسأل عنه في حال استبانة فضله لك، ولو أردت ذلك نصبته كما نصبت: من ذا قائما بعد أن عرفت قيامه، ولم تعرفه: والله أعلم بالصواب. هذا باب ما ينتصب على التعظيم والمدح (وإن شئت جعلته صفة فجرى على الأول وإن شئت قطعته وابتدأته وذلك قولك: الحمد لله الحميد، والملك لله أهل الملك. ولو ابتدأته فرفعت كان حسنا، كما قال الأخطل:

стр. 893

نفسي فداء أمير المؤمنين إذا ... أبدى النّواجذ يوم باسل ذكر الخائض الغمر والميمون طائره ... خليفة الله يستسقى به المطر) (١) قال أبو سعيد: هذا الباب في التعظيم والمدح، والباب الذي في الشتم والتقبيح يجريان مجرى واحدا، والإعراب فيهما على طريق واحد، وفي كل واحد منهما ثلاثة أوجه: إمّا الصفة واتباع الثاني الأول، وإن كان قصدك فيه المدح والثناء كنحو ما يذكر من تكبير صفات الله تعالى على جهة المدح له والثناء عليه. وإمّا أن تنصبه بإضمار أذكر. وإمّا أن تستأنفه فترفعه بإضمار الابتداء. والذي يصيره مدحا وثناء أو شتما وتقبيحا، قصد المتكلم به إلى ذلك، وربما قصد الإنسان بقوله: فلان فاضل شجاع إلى الهزء به، ويتبين ذلك في لفظه من محاوره، وهذا معروف في عادات كلام الناس، وقد ذكرناه مفصلا قبل هذا الباب، وأنا أسوق كلامه في البابين، وما احتمل زيادة زدت، والله المعين، وأنشد في الاستئناف قول مهلهل: ولقد خبطن بيوت يشكر خبطة ... أخوالنا وهم بنو الأعمام (٢) فاستأنف أخوالنا على معنى: هم أخوالنا، ولو خفضه على النعت ليشكر لجاز. وقوله تعالى: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ (٣). في المقيمين وجهان: أحدهما: أن يكون منصوبا على المدح والثناء. والآخر: أن يكون مجرورا بالعطف على ما، فيكون معناه: ويصدّقون بما أنزل إليك وبالمقيمين الصلاة أي: بمذاهبهم وبدينهم، والمؤتون الزكاة مبتدأ مستأنف أو عطف على الراسخين.

стр. 894

وأمّا قوله : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (١) إلى قوله: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ (٢)، " فالموفون بعهدهم " يحتمل وجهين: يحتمل أن يكون مدحا، ويكون التقدير: وهم الموفون بعهدهم فإذا كان كذلك، كان نصب الصابرين على وجهين: أحدهما: العطف على ذوي القربى. والآخر: أن يكون على المدح بإضمار (أذكر). والوجه الآخر من رفع الموفون: أن يكون عطفا على من آمن بالله، فإذا ارتفع بذلك كان نصب الصابرين على المدح لا غير، ولا يجوز أن ينصب بالعطف على ذوي القربى، لأن ذوي القربى في صلة من آمن بالله، لأنّ (آتى) معطوف على آمن، ولا يجوز أن يعطف الموفون على (من) إلا بعد تمام صلته فيصير (والصابرين) منقطعا عن الصلة، وأنشد قول الخرنق في رفع المدح ونصبه، وهو: لا يبعدن قومي الذين هم ... سمّ العداة وآفة الجزر النّازلين بكل معترك ... والطيبون معاقد الأزر (٣) ومثله في الرفع والنصب قول أبي خياط العكلي: وكلّ قوم أطاعوا أمر مرشدهم ... إلا نميرا أطاعت أمر غاويها الظّاعنين ولمّا يظعنوا أحدا ... والقائلون لمن دار نخلّيها (٤) (وزعم يونس: أن العرب من يقول: النازلون بكل معترك والطيبين، فهذا مثل: والصابرين، ومن العرب من يقول: الطاعنون في القائلين، فنصبه كنصب الطيبين إلا أنّ هذا شتم لهم وذم، كما أن الطيبين مدح لهم وتعظيم، وإن شئت أجريت هذا كله على الاسم الأول، وإن شئت ابتدأته جميعا فكان مرفوعا على الابتداء. كل هذا جائز في ذين البيتين وما أشبههما، كل ذلك واسع.

стр. 895

وزعم يونس أنه سمع ذا الرّمة ينشد هذا البيت نصبا وهو للأخطل: لقد حملت قيس بن عيلان حربها ... على مستقلّ للنوائب والحرب أخاها إذا كانت عضوضا سما لها ... على كل حال من ذلول ومن صعب) (١) الشاهد: نصب أخاها، وهو المستقلّ المجرور. (وزعم الخليل أن نصب هذا على أنك لم ترد أن تحدّث الناس ولا من تخاطبه بأمر جهلوه، ولكنهم عملوا من ذلك ما قد علمت، فجعلته تعظيما وثناء، ونصبه على الفعل كأنه قال: اذكر أهل ذاك، واذكر المقيمين، ولكنه فعل لا يستعمل إظهاره. وهذا شبيه بقوله: إنّا بني فلان نفعل كذا، لأنه لا يريد أن يخبر من لا يدري أنه من بني فلان، ولكنه ذكر مراتبها افتخارا وابتهاء، إلا أن هذا يجري على حرف النداء، وستراه في باب النداء إن شاء الله). نصب بني فلان كنصب ما يمدح على المدح، وسأشرحه في بابه بما أتم من هذا إن شاء الله. وترك إظهار الناصب له كترك إظهار الناصب في باب النداء، ومن هذا الباب في النكرة قول أمية بن أبي عائذ: ويأوي إلى نسوة عطّل ... وشعثا مراضيع مثل السّعالي (٢) الشاهد في نصب شعثا. كأنه حيث قال: إلى نسوة عطل، صرن عنده ممن علم أنّهنّ شعث، ولكنه ذكر ذلك تشنيعا لهنّ وتشويها. (قال الخليل: كأنه قال: اذكرهنّ شعثا، إلا أن هذا فعل لا يستعمل إظهاره، وإن شئت جررت على الصفة. وزعم يونس: أن ذلك أكثر، كقولك: مررت بزيد أخيك وصاحبك، وكقول الراجز: بأعين منها مليحات النّقب ... شكل التّجار وحلال المكتسب (٣)

стр. 896

قال: كذلك سمعناه من العرب. الشاهد: في شكل التجار، وهو صفة لنكرة، وهو في مذهب: قيد الأوابد، ومعناه: موافقة التجار في الزي ومشاكلتهم فيه، فكأنه قال: مشاكلة التجار، وقوله: وحلال المكتسب، أي: ليس فيهن تبرّج وتكشّف يحرم، ولكن خفر وحياء وتستر، وذلك: حلال المكتسب. وقال مالك بن خويلد الخناعيّ: يا ميّ لا يعجز الأيّام ذو حيد ... في حومة الموت رزّام وفرّاس يحمي الصّريمة أحذان الرّجال له ... صيد ومجترئ بالليل همّاس) (١) قال أبو سعيد: وروى هذا الشعر أيضا لأبي ذؤيب ووقع في البيت الأول من هذين البيتين غلط في كتاب سيبويه، لأن قوله: ذو حيد، وعل، ورزّام، وفرّاس: أسد، والصواب الذي حملته الرواة: يا ميّ لا يعجز الأيّام ذو حيد ... بمشمخرّ بهذا الظيّان والآس ذو حيد، وعل، ومشمخرّ: جبل، والظيّا: ياسمين البرّ. وروى أبو العباس المبرد: ذو حيد بفتح الحاء والياء، وجعله مصدرا بمنزلة العوج والأود. والذي رواه أبو العباس: ثعلب حيد بكسر الحاء، وكذلك رواه أبو سعيد السكري في شعر الهذليين، وفسره جمع حيدة بعد هذا البيت بأبيات في القصيدة: يا ميّ لا يعجز الأيّام مبترك ... في حومة الموت رزّام وفرّاس يحمي الصّريمة أحدان الرجال له ... صيد ومجرئ بالليل همّاس ومما حمل على الابتداء قوله: (فتى الناس لا يخفى عليهم مكانه ... وضرغامة إن همّ بالحرب أوقعا (٢) وقال الآخر: إذا لقي الأعداء كان خلاتهم ... وكلب على الأذنين والجار نابح (٣)

стр. 897

قال: كذا سمعناهما من الشاعرين اللذين قالاهما. قال: واعلم أنه ليس كل موضع يجوز فيه التعظيم، ولا كل صفة يحسن أن يعظّم بها، لو قلت: مررت بعبد الله أخيك صاحب الثياب أو البّزاز، لم يكن هذا مما يعظم به الرجل عند الناس، ولا يفخم له، ولها الموضع الذي لا يجوز فيه العظيم، فإن تذكر رجلا ليس بنبيه عند الناس ولا معروف بالتعظيم، ثم تعظمه كما تعظم النبيه، وذلك قولك: مررت بعبد الله الصالح، فإن قلت: مررت بقومك الكرام الصالحين ثم قلت: المطعمين في المحل، جاز لأنه إذا وصفهم صاروا بمنزلة من قد عرف منهم ذلك، وجاز له أن يجعلهم كأنهم قد علموا فاستحسن من ذا ما استحسنت العرب، وأجزه كما أجازته، وليس كل شيء من الكلام يكون تعظيما لله يكون لغيره من المخلوقين لو قلت: الحمد لزيد، تريد العظمة لم يجز وقد يجوز أن تقول: مررت بقومك الكرام، إذا جعلت المخاطب كأنه قد عرفهم، كما قال: مررت برجل زيد، فتنزله منزلة من قال له: من هو وإن لم يتكلم به. فكذلك هذا تنزله هذه المنزلة وإن كان لم تعرفهم). قال أبو سعيد: يحتاج التعظيم إلى اجتماع معنيين في المعظّم: أحدهما: أن يكون المعنى الذي عظّم به فيه مدح وثناء ورفعة. والآخر: أن يكون المعظّم قد عرفه المخاطب وشهر عنده ما عظّم به أو يتقدم من كلام المتكلم ما يتقرر به عند المخاطب حال مدح وثناء وتشريف في المذكور يصح أن يورد بعدها التعظيم، وهذا معنى ما ذكره سيبويه: (مررت بقومك الكرام، ثم قلت: المطعمين في المحل)، وتقول: مررت بعبد الله الكريم الفاضل، على التعظيم لمّا قدمت ذكر الكريم صار كأنه قد عرف وشهر، فتدبر ذلك إن شاء الله تعالى. هذا باب ما يجري من الشتم مجرى التعظيم وما أشبهه (وذلك: أتاني زيد الفاسق الخبيث، لم يرد أن يكرره، ولا يعرفك شيئا تنكره، ولكنه شتمه بذلك.

стр. 898

وبلغنا أن بعضهم قرأ هذا الحرف نصبا: في وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (١)، لم يجعل الحمالة خبرا للمرأة، ولكنه كأنه قال: اذكر حمالة الحطب شتما لها، وإن كان فعلا لا يستعمل إظهاره وقال عروة الصعاليك. سقوني الخمر ثم تكنّفوني ... عداة الله من كذب وزور (٢) إنما شتمهم بشيء قد ثبت عند المخاطبين، قال النابغة: لعمري وما عمري عليّ بهيّن ... لقد نطقت بطلا عليّ الأقارع أقارع عوف لا أحاول غيرها ... وجوه قرود تبتغي من تجادع (٣) وزعم يونس أنك إن شئت رفعت البيتين جميعا على الابتداء، تضمر في نفسك شيئا لو أظهرته لم يكن ما بعده إلا رفعا ومثل ذلك قال الشاعر: متى تر عيني مالك وجرانه ... وجنبيه تعلم أنّه غير ثائر حضجر كأمّ التوأمين توكأت ... على مرفقيها مستهلة عاشر) (٤) والذي يضمر في الرفع هو وهم أو ما أشبه ذلك مما يوجب رفع الظاهر وقد مضى نحو هذا في المدح والتعظيم. قال: (وزعموا، أبا عمرو كان ينشد هذا البيت نصبا، والشعر لرجل معروف من أزاد السراة: قبّح من يزني بعو ... ف من ذوات الخمر الآكل الأشلاء لا ... يحفل ضوء القمر) (٥) الآكل نصب على الذم والشتم، بمعنى أذكر يعني به عوفا المخفوض في البيت الأول، والأشلاء جمع شلاء وهي المشيمة، وهي مستقذرة، وذلك مثل يريد: أن الرجل يأتي الأمور القبيحة لا يحفل ولا يبالي ظهورها عليه، وإن شاء جعله صفة فجرّه على الاسم، فقال: الآكل لأنه نعت عوف.

стр. 899

(وزعم يونس- وفي بعض النسخ عيسى- أنه سمع الفرزدق ينشد: كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت عليّ عشابي شغارة تقذ الفصيل برجلها ... فطّارة لقوادم الأبكار (١) جعله شتما كأنه حين ذكر الحلب صار من يخاطب عنده عالما بذلك، ولو ابتدأه وأجراه على الأول كان جائزا عربيا). وترتيب الأبيات في شعره بين البيت الأول والثاني: كنّا نحاذر أن تضيع لقاحنا ... ولها إذا سمعت دعاء يسار (٢) شغارة: تبول كما يشغر الكلب ببوله، تقذ الفصيل برجلها إذا دنا من أمه وهي تحلب تضربه برجلها من خلف مثل الرمح فتدقّ عنقه، والفطر: الحلب بالسبابة والوسطى وتستعين بطرف الإبهام، والخلفان: المقدمان من الضرع، هما القادمان، والجمع: قوادم، والأبكار تحلب قطرا لأنه لا يمكن حلبها صبا لأن أخلافهن صغار قصار والأبكار جمع بكر، أوّل ما تلد، ويسار: اسم راع إذا سمعت دعاءه ولهت إليه صبابة به، رماها بالربية. وقال: (طليق الله لم يمنن عليه ... أبو داود وابن أبي كثير ولا الحجاج عيني بنت ماء ... تقلّب طرفها حذر الصقور) (٣) الشاهد: في نصب عيني بنت ماء، على الشتم، وبنت ماء: طائر. أما قول حسان بن ثابت: حار بن كعب ألا أحلام تزجركم ... عنّي وأنتم من الجوف الجماخير لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير (٤) فلم يرد أن يجعله شتما، ولكنه أراد أن يعدّد صفاتهم ويفسرها، فكأنه قال: أمّا أجسامهم فكذا، وأمّا أحلامهم فكذا.

стр. 900

قال الخليل: لو جعله شتما فنصبه على الفعل كان جائزا). قال أبو سعيد: لم يجعل جسم البغال شتما، لأن عظم الأجسام ليس بشتم ولا ذمّ، وإنما ذمهم بأنهم ليس لهم من الأحلام ما يشاكل عظم أجسامهم، وإنما قال الخليل: لو جعله شتما فنصبه جاز، لأن عظم الأجسام مع قلة العقول ذم أبلغ من ذمّ صغر العقل مع صغر الجسم. (وقد يجوز أن تنصب ما كان صفة على معنى الفعل ولا تريد مدحا ولا ذما ولا شتما مما ذكرت لك. قال الشاعر: وما غرّني حوز الرّزاميّ محصنا ... عواشيها بالجو وهو خصيب (١) ومحصن: اسم الرّزامي محصنا، فنصبه على (أعني)، وهو فعل يظهر لأنه لم يرد أكثر من أن يعرفه بعينه، ولم يرد افتخارا ولا ذما ولا مدحا، وكذلك سمع هذا البيت من أفواه العرب وزعموا أنّ اسمه محصن. قال: ومن هذا الترحّم، والترحّم أن يكون بالمسكين والبائس ونحوه، ولا يكون بكل صفة، ولا كل اسم، ولكن يترحم بما ترحمت به العرب). قال أبو سعيد: مذهب الترحم على غيره منهاج التعظيم والشتم، وذلك أن الاسم الذي يعظم به، والاسم الذي يشتم به شيء قد وجب للمعظم والمشتوم، وشهرا وعرفا به قبل التعظيم والشتم، فيذكره المعظم أو الشاتم على جهة الرفع منه والثناء، أو على جهة الوضع منه والذم، والترحم إنما هو رقة وتحنّن يلحق الذاكر على المذكور في حال ذكره إياه، رقة عليه وتحننا. وإعرابه على ما أسوقه من كلامه. قال: (وزعم الخليل أنه يقول: مررت به على المسكين، على البدل، وفيه معنى الترحم، وبدله كبدل: مررت به أخيك). وقال: (فأصبحت بقرقرى كوانسا ... فلا تلمه أن ينام البائسا (٢)

стр. 901

وكان الخليل يقول: إن شئت رفعته من وجهين، فقلت: مررت به البائس، كأنه لمّا قال: مررت به، قال المسكين: هو كما يقال مبتدئا: المسكين هو والبائس أنت). فهذا أحد وجهي الرفع جعل المسكين مبتدأ وخبره هو المضمرة، وجعلهما على كلامين، كأنّ قائلا قال: من هو؟ فقال: المسكين هو الوجه الآخر من وجهي الرفع أن تجعل المسكين ابتداء وخبره: مررت به، وقد أتى به فيما بعد. قال: (وإن شاء، مررت به المسكين فنصب كما قال: بنا تميما يكشف الضّباب (١) وفيه معنى الترحم كما كان في قوله رحمة الله عليه، معنى ﵀ يريد أنّ نصب المسكين بإضمار شيء من ألفاظ الرحمة له، كأنه قال: ارحم المسكين أو ما أشبهه، كما أنّ قوله: (بنا تميما تنصب تميما بإضمار شيء يوجب الاختصاص والفخر). وقوله: ﵀، يريد قول القائل: رحمة الله على زيد، وهو مبتدأ وخبر فيه معنى ﵀ الذي يراد به الدعاء، وكذلك إذا نصبت المسكين ففيه معنى المبتدإ والخبر إذا رفعت المسكين، والنصب والرفع واحد. وذكر عن يونس: مررت به المسكين، على: مررت به مسكينا، ورد عليه: بأنّ الحال لا تدخلها الألف واللام، ولو جاز هذا لجاز: مررت بعبد الله الظريف، تريد: ظريفا. وقد ذكرنا من مذهب يونس وغيره قبل هذا، أنّه قد تذكر الألف واللام ويراد طرحهما. وربما أرادوا الألف واللام فيما ليستا فيه. وبينا فساد ذلك. ويجوز نصب المسكين على أحسن من الحال، كأنه قال: لقيت المسكين، لأنه إذا قال: مررت بعبد الله، فهو عمل كأنه أظهر عملا، وكأن الذين حملوه على هذا إنما حملوه فرارا من أن يصفوا المضمر، فكان حملهم إياه على الفعل أحسن. (وزعم الخليل أنه يقول: إنه المسكين أحمق على الإضمار الذي جاز في:

стр. 902

مررت، كأنه قال: إنه هو المسكين أحمق، وهو ضعيف، وجاز هذا أن يكون فصلا بين الاسم والخبر، لأن فيه معنى المنصوب الذي أجريته مجرى: إنّا تميما ذاهبون). قال أبو سعيد: الهاء في (إنه) اسم إنّ، وأحمق: خبره، وهو المقدرة مع المسكين: ابتداء وخبر، وهي جملة قد فصلت بين الاسم والخبر. ويسمي النحويون هذا وما جرى مجراه: الاعتراض، وجوزوا ذلك لأن فيه اختصاصا للأول وشبهه الخليل ب (إنّا تميما) للاختصاص فيه، وهو مع ذلك ضعيف. ولو قال: إنه المسكين أحمق على الاختصاص والإيضاح، كان جائزا على معنى: أعني المسكين. (وإذا قلت: بي المسكين، كان الأمر، أو بك المسكين مررت، فلا يحسن فيه البدل لأنك إذا عنيت المخاطب أو نفسك فلا يجوز أن تكون لا تدري من تعني، لأنك لست تحدّث عن غائب، ولكنك تنصبه على قولك: بنا تميما، وإن شئت رفعته على ما رفعت عليه ما قبله، فهذا المعنى يجري على هذين الوجهين والمعنى واحد، كما اختلف اللفظان في أشياء كثيرة والمعنى واحد). قال أبو سعيد: لم يجز البدل في المتكلم والمخاطب، لأنّ الأسماء الظاهرة لا تقع مواقع أسمائها، لا تقول: قمت زيد، ولا ذهبت عمرو، على البدل، لأنك لا تقول: قام زيد، وذهب عمرو، وأنت تريد المتكلم والمخاطب، ولذلك لا تقول: بالمسكين كان الأمر، وأنت تريد المخاطب أو المتكلم. قال: (وأمّا يونس فزعم أنه ليس ترفع شيئا من الترحم على إضمار شيء يرفع، ولكنه إن قال: ضربته، لم يقل أبدا إلا المسكين، يحمله على الفعل، وإن قال: ضرباني، قال: المسكينان، يحمله أيضا على الفعل، وكذلك: مررت به المسكين، يحمل الرفع على الرفع، والجر على الجر، والنصب على النصب). وزعم أن الرفع الذي ذكرناه خطأ وهو قول الخليل وابن أبي إسحق. وإنما رأى يونس ذلك خطأ لأنه يحتاج إلى إضمار وحذف، فإذا كان إيضاحه وبيانه يستغني عن إضمار وحذف، كان حمله على ما حضر من الكلام أولى. وقد ذكرنا ما نصبه يونس مما فيه الألف واللام على الحال. والخليل وابن أبي إسحق ذهبا إلى أن الرفع في باب التعظيم وباب الشتم قد جاء وهو كثير، وحملا

стр. 903

هذا عليه. وقال أبو العباس محمد بن يزيد: أختار قول الخليل وابن أبي إسحق، وأجيز قول يونس في الموضع الذي نحتاج فيه إلى الإيضاح نحو إضمار الغائب، والله أعلم. هذا باب ما ينتصب لأنه خبر للمعروف المبنيّ على ما هو قبله من الأسماء المبهمة (والأسماء المبهمة: هذا، وهذان، وهذه، وهاتان، وهؤلاء، وذلك، وذانك، وتلك، وتانك، وتيك، وأولئك، وهو، وهي، وهما، وهن، وما أشبه ذلك من هذه الأسماء، وما ينتصب لأنه خبر للمعروف المبني على الأسماء غير المبهمة. فأمّا المبني على الأسماء المبهمة، فقولك: هذا عبد الله منطلقا، وهؤلاء قومك منطلقين، وهذا عبد الله ذاهبا، وهذا عبد الله معروفا. ف (هذا): اسم مبتدأ ليبنى عليه ما بعده، وهو: عبد الله، ولم يكن ليكون هذا كلاما حتى يبنى عليه أو يبنى هو على ما قبله، فالمبتدأ مسند، والمبني عليه مسند إليه، فقد عمل هذا فيما بعده مما يعمل الجارّ والفعل فيما بعده، والمعنى أنك تريد أن تنبهه له منطلقا، لا تريد أن تعرّفه عبد الله، لأنك ظننت أنه يجهله، فكأنك قلت: انظر إليه منطلقا، ف (منطلق): حال صار فيها عبد الله، وحال بين منطلق وهذا، كما حال بين راكب والفعل حين قلت: جاء عبد الله راكبا، صار جاء ل (عبد الله) وصار الراكب حالا، فكذلك هذا، وذاك بمنزلة هذا، إلا أنك إذا قلت: هذا فأنت تنبّه لشيء بحضرتك، وإذا قلت: ذاك فأنت تنبّه لشيء متراخ، وهؤلاء بمنزلة هذا، وأولئك بمنزلة ذاك، وتلك بمنزلة ذاك، وكذلك هذه الأسماء المبهمة التي توصف بالأسماء التي فيها الألف واللام). قال أبو سعيد: ترجم الباب بما ضمنه من الأسماء المبهمة، وفصّلها، ومثّلها، ووصل بها ما ليس مبهم من الأسماء المضمرة وهو، وهي، وهما، وهم، وهن، وإنما خلطها بالمبهمة لقرب الشبه بينهما، ولأنه بني عليها مسائل في الباب، وعلى أنّ أبا العباس المبرد قال: علامات الإضمار كلها مبهمة، والمبهم على ضربين:

стр. 904

فمنه ما يقع مضمرا، ومنه ما يقع غير مضمر. وإنما صارت كلها مبهمة من قبل أنّ هو وأخواتها، وهذا وأخواتها تقع على كل شيء ولا تفصل شيئا من شيء من الموات والحيوان وغيره. وأمّا النصب في: هذا عبد الله منطلقا، وما ذكره معه فعلى الحال، والعامل فيه أحذ شيئين: إمّا التنبيه وإمّا الإشارة. فأمّا التنبيه فهو ب (هاء)، وأمّا الإشارة فهي ب (ذا)، فإذا أعملت التنبيه فالتقدير: انظر إليه منطلقا، وأمّا إذا أعلمت الإشارة فالتقدير: أشير إليه منطلقا، والمقصد أنك أردت أن تنبه المخاطب ل (عبد الله) في حال انطلاقه، ولا بد من ذكر منطلقا، لأن الفائدة به تنعقد، ولم ترد أن تعرّفه إياه وأنت تقدر أنه يجهله، كما تقول: هذا عبد الله، إذا أردت هذا المعنى. فإن قال قائل: إذا استغنى الابتداء بخبره في قولك: هذا، فما الذي يضطر إلى ذكر ما ليس بابتداء ولا خبر، وإنما هو حال والحال مستغنى عنها؟ قيل له: قد يتصل بالاسم والخبر ما ليس باسم ولا خبر، ولا يتم الكلام إلا به كقوله : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (١)، لو حذفنا (له) وليس هو باسم ولا خبر، لبطل الكلام، ولو قلنا: ما في الدنيا رجل يبغضك، لكان يبغضك في موضع الصفة لرجل، ورجل مبتدأ، وفي الدنيا خبره، وإنما الاعتماد على نفي البغض، وإنما ذكرت رجلا ليعتمد يبغضك عليه في تصحيح اللفظ، لأنه لو قال: ما في الدنيا يبغضك، لم يجز، ولو قال: ما في الدنيا مبغض لك، لقبح حيث حذفت الموصوف في موضع يحتاج فيه إلى اسم، والأصل في ذلك: عبد الله منطلق، عبد الله: مبتدأ، ومنطلق: خبره، ثم اتفق لك قرب عبد الله منك وأردت أن تنبه المخاطب عليه، فأدخلت هذا للتقريب والتنبيه، وهو اسم فلا بد له من موقع في الكلام ولإصلاح اللفظ، وهو أول الكلام، فرفع هذا بالابتداء وجعل عبد الله خبره، فاكتفي به ونصب منطلقا على الحال على ما شرحناه. ولا يستغنى عن منطلق لأنه خبر في المعنى، كما لا يستغنى عن الرجل في قولك: يا

стр. 905

أيها الرجل، وإن كان صفة لأيّها، لأن الرجل هو المقصود بالنداء في الأصل. والكوفيون يسمون هذا (التقريب) وفيه وفي أمثاله كلام يطول. والإشارة بذاك إلى الشيء المتراخي كالإشارة بهذا إلى ما قرب. وأما قوله: (المبتدأ مسند والمبني عليه مسند إليه)، فقد ذكرنا فيه في أول الكتاب وجوها، هذا واحد منها. قال: (وأمّا هو فعلامة مضمر وهو مبتدأ، وحال ما بعده كحاله بعد هذا، وذلك قولك: هو زيد معروفا، فصار المعروف حالا، وذلك أنك ذكرت للمخاطب إنسانا كان يجهله أو ظننت أنه يجهله، وكأنك قلت: انتبه أو الزمه معروفا، فصار حالا، كما كان المنطلق حالا حين قلت: هذا زيد منطلقا، والمعنى أنك أردت أن توضح أن المذكور زيد حين قلت: معروفا، ولا يجوز أن تذكر في هذا الموضع إلا ما أشبه المعروف، لأنه يعرّف ويؤكّد، فلو ذكر هاهنا الانطلاق كان غير جائز، لأن الانطلاق لا يوضح أنه زيد ولا يؤكده. ومعنى قوله: معروفا لا شكّ فيه وليس ذا في منطلق. وكذلك: هو الحقّ بيّنا ومعلوما، لأنّ ذا مما يوضح ويؤكّد به الحق، وكذلك: هي، وهما، وهم، وهنّ، وأنا، وأنت، وأنت. قال ابن دارة: أنا ابن دارة معروفا بها نسبي ... وهل بدارة يا للنّاس من عار) (١) قال أبو سعيد: اعلم أن النصب في: هذا زيد منطلقا، على غير وجه النصب في قولنا: هو زيد معروفا. ويبين ذلك لك أنك لا تقول: هو زيد منطلقا، فعلمت أن النصب فيهما مختلف. أمّا النصب في: هذا عبد الله منطلقا، فقد ذكرناه. أمّا نصب: هو زيد معروفا، فعلى جهة التوكيد لما ذكرته، وخبّرت به، وذلك أنك إذا قلت: هو زيد، فقد خبّرت بخبر يجوز أن يكون حقا، ويجوز أن يكون باطلا، وظاهر الإخبار يوجب أن المخبر يحقق ما خبّر به، فإذا قال: هو زيد معروفا، فكأنه قال: لا

стр. 906

شكّ فيه، وكأنه قال: أحقّ ذلك، والعامل فيه أحقّ وما أشبهه، وليس في هو ولا في زيد معنى فعل يعمل في (معروفا)، ولكن الجملة دلّت على أحقّ وأعرف أو نحو ذلك. ومن أجل ذلك لم يجز أن تقول: هو زيد منطلقا، لأنه لو صحّ له انطلاقه لم يكن فيه دلالة على صدقه فيما قاله، كما أوجب قوله: معروفا له نسبي، أنه أنبّه. وكل ما أوردت من الحال مما فيه توكيد للإخبار جاز، (كقولك: هو عبد الله، وأنا عبد الله فاخرا أو موعدا، أي أعرفني كما كنت تعرفني، وبما كان يبلغك عني، ثم تفسر الحال التي تعلمه عليها أو تبلغه، فيقول: أنا عبد الله كريما جوادا، وهو عبد الله شجاعا بطلا)، وهذه الصفات وما جانسها مما يكون مدحا في الإنسان يعرف بها، جوز أن تأتي مؤكدة للخبر، لأنها أشياء يعرف بها فذكرها مؤكد لذاته. فأمّا منطلقا وقاعدا وما أشبه ذلك مما لا يعتد به الإنسان في مدح ولاذم، فلا يكون تحقيقا للإخبار. ومن ذلك قولك: (إني عبد الله، إذا صغرت نفسك لربك، ثم تفسر حال العبد فتقول: أكلا كما يأكل العبد)، فأكلك كما يأكل العبد قد حقق أنك عبد الله، فعلى هذا المعنى ونحوه يصح ذلك ويفسد. قال: (وإذا ذكرت شيئا من هذه الأشياء التي هي علامة للمضمر، فإنه محال أن يظهر بعدها الأسماء وإذا كنت تخبر عن عمل أو صفة غير عمل ولا تريد أن تعرّفه بأنّه زيد أو عمرو)، يعني: أنك إذا أردت أن تخبر عن الضمير بعمل أو صفة غير عمل، قلت: أنا منطلق، وهو ذاهب، وأنا معروف، وهو شجاع، وأنا كريم، وما أشبه ذلك، ولم يجز أن تقول: أنا زيد كريم، ولا هو عمرو شجاع، فتجعل زيدا بيانا ل (أنا)، وعمرا بيانا ل (هو)، لأنهما مستغنيان عن إنسان، وإنما تقول: أنا زيد، وهو عمرو، إذا كنت تعرّف من يجهل أنّك زيد وأنه عمرو، ثم تأتي بعده الحال التي هي حقيق له على نحو ما ذكرناه. قال سيبويه: (ولو أن رجلا من إخوانك ومعرفتك أراد أن يخبرك عن نفسه، أو عن غيره بأمر فقال: أنا عبد الله منطلقا، وهو زيد منطلقا، كان محالا لأنه إنما يريد أن يخبرك بالانطلاق، ولم تقل هو ولا أنا حتى استغنيت أنت عن التسمية، لأنّ هو وأنا علامتان للمضمر وإنما يضمر إذا علم أنّك قد عرفت من يعني) وقد بيّنا هذا. ثم قال: (إلا أن رجلا لو كان خلف حائط أو في موضع تجهله فيه فقلت: من

стр. 907

أنت؟ فقال: أنا زيد منطلقا في حاجتك، كان حسنا). وإنما استحسنه سيبويه في هذا الموضع لأنه كان عهده منطلقا في حاجته من قبل أن يقول له: من أنت؟، فصار ما عهده به بمنزلة شيء ثبت له في نفسه كشجاع وبطل وكريم، فنصبه كنصب: أنا عبد الله كريما، وهو عبد الله شجاعا بطلا. قال: (وأمّا ما ينتصب لأنه خبر لمبنيّ على اسم غير مبهم، فقولك: أخوك عبد الله معروفا، هذا يجوز فيه جميع ما جاز في الاسم الذي بعد هو وأخواتها، ويحال فيه ما يحال في الأسماء المضمرة). قال أبو سعيد: أخوك عبد الله معروفا، جائز كما يجوز: أنا عبد الله معروفا، وأخوك عبد الله منطلقا، لا يجوز، أنا عبد الله منطلقا، لأن أخوك إذا كان للنسب فليس هو فيه معنى فعل ينتقل فيكون أخاه في حال دون حال، فلو قلت: أخوك عبد الله منطلقا، فكأنه أخوه في حال انطلاقه دون غيرها وقد علم أن (أخوة) النسب لا تنتقل، ولو قلت: أخوك عبد الله منطلقا، وأنت تريد به المؤاخاة والمصادقة قد جاز لأنها تنتقل، وإنما جاز: أخوك عبد الله معروفا وما جرى مجراه مما يحقق به الإخبار، كما جاز لأنها تنتقل، وإنما جاز: أخوك عبد الله معروفا وما جرى مجراه مما يحقق به الإخبار، كما جاز: أنا عبد الله معروفا، لأنه توكيد للخبر والعامل فيه أحقّ ذلك وما أشبهه. وتوكيد الجملة ب (أحقّ) ونظائره كتوكيدها باليمين إذا قلت: أخوك عبد الله وأنا عبد الله والله، وإنما هي جملة يؤكّد بها جملة. وكان أبو إسحاق الزجاج يقول في قوله: أنا ابن دارة معروفا بها نسبي، يجعل الخبر نائبا عن مسمى ويجعل فيه ذكرا من الأول، ويجعل العامل في (معروفا) هو خبر الاسم الموضع موضع الاسم. والقول عندي هو الأول، والله أعلم. هذا باب ما غلبت فيه المعرفة النكرة (وذلك قولك: هذان رجلان وعبد الله منطلقين)، نصبت منطلقين على الحال، والعامل فيه التثنية، لأنك لمّا عطفت عبد الله عليهما وقد وقع عليهما التثنية لحقه التثنية وصار كأنك قلت: هذا عبد الله منطلقا، ولا يجوز أن تكون النكرة صفة لعبد الله، (وإن شئت قلت: هذان رجلان وعبد الله منطلقان)، فجعلت منطلقان نعتا لرجلان، (وتقول:

стр. 908

هؤلاء ناس وعبد الله منطلقين، إذا خلطتهم). وإذا كان للأول قلت: هؤلاء ناس وعبد الله منطلقون، وتقول: (هذه ناقة وفصيلها راتعين)، على قول من جعل فصيلها معرفة، وهو أفصح اللغتين، ومن جعلها نكرة وهي أردأهما، قال: (راتعان، وهذا على قول من قال: كل شاة وسخلتها، تريد: كل شاة وسخلة لها بدرهم. (ومن قال: كل شاة وسخلتها، فجعلها بمنزلة: كل رجل وعبد الله منطلقا، لم يقل في الراتعين إلا بالنصب، لأنه إنما يريد حينئذ المعرفة، ولا يريد أن يدخل السخلة في كل) وجميع الباب مفهوم وأكثره قد مضى تفسيره فيما قبل. والله أعلم بالصواب. هذا باب ما يجوز فيه الرفع ممّا ينتصب في المعرفة قال أبو سعيد: هذا الباب إلى آخره في رفع منطلق من (قولك: هذا عبد الله منطلق). وقد ذكرناه منصوبا في باب قبل هذا وقد شرحناه. وذكر رفعه في هذا الباب، وحكاه عن يونس وأبي الخطاب، عمن يوثق به من العرب وأفرد الباب به ورفعه من أربعة أوجه، أظنني ذكرتها فيما مضى وأعيدها هاهنا للاحتياط. ذكر عن الخليل وجهين، منها: أحدهما: (أنك حين قلت: هذا عبد الله، أضمرت هذا أو هو، كأنك قلت: هذا منطلق أو هو منطلق. والوجه الآخر: أن تجعلهما جميعا خبرا ل (هذا) كقولك: هذا حلو حامض، لا تريد أن تنقض الحلاوة، ولكنك تزعم أنه جمع الطعمين، قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّها لَظى * نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١)، وزعموا أنها في قراءة ابن مسعود: وَهذا بَعْلِي شَيْخاً (٢)، وقال الراجز:

стр. 909

من يك ذا بتّ فهذا بتّي ... مقيّظ مصيف مشتىّ (١) سمعناه ممن يروي هذا الشعر من العرب يرفعه) والوجهان الآخران من الرفع: أحدهما: أن يجعل عبد الله معطوفا على هذا كالوصف، وهو عطف البيان فيصير كأنه قال: عبد الله منطلق، فيكون- أيضا- بدلا من هذا في هذا الوجه. والوجه الثاني: أن يكون منطلق بدلا من زيد فيكون التقدير: هذا منطلق، وتقديره: هذا زيد رجل منطلق، فيبدل رجل من زيد ثم تحذف الموصوف وتقيم الصفة مقامه، فيصير: هذا منطلق، وهو بدل نكرة من معرفة، كما قال تعالى: بِالنَّاصِيَةِ * ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ. (٢) فهذه أربعة أوجه في الرفع. قال: (وأمّا قول الأخطل: ولقد أبيت من الفتاة بمنزل ... فأبيت لا حرج ولا محروم (٣) فزعم الخليل: أن هذا ليس على إضمار (أنا) ولو جاز على إضمار (أنا) لجاز: كان عبد الله لا مسلم ولا صالح، على إضمار (هو). ولكنه فيما زعم الخليل على قوله: (فأبيت) بمنزلة الذي يقال له: لا حرج ولا محروم، ويقويه في ذلك قوله: على حين أن كانت عقيل وشائظ ... وكانت كلاب خامري أمّ عامر) (٤) هجا هذا الشاعر عقيلا وكلابا، فأمّا عقيل فجعلهم وشائظ واحدهم: وشظ، والوشظ: الخسيس، والوشيظ: الزائد في القوم الملزّق بهم. قال جرير يهجو التّيم: يخزى الوشيظ إذا قال الصّميم لهم ... عدّوا الحصى ثم قيسوا بالمقاييس (٥)

стр. 910

والصميم: الصحيح النسب. وأمّا كلاب فجعلهم حمقى، وذلك أنّ أمّ عامر هي الضّبع، والعرب تستحمقها وتذكر من حمقاتها أنها يقال لها: خامري أم عامر، أي: ادخلي الخمر فتدخل جحرها فيصطادونها، ويكون التقدير في البيت: وكانت كلاب يقال لها: خامري أمّ عامر، كأنه قال: وكانت كلاب من حماقتها كضبع يقال لها: خامري أم عامر، فهذا كله تأييد لقول الخليل، ويؤيّد أيضا- قوله: (كذبتم وبيت الله لا تنكحونها ... بني شاب قرناها تصرّ وتحلب (١) أي بني من يقال له ذلك). لأنه يجعله كأنه حكاية لما كان يتكلم به قبل ذلك، فكأنه حكى اللفظ كما كان. قال سيبويه: (وقد زعم بعضهم أنّ رفعه على النفي كأنه قال: فأبيت لا حرج ولا محروم بالمكان الذي أنا به). قال: (وهذا التفسير كأنه أسهل). وإنما صار عنده أسهل لأنّ المحذوف خبر حرج وهو ظرف، وحذف الخبر في النفي كثير كقولنا: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي: لا حول لنا ولا قوة لنا. وقد قال بعض النحويين: لا أنا حرج، ولا أنا محروم، فيحذف المبتدأ، وقد ذكر حذفه في مواضع. هذا باب ما يرتفع فيه الخبر لأنّه مبنيّ على مبتدإ (وتنصب فيه الخبر لأنه حال لمعروف مبنيّ على مبتدإ. فأما الرفع فقولك: هذا الرجل منطلق). هذا: مبتدأ، والرجل: صفته وليس على معهود، ومنطلق: خبره. وهذا مع الاسم بمنزلة اسم واحد (كأنك قلت: هذا منطلق. قال النابغة: توهمت آيات لها فعرفتها ... لستّة أعوام وذا العام سابع) (٢)

стр. 911

كأنه قال: وذا سابع. وأمّا النصب فقولك: هذا الرجل منطلقا. جعلت الرجل مبنيا على هذا، وجعلت الخبر حالا له قد صار فيها فصار كقولك: هذا عبد الله منطلقا، والرجل هاهنا معهود، وإنما يريد في هذا الموضع أن تذكر المخاطب برجل قد عرفه قبل ذلك، وهو في الرفع لا يريد أن يذكّره بأحد، إنما أشار فقال: هذا منطلق)، وقد ذكرنا في صفات المبهمة أنها توصف بما فيه الألف واللام على غير عهد. قال: (فكأنّ ما ينتصب من أخبار المعرفة ينتصب على أنه حال مفعول فيها، لأن المبتدأ يعمل فيما يكون بعده ويكون فيه معنى التنبيه والتعريف، ويحول بين الخبر وبين الاسم المبتدإ كما يحول الفاعل بين الفعل والخبر). يريد أن الحال في قولك: هذا الرجل منطلقا، وهذا عبد الله منطلقا، مفعول فيها لأن المعنى: انتبه له في هذه الحال. وقوله: (لأن المبتدأ يعمل فيما بعده)، معناه: يرفع ما بعده من الخبر وقد ذكرنا فيه قولين: أحدهما: أنه يرفع الخبر. والآخر: أن الابتداء يرفع المبتدأ. والمبتدأ والابتداء يرفعان الخبر، والظاهر من كلامه في هذا الموضع أن المبتدأ هو العامل، وقد يجوز أن يريد بالمبتدإ إذا كان إشارة عمل فيما بعده، نحو: هذا وما جرى مجراه، وقد ذكرنا عمل هذا فيما بعده، وعمل المبتدإ فيما بعده كعمل الفعل فيما بعده من حيث كانا عاملين، وإنما أراد أن يريك حالين في منطلق من المبتدإ ومن الفعل، تقول: هذا منطلق، فيرتفع منطلق بأنه خبر هذا ويعمل فيه هذا، ثم يدخل الرجل أو عبد الله بعد هذا خبرا لهذا فيحول بين منطلق وبين هذا، أن يكون منطلق خبرا له، فيصير حالا كما تقول في الفعل: ذهب منطلق، فيرتفع منطلق، وبين منطلق أن يرتفع بالفعل، ثم تقول: ذهب زيد منطلقا، فيحول زيد بين ذهب وبين منطلقا أن يرتفع به ليصير حالا قد ثبت فيها وصار فيها كما أن الظرف موضع قد صيّر فيه بالنية، وإن لم تذكر فعلا وذلك أنك إذا قلت: فيها زيد، فكأنك قلت: استقر فيها زيد، وإن لم تذكر فعلا وهنا أفصح سيبويه

стр. 912

بنصب الظرف ب (استقر) ثم شبّه نصب الظروف بنصب عشرين بما بعده من اسم النوع المميّز. وإنما نصب عشرون اسم النوع لأنه ليس من صفته، فيكون بمنزلة: هذه عشرون جياد، ورأيت عشرين جيادا، ومررت بعشرين جياد، ولا هو عطف عليه، فيكون بمنزلة: هذه عشرون ورجل، ورأيت عشرين ورجلا، ومررت بعشرين ورجل، فشبّه عشرون رجلا بضارب زيدا قال: (وأمّا: هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً (١)، فإن الحق لا يكون صفة ل (هو) من قبل أن هو لا يوصف لأنه مضمر ولا يوصف المضمر بالمظهر أبدا، فمن ثمّ لم يكن في هو الرفع)، يعني: لم يكن في هو الحق مصدق، على أن يجعل هو مبتدأ، والحق نعت له، ومصدقا خبرا، كما تقول: هذا الرجل منطلق، بأن تجعل الرجل نعت هذا، ومنطلق خبره، فلمّا لم يجز أن يوصف هو فيجعل الحق صفة، وجب رفع الحق بخبر هو، ونصب مصدقا على الحال. والله أعلم. هذا باب ما ينتصب فيه الخبر لأنه خبر لمعروف يرتفع على الابتداء (قدمته أو أخرته. وذلك قولك: فيها عبد الله قائما، وعبد الله فيها قائما. ف (عبد الله) ارتفع بالابتداء، لأن الذي ذكرت قبله وبعده ليس به، وإنما هو موضع له، ولكنه يجري مجرى الاسم المبني على ما قبله. ألا ترى أنك لو قلت: فيها عبد الله، حسن السكوت وكان كلاما مستقيما، كما حسن واستغنى في قوله: هذا عبد الله، وتقول: عبد الله فيها، فيصير كقولك: عبد الله أخوك، إلا أن عبد الله يرتفع مقدما كان أو مؤخرا بالابتداء، ويدلك على ذلك أنك تقول: إن فيها زيدا). قال أبو سعيد: مذهب سيبويه أن الاسم يرتفع بالابتداء أخرت الظرف أو قدمته. وقال الكوفيون: إذا تقدم الظرف ارتفع الاسم بضمير له مرفوع في الظرف

стр. 913

المتأخر، فكان من حجة سيبويه في ذلك أنا إذا أدخلنا إنّ، نصبنا الاسم وإن كان قبله ظرف كقولنا: في الدار زيدا. فلو كان في الدار يرفع زيدا قبل دخول إنّ لما غيرتها إنّ عن العمل. كما أنّا لو قلنا: إن يقوم زيدا، لم يجز أن تبطل عمل (يقوم)، بل يقال: إن يقوم زيد، على معنى إنه يقوم زيد، كذلك: إن في الدار زيد، على معنى: أنه في الدار زيد. فلّما كانت العرب تنصب ذلك مع تقديم الظروف، علمنا أن ارتفاعه بالابتداء، وهذا في القرآن وسائر الكلام أكثر من أن يحصى، قال الله تعالى: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً (١)، وإِنَّ لَنا لَأَجْراً (٢)، وما أشبهه. ومما يدل على بطلان ما قالوه، إجماعهم على جواز: في داره زيد، فإن كان زيد مرفوعا بالظرف فلا يجوز إضماره قبل الذكر، وليس النية التأخير وإنما يجوّز سيبويه وأصحابه: في داره زيد، لأن النية: زيد في داره، فإن قلت: في الدار زيد قائم، وعندك عمرو مقيم، فلك في الظرف وجهان: أحدهما: أن تجعله خبرا للاسم وتنصب الصفة على الحال، فتقول: في الدار زيد قائما، وعندك عمرو مقيما، ويكون العامل الناصب لعند استقر المقدّر وناب عند: عن استقر، والعامل في الحال هو الظرف النائب عن استقر. والوجه الآخر: أن تجعل خبر الاسم الصفة وترفعها، وتجعل العامل في الظرف الصفة، كقولك: عندك عمرو مقيم، الناصب ل (عند) هو مقيم، وإنما تضمر استقر إذا كان الظرف في موضع الخبر أو الصفة أو الحال، فأمّا الخبر فقولك: زيد خلفك، وخلفك زيد، وكان زيد خلفك، وأنّ زيدا خلفك. والصفة: مررت برجل عندك، والحال: مررت بزيد عندك. وسيبويه يسمي الظرف إذا لم يكن خبرا ملغى لأنّه يتم الكلام بإلغائه وإسقاطه، وذلك قوله:

стр. 914

(وإن شئت ألغيت فيها، فقلت: فيها عبد الله قائم)، جعل قائم هو الخبر، وجعل فيها لغوا. (قال النابغة: فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة ... من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع) (١) ف (ناقع) خبر السم، و (في) لغو. (وقال الهذلي: لا درّ درّي إن أطعمت نازلهم ... قرف الحتىّ وعندي البرّ مكنوز (٢) كأنك قلت: البرّ مكنوز عندي، وعبد الله قائم فيها. فإذا نصبت القائم، ف (فيها) قد حالت بين المبتدإ والقائم، واستغنى به وحمل المبتدأ حين لم يكن القائم مبنيا عليه عمل هذا زيد قائما، وإنما يجعل فيها إذا رفعت القائم مستقرا للقيام وموضعا له). ومن كلام سيبويه: حتى كان للفظ موضع من كلام ثم دخل شيء صيّر له موقع الأول، وصار للأول موقع غير موقعه الأول أن هذا الداخل قد حال بين الذي تغير موقعه وبين اللفظ الذي وقع الداخل منه موقع الأول، فمنه ما قد مضى ومنه هذا، وتمثيله أنك إذا قلت: عبد الله قائم، فقائم خبر عبد الله، فإن أدخلت فيها وبقّيت قائم على رفعه فإن فيها ما حالت بين شيئين وهي: مستقر للقيام، وموضع له قدمتها على عبد الله أو وسطتها بين عبد الله وبين قائم أو أخرتها إلى آخر الكلام، وإن جعلت فيها خبرا ل (عبد الله) فقد أوقعتها موقع قائم، وقد بطل أن يكون (قائم) خبرا ل (عبد الله) لأنّ فيها قد حالت بينه وبين عبد الله أن يكون خبرا له، وصار ل (قائم) موقع آخر من الكلام فاعتبر ذلك في جميع ما يقول سيبويه فيه أنه قد حال بينه وبين كذا إن شاء الله تعالى. ولو قال قائل: في الدار زيد قائم، لم يجز له أن يسكت على قوله: في الدار زيد، كما لو قال: عبد الله زيد ضارب، لم يجز له أن يسكت على: عبد الله زيد. واستدل سيبويه- أيضا- على أن عبد الله لا يرتفع بالظرف إذا تقدم؛ أنّا نقول: في

стр. 915

الدار زيد قائم، فيرتفع بغير الظرف بإجماع النحويين. البصريون يقولون: يرتفع بالابتداء. والكوفيون يقولون: يرتفع ب (قائم)، وقائم ب (زيد)، فلو كان فيها يحدث الرفع فيما بعدها لأحدثتها متى تقدمت، ولم يلغ كما لا يلغى الفعل إذا تقدم الفاعل. ثم احتج بحجة أخرى فقال: (ولو كان عبد الله يرتفع ب (فيها) لارتفع بقولك: بك عبد الله مأخوذ)، ولا خلاف بينهم أن عبد الله لا يرتفع ب (بك)، وكأن قائلا قال لسيبويه: إن بك لا تشبه فيها، لأن عبد الله لا يتم الكلام به، وفيها عبد الله يتم الكلام به، فأجاب عن هذا بأن العامل الذي يتم به الكلام والعامل الذي لا يتم به الكلام سواء لا يتغير، ألا ترى أنّ كان عبد الله لا يكون كلاما، وضرب عبد الله كلام، وعملهما واحد. (ومما جاء في الشعر مرفوعا، قوله: لا سافر النّيّ مدخول ولا هبح ... عاري العظام عليه الودع منظوم (١) فجميع ما يكون ظرفا تلغيه إن شئت). أي: جميع ما يكون خبرا للاسم، وظرفا تلغيه إذا جئت بخبر سواه على ما مضى من الكلام. قال: (ومثل قولك: فيها عبد الله قائما، هو لك خالصا، وهو لك خالص)، بمنزلة: عبد الله فيها قائم، فإذا نصبت ف (لك) خبر، وهو في التقديم بمنزلة: أهبه لك خالصا على نحو ما تقرر استقر وشبيهه، وإن قلت: خالص جعلته خبر هو، وجعلت لك من صلة خالص كأنك قلت: خلص لك. قال: (وقد قرئ هذا الحرف على وجهين: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ (٢)، بالرفع والنصب). قال أبو سعيد: هي عند سيبويه مبتدأ وللذين آمنوا: خبر، وخالصة: منصوب على
следующие страницы →