← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17726

شرح كتاب سيبويه للسيرافي

السيرافي، أبو سعيد

Полный текст (2 488 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

كأنه قال: وذا سابع. وأمّا النصب فقولك: هذا الرجل منطلقا. جعلت الرجل مبنيا على هذا، وجعلت الخبر حالا له قد صار فيها فصار كقولك: هذا عبد الله منطلقا، والرجل هاهنا معهود، وإنما يريد في هذا الموضع أن تذكر المخاطب برجل قد عرفه قبل ذلك، وهو في الرفع لا يريد أن يذكّره بأحد، إنما أشار فقال: هذا منطلق)، وقد ذكرنا في صفات المبهمة أنها توصف بما فيه الألف واللام على غير عهد. قال: (فكأنّ ما ينتصب من أخبار المعرفة ينتصب على أنه حال مفعول فيها، لأن المبتدأ يعمل فيما يكون بعده ويكون فيه معنى التنبيه والتعريف، ويحول بين الخبر وبين الاسم المبتدإ كما يحول الفاعل بين الفعل والخبر). يريد أن الحال في قولك: هذا الرجل منطلقا، وهذا عبد الله منطلقا، مفعول فيها لأن المعنى: انتبه له في هذه الحال. وقوله: (لأن المبتدأ يعمل فيما بعده)، معناه: يرفع ما بعده من الخبر وقد ذكرنا فيه قولين: أحدهما: أنه يرفع الخبر. والآخر: أن الابتداء يرفع المبتدأ. والمبتدأ والابتداء يرفعان الخبر، والظاهر من كلامه في هذا الموضع أن المبتدأ هو العامل، وقد يجوز أن يريد بالمبتدإ إذا كان إشارة عمل فيما بعده، نحو: هذا وما جرى مجراه، وقد ذكرنا عمل هذا فيما بعده، وعمل المبتدإ فيما بعده كعمل الفعل فيما بعده من حيث كانا عاملين، وإنما أراد أن يريك حالين في منطلق من المبتدإ ومن الفعل، تقول: هذا منطلق، فيرتفع منطلق بأنه خبر هذا ويعمل فيه هذا، ثم يدخل الرجل أو عبد الله بعد هذا خبرا لهذا فيحول بين منطلق وبين هذا، أن يكون منطلق خبرا له، فيصير حالا كما تقول في الفعل: ذهب منطلق، فيرتفع منطلق، وبين منطلق أن يرتفع بالفعل، ثم تقول: ذهب زيد منطلقا، فيحول زيد بين ذهب وبين منطلقا أن يرتفع به ليصير حالا قد ثبت فيها وصار فيها كما أن الظرف موضع قد صيّر فيه بالنية، وإن لم تذكر فعلا وذلك أنك إذا قلت: فيها زيد، فكأنك قلت: استقر فيها زيد، وإن لم تذكر فعلا وهنا أفصح سيبويه

стр. 912

بنصب الظرف ب (استقر) ثم شبّه نصب الظروف بنصب عشرين بما بعده من اسم النوع المميّز. وإنما نصب عشرون اسم النوع لأنه ليس من صفته، فيكون بمنزلة: هذه عشرون جياد، ورأيت عشرين جيادا، ومررت بعشرين جياد، ولا هو عطف عليه، فيكون بمنزلة: هذه عشرون ورجل، ورأيت عشرين ورجلا، ومررت بعشرين ورجل، فشبّه عشرون رجلا بضارب زيدا قال: (وأمّا: هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً (١)، فإن الحق لا يكون صفة ل (هو) من قبل أن هو لا يوصف لأنه مضمر ولا يوصف المضمر بالمظهر أبدا، فمن ثمّ لم يكن في هو الرفع)، يعني: لم يكن في هو الحق مصدق، على أن يجعل هو مبتدأ، والحق نعت له، ومصدقا خبرا، كما تقول: هذا الرجل منطلق، بأن تجعل الرجل نعت هذا، ومنطلق خبره، فلمّا لم يجز أن يوصف هو فيجعل الحق صفة، وجب رفع الحق بخبر هو، ونصب مصدقا على الحال. والله أعلم. هذا باب ما ينتصب فيه الخبر لأنه خبر لمعروف يرتفع على الابتداء (قدمته أو أخرته. وذلك قولك: فيها عبد الله قائما، وعبد الله فيها قائما. ف (عبد الله) ارتفع بالابتداء، لأن الذي ذكرت قبله وبعده ليس به، وإنما هو موضع له، ولكنه يجري مجرى الاسم المبني على ما قبله. ألا ترى أنك لو قلت: فيها عبد الله، حسن السكوت وكان كلاما مستقيما، كما حسن واستغنى في قوله: هذا عبد الله، وتقول: عبد الله فيها، فيصير كقولك: عبد الله أخوك، إلا أن عبد الله يرتفع مقدما كان أو مؤخرا بالابتداء، ويدلك على ذلك أنك تقول: إن فيها زيدا). قال أبو سعيد: مذهب سيبويه أن الاسم يرتفع بالابتداء أخرت الظرف أو قدمته. وقال الكوفيون: إذا تقدم الظرف ارتفع الاسم بضمير له مرفوع في الظرف

стр. 913

المتأخر، فكان من حجة سيبويه في ذلك أنا إذا أدخلنا إنّ، نصبنا الاسم وإن كان قبله ظرف كقولنا: في الدار زيدا. فلو كان في الدار يرفع زيدا قبل دخول إنّ لما غيرتها إنّ عن العمل. كما أنّا لو قلنا: إن يقوم زيدا، لم يجز أن تبطل عمل (يقوم)، بل يقال: إن يقوم زيد، على معنى إنه يقوم زيد، كذلك: إن في الدار زيد، على معنى: أنه في الدار زيد. فلّما كانت العرب تنصب ذلك مع تقديم الظروف، علمنا أن ارتفاعه بالابتداء، وهذا في القرآن وسائر الكلام أكثر من أن يحصى، قال الله تعالى: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً (١)، وإِنَّ لَنا لَأَجْراً (٢)، وما أشبهه. ومما يدل على بطلان ما قالوه، إجماعهم على جواز: في داره زيد، فإن كان زيد مرفوعا بالظرف فلا يجوز إضماره قبل الذكر، وليس النية التأخير وإنما يجوّز سيبويه وأصحابه: في داره زيد، لأن النية: زيد في داره، فإن قلت: في الدار زيد قائم، وعندك عمرو مقيم، فلك في الظرف وجهان: أحدهما: أن تجعله خبرا للاسم وتنصب الصفة على الحال، فتقول: في الدار زيد قائما، وعندك عمرو مقيما، ويكون العامل الناصب لعند استقر المقدّر وناب عند: عن استقر، والعامل في الحال هو الظرف النائب عن استقر. والوجه الآخر: أن تجعل خبر الاسم الصفة وترفعها، وتجعل العامل في الظرف الصفة، كقولك: عندك عمرو مقيم، الناصب ل (عند) هو مقيم، وإنما تضمر استقر إذا كان الظرف في موضع الخبر أو الصفة أو الحال، فأمّا الخبر فقولك: زيد خلفك، وخلفك زيد، وكان زيد خلفك، وأنّ زيدا خلفك. والصفة: مررت برجل عندك، والحال: مررت بزيد عندك. وسيبويه يسمي الظرف إذا لم يكن خبرا ملغى لأنّه يتم الكلام بإلغائه وإسقاطه، وذلك قوله:

стр. 914

(وإن شئت ألغيت فيها، فقلت: فيها عبد الله قائم)، جعل قائم هو الخبر، وجعل فيها لغوا. (قال النابغة: فبتّ كأنّي ساورتني ضئيلة ... من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع) (١) ف (ناقع) خبر السم، و (في) لغو. (وقال الهذلي: لا درّ درّي إن أطعمت نازلهم ... قرف الحتىّ وعندي البرّ مكنوز (٢) كأنك قلت: البرّ مكنوز عندي، وعبد الله قائم فيها. فإذا نصبت القائم، ف (فيها) قد حالت بين المبتدإ والقائم، واستغنى به وحمل المبتدأ حين لم يكن القائم مبنيا عليه عمل هذا زيد قائما، وإنما يجعل فيها إذا رفعت القائم مستقرا للقيام وموضعا له). ومن كلام سيبويه: حتى كان للفظ موضع من كلام ثم دخل شيء صيّر له موقع الأول، وصار للأول موقع غير موقعه الأول أن هذا الداخل قد حال بين الذي تغير موقعه وبين اللفظ الذي وقع الداخل منه موقع الأول، فمنه ما قد مضى ومنه هذا، وتمثيله أنك إذا قلت: عبد الله قائم، فقائم خبر عبد الله، فإن أدخلت فيها وبقّيت قائم على رفعه فإن فيها ما حالت بين شيئين وهي: مستقر للقيام، وموضع له قدمتها على عبد الله أو وسطتها بين عبد الله وبين قائم أو أخرتها إلى آخر الكلام، وإن جعلت فيها خبرا ل (عبد الله) فقد أوقعتها موقع قائم، وقد بطل أن يكون (قائم) خبرا ل (عبد الله) لأنّ فيها قد حالت بينه وبين عبد الله أن يكون خبرا له، وصار ل (قائم) موقع آخر من الكلام فاعتبر ذلك في جميع ما يقول سيبويه فيه أنه قد حال بينه وبين كذا إن شاء الله تعالى. ولو قال قائل: في الدار زيد قائم، لم يجز له أن يسكت على قوله: في الدار زيد، كما لو قال: عبد الله زيد ضارب، لم يجز له أن يسكت على: عبد الله زيد. واستدل سيبويه- أيضا- على أن عبد الله لا يرتفع بالظرف إذا تقدم؛ أنّا نقول: في

стр. 915

الدار زيد قائم، فيرتفع بغير الظرف بإجماع النحويين. البصريون يقولون: يرتفع بالابتداء. والكوفيون يقولون: يرتفع ب (قائم)، وقائم ب (زيد)، فلو كان فيها يحدث الرفع فيما بعدها لأحدثتها متى تقدمت، ولم يلغ كما لا يلغى الفعل إذا تقدم الفاعل. ثم احتج بحجة أخرى فقال: (ولو كان عبد الله يرتفع ب (فيها) لارتفع بقولك: بك عبد الله مأخوذ)، ولا خلاف بينهم أن عبد الله لا يرتفع ب (بك)، وكأن قائلا قال لسيبويه: إن بك لا تشبه فيها، لأن عبد الله لا يتم الكلام به، وفيها عبد الله يتم الكلام به، فأجاب عن هذا بأن العامل الذي يتم به الكلام والعامل الذي لا يتم به الكلام سواء لا يتغير، ألا ترى أنّ كان عبد الله لا يكون كلاما، وضرب عبد الله كلام، وعملهما واحد. (ومما جاء في الشعر مرفوعا، قوله: لا سافر النّيّ مدخول ولا هبح ... عاري العظام عليه الودع منظوم (١) فجميع ما يكون ظرفا تلغيه إن شئت). أي: جميع ما يكون خبرا للاسم، وظرفا تلغيه إذا جئت بخبر سواه على ما مضى من الكلام. قال: (ومثل قولك: فيها عبد الله قائما، هو لك خالصا، وهو لك خالص)، بمنزلة: عبد الله فيها قائم، فإذا نصبت ف (لك) خبر، وهو في التقديم بمنزلة: أهبه لك خالصا على نحو ما تقرر استقر وشبيهه، وإن قلت: خالص جعلته خبر هو، وجعلت لك من صلة خالص كأنك قلت: خلص لك. قال: (وقد قرئ هذا الحرف على وجهين: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ (٢)، بالرفع والنصب). قال أبو سعيد: هي عند سيبويه مبتدأ وللذين آمنوا: خبر، وخالصة: منصوب على

стр. 916

الحال، والعامل فيها اللام على تقدير: استقر وما أشبه ذلك كقولنا: عبد الله في الدار قائما. فإن قال قائل: الحال مستصحبة فكيف تكون خالصة في يوم القيامة والتي هي لهم في الحياة الدنيا؟ قيل له: الحال على كل حال مستصحبة، وقد يكون الملفوظ به من الحال متأخرا بتقدير شيء مستصحب، كقوله تعالى: طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (١)، وقد علم أن الخلود إنما هو إقامتهم فيها الدائمة، وليس ذلك في حال دخولهم، وتقديره: ادخلوها مقدرين الخلود أو مستوحين الخلود، وقيل في قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ (٢) وليس في حال الدخول حلق ولا تقصير، وإنما هو شيء يقع بعد الدخول، وإنما يقع مثل هذا فيما علم ووثق به. ولو قيل للإنسان: ادخل الدار، فقال: وما أصنع فيها؟ لجاز أن يقال: ادخلها آكلا فيها شاربا على معنى مقدّرا ذلك ومستوحيا. قال: (وبعض العرب يقول: هو لك الجماء الغفير، فيرفع كما يرفع الخالص) وينصب. فيقال: هو لك الجماء الغفير، ف (هو) مبتدأ، ولك: خبره، والجماء الغفير: حال، وقد مضى شرحها. (والنصب أكثر لأن الجماء الغفير بمنزلة المصدر، فكأنه قال: هو لك خلوصا)، وخلوصا في معنى خالصا، لأن المصدر يكون في موضع الحال، (فهذا تمثيل ولا يتكلم به، ومما جاء في الشعر قد انتصب خبره وهو مقدم قبل الظرف، قوله: إنّ لكم أصل البلاد وفرعها ... فالخير فيكم ثابتا مبذولا (٣) وسمعنا بعض العرب الموثوق به يقول: أتكلم بهذا وأنت هاهنا قاعدا. قال: ومما ينتصب لأنه حال وقع فيه أمر، قول العرب: هو رجل صدق معلوما

стр. 917

ذاك، وهو رجل صدق معروفا ذاك، وهو رجل صدق بيّنا ذاك، كأنه قال: هذا رجل صدق معروفا صلاحه، فصار حالا وقع فيه أمر لأنك إذا قلت: هو رجل صدق، فقد خبرت بأمر ثم جعلت ذلك المرفوع على هذه الحال، ولو رفعت كان جائزا على أن تجعله صفة، كأنك قلت: هو رجل معروف صلاحه. ومثل ذلك: مررت برجل حسنة أمّه كريما أبوها). ولا يجوز أن تقول: كريم أبوها بالجر، لأنك إذا جررت فهو نعت لرجل، وليس فيه ما يعود إلى الرجل، وإذا نصبت فهو حال كرم أبيها. (زعم الخليل: أنه أخبر عن الحسن أنه وجب لها في هذه الحال، وهو كقولك: مررت برجل ذاهبة فرسه مكسورا سرجها. والأول كقولك: هو رجل صدق معروفا صدقه، وإن شئت قلت: معروف ذاك، ومعلوم ذاك، على قولك: ذاك معروف، وذاك معلوم. سمعته من الخليل)، وقد أتى التفسير على ذلك كلّه. هذا باب من المعرفة يكون فيه الاسم الخاص شائعا في الأمة ليس واحد منها أولى به من الآخر، ولا يتوهّم به واحد دون آخر له اسم غيره؛ نحو قولك للأسد: أبو الحارث، وأسامة، وللثعلب: ثعالة، وأبو الحصين، وسمسم، وللذئب: دألان، وأبو جعدة، وللضبع: أمّ عامر (١) وحضاجر (٢)، وجعار (٣)، وجيأل، وأم عنثل، وقتام (٤). وقد ذكر سيبويه: أم رعم، وأم خثّور، وأم خنّوز، وأم رمال، وأم رشم (٥)، وأم جعور، وأم الهنبر (٦)، وأم نوفل (٧)، ويقال للضّبان: قثم. ومن ذلك للغراب: ابن بريح. قال أبو سعيد: قد تكلمت العرب بأسماء كثيرة معارف مفردة، ومن الكنى بالآباء

стр. 918

والأمهات والبنين والبنات لا يتسع كتابنا هذا لاستقصاء ذكرها. فنذكر شيئا من كلّ باب لنعلم اتساع العرب في هذا النحو. فمن الكنى بالآباء، قال الأصمعيّ (١): يقال للذئب: أبو جعادة. وقال أبو عبيدة (٢): يقال للذئب: أبو غسلة، وأبو مزقة (٣). وقال أبو زياد (٤): يقال للذئب: أبو ثمامة. ويقال للأبيض: أبو الجون، وللأسود: أبو البيضاء، ويدعى الأعمى: أبا البصير. وقال الأصمعيّ: يدعى القرد: أبا قيس. قال: ويقال لطائر فيه ألوان من سواد وبياض يتغيّر في النّهار ألوانا: أبو براقش، وأنشد: يغدو عليك مرجّلين ... كأنهم لم يفعلوا كأبي براقش كلّ لون ... لونهذا يتخيّل (٥) ومن الكنى بالأمّهات، يقال للداهية: أم حبوكر، وأم ناز، وأم حشاف، وأم الرّبيق، وأمّ اللهيم. ويقال للأمر الذي لا منفذ له: أمّ صبّور، وأنشدوا: أوقعه الله لسوء سعيه ... في أم صبّور فأودى ونشب (٦) ومن كنى الخمر: أمّ ليلى (٧)، وأم حنين، وأمّ زنبق، وأمّ الخلّ. قال مرداس بن خذام الكاهليّ: رميت بأم الخلّ حبة قلبه ... فلم ينتعش منها ثلاث ليال

стр. 919

وأمّ عجلان: طائر أسود أبيض، أصل الذنب من تحته، وربّما كان أحمر، واسمه: الفتاح. ومن أسماء البنين: ابن دأية للغراب، وابن جلا: الرجل المنكشف الأمر، ومثله: ابن أجلى، كما قال العجاج: به ابن أجلى وافق الإصحارا (١). ويقال: ابن مقرض لدويبّة أكحل اللون له خطيم طويل، وهو أصغر من الفأرة. ويقال للحمار الأهليّ ابن سنّه، وابن طاب عذق المدينة، ويقال أيضا: عذق ابن حبيق، وابن حمير، الليلة التي لا قمر فيها، وابن سمير الليلة ذات القمر. ومن أسماء البنات: ابنة الجبل (٢) الصدى، ونبت الأرض الحصاة، ويقال أيضا لنبت يشبه القلّاع: بنت الأرض، ويقال ما كلمته ببنت شفة، أي: بكلمة، وبنات أسفع (٣) المعزى، وكذلك بنات بعرة، ويقال للضأن: بنات خورة (٤) يا هذا. قال أبو سعيد: الأسماء التي ذكرها سيبويه معارف أعلام للأجناس التي ذكرها، كزيد، وعمرو، وهند، ودعد. إلّا أن اسم زيد، وهند يختصّ شخصا بعينه دون غيره من الأشخاص، وأسماء الأجناس يختصّ كل اسم منها جنسا، كل شخص من الجنس يقع عليه الاسم الواقع على الجنس. مثال ذلك: أنّ زيدا أو طلحة في أسماء الناس لا توقعه على كلّ واحد من الناس، وإنّما توقعه على الشخص الذي يسمى بعينه لا يتجاوزه؛ وأسامة يقع على كلّ ما خبّرت عنه من الأسد، وكذلك ثعالة، وسمسم، وأبو الحصين، يقع على كلّ ما خبرت عنه من الثعالب. والفرق بينهما أن الناس تقع أسماؤهم على الشخوص، لكل واحد منهم اسم يختصّ به شخصه دون سائر الأشخاص؛ لأنّ لكل واحد منهم حالا مع الناس ينفرد بها في

стр. 920

معاملته وأسبابه وما له وعليه، وليست لغيره، فاحتاج إلى اسم يختص شخصه. وكذلك ما يتخذه الناس ويستعملونه فيألفونه من الخيل والكلاب والغنم، وربّما خصّوها بأسماء تعرف بكل اسم منها شخص بعينه لما يخصّونه به من الاستعمال والاستحسان، نحو أسماء خيل العرب: كأعوج، والوجيه، ولاحق، وقيد، وجلّاب، والكلاب نحو: ضمران، وكسّاب، وغير ذلك مما يخصّونه بالألقاب. وما لا يألفه الناس لا يخصّون كلّ واحد منها بشيء دون غيره يحتاجون من أجله إلى تسميته، فصارت التسمية للجنس بأسره، فيصير الجنس في حكم اللفظ كالشخص، فيجري أسامة وسائر ما ذكره من الأسماء المفردة مجرى زيد، وعمرو وطلحة، ويجري ما كان مضافا نحو، أبي الحصين، وأبي الحارث، وابن عرس، وابن بريح، كعبد الله، وأبي جعفر، وما أشبه ذلك، وما كان منه له اسم وكنية نحو: أسامة، وأبي الحارث، وثعلة، وأبى الحصين، ودألان، وأبي جعدة، كرجل له اسم وكنية وهو إنسان اسمه طلحة وكنيته أبو محمد، واسمه زيد وكنيته أبو سعيد. وإن كانت مؤنثة لها اسم وكنية، فهي كامرأة لها اسم وكنية، وذلك نحو الضبع اسمها حضاجر، وجعار، وجيأل، وقتام وكنيتها: أمّ عامر، وأم خنّور، وأم زعم، وأم رمال، وهي كامرأة اسمها هند وكنيتها أم أحمد، وقد يكون في هذه الأجناس ما يعرف له اسم مفرد ولا يعرف له كنية، ومنه ما تعرف كنيته، ولا يعرف له اسم علم. ومنه ما يكون اسمه علما مضافا، ولا يعرف له غير ذلك. فأمّا ما يعرف له اسم مفرد علم ولا تعرف له كنية فنحو: قثم: ذكر الضبع، ولا كنية له. وأما ما له كنية، ولا اسم له علم، فنحو: أبي براقش، وأما المضاف فنحو: ابن عرس، وابن مقرض. وفي هذه الأشياء ما له اسم جنس واسم علم، كأسد، وليث، وثعلب، وذئب. هذه أسماء أجناسها؛ كرجل، وفرس، ولها أعلام نحو: أسامة، وثعالة، وسمسم، ودألان، وهي كزيد وعمرو وطلحة في أسماء الناس، ومنها ما لا يعرف له اسم غير العلم نحو: ابن مقرض، وحمار قبّان، وأبي براقش، وإن كان لشيء منها اسم فليس بالمعروف الكثير، وإنما ذكرت هذه الأشياء ليعلم اتساع العرب في تسمية ذلك، وعلى مقدار ملابستهم لجنس من هذه الأجناس، وكثرة إخبارهم عنه، يكثر تصرفهم في تسميته وافتنانهم فيها، كالأسد، والذئب، والثعلب، والضبع، فإن لها عندهم آثارا يكثر بها

стр. 921

إخبارهم عنها، فيتفننون في أسمائها وكناها وأسماء أجناسها، ولأن إقامتهم في البوادي وكونهم في البراري، قد تقع أعينهم على طائر غريب ووحشي ظريف، يرون من دوابّ الأرض وهوامها وأجناسها ما لا اسم له عندهم، فيكنونه بأسماء يشتقونها من خلقته، أو من فعله، أو من بعض ما يشبهه أو غير ذلك؛ ويضيفونه إلى شيء على ذلك المنهاج، أو يلقبونه، كفعلهم بمن يلقب من الناس. فيجري ذلك مجرى الأسماء الأعلام والألقاب في الإخبار عنه، ويكون ذلك لجنسه لا لواحد بعينه، ولولا أن ذلك من غير ما قصدنا إليه لمثلت منه ما يكون كالعيان. وفى الفراش وغيره من الحيوان مما لم يسمعوه كثير، وفى هذه الخلق من العجائب ما لا يحاط به. ولقد حدثنا أبو محمد السكري عن خفيف السمرقندي حاجب المعتضد بالله، أنه كثر الفراش على الشمع المسرج بحضرة المعتضد في بعض الليالي، فأمر بجمعه وتمييزه، فجمع فكان مكّوكا (١)؛ وميّز فكان اثنتين وسبعين لونا. وكذلك صارما يكنى بالآباء والأمهات معارف؛ لأنهم ذهبوا به مذهب كنى الرجال والنساء، وكذلك ما يضاف إلى شيء غير معروف باستحباب تلك الإضافة واستحقاقها، كنحو ابن عرس، وابن أوبر، وابن قترة (٢)، وابن آوى، وحمار قبّان؛ لأن المضاف إليه من ذلك لا يعرف باستحقاق إضافة ما أضيف إليه، فجرى مجرى ألقاب الناس المضافة، نحو ثابت قطنة، وقيس قفّة. وأما ما نعرف باستحقاق إضافة ما أضيف إليه، فنحو ابن لبون، وابن مخاض، وبنت لبون، وبنت مخاض، وابن ماء، وذلك أن الناقة إذا ولدت ولدا ثم حمل عليها بعد ولادتها فليست تصير مخاضا إلّا بعد سنة أو نحو ذلك، والمخاض الحامل المقرب، فولدها الأول إن كان ذكرا هو ابن مخاض، وإن كانت أنثى فهي بنت مخاض، وإن ولدت وصار لها لبن صارت لبونا، فأضيف الولد إليها بإضافة معروفة الاستحقاق والاستحباب، وإن نكّرت مخاض ولبون، فما أضيف إليها نكرة نحو: ابن مخاض، وابن لبون، وإن عرّفتهما بإدخال الألف واللام، فما أضيف إليهما معرفة نحو: ابن اللبون، وابن المخاض. وكذلك

стр. 922

ابن ماء: طائر، نسب إلى الماء بلزومه له. فإن نكّرت الماء تنكّر فقلت: ابن ماء، وإن عرّفته تعرّف فقلت: ابن الماء. وأنا أسوق شواهد بعض ذلك في كلام سيبويه إن شاء الله. وإنما علم أن العرب ذهبت في هذه الأسماء مذاهب الأعلام والألقاب المعارف، أنّا رأينا ما كان منها فيها ما يمنع من صرف المعرفة لا يصرف، كأسامة وثعالة؛ لأن فيهما التأنيث والتعريف. وكذلك جعار وجيأل، وكذلك دألان، لأن فيه الألف والنون الزائدتين والتعريف. وكذلك قثم لا ينصرف لأنه معدول عن قاثم وهو معرفة مثل: عمر. وما لم يكن فيه ما يمنع الصرف، فإنه لا تدخله الألف واللام، كابن عرس وابن بريح، لا يقال: ابن العرس، ولا ابن البريح، كما لا تدخل الألف واللام على زيد وعمرو ومكّة وبغداد. قال: " وإنما منع الأسد وما أشبهه أن يكون له اسم معناه معنى زيد، أن الأسد وما أشبهها ليست بأشياء ثابتة مقيمة مع الناس، فيحتاجوا إلى أسماء يعرفون بها بعضها مع بعض، ولا تحفظ جلاها كحفظ ما يثبت مع الناس ويقتنونه ويتّخذونه. ألا تراهم قد اختصّوا الخيل والإبل والغنم والكلاب وما يثبت معهم واتخذوه بأسماء كزيد وعمرو ". قال: " ومنه- يعنى من المعارف- أبو جنادب (١) وهو شيء يشبه الجندب غير أنه أعظم منه، وهو ضرب من الجنادب، كما أنّ بنات أوبر ضرب من الكمأة، وهو معرفة. ومن ذلك ابن قترة، وهو ضرب من الحيّات، فكأنهم إذا قالوا: هذا ابن قترة، فقد قالوا: هذه الحيّة، التي من أمرها كذا وكذا، وإذا قالوا: بنات أوبر فكأنهم قالوا: هذا الضرب الذي من أمره كذا وكذا من الكمأة، وإذا قالوا: هذا أبو جنادب فكأنهم قالوا: هذا الضرب الذي سمعت به أو رأيته ". قال أبو سعيد: كأنّ تلقيب هذه الأشياء وتسميتها بهذه الأسماء المعارف في مذهب سيبويه، دلالة على الاسم وبعض صفاته وخواصه، ألا تراه قال: فكأنهم إذا قالوا: هذا ابن قترة فقد قالوا: هذا الحية الذي من أمره كذا وكذا، وكذلك هذا الضرب الذي من أمره كذا وكذا من الكمأة، وهذا مذهب حسن.

стр. 923

وكان أبو العباس محمد بن يزيد (١) يذهب إلى أن ابن أوبر نكرة، ويستدل على ذلك بإدخال الألف واللام عليه في بيت قاله بعض الشعراء وهو: ولقد جنيتكم أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر (٢) والقول عندي ما قاله سيبويه، وهذا البيت اضطرّ شاعره إلى إدخال الألف واللام كما أدخل أبو النجم في قوله: باعد أمّ العمر من أسيرها (٣) وكقول الآخر: رأيت الوليد بن اليزيد مباركا ... شديدا بأعباء الخلافة كاهله (٤) وقد قال الأصمعي: أدخلوا الألف واللام مضطرين؛ لأنه قد عرف من كلامهم أنّهم لا يدخلون عليه الألف واللام، وقد قال الشاعر: ومن جنى الأرض ما يأتي الرّعاء به ... من ابن أوبر والمغرود والفقعة (٥) فابن أوبر بمنزلة المغرود والفقعة في التعريف، ولو كان نكرة لكان الأحسن أن يجعله عديل المغرود والفقعة، ويقول من ابن الأوبر بتليين الهمزة. وقد تقدم من قولنا: إن الباب في مثل هذا يكون معرفة إلّا ما استثناه منه. قال أبو سعيد: وقد تقدم في أقسام هذه الأسماء المعارف أن منها ما يختص باسم معرفة لا يتجاوز إلى غيره، ولا يكون له نكرة تقع على كل واحد من نوعه، وتعرّف بالألف واللام، كرجل وفرس وأسد، فذكر سيبويه من هذا النحو: ابن آوى، وابن عرس، وأم حبين، وأمّ أبرص، وبعض العرب يقول: أبو بريص وحمار قبّان. قال: كأنهم قالوا في

стр. 924

كل واحد من هذه الأشياء هذا الضرب الذي يعرف بصورة كذا، فاختصت العرب لكل ضرب من هذه الضّروب اسما على معنى الذي تعرفها به لا تدخله النكرة، وتركوا في هذه الأشياء الاسم الذي تدخله المعاني المعرّفة والمنكرة، ويدخله التعجب، وتوصف به الأسماء المبهمة؛ يعني لم يجعلوا لهذه الأشياء اسما ينكّر، كرجل وأسد، وتدخله الألف واللام كالرجل، والأسد، ويدخله التعجب كقولك: هذا الرجل، وهذا الأسد، إذا كنت ترفع من شأنه، ووصف الأسماء المبهمة نحو قولك: هذا الرجل قائم. قال: (فكأنّ هذا اسم جامع لمعان) يعنى: رجل وأسد؛ لأنه يتصرف في ضروب من المعاني، وابن عرس يراد به معنى واحد، كما أريد بأبي الحارث ويزيد معنى واحد واستغني به، وفيما ذكر من هذه الأسماء المعارف ابن مطر، وهو معرفة، وهو دويبة حمراء تظهر غبّ (١) المطر، وجمعه بنات مطر، وأما ابن ماء: فطائر طويل العنق يتنكّر إذا نكّرت الماء، ويتعرّف إذا عرّفته، قال ذو الرمة في تنكيره: وردت اعتسافا والثريّا كأنّها ... على قمة الرأس ابن ماء محلّق محلّق نكرة وهو نعت ابن ماء، وقال أبو الهندي: مقدّمة قزّا كأنّ رقابها ... رقاب بنات الماء أفزعها الرّعد (٢) يصف أباريق خمر يشبّه رقابها برقاب هذه الطير، وعرّفها بإدخال الألف واللام على الماء، وقد تقدم القول بأنّ ابن لبون وابن مخاض نكرتان، وأنهما يتعرفان بإدخال الألف واللام. قال جرير: وابن اللّبون إذا ما لزّ في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس (٣) وقال الفرزدق: وجدنا نهشلا فضلت فقيما ... كفضل ابن المخاض على الفصيل (٤) قال: (وقد زعموا أن بعض العرب يقول: هذا ابن عرس مقبل، فرفعه على وجهين، فوجه مثل: هذا زيد مقبل، ووجه على أنه جعل ما بعده نكرة فصار مضافا

стр. 925

إلى نكرة، بمنزلة قولك: هذا ابن رجل منطلق. ونظير ذلك هذا قيس قفّة آخر منطلق، وقيس قفّة لقب، والألقاب والكنى بمنزلة الأسماء، نحو زيد وعمرو، ولكنه أراد في قيس قفة ما أراد في قوله: هذا عنمان آخر، فلم يكن له بد من أن يجعل ما بعده نكرة؛ لأنه لا يكون الاسم نكرة وهو مضاف إلى معرفة، وعلى هذا الحدّ تقول: هذا زيد منطلق، كأنك قلت: هذا رجل منطلق، فإنما أدلت النكرة على هذا العلم الذي إنما وضع للمعرفة، ولها جيء به: فالمعرفة هنا الأولى) يريد أنّ ابن عرس- وإن كان موضوعا للتعريف في الأصل- فقد يجوز أن ينكّر كما ينكّر زيد وعمرو، وإن كان موضوعهما معرفة. فإذا قلنا: هذا ابن عرس مقبل، فيكون على وجهين: أحدهما، أن يكون ابن عرس على تعريفه، وترفع مقبل على ما ترفعه عليه لو قلت: هذا عبد الله مقبل، وقد مضت وجوه الرفع فيه. والوجه الآخر، أن تجعل ابن عرس نكرة، ومقبل نعت له. قال سيبويه: بعد ذكره ابن لبون، وابن مخاض، وابن ماء، وأنّهنّ نكرات قال: (وكذلك ابن أفعل إذا كان ليس باسم لشيء) يعنى أن ابن أفعل- وإن كان لا ينصرف- فهو نكرة إذا لم يجعل علما لشيء كابن أحقب، وهو الحمار وهو نكرة. وتدخل عليه الألف واللام فيصير معرفة كقولك: مررت بابن الأحقب، وحكى عن ناس قالوا: كل ابن أفعل معرفة لأنه لا ينصرف. فقال سيبويه: " هذا خطأ لأن أفعل لا ينصرف وهو نكرة، ألا ترى أنك تقول: هذا أحمر قمدّ (١)، فترفعه إذا جعلته صفة للأحمر، ولو كان معرفة كان نصبا، فالمضاف إليه بمنزلته) يريد أن منع الصرف في أفعل لا يوجب له التعريف كما لم يوجب ذلك في أحمر وأنشد لذي الرمّة: كأنّا على أولاد أحقب لاحها ... ورمي السّفا أنفاسها بسهام جنوب ذوت عنها التّناهي وأنزلت ... بها يوم ذبّاب السّبيب صيام (٢) الشاهد من البيتين: أن صيام الذي في آخر البيت الثاني صفة لأولاد، فأولاد أحقب نكرة، فعلم أن أحقب نكرة؛ لأن المضاف إليه نكرة.

стр. 926

ومعنى البيت: كأنا على حمير قد لاحها أي: عطّشها. جنوب ذوت عنها التناهي: حفّت عن الجنوب، والتناهي: غدران الماء والمستنقعات، وأنزلت الجنوب بهذه الحمير يوم ذبّاب السبيب: يوم حرّ احتاجت فيه إلى تحريك أذنابها. والسبيب في هذا الموضع: أذنابها. وصيام: قيام. ورمي السفا عطف على جنوب، كأنه قال: لاحها جنوب ورمي السفا، كقولك: قام وزيد عمرو، ومعنى أنفاسها: أنوفها لأنها مواضع الأنفاس. والسفي: شوك البهمي، وصار ما يصيب أنوفها من ذلك بمنزلة السهام، وإنما يريد أنّ هذه الحمير أسرع ما تكون في هذه الحال، كأنا عليها من السّرعة والانزعاج. هذا باب ما يكون فيه الشيء غالبا عليه اسم يكون لكلّ من كان من أمّته أو كان في صفته من الأسماء التي تدخلها الألف واللام، وتكون نكرته الجامعة لما ذكرت من المعاني. " وذلك قولك: فلان ابن الصّعق، والصّعق صفة تقع على كلّ من أصابه الصّعق، ولكنّه غلب عليه حتى صار علما بمنزلة زيد وعمرو، وقولهم النجم، صار علما للّثريّا، وكابن الصعق قولهم: ابن ألان، وابن كراع، صار علما لإنسان واحد، وليس كلّ من كان ابنا لألان وابنا لكراع غلب عليه هذا الاسم، فإن أخرجت الألف واللام من النجم والصّعق لم يصر معرفة، من قبل أنك إنما صيّرته معرفة بالألف واللام، كما صار ابن ألان معرفة بألان، وليس هذا بمنزلة عمرو وزيد وسالم، لأنها أعلام جمعت ما ذكرنا من التطويل وحذفوا، وزعم الخليل: إنه إنّما منعهم أن يدخلوا في هذه الأسماء الألف واللام، أنّهم لم يجعلوا الرجل الذي سمّي بزيد من أمة كلّ واحد منهم يلزمه هذا الاسم، ولكنّهم جعلوه سمّي به خاصّا، وزعم الخليل أن الذين قالوا الحرث والحسن والعبّاس، إنّما أرادوا أن يجعلوه سمّي به، ولكنهم جعلوه كأنه وصف له غلب عليه، ومن قال: حارث، وعباس، فهو يجريه مجرى زيد. وأمّا ما ألزمته الألف واللام فلم تسقط فإنما جعلت الشيء الذي يلزمه ما لزم كلّ واحد من أمته، وأمّا الدّبران والسّماك والعيّوق وهذا النحو، فإنّما تلزمه الألف واللام من قبل أنه عندهم الشيء بعينه ".

стр. 927

قال أبو سعيد: اعلم أنّ الاسم العلم إنما وضع لإبانة شخص من سائر الأشخاص، وليس فيه دلالة على وجود معنى ذلك الاسم في الشخص الذي سمي به، كرجل يسمى بزيد، أو عمرو، أو جعفر، أو طلحة، أو حمزة، أو ما أشبه ذلك، ومعنى زيد: الزيادة، ومعنى عمرو: العمر، وجعفر: هو النهر، وطلحة: اسم لشجرة، وحمزة: اسم بقلة. وقد علم أن المسمى بشيء من هذا من الناس لا يراد به أنه نهر ولا أنه شجرة، ولا أنه بقلة، فإذا سموا بشيء من هذه الأسماء أو غيرها لإبانة الشخص، فإنه يصير معرفة بالتسمية، والذي يوجب التعريف اختصاص المسمى به شخصيا بعينه ليميزه من سائر الأشخاص، وهذا تعريف الاسم العلم الذي لا يحتاج إلى الألف واللام والإضافة، وهذه الأسماء إذا اشترك فيها المسمّون، لم يكن بينهم اتفاق يجب به اشتراكهم في الاسم؛ لأن جماعة أسماؤهم زيد لا يختصون بمعنى جمعهم على تسمية زيد يتباينون به ممن اسمه عمرو، وقد ذكر في أقسام المعارف: (أن الاسم يكون معرفة بدخول الألف واللام عليه كالرجل والفرس وما أشبه ذلك، وبالإضافة له إلى معرفة نحو ابن زيد وغلام زيد وما أشبهه)، وهذه الأسماء تجب للمسمين بها لمعان فيهم يختصون بها، وتوجب مثل تسميتهم لكل من شاركهم في المعنى، كالرجل يسمى به خلقته كخلقته، وكذلك الفرس، والدار، والبستان، والبزار (١)، والعطار، والظريف، والجميل، والشجاع؛ لأن كل من شارك البزار في صفته فهو بزار، وكذلك العطار، وكل من فيه ظرف أو جمال أو شجاعة قيل له: الظريف، والجميل، والشجاع، لا يختص أحد منهم باسم دون سائر من فيه ذلك المعنى. ثم غلب على بعض المسمّين بذلك الاسم الذي يشارك فيه غيره حتى يصير له كالعلم الذي يعرف به إذا ذكر مطلقا، ولا يعرف به غيره إلا بعهد يتقدّم، فمن ذلك الصّعق: وهو رجل من بني كلاب وهو خويلد بن نقيل بن عمرو بن كلاب، ذكروا أنه كان يطعم الناس بتهامة، فهبت ريح فسفت في جفانه التراب، فشتمها، فرمي بصاعقة فقتلته، فقال فيه بعض بنى كلاب: إن خويلدا فابكي عليه ... قتيل الريح في البلد التهامي فعرف خويلد بالصّعق، وغلب عليه، وشهر به حتى إذا ذكر الصعق لم يذهب

стр. 928

الوهم إلى غيره، فمن أصابته صاعقة، ثم عرف بعض أولاده بابن الصعق حتى إذا ذكر ابن الصعق لم يذهب الوهم إلى غيره إلّا ببيان. وكان أشهر ولده وأكثرهم علما، وأغزرهم شعرا، وأشجعهم للعدو، وألزمهم للحروب، وأسرعهم إلى الوقائع، يزيد بن عمرو بن الصعق (١)، وكان قد أسر وبرة بن رومانس الكلبي (٢) أخا النعمان بن المنذر لأمّه، فأرسل إليه النعمان أن يطلقه فأبى حتى يحكّم، فأرسل إليه النعمان فحكّمه، فاحتكم مائة فرس، ومائة بعير، ومائة شاة، ومائة سيف، ومائة رمح، وألف قوس، وألف درع، فأرسل إليه بذلك فخلّى سبيله. ومن شعره: فما كان مالي من تراث ورثته ... ولا صدقات من نساء ولا سرق ولكن عناق الدارعين وطعنهم ... وفودي بأرسان المسوّمة العتق وصبري إذا نفس الجبان تطلعت ... وأعصم من وقع الأسنة كالبرق (٣) وليس كل من كان ابنا للصعق عرف بابن الصعق كمعرفة زيد. ومثله في الإسلام أنّه كان لكل واحد من عمر بن الخطاب، والزبير بن العوام، والعباس بن عبد المطلب، رضوان الله عليهم، أولاد جماعة، فغلب على عبد الله بن عمر أن يعرف بابن عمر وإن لم يسمّ، فيعلم أنه عبد الله دون غيره من ولد عمر، وكذلك ابن الزبير عبد الله، وكذلك عبد الله بن عباس، فإذا ذكر ابن عمر وابن الزبير وابن عباس لا يذهب الوهم إلى غير هؤلاء من ولد هؤلاء الثلاثة، وذلك إذا قيل: ابن رألان، علم أنّه جابر بن رألان الطائي السنبسي، ولا يذهب الوهم إلى ابن آخر لرألان، وكذلك سويد بن كراع العكليّ، ومن ذلك قولهم للثريا: النجم، وذلك أنّ النجم واحد النجوم نكرة، ثم تدخل عليه الألف واللام فيقال النجم، لنجم عرفه المتكلم والمخاطب وعهداه، أي نجم كان، ثم غلب على الثريا اسم النجم حتى يقول القائل: طلع النجم، فيعلم المخاطب أنه يعني به الثريا من غير عهد بينهما. قال أبو ذؤيب:

стр. 929

فوردن والعيّوق مقعد رابئ ... ضرباء خلف النجم لا يتتلّع (١) يريد بالنجم: الثريا، والثريا أيضا تجري هذا المجرى؛ لأن الأصل فيها ثروى، ومعناها كثير من الثروة، وتروى كثيرة الكواكب؛ لأن كواكبها سبعة أو نحوها، فصغرت فصارت ثريّا، ودخلت الألف واللام عليها وغلب اللفظ على هذه الكواكب بعينها دون سائر ما يوصف بالثروة والكثرة، ولو أخرجت الألف واللام من الصعق أو النجم أو الثريا لم تصر معرفة؛ لأن تعريفها بالألف واللام لا بالتسمية، كما لو ألقيت رألان من ابن، بطل التعريف؛ لأن تعريف ذلك ليس كتعريف زيد وعمرو وسلام؛ لأنها أعلام جمعت ما ذكرنا من التطويل وحذفوا. يريد أن العلم جمع معرفة الرجل وأحواله فأغنى عن تطويل ذكره. وقد مضى الكلام في نحو هذا. وقد مضى الكلام في منع زيد ونظائره الألف واللام، فأمّا الحارث والحسن والعباس فمذهب العرب في هذه الأسماء وما جرى مجراها، أن يجعلوها لأولادهم وسائر من يسمون بها تفاؤلا وترجيا أن يصير فيهم تلك الأشياء، فيعزونهم لما تراد له تلك الأسماء نحو الحارث، ومعناه: الكاسب الذي يحرث لدنياه ويكسب، والعباس: المجرّب الذي يعيش في الحرب، فسموا بما أعدّوا له كما يقال: الأضحية والذبيحة لما أعدّ لذلك، وربما اعتقدوا لهم معنى أو رأوه فيهم فوصفوهم به، وغلب فشهروا به، وأغنى عن اسم سواه من الأعلام، كتسميتهم بالحسن الأغرّ وما أشبه ذلك، وبعضهم ينزع الألف واللام ويجرى مجرى زيد ونظائره، ويقول حارث وعباس وحسن، وقد يشبهون الشيء بالشيء فيوقعون عليه اسمه، يعرّفونه بالألف واللام فيغلب عليه اسمه كقولهم: النّسران للكوكبين تشبيها لهما بالطائرين، والفرقدان تشبيها لهما بفرقدي بقرة وحشية، وقد يشبهون بقر الوحش بالكواكب لبياضها، وقد يشتقون لبعضها اسما من معان فيها غير مطردة أسماؤه فيما شاركه من المعاني، وغير خارجة عن نظائرها في كلامهم لم تطّرد، كالدبران والعيّوق والسّماك، فأما الدبران فمشتق من دبر يدبر، وهم يذكرون أنه يتبع الثريا ويطلبها خاطبا لها، وليس كل شيء دبر شيئا، فهو دبران، إلّا أن في كلامهم فعلانا في موضع الفاعل، كقولهم: العدوان للعادي من العدو، والغدوان للغادي وهو السائل، وكذلك

стр. 930

صلتان وهو النشيط الشديد، مأخوذ من السيف الصّلت أو نحوه. قال امرؤ القيس: وغيث من الوسمّي حوّ تلاعه ... تبطّنته بشيظم صلتان مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كتيس ظباء الحلّب الغذوان (١) ويروى: الغذوان من التغذية بالبول، والعدوان من العدو. وأما العيّوق فمشتق من عاق، وكأنه عاق كواكب وراءه من المجاورة. وهذا على التمثيل والتخيّل بالنظر إليه وإلى ما وراءه، ويجوز أن يكون سمّوه بذلك لأنهم يقولون إن الدبران يطلب الثريا ويخطبها، وقد ساق مهرها كواكب صغارا معه، والعيوق بينهما في العرض إلى ناحية الشمال، وكأنه يعوقه عنها. والعيوق على وزن الفيعول، ومثله ما اشتق للفاعل قيّوم، وهو فيعول من قام يقوم، وصخد صخود من صخد يصخد. وأما السمّاك فهو الارتفاع. قال الفرزدق: إنّ الذي سمك السّماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول (٢) أي رفع، ويقال: سمك بمعنى ارتفع، فالسماء مسموكة وسامكة، ومن سامكة يقال النجوم السوامك، ومثل سماك في معنى سامك، رجل نقاب ينقب عن غوامض العلم ويفطن لها بمعنى ناقب. وقد قال أوس: نجح مليح أخو مأقط ... نقاب يحدّث بالغائب (٣) قال: " فإن قال قائل: يقال لكل شيء صار خلف شيء دبران، ولكل شيء عاق عن شيء عيوق، ولكل شيء ارتفع سماك؟ فإنك قائل له: لا ولكن هذا بمنزلة العدل والعديل والعديل ما عادلك من الناس، والعدل لا يكون إلّا للمتاع والمعنى واللفظ واحد، ولكنّهم فرقوا بين البناءين ليفصلوا حصان ومثل ذلك بناء حصين، وامرأة، أن يخبروا أن البناء محرز لمن لجأ إليه، والمرأة محرزة لفرجها، ومثل ذلك الرّزين من الحجارة والحديد، والمرأة رزان، فرقوا بين ما يحمل وبين ما نقل في مجلسه فلم يخف.

стр. 931

وهذا أكثر من أن أصفه لك في كلام العرب ". قال أبو سعيد: وإنما أراد سيبويه أن يبين أن الدبران والعيوق والسماك من دبر وعاق وسمك، ولا يلزم أن يستوي لفظ الفاعل وبناؤه في كل شيئين اشتقا من لفظ واحد في معنى واحد؛ لأن البناء الحصين مشتق من لفظ الحاء والصاد والنون، ومعنى الحرز، وكذلك امرأة حصان، وفصل بين بنائهما لاختلاف موضوعيهما، فجعل أحدهما على فعيل، والآخر على فعال، وكذلك الرزين والرّزان، والدابر، وإن كانا مأخوذين من لفظ (دبر)، ومعنى التأخر، لفظ الكواكب خلاف غيره، وعلى أنه قد قيل: دبران الحمى، وحكم العيوق والعائق والسماك والسامك يجرى على ذلك. قال سيبويه: " وكل شيء جاء قد لزمه الألف واللام فهو بهذه المنزلة، فإن كان عربيّا نعرفه ولا نعرف الذي اشتق منه، فإن ذلك لأنا جهلنا ما علم غيرنا، أو يكون الآخر لم يصل إليه علم وصل إلى الأول المسمّي " يريد أن المعنى الذي اشتق منه إمّا أن يكون نحن لا نعرفه ويعرفه غيرنا من أهل عصرنا، وإما أن يكون علم ذلك قد درس، ولم يقع إلى أهل عصرنا. ومما يجري مجرى الأول الثلاثاء والأربعاء فهما مشتقان من الثالث والرابع، واختص بهذا الاشتقاق اليومان فقط، كما اختص بالعيوق الكوكب، وهي كلها معارف. قال: " فإن قلت: هذان زيدان منطلقان، وهذان عمران منطلقان، لم يكن الكلام إلا نكرة، وإنما تنكّر التثنية؛ لأن الاسم العلم زيد، فلما تثنيه بطل لفظ العلم الذي وضع لتعريف أدخلت الألف واللام فقلت: الزيدان والعمران، وقد يجوز أن تقع التسمية بلفظ التثنية والجمع فتكون معرفة بغير الألف واللام، وذلك لا يكون إلّا في الأماكن التي لا يفارق بعضها بعضا نحو أبانين وعرفات، وإنما فرقوا بين أبانين وعرفات وبين زيدين وزيدين، من قبل أنهم لم يجعلوا التثنية والجمع علما لرجلين ولا لرجال بأعيانهم، وجعلوا الاسم الواحد علما لشيء بعينه، كأنهم قالوا: إذا قلنا ائت: تريد هات هذا الشخص الذي تشير إليه، ولم يقولوا: إذا قلنا: جاء زيدان فإنما نعني شخصين بأعيانهما قد عرفا قبل ذلك وأثبتا، ولكنهم قالوا إذا قلنا: جاء زيد ابن فلان، وزيد ابن فلان فإنما يعني هذين الجبلين بأعيانهما، فهكذا تقول إذا أردت أن تخبر عن معرفتين.

стр. 932

كأنهم قالوا إذا قلنا ائت أبانين، فإنما يعني هذين الجبلين بأعيانهما اللذين نشير لك إليهما. ألا ترى أنهم لم يقولوا: أمرر بأبان كذا وأبان كذا، ولم يفرقوا بينهما؛ لأنهم جعلوا أبانين اسما لهما يعرفان به بأعيانهما. وليس كذلك هذا في الأناسي ولا في الدواب، إنما يكون هذا في الأماكن والجبال وما أشبه ذلك، من قبل أن الأماكن لا تزول، فيصير كل واحد من الجبلين داخلا عندهم في مثل ما دخل فيه صاحبه من الحال في الثّبات والخصب والقحط، ولا يشار إلى واحد منهما بتعريف دون الآخر، فصارا كالواحد الذي لا يزايله منه شيء حيث كان في الأناسي والدواب، والإنسانان والدّابتان لا يثنيان أبدا يزولان ويتصرفان، ويشار إلى أحدهما والآخر غائب، ولا يقولون أبان الأيمن ولا أبان الأيسر، ولا الشرقي ولا الغربي، ويقولون: هذه عرفات، وهؤلاء عرفات، وهذه عرفة ". قال أبو الحسن: وقد يجوز في الشعر أن يتكلم بأبان واحد وبعينهما. قال أبو سعيد: هذا يجوز في كل اثنين يصطحبان ولا يفارق أحدهما صاحبه، وذلك في الشعر وغيره، فأما أبان فقد قال لبيد: درس المنا بمتالع فأبان ... فتقادمت بالحبس فالسّوبان (١) قال أبو ذؤيب: والعين بعدهم كأنّ حداقها ... سملت بشوك فهي عور تدمع (٢) ويقول القائل في كلامه: لبس زيد خفّ، ولبس زيد نعله يريد النعلين. قال: " وأما قولهم: أعطيكم سنّة العمرين، فإنما أدخلوا الألف واللام على عمرين؛ لأن عمرين نكرة على ما تقدم من القول في زيدين، وتعرّفهما بالألف واللام، وأكثر الناس على أن سنّة العمرين؛ سنّة: أبي بكر وعمر، واختاروا التثنية على لفظ عمر لأنّه مفرد، وهو أخف في اللفظ من المضاف، ومنهم من يقول اختير لفظ عمر لطول أيامه وكثرة فتوحه وشهرة آثاره. ويروى أنه قيل لعثمان ﵁: نسألك سنّة العمرين.

стр. 933

وقال الفرّاء: وأخبرني معاذ الهراء: لقد قيل سنّة العمرين قبل عمر بن عبد العزيز وزعم الأصمعي عن أبي هلال الراسبي عن قتادة: أنه سئل عن عتق أمهات الأولاد فقال: أعتق العمران فيما بينهما من الخلفاء أمهات الأولاد، ففي قول قتادة أنهما عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز؛ لأنه لم يكن بين أبي بكر وعمر خليفة ". قال أبو سعيد: والذي عندي أنه ليس فيما روي عن قتادة مخالفة لقول من قال: إنه يراد بسنّة العمرين سنّة أبي بكر وعمر؛ لأن قتادة إنما ذكر اتفاق عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز في عتق أمهات الأولاد، كما يثنيان لو أخبر عن اتفاقهما في مسألة من الفقه والفرائض، وإنما الكلام في سنة العمرين التي يطلبها طالب السيرة العادلة على معنى المثل السائر فيه، وأما قول الفرزدق: فحلّ بسيرة العمرين فينا ... شفاء للقلوب من السقام (١) فليس فيه بيان؛ لأنّ الفرزدق يمدح بهذا هشام بن عبد الملك، وهو بعد عمر بن عبد العزيز. وهذان الاسمان وإن كان أحدهما قد اتّبع صاحبه في اللفظ وليس باسمه في الأصل، فقد صار في حكم اسمين؛ كلّ واحد منهما من أمة، كل واحد منهما عمر، وذلك على مذهب يستعمله العرب وطلبا للتخفيف كقوله: لنا قمراها والنجوم الطوالع (٢) فإنما أراد الشمس والقمر. وقال قراد بن حنش الصادي: إذا اجتمع العمران عمرو بن جبار ... وبدر بن عمرو خلت ذبيان تبعا والزّهدمان فيما ذكر أبو عبيدة؛ زهدم وكردم ابنا قيس. وقال غيره: زهدم وقيس العبسيان من بني عوير بن رواحة، والأبوان الأب والأم، وفيما ذكر سيبويه من المثنى:

стр. 934

الغريّان (١) المشهوران بالكوفة؛ بمنزلة النسرين إذا كنت تريد النجمين، وللغريّين حديث ليس القصد في هذا الموضع لذكر مثله والله أعلم. هذا باب ما يكون الاسم فيه بمنزلة الذي في المعرفة إذا بني على ما قبله، وبمنزلته في الاحتياج إلى الحشو، ويكون نكرة بمنزلة رجل. قال أبو سعيد في هذا الباب إلى آخره: في (من)، و (ما)، في الخبر، ويكونان معرفتين ونكرتين، فإن كانا معرفتين، فكل واحد منهما بمنزلة (الذي) يحتاج من الصلة إلى ما يحتاج إليه (الذي). وسيبويه يسمي الصلة الحشو، فأمّا المعرفة فنحو قولك: هذا من أعرف منطلقا، وهذا من لا أعرف منطلقا، أي هذا الذي قد علمت أني لا أعرفه منطلقا، وهذا ما عندي مهينا، وأعرف ولا أعرف عندي؛ حشو لهما يتمّان به، فيصيران اسما كما كان الذي لا يتمّ إلّا بحشوه، وإن كانت نكرتين فهو ما قاله الخليل قال: (إن شئت جعلت من بمنزلة إنسان، وجعلت ما بمنزلة شيء، نكرتين وتلزمهما للصفة، والفرق بين الصلة والصفة أن الصلة جملة لا تتعلق بإعراب الموصول أو في تقدير جملة، والصفة اسم مفرد أو ما تقديره تقدير اسم متعلق إعرابه بالموصوف، تقول في الموصول: مررت بمن أبوه قائم، وبما طعمه طيب، ورأيت بمن أبوه قائم، وما لونه حسن. وأما الصفة فنحو قولك: مررت بمن منطلق، ورأيت من منطلقا، ومررت بماء طيب، وقال الأنصاري (٢): وكفى بنا فضلا على من غيرنا ... حب النبيّ محمد إيّانا (٣) فوصف من بغير، وجرّه على موضع من، وقال الفرزدق في مثله:

стр. 935

إنّى وإيّاك إذ حلّت بأرحلنا ... كمن بواديه بعد المحل ممطور (١) جرّ ممطور لأنه صفة من، كأنه قال: كإنسان ممطور. قال: وأما هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢) فرفعه على وجهين: على شيء لديّ عتيد، يجعل ما بمنزلة شيء، كأنه قال: هذا شيء لديّ عتيد. وقد أدخلوا في قول من قال نكرة فقالوا: هل رأيتم شيئا يكون موصوفا لا يسكت عليه؟ فقالوا: نعم يا أيها الرجل. الرجل وصف لقوله يا أيها، ولا يجوز أن يسكت على يا أيّها، فربّ اسم لا يحسن عليه عندهم السكوت حتى يصفوه وحتى يصير وصفه عندهم كأنه به يتم الاسم؛ لأنهم إنما جاءوا بأيّها ليصلوا إلى نداء الذي فيه الألف واللام، فلذلك جيء به. كذلك (من) و (ما) إنما يذكران لحشوهما ولوصفهما، ولم يرد بهما خلوين شيء، ولزمهما الوصف كما لزمهما الحشو، وليس لهما بغير حشو ولا وصف معنى، فمن ثم كان الوصف والحشو واحدا، فالوصف قولك: مررت بمن صالح، فصالح وصف. وإن أردت الحشو قلت: بمن صالح، فيصير صالح خبرا لشيء مضمر، كأنك قلت: مررت بمن هو صالح، والحشو لا يكون أبدا ل (من) و (ما) إلّا وهما معرفة؛ وذلك من قبل أن الحشو إذا صار فيهما أشبهتا الذي، فكما أنّ الذي لا يكون إلا معرفة لا تكون من وما إذا كان الذي بعدهما حشوا وهو الصلة إلّا معرفة وتقول: هذا من أعرف منطلق، فتجعل أعرف صفة. يصير كأنك قلت: هذا من معروف منطلق، بمنزلة رجل معروف. وتقول هذا من أعرف منطلقا، تجعل أعرف صلة. وقد يجوز منطلق على قولك: هذا عبد الله منطلق ومثل ذلك: الجمّاء الغفير، فالغفير وصف لازم، وهو توكيد؛ لأنّ الجمّاء الغفير مثل، فلزم الغفير كما لزم ما في قولك: إنك ما وخبزا، والخبز في هذا ونحوه عند أصحابنا محذوف، وتقديره إنك وخبزا مقرونان، وما زائدة، وهي لازمة عوضا عن المحذوف، ومثل هذا: كل رجل وقرينه، وكل إنسان وصنعته، عند أصحابنا البصريين الخبر محذوف، وتقديره: كلّ رجل وقرينه مقرونان، وكذلك كل إنسان وصنعته، وعند الكوفيين

стр. 936

الواو بمعنى مع وهي الخبر. قال: " واعلم أنّ كفى بنا فضلا على من غيرنا أجود، وفيه ضعف إلّا أن يكون مرفوعا بهو وهو نحو مررت بأيّهم أفضل، وكما قرأ بعضهم هذه الآية تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ (١) ". يريد أن قوله: على من غيرنا بالرفع أجود من الجر؛ لأن الجر بالصفة، والصلة في (من) و (ما) أجود من الصفة وأكثر في الكلام، وإذا وصلت لم يحسن حذف العائد المقدر بعد من، والتقدير: من هو غيرنا، ولذلك قال: وفيه ضعف أي في حذف " هو " ضعيف، وهو جائز مع ضعفه لما ذكره بعد. قال: " اعلم أنه قبيح أن تقول: هذا من منطلق إن جعلت المنطلق حشوا أو وصفا، فإن أطلت الكلام فقلت: من خير منك، حسن في الوصف والحشو. وزعم الخليل أنه سمع من العرب رجلا يقول: ما أنا بالذي قائل لك سوءا، وما أنا بالذي قائل قبحا، فالوصف بمنزلة الحشو؛ لأنه إنما يحسن بما بعده، كما أن الحشو إنما يتم بما بعده. ويقوّي أن (من) نكرة قول عمرو بن قميئة: يا ربّ من يبغض أذوادنا ... رحن على بغضائه واغتدين (٢) وربّ لا يكون ما بعدها إلا نكرة. قال أمية بن أبي الصلت ربّ ما تكره النّفوس من الأمر ... له فرجة كحلّ العقال (٣) وما اسم وليست بكافة لربّ؛ لأن الهاء في له تعود إليه. وقال آخر: ألا ربّ من تغتشّه لّك ناصح ... ومؤتمن بالغيب غير أمين (٤) قال أبو سعيد: هذا آخر كلام سيبويه، وهو مفهوم.

стр. 937

وأما قول أبي دؤاد سالكات سبيل قفرة بدا ... ربّما ظاعن بها ومقيم (١) ف (ما) في ربّما نكرة؛ لأن ربّ لا تدخل على المعارف، ولا هي كافة؛ لأنّ الوجه في الكافّة أن يليها الفعل، فإذا كانت نكرة جاز أن تنعت بالجمل، وتقدير (ما) هاهنا تقدير إنسان، كما قد جاءت (ما) في موضع (من) في أماكن. منه ما حكى أبو زيد: سبحان ما سخركنّ لنا. وسبحان ما سبّح الرعد بحمده. وأشباه لذلك. وتقديره: ربّ إنسان هو ظاعن بقلبه- إلى أحبّته الذين ظعنوا عن هذه البلدة- بها مقيم بجسمه فيها، وأما قول أبي دؤاد أيضا: ربما الجامل المؤيد فيهم ... وعناجيح بينهن المهار (٢) هذا باب ما لا يكون الاسم فيه إلا نكرة " وذلك قولك: هذا أوّل فارس مقبل، وهذا كلّ متاع عندي موضوع، وهذا خير منك مقبل، ومما يدلك على أنهنّ نكرة أنهن مضافات إلى نكرة وتوصف بهن النكرة، وذلك أنك تقول فيما كان وصفا: هذا رجل منك، وهذا فارس أوّل فارس، وهذا مال كلّ مال عندك. وتستدل على أنهن مضافات إلى نكرة أنك تصف ما بعدهن بما توصف به النكرة ولا تصفه بما توصف به المعرفة، وذلك قولك: هذا أوّل فارس شجاع مقبل. وحدثنا الخليل أنه سمع من يوثق بعربيته ينشد هذا البيت، وهو قول الشماخ: وكلّ خليل غير هاضم نفسه ... لوصل خليل صارم أو معارز (٣) فجعله صفة لكل. وحدثني أبو الخطاب أنه سمع من يوثق بعربيته من العرب ينشد هذا البيت: كأنّا يوم قرّى إن ... نما نقتل إيّانا

стр. 938

قتلنا منهم كلّ ... فتى بيض حسّانا (١) فجعله وصفا لكل ". قال أبو سعيد: قصد سيبويه في هذا الباب إلى آخره ذكر أسماء لا تدخل عليها الألف واللام، وأنها مع امتناع دخول الألف واللام عليها منكورة بدلائل النكرة عليها، وجعل دلائل التنكر فيها أنها توصف بالأسماء النكرات، وتوصف بها الأسماء النكرات. فمن تلك الأسماء: خير منك، وأول فارس، وكلّ مال عندك، وقد وصف بهنّ نكرات ووصفن بنكرات في قوله: أول فارس شجاع مقبل. ويكشف ما قاله سيبويه بأن يراد فيه أنهن يوصفن بنكرات يمكن دخول الألف واللام عليها، فلا تدخل نحو: أول فارس شجاع، ولا يقال الشجاع، وامتناع دخول الألف واللام عليها أن مواضعهن أوجبت لها التنكير، فمنها أن أفعل إنما يضاف إلى جمع أو واحد منكور في معنى الجمع؛ كقولنا: أفضل رجل، وخير رجل، بمعنى أفضل الرجال، وخير الرجال على التخفيف، والاقتصار على أخف لفظ، ويدل على ذلك الواحد، وهو الواحد المنكور من الجنس، وكذلك: أفضل منك، وخير منك، وجميع باب أفعل منك لا يكون إلّا نكرة، لما قد ذكرت في موضعه مما أوجبت التنكير. فإن قال قائل: فأنتم قد تصفون المعارف بالنكرات في قولك: إنّي لأمرّ بالصادق غير الكاذب، وإنّي لأمرّ بالرجل مثلك. قيل له: إنما جاز وصفه بذلك لأنه لا يمكن دخول الألف واللام على غيرك ومثلك، ولو جئنا بشيء يمكن دخول الألف واللام عليه من المنكرات ما جاز الوصف به إلّا بدخول الألف واللام، وعليه لو قلت: إني لأمرّ بالرجل الغريب أو بالصادق المحق، ما جاز أن تقول إنّي لأمرّ بالرجل غريب، ولا بالصادق محق، ومن دلائله: عشرون درهما، وثلاثون يوما، وما أشبه ذلك؛ لأن المميز واحد منكور؛ لأنه أخفّ لفظ يدلّ على النوع، ولا تدخل عليها الألف واللام، ثم واصل الاحتجاج لذلك والاستشهاد بالنظائر بما يكشف لأفهام المتكلمين بكلام بيّن إلى آخر الباب. قال: " ومثل ذلك: هذا أيّما رجل منطلق، وهذا حسبك من رجل منطلق.

стр. 939

ويدلك على أنه نكرة أنك تصف به النكرة، تقول، هذا رجل حسبك من رجل، فهو بمنزلة: مثلك وضاربك إذا أردت النكرة، ومما يوصف به كلّ، قول ابن أحمر: ولهت عليه كلّ معصفة ... هو جاء ليس للبها زبر (١) سمعناه ممن يروونه من العرب. ومن قال: هذا أول فارس مقبلا، من قبل أنه لا يستطيع أن يقول: هذا أوّل الفارس، فيدخل عليه الألف واللام فصار عنده بمنزلة المعرفة، فلا ينبغي أن يصفه بالنكرة، وينبغي له أن يزعم أن درهما في قولك: عشرون درهما معرفة، فليس هذا بشيء، وإنما أرادوا من الفرسان، فحذفوا الكلام استخفافا، وجعلوا هذا يجزئهم من ذلك، وقد يجوز نصبه على نصب: هذا رجل منطلقا، وهو قول عيسى بن عمر وزعم الخليل أن هذا جائز، ونصبه كنصبه في المعرفة، جعله حالا ولم يجعله وصفا. ومثل ذلك: مررت برجل قائما، إذا جعلت المرور به في حال قيامه. وقد يجوز على هذا: فيها رجل قائما، وهو قول الخليل. ومثل ذلك: عليه مائة بيضا، والرفع الوجه، وعليه مائة عينا، والرفع الوجه. وزعم يونس أن ناسا من العرب يقولون: مررت قائما بماء قعدّه رجل، والجر الوجه. وإنما كان النصب هنا بعيدا من قبل أن هذا يكون من صفة الأول، فكرهوا أن يجعلوه حالا كما كرهوا أن يجعلوا الطويل والأخ حالا حين قالوا: هذا زيد الطويل، وهذا عمرو أخوك. فألزموا صفة النكرة النكرة، كما ألزموا صفة المعرفة المعرفة، وأرادوا أن يجعلوا حال النكرة فيما يكون من اسمها، معنى ما يكون صفة لها ". قال أبو سعيد: الحال من المعرفة كالحال من النكرة فيما يوجبه العامل، غير أن الحال من النكرة تنوب عن معناها الصفة، والصفة مشاكلة للفظ الأول، فيكون أولى من الحال المخالفة للفظ الأول، وذلك قولك: جاءني رجل راكب. في حالة مجيئه، ولست تريد بيان رجل في

стр. 940

حال إخبارك، وإذا قلت: جاءني رجل راكبا، فذلك المعنى تريد، فكرهوا العدول عن لفظ مشاكل للفظ الأول إلى لفظ يخالفه لغير خلاف في المعنى، فلذلك آثروا الصفة في النكرة على الحال. وأما المعرفة فإن فائدة الحال فيها غير فائدة الصفة؛ لأنك إذا قلت: جاءني زيد أمس الراكب، فالراكب صفة لزيد في حال إخبارك؛ لأنّ زيدا معرفة تحتاج إلى أن يعرفه المخاطب في حال إخبارك، فإذا قلت: جاءني أمس راكبا، فالركوب في حال مجيئه لا في حال إخبارك. وجعل سيبويه أول فارس مقبلا في باب الحال كقولك: هذا رجل منطلقا لتحقق تنكير أول فارس؛ إذ محله في الإعراب والحال الذي بعده كمحل رجل من هذا رجل. قال: " واعلم أن ما كان صفة للمعرفة لا يكون حالا ينتصب انتصاب النكرة، وذلك أنه لا يحسن لك أن تقول: هذا زيد الطويل، ولا هذا زيد أخاك، من قبل أنه من قال هذا فينبغي أن يجعله صفة للنكرة، فيقول هذا رجل أخوك. ومثل هذا في القبح: هذا زيد أسود الناس، وهذا زيد سيّد الناس. حدثنا بذلك يونس عن أبي عمرو. ولو حسن أن يكون هذا خبرا للمعرفة لجاز أن يكون خبرا للنكرة، فتقول: هذا رجل سيّد الناس، من قبل أنّ نصب هذا رجل منطلقا، فينبغي لما كان حالا للمعرفة أن يكون حالا للنكرة. فليس هكذا، ولكن ما كان صفة للنكرة جاز أن يكون حالا للنكرة، ولا يجوز للمعرفة أن تكون حالا كما تكون النكرة فتلتبس بالنكرة. ولو جاز ذلك لقلت: هذا أخوك عبد الله، إذا كان عبد الله اسمه الذي يعرف به. وهذا كلام خبيث يوضع في غير موضعه ". قال أبو سعيد: ذكر الصفات للمعارف أنها لا تكون أحوالا للمعارف، وهذا مسلّم إذ كنّا لا نقول: جاءني زيد الراكب على الحال، ولا أعلم أحدا يخالفه في ذلك، ولأن الحال- أيضا- مشبهة للتمييز؛ لأنّا إذا قلنا: جاءني زيد، احتمل أحوالا شتى جاء فيها، كما أنّا إذا قلنا: عشرون، احتمل أن يكون بعدها أنواع كثيرة، فإذا جئت بنوع منها نكّرته ونصبته، فقلت: درهما، أو ثوبا، وكذلك إذا جئت ببعض الأحوال المبهمة نصبته ونكّرته فقلت: جاءني زيد راكبا أو ماشيا أو مسرعا أو مبطئا أو ضاحكا أو باكيا،

стр. 941

ثم ألزم من يلتزم أن تكون الحال معرفة أن يجعل حال النكرة معرفة؛ لأنه لا فرق بين حال المعرفة والنكرة فتقول: هذا رجل سيد الناس، وهذا كله من سيبويه تشنيع وتقبيح لهذا القول، ثم ألزمه أن يقول: هذا أخوك عبد الله؛ لأنه قد يكون الاسم للعلم عطف البيان، ويجري ما قبله مجرى النعت، فألزمه نصبه. ومن أصحابنا من قال: غلط في الكتاب وإن معناه إذا عبد الله ليس اسمه الذي يعرف به، ثم ذكر مواضع المعرفة فقال: إنما تكون للمعرفة مبنيا عليها، يعني مبتدأ أو مبنية على اسم يعني خبرا لمبتدإ، أو لكان ونحوها، أو غيره من الكلام الذي جرى بالاستئناف له، أو بنصبه على إضمار، وقد دخل هذا في أقسامه الأول. فهذا أمر النكرة وأمر المعرفة، فأجره كما أجروه وضع كل شيء موضعه. هذا باب ما ينتصب خبره لأنّه معرفة وهي معرفة لا توصف ولا تكون وصفا " وذلك قولك: مررت بكلّ قائما، وببعض جالسا. وإنّما خروجهما من أن تكونا وصفين أو موصوفين، أنه لا يحسن لك أن تقول: مررت بكلّ الصالحين ولا ببعض الصالحين، قبح الوصف حين حذفوا ما أضافوا إليه؛ لأنّه مخالف لما يضاف، شاذ منه، فلم يجر في الوصف مجراه، كما أنّهم حين قالوا: يا الله، فأضافوا ما فيه الألف واللام، لم يصلوا ألفها وأثبتوها وصار معرفة؛ لأنّه مضاف إلى معرفة، كأنك قلت: مررت بكلّهم ببعضهم، ولكنك حذفت ذلك المضاف إليه، فجاز ذلك كما جاز: لاه أبوك، تريد لله أبوك، حذفوا الألف واللامين. وليس هذا طريقة الكلام، ولا سبيله؛ لأنهم ليس من كلامهم أن يضمروا الجارّ ". قال أبو سعيد: مررت بكلّ قائما، ومررت ببعض قائما وببعض جالسا، لا يتكلم به مبتدأ، وإنما يتكلم به إذا جرى ذكر قوم فتقول: مررت بكلّ أي: مررت بكلهم، ومررت ببعض، أي ببعضهم، فيستغنى بما جرى من الكلام ومعرفة الخطاب بما يوصف به أيضا؛ لأنهم لما أقاموه مقام الضمير، والضمير لا يوصف إذا لم يكن تحلية ولا فيه معنى تحلية، ولم يصفوا به. ولا يقال: مررت بالزيدين كلّ، كما لا يقال: مررت بكل الصالحين، وأما تشبيه سيبويه ذلك في الشذوذ بقولهم: يا الله، حين نادوا ما فيه الألف واللام، وقطعوا ألف الوصل منه، فإن الذي دعاه إلى ذلك مع خروجه عن القياس المستمر

стр. 942

في كلامهم، أن الألف واللام لا يفارقان اسم الله، على ما فيه من الخلاف في أصل الاسم قبل دخول الألف واللام، وبالخلق أجمعين الفاقة الشديدة إلى نداء الله ودعائه بهذا الاسم؛ لأنه أشهر أسمائه وأكثرها دورا على ألسنتهم، فلما اضطرهم الأمر إلى ندائه، خالفوا بلفظ لفظه لفظ ما ينادى مما فيه الألف واللام للتعريف، فقطعوا الألف فصار في اللفظ كأن الألف واللام فيه أصليان. ومن الحذف الشاذ- أيضا- قولهم: لاه أبوك، يريد: لله أبوك، فحذفوا منه لامين، وقد كانوا حذفوا منه الألف الوصل. واللامان المحذوفان عند سيبويه: لام الجر واللام التي بعدها. وقال محمد بن يزيد: لام الجر هي هذه اللام المبقّاة، وكانت أولى بالتبقية عنده لأنها دخلت لمعنى، وفتحت لام الجر؛ لأن لام الجر في الأصل مفتوحة، والصواب عندنا ما قاله سيبويه؛ لأنّا رأيناهم قد حذفوا حروف الجر إذا دخلت على (إن) و (أن)، مخففة ومشددة نحو قولك: رغبت أن أصحبك، وأيقنت أن زيدا خارج، وتقديره: في أن أصحبك، وأيقنت بأن زيدا خارج، ولا يجوز حذفها من المصدر إذا قلت: رغبت في صحبتك، وأيقنت بخروجك، والأجود أن (أن) في موضع جرّ، وقد روي أن رؤبة إذا قيل له: كيف أصبحت؟ قال: خير، يريد: بخير. وروي من قول بعض العرب: مررت برجل صالح وأن طالح، وفيه من الاحتجاجات والمناقضات ما لا يحتمل الكتاب ذكره. وجملة الأمر أن قول سيبويه: إذا حذف من الكلمة ما قاله، فالباقي منها هو اللفظ الموجود من غير تغيير. وعلى قول المبرد: تبقى اللام المكسورة وتغيّر، وليس على التغيير دليل يجب التسليم له. ومن الحذف: لا عليك، أي: لا بأس، أو لا ضرر عليك، أو نحو ذلك. وقال: ما فيهم بفضلك في شيء، يريد: أحد بفضلك. قد قال الله: وَإِنْ مِنْ

стр. 943

أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ (١) ومعناه: أحد. قال الراجز: لو قلت ما في قومها لم تيثم ... يفضلها في حسب وميسم (٢) والشواذ في كلامهم كثير. قال: ولا يكونان وصفا، كما لا يكونان موصوفين، يعني: كل، وبعض. قال: وإنما يوضعان في الابتداء، أو يبنيان على اسم بالابتداء، نحو قوله: وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٣)، فأمّا جميع فيجري مجرى رجل ونحوه في هذا الموضع. قال الله : وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٤) وقال: ائتهم والقوم جميع، أي: مجتمعون. قال المفسر: لفظ جميع: لفظ واحد، ومعناه: جمع، مثل: قوم، وجماعة. قال: وزعم الخليل أنه يستضعف أن يكون كلّهم مبنيا على اسم أو غير اسم، ولكن يكون مبتدأ، أو يكون كلّهم صفة. فقلت: لم استضعف أن يكون مبنيا؟ فقال: لأنّ موضعه في الكلام أن يعمّ به غيره من الأسماء بعد ما يذكر فيكون كلّهم صفة أو مبتدأ. قال المفسر: الأغلب في كلهم أن يجري مجرى أجمعين؛ لأنه يعم به بأجمعين؛ لأن معناه معنى أجمعين، اتسع في لفظه فأضيف إلى الكنى، والظاهر، والمعرفة، والنكرة، كقولنا: كل القوم، وكل رجل، وجعل نعتا على معنى المبالغة والكمال، لا على معنى العموم، كقولنا: رأيت الرجل كل الرجل، ورأيت رجلا كل رجل، وأكلت شاة كلّ شاة، على معنى: رأيت الرجل الكامل، واستحسنوا الابتداء به بهذا التصرف والإضافة؛ لأن أول الكلام الابتداء ثم تدخل عليه العوامل.

стр. 944

ولأن الابتداء ب (كلهم) بعد كلام يجري مجرى التوكيد، كقولك، إن قومك كلهم ذاهب، ويجوز أن تدخل عليها العوامل كلها، وإن كان فيها بعض الضعف من حيث دخل عليها الابتداء، وكلاهما، وكلتاهما، وكلهن تجري مجرى كلهم. وأما جميعهم فقد يجوز على وجهين: يوصف به المضمر كما يوصف ب (كلهم) ويجري في الوصف مجراه، ويكون في سائر ذلك بمنزل: عامتهم، وجماعتهم، يبدأ ويبنى على غيره؛ لأنه يكون نكرة وتدخله الألف واللام، وأمّا كل شيء، وكل رجل، فإنما يبنيان على غيرهما؛ لأنه لا يوصف بهما. والذي ذكرت قول الخليل، ورأينا العرب توافقه بعد ما سمعناه منه. هذا باب ما ينتصب لأنه قبيح أن يكون صفة " وذلك قولك: هذا راقود خلا، وعليه نحي سمنا، وإن شئت قلت: راقود خلّ، وراقود من خلّ، وإنما قرئت إلى النصب في هذا الباب كما قرئت إلى الرفع في قولك: بصحيفة طين خاتمها؛ لأنّ الطين اسم وليس صفة ممّا يوصف به، ولكنه جوهر يضاف إليه ما كان منه. فهكذا مجرى هذا، وما أشبهه. ومن قال: مررت بصحيفة طين خاتمها، قال: هذا راقود خل، وهذا صفة خز، وهذا قبيح أجري على غير وجهه، ولكنّه حسن أن يبنى على المبدأ ويكون حالا، والحال قولك: هذه جبّتك خزّا، والمبنيّ على المبتدأ قولك: جبّتك خزّ، ولا يكون صفة فيشبه الأسماء التي أخذت من الفعل وما أشبهها، ولكنّهم جعلوه يلي ما ينصب ويرفع وما يجرّ، فأجروه كما أجروه وإنما فعلوا به ما يفعل بالأسماء، والحال مفعول فيها، والمبنيّ على المبتدأ بمنزلة ما رفع بالفعل، والجارّ بتلك المنزلة يجري في الاسم مجرى الناصب والرافع ". قال أبو سعيد: راقود ونحي مقدار، ينتصب بعدهما إذا نوّنتهما، كما ينتصب بعد أحد عشر وعشرين إذا قلت: أحد عشر درهما، وعشرون ثوبا، وإن أضفتهما فبمنزلة مائة درهم، وألف ثوب ولم يذكر سيبويه نصبه من أي وجه، إلا أن القياس يوجب ما ذكرته، ومثله: لي ملؤه عسلا، يعني: الإناء عسلا، وعندي رطل زيتا، وتقديره: لي ما يملأ الإناء من العسل، ولي ما يملأ الرطل من الزيت، وكذلك القول في عشرين درهما، إلّا أنهم اقتصروا وردّوه من تعريف الجنس إلى واحد منه منكور، للدلالة على الجنس. فسموه

стр. 945

تمييزا. وجعل سيبويه " هذه جبتك خزّا " حالا؛ لأن الجبة ليست بمقدار يقدر به الخز، فيجري مجرى راقود ونحي الإناء وعشرين. وقال أبو العباس محمد بن يزيد: خطأ أن يكون حالا، إنما هو تمييز، وقد مضى الكلام فيما يجعله سيبويه من الأجناس أحوالا، ويفرّق بينه وبين الحال والصفة وسائر ما في الباب مفهوم. هذا باب ما ينتصب لأنّه ليس من اسم ما قبله ولا هو هو " وذلك قولك: هذا ابن عميّ دنيّا، وهو جاري بيت بيت. فهذه أحوال قد وقع فيها في كل واحد شيء وانتصب؛ لأنّ هذا الكلام قد عمل فيها كما عمل الرجل في العلم حين قلت: عشرون درهما؛ لأن الدرهم ليس من اسم العشرين ولا هو هو " قال أبو سعيد: الذي يريده سيبويه الاسم الذي له اسمان أحدهما هو الآخر ولو غيرنا عن كلّ واحد منهما بالآخر كان له اسما، والذي هو من اسمه أن يكون محمولا على إعرابه، وذلك النعت وما كان من الحال من أسمائه الفاعلين كقولنا: هذا زيد ذاهبا، فهو هو لأن زيدا هو ذاهب، وذاهب هو زيد، وما كان مصدرا لم تقل هو هو؛ كقولك: هو ابن عمي دنيّا، دنيّا مصدر في الأصل، ولا تخبر عنه ولا يكون خبرا، وأصل دنيّا دنوا؛ لأنه من دنا يدنو، فقلبوا الواو ياء؛ لأن بينهما وبين الكسرة نونا ساكنة وهو خفيّة، ودنيّا ليس بمتمكن؛ لأنه لا يقال: هذا ابن عمى دنيّ، ولا: مررت بابن عمّ دنيّ، ودنيّا في معنى دانيا منصوبا على الحال، والعامل فيه معنى ابن عمي، كأنه قال: يناسبني دانيا. وأما قوله: " هو جاري بيت بيت " فمعناه: هو جاري ملاصقا، وبيت بيت جعلا اسما واحدا، ووضعا في موضع مصدر، وذلك المصدر في موضع الحال، " وهذا درهم وزنا " يكون وزنا مصدرا بمعنى: وزن وزنا، وحالا بمعنى موزونا، والذي ساق عليه الكلام أن يكون في موضع الحال، وكذلك: هذا حسيب جدا وهذا عربيّ حسبه، وتقديره: اكتفاء بمعنى: كافيا. حدّثني بذلك أبو الخطاب عن من يثق به من العرب. جعله بمنزلة الدّني والوزن، كأنه قال: هو عربيّ اكتفاء. فهذا تمثيل ولا يتكلم به، ولزمته الإضافة كما لزمته جهده وطاقته. وما لم يضف من ذا ولم تدخله الألف واللام، فهو بمنزلة ما تضيفه ولم تدخله الألف واللام فيما ذكرنا من المصادر، نحو: لقيته كفاحا، وأتيته جهارا.

стр. 946

ومثل ذلك: هذا عشرون مرارا. وكأنه قال تكريرا وتضعيفا في معي مضافة ومكررة، فهذا غير مضاف. و " هذه عشرون أضعافها " وهي مضافة مثل: جهده وطاقته ومعناه: مضاعفة. قال: " ومثل ذلك: هذا درهم سواء، كأنه قال: هذا درهم استواء. فهذا تمثل وإن لم يتكلم به، كما قال الله تعالى: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١) وقد قرأها ناس " في أربعة أيام سواء " قال الخليل: جعلوه بمنزلة أيام مستويات. وتقول: هذا درهم سواء، كأنك قلت: هذا درهم تام. قال: (وهذا شيء ينتصب على أنّه ليس من اسم الأول ولا هو هو) وذلك قولك: هذا عربيّ محضا، وهذا عربيّ قلبا. فمحضا وقلبا ليسا بالعربي لأنهما مصدران، ولا جريا على عربيّ في نعته وإعرابه، فصار بمنزلة دنيّا وما أشبهه من المصادر وغيرها، والرفع فيه وجه الكلام. وزعم يونس ذلك وذلك قولك: هذا عربيّ محض وهذا عربيّ قلب ". قال أبو سعيد: وإنما صار الرفع الوجه؛ لأنه كثر في كلامهم أن يجروا محض وقلب مجرى عدل، وأنت تقول: هذا رجل عدل في معنى عادل، وكذلك محض في معنى ماحض؛ لأنه يقال: محض يمحض وامتحضت أنا، ومعناه: خالص. ولم يستعمل الفعل من قلب ما استعمل من محض. قال أبو العباس محمد بن يزيد: قلبا، معناه: قد تقلّب في العرب أي: دائر في أنسابها وهما مصدران صادفا الحال. قال أبو سعيد: ويجوز أن يكون أخذ من قلب قلبا، كأنه فتّش ونقي من العيب. وأما عربيّ قحّ فلم يستعمل إلا صفة؛ لأنه اسم ليس مصدر، وليس له فعل يتصرّف. قال: " ومما ينتصب لأنه ليس من اسم الأول ولا هو هو، قولك: هذه مائة

стр. 947

وزن سبعة، ونقد الناس، وهذه مائة ضرب الأمير، وهذا ثوب نسج اليمن، كأنه قال نسجا وضربا ووزنا. وإن شئت قلت: وزن سبعة. قال الخليل: إذا جعلت وزن سبعة مصدرا نصبت، وإن جعلته اسما وصفت به. يعني بقوله: اسما تجعله في معنى موزون فتجريه مجرى موزون، ومنه الخلق يكون مصدرا، ويكون المخلوق، والحلب يكون مصدرا ويكون معنى المحلوب، والضرب في الدرهم بمعنى المضروب كما تقول: رجل رضى بمعنى مرضيّ، وامرأة عدل بمعنى عادلة، ويوم غم. فيصير هذا الكلام صفة. قال: استقبح أن أقول هذه ضرب الأمير، فأجعل الضرب صفة فيكون نكرة وصفت بمعرفة، ولكن أرفعه على الابتداء، كأنّه قيل له: ما هي؟ فقال: ضرب الأمير. فإن قلت: ضرب أمير حسنت الصفة؛ لأنّ النكرة توصف بالنكرة ". قال أبو سعيد: إذا قلت: هذه مائة نقد الناس، وهذه مائة ضرب الأمير، وهذا ثوب نسج اليمن، فنصبها على المصدر لا على الحال؛ لأنها معارف، كأنه قال: نقدت نقد الناس، وضربت ضرب الأمير، ونسجت نسج اليمن. قال: " واعلم أنّ جميع ما ينتصب في هذا الباب ينتصب على أنّه ليس من اسم الأول ولا هو هو. والدليل على ذلك أنك لو ابتدأت اسما لم تستطع أن تبني عليه شيئا ممّا انتصب في هذا الباب؛ لأنه جرى في كلام العرب أنّه ليس منه ولا هو هو. لو قلت: هذا ابن عمي دني والعربيّ جدّ، لم يجز، نعلم أنه ليس هو هو؛ لأن ما هو هو، لا يمتنع أن يكون خبرا له. وإذا لم يكن خبرا له، فهو من الصفة أبعد فصار ليس منه؛ لأن ما كان صفة فهو اسمه، وبيّن أنه كان خبرا لمبتدأ ما لا يكون صفة كقولك: خاتمك فضّة ولا يكون صفة ". قال أبو سعيد: الذي يعني به فيما يقول أنّه منه ما كان نعتا له جاريا عليه، وما ليس منه ليس بنعت له جار عليه، وقد عبر عنه بعض أصحابنا بأنه ما كان تماما له فيدخل فيه النعت والصلة، وأما ما هو هو فما صيغ لذاته من أسماء الفاعلين نحو: زيد الطويل، وزيد ذاهب. وبيّن أنّ دنيّا وجدّا في قولك: هذا ابن عمى دنيّا، وهذا حسيب جدّا، دنيّ وجدّ ليسا بنعتين، فيكون من اسم الأول، ولا هما الأول لأنهما مصدران، والأول ليس بمصدر

стр. 948

ولم يكونا نعتين للأول لأنّهما غير متمكنين، ولا يخبر بهما عن الأول. لا يقال: هذا دنيّ جدّ، وإذا لم يخبر بهما فهما من النعت بهما أبعد؛ لأنه قد يخبر بما لا ينعت به؛ لأنك تقول: خاتمك فضة ولا تقول: مررت بخاتم فضة. قال: " اعلم أن الشيء قد يوصف بالشيء الذي هو هو. وهو من اسمه، وذلك قولك: هذا زيد الطويل، ويكون هو هو وليس من اسمه كقولك: هذا زيد ذاهبا. ويوصف بالشيء الذي ليس به ولا من اسمه، كقولك: هذا درهم وزنا، لا يكون إلّا نصبا. قال أبو العباس: أزنه وزنا ". قال أبو سعيد: إن قال قائل: أليس قد تقدم في الباب بأن الوزن يكون اسما ومعناه: موزون، فلم لا يكون هذا درهم وزن؟ قيل له: هذا جائز إذا أراد هذا المعنى، وإنما ذكر سيبويه ما يوصف به وليس من اسمه، أي ليس بنعت جار على المنعوت، ولو رفع كان من اسمه، وأدخل فيما يوصف به الحال والمصدر، إنما ذهب في ذلك إلى ما يتعلق عليه، ويبيّن به، ولم يذهب إلى الصفة التي هي نعت، والله أعلم. هذا باب ما ينتصب لأنه قبيح أن يوصف بما بعده أو يبنى عليه ما قبله " وذلك قولك: هذا قائما رجل، وفيها قائما رجل، وهو قائما رجل، ولما لم يجز أن توصف الصفة بالاسم وقبح أن تقول: فيها قائم، فتضع الصفة موضع الاسم، كما قبح: مررت بقائم، وأتاني قائم. جعلت قائما حالا، وكان المبنيّ على الكلام الأوّل ما بعده. ولو حسن أن تقول: فيها قائم، لجاز فيها قائم رجل، لا على الصفة، ولكنّه كأنه لمّا قال فيها قائم، قيل له: من هو؟ وما هو؟ فقال: رجل أو عبد الله. وقد يجوز على ضعفه. وحمل هذا النصب على جواز فيها رجل قائما، وصار حين أخّر وجه الكلام فرارا من القبح. قال ذو الرمّة: وتحت العوالي والقنا مستظلة ... ظباء أعارتها العيون الجآذر (١)

стр. 949

وقال آخر: وبالجسم منّي بيّنا لو علمته شحوب ... وإن تستشهدي العين تشهد (١) وقال كثير: لعزّة موحشا طلل قديم (٢) وهذا كلام أكثر ما يكون في الشعر، وأقل ما يكون في الكلام ". قال أبو سعيد: جملة هذا الباب أن يكون اسم منكور له صفة تجري عليه، ويجوز نصب صفته على الحال، والعامل في الحال شيء متقدم لذلك المنكور، ثم تتقدم صفة ذلك المنكور عليه لضرورة عرضت لشاعر إلى تقديم تلك الصفة، فيكون لفظ الاختيار في لفظ تلك الصفة أن تحمل على الحال، مثال ذلك: هذا رجل قائم، وفى الدار رجل قائم، هذا مبتدأ، ورجل خبره، وقائم نعت رجل. وفي الدار رجل قائم، رجل مبتدأ، وفى الدار خبر مقدم، وقائم نعت رجل، ويجوز نصب قائم في المسألتين جميعا، وأمّا في هذا رجل قائما، فالعامل فيه التنبيه أو الإشارة، وأمّا في الدار رجل قائما، فالعامل فيه الظرف، والاختيار الصفة، فلما احتاج إلى تقديم مستظلة على ظباء وقد كان قبل تقديمها تقديره: " وتحت العوالي في القنا ظباء مستظلة " على الاختيار، ومستظلة على الجواز، ثم احتاج إلى تقديمها على ظباء، فلم يصلح أن ترتفع على الصفة لشيء بعدها؛ لأن الصفة لا تكون إلا بعد الموصوف، وكانت الحال تتقدم وتتأخر، نصبت على الحال، وعامل الحال قد تقدم، وكذلك قوله: " وبالجسم مني بيّنا لو علمته شحوب " أصله: وبالجسم منيّ شحوب بيّن على الصفة، وبينا على الحال، والعامل فيه الظرف الذي ناب عنه وبالجسم، فلما تقدم بطلت الصفة وبقي النصب على الحال، وكذلك، لعزة موحشا على الصفة، وكان يجوز موحشا طلل قديم، أصله: لعزة طلل قديم موحش على الصفة، وكان يجوز موحشا على الحال، والعامل فيه لعزة، فلمّا قدمت نصبته على الحال، ولم يكن يحسن أن تقول: فيها قائم؛

стр. 950

لأن قائما صفة لا يحسن وضعها في موضع الأسماء، ولو حسن أن تقول فيها قائم لجعلت رجلا بدلا منه، أو يكون رفعه على الاستئناف، وكأنك قلت: هو رجل على سؤال من قال: من هو؟ قال: " وهذا كلام أكثر ما يكون في الشعر وأقل ما يكون في الكلام " يعني أن طلب وزن الشعر ربما يضطر الشاعر إلى التقديم، فيخرج إلى تقديم الصفة التي ذكرنا على الموصوف، وإذا قدّمت الصفة على الظرف بطل النصب. لا تقول: قائما فيها رجل، وقد ذكرنا أن العامل في الحال إذا كان ظرفا أو إشارة أو تنبيها لم يتقدم الحال عليه، لا تقول: زيد قائما في الدار، ولا قائما زيد في الدار، ولا قائما في الدار زيد، ولا قائما هذا زيد، وإنما يتقدم الحال على العامل إذا كان العامل فيها فعلا، كقولك: راكبا مرّ زيد، وراكبا مرّ الرجل؛ لأن الظروف والإشارة لا تتصرف كتصرف الفعل، فضعف عملها في ما قبلها، وإن كانت قد أنزلت منزلة الفعل في كونها خبرا للاسم، ووقع في النسخ وهو قائما رجل، فهو عندي سهو تناسخه الناس ولم يعتقد، ونصبه إن جاز بشيء متأول بعيد، كأن قائلا قال: على أي حال زيد رجل؟ يريد من الرّجلة والشهامة، فقال المجيب: هو قائما رجل؛ أي إذا كان قائما، كما يقال: هذا يسرا أطيب منه نحرا. قال سيبويه: " ومن ثمّ صار مررت قائما برجل لا يجوز؛ لأنّه صار قبل العامل في الاسم، وليس بفعل والعامل الباء ولو حسن هذا لحسن قائما هذا رجل " قال أبو سعيد: إذا عمل في الاسم الذي الحال منه عامل لا يجوز تقديمه عليه، نحو حروف الجر، لم يجز تقديم الحال على عامله. لا تقول: مرّ زيد قائمة بهند؛ لأن هندا لا يجوز تقديمها على الباء، والحال تابعة للاسم، فلم يجز تقديمها عليه، وإن كان العامل فيها الفعل، ورأيت أبا الحسن بن كيسان يجيز في القياس مررت قائمة بهند. قال سيبويه: " فإن قال قائل: أقول مررت ب (قائما) رجل، فيكون الحال بعد حرف الجر، فهذا أقبح وأخبث للفصل بين الجار والمجرور، ومن ثمّ أسقط ربّ قائما رجل. فهذا كلام قبيح ضعيف، فاعرف قبحه، فإنّ إعرابه يسير. ولو استحسنّاه لقلنا: هو بمنزلة فيها قائما رجل، ولكنّ معرفة قبحه أمثل من إعرابه. وأمّا بك مأخوذ زيد، فإنّه لا يكون إلّا رفعا، من قبل أنّ بك لا يكون مستقرا للرجل، وعلى ذلك أنه لا يستغنى عليه السكوت. ولو نصبت هذا لنصبت اليوم
следующие страницы →