الأحكام الشرعية الصغرى «الصحيحة»
تأليف
الإمام الحافظ أبي محمد عبد الحق الإشبيلي المتوفى سنة ٥٨١ هـ
أشرف عليه وراجعه وقدم له
خالد بن علي بن محمد العنبري
تحقيق
أم محمد بنت أحمد الهليس
مكتبة ابن تيمية - مكتبة العلم
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
الأحكام الشرعية الصغرى «الصحيحة»
стр. 4
حقوق الطبع محفوظة
الطعبة الأولى
١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م
مطابع ابن تيميية بالقاهرة
هاتف: ٨٦٢٧٩٢ - ٨٦٤٢٤٠
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.
أما بعد:
فهذا كتابٌ سارتْ به الرُّكبان في سالف الزمان، وتعلقت به أنفس العلماء، فانكبوا عليه مطالعة وحفظاً ودرساً، فقنعوا به ولم يبتغوا سواه، وذلك لجودة تصنيفه، وبراعة تأليفه، وجودة اختياره، وصحة أحاديثه وحسنها، وجمال سياقها، وقوة أسانيدها.
فلا غرابة -بعد ذلك- أن ينتظره على شوق الباحثون، كيف لا، وتِيك الكثرة الكاثرة من النقولات، والتي تسطّر في كثير من الأحايين على سبيل الرضا والتسليم، في الإحتجاج، تقابلهم -كالدُّر المنثور- في كتب التخرج والأحكام، ككتاب "نصب الراية" للزيعلي، و"التلخيص الحبير" لابن حجر العسقلاني، وغيرهما، عندما يقرأون مثلاً هذه الكلمة المتداولة: "صححه عبد الحق".
ومن أجل قيمة الكتاب العلمية أوصى شيخ المحدثين العلّامة الألباني بتحقيق الكتاب ونشره، وسعِد عندما أنبأته بخبر العمل فيه، عندما أمتعنا الله بالحج في صحبته سنة عشر وأربع مئة وألف.
والحق أن الكتاب قد بلغ الغاية في النفع والفائدة، ودلَّ من مصنفه (الحافظ عبد الحق) على سعة علم واطلاع، ودقة فهم، وشدة ذكاء، فلا عجب أن يذيع الكتاب وينتشر، ويتلقى بالقبول والثناء.
стр. 6
موضوع الكتاب
المتبادر إلى الذهن عند قراءة عنوان كتاب عبد الحق أنه اقتصر على ذكر أحاديث الأحكام الشرعية، وما يلبث أن يذهب هذا الظن عند قراءة خطبة كتابه، إذ يقول عبد الحق مبيناً ما جمعه، مرغباً في حفظه، والعمل بما فيه:
"أما بعد، وفقنا الله أجمعين لطاعته، وأمدنا بمعونته، وتوفانا على شريعته، فإني جمعت في هذا الكتاب مفترقاً من حديث رسول الله ﷺ في لوازم الشرع، وأحكامه وحلاله وحرامه، وفي ضروب من الترغيب والترهيب، وذكر الثواب والعقاب، إلى غير ذلك مما تُميز حافظها، وتُسعد العامل بها، وتخيرتها صحيحة الِإسناد معروفة عند النُّقَّاد، قد نقلها الإثبات، وتداولها الثقات ... ".
ظاهر حكاية عبد الحقّ عن موضوع كتابه أنه يختلف قليلاً عن تلك الكتب التي تعني نجمع أحاديث الأحكام والحلال والحرام، وانتقائها دون غيرها، وترتيبها على الأبواب الفقهية، والتي منها على سبيل المثال:
"عُمدة الأحكام عن سيد الآنام" للحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة (٦٠٠) هـ، اقتصر فيه على ما اتفق عليه الشيخان من أحاديث الأحكام.
"منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار" لأبي البركات مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني المتوفى سنة (٦٥٢) هـ، انتقى أحاديثه من الكتب الستة ومسند الِإمام أحمد في الأعم الأغلب، وهو من أوسع الكتب في هذا الباب، وشرحه الشوكاني في كتابه "نيل الأوطار".
"الِإلمام بأحاديث الأحكام" للحافظ تقي الدين دقيق العيد المتوفى سنة (٧٠٢) هـ، وهو مختصر إلا أنه اشترط فيه الصحة، وقد شرحه غير واحد.
"بلوغ المرام من أدلة الأحكام" الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة
стр. 7
(٨٥٢) هـ جمع فيه مختصراً يشتمل على أصول الأدلة الحديثية، للأحكام الشرعية، من الكتب الستة ومسند أحمد وغيرها كصحيح ابن خزيمة وسنن البيهقي والدارقطني، وهو جيد في بابه، إذ تكلّم على الأحاديث تصحيحاً وتضعيفاً على وجه الدقة والإِيجاز، ومن شروحه النافعة "سبل السلام" لمحمد ابن إسماعيل الصنعاني المتوفى سنة (١١٨٢) هـ.
غير أن كتاب أيى محمد ينفرد عن هذه الكتب -أو عن بعضها- ببعض الميزات كانت سبباً في اشتهاره في سالف الزمان، وحِمْلًا تسير به الركبان، منها:
١ - سهولة حفظه، وقرب تناوله، إذ جعله مختصر الإِسناد، مقتصراً في تخرج الحديث على مصدر واحد.
٢ - جودة تصنيفه، وبراعة تأليفه، وحسن عرضه للأحاديث.
٣ - دقة اختياره للأحاديث، وانتقائه لرواياته، وتتبعه لزياداته، فقد كان يختار من روايات الحديت، أحسنها مساقاً، وأبينها مقصوداً، مع قوة الرجال، وعلو الإِسناد.
٤ - حكمه على عامة الأحاديث، والكلام على رواتها جرحاً وتعديلاً.
٥ - عدم اكتفائه بأحاديث الأحكام والحلال والحرام.
٦ - شموله لأدلة المذاهب جميعها، وعدم اقتصاره على أدلة مذهب بعينه.
٧ - كل هذا مع التجرد والإِنصاف، ولزوم العدل وعدم الإِجحاف.
وليس معنى أن كتاب عبد الحق لم يقتصر على أحاديث الأحكام، شموله لكل أبواب السُّنة وإحاطته بها، مثل كتير من الجوامع والمصنفات، المتضمنة من الحديث جميع الأنواع المحتاج إليها من العقائد والأحكام والرقائق والآداب والسير والمناقب وغير ذلك كان وجدنا إشارات إلى ذلك.
شروطه في اختيار الأحاديث
الباحث في كتاب عبد الحق يرى واضحاً اهتماماً كبيراً، باختيار
стр. 8
الأحاديث، وانتقاء الروايات، ويستطع أن يخرج بأسس اعتمدها في اختياره، وشروطا ارتكز عليها في انتقائه، وإن كان أشار إليها في المقدمة كما سيأتي:
هذه الشروط هى:
١ - حسن السياق وتمامه:
يُعنى عبد الحق عناية فائقة بحسن سياق ألفاظ أحاديثه، وكمالها وبيانها لما تدل عليه من أحكام، فيختار أحسن روايات الحديث مساقاً، وأتمها كلاماً، وأبينها للمقصود، والأمثلة على هذا من الكثرة بمكان:
١ - فهو يختار من روايات الحديث المتفق عليه رواية مسلم في الأعم الغالب، لأن مسلماً ﵀ كان يتحرز في الألفاظ، ويتحرى في السياف، ويسوف المتون تامة محررة، لأن مسلماً صنف كتابه في بلده بحضوره أصوله، في حياته كثير من مشايخه، بخلاف البخاري فإنه صنف كتابه في طول رحلته، فروي عنه أنه قال:
"رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورب حديث سمعته بالشام كتبته في مصر" (١).
فكان لأجل هذا ربما كتب الحديث من حفظه فلا يسوق ألفاظه برمتها، بل يتصرف فيه، ويسوقه بمعناه (٢).
والحق أن هذا صنيع كثير ممن صنف في الأحكام بحذف الأسانيد من المغاربة، فإنهم يعتمدون على كتاب مسلم في نقل المتون (٢). دون البخاري، من أجل هذا السبب، وسبب آخر هو: أن مسلماً يسوق أحاديث الباب كلها سرداً عاطفاً بعضها على بعض في موضع واحد، ولو كان المتن مشتملا على عدة أحكام، فإنه يذكره في أمس المواضع وأكثرها دخلًا فيه، فيسهل
стр. 9
ذلك على الباحث، بخلاف البخاري فإنه استنبط فقه كتابه من أحاديثه فاحتاج أن يقطع المتن الواحد إذا اشتمل على عدة أحكام، ليورد كل قطعة منه في الباب الذي يستدل به على ذلك الحكم الذي استنبطه منه، ولو ساقه في المواضع كلها برمته لطال الكتاب (١).
ومن أجل هذا فضل طائفة من المغاربة صحيح مسلم على صحيح البخاري، وليس هذا التفضيل راجعاً إلى الأصحية، بل إلى ما تقدم ذكره.
يقول أبو محمد القاسم بن يوسف التجيبي في برنامجه (٢): "وقد فضل طائفة من أهل المغرب صحيح مسلم على صحيح البخاري، منهم أبو محمد بن حزم الحافظ لأنه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث الصحيح مسروداً غير ممزوج بمثل ما في كتاب البخاري في تراجم أبوابه من الأشياء التي لم يسندها أهل الوصف المشروط في الصحيح وأيضا فإن مسلماً قد اختص بجمع طرق الحديث في مكان واحد، وبالله التوفيق".
وأما ما قاله الحافظ أبو علي النيسابوري أستاذ الحاكم أبي عبد الله الحافظ: "ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم بن الحجاج" ففي هذا الِإطلاق نظر، ردَّه غير واحد (٣)
٢ - على أن البخاري ومسلماً إذا اتفقا على لفظ حديث، فإن عبد الحق حينئذ يكتفي بعزو الحديث إلى البخاري، مثال ذلك:
حديث أبي قتادة "أن رسول الله ﷺ مُرَّ عليه بجنازة، فقال مستريح ومستراح منه" (٤).
стр. 10
فهذا الحديث اتفق على إخراجه الشيخان، وعزاه عبد الحق للبخاري وحده.
٣ - ومن باب أولى أن يعزو الحديث إلى البخاري دون مسلم إذا كان الحديث عند البخاري أتمّ مساقاً، أو أكمل بياناً، أو فيه زيادة،. مثال ذلك: حديث عقبة بن عامر "صلى رسول الله ﷺ على قتلى أُحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات".
فكلمة "بعد ثماني سنين". ليست عند مسلم.
٤ - أخرج أحاديث من كتاب، وتركها في كتاب أشهر من الكتاب الذي أخرجها منه، ونبه -أحياناً- على كونها في ذلك الكتاب الأشهر، وإنما صنع ذلك- كما يقول هو في المقدمة- "لزيادة في حديث أو لبيانه، أو لكماله وحسن سياقه، أو لقوَّة سند في ذلك الحديث على غيره".
مثال ذلك مما جاء في أول باب "ما جاء في النجو والبول والدم ... ": الطحاوي، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ، قال: "لا تدافعوا الأخبثين: الغائط والبول في الصلاة" خرَّجه مسلم بن الحجاج (١). ولم يفسر الأخبثين ..
ونأخذ هنا على عبد الحق أنه أوهم أن مسلماً أخرج الحديث من مسند أبي هريرة، وليس كذلك عنده، وإنما هو من مسند عائشة، ﵂. وذكر من طريق الترمذي (٢)، عن عثمان بن عفان، قال: قال رسول الله ﷺ : "من شهد العشاء في جماعة كان له كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة" ثم قال: خرَّجه مسلم (٣) وهذا أليق. اهـ.
стр. 11
ولفظ الحديث في مسلم: "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كلّه".
٥ - ما قاله عبد الحق في مقدمة الأحكام الوسطى "وقد يكون حديثاً بإسناد
صحيح، وله إسناد آخر أنزل منه في الصحة، لكن يكون لفظ الإِسناد النازل أحسن مساقاً، أو أبين، فآخذه لما فيه من البيان، وحسن المساق، إذ المعنى واحد، إذ هو صحيح صت أجل الإِسناد الآخر".
وقد يصلح مثلاً على هذا ما ذكره عبد الحق من طريق أبي داود (١)، عن أبي سعيد الخدري "أن النبى ﷺ كان يحب العراجين، ولا يزال في يده منها، فدخل المسجد فرأى نخامة في قبلة المسجد، فحكها، ثم أقبل على الناس مغْضباً، فقال: "أيسُرُّ أحدكم أن يُبصق في وجهه؟! إن أحدكم إذا استقبل القبلة فإنما يستقبل ربه والملك عن يمينه، فلا يتفل عن يمينه، ولا في قبلته، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه، فإن عجل به أمر فليقل هكذا" ووصف ابن عجلان ذلك "أن يتفل في ثوبه، ثم يرد بعضه على بعض".
ثم قال خرجه مسلم والبخاري إلا ذكر العرجون. اهـ.
ولفظ الحديث في صحيح البخاري (٢): "أن النبي ﷺ أبصر نخامة في قبلة المسجد فحكها بحصاة، في ضى أن يبزق الرجلُ بين يديه أو عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه اليسرى". ونحوه لفظ مسلم (٣). أخرجاه من طريق سفيان، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، عن أي سعيد، وأخرجه أبو داود من طريق خالد بن الحارث، عن محمد ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد، ورجاله ثقات، غير
стр. 12
محمد بن عجلان، لخص ابن حجر أمره، فقال: صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة (١)، وقال في تهذيب التهذيب: أخرج له مسلم في المتابعات ولم يحتج به، وذكره الذهبى في رسالته (٢) "ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثق. وقال: صدوق، قال الحاكم وغيره: سيئ الحفظ وخرج له مسلم في الشواهد".
فظهر أن طريق الشيخين أعلى رتبة، وأشد صحة. ولكن عبد الحق اختار رواية أبي داود لأنها أكمل من حيث المعنى، ولا تخرج في متنها عن رواية الصحيحين.
وقد يؤخذ هذا على عبد الحق، ولكن هذا هو منهجه الذي بينه وطبقه
(ب) قوة الإِسناد:
وفيما عدا ما رأيناه من ترك رواية الصحيحين إلى ما عداها فإنه في الأعم الأغلب يختار من روايات الحديث أقواها رجالاً، وأشدها اتصالاً، وأصحها إسنادا، وهذه أمثلة:
١ - حديث "من لم يأخذ من شاربه فليس منا" رواه الترمذي والنسائي، واختار عبد الحق ذكره من طريق النسائي لاتقان بعض رجاله.
إسناد الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا عبيدة بن حميد، عن يوسف ابن صهيب عن حبيب بن يسار، عن زيد بن أرقم به.
أما النسائي فقد رواه من طريق:
إسناد النسائي: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر، قال: سمعت يوسف بن صهيب به.
فإن معتمر بن سليمان أوثق وأحفظ من عبيدة بن حميد، فإن معتمراً
стр. 13
قال فيه ابن حجر: ثقة، ورمز له بأن روى عنه الجماعة (١)، وقال في عبيدة: صدوق نحوي ربما أخطأ (٢)، ونقل في تهذيبه (٣) أقوال أهل الجرح والتعديل فيه، فوثقه قومٌ، ولم يوثقه آخرون، منهم يعقوب بن شيبة قال فيه: كتب الناس عنه ولم يكن من الحفاظ المتقنين، ومنهم الساجي قال فيه: ليس بالقوي وهو من أهل الصدق.
٢ - حديث " لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له"رواه سمع من أشهر المصنفين الذين أخرج عنهم عبد الحق، عن حديث جماعة من الصحابة منهم:
١ - ابن مسعود (٤): أخرجه من حديثه: الترمذي، والنسائي، وعبد الرزاق.
٢ - أبو هريرة (٥): أخرجه من حديثه: ابن أيى شيبة، والترمذي في علله، وابن الجارود، والبزار.
٣ - على بن أبي طالب (٦): أخرجه من حديثه: أبو داود، والترمذي، وابن عدي.
٤ - جابر بن عبد الله (٧): أخرجه من حديثه: الترمذي، وابن أبي شيبة.
واختار عبد الحق أن يخرجه من حديث أبن مسعود، من طريق الترمذي، وقال فيه: حسن صحيح، وقال ابن حجر: صححه ابن القطان وابن دقيق
стр. 14
العيد على شرط البخاري (١). اهـ.
يرويه أبو قيس عبد الرحمن بن ثروان، عن هزيل بن شرحبيل، عنه به، وهزيل: ثقة، وأبو قيس، صدوق ربما خالف، قاله ابن حجر (٢).
وأما حديث أبي هريرة، فيرويه عبد الله بن جعفر الخرمي، عن عثمان ابن محمد الأخنسي، عن المقبري به، وابن جعفر، ليس به بأس، وعثمان صدوق له أوهام، قالهما ابن حجر (٣)، وحسنه البخاري (٤).
وأما حديث علي وجابر، فقال الترمذي: حديث علي وجابر حديث معلول ... وهذا حديث ليس إسناده بقائم، لأن مجالد بن سعيد قد ضعفه بعض أهل العلم (٥).
فتبين أن عبد الحق كان موفقاً في اختياره من حديث ابن مسعود لأنه أقوى أحاديث الباب جميعاً.
طريقته في عرض الأحاديث
بين أبو محمد في مقدمة أحكامه طريقته في عرض الأحاديث، وهي طريقة فريدة ساهمت في اختصار الكتاب، وجودة تصنيفه، وتحتاج إلى شدة انتباه، ودقة مراعاة، ومن ثم أدت أيضا إلي قليل من الأوهام، تعقبها ابن القطان وردها إلى صوابها. وهاك تفصيل هذه الطريقة:
١ - يعمد عبد الحق إلي الحديث، فيخرجه من الكتاب الأشهر غالباً، ويذكره بلفظ واحد، وهو يكتب أولاً صاحب الكتاب الذي أخرج من طريقه
стр. 15
الحديث، مع ذكر صحابيه، ثم يسرد المتن، فيقول مثلًا: مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال ....
٢ - فإذا أراد أن يذكر بعده حديثاً آخر لمسلم، عن أبي هريرة، قال: وعنه، عن النبي ﷺ ، قال: ...
٣ - وإذا كان الحديث لمسلم، من رواية صحابي آخر، قال مثلاً: وعن أيى سعيد الخدري، عن النبي ﷺ .
٤ - وإذا قال. في رواية أخرى، أو في طريق آخر، ولم يذكر الصاحب، فإنه من ذلك الكتاب الذي ذكره قبله، وعن نفس الصاحب.
٥ - وإذا أردف الحديث بزيادة من نفس الكتاب، لكن عن صاحب آخر، ذكر ذلك الصاحب، وذكر النبي ﷺ .
٦ - وإذا كانت الزيادة عن نفس الصحابي، لكن من كتاب آخر، ذكر مصنفَ ذلك الكتاب فقط، كأن يقول مثلا: وقال أبو داود: ثم يسوق الزيادة، أو زاد أبو داود، أو عند أبي داود، ونحو ذلك.
٧ - وأحياناً يذكر الزيادة ثم يقول: خرَّجها من حديث فلان، ولا يذكر النبي ﷺ ، ولكنها مرفوعة إليه ﷺ ، ومن نفس الكتاب السابق.
كأن يسوق حديثا لمسلم عن أبي هريرة، ثم يردفه بقوله: قال أبو داود في هذا الحديث فيسوق الزيادة، ويقول بعدها خرَّجها من حديث ابن عباس مثلاً.
٨ - وفي أحايين قليلة جداً يذكر الرواية التي فيا الزيادة كاملة، فيذكر صاحب الكتاب، والصحابي، والنبي ﷺ .
٩ - وربما تخال ذلك كلامٌ في رجل، أو شرح غريب، أو نحو ذلك، وراعى مع ذلك أسلوبه في العطف السابق.
١٠ - وفي أحايين نادرة جداً، يذكر الحديث بإسناده المتصل إلى
стр. 16
رسول الله ﷺ ، وأحياناً أخرى لا يذكره ويحيل إلى ذكر الإِسناد في أحكامه الكبرى.
١١ - وفي أحايين أخرى نادرة أيضا يذكرا الحديث بإسناد المصنف -الذي أخرج الحديث من طريقه- إلى رسول الله ﷺ .
١٢ - وكثيراً ما يذكر الأحاديث بقطع من أسانيدها ليبين الراوي المتكلم فيه، أو ليتبرأ من عهدته بإبراز إسناده، أو غير ذلك، والأغلب الكثير أن يذكر الإِسناد قبل المتن، وقد يعكس قليلًا.
١٣ - وقد أكثر عبد الحق من النقل من صحيح مسلم، وأشار إلى ذلك فى مقدمة أحكامه الوسطى بقوله: "وعلى كتاب مسلم فى الصحيح عولت، ومنه اكثر ما نقلت".
طريقته في التبويب
طريقة عرض الأحاديث وتبويبها لها أثر كبير في ارتفاع قيمة الكتاب العلمية، وتيسير الِإفادة منه، وطريقة التبويب تدل على مدى فقه المصنف وعميق فهمه.
وقد قسم أبو محمد أحكامه إلى كتب، والكتب إلى أبواب: صُنعّ كثير من مصنفي كتب الحديث، غير أن هناك ملاحظات على هذا التقسيم والتبويب:
أن بعض الموضوعات التي جعلها غيرُهُ كُتباً وقمسها إلي أبواب، جعلها هو أبواباً، إما مفردة، وإما مدرجة تحت كتب.
فمن الأبواب المفردة:
باب في السلام والإستئذان.
باب في الطب.
باب في الأدب.
باب في ذكر الحشر والجنة والنار.
باب في الرؤيا.
стр. 17
باب في الفتن والشروط.
ولعل عبد الحق سماها أبواباً لعدم توسعه في إيراد المادة الحديثية.
ومن الأبواب التي أدرجهما تحت كتب، وجعلها غيره كتباً وقسمها إلى أبواب:
باب في المساجد.
باب فِى العيدين.
باب في الجمعة.
هذه الأبواب مدرجة تحت كتاب الصلاة.
وباب الاعتكاف جعله مدرجاً تحت كتاب الصيام.
وباب الِإمارة يتعلق بها جعله مدرجاً تحت كتاب الجهاد.
الملاحظة الثانية: أن بعض الكتب لم يقسمها إلى أبواب، وذلك مثل كتاب الجنائز، وكتاب الصيد والذبائح، وكتاب الأشربة.
الملاحظة الثالثة: أن كثيراً من الموضوعات لم يُفرد لها أبواباً خاصة، بل جمع تحت ترجمة الباب الواحد عدة موضوعات، فمن ذلك:
باب ما يوجب الغسل على الرجل والمرأة، ونوم الجنب إذا توضأ، وأكله ومشيه، ومجالسته، وكم يكفي من الماء، واغتسال الرجل والمرأة في إناء واحد، وما نهي أن يغتسل فيه الجنب، وتأخير الغسل تعجيله، وصفته، والتستر.
باب في صلاة الجماعة، وما يبيح التخلف عبها، وما يمنع من حضورها، وفضلها، وفضل المشي إليها، وانتظارها، وكيف يمشي إليها، ومن خرج إلى الصلاة فوجد أن الناس قد صلوا، أوصلى فى بيته ثم وجد صلاة جماعة، وفي خروج النساء إلى المسجد، وما يفعلن.
باب في التعوذ من الجبن وذمه ووجوب الجهاد مع البر والفاجر، وفضل الجهاد والرباط والحراسة في سبيل الله، والنفقة فيه: وفيمن مات في الغزو،
стр. 18
وفيمن لم يغزُ، وفيمن منعه العذر، وفي عدد الشهداء.
الملاحظة الرابعة: أنه اقتفى عادةَ كثير من المصنفين في ذكر كثير من الأبواب بغير عنوان أو ترجمة، والتي يكتفي فيها بلفظ "باب" دون إشارة إلي المضمون.
الملاحظة الخامسة: أن عبد الحق أجاد التبويب أول الكتاب، وقصر في بقيته، فنرى في أوله كثرة الأبواب في الكتاب الواحد، ونرى كثيراً تحت كل باب موضوعاً واحداً، ونرى في وسط الكتاب وآخره، قلة الأبواب في الكتاب الواحد، وكثرة الموضوعات تحت الباب الواحد، وغزارة الأبواب غير المترجمة.
الملاحظة السادسة: أن عبد الحق تأثر في تراجم أبواب ببعض من سبقه من أئمة المحدّثين المصنفين في الحديث، كالبخاري في صحيحه، بل يكاد يكون ليس إلا ناقلًا لكثير من تراجم أبوابه.
مثال ذلك من كتاب العلم:
- باب من رفع صوته بالعلم، ومن استحيا فأمر غيره بالسؤال، ومن أجاب بأكثر مما سئل، ومن سئل وهو في حديث فأتم حديثه ثم أجاب السائل، ومن أجاب بالإِشارة.
- باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره، ومن برك على ركبته عند الإِمام أو العالم.
- باب من خصَّ بالعلم قوماً دون آخرين، ومن سمع شيئاً فراجع وفيه، وطرح الإِمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم.
- باب القراءة والعرض على المحدث، وروي عن الحسن والثوري ومالك القراءة جائزة.
فهذه الأبواب الأربعة تجدها بألفاظها في تراجم أبواب كتاب العلم من صحيح البخاري، وها هي بأرقامها، بترتيب ورودها في أحكام عبد الحق.
стр. 19
٣ - باب من رفع صوته بالعلم.
٥١ - باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال.
٥٣ - باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله.
٢ - باب من سئل علماً وهو مشتغل في حديثه فأتم حديثه، ثم أجاب السائل.
٢٤ - باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس.
٢٨ - باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره.
٢٩ - باب من برك على ركبتيه عند الإِمام أو المحدث.
٤٩ - باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لايفهموا.
٣٥ - باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرفه.
٥ - باب طرح الإِمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم.
٦ - باب القراءة والعرض على المحدث، ورأى الحسن والثوري ومالك القراءة جائزة.
طريقته في شرح غريب الحديث وبيان معانيه
لأبي محمد طريقان في شرح غريب الحديث، وبيان معانيه، ومقاصده.
الأولى: تفسير روايات الحديث بعضها ببعض، وتلك أفضل طريقة لشرح الأحاديث وبيان مقاصدها، فما أجمل فى رواية، بُسط في رواية أخرى.
والأمثلة على هذه كثيرة:
ذكر من طريق مسلم عن ثوبان، عن رسول الله ﷺ "إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم، لم يزل في خُرْفة الجنة، حتى يرجع".
ثم ذكر عبد الحق طريقاً آخر ليفسر "خرفة الجنة"، فقال وفي آخر:
стр. 20
قيل: يا رسول الله، وما خرفة الجنة؟ "قال جناها".
وكان يمكن لعبد الحق أن يذكر الرواية المفسِّرة ابتداء، ولكنه اختار الرواية التي ذكرها لأنها أحسن الروايات مساقاً فِى هذا الباب من صحيح مسلم.
الثانية: التفسير اللغوي، ويعتمد عبد الحق في هذا التفسير على عدة مصادر:
١ - كتب غريب الحديث، واعتمد عبد الحق منها كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي المتوفى سنة (٢٢٤) هـ. وكتاب أبى سليمان الخطابي المتوفى سنة: (٣٨٨) هـ.
٢ - كتب اللغة، واعتمد منها كتاب "الجامع في اللغة" لأبي عبد الله محمد بن جعفر القزاز المتوفى سنة (٤١٢) هـ.
٣ - كتب الحديث، وينقل عبد الحق منها ما ورد فيها من شرح غريب، أو بيان لمعنى، سواء كان هذا التفسير لصاحب الكتاب، أو لغيره من رواة الأحاديث ونحوهم.
من هذه الكتب:
جامع الترمذي، سنن أبي داود، ومصنفات أبى عمر بن عبد البر وغيرها.
مثال ذلك ما ذكره أبو محمد من طريق مسلم، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ ، قال: " نحرت هاهنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف ووقفت ها هنا وجمع كلها
موقف". ثم قال أبو محمد: جمع والمعشر والحرام والمزدلفة أسماء لموضع واحد، قاله أبو عمر.
رواة الأحاديث:
стр. 21
مثال ذلك ما ذكره من طريق أبي داود (١) من حديث عمرو بن مرة عن عاصم العنزي، عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي صلاة، قال عمرو -يعني ابن مرة- لا أدري أي صلاة هي، فقال: "الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، والحمد لله كثيراً، والحمد لله كثيرا -ثلاث مرات- سبحان الله بكرة وأصيلاً -ثلاثاً- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه".
ثم عقب ذلك بقوله: قال نفثه: الشعر، ونفخه: الكبر، وهمزه: الموتة وأراد عبد الحق أن يفسر أيضا قول عمرو: الموتة، فنقل عن الهروي قوله: "الموتة يعنى الجنون".
ثم قال عبد الحق. وقال غيره: ليس الموتة بصمم الجنون وإنما هو شيء
يأخذ الإِنسان شبه السبات.
وليس معنى هذا أن عبد الحق قد فسَّر كلَّ غريب أحاديث كتابه، وبين معانبها ومقاصدها، فثمة شيء كثير لم يفسره، فانتدب إلى ذلك أبو عبد الله محمد بن علي بن حماد الصنهاجي، المعروف بابن كلانو المتوفى سنة (٦٤٠) هـ فشرح غريب أحكام أبي محمد عبد الحقّ، كما أشار إلى ذلك أبو جعفر ابن الزبير (٢).
هذا عن الكتاب وبيان منهجه، وسنتكلم عن نسخه المخطوطة عند ذكر تصانيف المؤلف، فهذه ترجمة حافلة للإِمام الحافظ أبي محمد عبد الحق الإِشبيلي مصنف كتاب الأحكام:
стр. 22
(التعريف بمؤلف الكتاب)
١ - اسمه ونسبه:
هو أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسين بن سعيد الأزدي الأندلسي الإِشبيلي البجائي.
الأزدي: نسبة إلى الأزد، قبيلته.
الإِشبيلي: نسبة إلى إشبيلية، مدينة كبيرة بالأندلس موطن ولادته ونشأته.
البجائي: نسبة إلى بجاية، مدينة مشهورة بالمغرب الأوسط،، تقع شرقي الجزائر على شاطئ البحر الأبيض التوسط، وهى موطن أبي محمد، وولي الخطابة فيها، وظهرت فيها تصانيفه.
ويعرف أيضا بابن الخرَّاط، فلعلَّ أحد آبائه كان خراطاً، والخراط: هو الذي يخرط الخشب، ويعمل منه الأشياء المخروطة (١).
٢ - مولده:
ولد بإشبيلية، واختلف في تاريخ مولده على ثلاثة أقوال:
الأول: سنة (٥١٠) هـ وهو قول الأكثرين، وحدده بعضهم اكثر فقال: في شهر ربيع الأول (٢)، وعسى أن يكون هو الراجح من أجل هذا التحديد، فإنه يدل على زيادة تثبت وتوكيد.
الثاني: سنة (٥١٤). وهو قول أبى جعفر ابن الزبير، ونقله عنه الذهبى (٣).
الثالث: سنة (٥١٦). وهو قول أبى العباس بن قنفذ (٤).
стр. 23
٣ - نشأته ومعالم حياته:
نشأ أبو محمد في إشبيلية، وليس لدينا تصور واضح عن نشأته المبكرة وأسرته، وتعدُّ هذه الفترة التي عاش فيها أبو محمد في إشبيلية، من أخصب الفترات بالنسبة لشيوع العلوم العربية والإِسلامية، ولا ريب أن ذلك كان له أبلغ الأثر في تكوين شخصية أبي محمد، فتلقى الحديث والفقه واللغة وغيرها من كبراء مشايخ إشبيلية، واجتهد في التحصيل والحفظ والإِتقان، وتلمذ لشيخ المقرئين والمحدثين وخطيبها أيى الحسن شريح بن محمد الرُّعيني (١)، وهو آخر من أجاز له مروياته وتواليفه أبو محمد بن حزم الظاهري.
وفي سنة (٥٤١) هـ وقعت فتنة كبرى في إشبيلية، وذلك أن الموحدين قضوا على المرابطين في المغرب، ثم اتجهوا إلى الأندلس، ودخلوا إشبيلية في (١٢/ ٨/ ٥٤١) هـ بعد حصار (٢)، فاستحل الموحدون سفك الدماء فيها ونهب الأموال.
فخرج منها أبو محمد إلى "لَبْلَة (٣) " وقد ناهز الثلاثين من عمره المبارك، واستقر فيها بضبع سنين، سمع في غضونها أكابر علمائها، وأشاهر حفاظها، وتلمذ لهم، ولازم منهم أبا الحسن خليل بن إسماعيل السكوني (١)، وأبا جعفر أحمد بن أيى مروان (١)، مؤلف "المنتخب المنتقى" الذي بنى عليه عبدُ الحق أحكامه، ويبدو أن أبا محمد قد تأهل علمياً في لَبْلَة، إذ ألَّف كتابين كبيرين نُهبا منه فيما بعد في فتنة أخرى، عنيت بالكتابين: "الجامع الكبير في الحديث" و "جامع الكتب الستة".
لكن الفتن والحروب لم تلبث أن عكرمة عليه صفوة هذا الهدوء، إذ اقتحم
стр. 24
لَبْلَة أحدُ الثوار على الموحدين، ثم أستردها منه والي الموحدين على قرطبة وإشبيلية، واعتبر أهل ليلة كلهم عصاةً، فأوقع فيهم بالسيف، وباع نساءهم وأولادهم، وقدرت القتلى بثمانية آلاف من بينهم أعيان العلماء (١)، كالفقيه المحدث أبي جعفر بن أبي مروان.
وامتمت من نجا من القتل كالعلامة الفقيه أبي بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن فرج بن الجد الفِهري اللبلي، ثم الإِشبيلي المالكي، قال الذهبي: كان كبير الشأن، انتهت إليه رئاسة الحفظ في الفتيا، -إلى أن قال- امتحن في كائنة ليلة، وقيِّد وسجن، وكان فقيه عصره، تخرَّج به أئمة (٢).
أما عبد الحق فقد امتُحن في كتبه، فنُهب منه الكتابان المذكوران، وكانت هذه الفتنة في (١٤/ ٨/ ٥٤٩) هـ، فارتحل إلى بجاية، ويبدو أن رحيله إليها لم يكن مقصودا بادي الأمر، إذ يقول ابو جعفر بن الزبير: "وكان قد رحل عن الأندلس بنية الحج، فلم يقدر له ذلك، فأقام ببجاية (٣) " التي كانت وقتذاك قابعة في أيدي الموحدين الذين أنهوا دولة الحماديين بها سنة (٥٤٧) هـ.
وكانت بجاية في هذا الوقت تعيش أزهى عصورها العلمية، فأضحت مثابة للعلماء، ومنارة لأنواع من العلوم والمعارف، وكانت طريقاً للحجيج بسبب موقعها الفريد، فكان طلحة العلم يمرون بأبي محمد، ويأخذون عنه، بل هو نفسه كان يسعى للقاء الطلبة الوافدين إلى بجاية، فقد كان حريصاً على تبليغ
العلم، جاداً فِى نشره.
قال أبو جعفر بن الزبير: "وكان ﵀ من أهل العلم والعمل، زاهداً فاضلاً عاكفاً على الإشتغال بالعلم جاداً في نشره، وإذاعته، حسن النية
стр. 25
فيه، ولذلك اشتهر اسمه، وعُني الناس بتواليفه (١) "
ومما يدل على أثر موقع بجاية في ارتفاع ذكر أبي محمد، وانتشار كتبه مبها ذكره ابن الزبير في ترجمته لأيى الحجاج يوسف بن محمد البلوي (٦٠٤) قال: "ورحل إلى الحج عام (٥٦٠) أو نحوه، فأخذ في طريقه ببجاية عن أبي محمد عبد الحق الأزدي الإِشبيلي، وعزم عليه في تأليف كتاب الأحكام، وقد فاوضه في ذلك، ولما قفل عن رحلته أقام معه ببجاية، وصحبه أشهرًا، وأخذ عنه أحكامه وغير ذلك (٢) "
وما يقول ابن الأبار في ترجمة أبي عبد الله محمد بن أحمد البلنسي: "خرج إلي الحج في شبيبته سنة ست أو سبع وستين وخمس مئة، فلقي ببجاية أبا محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الإِشبيلي وسمع منه، وأجاز له" (٣)
وقال في ترجمة ابن الحاج: ورحل حاجاً فلقى في طريقه أبا محمد عبد الحق
ابن عبد الرحمن الإِشبيلي نزيل بجاية، وسمع منه (٤).
وتهيأت الظروف في بجاية ليصنف أبو محمد التصانيف الحافلة، التي أُغرم بها أهل الشرق والغرب معاً.
قال الغبريني: رحل إلى بجاية، وتخيرها موطناً، وكمل بها خبرة، فألف التآليف، وصنف الدواوين، وولي الخطبة وصلاة الجماعة بجامعها الأعظم، وجلس للوثيقة والشهادة (٥).
وقال الذهبي: سكن مدينة بجاية ... فنشر بها علمه، وصنف التصانيف،
стр. 26
واشتهر اسمه، وسارت بأحكامه الصغرى والوسطى الركبان (١).
وقال ابن شاكر الكتبي: ونزل بجاية وقت فتنة الأندلس، فبث بها علمه، وصنف التصانيف، وولي الخطبة والصلاة بها (٢).
ويلقي الضوء على حياة عبد الحق ببجاية أبو جعفر الضبي (ت ٥٩٩) صاحب بغية الملتمس وأحد تلاميذ عبد الحق الذين عرفوه عن كثب ويقول في ذلك "صحبته مدة مقامي ببجاية وسامرته" (٣) ويوضح المقري في "نفح الطيب" (٤) أن هذه الصحبة كانت أثناء رحلة حجه، يقول الضبي:
"أبو محمد الخطيب ببجاية، فقيه، محدث مشهور، حافظ، زاهد، فاضل، أديب شاعر، له تواليف حسان، قرأت عليه بعضها، وناولني أكثرها، وكان ﵀ متواضعاً، متقللا من الدنيا، قسم نهاره على أقسام:
- كان إذا صلى الصبح في الجامع أقرأ إلى وقت الضحى ثم قام فركع ثماني ركعات.
- ونهض إلى منزله، واشتغل بالتأليف إلى صلاة الظهر.
- فإذا صلى الظهر أدى الشهادات، وقرئ عليه في أثناء ذلك إلى العصر.
- فإذا صلى العصر مشى في حوائج الناس.
- وكان لا يدخل بجايةَ أحدٌ من الطلبة إلا سأل عنه، ومشى إليه، وآنسه بما يقدر عليه (٥).
قال الغبريني: سمعت أنه ﵀ كان يقسم ليله ثلاثاً، ثلثا للقراءة، وثلثا للعبادة، وثلثا للنوم، وكان مع ذلك متقللاً من الدنيا، مقتصراً على أقل
стр. 27
الكافي منها، وكان مصاحباً وموالياً للفقيه أبى علي المسيلي ﵀ (١).
ومما يُلقي الضوء أيضا على حياة أبى محمد ببجاية وعلاقته بعلمائها، ما ذكره الغبريني في ترجمة الفقيه أبي علي السيلي، قال:
"وكان ﵀ وللفقيه أبي محمد عبد الحق الإِشبيلي، وللفقيه العالم أبي عبد الله محمد بن عمر القرشي، المعروف بابن قرشية، مجلس، أظنه يجلسون فيه للحديث، وكثيراً ما كانوا يجلسون بالحانوت الذي هو بطرف حارة القدسي، وهو المقابل للطالع لحارة المذكورة، وكان الحانوت المذكور يسمى
"مدينة العلم" لإجتماع هؤلاء الثلاثة فيه" (٢).
وقال في ترجمة عبد الحقّ: "وكان كثيراً ما يجلس مع الفقيه أبي علي المسيلي -رحمهما الله- فربما أتته الوصيفة من داره لقضاء بعض مآرب منزله، فإذا أتته تطلب منه ما يقضى بالشيء اليسير يخرج لها أضعاف ذلك ... فربما قال له بعض الحاضرين: هذا اكثر من المطلوب أو من المحتاج إليه، فيقول: لا أجمع على أهل المنزل ثلاث شينات، شيخ وإشبيلى وشحيح، يكفى ثنتان، وهذا من لوذعته وطيب طينته، مع ما هو عليه من جلالة العلم، وكمال الفهم (٣) ".
على أن هاتيك الحياة الوادعة لم تدم طويلاً، فقد هجم على بجاية عليُّ ابن إسحاق، المشهور بابن غانية المَيُورْقي اللَّمتُوني (٤) ودخلها يوم الإثنين (٦/ ٨ /٥٨٠) هـ في أول ولاية المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، وأقام بها اسبعة أيام صلى فيها الجمعة فخطب ودعا لبنى العباس، وتولى له أبو محمد الصلاة والخطابة والقضاء!
стр. 28
قال عبد الواحد المراكشى في "المعجب في تلخيص أخبار المغرب: "وكان خطيبه الفقيه الإِمام المحدّث أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الإِشبيلي، مؤلف كتاب باب الأحكام وغيره من التآليف، فأحنق ذلك عليه أبا يوسف يعقوب أمير المومنين، ورام سفك دمه؛ فعصمه الله منه، وتوفَّاه حتف أنفه، وفوق فراشه (١) ".
وقال الذهبي في ترجمة أبي يوسف المنصور: فما عتم أن خرج عليه عليُّ ابن غانية الملثم، فأخذ بجاية وخطب للناصر العباسي، فكان الخطيب بذلك عبد الحق مصنف "الأحكام" ولولا حضور أجله، لأهلكوا المنصور (٢).
وقال ابن الزبير: "ودُعى بها إلى خطَّتي القضاء والخطابة للموحدين، فامتنع عن ذلك وأبى، ودعى إلى ذلك حين دخلها الميورقي فأجاب، وكان ذلك سبب امتحانه عند خروج الميوروقي عنها، ورجوعها للموحدين، واستُغرب ذلك المرتكب من أبي محمد عبد الحق، وجهات الإعتذار في مثله متسعة (٣) ".
وكان رجوع بجاية للموحدين، في (١٩/ ٢/ ٥٨١) هـ، ووفاة أبي محمد -رحمة الله عليه- في أواخر ربيع الآخر سنة (٥٨١) هـ وقيل سنة (٥٨٢) هـ، والأول أقرب -وهو قول الأكثرين- لدنوه من تاريخ عودة بجاية- للموحدين وتوغر صدورهم عليه، وامتحانهم له، وهذا ما يدل عليه كلام ابن الأبار والذهبي وابن شاكر.
قال الذهبي: وبها توفي بعد محنة لحقته من الدولة في ربيع الآخر،
стр. 29
عن إحدى وسبعين سنة (١).
وقال ابن الأبار: وتوفي ببجاية بعد محنة نالته منبل الولاة في ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وخمس مئة (٢)
قال ابن شاكر: وتوفى بعد محنة نالته من قبل الولاية (٣).
وقال ابن الزبير: وأحسب وفاته كانت إثر امتحانه (٤).
وبعد ...
فهذه معالم حياة الإِمام الحافظ أبي محمد عبد الحق الإِشبيلي ﵀
وبقى فيها أن نناقش أمرين:
الأول: ميله لابن غانية الميورقي اللمتوني وإعراضه عن الموحدين.
الثاني: سبب وفاته.
أما الأمر الأول فواضح إعراض عبد الحق عن الموحدين من خلال استعراض معالم حياته، فقد ودَّع إشبيلية مسقط رأسه حين دخلوها، ورحل عن ليلة بعد ما أوقعوا في أهلها السَّيف وعندما استوطن ببجاية أبى دعوتهم إلى خطتي القضاء والخطابة، والحقُّ أن أبا محمد يصدر في موقفه ذلك عن رأي يراه ويذهب إليه- وهذا أجمع ظني وعلى ما يليق بمثل عبد الحق- إذ إن الموحدين نازعوا المرابطين أمرهم، وخرجوا من الطاعة، وفارقوا الجماعة، وفرقوا أمر هذه الأمة، وأخذوا البلاد عنوة، وبزوال دولة المرابطين وأفول نجمهم انقطعت الدعوة العباسية، وانفصمت بلاد المغرب والأندلس عن تلك الخلافة الشرعية فلعل أبا محمد رأى أن الموحدين خارجون، وأن خلافتهم ليست شرعية، لا سيما وهم غير قرشيين بخلاف العباسين.
стр. 30
والحق أن النصوص الشرعية تؤيد هذا القول جداً، فحدث عبد الله ابن مسعود، عن محمد رسول الله ﷺ قال: "لا يزال هذا الأمر في قريش، ما بقى من الناس اثنان" رواه الشيخان (١)، وحدث عتبة بن
عبد عنه ﷺ ، قال: "الخلافة في قريش" رواه أحمد (٢)
وغيره، وفي الباب أحاديث أخرى.
قال النووي: هذه الأحاديث وأشباهها دليل ظاهر أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإِحماع في زمن الصحابة، فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإحماع الصحابة والتابعين، فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة -ثم نقل عن القاضى قوله- اشتراط كونه قرشياً هو مذهب العلماء كافة ... وقد احتج به أبو بكر وعمر - رضى الله عنهما - على الأنصار يوم السقيفة فلم ينكره أحد، ... وقد عدَّها العلماء في مسائل الإِجماع ولم ينقل عن أحد من السلف فيها قول ولا فعل يخالف ما ذكرنا، وكذلك من بعدهم في جميع الأعصار ... ولا اعتداد يقول النظام ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع أنه يجوز كونه من غير قريش (٣).
ومن ثم مال أبو محمد لابن غانية، لأنه يدعو لبنى العباس، وتولى لهم الخطابة والقضاء وامتنع عن ذلك للموحدين.
ينضاف إلى ذلك ما عاينه أبو محمد من ادعائهم العصمة لزعيمهم ابن تومرت، وزعمهم أنه المهدي المنتظر، وحملهم أهل المغرب على ما كتبه ابن تومرت في "المرشدة"، وقد ذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية في "درء تعارض
стр. 31
العقل والنقل (١) " أنه "لم يذكر في مرشدته شيئاً من إثبات الصفات وْلا إثبات الرؤية، ولا قال: إن كلام الله غير مخلوق، ونحو ذلك من المسائل التي جرت عادة مثبتة الصفات بذكرها ... " وقال الذهبي: "كان لهجا بعلم الكلام، خائضا في مزالّ الأقدام، ألف عقيدة لقَّبها بالمرشدة، فيها توحيد وخير بانحراف! فحمل عليه أتباعه وسماهم الموحدين، ونبذ من خالف المرشدة بالتجسيم، وأباح دمه، نعوذ بالله من الغي والهوى (٢) ".
قال اليسع بن حزم: سمَّى ابن تومرت المرابطين بالمجسمين، وما كان أهل المغرب يدينون إلا بتنزيه الله تعالى عما لا يجب وصفه بما يجب له، مع ترك خوضهم عما تقصر العقول عن فهمه ... إلى أن قال: فكفرهم ابن تومرت لجهلهم العرض والجوهر، وأن من لم يعرف ذلك لم يعرف المخلوق من الخالق وبأن من لم يهاجر إليه، ويقاتل معه، فإنه حلال الدم والحريم (٣) ".
هذا إلى جانب ما رآه من الموحدين من سفكهم الدماء ويكفي أن قتلى لَبْلَة على أيديهم قدروا بثمانية آلاف من بينهم أعيان العلماء، وأنهم لم يكتفوا بذلك، بل باعوا نساءهم وأولادهم!
أما الأمر الثاني، وهو سبب موت عبد الحقّ فيبدو أنه إثر محنة نالته حقاً من الموحدين، على ما قرره ابن الزبير والأبار والذهبي وابن شاكر، فمن البعيد عن الموحدين، وقد قتلوا أعيان العلماء في لَبْلَة، أن يتركوا أبا محمد وقد تولى لأعدائهم الخطابة والقضاء، ولم يتولهما لهم، ولا ينافي هذا قول المراكشي "فأحنق ذلك عليه أبا يوسف يعقوب أمير المؤمنين، ورام سفك دمه، فعصمه الله منه وتوفاه حتف أنفه، وفوق فراشه" لأن فيه تقريراً أن أبا يوسف رام سفك دمه فعلاً، ولا يمنع أن يموت فوق فراشه بعد إيذائهم له ويبدو أن قول المراكشي "فعصمه الله منه" معناه عصمة من سفك دمه فقط، وليس معناه
стр. 32
نفى امتحانهم له، ولا ينافي ذلك أيضا قول الذهبي: "ولولا حضور أجله، لأهلكه المنصور". لأن الذهبي أثبت أنه مات إثر محنة لحقته من قبل الموحدين.
٤ - علومه ومعارفه:
تنوعُ مصنفاتِ أبي محمد وإتقانها يدلُّ على أنه كان نِحْريراً مجوِّداً لعدة علوم، متمكناً منها نهاية التمكين، مطلعاً على دقائقها وغوامضها غاية الإطلاع، مع حسن مشاركة في الأدب وقول الشعر. وهذه العلوم هى:
علوم الحديث:
وقد وُصف ﵀ بأنه كان إماماً حافظاً عالماً بالحديث وعلله، عارفاً بالرجال، وتدل تواليفه على تبحره في أربعة علوم حديثية هى:
أ - علم الحديث رواية ، وكان فيه حافظاً مبرزاً، واسع الإطلاع، وقد ساعده
ذلك على الجمع والإختصار والإنتقاء.
فجمع أحاديث الصحيحين في كتاب أسماه "الجمع بين الصحيحين".
- وجمع بين الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، وكتاب سادس لعله الموطأ، وسماه "جامع الكتب الستة".
- وجمع أحاديث الأحكام في أحكامه الثلاثة.
- واختصر صحيح البخاري.
- وانتقى أحاديث الأحكام الصحيحة في أحكامه الصغرى.
ب - علم الجرح والتعديل ومعرفة الرجال ، ويدل كلامه في الرجال في كتبه كالأحكام الوسطى مثلاً على سعة معرفته بهم، وقوة إدراكه لدرجاتهم وأحوالهم، ومن ثم عدَّه الذهبي ممن يُعتمد قولهم في الجرح والتعديل، وذكره في رسالته في الطبقة السابعة عشرة (١)، ونقل أقواله في الرجال في ميزان الإعتدال، وتبعه في ذلك الحافظ السَّخاوي، وذكره في رسالته "المتكلمون في الرجال" وصدَّر
стр. 33
به الطبقة الثالثة والعشرين (١)، ونقل أقواله في الرجال أيضا العراقي في ذيل الكاشف، والزيلعي في نصب الراية، وابن حجر في التهذيب وتقريبه ولسان الميزان وغير ذلك.
ج - علم نقد الحديث وعلله: أبو محمد في هذا العلم جهبذ ناقد بصير، اعتمد العلماء حكمه على الأحاديث ونقلوا ذلك من أحكامه الوسطى، ولم يكتف أبو محمد بما دونه من العلل في أحكامه الوسطى، بل أفرد العلل بالتصنيف في كتاب "بيان الحديث المعتل" وُصف أنه في ست مجلدات، ووصف أيضا "أنه قدر صحيح مسلم".
د - علم مصطلح الحديث: والذي يدل على تبحر أبي محمد في هذا العلم، ما كتبه في مقدمة أحكامه الوسطى من قواعد وقوانين، الأمر الذى دعا ابن دقيق العيد أن يملي على هذه القدمة شرحاً نفيساً (٢)، وأيضا اختصار أبي محمد لكتاب الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي.
ثانيا: الفقه:
وتبدو قوة عبد الحق في الفقه، وإحاطته العامة بمسائله، من خلال ترتيبه لأحاديث الأحكام على أبواب الفقه في أحكامه الثلاثة، ويدل على تبحره في الفقه أيضا توليه القضاء في بجاية، ووصفه المترجمون له بأنه كان فقيهاً على مذهب مالك، بل من أعيانه، فضمنه ابن فرحون كتابه: "الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب (٣) ". ولم يذكروا له كتاباً في الفقه، فندرسه ونعلم منهجه، غير أني لا أستبعد أن يكون عبد الحق من فقهاء المحدثين، أولئك الذين لا يتقيدون بمذهب معين، ويدورون مع النص حيث دار، ولا يلتفتون لما يعارضه من قياس ونحوه، ودليل عدم استبعادي ذلك أمران:
стр. 34
الأول: أنه لا يتقيد في أحكامه الثلاثة (الكبرى والوسطى والصغرى) بذكر أحاديث مذهب معين، بل يذكر أحاديث المذاهب كلها، مع بيان حكمها من الصحة أو الحسن، أو الضعف، بغاية الإِنصاف والإعتدال، مع الترجيح لما يدل عليه صحيحُ الحديث.
الثاني: ما قاله أبو الحجاج البلوي: أنشدني الفقيه المحدث أبو محمد عبد الحقّ الأزدي لنفسه:
يا طالبا العلم مسترشداً ... مستنصحاً إن قبل الناصحا
إن كنت تبغي سنناً قاصداً ... وتسألني علماً واضحا
فاركض إلى النص مطي السرى ... فإن فيه المتجر الرابحا
واطرح الرأي وأصحابه ... ولا تكونن له لامحا (١)
ثالثا: اللغة:
وتأتي سعة معرفة عبد الحق باللغة وتضطلعه بها من إدراكه لأهميتها في فهم النصوص الشرعية والبعد بها عن اللحن والتحريف، وأثرهما السيئ في الفهم والإستنباط.
يقول ابن الصلاح: فحق على طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يتخلص به من شين اللحن والتحريف ومعرَّتهما، رُوِّينا عن شعبة قال: "من طلب الحديث ولم يبصر العربية فمثله مَثلُ رجلٍ عليه برنس ليس له رأس" أو كما قال، وعن حماد بن سلمة، قال: "مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الحمار عليه مِخلاة لا شعير فيها (٢) ".
ويشهد لأبي محمد تفوقه في اللغة وإتقانه لها كتابه: "الواعى في اللغة"
стр. 35
وهو كتاب حافل ضاهى به كتاب الغريبين للهروي أبي عبيد، كذا قال ابن الأبار.
رابعاً: الأنساب:
والشيخ عبد الحق على معرفة تامة بالأنساب، والبرهان على ذلك كتابه: "مختصر كتاب الرشاطي في الأنساب من القبائل والبلاد". اختصره من كتاب أبي محمد عبد الله بن علي بن عبد الله بن خلف الرشاطي (٤٦٦ - ٥٤٢ هـ) واسمه: "اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب الصحابة ورواة الآثار".
خامساً: الوعظ والرقائق:
كانت عناية عبد الحق بالوعظ والرقائق عناية بالغة، فقام بتحصيله وتتبعه وجمع شتاته من مصنفات كثيرة، ودواوين عديدة متنوعة، حتى بلغ فيه مرتبة عالية، وقمة سامقة، بحيث أصبح مرجعاً لمن أتى بعده، كابن قيم الجوزية في "الروح" و" الجواب الكافي" وابن كثير في نهاية "البداية والنهاية" " الفتن والملاحم"
وقد صنف أبو محمد في الوعظ والرقائق عدة كتب منها:
- كتاب التوبة.
- كتاب الزهد.
- كتاب الرقائق.
- مقالة الفقر والغنى.
- كتاب الصلاة والتهجد.
- كتاب العاقبة.
وكلها مخطوطة إلا الأخير، ويعجب قارئه من سعة إطلاع عبد الحق على
стр. 36
مصادر هذا الموضوع وتتبعه لشوارده وغرائبه، ويعجب كذلك بجمال أسلوبه، ورشاقة ألفاظه، كان كان يغلب على أسلوبه الطابع الخطابي، ولا عجب فإنه واعظ وخطيب، وقد اقتصر عبد الحق في مادته على الأحاديث المرفوعة والأخبار الموقوفة والآثار المقطوعة وكلمات الصالحين وأقاصيصهم، وفي غضون ذلك أنشد أشعاراً مليحة لم يعز أغلبها إلى شاعر، وبالتتبع وُجد أن كثيراً منها من كيسه.
وأخيراً: الأدب والشعر:
وصف ابن الأبار أبا محمد أنه كان مشاركاً في الأدب وقول الشعر (١)، ووصفه ابن الزبير بأنه شاعر مطبوع يزاحم فحول الشعراء، قال: لكنه لم يطلق عنانه في نظمه.
- الشعر: وغالب شعر أبي محمد وأجمعه في الزهد والوعظ والحكمة، ولا غرابة في ذلك من بعد ما وُصف بأنه كان "موصوفاً بالخير والصلاح والزهد والورع ولزوم السنة والتقلل من الدنيا" (٢).
قال الغبريني: ورأيت كتاباً مجموعاً من شعره كله في الزهد. وفي أمور الآخرة ﵁ (٣).
وشعر عبد الحقّ مطبوع، ليس فيه تكلف، أو ألفاظ مصنوعة، بل توخى جَزْل الألفاظ ورقيقها، وتحامى غليظها وفظها، وجمع إلىْ ذلك محاسن الصور وأطرفها.
وقد نقل العلماء الذين ترجموا لعبد الحق كثيراً من شعره وأبدوا استحسانهم وإعجابهم به، فهذا الذهبي يَقول: ما أحلى قوله وأوعظه إذ قال:
إن في الموت والمعاد لشغلا ... وادكاراً لذي النهي وبلاغا
стр. 37
فاغتنم خطتين قبل المنايا ... صحة الجسم يا أخي - والفراغا (١)
وقال أبو الحجاج البلوي: وأنشدني الفقيه المحدث أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الإِشبيلي ﵀ ببجاية -حماها الله- لنفسه قطعة حسنة أولها:
- لا تبكِ خلَّا ولا انقطاعه ... ولا لأسرارك المذاعة
وابكِ زماناً مضى وولَّى ... عنك وأيَّامك المضاعة
وارجع إلى الله من قريب ... واخش تجليه واطلاعه
إلى آخره (٢).
وذكر البلوي أيضا أن أبا محمد أنشده لنفسه:
ضحك الشَّيبُ فوق رأسي وأغْرَب ... إذ رآني ذهبت في غير مذهب
وهو ينعي إليَّ في الحال نفسي ... وأنا جانباً أخوض وألعب
ونقل الغبريني عن أيى الفضل القيسي (٣) أن أبا محمد أنشده لنفسه:
قالوا: صف الموت يا هذا وشدته ... فقلت وامتد منِّي عندها الصوتُ
стр. 38
يكفيكم منه أنَّ الناس لو وصفوا ... أمراً يرُوعُهُم قالوا: هو الموت (١).
النثر:
عبد الحق كاتب بليغ، وأديب أريب، متمكن من البلاغة، متين في الفصاحة، ونثره متميز بحلاوة الأسلوب، ورونق الكلمات، غير أنه لا يخلو أحياناً من تكلف في السَّجع، أو تصنع في اللفظ، قد غلب عليه الطابع الخطابي، فكأنه ارتقى منبر الوعظ والإِرشاد وأخذ يخطب وينادي، وما القارئ إلا آحاد المستمعين لهذا الخطيب المفوه المكين.
يقول في مقدمة العاقبة: "الحمد لله الذي أذل بالموت رقاب الجبابرة، وكسر بصدمته ظهور الأكاسرة، وقصر ببغتته آمال القياصرة، الذي أدار عليهم حلقته الدائرة، وأخذهم بيده القاهرة، فقذفهم في ظلمات الحافرة، وصيرهم بها رهناً إلى وقعة الساهرة، فأصبحوا قد خسروا الدنيا ولن يحصلوا على شئ من الآخرة (٢).
ثم يقول: أما بعد، فإن الموت أمر كبار، أنجد وأغار، وكأس يدار، فيمن أقام أو سار، وباب تسوقك إليه يد الأقدار، ويزعجك فيه حكم الإِضطرار، ويخرج بك منه إما إلى الجنة وإما إلى النار، خبرٌ -علم الله- يُصِمُّ الأسماع، ويغير الطباع، ويكثر من الآلام والأوجاع" (٣).
وفي غضون كتابه يقول: "واعلم -رحمك الله- أن في الجنائز عبرة للمعتبرين، وفكرة للمتفكرين، وتنبيهاً للغافلين، وإيقاظاً للنائمين، بينما الإِنسان
стр. 39
في قيام وقعود، ونزول وصعود، وخذْ هذا، ودع هذا، وابنِ هذا، واهدمْ هذا، وقد كان ما كان، وأين ذهب فلان؟ ومن أين جاء فلان؟ إذ جاءه أمر إلهي، وحادث سماوي، وحكم رباني، فسكّن حركته، وأطفأ شعلته، رأذهب نضرته، وتركه كالخشبة الملقاة والحجر المرمي، إن صيح به لم يسمع، وإن دُعي لم يجب، وإن قطع إو حرق لم يتكلم، وإن ربك على ما يشاء قدير" (١).
٦ - (*) ثناء العلماء عليه:
اتفقت كلمةُ المترجمين لعبد الحق على تزكيته، ورفع ذكره، والثناء عليه، ولم أجد من غمزه أو لمزه، ولا ينقض دعوى الإتفاق على إمامته انتقاد الشيخ أبى الحسن في القطان لكتابه الأحكام، فإن هذا مما يسع فيه الخلاف، ولكل وجهةٌ ومثوبة، كيف وقد مدحه وأثنى عليه بزكاء مستطاب!
يقول ابن القطان في مقدمة كتابه "بيان الوهم والإِيهام الواقعين في كتاب الأحكام":
وبعد:
فإن أبا محمد عبد الحقّ بن عبد الرحمن الأزدي ثم الإِشبيلي -رحمةُ الله عليه- قد خلَّد في كتابه الذي جمع فيه أحاديث أفعال المكلفين، علماً نافعاً، وأجراً قائما زكى به علمه، ونجح فيه سعيه، وظهر عليه ما صلح فيه من نيته، وصح من طويته، فلذلك شاع الكتاب المذكور وانتشر، وتلقي بالقبول، وحق له ذلك، لجودة تصنيفه، وبراعة تأليفه، واقتصاره، وجودة اختياره فلقد أحسن فيه ما شاء، وأبدع فوق ما أراد، وأربى على الغاية وزاد، ودلَّ منه على حفظ وإتقان، وعلم وفهم واطلاع واتساع ...
стр. 40
وهاتيك كلمات المترجمين له:
- كان ﵀ من أهل العلم والعمل زاهداً فاضلاً عاكفا على الإشتغال بالعلم جاداً في نشره وإذاعته حسن النية فيه، ولذلك اشتهر ذكره، وعنى الناس بتواليفه. (ابن الزبير) (١).
- الشيخ الزاهد أبو محمد عبد الحق ... (المنذري) (٢)
- كان فقيها، حافظاً، عالماً بالحديث وعلله، عارفاً بالرجال، موصوفاً بالخير والصلاح. والزهد والورع ولزوم السُّنة والتقلل من الدنيا، مشاركاً في الأدب وقول الشعر، قد صنف في الأحكام نسختين كبرى وصغرى، وسبقه إلى مثل ذلك الفقيه أبو العباس بن أبي مروان الشهيد بلَبْلَة، فحظي الإِمام عبد الحق دونه. (ابن الأبار) (٣).
- هو الإِمام الحافظ الفقيه الخطيب أبو محمد عبد الحق. (النووي) (٤)
- الإِمام الشيخ الفقيه الجليل المحدث الحافظ المتقن المجيد، العابد الزاهد، القاضي، الخطيب أبو محمد عبد الحق ... - وله رضى الله عنه- تآليف جليلة، نبل قدرها، واشتهر أمرها، وتداولها الناس رواية وقراءة وشرحاً وتبييناً ... وكانت له أخلاق حسنة. (الغبريني) (٥).
- الإِمام الحافظ البارع المجوِّد العلامة أبو محمد ... المعروف في زمانه بابن
الخراط، ... اشتهر اسمه، وسارت بأحكامه الصغرى والوسطى الركبان ...