مفهوم تجديد الدين
تأليف
الدكتور بسطامي محمد سعيد
طبع على نفقة
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر
مركز التأصيل للدراسات والبحوث
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
مفهوم تجديد الدين
стр. 4
طبع على نفقة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية دولة قطر
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م
مركز التأصيل للدراسات والبحوث
المملكة العربية السعودية - ص. ب ١٨٧١٨ جدة ٢١٤٢٥
هاتف: ٢٦٢٨٨٦٨٥ (٩٦٦+) فاكس: ٢٢٧١٨٢٣٠ (٩٦٦+)
http://www.taseel.com/ - taseel@taseel.com
стр. 5
مقدمة لكتاب مفهوم تجديد الدين
الحمد لله حمدًا يوافي نعمه، والصلاة والسلام على أشرف خلقه وخاتم رسله، وبعد:
فإن علماء الإسلام قد خلفوا لنا تراثًا علميًا ضخمًا، متعدد المناحي، وما يزال معظم هذا التراث مخطوطًا لم ير النور، ولم يتعرف عليه الباحثون، رغم ما فيه من المعاني الدقيقة والأفكار العميقة التي تخدم واقعنا المعاصر وتنير السبل لأمتنا في مجالات الفكر والتشريع والثقافة، ويقدر بعض الخبراء أن ما بقي مخطوطًا من تراث علماء الإسلام يربو على ثلاثة ملايين عنوان، تقبع في زوايا المكتبات، وظلام الصناديق والأقبية، حتى إن بعضها لم يفهرس فهرسة دقيقة فضلًا عن النشر. فكان من المهم في هذه المرحلة أن تتجه الجهود لتقويم هذا التراث واستجلاء ما ينفع الناس منه في عصرنا، ثم العمل على تحقيقه ونشره.
وإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر -وقد وفقها الله لأن تضرب بسهم في إحياء هذا التراث- لتحمد الله على أن ما أصدرته من نفائس التراث قد نال الرضا والقبول من أهل العلم في مشارق الأرض ومغاربها.
والمتابع لحركة النشر العلمي لا يخفى عليه جهود دولة قطر في خدمة تراث الأمة منذ ما يزيد على ستة عقود، وقد جاء مشروع إحياء التراث الإسلامي الذي بدأته الوزارة منذ ست سنوات امتدادًا لتلك الجهود وسيرًا على تلك المحجة التي عُرفت بها دولة قطر.
ومنذ انطلاقة هذا المشروع المبارك يسر الله -جلَّ وعلا- للوزارة إخراج مجموعة من أمهات كتب العلم في فنون مختلفة تُطبع لأول مرة، ففي تفسير
стр. 6
القرآن الكريم أصدرت الوزارة تفسير الإمام العُليمي "فتح الرحمن في تفسير القرآن" وفي علم الرسم أصدرت كتاب "مرسوم المصحف" للإمام العُقيلي ونحن بصدد إصدار جديد متميز للمحرر الوجيز لابن عطية مقابلًا على نسخ خطية عدة.
وفي السُّنَّهَ أصدرت الوزارة كتاب "التوضيح شرح الجامع الصحيح" لابن الملقن، و"حاشية مسند الإمام أحمد" للإمام السندي، و"شرحين لموطأ مالك لكل من القنازعي والبوني"، و"شرح مسند الشافعي" للإمام الرافعي، و"نخب الأفكار شرح معاني الآثار" للبدر العيني إضافة إلى صحيح ابن خزيمة بتحقيقه الجديد المُتقن.
وأخيرًا صدر عن الوزارة كتاب: "التقاسيم والأنواع" للإمام ابن حبان، وكذا "مطالع الأنوار" لابن قرقول، وهما ينشران لأول مرة، وهناك مشاريع أخرى يُعلن عنها في حينها.
وفي الفقه أصدرت الوزارة: "نهاية المطلب في دراية المذهب" للإمام الجويني الذي حققه وأتقن تحقيقه عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي أ. د. عبد العظيم الديب -رحمه الله تعالى-، وكتاب "الأوسط" لابن المنذر بمراجعة دقيقة للدكتور عبد الله الفقيه عضو اللجنة، وكتاب "التبصرة" للخمي، و"حاشية الخلوتي" في الفقه الحنبلي، وكتاب "الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان الفاسي، وفي الطريق إصدارات أخرى مهمة تمثل الفقه الإسلامي في عهوده الأولى.
وفي السيرة النبوية أصدرت الوزارة الموسوعة الإسنادية "جامع الآثار" لابن ناصر الدين الدمشقي.
وفي العقيدة والتوحيد أصدرت الوزارة كتابًا نفيسًا لطيفًا هو "الاعتقاد" لابن العطار تلميذ النووي -رحمهما الله-.
ولم نغفل عن إصدار دراسات معاصرة متميزة من الرسائل العلمية وغيرها فأخرجنا "القيمة الاقتصادية للزمن" و"نوازل الإنجاب" وفي الطريق -بإذن الله تعالى- ما تقر به العيون من دراسات معاصرة في القرآن والسُّنَّة، ونوازل الأمة.
ونقدم اليوم للقراء كتابًا مبتكرًا في موضوعه، جديدًا في طرحه، هو كتاب "مفهوم تجديد الدين" فهو كتاب يؤرخ لأصحاب العلامات البارزة في تجديد
стр. 7
مسيرة الدين وموضعه من الفكر الإنساني وأثره في حياة الأشخاص والمجتمعات والأمم، سواء كان هذا التجديد للأحسن والأفضل شكلًا ومضمونًا أم كان تجديدًا للأحسن بحسب الدعوى وفيه من الزيغ ما فيه.
كما تناول حركات التجديد المغرضة التي حامت حول ثوابت الدين وفروعه للنيل منها بدعوى التطوير مجاراة للغرب في علمانيته.
وتطرق الكتاب لمظاهر الانحراف في العقائد التي خرجت عن الجادة، من جراء تعاطي الفلسفات الباطلة، وانسياق بعض من ينتسبون إلى الدين وراء تلك الأفكار المصادمة للعقيدة الصحيحة الصافية.
فهذه الدراسة تشتد إليها الحاجة في موضوع مدحضة مزلة لأن تجديد الدين لا يكون إلا وفق أصوله بلا تشويه أو مزايدة.
أما دعاوى التجديد المرتجل الذي يجعل من مقاصد الشريعة بحرًا خضمًا تلقى فيه النصوص وتهدر فيه اجتهادات أئمة الإسلام فليس بتجديد محمود بل تبديل للشريعة وعبث بأحكامها.
ولا يفوتنا التنويه بالجهود المتميزة لمركز التأصيل للدراسات والبحوث الذي يشرفنا التواصل والتعاون العلمي معه.
ونشكر القائمين عليه ونسأل الله أن يجعلنا وإياهم من المتعاونين في سبيل نهضة الأمة وتقوية بنيانها العلمي والفكري.
стр. 8
مفهوم تجديد الدين
تأليف
الدكتور بسطامي محمد سعيد
طبع على نفقة
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية - دولة قطر
стр. 9
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 10
مفهوم تجديد الدين
стр. 11
طبع على نفقة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية دولة قطر
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م
مركز التأصيل للدراسات والبحوث
المملكة العربية السعودية - ص. ب ١٨٧١٨ جدة ٢١٤٢٥
هاتف: ٢٦٢٨٨٦٨٥ (٩٦٦+) فاكس: ٢٢٧١٨٢٣٠ (٩٦٦+)
http://www.taseel.com/ - taseel@taseel.com
стр. 12
المقدمة
من المفاهيم التي يحتاج إلى تحديد معناها بدقة مفهوم تجديد الدين، ذلك أن الاضطراب في فهم معناه يقود إلى انحرافات خطيرة. وهناك طائفة من الأسئلة تثار في هذا الصدد؛ هل كل رأي جديد في الدين هو تجديد له؟ ما الحدود الفاصلة بين الجديد المقبول والجديد المرفوض؟ ما علاقة التجديد بالتطور، أهما مترادفان أم بينهما فروق؟ وفي ضوء مواجهة الإسلام للحضارة الغربية المعاصرة كيف تتم الملاءمة بين الفكر الإسلامي والعصر الحاضر؟ وهل لذلك أثر في بلورة مفهوم التجديد؟
لقد جاءت الإجابة على هذه الأسئلة من اتجاهات عديدة، ولا ريب أن بعضها صائب وبعضها مخطئ. والدراسة التي تقدمها الصفحات التالية تسعى للبحث في هذه الاتجاهات والمفكرين الذين من ورائها، وتسعى للبحث عن مفهوم التجديد السليم وتمييزه عن المفاهيم الخاطئة، وبيان مجالاته وآثاره.
ولما كان مصطلح تجديد الدين مصطلحًا إسلاميًا نشأ من حديث مروي في ذلك، وهو قول الرسول ﷺ : "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"؛ اتجه البحث أول ما اتجه إلى تحقيق هذا الحديث الأصل
стр. 13
الذي نشأ منه المصطلح، واتجه إلى جذور كلمة التجديد في اللغة واستعمالات القرآن والحديث لهذه الكلمة. ولا ريب أن مفهوم التجديد السليم هو الذي كان يقصده النبي ﷺ حين أعلن لأصحابه -رضوان الله عليهم- عن نبوءة بعث مجدد لكل قرن، وأحق الناس بتوضيح هذا المفهوم هم السلف الذين تلقوا هذا الحديث ونقلوه للأجيال اللاحقة لفظًا ومعنى. ولهذا كانت الخطوة الثانية في هذا البحث أن أجمع ما عسى أن يوجد من أقوال في عصور السلف عن التجديد، ومن تعريفاتهم وآرائهم يمكن أن يتضح لنا مجمل تصورهم لحقيقة التجديد ومَن المجدد. والمصدر الثاني لمعرفة ماهية التجديد أن ننظر في أعمال وجهود من سمَّاهم المؤرخون مجددين، وبتحليل ما قاموا به من أعمال وتصنيفها يزداد معنى التجديد ومجالاته ظهورًا ووضوحًا.
ومن المفاهيم الشائعة للتجديد مفهوم نشأ في هذا العصر نتيجة لمواجهة الدين لحضارة الغرب اللادينية. فقد نشأت في الغرب في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي حركة لتجديد الدين وتطويره ليكون ملائمًا لمتغيرات العصر. وقد نشأت هذه الحركة داخل شقي النصرانية: الكاثوليكية والبروتستانتية، وأطلق على هذه الحركة في الغرب اسم العصرانية (modernism)، كما شهدت اليهودية اتجاهات متماثلة في الفكر والمبادئ والأهداف. وفي العالم الإسلامي أدى الصراع بين الإسلام والحضارة الغربية إلى ظهور نزعات متشابهة لتلك التي ظهرت في الغرب.
فما هي العصرانية؟ وما مفهوم التجديد الذي تطرحه؟
لقد اقتضت الإجابة على ذلك تتبع تاريخ الحركة في الغرب، وفي اليهودية والنصرانية، ثم رصد أفكار القادة والكُتَاب الذين حملوا لواء الفكرة من المسلمين.
وبعد عرض آرائهم جاء النقد والتقويم وبيان مواضع الخطأ والصواب. وهكذا انقسم البحث إلى ثلاثة أبواب: باب عن المفهوم السُّنِّي للتجديد، وباب عن مفهومه عند العصرانية، وباب في نقد هذا المفهوم العصراني، مع مقدمة وخاتمة. وتحت كل باب من هذه الأبواب فصول بيانها كالآتي:
الباب الأول: المفهوم السُّنِّي للتجديد.
الفصل الأول: تعريف التجديد وضوابطه.
стр. 14
الفصل الثاني: نماذج من جهود المجددين.
الباب الثاني: مفاهيم التجديد الخاطئة.
الفصل الأول: مفهوم التجديد عند العصرانية في الغرب.
الفصل الثاني: مفهوم التجديد عند العصرانية في العالم الإسلامي (الطبقة الأولى من المفكرين).
الفصل الثالث: مفهوم التجديد عند العصرانية في العالم الإسلامي (الطبقة الثانية من المفكرين).
الفصل الرابع: إعجاب الغرب بالعصرانية في العالم الإسلامي.
الباب الثالث: مفهوم التجديد العصراني في ميزان النقد.
الفصل الأول: نقد المبادئ العامة.
الفصل الثاني: نقد المبادئ التفصيلية.
الخاتمة.
* * *
وقد كان هذا البحث في الأصل رسالة نشرت في كتاب كتب الله له أن يشتهر ويتداول. وقد قمت الآن بتنقيح البحث الأول وأضفت إليه إضافات وتعديلات طفيفة، وأحمد الله على توفيقه وتيسيره، وأسأله تعالى أن يوفق لأن يخدم البحث الهدف الذي من أجله كتب وهو بيان المفهوم الصحيح للتجديد.
وبسم الله أبدأ وبه أستعين وعليه أتوكل وله الحمد أولًا وآخرًا.
د. بسطامي محمد سعيد خير
-الخرطوم-
شعبان ١٤٣٣ هجرية (يوليو ٢٠١٢)
стр. 15
الباب الأول المفهوم السُّنِّي للتجديد
стр. 16
الفصل الأول تعريف التجديد وضوابطه
стр. 17
الفصل الأول تعريف التجديد وضوابطه
أصل كلمة التجديد:
تجديد الدين هو أحد المصطلحات الإسلامية؛ والمصطلحات الإسلامية هي كلمات عربية الأصل، استعملت في القرآن، أو في السُّنَّة، أو عند العلماء إما في نفس معناها اللغوي؛ أو أعطيت معنى خاصًا قوي الصلة بمعناها اللغوي. فمثلًا الصلاة فإنها مشتقة لغويًا -في أرجح الأقوال- من الدعاء (١)، ولكنها أصبحت ذات مدلول خاص في القرآن وفي السُّنَّة.
وإذا كانت غاية هذا البحث هي تجلية مفهوم التجديد وتوضيحه، فإن البحث يتجه أول ما يتجه إلى أصل معنى كلمة "تجديد" في اللغة، وفي استعمالات القرآن والحديث لهذه الكلمة.
الحديث الأصل:
نشأ مصطلح التجديد من حديث صحيح من لفظ النبي ﷺ ، فقد روى أَبو داود في سننه، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال:
стр. 18
"إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" (١).
ورواه أيضًا الطبراني في كتاب المعجم الأوسط، ورواه الحاكم في كتاب المستدرك، ورواه البيهقي في كتاب المعرفة، كلهم عن أبي هريرة ﵁.
وهو حديث صحيح، صححه من الأئمة المتقدمين الحاكم والبيهقي، ومن الأئمة المتأخرين الحافظ العراقي وابن حجر والسيوطي (٢)، ومن المعاصرين ناصر الدين الألباني (٣).
التجديد لغة:
جاء في معاجم اللغة (٤) عن مادة جدد ما يأتي:
تجدد الشيء؛ يعني: صار جديدًا، وجدده؛ أي: صيَّره جديدًا وكذلك أجدَّه واستجدّه. والجديد هو نقيض الخلق، والجدة -بالكسر- هي مصدر الجديد وهي نقيض البلى، ويقال: "بلي بيت فلان ثم أجدّ بيتًا من شعر"، ويقال لمن لبس ثوبًا جديدًا: "أبل وأجد واحمد الكاسي".
والأصل في هذا المعنى القطع، يقال: جددت الشيء فهو مجدود وجديد؛ أي: مقطوع، ومن هذا قولهم ثوب جديد: "وهو في معنى مجدود"؛ أي: كأن ناسجه قطعه الآن. هذا هو الأصل، أما ما جاء منه في غير ما يقبل القطع فعلى المثل من ذلك؛ كقولهم جدد الوضوء وجدد العهد.
وكذلك سمي كل شيء لم تأت عليه الأيام جديدًا، فالجديدان والأجدان هما الليل والنهار لأنهما لا يبليان أبدًا.
ومن النقول السابقة يمكن القول إن التجديد في أصل معناه اللغوي يبعث في الذهن تصورًا تجتمع فيه ثلاثة معان متصلة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر، ويستلزم كل واحد منها المعنى الآخر.
стр. 19
أولها: أن الشيء قد كان في أول الأمر موجودًا وقائمًا وللناس به عهد.
وثانيها: أن هذا الشيء أتت عليه الأيام فأصابه البلى وصار قديمًا خلقًا.
وثالثها: أن ذلك الشيء قد أعيد إلى مثل الحالة التي كان عليها قبل أن يبلى ويخلق. فقد جاء صريحًا في النقول السابقة أن الجديد نقيض الخلق، وأن الجِدّة نقيض البلى، فيكون معنى جدد الشيء صيَّره جديدًا غير خلق ولا بال. فهناك ثلاثة عناصر: شيء بال وخلق، قد كان غير بال ولا خلق، يجدد بأن يعاد إلى مثل حالته الأولى.
وتزيد الأقوال المذكورة هذا المعنى وضوحًا، فقولهم: "بلي بيت فلان ثم أجد بيتًا من شعر"، ففلان هذا قد كان له بيت، فصار قديمًا وقد يكون تهدم بعضه، فاستحدث بيتًا مثله. وقولهم لمن لبس ثوبًا جديدًا: أبل وأخلق، رغبة له أن يعيش فيبلي ما لبسه من ثوب، ثم بعد أن يبلى ويخلق، يجدد باتخاذ ثوب آخر مثل الثوب الأول نوعًا وجنسًا.
أما قولهم جدد الوضوء، وجدد العهد، فهو أظهر في الدلالة على أن التجديد يتضمن معنى الإعادة، فتجديد الوضوء يعني إعادته وتجديد العهد هو تكراره تأكيدًا.
كلمة (جديد) في القرآن:
لم يأت في القرآن لفظ جدد أو لفظ التجديد، ولكن قد جاءت فيه كلمة جديد، وسيفيدنا استعمال القرآن الكريم لهذه الكلمة في استجلاء معنى التجديد.
من الآيات في ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٤٩ - ٥١]. فهؤلاء يقولون إنهم لن يكونوا خلقًا جديدًا، أو بعبارة أخرى لن يجدد خلقهم بعد أن يبلوا ويصيروا عظامًا مفتتة مكسرة -والرفات في اللغة هو ما تكسر وبلي من كل شيء- فيقول الله ردًا عليهم: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠)﴾؛ أي: لو كنتم حجارة أو حديدًا لأعادكم كما بدأكم ولأماتكم ثم أحياكم. قال مجاهد: المعنى كونوا ما شئتم فستعادون (١).
стр. 20
فمن هذه الآية يتضح بجلاء لا لبس فيه أن تجديد الخلق هو بعثه وإحياؤه وإعادته.
ويتكرر هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾ [سبأ: ٧]. يقول القرطبي في شرح هذه الآية: أي هل نرشدكم إلى رجل ينبئكم ويقول لكم أنكم مبعوثون بعد البلى في القبور. ومعنى مزقتم كل ممزق: أي: فرقتم كل تفريق، والمزق خرق الأشياء (١).
وفي قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠] يقول القرطبي: ضللنا أصله من قول العرب ضل الماء في اللبن إذا ذهب، والعرب تقول للشيء غلب عليه غيره حتى خف فيه أثره: قد ضل (٢)، فتجديد الخلق هنا أيضًا هو إحياؤه وبعثه بعد أن ذهب وعفا أثره واندرس.
وفي معنى هذه الآية أيضًا قوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ [ق: ١٥]، وهذا توبيخ لمنكري البعث يقال: عييت بالأمر إذا لم تعرف وجهه (٣)؛ فالله لم يعجز عن خلق الناس أول مرة، فكيف يعجز عن إحيائهم ثانية. ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ أي: في حيرة من البعث. ففي هذه الآية إشارة إلى المراحل الثلاث: خلق أول وحياة أولى، ثم موت وبلى، ثم بعث وإحياء، وإعادة وتجديد، فإذا الخلق خلق جديد.
كلمة تجديد في الحديث:
بين أيدينا بعض الأحاديث التي جاء فيها استعمال كلمة تجديد (٤).
الأول: قال رسول الله ﷺ : "إن الايمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب؛ فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم" (٥).
стр. 21
في هذا الحديث نلمح المعاني الثلاثة المترابطة التي ترد إلى الذهن عند ذكر التجديد، فهناك إيمان قد دخل قلب صاحبه واستقر فيه، ثم هو لا يستمر على حالة واحدة، بل هو ينقص ويخلق مثل الثوب الذي يبلى ويخلق، ثم هو يرجى بالدعاء أن يتجدد في القلب بأن يعود إلى مثل حالته الأولى أو أفضل.
الحديث الثاني: روى أحمد بن حنبل عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "جددوا إيمانكم"، قيل: يا رسول الله، وكيف نجدد إيماننا؟ قال: "أكثروا من قول لا إله إلا الله" (١).
وفي هذا الحديث يتكرر لفظ تجديد الإيمان ويشار إلى أن تجديده يكون بالإكثار من قول لا إله إلا الله، إذ أن شهادة لا إله إلا الله، هي علامة الإيمان، وكلما أعاد المرء هذه الشهادة أعاد تأكيد ما دخل في قلبه أول مرة.
الحديث الثالث: روى أحمد بن حنبل عن النبي ﷺ : "ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها -وفي رواية: قدم عهدها- فيحدث لذلك استرجاعًا، إلا جدد الله له عند ذلك؛ فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب بها" (٢).
هذا الحديث عن مسلم، أو مسلمة، أصيب بمصيبة، ولكنه صبر عليها واسترجع حين وقوعها قائلًا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وبعد أن مضى عليها وقت ذكرها، فإذا أحدث عند ذكرها استرجاعًا وجدده، شكر الله له صنيعه ذلك وجدد له الثواب، وعاد إلى إعطائه مثل ما أعطاه من أجر يوم أصيب بها. ومن ثنايا المعاني التي يشير إليها هذا الحديث نلمح معنى التكرار والإعادة الذي يتضمنه تجديد الثواب كلما أعيد الاسترجاع.
الحديث الرابع: روى أحمد بن حنبل عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا الدهر، فإن الله قال: أنا الدهر، الأيام والليالي لي أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك" (٣).
وفي هذا الحديث يرد لفظ تجديد الأيام والليالي، فالأيام والليالي تذهب وتعود، فكلما ذهب يوم فقد بلي، وكلما عاد يوم مثله فقد تجدد.
стр. 22
التجديد يعني الإحياء والإعادة:
من مجموع ما جاء سابقًا من استعمال كلمة تجديد في اللغة وفي القرآن وفي الحديث، يتضح أن كلمة التجديد تدل على الإحياء والبعث والإعادة، وأن هذا المعنى يكون في الذهن تصورًا من ثلاثة عناصر: وجود وكينونة، ثم بلى ودروس، ثم إحياء وإعادة.
آراء السلف عن التجديد:
المفهوم السليم للتجديد هو ذلك المعنى الذي كان يقصده الرسول ﷺ ، حين أخبر أصحابه بنبوءة بعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد للأمة دينها، وأحق الناس بتوضيح المفهوم النبوي الكريم لهذا المصطلح هم السلف.
وكلمة سلف معناها في الأصل تقدم، فالسلف هم الجماعة المتقدمون، وسلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته، ولهذا سمي الصدر الأول من الصحابة والتابعين السلف الصالح (١)، وأصبح لفظ السلف مصطلحًا يقصد به الصحابة -رضوان الله عليهم-، والتابعون لهم بإحسان، وأتباعهم، ومن تلاهم من أئمة الدين ممن شهد له بالإمامة وعرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامه بالقبول، ولم يرم بانحراف أو بدعة (٢).
وقد تناثرت آراء السلف عن التجديد في كتب الحديث وشروحها، وكتب الطبقات والتراجم، وقد أراد الإمام ابن حجر (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ) أن يفرد هذا الموضوع بالتأليف، وأبدى هذه الرغبة قائلًا: "لعل الله إن فسح في المهلة أن يسهل لي جميع ذلك في جزء مفرد" (٣)؛ ولكن لم أعثر على شيء من ذلك، ولعل الكتاب مفقود منذ زمن بعيد (٤)، أو لعله لم ير النور. وللسيوطي (ت ٩١١ هـ) وريقات عن المجددين بعنوان: "التنبئة فيمن بعثه الله على رأس كل مائة" (٥).
стр. 23
ولأن مصطلح التجديد نشأ عن الحديث النبوي المروي في ذلك، فإن كتب الحديث التي خرّجت هذا الحديث وشروحها قد تضمنت طائفة من الآراء حول التجديد، ومن تلك الكتب كتاب سنن أبي داود (ت ٢٧٥ هـ) وشروحه، وكتاب جامع الأصول لابن الأثير (٥٤٤ - ٦٠٦ هـ)، وكتاب الجامع الصغير للسيوطي وشروحه.
أما كتب التراجم والطبقات فقد كانت المجال الثاني الذي أبرز فيه السلف فكرتهم عن التجديد، وذلك عند تناولهم لسيرة أحد المجددين، ومن الأمثلة على ذلك كتاب ترجمة أبي الحسن الأشعري لابن عساكر (٤٩٩ - ٥٧١ هـ) وعنوانه: "تبيِّين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أَبو الحسن الأشعري"، وكتاب "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي (٧٢٧ - ٧٧١ هـ)، وكتاب ترجمة الإمام الشافعي للإمام ابن حجر وعنوانه: "توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس"، وكذلك قد ذكر أن زين الدين العراقي (٧٢٥ - ٨٠٦ هـ) قد تناول هذا الموضوع في ترجمته للغزالي في أول تخريجه لأحاديث كتاب "إحياء علوم الدين" (١).
وغني عن الذكر أن هذه الكتب والاقتباسات التي تضمها ليست هي المواضع الوحيدة التي أتيح فيها للسلف أن يتحدثوا عن التجديد، فقد مس بعضهم الموضوع مسًا عابرًا هنا وهناك في ثنايا كتاباتهم، ومن أمثلة ذلك ابن كثير (٧٧٤ هـ) كتب سطورًا عن ذلك في كتابه "شمائل الرسول ودلائل النبوة". وقد كان هذا الاقتضاب في تناول هذه القضية هو الطابع العام لكتابات السلف عن التجديد، وأكثر كتاباتهم لا تتجاوز ورقات قليلة.
وكذلك كانت عنايتهم موجهة في المقام الأول إلى بيان آرائهم حول من يصلح أن يحوز لقب مجدد. وتذكر المصادر أن الاهتمام بهذه الناحية قد وجد منذ زمن مبكر عند السلف؛ فالإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت ١٢٤ هـ) مثلًا قد أبدى رأيه فيمن هو مجدد القرن الأول، وشاع عنه هذا الرأي حتى أنه ليعد من أوائل الذين أثاروا الاهتمام بهذا الأمر. والإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) يسوق مروياته لحديث التجديد بطرقها المختلفة، ثم يذكر من يرى أنه مجدد القرن الأول ومجدد القرن الثاني. وكل هذا يشعر أن الحديث كان
стр. 24
مشهورًا في ذلك العصر (١).
وقد صح أيضًا أن حديث التجديد قد ذكر في مجلس أبي العباس ابن سريج من فقهاء الشافعية في القرن الثالث الهجري، فقام شيخ من أهل العلم من الحاضرين وأنشد بعض الأبيات، تضمنت أسماء مجددي القرن الأول والثاني والثالث. وتنشد هذه الأبيات نفسها في مجلس أبي عبد الله الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) وتضاف إليها أبيات أخرى تتضمن اسم مجدد القرن الرابع، ويجعل السبكي ذلك كله مطلعًا لقصيدة له من عشرين بيتًا نظم فيها أسماء المجددين (٢).
ولعل ذلك ما حدا بالسيوطي لأن يؤلف أرجوزة صغيرة من ثمانية وعشرين بيتًا أسماها "تحفة المهتدين بأخبار المجددين" (٣).
وهكذا وبالرغم من أن السلف قد تحدثوا قليلًا عن التجديد، إلا أننا نجد آراء لهم تمثل أغلب العصور الإسلامية، حتى أنه ليمكن القول إن هذه المسألة كانت في كل قرن من المسائل العلمية التي يدور عنها الحديث في مجالس العلماء، وأنها كانت أحد موضوعات بحثهم وكانوا يتداولون فيما بينهم الآراء عنها. وبمراجعة الأسماء التي ورد ذكرها فيما سبق ممن لهم آثار في هذا الموضوع، وأكثرهم من الأقلام المشهورة، يظهر كيف أنه لم يخل عصر ممن تناول هذه المسألة.
تعريف التجديد:
لا يمكن أن أسمي ما تجمَّع عندي من أقوال السلف عن معنى التجديد تعريفًا محددًا بالمعنى الاصطلاحي لكلمة تعريف. وإن كان هذا لا ينبغي أن يقلل من شأن النقول التي سيأتي ذكرها، والتي تلقي أضواء على تصورهم لماهية التجديد، كما هي عادتهم في كثير من المسائل، وإذا كان لهذه الظاهرة من تفسير
стр. 25
فلعل مرد ذلك أن معنى التجديد كان واضحًا في أذهانهم، ولم يختلط كما اختلط على بعضنا اليوم. فقضية تعريف التجديد وشرح معناها لم تنل عندهم الاهتمام الذي ناله تعداد المجددين وتسميتهم كما سبقت الإشارة إلى ذلك. فالسؤال الذي كان قائمًا في أذهانهم والذي تركزت كتاباتهم حول الإجابة عليه لم يكن ماهية التجديد، بقدر ما كان من المجدد لكل قرن. وإن كان من الممكن اعتبار تعداد المجددين نوعًا من التعريف للتجديد؛ لأن تعريف الشيء قد يكون بذكر خصائصه، وقد يكون بذكر أفراده؛ إلا أنه من الواضح أن بيان خصائص التجديد لا غنى عنه إذا أردنا أن يكون بين أيدينا تصور لا لبس فيه ولا غموض عن ماهية التجديد.
ولكن هذا لا يعني أن السلف أهملوا هذه الناحية تمامًا، فإن أقوالهم لم تغفل الإشارة إلى معنى التجديد، وإن كان ذلك يأتي أحيانًا عرضًا وفي ثنايا الكلام، ولم يطلق عليه أحد منهم أنه تعريف للتجديد. ولكن هذه الأقوال مع ذلك ذات قيمة كبيرة ويمكن بعد عرضها أن نخرج منها بفكرة يمكن اعتبارها نظرة السلف إلى حقيقة التجديد.
التجديد هو الإحياء والإعادة:
انتهت بنا المباحث الخاصة بأصل كلمة تجديد في اللغة، واستعمالات تلك الكلمة في القرآن والحديث إلى أن التجديد يعني في الأصل الإعادة، وعلى هذا يمكن المبادرة بالقول إن تجديد الدين هو إعادته إلى مثل الحالة التي كان عليها في أول عهده. هذا هو الإطار العام لمعنى التجديد. ومن عبارات السلف التي تبرز هذا المعنى المجمل للتجديد هذه العبارة: يقول أَبو سهل الصعلوكي (ت ٣٨٧ هـ): "أعاد الله هذا الدين بعد ما ذهب -يعني: أكثره- بأحمد بن حنبل وأبي الحسن الأشعري وأبي نعيم الاستراباذي" (١). ونلمح من هذه العبارة أن الدين قد كان تامًّا ومكتملًا، ثم أخذ يعتريه النقص وذهب أكثره، فأعاده هؤلاء إلى قريب من حالته في عهد السلف الأول. وليس الحديث هنا عن مدى صدق هذه العبارة فيما تنسبه من إعادة الدين إلى هؤلاء الذين سمتهم، فإن الحديث عن
стр. 26
ذلك قضية أخرى، ولكن الذي تتأكد أهمية إبرازه من هذه العبارة هو مطابقتها للمعنى اللغوي للتجديد بالتصورات الثلاثة التي تصاحب هذا المعنى (١).
ويمكن صياغة تعريف للتجديد من عبارة أبي سهل الصعلوكي هذه على النحو التالي:
"تجديد الدين هو إعادته إلى ما كان عليه في عهد السلف الأول"؛ ولكن كما هو واضح أن هذا هو المعنى العام للتجديد، ولا بد لهذا العموم من تفصيل، وقد تباينت وجهات نظر السلف لهذا التفصيل، وإن كانت كلها لا تخرج عن هذا الإطار العام.
تفصيل معنى التجديد:
جاء في أحد النقول أن معنى تجديد الدين هو إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسُّنَّة والأمر بمقتضاهما (٢)، وهذا القول يفصح ابتداء أن هناك اندراسًا وإحياءً. ودرس الشيء؛ يعني: أنه محي وعفا أثره، فالتجديد هو الإحياء بعد الدروس والذهاب، ولا أريد أن أكرر القول في هذا المعنى. ولكن الذي يضيفه هذا القول هو ماذا يندرس وماذا يحيا، فالذي يندرس هو الكتاب والسُّنَّة والعمل بهما، ولهذا قلت: إن هذه العبارة هي كالتفصيل لمعنى إعادة الدين، فهي لا تكتفي فقط بالإشارة إلى أن هناك نقصًا في الدين وأن تجدده؛ يعني: إحياء وإعادة ما نقص، ولكنها تذهب إلى تفصيل ذلك.
والكتاب والسُّنَّة هما أصل الدين، ويمكن القول إن الدين هو مجموع العلم بالكتاب والسُّنَّة والعمل بهما. ويشمل العلم بنصوصهما وألفاظهما، والعلم بمعاني تلك النصوص والألفاظ. ومن البداهة القول إن العمل يستند على هذا العلم. ومن هذا فإن ما يندرس من الكتاب والسُّنَة بهذا الاعتبار ثلاثة أمور: نصوص الكتاب والسُّنَّة أو معاني تلك النصوص أو العمل بها.
أما النصوص فلا شك أن بقاء أي دين إنما هو ببقاء نصوصه الأصلية، وإذا لم يكن هناك اطمئنان إلى صحة هذه النصوص ونسبتها إلى مصادرها الأُوَل
стр. 27
فإن الدين ينهدم من أساسه. ولعل النظر في تاريخ الأديان السابقة مثل اليهودية والنصرانية، يؤكد بجلاء هذه الحقيقة ويصور مدى خطورة هذه الناحية، فقد دخل في صلب الكتب المقدسة ما ليس منها، وأصبح من العسير جدًا أن يوجد أي معيار لمعرفة ما هو موحى به من عند الله تعالى، وما هو من أقوال الأنبياء ﵈، وما هو من كتابات تلاميذهم وأتباعهم من بعدهم. ومن ناحية وثائقية تاريخية فإنه من المشكوك فيه جدًا نسبة ما يسمى الآن بالكتب المقدسة لهذه الأديان إلى مصادرها (١).
وقد كان من الممكن أن يحدث للإسلام ما حدث للأديان السابقة ولكن الله حفظ هذا الدين من هذه الناحية، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. أما القرآن فلم يدخله تحريف قط.
وأما الحديث فقد دخله ما ليس منه، وزاد فيه الوضّاعون. وقد بذلت جهود ضخمة لتوثيقه وتصحيحه. وإذ كان تجديد الدين هو إحياءه والإبقاء عليه، فإن المحافظة على نصوص الدين الأصلية من الضياع ومن الاختلاط بغيرها يكون أحد معاني التجديد. وهل تتصور أي إعادة للدين أو إحيائه دون أن تكون هناك طريقة علمية واضحة، لتوثيق وتصحيح النصوص الأصلية للكتاب والسُّنَّة؟ وهل تتصور أي إعادة للدين أو إحيائه دون أن يكون هناك نقل صحيح من جيل إلى جيل لألفاظ القرآن وألفاظ الحديث؟
ومن ذلك كله يمكن أن ندرك أن الجهود التي تبذل في سبيل توثيق نصوص القرآن والحديث، وأن العلوم التي نشأت لتحقيق هذا الغرض تدخل في معنى تجديد الدين. ويكون من أحد معاني تجديد الدين حفظ نصوص الدين الأصلية صحيحة نقية.
والأمر الثاني الذي يندرس من الكتاب والسُّنَّة هو معاني النصوص، وهذا هو الباب الواسع الذي يدخل منه التحريف للدين، ذلك أن فهم النصوص يتأثر بعوامل كثيرة منها ما يتصل بالشخص نفسه، ومنها ما يتصل بالزمان والعصر الذي يعيش فيه، ومنها ما يتصل بالمكان والبيئة التي ينشأ فيها، فهناك القدرات
стр. 28
العقلية للشخص، والثقافات والمعارف التي ترسم طريقة تفكيره، والدوافع والبواعث النفسية التي تحركه، وغير ذلك من العناصر التي تتفاعل كلها لتكوِّن فهمه للنصوص.
وإذا كان فهم النصوص هو نتائج العقول المتباينة فيما بينها تباينًا عظيمًا، وكان فهم النصوص هو أساس الدين، صار بوسعنا أن نتصور كم من الأشكال للدين يمكن أن تتولد من هذه الطرق المختلفة للفهم. وإذا كان ذلك هو الأمر الواقع، فإنه لا بقاء للدين الصحيح إلا بوجود منهج محدد لطريقة فهم النصوص. ومن وجهة نظر السلف فإن الصحابة قد تلقوا من رسول الله ﷺ معاني القرآن كما تلقوا ألفاظه (١)؛ وكذلك الأحاديث. إذ أن المقصود من الألفاظ هو المعاني، ومن غير المعقول أن يكون خطاب الله ورسوله لهم بما لا يفهمونه. وبجانب هذا التلقي المباشر من الرسول ﷺ فإن هناك مميزات أخرى انفرد بها الصحابة تجعل فهمهم للنصوص هو الفهم السليم (٢). ومن ذلك أن النصوص كانت بلغة خطابهم اليومية، ومن ذلك أنهم شاهدوا وحضروا المناسبات التي من أجلها أنزلت الآيات والظروف التي قيلت فيها الأحاديث، وعاشوا الجو المحيط بها، وبادروا إلى العمل بها وقد كانت تمس أدق المسائل في حياتهم والعمل من أهم الوسائل التي تعين على الفهم.
وهذه المدرسة التي تكونت لفهم النصوص هي المدرسة التي لا زالت تحفظ جيلًا بعد جيل المعاني الصحيحة للنصوص والمنهج السليم لمعرفة مقاصدها ومراميها. وهي المدرسة التي تركت آثارها مدونة في أمهات كتب التفسير وأمهات كتب شروح الأحاديث. ولأن الدين الصحيح هو نتيجة الفهم الصحيح للنصوص فإن أحد معاني تجديد الدين هو نقل المعاني الصحيحة للنصوص وإحياء الفهم السليم لها.
أما العمل بالكتاب والسُّنَّة فإنه هو الغاية من معرفة النصوص وفهمها. والعلم بالنصوص ومعانيها يشكل الأساس النظري للدين، ومن أخطر الانحرافات التي تصيب الدين الانفصال بين العلم وبين العمل أيًّا كان نوع هذا الانفصال ودرجته.
стр. 29
التجديد هو إفشاء العلم:
ولأهمية مكانة العلم في الدين اقتصرت بعض أقوال السلف على تعريف التجديد بأنه إحياء العلم فقط. يقول ابن كثير:
"وقال طائفة من العلماء: الصحيح أن الحديث -يعني: حديث التجديد- يشمل كل فرد من آحاد العلماء من هذه الأعصار ممن يقوم بفرض الكفاية في أداء العلم، عمن أدرك من السلف إلى من يدركه من الخلف، كما جاء في الحديث من طرق مرسلة وغير مرسلة، يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين" (١).
فهذا القول يقتصر على أن التجديد هو ما يقوم به العلماء وهو نقل علوم السلف من جيل إلى جيل نقية من التحريف وسليمة من الانتحال.
وهذه الأهمية لنقل العلوم الدينية واعتبار أن التجديد هو إظهارها وإفشاؤها تظهر في تعريف آخر للتجديد يذكر أن ما يتجدد من أمر الدين هو "ما اندرس من أحكام الشريعة وما ذهب من معالم السنن وخفي من العلوم الدينية الظاهرة والباطنة" (٢).
بل إن روايات أحمد بن حنبل لحديث التجديد قد جاءت بلفظ (تعليم الدين) في مكان لفظ تجديد الدين. وهذه الروايات المتقاربة تقدم لنا شرحًا لمعنى التجديد. وهذه هي الروايات (٣):
١ - قال أحمد بن حنبل: روي عن النبي ﷺ : "إن الله تعالى يقيض في رأس كل مائة سنة من يعلم الناس دينهم" (رواه أَبو بكر البزار).
٢ - ومن طرق أخرى قال أحمد بن حنبل: "إن الله يقيض للناس في رأس كل مائة من يعلم الناس السنن وينفي عن النبي ﷺ الكذب" (رواه البيهقي).
٣ - ومن طريق أخرى يقول أحمد بن حنبل: يروى في الحديث عن النبي ﷺ : "أن الله يمن على أهل دينه في رأس كل مائة سنة برجل من أهل بيتي يبين لهم أمر دينهم".
стр. 30
وهذه النصوص تبين أهمية التعليم في مفهوم تجديد الدين، فكأن التجديد هو تبيين الدين وتعليمه. ولفظ التعليم لفظ عام مثل الإعادة، وينبغي النظر إليه على ضوء التفصيلات الأخرى.
التجديد والاجتهاد:
أشار السلف إلى مجال آخر من مجالات تجديد الدين، وهو وضع الحلول الإسلامية للمشاكل التي تطرأ في حياة البشر، ذلك أن الحياة مليئة بالمتغيرات، وظواهر النصوص لا تفي ببيان كل الأحكام لكل الأمور. ففي كل عصر توجد حوادث طارئة تستدعي أن يشرع لها حكم، بل إن كثيرًا من نصوص القرآن والسُّنَّة قد جاءت استجابة للحاجات التي ظهرت في العهد النبوي كما هو معروف في تاريخ القرآن وتاريخ السُّنَّة. وفي كل عصر توجد دائرة من دوائر حياة الناس المتقلبة المتطورة، تحتاج إلى العقل المسلم الذي يرد هذه الدائرة إلى الدين، وهذا هو ما يسمى بالاجتهاد. فبالاجتهاد تتسع دائرة أحكام الدين لتشمل مساحات أكبر بحسب اتساع الحياة وتطورها. فهذا الاجتهاد يدخل في معنى تجديد الدين بل إن بعض السلف رأى أن الحاجة للتجديد تنبع من هذه الناحية وهذه هي عبارته:
يقول: "وذلك لأنه سبحانه لما جعل المصطفى خاتم الأنبياء والرسل وكانت حوادث الأيام خارجة عن التعداد، ومعرفة أحكام الدين لازمة إلى يوم التناد، ولم تف ظواهر النصوص ببيانها بل لابد من طريق واف بشأنها، اقتضت حكمة الملك العلَّام ظهور قوم من الأعلام في غرة كل غرة، ليقوم بأعباء الحوادث، إجراء لهذه الأمة مع علمائهم مجرى بني إسرائيل مع أنبيائهم" (١).
وجاء في وصف المجدد أن يكون "مجتهدًا، قائمًا بالحجة، ناصرًا للسُّنَّة، له ملكة رد المتشابهات إلى المحكمات، وقوة استنباط الحقائق والدقائق النظريات، من نصوص الفرقان وإشاراته ودلالاته واقتضاءاته، من قلب حاضر وفؤاد يقظان" (٢).
стр. 31
فلله ما أحوج الدين لهذا القلب الحاضر والفؤاد اليقظان والعقل المسلم، الذي يجعل الدين الموجه لكل شيء، والحاكم على كل شيء، والمنبع لكل معرفة، والأصل لكل علم، والأساس لكل نظام، والمصدر لكل تشريع.
التجديد يناقض الابتداع:
ومن تعريفات السلف للتجديد هذا التعريف: "يجدد الدين؛ أي: يبين السُّنَّة من البدعة، ويكثر العلم ويعز أهله، ويقمع البدعة ويكسر أهلها" (١).
وهذا التعريف للتجديد يشير إلى أمر هام في مفهوم التجديد عند السلف. فالتجديد من هذا القول يضاد الابتداع. وكل من المفهومين الابتداع والتجديد على طرفي نقيض. فما هو الابتداع؟
جاء في شرح الابتداع هذا القول: "أصل مادة بدع للاختراع على غير مثال سابق ومنه قول الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]؛ أي: مخترعهما على غير مثال سابق متقدم. وقوله تعالى: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]؛ أي: ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد بل تقدمني كثير من الرسل. ويقال: ابتدع فلان بدعة؛ يعني: ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق" (٢).
وجاء أيضًا: "والمراد بالبدعة ما حدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة. فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل في الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال. وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية. وقد قال الشافعي: البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السُّنَّة فهو محمود، وما خالف السُّنَّة فهو مذموم. ومراد الشافعي أن أصل البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما وافق
стр. 32
السُّنَّة؛ يعني: ما كان لها أصل من السُّنَّة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعًا لموافقتها السُّنَّة. وقد روي عن الشافعي كلام آخر يفسر قوله الأول وذلك أنه قال: "المحدثات ضربان: ما أحدث مما يخالف كتابًا أو سُنَّة أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه البدعة الضلالة، وما أحدث فيه من الخير، لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذمومة" (١).
ويزداد هذا المعنى توضيحًا بقول آخر: "فالبدعة الحقيقية هي التي لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب ولا سُنَّة ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم، لا في الجملة ولا في التفصيل، ولذلك سميت بدعة لأنها شيء مخترع على غير مثال سابق، وإن كان المبتدع يأبى أن ينسب إليه الخروج عن الشرع، إذ هو مدع أنه داخل بما استنبط تحت مقتضى الأدلة. لكن تلك الدعوى غير صحيحة لا في نفس الأمر ولا بحسب الظاهر، أما بحسب نفس الأمر فبالعرض، وأما بحسب الظاهر فإن أدلته شُبه ليست بأدلة" (٢).
ومن هذا العرض المختصر لتعريفات السلف للبدعة يتبين كيف أن الابتداع والتجديد ضدان لا يجتمعان. ففي حين أن الابتداع اختراع وابتداء، فالتجديد إعادة وإحياء، وفي حين أن الابتداع إحداث لما ليس له أصل في الدين لا في نصوصه ولا قواعده الكلية أو مقاصده العامة، فالتجديد تشييد لصرح الحياة على أصول الدين وبناء شعبه على أسسه، وإعمال لنصوص الشرع وقواعده الكلية، وتحقيق لمقاصده العامة. وفي حين أن الابتداع إلصاق ما ليس من الدين به، وإدخال عنصر غريب فيه، فإن التجديد تنقية للدين من العناصر الدخيلة، وإبقاء للأصيل فيه.
وإذا كان التجديد تصحيحًا للدين، فالابتداع تحريف للدين بل هو من أكبر أنواع التحريف للدين، ذلك أن الابتداع لا تحمل لواءه العناصر الخارجية المعادية للدين، فإن هذه العناصر -لعداء المسلمين الصارخ لها- يسهل كشفها وتعريتها، ولكن الابتداع لا يروج ولا تقوم له سوق إلا على يد من ينتمي إلى المسلمين، ولأنه ينتسب إلى الدين فهو لذلك يكون أبعد أثرًا ويبلغ ما لا يبلغه
стр. 33
غيره. والابتداع أيضًا مزلق من المزالق الخفية تحيط به المشتبهات التي قلَّ أن يتفطن إلى ما فيها من الباطل، ولهذا فإنه ينخدع به كثير من الناس ويحسبونه من الدين.
وقد يكون في هذا بعض ما يلمح إلى الفرق بين التجديد والابتداع. وإلى هنا يكون قد تبين لنا مجمل تصور السلف إلى التجديد، ويمكن إجمال عناصر هذا التصور على النحو التالي:
١ - إن تجديد الدين هو السعي لإحيائه، وبعثه، وإعادته إلى ما كان عليه في عهد السلف الأول.
٢ - ومن ضرورات التجديد حفظ نصوص الدين الأصلية صحيحة نقية حسب الضوابط والمعايير التي وضعت لذلك.
٣ - ومن مستلزمات التجديد سلوك المناهج السليمة لفهم نصوص الدين وتلقي معانيها من الشروح التي قدمتها لها المدرسة الفكرية السُّنِّية.
٤ - وغاية التجديد جعل أحكام الدين نافذة مهيمنة على أوجه الحياة والمسارعة لرأب الصدع في العمل بها، وإعادة ما ينقض من عراها.
٥ - ومن توابع ذلك الاجتهاد، وهو وضع الحلول الإسلامية لكل طارئ، وتشريع الأحكام لكل حادث، وتوسيع دائرة أحكام الدين لتشمل ما كان نافعًا متفقًا مع اتجاهات الدين ومقاصده وكلياته.
٦ - ومن خصائص التجديد تمييز ما هو من الدين وما يلتبس به، وتنقية الدين من الانحرافات والبدع، سواء كانت هذه الانحرافات ناتجة من عوامل داخلية في المجتمع المسلم أو كانت بتأثيرات خارجية.
وهذا بشكل عام ما يمكن اعتباره فكرة السلف عن معنى التجديد، وهو في مجمله سعي للتقريب بين واقع المجتمع المسلم في كل عصر، وبين النموذج المثالي للدين الذي كان في العهد النبوي وعهد الصحابة، ومن الممكن صياغة تعريف للتجديد من هذه التصورات السابقة كالآتي:
"تجديد الدين هو إحياؤه وبعث معالمه العلمية والعملية، التي أبانتها نصوص الكتاب والسُّنَّة وفهم السلف".
стр. 34
ضوابط التجديد:
بعد تحديد معنى التجديد والإشارة لمضمونه، يمكن أن تذكر بعض الضوابط التي تجعل المعنى الصحيح للتجديد لا يلتبس بالمعاني الخاطئة التي قد يلصقها بعضهم بمفهوم التجديد، والتي سيأتي إن شاء الله تفصيل كامل لها في الباب الثاني من هذا البحث. وهذه الضوابط مأخوذة من معاني التجديد المذكورة سابقًا، ومندرجة تحت مضامينها، ولكنها أفردت بالبحث زيادة في التوضيح وتأكيدًا لمفهوم التجديد.
الاعتماد على النصوص الموثقة:
يأتي في مقدمة ضوابط التجديد، اعتماده في فهم الدين والسعي لإحيائه، على نصوص صحيحة موثقة معتمدة. ولقد تعهد الله تعالى بحفظ نصوص القرآن، إذ قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، فلم يدخل في حروفه تحريف ولا زيادة ولا نقص، مثل ما حدث للكتب السابقة التي وكل أمر حفظها لأهلها كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤]، فضيعوها وحرّفوها (١). أما القرآن فلم يدخله تحريف، وقد أجمعت الأمة بجميع طوائفها على ذلك. وإن كان قد طعن في القرآن بعض الطاعنين قديمًا وحديثًا بشبهة التحريف والنقص، إلا أن ما قالوه ليس إلا ظنونًا وأوهامًا لا يقوم عليها دليل. فمن أولئك غلاة الشيعة الإمامية الذين ادعوا في بعض كتبهم زيادات ونقصًا، رووها بروايات ضعيفة غير ثابتة، ردها وفنَّدها كثير من العلماء منهم بعض علمائهم المعتبرين. يقول الطبرسي -مثلًا- في "مجمع البيان" ما نصه: "أما الزيادة في القرآن فمجمع على بطلانها وأما النقصان فهو أشد استحالة". ثم قال: "إن العلم بصحة نقل القرآن؛ كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة، فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته وبلغت إلى حد لم يبلغه شيء فيما ذكرناه؛ لأن القرآن مفخرة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية
стр. 35
والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيرًا أو منقوصًا مع العناية الصادقة والضبط الشديد" (١). وحاول بعض المستشرقين في العصر الحاضر إثارة شبهات حول توثيق نص القرآن، ولكنهم عجزوا أن يأتوا بدليل علمي مقبول، مع كثرة البحث والتنقيب وجمع مخطوطات القرآن القديمة ومقابلتها مع بعضها البعض.
ومع سلامة نص القرآن الكريم من التحريف وثبوته، فإن ذلك يشمل القراءات برواياتها ووجوهها المنقولة الثابتة بضوابطها المتفق عليها، حسب ما صرح به علماء القراءات وجهابذتهم. ومن أولئك الإمام ابن الجزري الذي قال في أول كتابه عن القراءات: "كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصح سندها فهي القراءة الصحيحة، التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة، أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عمَّن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف" (٢). فكل قراءات القرآن يعتمد عليها في فهم الدين وفقهه وأحكامه وتجديده وإحيائه.
أما ضبط نصوص الحديث وتوثيقها فقد توفرت له جهود ضخمة ممتدة من العصور الأولى حتى عصرنا الحاضر، وتمخضت تلك الجهود في حفظ نصوص الحديث وتنقيتها مما شابها من وضع وزيادة وتحريف، وتدوينها في دواوين متداولة معروفة، من كتب الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها. ومع كثرة التنقيح والتمحيص فلا تزال كثير من الأحاديث الواهية الضعيفة بل الموضوعة منتشرة ومشتهرة، وإذا اعتمد التجديد على نصوص حديثية غير صحيحة ولا موثقة، فإنه يكون تجديدًا أعرج قد يفسد أكثر مما يصلح. وهذا مجدد القرن الخامس الهجري أَبو حامد الغزالي، مع الاعتراف له بالفضل وبكثير من المزايا، إلا أن
стр. 36
إصلاحه وتجديده، وبخاصة كتابه "إحياء علوم الدين"، قد شابه كثير من الدخن والبدع بسبب اعتماده على الأحاديث الضعيفة وشحن كتابه بها، كما سيأتي بيانه لاحقًا في دراسة آثار المجددين في الفصل الثاني من هذا الباب. فلابد للتجديد أن ينضبط بالنصوص الحديثية الصحيحة وإلا لم يكن تجديدًا بالمعنى الصحيح.
اتباع مناهج علمية في فهم النصوص:
إذا كان القرآن والحديث هما المصدران الأساسيان للدين، فإن توثيق نصوصهما وحفظهما من الضياع ركن أساسي لأي تجديد للدين. لكن مما لا شك فيه أن النصوص ليست حروفًا وألفاظًا وأصواتًا، إنما النصوص معانٍ ومفاهيم، ولهذا فإن بقاء أي دين وتجديده ودوامه إنما يكون بفهم نصوصه الأصلية فهمًا صحيحًا، وحفظ معانيها السليمة وعدم تحريفها وتغييرها وتبديلها. ومثل ما توفرت لضبط نصوص القرآن ونصوص الحديث وتوثيقها، مناهج علمية معروفة في علوم القرآن وعلوم الحديث، كذلك توفرت لضبط فهم النصوص وتأصيل معانيها، مناهج علمية معروفة في أصول تفسير القرآن وفي أصول الفقه. هذه الضوابط العلمية لفهم النصوص من أهم ضوابط التجديد السليم التي ينبغي له أن ينضبط بحدودها ولا يتجاوزها وإلا كان تحريفًا وانحرافًا. وليس القصد هنا استقصاء هذه الضوابط وإنما تكفي الإشارة لأهمها (١).
من أول ضوابط فهم نصوص القرآن والحديث أن اللغة العربية هي المفتاح لمدلولاتها ومعانيها، والمقصود بها اللغة التي كان يتحدث بها العرب في عهد نزول القرآن. يقول ابن تيمية: "يحتاج المسلمون إلى شيئين: أحدهما: معرفة ما أراد الله ورسوله ﷺ بألفاظ الكتاب والسُّنَّة، بأن يعرفوا لغة القرآن التي بها نزل، وما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر علماء المسلمين فى معاني تلك الألفاظ، فإن الرسول لما خاطبهم بالكتاب والسُّنَّة عرَّفهم ما أراد بتلك الألفاظ، وكانت معرفة الصحابة لمعاني القرآن أكمل من حفظهم لحروفه، وقد بلَّغوا تلك المعاني إلى التابعين أعظم مما بلَّغوا حروفه" (٢). وحسب هذا الضابط فإن معاني
стр. 37
ألفاظ القرآن والحديث تؤخذ من لغة العرب في عهد ظهور الإسلام، وليس بحسب ما تولَّد بعد ذلك واستجد فيها من معان. وقد قامت جهود ضخمة لحفظ لغة القرآن وبقائها حية مستمرة، مع تطاول العهد وتطور اللسان العربي وتغيره.
ومن ضوابط فهم النصوص أيضًا أن تفهم في حدود المعاني التي فهمها السلف من الصحابة والتابعين ومن تبع نهجهم من العصور التالية، حسب ما أشار إليه قول ابن تيمية المنقول في الفقرة السابقة. ولا يعني ذلك جمود معاني القرآن على التراث المنقول عن السلف، إذ أن معاني القرآن يمكن أن تتسع وتستوعب معانٍ جديدة بحسب اتساع المعارف والتجارب البشرية المتراكمة، لكن اتساع معاني القرآن هذا ينبغي أن يكون أساسه ما فهمه السلف من المعاني، ولا يكون مناقضًا ومخالفًا لها. فتظل معاني السلف للنصوص هي الأصل والمحور الذي يتسع وينساح لكل جديد من علوم ومعارف.
ومن ضوابط فهم النصوص أن تقرأ في ضوء الظروف والأحوال التاريخية التي صاحبت نزولها، وهو ما يعرف بأسباب النزول وفيه مؤلفات كثيرة شائعة وكتب التفسير وشروح الحديث تنقله وترويه؛ لأنه من أسس الوقوف على المعاني وإزالة ما يلابسها من الإشكال والغموض. قال ابن دقيق العيد: "بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن"، وقال ابن تيمية: "معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب" (١).
ومن ضوابط فهم النصوص أن تعتبر وحدة متكاملة، يفهم بعضها في سياق البعض الآخر، ذلك أن بعضها يبين بعضًا، وكلها من معين واحد لا تناقض فيه ولا اختلاف، كما قال الله تعالى في وصف القرآن: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. ولهذا يقول ابن تيمية في كتابه "أصول التفسير": "فإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر. فإن أعياك ذلك فعليك بالسُّنَّة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أَبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن، قال الله تعالى:
стр. 38
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤]. ولهذا قال رسول الله ﷺ : "ألا أني أوتيت القرآن ومثله معه" يعني: السُّنَّة، والسُّنَّة أيضًا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، لا أنها تتلى كما يتلى، وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك" (١).
وخلاصة الأمر أن ضوابط فهم النصوص هي التي تحفظها من الضياع والتبديل، والتجديد السليم هو الذي ينضبط بضوابط فهم النصوص هذه، وإلا كان تحريفًا للنصوص عن مواضعها بتأويلها بغير التأويل الصحيح.
الالتزام بضوابط الاجتهاد:
الاجتهاد من وجوه التجديد الأساسية التي لا يكتمل إلا بها، إذ لا يخلو عصر أو بلد من جديد لم يكن معلومًا من قبل. ولكن ذلك الاجتهاد الذي يصاحب التجديد ليس باجتهاد غير ملتزم ولا منضبط، بل هو اجتهاد بالمعنى الفقهي الأصولي للاجتهاد، ملتزم ومرتبط بضوابط تسدد مسيرته وتهدي طريقه، وتقربه من الصواب وتبعده من الخطأ والزلل. فللاجتهاد منهج علمي محدد مرسوم، لا يمكن أن يتجاوزه الباحث المجتهد، مثله في ذلك مثل كثير من علوم البشر ومعارفهم، مقيدة بمناهج علمية مرتضاة من علمائها، لابد لكل باحث من التزامها. وقد بيَّنت كتب أصول الفقه مناهج الاستنباط والاستدلال، ببحوث كثيرة وثرة وغنية.
وقد تنوَّعت وتعددت عبارات الأصوليين في تعريف الاجتهاد، وليس هذا موضع بسطها وهي مذكورة في كثير من المصادر، منها على سبيل المثال تعريف الشوكاني أنه "بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط" (٢). وبالنظر في دراسات الأصوليين عن الاجتهاد يمكن أن تتبين عدة ضوابط ترسم منهجه وتحدد مجاله، وبالتالي تضبط التجديد الذي لا محيد له من الاجتهاد لبيان أحكام الشرع في الحوادث الطارئة المتغيرة.
стр. 39
من الواضح بادئ ذي بدء أن الاجتهاد لابد أن يكون من فقيه مؤهل له مقدرات عالية علمية وعقلية وسلوكية، تمكنه من القيام بجهد علمي مرموق لاستكشاف الحقيقة، مثله في ذلك مثل كل خبير في فن من الفنون أو علم من العلوم، لا يمكن أن يأتي بالجديد فيها من اختراعات واكتشافات إلا من كان عالمًا جامعًا حاذقًا ماهرًا. وقد تحدثت كتب الأصول عن مؤهلات المجتهد بين موسع ومضيق (١)، إلا أنه من غير المقبول ولا المعقول أن يتطفل على الاجتهاد دخلاء ليس لهم من العلم الشرعي إلا النزر اليسير، يتجرأ أحدهم على الفتيا في أعقد المسائل الشرعية، وهو لا يحسن إعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ثم إن الاجتهاد لا يكون إلا بدليل شرعي معتبر، وفي ذلك يقول الإمام الشافعي ﵀: "وليس لأحد أبدًا أن يقول في شيء: حلّ أو حرم، إلا من جهة العلم. وجهة العلم الخبر في كتاب الله أو السُّنَّة أو الإجماع أو القياس" (٢). ولا يجوز لأيِّ مجتهد أن يقول بغير علم أو استناد إلى أدلة، وقد نقل الإمام ابن عبد البرّ إجماع الأئمة على ذلك فقال: "الاجتهاد لا يكونُ إلا على أصول يُضاف إليها التحليل والتحريم، وأنه لا يجتهد إلا عالمٌ بها، ومن أشكل عليه شيءٌ لزمه الوقوف ولم يجز له أن يحيل على الله قولًا في دينه لا نظير له من أصل ولا هو في معنى الأصل، وهو الذي لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديمًا وحديثًا فتدبره" (٣). واعتمادًا على هذا فلا ينبغي أن يقبل أي اجتهاد يخالف نصًا في القرآن أو السُّنَّة، أو يخالف مقاصد الشريعة العامة.
ولابد للاجتهاد من التفرقة بين الثوابت الدائمة والمتغيرات، فتغير الفتوى والأحكام له أسباب كثيرة أوضحها الفقهاء في مواضع كثيرة، منها ما أشار إليه الإمام ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين في فصل جعل عنوانه: "فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد" (٤)، ولكن تلك المتغيرات كلها تقع تحت تغير المصالح والأعراف، وهو ما يمكن أن
стр. 40
يكون متغيرًا، أما الأحكام القائمة على نص فهي ثابتة أبدًا. يقول الإمام ابن حزم مؤكدًا هذه الحقيقة: "إذا ورد النص من القرآن أو السُّنَّة الثابتة في أمر ما على حكم ما. . . . فصح أنه لا معنى لتبدل الزمان ولا لتبدل المكان ولا لتغير الأحوال، وأن ما ثبت فهو ثابت أبدًا، في كل زمان وفي كل مكان وعلى كل حال، حتى يأتي نص ينقله عن حكمه في زمان آخر أو مكان آخر أو حال أخرى" (١).
منافاة الابتداع:
من ضوابط التجديد الهامة أنه يضاد الابتداع تمامًا، فالتجديد والابتداع ضدان ليس فقط لا يجتمعان، بل إن كل واحد منهما ينفي الآخر ويصادمه ويهدمه. وقد يخلط بعض الناس أن التجديد هو الإتيان بجديد، وهو بذلك يشتبه عليهم بالابتداع. لكن جديد التجديد هو ما كان له أصل، وذلك معنى جديد كما سبق توضيحه في مباحث اللغة، أما جديد الابتداع فهو ما لا أصل له سابق، وهو الجديد المذموم إذ لم يقم على دليل شرعي يسنده. وسيأتي في الفصل القادم أن من مجالات التجديد الهامة تصحيح الانحرافات والبدع.
من هو المجدد:
إن الإجابة على هذا السؤال ستساعدنا أكثر في استجلاء نظرة السلف إلى ماهية التجديد. وقد اختلف السلف فيما بينهم في تحديد من هو المجدد في كل قرن، يقول ابن كثير: "قد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث" (٢)؛ يعني حديث: "إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد الدين". وسنرى بعد قليل القوائم التي ضمت أسماء المجددين.
وهذا الاختلاف في تحديد أسماء المجددين يفرض على الذهن تساؤلًا: كيف يعرف المجدد؟ وهل من وسيلة إلى أن نعلم من هو مجدد القرن؟
من الظاهر أنه لا سبيل إلى القطع والجزم، إنما يرجع في تحديد المجدد إلى غلبة الظن باستقراء قرائن أحواله ومدى الانتفاع به (٣). وإذا كان تعيين