← Книги сунны

Книги сунны · id 17729

الأحكام الصغرى

عبد الحق الإشبيلي

Полный текст (909 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مصادر هذا الموضوع وتتبعه لشوارده وغرائبه، ويعجب كذلك بجمال أسلوبه، ورشاقة ألفاظه، كان كان يغلب على أسلوبه الطابع الخطابي، ولا عجب فإنه واعظ وخطيب، وقد اقتصر عبد الحق في مادته على الأحاديث المرفوعة والأخبار الموقوفة والآثار المقطوعة وكلمات الصالحين وأقاصيصهم، وفي غضون ذلك أنشد أشعاراً مليحة لم يعز أغلبها إلى شاعر، وبالتتبع وُجد أن كثيراً منها من كيسه. وأخيراً: الأدب والشعر: وصف ابن الأبار أبا محمد أنه كان مشاركاً في الأدب وقول الشعر (١)، ووصفه ابن الزبير بأنه شاعر مطبوع يزاحم فحول الشعراء، قال: لكنه لم يطلق عنانه في نظمه. - الشعر: وغالب شعر أبي محمد وأجمعه في الزهد والوعظ والحكمة، ولا غرابة في ذلك من بعد ما وُصف بأنه كان "موصوفاً بالخير والصلاح والزهد والورع ولزوم السنة والتقلل من الدنيا" (٢). قال الغبريني: ورأيت كتاباً مجموعاً من شعره كله في الزهد. وفي أمور الآخرة ﵁ (٣). وشعر عبد الحقّ مطبوع، ليس فيه تكلف، أو ألفاظ مصنوعة، بل توخى جَزْل الألفاظ ورقيقها، وتحامى غليظها وفظها، وجمع إلىْ ذلك محاسن الصور وأطرفها. وقد نقل العلماء الذين ترجموا لعبد الحق كثيراً من شعره وأبدوا استحسانهم وإعجابهم به، فهذا الذهبي يَقول: ما أحلى قوله وأوعظه إذ قال: إن في الموت والمعاد لشغلا ... وادكاراً لذي النهي وبلاغا

стр. 37

فاغتنم خطتين قبل المنايا ... صحة الجسم يا أخي - والفراغا (١) وقال أبو الحجاج البلوي: وأنشدني الفقيه المحدث أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الإِشبيلي ﵀ ببجاية -حماها الله- لنفسه قطعة حسنة أولها: - لا تبكِ خلَّا ولا انقطاعه ... ولا لأسرارك المذاعة وابكِ زماناً مضى وولَّى ... عنك وأيَّامك المضاعة وارجع إلى الله من قريب ... واخش تجليه واطلاعه إلى آخره (٢). وذكر البلوي أيضا أن أبا محمد أنشده لنفسه: ضحك الشَّيبُ فوق رأسي وأغْرَب ... إذ رآني ذهبت في غير مذهب وهو ينعي إليَّ في الحال نفسي ... وأنا جانباً أخوض وألعب ونقل الغبريني عن أيى الفضل القيسي (٣) أن أبا محمد أنشده لنفسه: قالوا: صف الموت يا هذا وشدته ... فقلت وامتد منِّي عندها الصوتُ

стр. 38

يكفيكم منه أنَّ الناس لو وصفوا ... أمراً يرُوعُهُم قالوا: هو الموت (١). النثر: عبد الحق كاتب بليغ، وأديب أريب، متمكن من البلاغة، متين في الفصاحة، ونثره متميز بحلاوة الأسلوب، ورونق الكلمات، غير أنه لا يخلو أحياناً من تكلف في السَّجع، أو تصنع في اللفظ، قد غلب عليه الطابع الخطابي، فكأنه ارتقى منبر الوعظ والإِرشاد وأخذ يخطب وينادي، وما القارئ إلا آحاد المستمعين لهذا الخطيب المفوه المكين. يقول في مقدمة العاقبة: "الحمد لله الذي أذل بالموت رقاب الجبابرة، وكسر بصدمته ظهور الأكاسرة، وقصر ببغتته آمال القياصرة، الذي أدار عليهم حلقته الدائرة، وأخذهم بيده القاهرة، فقذفهم في ظلمات الحافرة، وصيرهم بها رهناً إلى وقعة الساهرة، فأصبحوا قد خسروا الدنيا ولن يحصلوا على شئ من الآخرة (٢). ثم يقول: أما بعد، فإن الموت أمر كبار، أنجد وأغار، وكأس يدار، فيمن أقام أو سار، وباب تسوقك إليه يد الأقدار، ويزعجك فيه حكم الإِضطرار، ويخرج بك منه إما إلى الجنة وإما إلى النار، خبرٌ -علم الله- يُصِمُّ الأسماع، ويغير الطباع، ويكثر من الآلام والأوجاع" (٣). وفي غضون كتابه يقول: "واعلم -رحمك الله- أن في الجنائز عبرة للمعتبرين، وفكرة للمتفكرين، وتنبيهاً للغافلين، وإيقاظاً للنائمين، بينما الإِنسان

стр. 39

في قيام وقعود، ونزول وصعود، وخذْ هذا، ودع هذا، وابنِ هذا، واهدمْ هذا، وقد كان ما كان، وأين ذهب فلان؟ ومن أين جاء فلان؟ إذ جاءه أمر إلهي، وحادث سماوي، وحكم رباني، فسكّن حركته، وأطفأ شعلته، رأذهب نضرته، وتركه كالخشبة الملقاة والحجر المرمي، إن صيح به لم يسمع، وإن دُعي لم يجب، وإن قطع إو حرق لم يتكلم، وإن ربك على ما يشاء قدير" (١). ٦ - (*) ثناء العلماء عليه: اتفقت كلمةُ المترجمين لعبد الحق على تزكيته، ورفع ذكره، والثناء عليه، ولم أجد من غمزه أو لمزه، ولا ينقض دعوى الإتفاق على إمامته انتقاد الشيخ أبى الحسن في القطان لكتابه الأحكام، فإن هذا مما يسع فيه الخلاف، ولكل وجهةٌ ومثوبة، كيف وقد مدحه وأثنى عليه بزكاء مستطاب! يقول ابن القطان في مقدمة كتابه "بيان الوهم والإِيهام الواقعين في كتاب الأحكام": وبعد: فإن أبا محمد عبد الحقّ بن عبد الرحمن الأزدي ثم الإِشبيلي -رحمةُ الله عليه- قد خلَّد في كتابه الذي جمع فيه أحاديث أفعال المكلفين، علماً نافعاً، وأجراً قائما زكى به علمه، ونجح فيه سعيه، وظهر عليه ما صلح فيه من نيته، وصح من طويته، فلذلك شاع الكتاب المذكور وانتشر، وتلقي بالقبول، وحق له ذلك، لجودة تصنيفه، وبراعة تأليفه، واقتصاره، وجودة اختياره فلقد أحسن فيه ما شاء، وأبدع فوق ما أراد، وأربى على الغاية وزاد، ودلَّ منه على حفظ وإتقان، وعلم وفهم واطلاع واتساع ...

стр. 40

وهاتيك كلمات المترجمين له: - كان ﵀ من أهل العلم والعمل زاهداً فاضلاً عاكفا على الإشتغال بالعلم جاداً في نشره وإذاعته حسن النية فيه، ولذلك اشتهر ذكره، وعنى الناس بتواليفه. (ابن الزبير) (١). - الشيخ الزاهد أبو محمد عبد الحق ... (المنذري) (٢) - كان فقيها، حافظاً، عالماً بالحديث وعلله، عارفاً بالرجال، موصوفاً بالخير والصلاح. والزهد والورع ولزوم السُّنة والتقلل من الدنيا، مشاركاً في الأدب وقول الشعر، قد صنف في الأحكام نسختين كبرى وصغرى، وسبقه إلى مثل ذلك الفقيه أبو العباس بن أبي مروان الشهيد بلَبْلَة، فحظي الإِمام عبد الحق دونه. (ابن الأبار) (٣). - هو الإِمام الحافظ الفقيه الخطيب أبو محمد عبد الحق. (النووي) (٤) - الإِمام الشيخ الفقيه الجليل المحدث الحافظ المتقن المجيد، العابد الزاهد، القاضي، الخطيب أبو محمد عبد الحق ... - وله رضى الله عنه- تآليف جليلة، نبل قدرها، واشتهر أمرها، وتداولها الناس رواية وقراءة وشرحاً وتبييناً ... وكانت له أخلاق حسنة. (الغبريني) (٥). - الإِمام الحافظ البارع المجوِّد العلامة أبو محمد ... المعروف في زمانه بابن الخراط، ... اشتهر اسمه، وسارت بأحكامه الصغرى والوسطى الركبان ...

стр. 41

وعمل "الجمع بين الصحيحين" بلا إسناد على ترتيب مسلم، وأتقنه، وجوده. (الذهبي) (١). - الحافظ العلامة الحجة ... صنف التصانيف واشتهر اسمه، وبعد صيته. (الذهبي) (٢). - وعبد الحق ... أحد الأعلام ... وكان مع جلالته فِى العلم قانعاً، متعففاً، موصوفاً بالصلاح والورع ولزوم السنة. (الذهبي) (٣). وباقي كلمات المترجمين ليس فيها من جديد ولا مزيد. شيوخه: لابن الخراط شيوخ كثيرون، روى عنهم، وتخرّج بهم وأجازوا له مروياتهم، وهذا سرد لأشاهرهم ومن تأثر بهم على نسق الحروف. ١ - أبو جعفر أحمد بن أبى مروان عبد الملك بن محمد، الأنصاري الإِشبيلي الإِمام الحافظ، سكن لَبْلَة، وكان متمكناً من الحديث ورجاله، حتى كان يقال له: ابن معين وقته وبخاري زمانه. قال ابن عبد الملك المراكشي: وألف في السنن كتابه الكبير السمى بالمنتخب المنتقى، جمع فيه مفترق الصحيح من الحديث الواقع في المصنفات والمسندات، وطريقه هذا حذا أبو محمد عبد الحق عبد الرحمن في كتابه الأحكام، إذ كان ملازماً له مستفيداً منه. وقال ابن الأبار: سمع من شرجِ بن محمد وأبي الحكم بن حجاج، ومفرج ابن سعادة، وكان حافظاً محدثاً فقيهاً ظاهرياً، له كتاب "المنتخب المنتقى"

стр. 42

في الحديث، وعليه بنى عبد الحق "أحكامه" تلمذ له عبدُ الحق، استشهد في كائنة لَبْلَة في سنة تسع وأربعين وخمس مئة" (١). ٢ - أبو الحسن خليل بن إسماعيل بن خلف السكوني. وسبق أن نقلنا بعض قول ابن الزبير عن عبد الحق: "انتقل في الفتنة إلى ليلة، ولازم بها أبا الحسن خليل بن إسماعيل، وقرأ عليه، وتفقه به، وتأدب وجرت له معه قصة ذكرتها في غير هذا الموضع، وروى معه عن أبي الحسن شريح، وأبي بكر عبد العزيز ابن خلف بن مدير" (٢). وكان فقيها، حافظاً للفروع، ذا معرفة بالوثائق. ٣ - أبو الحسن شرج بن محمد بن شرج الرُّعيني الإِشبيلي المالكي، شيخ المقرئين والمحدثين، خطيب إشبيلية، آخر من أجاز له مروياته أبو محمد بن حزم وعنه يروي أبو محمد، عن ابن حزم، ولد سنة (٤٥١) وتوفي سنة (٥٣٩) هـ، وهو من شيوخ القاضي عياض أيضا (٣) ٤ - أبو الحسن طارق بن موسى بن يعيش الخزومى الأندلسي، عالم بالحديث، من أهل بلنسية، جاور بمكة، وتوفي بها سنة (٥٤٩)، له برنامج في مشيخته (٤). ٥ - أبو محمد طاهر بن أحمد بن عطية الحجازي القاضي. ٦ - أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد التوزري النفطي. التوزري: نسبة إلى توزر مدينة في أقصى أفريقية. والنفطي: نسبة إلي إفريقية بينها وبين توزر رحلة. قال ابن الأبار: "ويعرف بابن الصائغ، دخل الأندلس، وروى بها عن

стр. 43

جاعة منهم أبو علي، وابن العربي وغيرهما، وحدّث أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الإِشبيلي عنه بالموطأ، ومصنف النسائي، ومسند البزار، وسنن الدارقطني، وكتاب العلل له، وتاريخ السنن أبي خيثمة، والسنن لسعين بن منصور، وتفسير عبد بن حميد، وكتاب الحاكم في علوم الحديث، وكتاب هناد ابن السري في الزهد، كلها عن أبي علي الصدفي، وله رحلة سمع فيها من أبي عبد الله بن منصور بن الحضرمي وأبي الحسن محمد بن مرزوق الزعفراني وأبي بكر بن طرخان التركي وسواهم، وخرج من دمشق قاصداً نفطة بلده في سنة (٥١٨) فولي الصلاة والخطبة بتوزر" (١) وورد ذكره في إسناد حديث أبي سعيد "كان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها" ساقه الذهبي (٢) من طريق عبد الحق عنه يصله إلى الترمذي بإسناده (٣)، وقبل ذلك ورد ذكره شيخاً لعبد الحق في الأحكام الوسطى في حديث من طريق أبي نعيم (٤) ٧ - أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن بن أبي الرجال اللخمي الإِشبيلي. قال ابن الأبار: كان من أهل المعرفة بالقراءات والحديث، والتحقيق بعلم الكلام والتصوف، مع الزهد والإجتهاد في العبادة، وله تصانيف مفيدة، منها "تفسير القرآن" لم يكمله، وكتاب شرح أسماء الله الحسنى ... قال الذهبي: "سمع "صحيح البخاري" من أبي عبد الله محمد بن أحمد ابن منظور صاحب أبي ذر الهروي، وحدث به" (٥). توفي سنة (٥٣٦).

стр. 44

٨ - أبو بكر عبد العزيز بن خلف بن عبد الله بن سعيد بن العباس ابن مدير الأزدي كان من أهل المعرفة بالمسائل الفرعية، توفي بمراكش سنة (٥٤٤) هـ (١) ٩ - أبو الأصبع عبد العزيز بن علي بن الطحان، ولد بإشبيلية وتوفي بحلب، رحل من إشبيلية، وتوفي بحلب (٢). ١٠ - أبو القاسم على بن الحسن بن هبة الله الدمشقي الشافعي صاحب تاريخ دمشق، المعروف بابن عساكر، الإمام العلامة والحافظ الكبير المتوفى سنة (٥٧١) هـ (٣). كتب إلي أبي محمد عبد الحقّ بالاجازة (٤). ١١ - أبو الحسن على بن محمد بن على بن هذيل المقرئ ولد ببلنسية، وبها توفي، وأقرأ بها وأسمع أزيد من ستين سنة، توفي سنة (٥٦٤) هـ (٥). وهذا يدل على أن عبد الحق رحل إلى شرق الأندلس. ١٢ - أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبدالله، ابن العربي الأندلسي الإشبيلي المالكي، إمام حافظ علامة، كان أبوه من كبار أصحاب ابن حزم، بخلاف ابنه القاضي أبي بكر، فإنه منافر لابن حزم، محطّ عليه بنفس ثائرة بهما يقول الذهبي (٥)، صنف في الحديث والفقه والأصول وعلوم القرآن والأدب والنحو والتاريخ توفي بفاس سنة (٥٤٣) هـ (٦). قال الحجاري: لو لم ينسب لإِشبيلية إلا هذا الإِمام الجليل لكان لها به من الفخر ما يرجع عنه الطرف وهو كليل (٧).

стр. 45

توفي ابن العربي بفاس سنة: (٥٤٣) (١). تلاميذه: كثر أولئك الذين تلقوا عن ابن الخراط، وتخرجوا به، وحملوا عنه، وأجاز لهم مروياته، وهذا ما وقفت عليه منهم، مع الترجمة لأشاهرهم وكبرائهم: ١ - أبو جعفر أحمد بن علي بن يحيى بن عون الله الدَّاني ثم المرسى الحصار، مقرئ الوقت، قال ابن الأبار: لم يكن أحد يدانيه في الضبط والتجويد، أخذ عنه الآباء والأبناء، أضطرب بأَخَرَةٍ اهـ. مات سنة (٦٠٩) وقد قارب الثمانين، أجاز له عبد الحق (٢) ٢ - أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد اللخمي ابن أيى عزفة، ورد تلميذا لعبد الحقَ في إسناد ذكره الذهبي لحديث "كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء ... " الحديث من طريق الطبراني. قال الذهبي: قال أبو العباس بن فرتون، ثنا أبو العباس العزفي بسبتة، قال: أنبأنا عبد الحق، ثنا عبد العزيز بن خلفى بن مدير، ثنا أبو العباس بن ولهاث العذري، تنا محمد بن نوح بمكة، أنا أبو القاسم الطبراني، فذكره (٣). توفي سنة (٦٣٣) هـ (٤). ٣ - أبو جعفر أحمد بن يحيى بن أحمد بن عَمِيرة الضبي، المؤرخ الأندلسي صاحب "بغية الملتمس في تاريخ الأندلس" استوفى فيه ما كتبه الحميدي في "جذوة المقتبس" إلى حدود (٤٥٠) هـ وزاد عليه إلى أيامه، كان يحترف الوراقة، ونال منها مالاً كبيراً، وكتب بخطه كتباً كثيره، وكان آية في سرعة الكتابة، ركب

стр. 46

متن الأسفار في شمال إفريقية وطوف في بلادها فزار سبتة ومراكش وبجاية، وسمع فيها من عبد الحق، ثم جاء إلى الإِسكندرية، وتوفي بمرسية سنة (٥٩٩) هـ (١). ٤ - أبو أحمد جعفر بن أحمد بن أمية المجرى، أجاز له عبد الحق والسَّلَفي، وكان فقيهاً، بصيراً بالمسائل مشاركاً فى الأدب إخبارياً، وتوفى سنة (٥٩٦) هـ (٢). ٥ - أبو الفضل جعفر بن محمد علي بن طاهر بن تميم القيسى، عالم فقيه، وأديب ورع، من أهل بجاية، وكان أبوه قاضياً بها، استدعاه الخليفة ابن عبد المؤمن إلى مراكش ليتولى منصب كتابة السر، له رواية عن السهيلي صاحب الروض الأنف، وعبد الحق الإِشبيلي، وأنشده لنفسه: قالوا: صف الموت يا هذا وشدته ... وقد مضى. توفي سنة (٥٩٨) هـ (٣). ٦ - أبو جعفر الحسن بن محمد بن الحسن بن الرِّهْبيل الأنصاري. أجاز له عبد الحق في ربيع الأول سنة (٥٧٧) هـ ببجاية. توفي سنة (٥٨٥) هـ (٤). ٧ - أبو سليمان داود بن سليمان بن عبد الرحمن بن حَوْط الله الأنصاري الحارثي البلنسي الأُندي، وأنُدة: من عمل بلنسية - محدث حافظ. ألف في أسماء شيوخه وهم يزيدون على المئتين، وكانت الرواية أغلب عليه من الدراية، وكان هو وأخوه أوسع أهل الأندلس رواية في وقتهما مع الجلالة والعدالة (٥).

стр. 47

توفِى على قضاء مالقة في سادس ربيع الآخر سنة (٦٢١) هـ، ولم ير أكثر باكياً من جنازته. ٨ - أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم بن حسان الحميري الكَلاعي البلنسي، كان إماماً في صناعة الحديث، عارفاً بالجرح والتعديل، مع الإستبحار في الأدب، والإشتهار بالبلاغة، والبراعة في علوم القرآن والتجويد، أجاز له عبد الحق، وتوفي سنة (٦٣٤) (١). ٩ - أبو الحسن سهل بن محمد بن سهل بن محمد بن مالك الأزدي الغرناطي، كان من جِلَّة العلماء، والأئمة البلغاء الخطباء، جمع التفنن في العلوم، أجازه عبد الحق بالأحكام الصغرى، وروى عنه الأحكام الكبرى، توفي سنة (٦٤٠) هـ (٢). ١٠ - أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن الحسن بن منتيال الوراق، رحل حاجاً فسمع من عبد الحق (٣). ١١ - أبو محمد عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان التميمي، شيخ فقيه، لقي أبا محمد عبد الحق الإِشبيلي، وأخذ عنه وسمع منه، وأجاز له أبو الطاهر السِّلفي، وولي قضاء سبتة وبلنسية، توفي بتونس سنة (٦٢٠) هـ (٤). ١٢ - أبو محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن حوط الله الأنصاري الحارثي الأندلسي الأندي، حافظ محدث، خطيب بليغ، شاعر نحوي، تصدَّر للقراءات والعربية، وأدب أولاد المنصور بمراكش،، نال عزا ودنيا واسعة، وولي قضاء قرطبة وأماكن، روى عن أبن الخراط الأحكام الكبرى والصغرى، وتوفي سنة

стр. 48

(٦١٢) هـ (١). ١٣ - أبو بكر عتيق بن علي بن سعيد العيدري، كان عن أهل التجويد والقراءات، مع تحقق الفقه، ولي قضاء بلنسية وخطب بجامعها، أجازه ابن بشكوال والسِّلفي وعبد الحق، توفي سنة (٦٠٠) هـ (٢). ١٤ - أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن خيرة، خطيب بلنسية، حج سنة (٥٧٨) ولقى عبد الحق ببجاية، ومات سنة (٦٣٤) هـ (٣). ١٥ - علي بن الحسين الصدفي الفاسي (٤). ١٦ - أبو الحسن علي بن أبي نصر فتح أو فاتح بن عبد الله البجائي. روى الأحكام الصغرى عن عبد الحق، كان من المعمرين ولد سنة (٥٠٦) وتوفي (٦٥٢) هـ (٥). ١٧ - أبو الحسن علي بن محمد بن الحصار الخزرجى، روى مؤلفات عبد الحق ورحل مشرقاً سنة (٥٧٣)، وتوفي سنة (٦٣٠) هـ (٦). ١٨ - أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن إدريس الزناتي، سمع عن عبد الحق بعض تواليفه (٧). ١٩ - أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن جميل العارفي، قرأ الأحكام الصغرى سماعاً علي مؤلفها عبد الحق من لفظه، توفي سنة (٦٠٥) هـ (٨). ٢٠ - أبو علي عمر بن محمد بن عمر بن عبد الله الأزدي الإِشبيلي الملقب

стр. 49

بالشَّلَوبين -يعني الأبيض الأشقر في لغة الأندلسيين- روى الأحكام عن عبد الحق وكان أسند من بقي بالمغرب، وإماماً في العربية، توفي سنة (٦٤٥) هـ (١). ٢١ - أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن حزب الله الفاسي يعرف بابن البقار، أجاز له عبد الحق (٢). ٢٢ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الهاشمي الأندلسي الصوفي، صحب بالمغرب جماعة من أعلام الزهاد، وروى الأحكام الكبرى عن عبد الحق. وخرج إلى مصر ثم نزل بيت القدس، وبه توفي سنة (٥٩٩) هـ (٣). ٢٣ - أبو الخطاب محمد بن أحمد بن خليل السَّكوني الأندلسي الكاتب المنشئ شيخ البلاغة والإِنشاء، أخذ عنه أبو جعفر ابن الزبير ولازمه، وأثنى عليه، وقال كان روضة معارف، متقدماً في العلوم الأدبية، لم ألق مثله، كان يخطب على البدِية، ويكتب من غير تكلف ... وكر انتفاعي به، وكان من الأسخياء الأجواد. اهـ. وهو آخر من حدث عن عبد الحق، ولم يلقه، وإنما كتب إليه مجيزا له، وتوفي سنة (٦٥٢) هـ (٤). ٢٤ - مجد الدين محمد بن أحمد بن غالب الأزدي، ذكره الذهبي فيمن روى عن عبد الحق، وورد راوياً عن عبد الحق في إسناد الذهبي إلى أبي عيسى الترمذي لحديث أبي سعيد "كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها" (٥).

стр. 50

٢٥ - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأندلسي الأنصاري الأنْدَرَشيُّ، ويعرف أيضا بابن البلنسي، محدِّث جوَّال، وثقه جماعة وحملوا عنه وما هو بمتقن، وولي خطابة المَريّة، قاله الذهبي. توفي سنة (٦٢١) هـ على ظهر البحر قاصداً مالقة (١). ٢٦ - أبو عبد الرحمن محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد المخزومى، رحل حاجاً، فلقي في بجاية عبد الحق وسمع منه بعض تآليفه، منها كتاب التهجد. توفي سنة (٦٣٢) هـ (٢). ٢٧ - أبو عبد الله محمد بن حسن بن محمد بن عبد الله بن خلف ابن الحاج الأنصاري المعروف بابن صاحب الصلاة، رحل حاجاً فلقى في طريقه أبا محمد وسمع منه، وأفاد عنه سرد تَواليفه، ونقلها عنه ابن فرحون في الديباج المذهب (٣)، وورد تلميذا لعبد الحق في إسناد الغبريني إليه (٤). توفي سنة: (٦٠٩) هـ (٥). ٢٨ - أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن علي بن محمد بن سليمان التُّجيبي المُرسيُّ، الإِمام الحافظ محدث تلمسان، قال الذهبي (٦): سمع بمكة من علي ابن عمار "صحيح البخاري" وسمع ببجاية من عبد الحق الحافظ. اهـ. توفي سنة: (٦١٠) وله نحو من سبعين سنة (٧). ٢٩ - أبو عبد الله محمد بن عثمان بن سعيد بن بقيميس، كان مفتيا أصولياً، لقي عبد الحق في رحلته سنة (٥٧٥)، وحمل عنه الأحكام الصغرى وحدث

стр. 51

به، مات سنة (٦٠٨) هـ (١). ٣٠ - أبو عبد الله محمد بن علي بن حماد بن عيسى بن أبي بكر الصنهاجي له حظ وافر، وعلم ماهر بعلوم القرآن والحديث والأصول والنحو والأدب والتاريخ، ولاه الوحدون قضاء المغوب والأندلس في عدة أماكن، روى عن عبد الحق كتاب الموطأ وغيره وذلك ببجاية، له تواليف، مبها كتاب الِإعلام بفوائد الأحكام لعبد الحق الإِشبيلي" توفي سنة (٦٢٨) هـ وكان ينيف على الثمانين (٢). ٣١ - أبو عبد الله محمد بن علي بن يخلف بن حسون (٣)، توفي سنة (٦٠٦) هـ ٣٢ - أبو الحكم مروان بن عمار بن يحيى، من أهل بجاية، اكان من الأدباء النبهاء، مشاركا في أبواب من العلم، توفي سنة (٦١٠) هـ (٤). وأنشده عبد الحق أبو محمد: لا يخدعنك عن دين الهدى نفر ... لم يرزقوا في التماس الحق تأييدا عمي القلوب عروا عن كل معرفة ... لكنهم كفروا بالله تقليدا (٥) ٣٣ - أبو ذر مصعب محمد بن مسعود بن عبد الله الخشني الأندلسي، العلامة اللغوي إمام النحو، العروف بابن أبي ركب، له مصنفات منها مصنف كبير لا شرح كتاب سيبويه، توفي بفاس سنة (٦٠٤) هـ عن سبعين سنة (٦). وإسماعه موجود لأحد تلامذته على طرة الأحكام الصغرى في العشر الأخيرة من شعبان سنة (٦٠٨) هـ (٧).

стр. 52

وروى ابن غازي الأحكام الصغرى بإسناده إلى أبي ذر (١). ٣٤ - أبو زكريا يحيى بن عبد الرحمن بن عبد المنعم القيسي الواعظ المغربي، ولد بدمشق، ودخل أصبهان، وتفقه بها، ودخل بلاد المغرب، وأخذ ببجاية عن الحافظ عبد الحق، وجال في بلاد الأندلس، واستوطن غرناطة، وكان فقيها فاضلاً، زاهداً عابداً، توفي سنة (٦٠٨) هـ (٢). ٣٥ - أبو زكريا يحيى بن علي بن حسن بن حبوس الحمداني، أحد فقهاء بجاية، له ترجمة في عنوان الدراية (٣). ٣٦ - أبو يعقوب يوسف بن عيسى روى الأحكام الصغرى عن عبد الحق (٤). ٣٧ - أبو الحجاج يوسف بن محمد بن عبد الله بن غالب البلوي المالقى المعروف بابن الشيخ (صاحب ألف باء). حمع من عبد الحق والسُّهيلي والسلفي، وكان إماماً صالحاً قدوة كثيرالغزو، تلا بالسبع وأقرأ وتولى الخطابة بمالقة، ورحل إلى الاسكندرية، فسمع بها من الحافظ أبي طأهر السِّلفى وغيره، وأفاد، وكان من أقعد الناس بعبد الحق وأخباره، أقام معه ببجاية قبل الحج وبعده وعزم عليه في تأليف الأحكام، وأخذه عنه. وكانت وفاته سنة (٦٠٤) هـ (٥). ٣٨ - أبو محمد عبد الله بن الحسن بن أحمد بن يحيى الأنصاري الأندلسي، القرطبي الأصل، المالقى الدار، الفقيه النحوي بمالقة، المشهور بابن القرطبي، كان من أهل المعرفة التامة بصناعة الحديث، مع المعرفة بالقراءات، والمشاركة في العربية، روى عن عبد الحق بعض كتبه، ومات بمالقة خطباً بها

стр. 53

سنة (٦١١) (١). مصنفاته: اشتهر أبو محمد ببراعة التأليف، وجودة التصنيف، ومدح العلماء تواليفه، وأُغرموا بها، واعتمدوا عليها، وشاعت عند أهل المشرق والغرب معاً وانتفعوا بها، وشهدوا لعبد الحق بسببها بالحفظ والإتقان، وسعة العلم والإطلاع، ودقة الفهم، وشدة الذكاء. يقول الغبريني: "وله ﵁ تآليف جليلة، نبل قدرها، واشتهر أمرها، وتداولها الناس رواية وقراءة وشرحاً وتبينا (٢) ". وحتى كتابتي هاتيك السُّطور فإن تواليف عبد الحق -مع أنه بهذي الإِمامة وهى بهذي البراعة- لم يُنشر منها إلا تأليفٌ واحد، عنيتُ كتابه "العاقبة". وهذا سرد لأسماء كتبه وتعريفٌ ببعضها، وأماكن وجودها -إن وُجدتْ- (١، ٣،٢) الأحكام الشرعية الكبرى والوسطى والصغرى. وكان أول ما صنف منها "الأحكام الكبرى"، جمع فيه أحاديث الأحكام وغيرها من الآداب والرقائق ونحوها، وفيه يسوق أبو محمد الأحاديث بأسانيد المصنفين، مثال ذلك أول حديث ذكره، وهو حديث عمر في الإِسلام والإِيمان والإِحسان. مسلم بن الحجاج ﵀ حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، ثنا وكيع، عن كهمس, عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يَعمَر، قال: وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري -وهذا حديثه-: ثنا أبي، ثنا كهمس، عن ابن

стр. 54

بريدة، عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال بالقدر (١) ... الحدث ثم ساقه بإسناد آخر من عند مسلم، ثم ذكره من طريق أبي داود الطيالسي، وعقبه بذكر الكلام على بعض رواته، ثم ساقه من طريق الدارقطني، ثم من طريق أبي داود، ثم ساقه من طريق مسلم من حديث أبي هريرة، وبعده ذكر أسماء بعض أصحاب الكنى الذين وردوا في الإِسناد، وذكر منها الخلاف في اسم أبي هريرة، ثم ذكره من طريق آخر من عند مسلم من حديث أبي هريرة أيضا، ثم ذكره من طريق النسائي. ثم ذكر حديثاً آخر من طريق عبد بن حميد، وأردفه بحديث وفد عبد القيس من عند مسلم. وفي أحايين نادرة جداً يسوق بعض الأحاديث بأسانيده هو بسماعه من شيخه إلى رسول الله ﷺ . ولدي نسخة مصورة عن دار الكتب المصرية [(٢٩) حديث] كتبت بقلم نسخى سنة (٧٧٤)، وعليها ملكية في سنة (٨٥٢) وتوقيع الحافظ ابن حجر العسقلاني بشهادته على وقف الكتاب، وذكر ابن حجر في شهادته أنها ستة أجزاء، والموجود عندي أربعة أجزاء، الأول وليس فيه خطبة أو مقدمة، والثاني والخامس والسادس، وذكر بروكلمان نسخاً منها وأجزاء في عدة مكتبات (٢). وقد ذكر الأحكام الشرعية الكبرى كثير ممن ترجم لابن الخراط، غير أنه لم يشتهر اشتهار الوسطى والصغرى، ومما يدل على هذا قول الذهبي: "وسارت بأحكامه الصغرى والوسطى الركبان، وله "أحكام كبرى" قيل: هى بأسانيده، فالله أعلم" (٣) اهـ. وكان ابن القطان يرجع إليها في أحايين كثيرة، ويذكر أنها بخط مؤلفه،

стр. 55

وذلك أثناء انتقاده للأحكام الوسطى في كتابه "بيان الوهم والإِيهام الواقعين في كتاب الأحكام". بل كان عبد الحق يذكرها في الأحكام الوسطى ويحيل عليها -كما سيأتي- ويسميها بالكتاب الكبير. الأحكام الشرعية الوسطى: وهذا الكتاب اختصره من الأحكام الشرعية الكبرى، وقد أشار أبو الحسن ابن القطان إلى هذا حيث يقول في مقدمة كتابه "بيان الوهم والإِيهام" "وعلمت ذلك، إما بأن رأيته قد كتبه في كتابه الكبير الذي يذكر فيه الأحاديث بأسانيدها، الذي منه اختصر هذا (١) " هذا مع إضافات قليلة وتقديم وتأخير طفيف. وأهم معالم هذا الإختصار: ١ - حذف الأسانيد، وأحياناً يذكر بعض رجال الإِسناد، ليتبرأ من ذمته. ٢ - حذف بعض الأحاديث. ٣ - حذف بعض روايات الحديث. ٤ - الإكتفاء بذكر الزيادة في الرواية. ٥ - حذف بعض كلامه وشرحه وبيانه. ٦ - حذف بعض تراجم الأبواب. وعلى سبيل المثال كان أختصاره لا أوردناه من الكبرى كالتالي: - مسلم، عن يحيى بن يعمر، قال: كان أول من قال بالقدر ... الحديث ثم حذف طريقه الأخرى. - وحذف رواية أبي داود الطيالسي.

стр. 56

- ورواية أبي داود السجستاني. - واكتفى بذكر الزيادة في حديث أبي هريرة. - وحذف بيانه لبعض أصحاب الكنى والإختلاف في اسم أبي هريرة. - واكتفي بذكر الزيادة في الرواية الثانية لحديث أبي هريرة. - ثم حذف رواية النسائي. - وحذف حديث عبد بن حميد. - ثم حذف إسناد حديث وفد عبد القيس، ولم يعزه، اكتفاء بعزو الحديث الذي قبله لمسلم فقال: وعن ابن عباس قال: إن وفد عبد القيس ... الحديث. وإذا كان الحديث مروياً بإسناده المتصل إلى رسول الله ﷺ ، فأحياناً يذكر الإِسناد، وأحياناً أخرى يحذفه ويحيل إلى الكبرى، كما فعل في باب من أبواب العلم لم يذكر له ترجمة - قال: ومما رويته بالإِسناد المتصل إلي ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ذكرت إسناده في الكتاب الكبير، وقد ذكره أبو بكر الأصيلى في الفوائد وابن المنذر في كتاب الإِجماع (١) اهـ. هذا، وقد عُرِفتْ الأحكام الوسطى بالأحكام الشرعية الكبرى، يقول الكتاني: "ولعبد الحق أيضا الأحكام الوسطى في مجلدين، قال في شفاء السَّقام (٢)، وهى المشهورة اليوم بالكبرى، ذكر في خطبتها أن سكوته عن الحديث دليل على صحته فيما نعلم (٣) " حتى اشتهر أن لأبي محمد نسختين كبرى وصغرى، ويقصد بالكبرى الوسطى، يقول ابن الأبار: "قد صنف في الأحكام نسختين كبرى وصغرى (٤) " ويقول المنذري: "له من التصانيف: "الأحكام

стр. 57

الكبرى" و "الأحكام الصغرى (١) " ويقول الذهبي في ترجمة عبد الحق: "أحد الأعلام ومؤلف "الأحكام الكبرى" و "الصغرى (٢) ". ومما يؤكد أيضا أن الأحكام الوسطى شهرت بين العلماء بالأحكام الكبرى، أنه كتب اسم الأحكام الكبرى على طرة نسخ الأحكام الوسطى المخطوطة ونهايات أجزائها ومن له أدنى اطلاع على كتاب "بيان الوهم والإيهام" لابن القطان، ورأى الأحكام الوسطى وقلب أوراقها، يعلم علما يقينياً لا يخالجه شك أن كتاب "بيان الوهم والايهام" نقدٌ وتعقبٌ للأحكام الوسطى، وكلمة ابن القطان التى نقلناها قريباً تؤكد أيضا أن كتابه نقد للوسطى ليس للكبرى أبداً، ومن ثم يقول الذهبي في سيره (٣) "وصنف الحافظ القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن عبد اللك الحميري الكتامي الفاسي المشهور بابن القطان كتاباً نفيساً في مجلدتين سماه "الوهم والإِيهام فيما وقع من الخلل في الأحكام الكبرى لعبد الحق" يناقشه فيه فيما يتعلق بالعلل وبالجرح والتعديل، طالعته، وعلَّقت منه فوائد جليلة"، ويقول في تذكرته (٤) "طالعت كتابه السمى بالوهم والإِيهام الذي وضعه على الأحكام الكبرى لعبد الحق". فالذهبي هنا يعني بالكبرى الأحكام الوسطى، لأنه لم ير الكبرى ولا وقف عليها، إذ قال بعد سطور من كلمته هذه في سيره "وسارت بأحكامه الصغرى والوسطى الركبان، وله أحكام كبرى، قيل: هى بأسانيده، فالله أعلم (٥) ". وقد نصَّ على أن كتاب الوهم والإِيهام لابن القطان موضوع على الأحكام الوسطى التجيبي في برنامجه (٦)، فذكر كتاب الوهم، ثم قال: "وهذا الكتاب

стр. 58

موضوع على النسخة الوسطى من الأحكام". صفوة القول: إن كتاب الوَهم والإِيهام لابن القطان موضوع على الأحكام الوسطى الذي اشهر باسم "الأحكام الكبرى"، وبذا يتبين خلط كثير من الباحثين ومفهربر الخطوطات بين الأحكام الكبرى والوسطى وموضوع كتاب الوهم والإِيهام (١). وعندي نسختان خطيتان من الأحكام الوسطى، كتب عليهما "الأحكام الكبرى": الأولى كتبت بقلم نسخي في ثلاثة أجزاء، وعليها، سماعات وقراءات في سنة (٦١١) هـ، وهى من مصورات إستانبول، وعدد أوراقها (٢٦٩)، منها نسخة مصورة محفوظة بجامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية بالرياض برقم (٣٩٤٤) ف. الثانية كتبت بقلم نسخي سنه (١١٢٥) هـ، وهى مجدولة، وعليها وقف باسم الوزير سليمان باشا على مدرسته سنة (١١٥٠) هـ، وعدد أوراقها (٢٣٥)، وهى من مصورات المكتبة الظاهرية. وقد ذكر صاحب الشروح والتعليقات (٢) أن قطعاً وأجزاء من الأحكام الوسطى بالخزانة العامة، والملكية، بالرباط، وبالقرويين، ومن قبله ذكر بروكلمان نسخة بالكتبخانة الخديوية وغوتا.

стр. 59

الأحكام الشرعية الصغرى: وهذا الكتاب -الذي نُعنى بتحقيقه- اختصار للأحكام الشرعية الوسطى، اقتصر فيها على ذكر الأحاديث الصحيحة، كما يقول في مقدمته "وتخيرتها صحيحة الإِسناد، معروفة عند النقاد، قد نقلها الأثبات، وتداولها الثقات". وطريقة اختصاره للوسطى تقوم فقط على حذف الأحاديث الضعيفة، مع المحافظة على أصل الوسطى وترتيب نصوصها، بحيث لو افترض وجود نسخة من الوسطى، وأخرى من الصغرى، ثم حذفت الأحاديث الضعيفة من الوسطى، ونُقلت إلى الصغرى، لأصبحت الوسطى صغرى، والصغرى وسطى، إلا في آخره، فقد أخر أبو محمد وقدم قليلا، وقام بحذف القليل من الصحيح. وظن بعضُ أهل العلم (١) أيضا أن كتاب أبن القطان المسمى بالوهم والإِيهام موضوع على الصغرى من الأحكام، وقد أبعد الإنتجاع عن الصواب من ذهب إلى هذا، ولا يذهب إليه -بحق- من طالع كتاب بيان الوهم، وتأمله أدنى تأمل، إذ إن مؤلفه قد عقد فيه عدة أبواب، لا ينطبق مضمونها على الأحكام الصغرى التى اقتصر فيها على الأحاديث الصحيحة، من هذه الأبواب: باب ذكر أحاديث أعلَّها. برجال، وفيها من هو مثلهم، أو أضعف، أو مجهول لا يعرف. باب ذكر أحاديث أعلَّها، ولم يبين من أسانيدها مواضع العلة. باب ذكر أحاديث ضعفها، وهي صحيحة أو حسنة، وما أعلها به ليست بعلة،

стр. 60

على أن الممارس للبحث والإطلاع في الأحكام الشرعية الثلاثة وبيان الوهم، ليس في حاجة إلى برهان يؤكد أن بيان الوهم موضوع على الوسطى، وإنما وقع الخلط وعدم التمييز ممن لم يمارس البحث في تلك الكتب الأربعة والتفتيش فيها، ولم يدر الفروق بين أحكام عبد الحق الثلاثة، ولم يرجع أثناء قراءته لبيان الوهم إلى تلك الأحكام ويقابل بين ما ينقله أبو الحسن بن القطان عن أبي محمد بن الخراط وبين ما هو ثابت في تلك الأحكام. وممن روى الأحكام الصغرى بسنده إلى مصنفها: التجيبي في برنامجه (١) والذهبي في سيره (٢) وتذكرته (٣)، والرصاع في فهرسه (٤)، والوادي اشي في برنامجه (٥)، وابن غازى في فهرسه (٦) والمنذري مناولة في تكملته (٧). وقد ذكرنا في تلاميذ عبد الحقّ من روى منهم الأحكام الصغرى وحملها عنه بالسماع أو الإِجازة. وشرح الأحكام الصغرى غير واحد من العلماء. منهم: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مرزوق التلمساني المالكي، يعرف بحفيد ابن مرزوق، وقد يختصر بابن مرزوق، دخل القاهرة، وقرأ على البلقيني وابن الملقن والعراقي، وأخذ عنه ابن حجر، وتوفي سنة (٨٤٢) هـ وترك مصنفات كثيرة منظومة ومنثورة، منها "المتجر الربيح شرح الجامع الصحيح" ولم يكمله و" أنواع الدراري في مكررات البخاري" وشرح التسهيل والألفية وغير

стр. 61

ذلك (١). أبو عبد الله صدر الدين محمد بن عمر بن علي المصري الشافعي، المعروف بابن المرحل وابن الوكيل، أفتى وهو ابن عشرين سنة، وكان لا يقوم لمناظرة شيخ الإسلام ابن تيمية أحدٌ سواه، قال ابن السبكى: كان إماماً كبيراً، بارعاً في المذهب والأصلين ... كان الوالد ﵀ يعظم الشيخ صدر الدين ويحبه، ويثني عليه بالعلم وحسن العقيدة ومعرفة الكلام على مذهب الأشعري! وذكر الشوكاني أنه شرع فِى شرح الأحكام لعبد الحق فكتب منه ثلاث مجلدات، توفي سنة (٧١٦) هـ (٢). أبو محمد عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد القرشي، التميمي، التونسي المعروف بابن بَزيزة، الصوفي، الفقيه، المفسر، المتوفى سنة (٦٦٢) هـ (٣). - أبو الأصبغ عبد العزيز بن خلف بن إدريس السلمي الشاطبي، المتوفى سنة (٦٦٢) هـ (٤). وعندي من الأحكام الصغرى أربع نسخ مخطوطة، اعتمدنا عليها في تحقيقها: ١ - نسخة بقلم معتاد يوسف بن عبد العزيز بن عبد الله سنة (٦٩١) هـ، وهي مصورة عن مكتبة تشستربيتي برقم (٣٩٤٤)، ويبلغ عدد ورقاتها (٢١١)، ومنها نسخة مصورة في مكتبة جامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية برقم (٣٩٤٤) ف، وبها خروم في مواضع متفرقة، ولتقدُّمِ وصولها اعتمدناها أصلاً.

стр. 62

٢ - نسخة تامة بقلم نسخى جيد مضبوط كتبها علي بن نصر بن عمر الحنفي في صفر سنة (٦٨٠) هـ، وهي مصورة في مكتبة جامعة الإِمام، برقم (٢٦٥٢) ف، وهى (٢٢٣) لوحة، وفي الفيلم بياض لوحتين من قبل آخره، ورمزنا لها بحرف: (ف). ٣ - نسخة بقلم أندلسي جيد سنة (٥٩٤) هـ، عليها مقابلة تمت سنة (٦٠٠) هـ، بها أكل أرضة أتت على بعض الكلمات، وهى مصورة من خزانة جامعة القرويين بفاس (٨٠/ ١٥٨)، وعدد ورقاتها (١٦٢) ورقة، وعليها سماع لأبي ذر الخشني .. ، ورمزنا لها بحرف (د). ٤ - نسخة من السفر الأول، انتهى بتمام كتاب الحج، وهى مصورة عن المكتبة البلدية بالإِسكندرية برقم (١٢٩٨/ ب). ورمزنا لها بحرف: (ب) وثمة نسخ أخرى من الأحكام الصغرى ذكرها بروكلمان منها في المتتحف البريطاني والكتبخانة الخديوية (١). وهذه بقية كتب عبد الحق: ٤ - "الأنيس في الأمثال والمواعظ والحكم والآداب" من كلام النبي ﷺ والصالحين، ذكره ابن الحاج الأنصاري (٢). ٥ - "كتاب البهجة" ذكره البلوي (٣). ٦ - "تلقين الولد"، طبع بالمغرب عام (١٣٧٢) هـ تقريباً، عن نسخة بالخزانة الكنونية بطنجة، وهو كتاب صغير، تضمن أحاديث تلقن للأطفال من أبواب الفقه (٤).

стр. 63

٧ - "كتاب التوبة" ذكر ابن الحاج الأنصاري أنه في سفرين (١). ٨ - "تهذيب المطالب" ذكره صاحب هدية العارفين (٢). ٩ - "الجامع الكبير في الحديث" ومقصوده فيه الكتب الستة، وأضاف إليه كثيراً من مسند البزار وغيره، منه صحيح، ومعتل. تكلم على علله، ونهب منه في دخلة البلد في الفتنة، قاله ابن الحاج الأنصاري (٣)، وما أظن سنن ابن ماجه من مقصوده في الكتب الستة، فإنه لم يعتمد عليها في أحكامه الثلاثة ولا في "العاقبة" فلعله لم يصله! وأغلب ظني أن مقصوده بالكتاب السادس موطأ الإِمام مالك، لا سيما وقد ذكر في مقدمة الأحكام الوسطى -وهو يذكر مصادره- هذه الستة معه وجعلها أصل مصادره، ونبه أنه أضاف إليها من كتب أخرى. ١٠ - "جامع الكتب الستة" ذكره ابن الحاج الأنصاري، قال: ونهب منه أيضا في الدخلة المذكورة (٤) اهـ. وقال أبن الأبار: له مصنف كبير جمع فيه بين الكتب الستة (٥). ١١ - "الجمع بين الصحيحين" ذكره كثير ممن ترجم له، وأثنى عليه الذهبي قائلاً: "وعمل "الجمع بين الصحيحين" بلا إسناد على ترتيب مسلم وأتقنه وجوَّده (٦) "، بل فضله على سائر الجوامع بين الصحيحين ابنُ ناصر الدين القيسي فذكر أن عبد الحق أحسن من جمع بين الصحيحين (٧) , وتوجد منه عدة نسخ خطية ذكرها بروكلمان (٨) والشيخ ابن عقيل في الشروح

стр. 64

والتعليقات (١)، وقد تنامى إلى ذهني أن الكتاب حُقق فعسى أن ينشر قريباً. ١٢ - ديوان شعره في الزهد والوعظ، ذكره الغبريني، منه نسخة ناقصة في خزانة القرويين بفاس برقم (٣١٦١). ١٣ - "كتاب الرقائق" ذكره ابن الحاج الأنصاري (٢)، وابن الزبير (٣)، وابن الأبار (٤)، والغبريني (٥)، ابن شاكر (٦)، والكتاني (٧). ١٤ - "كتاب الزهد" ذكره ابن شاكر (٨). ١٥ - "كتاب الصلاة والتهجد" ذكره كثير ممن ترجم لأبي محمد، ومنه نسختان بالكتبة الظاهرية، وأخريان بدار الكتب المصرية، وأعرف من يعمل فيه بالتحقيق وعسى أن ينشر قريباً. ١٦ - "كتاب العاقبة" وقد اشتهر هذا الكتاب جداً، ووقع النقل منه، وكان ابن كثير وابن القيم الجوزية ممن يعتمدان عليه، وذكره أكثر من ترجم لعبد الحق، وتوجد منه ثلاث نسخ خطية بالكتبة الظاهرية، وثلاث أُخر بدار الكتب المصرية، وواحدة بمعهد المخطوطات بالقاهرة، ولدى ابن عقيل الظاهري نسختان من تشستربتي (٩)، وثمة أخريان بتركيا (١٠)، ومع ذلك نشر نشرتين (١١) بلا مقابلة بين نسخه الكثيرة!

стр. 65

١٧ - "فضل الحج والزيارة" ذكره ابن الحاج الأنصاري. ١٨ - مختصر صحيح البخاري، منه نسختان، واحدة ببطر سبرج، وأخرى بالمتحف الآسيوي - قوقاز (١). ١٩ - مختصر كتاب الرشاطي في الأنساب من القبائل والبلاد، ذكره ابن الحاج الأنصاري، وقال الغبريني: هو أحسن من الأصل (٢). والرشاطي: هو أبو محمد عبد الله بن علي بن عبد الله بن أحمد اللخمي الحافظ النسَّابة، كان ضابطاً، محدثاً، متقناً، إماماً، ذاكراً للرجال، حافظًا للتاريخ والأنساب، فقبهاً بارعاً، أحد الجلة الشار إليهم، توفي سنة (٥٤٢) هـ هوقد قارب التسعين (٣). واسم كتابه: "اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب رواة الآثار" قال ابن الأبار: "لم يسبق إلى مثله، واستعمله الناس (٤) "ووصفه صاحب بغية الملتمس بأنه قريب كثير الفوائد جامع (٥). وتوجد قطعة صغيرة من هذا الكتاب في خزانة جامع الزيتونة بتونس" (٦). وثمة نسخة من مختصر كتاب الرُّشاطي لأبي محمد كائنة في المكتبة الأزهرية برقم (١٣٣). ٢٠ - مختصر كتاب الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي، ذكره ابن الحاج الأنصاري.

стр. 66

٢١ - "المرشد" ذكره ابن الحاج الأنصاري وقال: "تضمن حديث مسلم كله، وما زاد البخاري على مسلم، وأضاف إلى ذلك أحاديث حساناً وصحاحاً من كتاب أيى داود وكتاب النسائي وكتاب الترمذي وغير ذلك، ومما وقع في الموطأ مما ليس في مسلم والبخاري، وهو أكبر من صحيح مسلم" اهـ. ٢٢ - المستصفى من حديث المصطفى ﷺ ، ذكره المعلق على تهذيب الأسماء واللغات (١)، وأخشى أن يكون هو الذي قبله. ٢٣ - "المعتل من الحديث" ذكره ابن الحاج الأنصاري، وابن الأبار، وابن شاكر، والكتاني، وذكر الأنصاري أنه قدر صحيح مسلم. وذكر المعلق على تهذيب الأسماء واللغات أنه في نحو ست مجلدات. ٢٤ - "معجزات الرسول ﷺ " ذكره ابن الحاج الأنصاري، وقال في سفر. ٢٥ - "مقالة الفقر والغنى" ذكره الأنصاري أيضا. ٢٦ - الواعي في اللغة، ذكره الأنصاري كذلك، وقال هو في نحو خمسة: عشرين سفراً (٢)، ووصفه ابن الأبار بأنه: كتاب حافل ضاهى به "الغريبين" لأبي عبيد الهروي، وذكره الغبريني عن بعض طلحة العلم وسماه الحاوي- وقال هو في ثمانية عشر مجلداً. اهـ وقيل غير ذلك. هذه هى مصنفات الإِمام الحافظ عبد الحق الإِشبيلي، وثمة أسماء أخرى للتواليف التي ذكرتها، ربما يُظن أنها أسماء لتواليف أخرى غيرها، وليستْ كذلك، مثال ذلك ما قاله الغبريني: "سمعتُ من شيخنا أبي محمد بن عبادة ﵀ أنه ألف كتاباً كبيراً في الأحكام في الحديث، وهو أضعاف الأحكام الكبرى، سمعت منه أن الكتانب المذكور اضمحل أمره بعد كمال تأليفه لكبيره"

стр. 67

فعده أبو عبد الرحمن ابن عقيل كتاباً آخر، وليس كذلك، فإن مقصود الغبريني بالأحكام الكبرى: الوسطى، ومقصوده بالكتاب الكبير في الأحكام: الأحكام الكبرى، وهي حقاً أضعاف الوسطى، وليست مشهورة كما أسلفنا القول في ذلك. وكذلك "المختصر في الحديث" الذي ذكره صاحب هدية العارفين (١)، فأغلب ظني أنه "المستصفى من حديث المصطفى ﷺ " الذي ذكرناه. رحم الله الإِمام الحافظ عبد الحق الإشبيلي، والله نسأل أن ينفع المسلمين اليوم بكتابه، كما انتفع به أسلافهم في الماضي. وجزى الله خير جزائه أُمَتَه التي قامت على تحقيقه ومقابلة نسخه، وعزو الحديث إلى مصدره الذي نقل منه عبد الحق ونسأل الله -جلَّ وعلا- أن يدخر لها أجر ذلك يوم المئاب، وأن يعجل لها بالشفاء التام، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وكتب أبو محمد خالد بن علي بن محمد العنبري الرياض، لأربع بقين من شهر الله المحرم، سنة اثنتي عشرة وأربع مئة وألف من هجرة سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم.

стр. 68

الأحكام الشرعية الصغرى «الصحيحة» تأليف الإمام الحافظ أبي محمد عبد الحق الإشبيلي المتوفى سنة ٥٨١ هـ أشرف عليه وراجعه وقدم له خالد بن علي بن محمد العنبري تحقيق أم محمد بنت أحمد الهليس [الجزء الأول]

стр. 69

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ربّ تمم بخير (١) [قال الشيخ الفقيه الحافظ المحدث أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الإِشبيلي ﵀] (٢). الحمد لله رب العالمين والصَّلاة والتسليم على محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وعلى صحابته الطاهرين، وجميع عباد الله الصَّالحين. أما بعدُ، وفقنا الله أجمعين لطاعته، وأمدنا بمعونته، وتوفانا على شريعته، فإني جمعت في هذا الكتاب مفترقاً (٣) من حديث رسول الله ﷺ في لوازم الشرع وأحكامه، وحلاله وحرامه، وفي ضروب من الترغيب والترهيب، وذكر الثواب والعقاب، إلى غير ذلك مما تُميز حافظها، وتُسعد العاملَ بها. وتخيرتُها صحيحةَ الإِسناد، معروفةً عند النقاد، قد نقلها الأثبات، وتداولها الثقات، أخرجتها من كتب الأئمة، وهداة الأمة: - أبو عبد الله مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي. - وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري. - وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. - وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني. - وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي. وفيه أحاديث من كتب أخر، أذكرها عند ذكر ما أُخرج منها.

стр. 70

وإذا ذكرت الحديث لواحد ممن أخرجتُ حديثه، فكل حديث أذكره بعد ذلك فهو له، ومن كتابه، وعن ذلك الصاحب المذكور فيه، حتى أذكر غيره، وأسمّى سواه، وربما تخللها كلامٌ في تفسير لغة، أو في شئ ما. وإذا ذكرتُ الحديث لأحدهم، وقلتُ: زاد فلان كذا وكذا، أو قال فلان كذا وكذا، فهو عن ذلك الصاحب، عن النبي ﷺ ، وإن لم أذكر الصاحب، ولا النبي ﷺ ، وإن كان من غيره سميته، وذكرتُ عمَّن أخرجته. وربما وقع في هذا الكتاب ما قد تُكلّم فيه من طريق الإِرسال: التوقيف، أو تكلم في بعض نقلته، وليس كل كلام يُقبل، ولا كل قولٍ به يعمل، ولو تُرك كل ما تُكلم فيه لم يبق بأيدي أهل هذا الشأن منه إلا القليل، وللكلام في هذا الموضوع موضعٌ آخر، وهذا النوعُ المعتذر عنه في هذا المجموع قليل، وربما نبهتُ على بعضه. وكتبتُ هذه الأحاديث مختصرة الأسانيد؛ لتسهل على من أراد حفظها، وتقرب على من أراد التفقه فيها، والنظر في معانيها، إذ التفقه في حديث رسول الله ﷺ هو المعنى القصود، والرأي المحمود، والعمل الموجود في المقام المحضور، واليوم المشهود. وإلى الله- أرغبُ في أن يجعلَ ذلك خالصاً لوجهه، مُدنياً من رحمته، مقرِّباً إلى جنَّته، مُعيناً على أداء ما أوجب، منهضاً إلى ما فيه رغَّب، وإليه نَدَب، برحمته، لا رب سواه، وهو المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 71

باب في الإِيمان مسلم (١)، عن يَحيىَ بن يَعمَرَ قال: كان أوَّل من قال في القَدَرِ (٢) بالبَصرِة مَغبَد الجُهنَي، فانطلقت أنا وحُميد بن عبد الرحمن الحِمْيَرِي حَاجَّين أو مُعتمِرين فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فسألنَاه عمَّا يقُولُ هؤلاءِ في القَدر. فَوُفَق لنا (٣) عبد الله بن عمر بن الخطاب داخِلاً المسجد. فاكتنفتُه أنا وصاحبي (٤). أحدُنا عن يمينه والآخر عن شماله فظننتُ أن صاحبي سَيَكلُ الكلامَ إليَّ. فقلتُ: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قِبَلَنا ناسٌ يقرؤن القرآن ويتقفرون العلمَ (٥). وذكر من شأنِهم (٦). وأنَّهم يزعُمُون ألاَّ قَدَرَ، وأنَّ الأمرَ أُنُفٌ (٧). فقال: إذا لقيتَ أولئكَ فأخبرهُم أنِّي بريء منهما، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لِأحدِهم مثل أُحُدٍ ذهباً فأنفقهُ (٨)، ما قَبِلَ الله منه حتى يُؤمن بالَقدر.

стр. 72

ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب، قال: "بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يومٍ، إذ طلع علينا رجُلٌ شديدُ بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السئَفر، ولا يَعرِفُه منَّا أحد، حتى جلسَ إلى النبي ﷺ . فأسند رُكبَتيهِ إلى رُكبتَيْهِ (١) وَوَضَعَ كفيه على فخذيه (٢) وقال: يا مُحمد! أخبرني عن الإِسِلام. فقال رسول الله ﷺ : الإِسلام أنْ تشهدَ أنْ لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتُقيمَ الصلاة، وتُؤتيَ الزكاة، وتصُوم رَمضان، وتحُجَّ البيتَ إن استطعتَ إليه سبيلا. قال: صدقتَ. قال؛ فعجِبنا له (٣)، يَسأَلُه ويُصدقه. قال: فأخبرني عن الإِيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإِحسان. قال: أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك. قال: فأخبرني عن السَّاعِة؟. قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل.

стр. 73

قال: فأخبرني عن أَمَارتِهَا (١). قال: أن تلدَ الأمةُ ربتها (٢)، وأن ترى الحُفَاةَ العُراةَ العَالَةَ، رعاءَ الشاءِ، يتطاولون في البُنيان (٣). قَال: ثُمَّ انطلقَ، فلَبِثَ مَلِياً (٤) ثمَّ قال لي: يا عُمَر! أتدري من السَّائل؟. قلتُ: الله ورسولُه أعلم. قال: فإنّه جبريلُ أتاكم يعلمُكُم دينَكم". معنى يتقفَّرُون: يتبعون ويجمعون. وفي حديث أبي هريرة (٥): "ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسَأحدثُك عن أشراطِها، إذا رأيتَ المرأة تلدُ رَبَّها، فذاكَ من أشراطِها، وإذا رأيتَ الحُفاة العُراة، الصُّمَّ البُكم (٦) , ملوكَ الأرض فذاك من أشراطِها، وإذا رأيتَ رِعَاءَ البَهْمِ يتطاولون في البُنيان فذاك من أشراطِها، في خَمس من الَغَيبِ لا يَعلمُهُنَّ إلا الله. ثم قرأً: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ

стр. 74

الله عليم خبير (١)﴾ (٢) إلى آخر السورة (٣). ثم قامَ الرَّجل، فقال رسول الله ﷺ : رُدُّوه عليَّ، فالْتُمِسَ فلم يَجدُوه. فقال رسول الله ﷺ : هذا جبريل أرادَ أن تعلَّموا (٤) إِذْ لم تسألُوا". وفي طريق آخر عن أبي هريرة (٥) أيضاً "وتقيمَ الصلاةَ المكتُوبة وتؤدِّي الزكاةَ المفرُوضة". وعن ابن عباس (٦) قال: إنّ وفدَ عبدِ القيس أتَوا رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : "من الوفدُ؟ أو من القوم؟ ". قالوا: ربيعة. قال: مرحباً بالقوم أو بالوفد غيرَ خَزايا ولا النَّدامى. قال: فقالوا: يا رسول الله، إنّا نأتِيك من شُقَّة بعيدة (٧)، وإنَّ بيننا وبينك هذا الحيُّ من كفًار مُضَر، وإنَّا لا نستطيعُ أن نأتيكَ إلا في شهر الحرام، فَمُزنا بأمرٍ فصل، نخبرُ به مَنْ وراءنا، نَدْخُلُ بهِ الجنَّة.

стр. 75

قال: فأمرهم بأربع، ونهاهُم عن أربعٍ. قال: أمرهم بالإِيمان بالله وحده، وقال: هل تدرون ما الإيمان بالله وحده (١) قالوا: الله ورسولُه أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاة، وصومُ رمضان، وأن تُؤدُّوا خُمُسا من المَغْنَمِ، ونهاهم عن الدُّباء (٢) والْحَنتَمْ (٣) والُمزَفَّت (٤)، والنَّقِير (٥) وربما قال المُقَيَّرِ (٦). وقال: احفظوه وأخبروا به من وَرَائكُمْ. وعن ابن عباس (٧)، أن معاذاً قال: بعثني رسول الله ﷺ فقال: "إنّك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعُهُم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خَمسَ صلواتٍ في كل يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك،
следующие страницы →