إصلاحه وتجديده، وبخاصة كتابه "إحياء علوم الدين"، قد شابه كثير من الدخن والبدع بسبب اعتماده على الأحاديث الضعيفة وشحن كتابه بها، كما سيأتي بيانه لاحقًا في دراسة آثار المجددين في الفصل الثاني من هذا الباب. فلابد للتجديد أن ينضبط بالنصوص الحديثية الصحيحة وإلا لم يكن تجديدًا بالمعنى الصحيح.
اتباع مناهج علمية في فهم النصوص:
إذا كان القرآن والحديث هما المصدران الأساسيان للدين، فإن توثيق نصوصهما وحفظهما من الضياع ركن أساسي لأي تجديد للدين. لكن مما لا شك فيه أن النصوص ليست حروفًا وألفاظًا وأصواتًا، إنما النصوص معانٍ ومفاهيم، ولهذا فإن بقاء أي دين وتجديده ودوامه إنما يكون بفهم نصوصه الأصلية فهمًا صحيحًا، وحفظ معانيها السليمة وعدم تحريفها وتغييرها وتبديلها. ومثل ما توفرت لضبط نصوص القرآن ونصوص الحديث وتوثيقها، مناهج علمية معروفة في علوم القرآن وعلوم الحديث، كذلك توفرت لضبط فهم النصوص وتأصيل معانيها، مناهج علمية معروفة في أصول تفسير القرآن وفي أصول الفقه. هذه الضوابط العلمية لفهم النصوص من أهم ضوابط التجديد السليم التي ينبغي له أن ينضبط بحدودها ولا يتجاوزها وإلا كان تحريفًا وانحرافًا. وليس القصد هنا استقصاء هذه الضوابط وإنما تكفي الإشارة لأهمها (١).
من أول ضوابط فهم نصوص القرآن والحديث أن اللغة العربية هي المفتاح لمدلولاتها ومعانيها، والمقصود بها اللغة التي كان يتحدث بها العرب في عهد نزول القرآن. يقول ابن تيمية: "يحتاج المسلمون إلى شيئين: أحدهما: معرفة ما أراد الله ورسوله ﷺ بألفاظ الكتاب والسُّنَّة، بأن يعرفوا لغة القرآن التي بها نزل، وما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر علماء المسلمين فى معاني تلك الألفاظ، فإن الرسول لما خاطبهم بالكتاب والسُّنَّة عرَّفهم ما أراد بتلك الألفاظ، وكانت معرفة الصحابة لمعاني القرآن أكمل من حفظهم لحروفه، وقد بلَّغوا تلك المعاني إلى التابعين أعظم مما بلَّغوا حروفه" (٢). وحسب هذا الضابط فإن معاني
стр. 37
ألفاظ القرآن والحديث تؤخذ من لغة العرب في عهد ظهور الإسلام، وليس بحسب ما تولَّد بعد ذلك واستجد فيها من معان. وقد قامت جهود ضخمة لحفظ لغة القرآن وبقائها حية مستمرة، مع تطاول العهد وتطور اللسان العربي وتغيره.
ومن ضوابط فهم النصوص أيضًا أن تفهم في حدود المعاني التي فهمها السلف من الصحابة والتابعين ومن تبع نهجهم من العصور التالية، حسب ما أشار إليه قول ابن تيمية المنقول في الفقرة السابقة. ولا يعني ذلك جمود معاني القرآن على التراث المنقول عن السلف، إذ أن معاني القرآن يمكن أن تتسع وتستوعب معانٍ جديدة بحسب اتساع المعارف والتجارب البشرية المتراكمة، لكن اتساع معاني القرآن هذا ينبغي أن يكون أساسه ما فهمه السلف من المعاني، ولا يكون مناقضًا ومخالفًا لها. فتظل معاني السلف للنصوص هي الأصل والمحور الذي يتسع وينساح لكل جديد من علوم ومعارف.
ومن ضوابط فهم النصوص أن تقرأ في ضوء الظروف والأحوال التاريخية التي صاحبت نزولها، وهو ما يعرف بأسباب النزول وفيه مؤلفات كثيرة شائعة وكتب التفسير وشروح الحديث تنقله وترويه؛ لأنه من أسس الوقوف على المعاني وإزالة ما يلابسها من الإشكال والغموض. قال ابن دقيق العيد: "بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن"، وقال ابن تيمية: "معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب" (١).
ومن ضوابط فهم النصوص أن تعتبر وحدة متكاملة، يفهم بعضها في سياق البعض الآخر، ذلك أن بعضها يبين بعضًا، وكلها من معين واحد لا تناقض فيه ولا اختلاف، كما قال الله تعالى في وصف القرآن: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. ولهذا يقول ابن تيمية في كتابه "أصول التفسير": "فإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر. فإن أعياك ذلك فعليك بالسُّنَّة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أَبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن، قال الله تعالى:
стр. 38
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ٦٤]. ولهذا قال رسول الله ﷺ : "ألا أني أوتيت القرآن ومثله معه" يعني: السُّنَّة، والسُّنَّة أيضًا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، لا أنها تتلى كما يتلى، وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك" (١).
وخلاصة الأمر أن ضوابط فهم النصوص هي التي تحفظها من الضياع والتبديل، والتجديد السليم هو الذي ينضبط بضوابط فهم النصوص هذه، وإلا كان تحريفًا للنصوص عن مواضعها بتأويلها بغير التأويل الصحيح.
الالتزام بضوابط الاجتهاد:
الاجتهاد من وجوه التجديد الأساسية التي لا يكتمل إلا بها، إذ لا يخلو عصر أو بلد من جديد لم يكن معلومًا من قبل. ولكن ذلك الاجتهاد الذي يصاحب التجديد ليس باجتهاد غير ملتزم ولا منضبط، بل هو اجتهاد بالمعنى الفقهي الأصولي للاجتهاد، ملتزم ومرتبط بضوابط تسدد مسيرته وتهدي طريقه، وتقربه من الصواب وتبعده من الخطأ والزلل. فللاجتهاد منهج علمي محدد مرسوم، لا يمكن أن يتجاوزه الباحث المجتهد، مثله في ذلك مثل كثير من علوم البشر ومعارفهم، مقيدة بمناهج علمية مرتضاة من علمائها، لابد لكل باحث من التزامها. وقد بيَّنت كتب أصول الفقه مناهج الاستنباط والاستدلال، ببحوث كثيرة وثرة وغنية.
وقد تنوَّعت وتعددت عبارات الأصوليين في تعريف الاجتهاد، وليس هذا موضع بسطها وهي مذكورة في كثير من المصادر، منها على سبيل المثال تعريف الشوكاني أنه "بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط" (٢). وبالنظر في دراسات الأصوليين عن الاجتهاد يمكن أن تتبين عدة ضوابط ترسم منهجه وتحدد مجاله، وبالتالي تضبط التجديد الذي لا محيد له من الاجتهاد لبيان أحكام الشرع في الحوادث الطارئة المتغيرة.
стр. 39
من الواضح بادئ ذي بدء أن الاجتهاد لابد أن يكون من فقيه مؤهل له مقدرات عالية علمية وعقلية وسلوكية، تمكنه من القيام بجهد علمي مرموق لاستكشاف الحقيقة، مثله في ذلك مثل كل خبير في فن من الفنون أو علم من العلوم، لا يمكن أن يأتي بالجديد فيها من اختراعات واكتشافات إلا من كان عالمًا جامعًا حاذقًا ماهرًا. وقد تحدثت كتب الأصول عن مؤهلات المجتهد بين موسع ومضيق (١)، إلا أنه من غير المقبول ولا المعقول أن يتطفل على الاجتهاد دخلاء ليس لهم من العلم الشرعي إلا النزر اليسير، يتجرأ أحدهم على الفتيا في أعقد المسائل الشرعية، وهو لا يحسن إعراب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
ثم إن الاجتهاد لا يكون إلا بدليل شرعي معتبر، وفي ذلك يقول الإمام الشافعي ﵀: "وليس لأحد أبدًا أن يقول في شيء: حلّ أو حرم، إلا من جهة العلم. وجهة العلم الخبر في كتاب الله أو السُّنَّة أو الإجماع أو القياس" (٢). ولا يجوز لأيِّ مجتهد أن يقول بغير علم أو استناد إلى أدلة، وقد نقل الإمام ابن عبد البرّ إجماع الأئمة على ذلك فقال: "الاجتهاد لا يكونُ إلا على أصول يُضاف إليها التحليل والتحريم، وأنه لا يجتهد إلا عالمٌ بها، ومن أشكل عليه شيءٌ لزمه الوقوف ولم يجز له أن يحيل على الله قولًا في دينه لا نظير له من أصل ولا هو في معنى الأصل، وهو الذي لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديمًا وحديثًا فتدبره" (٣). واعتمادًا على هذا فلا ينبغي أن يقبل أي اجتهاد يخالف نصًا في القرآن أو السُّنَّة، أو يخالف مقاصد الشريعة العامة.
ولابد للاجتهاد من التفرقة بين الثوابت الدائمة والمتغيرات، فتغير الفتوى والأحكام له أسباب كثيرة أوضحها الفقهاء في مواضع كثيرة، منها ما أشار إليه الإمام ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين في فصل جعل عنوانه: "فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد" (٤)، ولكن تلك المتغيرات كلها تقع تحت تغير المصالح والأعراف، وهو ما يمكن أن
стр. 40
يكون متغيرًا، أما الأحكام القائمة على نص فهي ثابتة أبدًا. يقول الإمام ابن حزم مؤكدًا هذه الحقيقة: "إذا ورد النص من القرآن أو السُّنَّة الثابتة في أمر ما على حكم ما. . . . فصح أنه لا معنى لتبدل الزمان ولا لتبدل المكان ولا لتغير الأحوال، وأن ما ثبت فهو ثابت أبدًا، في كل زمان وفي كل مكان وعلى كل حال، حتى يأتي نص ينقله عن حكمه في زمان آخر أو مكان آخر أو حال أخرى" (١).
منافاة الابتداع:
من ضوابط التجديد الهامة أنه يضاد الابتداع تمامًا، فالتجديد والابتداع ضدان ليس فقط لا يجتمعان، بل إن كل واحد منهما ينفي الآخر ويصادمه ويهدمه. وقد يخلط بعض الناس أن التجديد هو الإتيان بجديد، وهو بذلك يشتبه عليهم بالابتداع. لكن جديد التجديد هو ما كان له أصل، وذلك معنى جديد كما سبق توضيحه في مباحث اللغة، أما جديد الابتداع فهو ما لا أصل له سابق، وهو الجديد المذموم إذ لم يقم على دليل شرعي يسنده. وسيأتي في الفصل القادم أن من مجالات التجديد الهامة تصحيح الانحرافات والبدع.
من هو المجدد:
إن الإجابة على هذا السؤال ستساعدنا أكثر في استجلاء نظرة السلف إلى ماهية التجديد. وقد اختلف السلف فيما بينهم في تحديد من هو المجدد في كل قرن، يقول ابن كثير: "قد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث" (٢)؛ يعني حديث: "إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد الدين". وسنرى بعد قليل القوائم التي ضمت أسماء المجددين.
وهذا الاختلاف في تحديد أسماء المجددين يفرض على الذهن تساؤلًا: كيف يعرف المجدد؟ وهل من وسيلة إلى أن نعلم من هو مجدد القرن؟
من الظاهر أنه لا سبيل إلى القطع والجزم، إنما يرجع في تحديد المجدد إلى غلبة الظن باستقراء قرائن أحواله ومدى الانتفاع به (٣). وإذا كان تعيين
стр. 41
المجدد إنما هو بالظن، والظن يخطئ ويصيب، فلا مجال إذًا لاعتبار ذلك التعيين أمرًا قاطعًا لا يقبل الجدل، ولا مجال إذًا للادعاء بأن شخصًا بذاته هو المقصود بالحديث، فهذه دعوى لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى (١). وكل ما في الأمر أنه لما ذكر أحمد بن حنبل جازمًا أن المجددين في المائتين الأوليين هما عمر بن عبد العزيز والشافعي، تجاسر من بعده إلى إضفاء صفة المجدد على من رأوه أهلًا لذلك (٢). وتتابع العلماء في العصور المتتالية إلى تعداد المجددين ينتقدون آراء من سبقهم ويقدمون أسماء جديدة. ومن هذه الزاوية يتضح أن الباب واسع للاختلاف حول المجددين، إلا أنه لابد من ضوابط ومقاييس لمعرفة المجدد، حتى لا يطلق كل أحد القول فيزعم من غير أساس أن المجدد هو فلان (٣).
شروط المجدد:
إن من هذه الضوابط ما يرجع إلى المواهب والصفات الذاتية التي رأى السلف أن المجدد ينبغي أن يكون متحليًا بها، ومنها ما يرجع إلى الأعمال التي يقوم بها في حياته وإلى أي حد يمكن أن تندرج الأعمال تحت عنوان التجديد، ومنها ما يرجع إلى مدى الانتفاع به وشهرته وآثاره التي تركها في عصره (٤).
أما ما يخص الصفات الذاتية للمجدد، فإنه من الضروري أن يكون حائزًا على مواهب كثيرة، وسجايا متعددة، تؤهله لمهمة هي شبيهة بمهمة الأنبياء ﵈.
стр. 42
ومن ذلك أن تكون له ملكات عقلية، وقدرات فكرية، تمكنه من أن يكون ذا قدم راسخة في العلوم، ليس فحسب في مجال الكثير من فنونها وفروعها، كما تجمع الكتب في الخزانات والصناديق، ولكن أن يكون ذا نظر ثاقب، يستطيع به أن يحوز ملكة نقدها وبيان صحيحها من سقيمها، أو بعبارة أخرى أن تكون له الأهلية لقيادة الفكر في عصره.
فهذا التفوق العقلي، وتلك المقدرات العلمية العالية، أو كما يقول السيوطي: "يشار بالعلم إلى مقامه" و"أن يكون جامعًا لكل فن" (١)، هي من أوائل الصفات التي رأى السلف ضرورة توفرها في المجدد، وجعلوها مقياسًا لمن يستحق أن يوصف بأنه مجدد القرن. ومن الأمثلة على ذلك تلك المناقشة التي يجريها ابن عساكر عن مجدد القرن الخامس والتي يرد فيها على من رأى أن مجدد القرن هو أمير المؤمنين المسترشد بالله فيقول: "وعندي أن الذي كان على رأس الخمسمائة، الإمام أَبو حامد محمد الغزالي الطوسي الفقيه؛ لأنه كان عالمًا عاملًا، فقيهًا، فاضلًا، أصوليًا، كاملًا، مصنفًا، عاقلًا، انتشر ذكره بالعلم في الآفاق وبرز على من عاصره" (٢).
وإذا كان العلم هو أحد أبرز صفات المجدد، فقد ضم بعض السلف إلى ذلك أن يكون المجدد مجتهدًا (٣). ومما لا شك فيه أن هذه الصفة ضرورية لكل من تبوأ منصب التجديد، فكما رأينا أثناء عرض تعريف السلف للتجديد فإن مواجهة المشكلات التي تتولد في كل عصر، والاجتهاد في وضع الحلول لها في ضوء التفكير الإسلامي الأصيل هو من أهم مجالات التجديد.
ومن الواضح أن المجدد ينبغي أن يكون متقدمًا في كثير من الصفات الشخصية الأخرى، وأن تكون له فضائل جمة كثيرة لم يتعرض السلف إلى بيانها بالتفصيل، وإن كانوا قد ألمحوا إليها، وأشاروا إلى أنه ينبغي أن يجمع كثيرًا من صفات الخير (٤).
стр. 43
وغني عن القول أنه لابد للمجدد أن يضطلع بعمل من الأعمال التي تدخل تحت معنى التجديد، ومن أهم ذلك تجلية الإسلام مما يعلق به من الانحرافات والشوائب الدخيلة على مفاهيمه الأصيلة، وإعادته إلى منابعه الأولى الكتاب والسُّنَّة، سواء كان ذلك في المجال الفكري ببث الآراء وإفشاء العلم بالتدريس وتأليف الكتب أو في المجال العملي بإصلاح سلوك الناس وتقويم أخلاقهم، ويأتي في قمة ذلك إصلاح الإمارة والحكم. وفي الجملة لابد أن يكون المجدد كما قال السلف: "ناصرًا للسُّنَّة قامعًا للبدعة" ومن لا يكون كذلك لا يكون مجددًا ألبتة وإن كان عالمًا بالعلوم مشهورًا بين الناس مرجعًا إليهم (١). فمجرد كون المرء جسرًا أو قنطرة تنتقل عبرها العلوم، لا يكفي لأن يجعل في مصاف المجددين، ومع الاعتراف بجلال العمل الذي يؤديه، إلا أنه لابد أن ينضاف إلى ذلك جهد إزالة الشوائب والأخطاء النظرية في العلوم، وردها إلى منابع السُّنَّة، وتصحيح الانحرافات العملية في المجتمع وذلك هو المقصود من قول السلف: "نصر السُّنَّة وقمع البدعة".
يقول ابن عساكر في بيان رأيه في أن أبا الحسن الأشعري هو مجدد القرن الثالث وليس هو أبا العباس بن سريج: "وقول من قال إنه أَبو الحسن الأشعري أصوب؛ لأن قيامه بنصرة السُّنَة إلى تجديد الدين أقرب، وهو الذي انتدب للرد على المعتزلة وسائر أصناف المبتدعة المضللة، وحالته في ذلك مشتهرة، وكتبه في الرد عليهم منتشرة، فأما أَبو العباس ابن سريج فكان فقيهًا مضطلعًا بعلم أصول الفقه وفروعه نبيهًا" (٢).
ولا ينبغي أن ينحصر أثر المجدد في دائرة ضيقة، ولا أن يقتصر النفع به في مجال محدود، بل إن السلف قد رأوا أن من يستحق ذلك اللقب ينبغي أن يعم علمه ونفعه أهل عصره (٣). وأن تكون آثاره ومؤلفاته مشهورة ذائعة، وأن تكون جهوده الإصلاحية ذات تأثير بيِّن في اتجاهات الفكر والعلم وفي حياة
стр. 44
الناس. ومن المعايير لمعرفة تأثير المجدد ما يتركه خلفه من أصحاب وتلاميذ ينشرون آراءه، ويوسعون دائرة الانتفاع بمصنفاته وأعماله الإصلاحية. يقول الزين العراقي: "وسبب الظن في ذلك -يعني: تعيين المجدد- شهرة من ذكر بالانتفاع بأصحابه ومصنفاته" (١). أو بعبارة أخرى يمكن أن يقال: أن يتكون في حياة المجدد ومن بعده اتجاه علمي وعملي متميز، أو إن شئت قلت: مدرسة أو مذهبًا، أو حركة، أو جماعة، وهي ألفاظ متقاربة تدل على الأثر الذي ينبغي للمجدد أن يتركه وإلا لم يعد مجددًا، وهذا الشرط ليس شرطًا اعتباطيًا تحكميًا، وإلا فهل يقال: إن أثر المجدد ينتهي بنهاية حياته؟
وقت بعث المجدد:
تلك مجملًا المقاييس التي تذكر عند تعداد وحصر المجددين، وعلى أساسها تساق الحجج والأدلة عند الاختلاف فيمن هو المجدد. وهي كما رأينا مقاييس عامة وليست دقيقة الدقة كلها، وإذا أفلحت هذه المقاييس في إخراج الكثيرين، ممن يمكن أن يزعم أنهم من المجددين، إلا أنها قد لا تكون كافية لحصر المجددين في واحد أو اثنين. ومن السهولة بمكان أن نلاحظ أن كثيرًا من العلماء والمشهورين قد جمعوا هذه الصفات. إلا أن هناك ضابطًا آخر أشار إليه السلف، وهو ما يمكن أن يسمى بالضابط الزمني وهو الذي أشار إليه الحديث من أن المجدد يبعث على رأس المائة. يقول الكرماني (أحد شراح صحيح البخاري): "قد كان قبيل كل رأس مائة أيضًا من يصحح ويقوم بأمر الدين، وإنما المراد من انقضت المائة وهو حي عالم مشار إليه". وقد ذكر معنى هذه العبارة ابن الأثير والسيوطي وغير واحد من السلف (٢).
ورأس المائة يقصد به هنا آخر المائة، وهذا هو أحد معاني هذه اللفظة لغة، وهذا يعني أن تجديد الدين على يد المجدد يكون في نهاية كل مائة سنة. وجاءت لفظة (رأس المائة) هذه بنفس هذا المعنى في حديث آخر، وهو حديث ابن عمر في الصحيحين: "أرأيتم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى
стр. 45
ممن هو على ظهر الأرض أحد" (١). فمن الواضح أن المراد برأس المائة في هذا الحديث هو آخر المائة سنة، ولا يفهم من ذلك بحال أن المراد أولها. وكذلك الحديث الذي أخرجه الترمذي في الشمائل عن أنس: "بعثه الله رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين وتوفاه الله إلى رأس ستين سنة" فالمقصود بذلك آخر المدة المذكورة. وعلى هذا الفهم استقر رأي جمهور السلف (٢). وفي نظري أن الرأي الذي يخالف هذا ويذهب على أن المراد برأس القرن أوله خلاف لا طائل تحته، إذ أنه مما لا شك فيه أن نهاية أي قرن هي بداية لقرن آخر (٣).
وكذلك استقر رأي السلف على أن حساب المائة سنة يكون باعتبار التاريخ الهجري، وبالرغم من أن الحديث محتمل لتفسيرات أخرى، فقد كان من الممكن أن يبدأ حساب المائة سنة من وفاة النبي ﷺ ، أو من بعثته أو حتى من مولده (٤). وبخاصة أن الحديث سابق لاستخدام التاريخ الهجري المعروف.
وهناك رأي بأن تحديد وقت بعث المجدد برأس المائة ليس المراد منه التخصيص وإنما قد ذكر اتفاقًا، وعلى هذا الرأي يمكن أن يكون المجدد في أول المائة أو وسطها أو آخرها، وبخاصة أنه قد يكون في أثناء القرن من هو أفضل وأحق بلقب المجدد ممن هو في رأس القرن، ولو كان هذا الرأي مستندًا إلى دليل صحيح لكانت دائرة التجديد أوسع، ولدخل كثير من العلماء ممن لم يدركوا رأس المائة في أعداد المجددين، ولكن لم يقتنع بوجاهة هذا الرأي أحد ولم يجد له أصحابه دليلًا يسنده (٥).
وإذا كان ذكر رأس المائة أو نهاية القرن مقصودًا به التحديد، وهو لا ريب المقصود، إذ أنه لا توجد قرينة تجعل هذا التوقيت قابلًا للاحتمالات المختلفة، فما المراد من بعث المجدد عند نهاية القرن؟
стр. 46
ليس المراد من ذلك أن تكون وفاة المجدد عند نهاية القرن، بالرغم من أن ذلك هو الشائع وهو ظن الكثيرين، إذ أن كلمة (البعث) تدل على الإرسال والإظهار، والوفاة قبض وأخذ، وليست بعثًا أو إرسالًا. فالظاهر أن المراد أن تأتي نهاية القرن على المجدد وهو حي يقوم بعمل التجديد ويتصدى للإصلاح قد اشتهر بذلك وعرف عنه (١).
ولكن لما كان المرء لا يتأهل لهذه المرتبة ولا يصل إلى أن يكون مشارًا إليه في العلم قائمًا بأمر الإصلاح والتجديد إلا بعد أن تمضي فترة غير قصيرة من عمره، أو بعد أن تتقدم به السن غالبًا، فلهذا قد تختتم حياة المجدد قريبًا من نهاية القرن. ومن الأمثلة على ذلك عمر بن عبد العزيز الذي لا خلاف بين السلف في أنه مجدد القرن الأول وقد كانت وفاته سنة إحدى ومائة، وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف، وهي المدة التي كانت فيها جهوده الإصلاحية. والشافعي مجدد القرن الثاني توفي سنة أربع ومائتين.
وتطبيقًا لهذه القاعدة -وهي ظهور المجدد واشتهاره عند نهاية القرن- لم يدخل السلف في المجددين كثيرًا من المشهورين في أثناء القرن، فأحمد بن حنبل مثلًا، بالرغم من الاعتراف له بالفضل، والاعتراف له بتقديم وتصحيح الدين، إلا أن اسمه لا يرد في إحصائية المجددين التي قدمها ابن عساكر، أو ابن الأثير، أو السبكي، أو الزين العراقي، أو السيوطي (٢). ونجد أن ابن الأثير يذكر صراحة أنه استبعد أحمد بن حنبل من قائمة المجددين ويقول في ذلك: "وأما أحمد بن حنبل فلم يكن يومئذ -يعني: عند رأس القرن- مشهورًا فإنه مات سنة إحدى وأربعين ومائتين" (٣).
فنهاية القرن إذن هي التوقيت الزمني لكل دورة من دورات التجديد، وقد جعل السلف هذا التوقيت إحدى القواعد لضبط وحصر المجددين. فإذا انضم هذا التوقيت إلى بقية المقاييس التي ذكرناها، من الصفات التي يطلب توفرها في
стр. 47
المجدد، ونوع الأعمال التي تصلح أن تعتبر تجديدًا، وقوة الأثر الذي يتركه المجدد في عصره، كانت تلك كلها هي المؤشرات التي يعرف بها من هو مجدد القرن، وهي مؤشرات فقط وليست علامات قاطعة، وهي مع عمومها الذي رأيناه تصلح لأن تشير لأكثر من واحد في كل قرن، ومن أجل ذلك رشح أكثر من اسم في كل قرن لمنصب التجديد.
تعدد المجددين في القرن:
ومع الاختلاف حول أسماء المجددين، وتقديم أكثر من اسم في كل قرن؛ إلا أن جمهور السلف يرى أن المجدد لكل قرن واحد لا يتعدد، وإن كان هناك اختلاف في تعيينه. وقد نسب السيوطي هذا الرأي إلى الجمهور في منظومته عن المجددين (١). وليس لهذا القول حجة إلا الرواية التي أخرجها البيهقي لحديث التجديد من طريق أحمد بن حنبل، قال: "يروى في الحديث عن النبي ﷺ : "إن الله يمن على أهل دينه في رأس كل مائة سنة برجل من أهل بيتي يبين لهم أمر دينهم"، وإنى نظرت في سنة مائة فإذا هو رجل من آل رسول الله ﷺ وهو عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائة الثانية فإذا هو محمد بن إدريس الشافعي" (٢).
فقد جاء في هذه الرواية لفظ رجل، وهىِ أصرح في الدلالة على أن المجدد في القرن واحد. وتضيف هذه الرواية شرطًا آخر في المجدد وهو أن يكون من بيت النبوة وقد قوَّى السيوطي هذه الرواية (٣)، وكأنه فيما يبدو يذهب إلى أن المجدد من آل النبي ﷺ ، وأنه فرد لا يتعدد. ولكن لم تكن كل الأسماء التي قدمها للمجددين من البيت النبوي، وذلك في المنظومة نفسها التي ذكر فيها هذا الرأي. وفي الحقيقة لم يرد ذكر لأي اسم من أهل النبي ﷺ في القرون بعد الثاني في الإحصاءات التي بين أيدينا (٤). وذلك هو ما دفع السبكي لأن يتغلب على هذه الصعوبة بأن حصر جميع أسماء المجددين للقرون بعد الثاني، في أتباع
стр. 48
المذهب الشافعي، وذلك في رأيه لأن الشافعي وهو مجدد القرن الثاني وهو من أهل البيت قد صار "هو الإمام المبعوث الذي استقر أمر الناس على قوله، ومذهبه هو المذهب الذي استقر عليه الحال، وبعث في رأس كل مائة سنة من يقرر مذهبه" (١). وهذا عجيب من السبكي ولا أظن أحدًا تابعه على هذا الرأي؛ لأنه ليس له من دليل.
أما الاتجاه الآخر في قضية تعدد المجددين فهو الذي ذهب إلى أن المجدد في العصر الواحد يمكن أن يكون أكثر من واحد وقد تبنى هذا الاتجاه ابن الأثير، والذهبي، وابن كثير، وابن حجر (٢).
يقول ابن الأثير: "والأولى أن يحمل الحديث على العموم، فإن قوله ﷺ : "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" لا يلزم منه أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلًا واحدًا، وإنما قد يكون واحدًا وقد يكون أكثر منه، فإن لفظة من تقع على الواحد والجميع، وكذلك لا يلزم منه أن يكون أراد بالمبعوث الفقهاء خاصة كما ذهب إليه بعض العلماء، فإن انتفاع الأمة بالفقهاء وإن كان نفعًا عامًا في أمور الدين فإن انتفاعهم بغيرهم أيضًا كثير، مثل أولي الأمر، وأصحاب الحديث، والقراء، والوعاظ، وأصحاب الطبقات من الزهاد، فإن كل قوم ينفعون بنفع لا ينفع به الآخر. إذ الأصل في حفظ الدين حفظ قانون السياسة وبث العدل والتناصف الذي به تحقن الدماء ويتمكن من إقامة قوانين الشرع، وهذا وظيفة أولي الأمر، وكذلك أصحاب الحديث ينفعون بضبط الأحاديث التي هي أدلة الشرع، والقراء ينفعون بحفظ القراءات وضبط الروايات، والزهاد ينفعون بالمواعظ والحث على لزوم التقوى والزهد في الدنيا.
فكل واحد ينفع بغير ما ينفع به الآخر، ولكن الذي ينبغي أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلًا مشهورا معروفًا مشارًا إليه في كل فن من هذه الفنون.
فالأحسن والأجدر أن يكون ذلك إشارة إلى حدوث جماعة من الأكابر
стр. 49
المشهورين على رأس كل مائة سنة" (١).
ويسوق ابن حجر حججًا أخرى فيقول في "فتح الباري": "نبَّه بعض الأئمة على أنه لا يلزم أن يكون في رأس كل قرن واحد فقط، بل الأمر فيه كما ذكره النووي في حديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق"، في أنه يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب، وفقيه ومحدث ومفسر وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزاهد وعابد، ولا يلزم اجتماعهم ببلد واحد بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد وتفرقهم في الأقطار، ويجوز تفرقهم في بلد واحد وأن يكونوا في بعض دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولًا فأولًا، إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا أتى أمر الله".
قال الحافظ ابن حجر: "وهذا متجه فإن اجتماع الصفات المحتاج إلى تجديدها لا تنحصر في نوع من الخير، ولا يلزم أن جميع خصال الخير كلها في شخص واحد إلا أن يدعي ذلك في ابن عبد العزيز، فإنه كان القائم بالأمر على رأس المائة الأولى باتصافه بجميع صفات الخير وتقدمه فيها، ومن ثم ذكر أحمد أنهم كانوا يحملون عليه الحديث، وأما من بعده فالشافعي وإن اتصف بالصفات الجميلة والفضائل الجمة، لكنه لم يكن القائم بأمر الجهاد والحكم بالعدل. فعلى هذا كل من اتصف بشيء من ذلك عند رأس المائة هو المراد، تعدد أم لا" (٢).
ويرى ابن كثير أن المجددين هم حملة العلم في كل عصر، يقول في ذلك: "الصحيح أن الحديث -يعني: حديث التجديد- يشمل كل فرد من آحاد العلماء من هذه الأعصار ممن يقوم بفرض الكفاية في أداء العلم عمن أدرك من السلف إلى من يدركه من الخلف" (٣).
إحصاء المجددين:
وقد أثر هذان الاتجاهان للسلف في نظرتهم إلى تعدد المجددين في تسمية وإحصاء المجددين في كل قرن. ويمكن اعتبار قائمة ابن الأثير التي أورد فيها
стр. 50
أسماء المجددين مثالًا للاتجاه الذي ينصر التعدد. وأما الاتجاه الآخر الذي لا يرى التعدد فيتمثل في قائمة السيوطي، التي قد ضمت إحصائية ابن عساكر والسبكي والزين العراقي (١). ونسوق فيما يلي إحصائية ابن الأثير (٢) وإحصائية السيوطي (٣) للمجددين.
قائمة ابن الأثير (٤):
المائة الأولى:
١ - عمر بن عبد العزيز ... من أولي الأمر
٢ - محمد بن علي الباقر ... من الفقهاء بالمدينة
٣ - القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ... من الفقهاء بالمدينة
٤ - سالم بن عبد الله بن عمر ... من الفقهاء بالمدينة
٥ - مجاهد بن جبر ... من الفقهاء بمكة
٦ - عكرمة مولى ابن عباس ... من الفقهاء بمكة
٧ - عطاء بن أبي رباح ... من الفقهاء بمكة
٨ - طاووس ... من الفقهاء باليمن
٩ - مكحول ... من الفقهاء بالشام
١٠ - عامر بن شرحبيل الشعبي ... من الفقهاء بالكوفة
١١ - الحسن البصري ... من الفقهاء بالبصرة
١٢ - محمد بن سيرين ... من الفقهاء بالبصرة
١٣ - عبد الله بن كثير ... من القراء
١٤ - محمد بن شهاب الزهري ... من المحدثين
стр. 51
المائة الثانية:
١ - المأمون بن الرشيد ... من أولي الأمر
٢ - الشافعي ... من الفقهاء
٣ - الحسن بن زياد اللؤلؤي ... من أصحاب أبي حنيفة
٤ - أشهب بن عبد العزيز ... من أصحاب مالك
(وأما أحمد بن حنبل فلم يكن يومئذ مشهورًا)
٥ - علي بن موسى الرضا ... من الإمامية
٦ - يعقوب الحضري ... من القراء
٧ - يحيى بن معين ... من المحدثين
٨ - معروف الكرخي ... من الزهاد
المائة الثالثة:
١ - المقتدر بالله ... من أولى الأمر
٢ - أبو العباس بن سريج ... من فقهاء الشافعية
٣ - أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي ... من فقهاء الحنفية
٤ - . . . . . . . . . (١) ... من المالكية
٥ - أبو بكر بن هارون الخلال ... من الحنابلة
٦ - أبو جعفر محمد بن يعقوب الرازي ... من الإمامية
٧ - أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ... من المتكلمين
٨ - أبو عبد الرحمن بن شعيب النسائي ... من المحدثين
المائة الرابعة:
١ - القادر بالله ... من أولى الأمر
٢ - أبو حامد أحمد بن طاهر الاسفراييني ... من الشافعية
٣ - أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي ... من الحنفية
٤ - أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر ... من المالكية
стр. 52
٥ - أبو عبد الله الحسين بن علي بن حامد ... من الحنابلة
٦ - المرتضى الموسوي ... من الأمامية
٧ - القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني ... من المتكلمين
٨ - الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك ... من المتكلمين
٩ - أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري الحاكم ... من المحدثين
١٠ - أبو الحسن علي بن أحمد الحمامي ... من القراء
١١ - أبو بكر محمد بن علي الدينوري ... من الزهاد
المائة الخامسة:
١ - المستظهر بالله ... من أولى الأمر
٢ - الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي ... من الشافعية
٣ - القاضي فخر الدين محمد بن علي المروزي ... من الحنفية
٤ - . . . . . . . . . (١) ... من المالكية
٥ - أبو الحسن علي بن عبيد الله الزاغوني ... من الحنابلة
٦ - رزين بن معاوية العبدري ... من المحدثين
٧ - أبو العز محمد بن الحسين بن بندر القلانسي ... من القراء
قائمة السيوطي:
للقرن الأول ... عمر بن عبد العزيز
للقرن الثاني ... الشافعي
للقرن للثالث ... الأشعري أو: ابن سريج
للقرن الرابع ... الباقلاني أو: الإسفراييني
للقرن الخامس ... الغزالي أو: الرافعي
стр. 53
للقرن السابع ... ابن دقيق العيد
للقرن الثامن ... سراج الدين البلقيني أو: زين الدين العراقي
للقرن التاسع ... السيوطي
وإذا أضيف إلى هاتين القائمتين الأسماء التي زادها غير هؤلاء أصبحت بين أيدينا إحصائية شاملة بمن سمَّاهم السلف مجددين حتى القرن التاسع (١) والأسماء الإضافية هي (٢):
١ - أحمد بن حنبل ... عدّه أبو سهل الصعلوكي
٢ - أبو نعيم الاستراباذي ... عدّه أبو سهل الصعلوكي
٣ - أبو إسحاق الشيرازي للقرن الرابع ... عدّه الزين العراقي
٤ - السلفي ... للقرن الخامس عدّه الزين العراقي
٥ - الحافظ عبد الغني المحدث ... للقرن السادس عدّه الذهبي
٦ - النووي ... للقرن السادس عدّه الزين العراقي
٧ - الأسنوي ... للقرن الثامن عدّه الزين العراقي
خاتمة
وإذا كان لي أن أبدي رأيًا في هذه القضية، فإن رأي تعدد المجددين في العصر الواحد يبدو أقرب للقبول؛ لأنه لا يمكن الادعاء أن واحدًا فقط في أي عصر من العصور قد تمتع بمؤهلات فريدة لا يشاركه فيها غيره، كما لا يمكن الادعاء أن واحدًا فقط في أي عصر من العصور قد عم تجديده جميع مجالات الدين، مع حاجة الدين إلى التجديد في أكثر من مجال (٣)، وإن كان من ناحية أخرى لا أظن أن عدد المجددين في كل قرن يصل إلى ذلك العدد الكثير الذي أحصاه ابن الأثير.
стр. 54
وأيًا كان الأمر فإن ذلك في نظري قد يكون أشبه بقضية عدد أصحاب الكهف، لا ترقى إلى أكثر من المراء الظاهر، فسواء كانوا ثلاثة أو خمسة أو سبعة فإن العلم بعددهم ليست له ثمرة، كما أن الجهل به لا يضر. وكذلك قضية المجددين، فسواء أشركنا أكثر من واحد في نيل هذا اللقب أو حصرناه في واحد فقط؛ فإن ذلك ليس أمرًا ذا بال. فإنه لا أحد من المجددين يكون باعثه من وراء تجديده أن يسمى عند الناس بهذا اللقب، كما أنه لا يضيره أن يعترف الناس له بهذا اللقب أو ألا يعترفوا، فمنصب المجدد ليس منصبًا ينال به المرء الامتيازات في الدنيا. ومن ناحية أخرى لا تشمل بنود العقيدة الإسلامية بندًا خاصًا بضرورة الاعتراف لواحد بعينه بمنصب التجديد، فسواء وقع ذلك الاعتراف أو لم يقع فالأمر واحد، ولا يمكن الطعن في عقيدة أحد بسبب ذلك.
إلا أنه من الأهمية بمكان أن يتحلى المرء بالنظر المنصف، وأن يتحرى بصدق وتبعًا لمقاييس صحيحة؛ من يستحق أن يعد مجددًا ومن لا يستحق. لأن إلصاق هذا اللقب بمن هو بعيد عنه كل البعد هو نوع من التزوير والتزييف، ومن آثاره الضارة انخداع الناس به وترويج لآرائه الخاطئة، كما أن تعداد وتزكية من يستحق أن يوصف بأنه مجدد، سواء اتفقنا على ذلك أو اختلفنا، وسواء أصبنا عين الحقيقة أو قاربنا الصواب، فإن في هذا التعداد والحصر فوائد ملموسة، ويكفي أن تكون سيرة هؤلاء الأعلام نموذجًا ومثالًا يحفز الناس لاقتفاء آثارهم واتباعهم واتخاذهم أسوة وقدوة، وهم من أحق الناس أن تكون فيهم القدوة والأسوة الحسنة.
стр. 55
الفصل الثاني نماذج من جهود المجددين
стр. 56
الفصل الثاني نماذج من جهود المجددين
تمهيد:
اقتصرت معظم الدراسات التي تناولت المجددين -على قلَّتها- على بسط سيرتهم الفردية وترجمة حياتهم الشخصية، والخلفية التي كونت ذهنيتهم، والصفات التي أهلتهم لحمل راية التجديد، والميادين التي كانت فيها جهودهم. إلا أن هذه النظرة الجزئية لأعمال المجددين كلًّا على حدة على ما فيها من المنافع والمزايا، لا تصلح لإعطاء تصور كامل لمفهوم التجديد؛ وإذا كانت أعمال المجددين هي أحد المصادر التي نستنبط منها ماهية عمل التجديد، فلابد من نظرة كلية فاحصة لجميع الأعمال التي قام بها المجددون على مر العصور، ومحاولة تصنيفها تحت عناوين جامعة لتشكل في مجموعها مقومات عمل التجديد ومجالاته.
واتباعًا لهذا المنهج ومحاولة لتحقيق الغاية من ورائه نلقي هذه النظرة على أعمال المجددين.
الإصلاح السياسي والسعي لإعادة الخلافة الراشدة:
من أهم الميادين التي نالت عناية المجددين الإصلاح السياسي والسعي
стр. 57
لإعادة الخلافة الراشدة. والخلافة هي عنوان نظام الحكم الإسلامي، وأسس هذا النظام قد جاء بيانها في الكتاب والسُّنة وآراء الفقهاء، وقد تناولتها أقلام كثيرة بالتوضيح والتفصيل، وحتى يكون في مقدورنا أن نفهم جهود المجددين لإعادة هذا النوع من أنواع الحكم، فلابد من أن نلم بطرف من المبادئ الأساسية التي يشيد عليها بناء الخلافة الراشدة. وفيما يلي أربعة من أهم هذه المبادئ:
خصائص الخلافة الراشدة (١):
هذه الخصائص مأخوذة من قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء: ٥٨] وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١].
وهذه الخصائص هي:
أولًا: الشورى، وهذا المبدأ يدخل في طريقة اختيار الخليفة، كما يشمل طريقة تسيير دفة الحكم، ويتضمن بالضرورة الحق في إبداء الرأي وتوجيه النقد النزيه الذي غايته إظهار الحق.
ثانيًا: الأمانة، وتنفيذ هذا المبدأ، يعني: اختيار الأصلح لمناصب الدولة ممن تتوفر فيهم الكفاءة وحسن السيرة، دون محاباة أو عصبية، كما يعني هذا المبدأ حسن التصرف في المال العام والتزام الشرعية في جمعه من موارده وإنفاقه في مصارفه.
ثالثًا: العدل في الحكم، ومن لوازمه: الحكم بما أنزل الله تعالى دون تأويل أو تحريف أو تجزئة، والمساواة بين الناس من غير أن تكون لأي فئة دائرة من الحصانة والامتيازات.
رابعًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا مبدأ جامع، ومن
стр. 58
تفاصيله السعي لإصلاح دين الرعايا، ونشر العلم، وإقامة الجهاد لتمكين الإسلام وإعلائه في الأرض.
وقد اكتمل تنفيذ هذه المبادئ في الصدر الأول من تاريخ الإسلام، وظلت الخلافة الراشدة في الأرض ثلاثين سنة كما جاء في الحديث "الخلافة بعدي ثلاثين سنة ثم تكون ملكًا" وهذه المدة انتهت في ربيع الأول عام (٤١ هـ) حين تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية (١) ﵄. فأيام معاوية هي أول أيام الملك وهو أول ملوك الإسلام وخيارهم (٢).
ثم بدأت هذه المبادئ تنهار الواحدة تلو الأخرى، وتضعف شيئًا فشيئًا إلى أن أزيل من الأرض في هذا العصر اسم الخلافة بالكلية، وأصبحت الزعامة والقيادة في أيدي العتاة والجبارين. وقد اتجهت جهود المصلحين والمجددين من الأمة الإسلامية في كل العصور لهذه الناحية التي هي من أهم واجبات الدين سعيًا وراء إعادة الخلافة الراشدة.
جهود عمر بن عبد العزيز:
وقد بذل أول المجددين في الإسلام عمر بن عبد العزيز جهودًا كبيرة لتحقيق هذه الغاية، مع قرب عهده من عهد النبوة ومع قلة الانحرافات. وهذه بعض الأمثلة في سبيل إعادة العمل بالمبادئ الأربعة السابقة.
فمن أجل إقامة مبدأ الشورى في اختيار الخليفة كانت أول خطوة له هي محاولة إصلاح الطريقة التي تقلد بها هو نفسه منصب الخلافة. فمن المعلوم أن اختياره خليفة لم يكن عن شورى من المسلمين، إنما جاءته الخلافة بوصفه أحد أفراد العائلة الحاكمة، ولما كان الخليفة قبله ليس له ولد من نسله أهل لأن يورثه الملك، فقد عهد باستشارة من أحد وزرائه الصالحين بالحكم إلى عمر بن عبد العزيز، ولم يكن لعمر علم بالأمر. وحين تليت الوصية بتنصيبه خليفة في اجتماع عام في المسجد، أخذه الناس مكرهًا وأجلسوه على المنبر ومدوا أيديهم له مبايعين (٣)، إلا أن عمر لم يكن راضيًا عن ذلك كله، فقام من فوره وأعلن
стр. 59
استقالته تاركًا الأمر شورى للمسلمين. وجاء في خطبة الاستقالة: "أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر، عن غير رأي كان مني ولا طلبة له ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي فاختاروا لأنفسكم ولأمركم من تريدون". فصاح المسلمون صيحة واحدة "قد اخترناك لأنفسنا وأمرنا ورضينا كلنا بك". . . . فقبل الخلافة بعد ذلك (١).
وقد كان صادقًا في نيته إلغاء نظام الوراثة في الحكم، وبدأ يعد العدة لإعلان ذلك ويمهد له، إلا أن بني أمية خشية أن يخرج الأمر من أيديهم دسوا له سمًّا فقتلوه قبل أن يتم إعادة العمل بمبدأ الشورى في كل نواحيه (٢).
أما عن تسيير دفة الحكم بالشورى فقد كان عمر معروفًا بذلك قبل أن يكون خليفة، حين كان واليًا على المدينة المنورة، فقد اشتهر عنه أنه كان إذا رفع له أمر مشكل جمع فقهاء المدينة، وكان قد اختار عشرة منهم، فكان لا يقطع أمرًا دونهم (٣)، فكانوا هم مجلس شوراه. وحين تولى الخلافة قرّب أهل الخير وانقشع عنه الشعراء والخطباء، وثبت معه الفقهاء والزهاد (٤)، فكان أولئك هم أهل مشورته.
وقد أتاح عمر بن عبد العزيز حرية التعبير وإبداء الرأي والنقد البناء، وبلغت سعة صدره في ذلك أن استدعى بعض الخارجين والمتمردين عليه وناقشهم في انتقاداتهم له، وكان من ضمن ما انتقدوه عليه عدم إلغائه نظام الوراثة في الحكم، فقبل منهم ذلك النقد (٥)، وعقد العزم على إصلاح ذلك الخطأ.
وفي سبيل تحقيق مبدأ الأمانة في الحكم عمد إلى الأمناء وأصحاب الأهلية، فقلَّدهم مناصب الدولة، وعزل من لا تتوفر فيه مؤهلات المنصب، وقد
стр. 60
كانت تلك هي سياسته التي لم يترك مناسبة إلا وأعلن عنها، ومن بعض تعليماته في هذا الشأن ما كتبه لأحد ولاته:
"لا تولّين شيئًا من أمور المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم والتوفير عليهم، وأدى الأمانة فيما استرعي" (١).
وكتب أيضًا:
"ألا يستعمل على الأعمال إلا أهل القرآن، فإن لم يكن عندهم خير فغيرهم أولى أن لا يكون عنده خير" (٢).
وقد صرَّح كثير من الأئمة بأن كل من استعمله عمر بن عبد العزيز فهو (ثقة) (٣)؛ وهي مرتبة من مراتب العدالة عند أصحاب الحديث، وتلك شهادة عظيمة بالمدى الذي بلغه عمر بن عبد العزيز في تنفيذ مبدأ الأمانة في إسناد الوظائف لمستحقيها.
أما الأمانة في الأموال والتزام الشرعية في جمعها من مصادرها وإنفاقها في مصارفها فقد ضرب فيها عمر بن عبد العزيز أمثلة رائعة. ففي خاصة نفسه التزم الزهد وعاش عيشة البسطاء لا عيشة الملوك، وظهر عليه هذا الخلق منذ أول حركة بدت منه بعد توليه الخلافة، فقد امتنع عن ركوب المراكب الملكية (وهي الخيول الحسان الجياد المعدة لذلك) واكتفى بما كان يركب من قبل (٤)، ثم أمر بعد ذلك ببيع هذه المراكب وجعل أثمانها في بيت المال (٥). ورفض السكنى في قصر الخلافة وسكن منزله العادي (٦). ورد جميع الأموال التي كانت تحت ملكه بغير حق إلى بيت المال (٧)، حتى أنه رد فص خاتم كان في يده قال: أعطانيه الوليد من غير حقه (٨). وكان لا يقبل الهدية، ويقول: كانت الهدية لرسول الله ﷺ
стр. 61
هدية فأما نحن فهي لنا رشوة (١).
ثم بعد أن بدأ بنفسه اتجه إلى أموال الأسرة الحاكمة التي أخذت بغير حق، فأمر بأموال جماعة من بني أمية فردها إلى بيت المال وسماها أموال المظالم (٢).
وكان شديدًا في تنفيذ هذه السياسة حتى إنه سجن أحدهم حتى يؤدي أموال المسلمين (٣).
وكانت سياسة الدولة المالية تسير وفق مبدأ الأمانة، فقد منع الضرائب والمكوس والعشور التي فرضتها الحكومة (٤)، مخالفة فيها الشريعة الإسلامية. ومن أعماله المشهورة في هذا الشأن عزله لأحد الأمراء عن ولاية أحد أقاليم الدولة؛ لأنه كان يأخذ الجزية ممن يسلم من أهل الكتاب مدعيًا أنهم يسلمون فرارًا من الجزية، فكانت نتيجة ذلك أن امتنعوا عن الإسلام وثبتوا على دينهم، فعزله عمر وكتب إليه كلمته الخالدة: "إن الله إنما بعث محمدًا ﷺ داعيًا ولم يبعثه جابيًا" (٥).
وكان عمر بن عبد العزيز يصرف المال العام في مرافق المسلمين ومصالحهم وفي سبيل توفير الخدمات لهم، فقد كان يوسع على عماله وموظفي الدولة، يعطي الرجل منهم في الشهر مائة دينار ومائتي دينار، وهو مبلغ كبير في ذلك العصر، وكانت سياسته في ذلك أنهم إذا كانوا في كفاية تفرغوا لأشغال المسلمين (٦). وأجرى عمر الرواتب لمن يتفرغ لنشر العلم والفقه وتعليم القرآن (٧).
والمبدأ الثالث الذي كان أحد مميزات خلافة عمر بن عبد العزيز هو مبدأ
стр. 62
العدل في الحكم، فلم تكن حكومته حكومة تسلط وجبروت تفرض سلطانها على الناس بقوة السلاح والإرهاب، ولم تكن حكومة بطش وظلم تتجسس على الناس وتأخذهم بالتهم والظنون. ونسوق هنا حادثتين تكفيان في الدلالة على سيادة هذا المبدأ على تصرفات الحكومة في عهد عمر.
قال يحيى الغساني:
"لما ولّاني عمر بن عبد العزيز الموصل، قدمتها فوجدتها من أكثر البلاد سرقة ونقبًا، فكتبت إليه أعلمه حال البلد، وأسأله آخذ الناس بالظنّة وأضربهم على التهمة، أو آخذهم بالبينة وما جرت عليه السُّنَّة. فكتب إلي أن آخذ الناس بالبينة وما جرت عليه السُّنَّة فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله. قال يحيى: ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقلها سرقة ونقبًا" (١).
الحادثة الثانية تبين هذا الاتجاه في ولاية أخرى من ولايات الدولة:
كتب الجراح بن عبد الله الوالي على خراسان إلى عمر بن عبد العزيز: "إن أهل خراسان قوم ساءت رعيتهم وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك". فكتب إليه عمر: "أما بعد فقد بلغني كتابك، تذكر أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط فقد كذبت، بل يصلحهم العدل والحق فأبسط ذلك فيهم" (٢).
والمبدأ الرابع من مبادئ الخلافة الراشدة هو السعي لإصلاح دين الرعايا وأخلاقهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكانت هذه المهمة قد تحولت إلى أيدي العلماء والفقهاء الذين أصبحوا يشكلون القيادة الدينية في الأمة، أما القيادة السياسية فقد كانت بأيدي الخلفاء والولاة وقواد الجيوش. وانفصال القيادة السياسية عن القيادة الدينية كان أثرًا من الآثار السيئة لتحول الحكم إلى ملك وراثي (٣) منذ بداية العهد الأموي.
стр. 63
وقد عمل عمر بن عبد العزيز جاهدًا لإعادة هذه الخصيصة الهامة من خصائص الخلافة الراشدة. فعمر نفسه يُعد من كبار علماء التابعين حتى قيل: كانت العلماء عند عمر بن عبد العزيز تلامذة (١)، وقد ظهر عليه منذ الصغر الحرص على تعلم العلم والرغبة في الأدب، وأرسله أبوه وهو حديث السن إلى المدينة المنورة، فجالس علماءها وتأدب بآدابهم (٢)، وجالس بعض الصحابة منهم أنس بن مالك وروى عنهم الحديث (٣)، وأثنى أنس على حسن اقتداء عمر بن عبد العزيز بالرسول ﷺ حين كان عمر واليًا على المدينة المنورة فقال: ما صليت وراء إمام أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ من هذا الفتى (٤). وكان عمر قبل الخلافة على قدم الصلاح أيضًا إلا أنه كان يبالغ في التنعم (٥). ويُعد عمر من فقهاء الأمة المجتهدين حتى قال عنه أحمد بن حنبل: لا أدري قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز (٦).
وحين ولي الخلافة كان أحد أعماله البارزة الاهتمام بإصلاح الأخلاق، فكان كثير الخطب والمواعظ، يكتب إلى عماله يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر، ويبين لهم الحق ويوضحه لهم ويعظهم (٧)، وخطبه ومواعظه ورسائله في ذلك كثيرة ومشهورة، وكان من آثار هذا الإصلاح ما يقول عنه الطبري في تاريخه مقارنًا عهد عمر بعهود الحكام السابقين له:
"كان الوليد صاحب بناء واتخاذ المصانع والضياع، وكان الناس يلتقون في زمانه فإنما يسأل بعضهم بعضًا عن البناء والمصانع. فولي سليمان فكان صاحب نكاح وطعام، فكان الناس يسأل بعضهم بعضًا عن التزويج والجواري، فلما ولي عمر بن عبد العزيز كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل: ما وراءك الليلة؟ وكم
стр. 64
تحفظ من القرآن؟ ومتى تختم؟ ومتى ختمت؟ وما تصوم من الشهر؟ " (١).
ومن أجل هذه الأعمال كلها وهذا السعي لإعادة العمل بوظائف الخلافة الراشدة، أجمع العلماء قاطبة على أن عمر بن عبد العزيز من أئمة العدل وخامس الخلفاء الراشدين المهديين. ومن الأقوال في ذلك ما رواه أبو داود في سننه عن الثوري قال: الخلفاء خمسة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر (٢).
المجددون والإصلاح السياسي:
وبعد وفاة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أصابت النكسة مرة أخرى نظام الخلافة وعاود سيره إلى الوراء. وكانت الجهود لإحداث التغيير السياسي المنشود تسير في خطين: الخط الأول: طريق الخروج المسلح، والخط الثاني الطريق السلمي، الذي اعتمد أسلوب توجيه النقد وإسداء النصح، سواء كان ذلك بالكلمة الملفوظة أو الكلمة المكتوبة.
ولم يسلك أحد من المجددين الطريق الأول وإن كان بعضهم قد اتّهم بالتحريض الخفي في بعض أعمال العنف والتمرد، ولكن تلك التهم لم تثبت. فالشافعي مثلًا قد اتهم مع جماعة بمحاولة الشروع في الثورة وحمل مكبلًا في قيده من اليمن إلى بغداد، ولكنه استطاع أن يثبت براءته أمام السلطات (٣).
ولو أحصى أحد محاولات الثورات المسلحة التي قامت في وجه الحكم في التاريخ الإسلامي لبلغ بها عددًا كبيرًا. وفي إحصائية عن مرات الخروج المسلح الذي قام به أئمة الشيعة خلال مائتي سنة، من (٦٠ هـ) إلى عام (٢٥٦ هـ)، وصل العدد إلى أكثر من عشرين محاولة (٤)؛ أي: بمعدل تمرد كل عشر سنوات. ويقول نفس الكاتب عن ثورات الخوارج: ولو ذكرنا من خرج من الخوارج لطال الكتاب (٥). وقد كان هذا الموقف نابعًا من أن هؤلاء كانوا يرون
стр. 65
أن الخروج بالسيف واجب إذا أمكن أن يزال بالسيف أهل البغي ويقام الحق (١).
غير أن التاريخ قد أثبت أن هذا الطريق غير مأمون العواقب، وقد كانت نتيجة هذه الثورات جميعها الفشل الذريع، وكان ضررها أكبر من نفعها.
ولهذه الآثار السيئة التي تترتب على الثورة المسلحة، وبخاصة التي لا يكون احتمال نجاحها قويًا، من إثارة الفتن وإراقة الدماء وكثرة التدمير والتخريب، استقر الرأي على تحريم الخروج على الإمام الفاسق في نفسه والذي لا يغير الشرع. يقول النووي مبينًا هذا الرأي: "قال جماهير أهل السُّنَّة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين لا يعزل الإمام بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه للأحاديث الواردة في ذلك". ويبدو أنه قد كان في هذا خلاف أول الأمر، ويدل على ذلك ثورة الحسين وابن الزبير وأهل المدينة المنورة على بني أمية، وثورة جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج، ثم مالت الآراء إلى ما بيَّنه النووي (٢).
والمقصود أنه لم يقم أحد من المجددين بخروج مسلح على الحكومات الظالمة في عهودهم، بل إن العمل السياسي نفسه قد كان عملًا ثانويًا بالنسبة لمعظمهم، وانحصرت جهود الذين أثر عنهم شيء من الجهد في هذا المضمار في توجيه النقد، وإسداء النصح للحكام، عن طريق الكلام أو عن طريق الكتابة، وإن كان عملهم ذاك قد اتسم بالجرأة في الحق والشجاعة النادرة والتجرد من الأغراض والأطماع الدنيوية، مما جعل لكلماتهم مفعولًا قويًا وأثرًا نافذًا وقبولًا عند الحكام والجماهير وكانت الكلمة بذلك أصلح من السيف.
إصلاحات الغزالي السياسية:
وكنموذج لهذا الاتجاه نسوق أمثلة من جهود الغزالي، المجدد للمائة الخامسة، ونقدم بين يدي ذلك رأيه في طريقة الإصلاح السياسي كما يراها. يقول في كتابه "الإحياء":
стр. 66
"قد ذكرنا درجات الأمر بالمعروف، وأن أوله التعريف، وثانيه الوعظ، وثالثه التخشين في القول، ورابعه المنع بالقهر، فالحمل على الحق بالضرب والعقوبة. والجائز من جملة ذلك مع السلاطين الرتبتان الأوليان وهما التعريف والوعظ، وأما المنع بالقهر فليس ذلك لآحاد الرعية مع السلطان، فإن ذلك يحرك الفتنة ويهيج الشر ويكون ما يتولد منه من المحذور أكثر. وأما التخشين في القول كقوله: يا ظالم يا من لا يخاف الله وما يجري مجراه، فذلك إن كان يحرك فتنة يتعدى شرها إلى غيره لم يجز، وإن كان لا يخاف إلا على نفسه فهو جائز بل مندوب إليه، فلقد كان من عادة السلف التعرض للأخطار والتصريح بالإنكار من غير مبالاة بهلاك المهجة، والتعرض لأنواع العذاب لعلمهم بأن ذلك شهادة. قال رسول الله ﷺ : "خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب ثم رجل قام إلى إمام فأمره ونهاه في ذات الله فقتله على ذلك" (١).
ثم حكى حوادث كثيرة عن السلف وأمثلة من مواجهتهم للحكام، وختم هذا المبحث بكلمات لاذعة سخر فيها من صمت العلماء في عصره، وأكد أن ذلك الصمت هو سبب الظلم الواقع من السلطة الحاكمة، مع تقديم تحليل لأسباب ودوافع هذه السلبية، فيقول تعقيبًا على مواقف السلف من الحكام:
"فهذه كانت سيرة العلماء وعادتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقلة مبالاتهم بسطوة السلاطين، لكونهم اتكلوا على فضل الله أن يحرسهم ورضوا بحكم الله تعالى أن يرزقهم الشهادة، فلما أخلصوا لله النية أثّر كلامهم في القلوب القاسية فلينها وأزال قساوتها، وأما الآن فقد قيدت الأطماع ألسن العلماء فسكتوا، وإن تكلموا لم تساعد أقوالهم أحوالهم فلم ينجحوا، ولو صدقوا وقصدوا الحق لأفلحوا".
ثم يقول:
"ففساد الرعايا بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، وفساد العلماء باستيلاء حب المال والجاه، ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل فكيف على الملوك والأكابر، والله المستعان على كل حال" (٢).
стр. 67
وهذه كلمات من نار في وجه حكم استبدادي لا يسمح بالمعارضة والنقد، وكيف إذا كانت هذه المعارضة في كتاب تداولته الأيدي ودخل كل بيت، وذاع وانتشر حتى يومنا هذا. وفي هذا الكتاب نجد أيضًا نقدًا مرًا يندد بسياسة الحكومة المالية في فصل عنوانه: "إدارات السلاطين وصلاتهم وما يحل منها وما يحرم" (١) تكلم فيه عن مصادر دخل السلاطين وطرق إنفاقهم والحلال والحرام من ذلك. وقد قرر في ذلك الفصل صراحة "أن أغلب أموال السلاطين حرام في هذه الأعصار والحلال في أيديهم معدوم أو عزيز" (٢)، وعقد فصلًا آخر عن نوع العلاقات مع الأمراء وموظفي الحكومة الظالمة بيّن فيه أن الأحسن والأفضل "أن يعتقد بغضهم على ظلمهم ولا يحب بقاءهم ولا يثني عليهم"، مع تقليل الصلات بهم ما أمكن "وإن اعتزلهم حتى لا يراهم ولا يرونه كان ذلك هو الواجب" (٣). وفي الجملة دعا إلى مقاطعة الحكومة الظالمة اقتصاديًا واجتماعيًا.
ولا شك أن هذه الدعوة قد أثرت في بعض أفراد المجتمع وبخاصة في أولئك الذين فيهم صلاح وتقوى، ولكن هؤلاء مهما كان عددهم كبيرًا إلا أنهم كانوا آحادًا وأفرادًا متفرقين وقد ينجح أحدهم في النجاة بنفسه من شرور الحكومة الظالمة، إلا أن ذلك لم يكن ليبلغ أن يكون حركة شعبية قوية، تهز عروش الحكام، بل كان أثر ذلك ضعيفًا ولم ينتج عنه أي نوع من التغيير السياسي. ولا يبدو أن الغزالي نفسه قد أراد من دعوته لهذه المقاطعة بلوغ هذا الهدف.
بالإضافة إلى هذين الأسلوبين في عمل الغزالي السياسي أسلوب توجيه النقد للحاكم في كتبه -والتحريض عليه وأسلوب المقاطعة فقد سلك الغزالي أسلوبًا ثالثًا، وهو كتابة الرسائل للملوك والوزراء كلما سنحت له فرصة وقد جاء في إحدى هذه الرسائل لأحد السلاطين:
"يا أسفا! إن رقاب المسلمين كادت تنقضّ بالمصائب والضرائب، ورقاب
стр. 68
خيلك تكاد تنقض بالأطواق الذهبية" (١).
ويكتب الغزالي لأحد الوزراء عن مدينته (طوس)، وكان هذا الوزير قد زارها، ولكن لم يكن لزيارته أثر في إصلاح الأحوال، وكانت تشكو من نقص المواد الغذائية وارتفاع الأسعار:
"اعلم أن هذه المدينة مدينة طوس أصبحت خرابًا بسبب المجاعات والظلم، ولما بلغ الناس توجهك من إسفرائين ودامغان خافوا وبدأ الفلاحون يبيعون الحبوب، واعتذر الظالمون إلى المظلومين واستسمحوهم لما كانوا يتوقعون من إنصاف منك واستطلاع للأحوال ونشاط في الإصلاح، أما وقد وصلت إلى طوس ولم ير الناس شيئًا فقد زال الخوف وعاد الفلاحون والخبازون إلى ما كانوا عليه من الغلاء الفاحش والاحتكار وتشجيع الظالمين. وكل من يخبرك من أخبار هذا البلد بخلاف ذلك فاعلم أنه عدو دينك" (٢).
هذه جوانب من إصلاحات الغزالي السياسية، وهي تمثل أسلوبًا من أساليب العمل السياسي الذي قام به المجددون، وليس من هدف هذا البحث استقصاؤها والحكم عليها وبيان الأثر الذي خلفته، بل الغرض من إيرادها هو بيان أن السعي لإعادة الخلافة الراشدة كان يشكل أحد أركان التجديد عند السلف، وحسبنا من هذه الصفحات التي تناولت جهود اثنين من أشهر المجددين أن نكون قد خرجنا بتأكيد هذه الحقيقة.
الشافعي في مجال الاجتهاد والتشريع:
إن العمل التشريعي الذي يجعل الفقه الإسلامي مواكبًا لتطورات الزمان وملبيًا لحاجات البشر لا يمكن أن يتم إلا بتحقيق علمي خاص وجهد فكري كبير. وهذا العمل هو المعروف بالاجتهاد في المصطلح الإسلامي. وكلمة الاجتهاد معناها لغة: بذل الجهد واستنفاذه، والمراد اصطلاحًا: بذل الجهد واستنفاذه في استجلاء حكم الإسلام في قضية من قضايا الفقه الجزئية (٣).
стр. 69
والصلة بين الاجتهاد والتجديد صلة ظاهرة، ذلك أن تجديد الدين هو بعثه وإحياؤه، والاجتهاد هو بيان حكم الدين في أمور الحياة التي لم تكن معروفة من قبل. ففي كل عصر لابد أن تحدث أقضية وتطرأ مسائل لم يتبين حكم الدين فيها، فلابد للمجدد وهو يعيد الناس إلى دائرة الدين ويصبغ شؤونهم بصبغته، أن يتناول هذه المسائل بالنظر والتمحيص ويبين موقف الدين منها، ويقدم حلولًا للمشاكل، ويضع الضوابط والحدود التي تسمح للحياة من جهة بالتطور والتغير، والتي تجعل من جهة أخرى ذلك التغير داخلًا تحت موازين الدين وقيمه ومحكومًا بإطاره وتصوراته.
ولقد قدمنا فيما سبق أن السلف جعلوا من مميزات المجدد وصفاته البارزة أن يكون مجتهدًا، ومن الأئمة في هذا الشأن الإمام الشافعي مجدد المائة الثانية، ولهذا تصلح أن تكون جهوده في مجال الاجتهاد نموذجًا من جهود المجددين في هذه الناحية الهامة من نواحي التجديد.
وليست ميزة الشافعي التي رفعته لأن يعد مجدد المائة الثانية هي أنه حاز درجة الاجتهاد، وكان مؤسسًا لمذهب فقهي انتشر في آفاق الأرض، ولكن ميزة الشافعي الكبرى والخدمة الهامة التي خدم بها الدين هي ما قام به من جهود في ميدانين: تدوين أصول الفقه والدفاع عن السُّنَّة.
تدوين أصول الفقه:
إذا كان الفقه هو أحكام الدين التفصيلية لشؤون الحياة العملية، فإن أصول الفقه هي الأسس والقواعد التي ينبني عليها هذا الفقه، فلا يتصور وجود الفقه بدون هذه الأصول. ويمكن القول إن أصول الفقه هي عبارة عن مجموع أدلة الفقه الكلية، ومعرفة طرق اقتباس الأحكام منها، ومن يحق له هذا الاقتباس (١). وأدلة الفقه الكلية هي مصادر التشريع وحججه العامة، وهي إحدى أقسام مباحث علم أصول الفقه الذي يبين هذه المصادر والأدلة التي تثبت أنها حجة. والقسم الثاني من مباحث هذا العلم ينظر في كيفية الاستدلال لاستخراج الأحكام
стр. 70
التشريعية من هذه المصادر، وفي القسم الثالث يبحث عن أنواع هذه الأحكام وأقسامها ودرجة الإلزام فيها، ويبحث في الصيغ اللغوية للنصوص وكيفية فهم المراد منها، ويبحث في مراتب الأدلة وطرق الترجيح بين المتعارض منها، ويبحث عن مقاصد الشريعة العامة التي تسعى لتحقيقها، وتشكل البحوث ذات الصلة بالاجتهاد والمجتهد القسم الثالث من أقسام أصول الفقه (١).
وتتضح أهمية أصول الفقه من إلقاء السؤال التالي: ما حدود حرية البشر في التشريع؟ (٢) إن من المسلم به باتفاق المسلمين كافة أن الحكم لله ولا يجترئ أحد ممن يدعي الإسلام على غير ذلك (٣)، فإذا كان الله هو الحاكم وهو مصدر التشريع وأن لا حكم إلا منه تعالى، فمن المسلم به أيضًا أن البشر ليس لهم حق التشريع استقلالًا. وقد أظهر الله أحكامه في نصوص الكتاب والسُّنَّة، ومهمة البشر الأولى أن يبذلوا أقصى ما عندهم من جهد في فهم هذه النصوص والأخذ منها مباشرة. أما ما لم يأت فيه نص فمهمة البشر الثانية أن يبذلوا أقصى ما عندهم من جهد لمعرفة حكم الله ، بواسطة الأمارات والدلائل التي جاءت بها النصوص. وتلك المهمة التي أوكلت للبشر مهمة خطيرة ودقيقة، فلابد والأمر كذلك من قواعد تضبط تشريع البشر وتبين طرق تفسير النصوص وتبحث في الأمارات والدلائل التي جاءت بها النصوص للاهتداء إلى كيفية التشريع بواسطتها، وهذه هي موضوعات بحث أصول الفقه.
وإذا أدركنا أهمية أصول الفقه أدركنا ضخامة المهمة التي نهض بها الإمام الشافعي، فقد كان ﵀ أول من انبرى لهذا الأمر، فكان أول من جمع مباحث أصول الفقه، وضم شتاتها، ودونها في كتاب واحد، وجعلها علمًا مستقلًا. "وقد اتفق الناس أنه أول من صنَّف في أصول الفقه وهو الذي رتب أبوابها، وميَّز بعض أقسامها عن بعض، وشرح مراتبها في القوة والضعف" (٤)، وذلك في كتابه المشهور "الرسالة". وسبب تأليف الشافعي لكتاب "الرسالة" هو أن
стр. 71
عبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨ هـ) -أحد أركان العلم بالحديث بالعراق- التمس وهو شاب من الشافعي أن يضع له كتابًا، يجمع فيه قبول الأخبار، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسُّنَّة، فوضع له الشافعي كتاب "الرسالة" وبعثها إليه، فلما قرأها عبد الرحمن بن مهدي سر بها سرورًا شديدًا (١). ثم إن الشافعي حين خرج إلى مصر وقام بتنقيح كثير من كتبه أعاد تصنيف كتاب "الرسالة" (٢)، وهذا التصنيف الهام هو الذي بين أيدينا اليوم (٣).
ولعله يبرز سؤال هام هنا وهو: ما المصادر التي استقى منها الشافعي موضوعات هذا الكتاب؟
قد يخطر في بال بعض الناس أن الشافعي اخترع مسائل أصول الفقه من عند نفسه، وأنه هو الذي ابتدأ وضعها نتيجة تفكيره الخاص، ولكن هذا وهم وخطأ. يقول الرازي: "الناس كانوا قبل الشافعي ﵁ يتكلمون في مسائل أصول الفقه ويستدلون ويعترضون" (٤)، فموضوعات هذا العلم كان يتكلم فيها الناس قبل الشافعي، بل إن من علم حقيقة مباحث أصول الفقه، أدرك أنه لا مناص لكل من تعرض للاجتهاد أن تكون في ذهنه تلك المباحث؛ لأنها هي الطرق التي يسلكها المجتهد عند اجتهاده. يقول الزركشي: "إن الصحابة تكلموا في زمن النبي ﷺ في العلل" (٥)، فمنذ عهد الصحابة كانت للاجتهاد طرق وقواعد وضوابط يسير عليها، سواء أفصح عنها المجتهد أم لم يفصح، وكثيرًا ما كان الفقهاء وبخاصة عند اعتراض بعضهم على بعض، ما يتكلمون في كيفية استدلالهم على آرائهم.
وإذا كان الأمر كذلك فقد كان إسهام الشافعي في أصول الفقه هو الجمع والتدوين، والتقسيم والترتيب والاستدلال لبعض مسائله، وصياغة بعض مصطلحاته، وهو عمل أنجز ببراعة تامة حازت على استحسان أهل عصره حتى
стр. 72
قال أحمد بن حنبل عن كتاب "الرسالة": "إنه من أحسن كتبه" (١)، و"كل الذين كتبوا بعد ذلك في علم الأصول كانوا عيالًا على الشافعي؛ لأنه هو الذي فتح هذا الباب، والسبق لمن سبق" (٢).
والمميزات والمؤهلات التي اجتمعت عند الشافعي حتى تمكن من القيام بعبء تدوين أصول الفقه، يتحدث عنها ابن حجر فيقول: "انتهت رياسة الفقه بالمدينة إلى مالك بن أنس فرحل إليه ولازمه وأخذ عنه، وانتهت رياسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن، فاجتمع له علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك حتى أصّل الأصول وقعّد القواعد" (٣). وإذا ضممنا إلى ما قال ابن حجر أن الشافعى نشأ بمكة فكان عنده علم أهل مكة، وأنه كان بصيرًا باللغة العربية ومعرفته بها واسعة، حتى قال عنه علماء اللغة: "أنه ممن تؤخذ منه اللغة" (٤) ويحتج به فيها، تبين لنا من ذلك كله المؤهلات التي هيأت الشافعي لتدوين أصول الفقه، فقد كان ﵀ إمامًا في الحديث، إمامًا في الفقه، إمامًا في اللغة، ومن هذه العلوم كان استمداده لأصول الفقه (٥).
وهذه بعض الموضوعات التي بحثها الشافعي في كتاب "الرسالة": القرآن ودرجات البيان فيه، السُّنَّة وحجيتها، خبر الواحد وحجيته، الإجماع، القياس، الاستحسان، الصحابة فضلهم وحجية أقوالهم، العام والخاص والمجمل والمفسر، الواجب والفرض والنهي، الناسخ والمنسوخ والاجتهاد والتقليد. ومن ذلك يتبين فضل الشافعي في ابتداء إنشاء علم أصول الفقه، ولم يكن للناس من بعده إلا التوسع في هذه المباحث وزيادة التبحر في دراستها وإضافة ما يتصل بها.
ولتتبين أكثر أهمية الكتاب هذه بعض الفقرات المقتبسة من كتاب "الرسالة" (٦):
стр. 73
يقول الشافعي عن الطرق لمعرفة أحكام الله :
١ - فمنها ما أبانه لخلقه نصًا، مثل جمل فرائضه من أن عليهم صلاة، وزكاة وحجًا وصومًا، وأنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونص على الزنا والخمر وأكل الميتة، والدم ولحم الخنزير، وبيَّن لهم كيف فرض الوضوء مع غير ذلك مما بيَّن نصًا. . .".
٢ - "ومنه ما أحكم فرضه بكتابه، وبيَّن كيف هو على لسان نبيه ﷺ ، مثل عدد الصلاة، والزكاة ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل في كتابه".
٣ - "ومنه ما سن رسول الله ﷺ مما ليس لله فيه نص حكم، وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله ﷺ والانتهاء إلى حكمه، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] وقال و ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. . . وذكر آيات في معنى ذلك. . . ثم قال: "فمن قبل عن رسول الله ﷺ فبفرض الله قبل"".
٤ - "ومنه ما فرض على خلقه الاجتهاد في طلبه وابتلى طاعتهم في الاجتهاد كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض الله عليهم".
ويلخص ذلك في كلمة جامعة فيقول:
"فليس لأحد أبدًا أن يقول في شيء حل أو حرم إلا من جهة العلم، وجهة العلم الخبر في الكتاب والسُّنَّة، أو الإجماع أو القياس".
ويقول عن الإجماع محتجًا بأمر النبي ﷺ بلزوم جماعة المسلمين ويكتب في ذلك في شكل مناظرة بينه وبين خصم.
"قال الخصم: فما معنى أمر النبي ﷺ بلزوم جماعتهم؟
قلت: لا معنى له إلا واحد.
قال: فكيف لا يحتمل إلا واحدًا
قلت: إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجار، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى، إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما، ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي
стр. 74
أمر بلزومها، وإنما تكون الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتاب الله تعالى ولا سُنَّة ولا قياس إن شاء الله".
ويقول عن القياس:
"ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالمًا بما مضى قبله من السنن، وأقاويل السلف، وإجماع الناس واختلافهم، ولسان العرب، ولا يكون له أن يقيس حتى يكون صحيح العقل، وحتى يفرق بين المشتبه، ولا يعجل بالقول به دون التثبيت، ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه؛ لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة ويزداد به تثبيتًا فيما اعتقد من الصواب، وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده والإنصاف من نفسه، حتى يعرف من أين قال ما يقول وترك ما يترك".
وعلى هذا المنوال تسير بحوث "الرسالة" القيمة، فجزى الله الإمام الشافعي خير الجزاء عما أسدى لهذه الأمة، من بيان طرق الاجتهاد ومناهج الاستنباط التي هي من عوامل بقاء هذا الدين حيًا متجددًا صالحًا لكل زمان.
الشافعي ناصر السُّنَّة:
قال الشافعي عن نفسه: "سميت ببغداد ناصر السُّنَّة" (١).
وقال أحمد بن حنبل: "رحم الله الشافعي لقد كان يذب عن الآثار" (٢).
وقال أبو زرعة: "ما أعلم أحدًا أعظم منة على الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي، ولا أحد ذب عن سنن رسول الله ﷺ مثل ما ذب الشافعي، ولا أحد كشف عن سوءات القوم مثل ما كشفه" (٣).
هذه بعض الشهادات التي تشير إلى ما اشتهر به الشافعي من نصرة السُّنَّة والدفاع عنها، حتى عرف بلقب "ناصر السُّنَّة". وهذا هو الميدان الثاني الذي برزت فيه جهود الشافعي التجديدية، وقد كانت جهوده في هذا المجال تتمثل في تصديه للانحرافات التي تعرضت لها السُّنَّة في عصره، فذب عنها وكشف أخطاء المنحرفين، كما كانت أيضًا تتمثل في نصرته للاتجاه الفقهي الذي يعتمد على الآثار والسنن ولا يشتط في الاعتماد على الرأي.
стр. 75
وقد ظهرت في عصر الشافعي ثلاثة انحرافات في مجال السُّنَّة، انحراف يرى أن الحجة في القرآن وحده وينكر أن تكون السُّنَّة مصدرًا من مصادر التشريع، والانحراف الثاني ينكر أن تستقل السُّنَّة بتشريع الأحكام ولا يقبل من السُّنَّة إلا إذا كان في معناها نص صريح من القرآن، والانحراف الثالث يقبل من السُّنَة فقط ما كان متواترًا، أما ما كان خبر آحاد فلا يرى فيه حجة (١).
وقد تصدى الشافعي لهذه الانحرافات بلسانه وقلمه "وكان والله لسانه أكثر من كتبه" (٢). أما الانحراف الأول فقد جاء في كتابه جماع العلم تحت عنوان: "باب حكاية الطائفة التي ردت الأخبار كلها" (٣) إثبات مناظرة جرت بينه وبين أحد المنتسبين إلى العلم المنتمين لهذه الطائفة، اشتملت على الشبهات التي أثارتها هذه الطائفة واحتجاج الشافعي على إبطالها وبيان حجية السُّنَّة. وفي الكتاب نفس أيضًا (٤) تعرّض تحت عنوان: "باب حكاية قول من رد خبر الخاصة" -يعني: بخبر الخاصة خبر الواحد- إلى هذا الانحراف وساق الدليل بعد الدليل على أن خبر الواحد حجة.
وفي مباحث كتاب الرسالة تعرض لهذه الانحرافات وأطال في نقدها وبيان شذوذها، ودافع بالبراهين عقلًا ونقلًا على أن السُّنَّة كلها حجة متواترها وآحادها، وأن ما سن رسول الله ﷺ مما ليس لله فيه حكم فبحكم الله سنّه، وأنه قد "سنّ رسول الله ﷺ مع كتاب الله ، وسنَّ فيما ليس فيه بعينه نص كتاب، وكل ما سنَّ فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العُنُود (*) عن اتباعه معصيته، التي لم يعذر بها خلقًا، ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله ﷺ مخرجًا" (٥).
وببيان قوي وأسلوب رصين استطاع الشافعي أن يصد الهجوم على السُّنَّة،