← Общие книги

Общие книги · id 17731

مفهوم تجديد الدين

بسطامي محمد سعيد

Полный текст (285 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨ هـ) -أحد أركان العلم بالحديث بالعراق- التمس وهو شاب من الشافعي أن يضع له كتابًا، يجمع فيه قبول الأخبار، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسُّنَّة، فوضع له الشافعي كتاب "الرسالة" وبعثها إليه، فلما قرأها عبد الرحمن بن مهدي سر بها سرورًا شديدًا (١). ثم إن الشافعي حين خرج إلى مصر وقام بتنقيح كثير من كتبه أعاد تصنيف كتاب "الرسالة" (٢)، وهذا التصنيف الهام هو الذي بين أيدينا اليوم (٣). ولعله يبرز سؤال هام هنا وهو: ما المصادر التي استقى منها الشافعي موضوعات هذا الكتاب؟ قد يخطر في بال بعض الناس أن الشافعي اخترع مسائل أصول الفقه من عند نفسه، وأنه هو الذي ابتدأ وضعها نتيجة تفكيره الخاص، ولكن هذا وهم وخطأ. يقول الرازي: "الناس كانوا قبل الشافعي ﵁ يتكلمون في مسائل أصول الفقه ويستدلون ويعترضون" (٤)، فموضوعات هذا العلم كان يتكلم فيها الناس قبل الشافعي، بل إن من علم حقيقة مباحث أصول الفقه، أدرك أنه لا مناص لكل من تعرض للاجتهاد أن تكون في ذهنه تلك المباحث؛ لأنها هي الطرق التي يسلكها المجتهد عند اجتهاده. يقول الزركشي: "إن الصحابة تكلموا في زمن النبي ﷺ في العلل" (٥)، فمنذ عهد الصحابة كانت للاجتهاد طرق وقواعد وضوابط يسير عليها، سواء أفصح عنها المجتهد أم لم يفصح، وكثيرًا ما كان الفقهاء وبخاصة عند اعتراض بعضهم على بعض، ما يتكلمون في كيفية استدلالهم على آرائهم. وإذا كان الأمر كذلك فقد كان إسهام الشافعي في أصول الفقه هو الجمع والتدوين، والتقسيم والترتيب والاستدلال لبعض مسائله، وصياغة بعض مصطلحاته، وهو عمل أنجز ببراعة تامة حازت على استحسان أهل عصره حتى

стр. 72

قال أحمد بن حنبل عن كتاب "الرسالة": "إنه من أحسن كتبه" (١)، و"كل الذين كتبوا بعد ذلك في علم الأصول كانوا عيالًا على الشافعي؛ لأنه هو الذي فتح هذا الباب، والسبق لمن سبق" (٢). والمميزات والمؤهلات التي اجتمعت عند الشافعي حتى تمكن من القيام بعبء تدوين أصول الفقه، يتحدث عنها ابن حجر فيقول: "انتهت رياسة الفقه بالمدينة إلى مالك بن أنس فرحل إليه ولازمه وأخذ عنه، وانتهت رياسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن، فاجتمع له علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك حتى أصّل الأصول وقعّد القواعد" (٣). وإذا ضممنا إلى ما قال ابن حجر أن الشافعى نشأ بمكة فكان عنده علم أهل مكة، وأنه كان بصيرًا باللغة العربية ومعرفته بها واسعة، حتى قال عنه علماء اللغة: "أنه ممن تؤخذ منه اللغة" (٤) ويحتج به فيها، تبين لنا من ذلك كله المؤهلات التي هيأت الشافعي لتدوين أصول الفقه، فقد كان ﵀ إمامًا في الحديث، إمامًا في الفقه، إمامًا في اللغة، ومن هذه العلوم كان استمداده لأصول الفقه (٥). وهذه بعض الموضوعات التي بحثها الشافعي في كتاب "الرسالة": القرآن ودرجات البيان فيه، السُّنَّة وحجيتها، خبر الواحد وحجيته، الإجماع، القياس، الاستحسان، الصحابة فضلهم وحجية أقوالهم، العام والخاص والمجمل والمفسر، الواجب والفرض والنهي، الناسخ والمنسوخ والاجتهاد والتقليد. ومن ذلك يتبين فضل الشافعي في ابتداء إنشاء علم أصول الفقه، ولم يكن للناس من بعده إلا التوسع في هذه المباحث وزيادة التبحر في دراستها وإضافة ما يتصل بها. ولتتبين أكثر أهمية الكتاب هذه بعض الفقرات المقتبسة من كتاب "الرسالة" (٦):

стр. 73

يقول الشافعي عن الطرق لمعرفة أحكام الله : ١ - فمنها ما أبانه لخلقه نصًا، مثل جمل فرائضه من أن عليهم صلاة، وزكاة وحجًا وصومًا، وأنه حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونص على الزنا والخمر وأكل الميتة، والدم ولحم الخنزير، وبيَّن لهم كيف فرض الوضوء مع غير ذلك مما بيَّن نصًا. . .". ٢ - "ومنه ما أحكم فرضه بكتابه، وبيَّن كيف هو على لسان نبيه ﷺ ، مثل عدد الصلاة، والزكاة ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل في كتابه". ٣ - "ومنه ما سن رسول الله ﷺ مما ليس لله فيه نص حكم، وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله ﷺ والانتهاء إلى حكمه، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] وقال و ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. . . وذكر آيات في معنى ذلك. . . ثم قال: "فمن قبل عن رسول الله ﷺ فبفرض الله قبل"". ٤ - "ومنه ما فرض على خلقه الاجتهاد في طلبه وابتلى طاعتهم في الاجتهاد كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض الله عليهم". ويلخص ذلك في كلمة جامعة فيقول: "فليس لأحد أبدًا أن يقول في شيء حل أو حرم إلا من جهة العلم، وجهة العلم الخبر في الكتاب والسُّنَّة، أو الإجماع أو القياس". ويقول عن الإجماع محتجًا بأمر النبي ﷺ بلزوم جماعة المسلمين ويكتب في ذلك في شكل مناظرة بينه وبين خصم. "قال الخصم: فما معنى أمر النبي ﷺ بلزوم جماعتهم؟ قلت: لا معنى له إلا واحد. قال: فكيف لا يحتمل إلا واحدًا قلت: إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفجار، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى، إلا ما عليه جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما، ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي

стр. 74

أمر بلزومها، وإنما تكون الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتاب الله تعالى ولا سُنَّة ولا قياس إن شاء الله". ويقول عن القياس: "ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالمًا بما مضى قبله من السنن، وأقاويل السلف، وإجماع الناس واختلافهم، ولسان العرب، ولا يكون له أن يقيس حتى يكون صحيح العقل، وحتى يفرق بين المشتبه، ولا يعجل بالقول به دون التثبيت، ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه؛ لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة ويزداد به تثبيتًا فيما اعتقد من الصواب، وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده والإنصاف من نفسه، حتى يعرف من أين قال ما يقول وترك ما يترك". وعلى هذا المنوال تسير بحوث "الرسالة" القيمة، فجزى الله الإمام الشافعي خير الجزاء عما أسدى لهذه الأمة، من بيان طرق الاجتهاد ومناهج الاستنباط التي هي من عوامل بقاء هذا الدين حيًا متجددًا صالحًا لكل زمان. الشافعي ناصر السُّنَّة: قال الشافعي عن نفسه: "سميت ببغداد ناصر السُّنَّة" (١). وقال أحمد بن حنبل: "رحم الله الشافعي لقد كان يذب عن الآثار" (٢). وقال أبو زرعة: "ما أعلم أحدًا أعظم منة على الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي، ولا أحد ذب عن سنن رسول الله ﷺ مثل ما ذب الشافعي، ولا أحد كشف عن سوءات القوم مثل ما كشفه" (٣). هذه بعض الشهادات التي تشير إلى ما اشتهر به الشافعي من نصرة السُّنَّة والدفاع عنها، حتى عرف بلقب "ناصر السُّنَّة". وهذا هو الميدان الثاني الذي برزت فيه جهود الشافعي التجديدية، وقد كانت جهوده في هذا المجال تتمثل في تصديه للانحرافات التي تعرضت لها السُّنَّة في عصره، فذب عنها وكشف أخطاء المنحرفين، كما كانت أيضًا تتمثل في نصرته للاتجاه الفقهي الذي يعتمد على الآثار والسنن ولا يشتط في الاعتماد على الرأي.

стр. 75

وقد ظهرت في عصر الشافعي ثلاثة انحرافات في مجال السُّنَّة، انحراف يرى أن الحجة في القرآن وحده وينكر أن تكون السُّنَّة مصدرًا من مصادر التشريع، والانحراف الثاني ينكر أن تستقل السُّنَّة بتشريع الأحكام ولا يقبل من السُّنَّة إلا إذا كان في معناها نص صريح من القرآن، والانحراف الثالث يقبل من السُّنَة فقط ما كان متواترًا، أما ما كان خبر آحاد فلا يرى فيه حجة (١). وقد تصدى الشافعي لهذه الانحرافات بلسانه وقلمه "وكان والله لسانه أكثر من كتبه" (٢). أما الانحراف الأول فقد جاء في كتابه جماع العلم تحت عنوان: "باب حكاية الطائفة التي ردت الأخبار كلها" (٣) إثبات مناظرة جرت بينه وبين أحد المنتسبين إلى العلم المنتمين لهذه الطائفة، اشتملت على الشبهات التي أثارتها هذه الطائفة واحتجاج الشافعي على إبطالها وبيان حجية السُّنَّة. وفي الكتاب نفس أيضًا (٤) تعرّض تحت عنوان: "باب حكاية قول من رد خبر الخاصة" -يعني: بخبر الخاصة خبر الواحد- إلى هذا الانحراف وساق الدليل بعد الدليل على أن خبر الواحد حجة. وفي مباحث كتاب الرسالة تعرض لهذه الانحرافات وأطال في نقدها وبيان شذوذها، ودافع بالبراهين عقلًا ونقلًا على أن السُّنَّة كلها حجة متواترها وآحادها، وأن ما سن رسول الله ﷺ مما ليس لله فيه حكم فبحكم الله سنّه، وأنه قد "سنّ رسول الله ﷺ مع كتاب الله ، وسنَّ فيما ليس فيه بعينه نص كتاب، وكل ما سنَّ فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل في اتباعه طاعته، وفي العُنُود (*) عن اتباعه معصيته، التي لم يعذر بها خلقًا، ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله ﷺ مخرجًا" (٥). وببيان قوي وأسلوب رصين استطاع الشافعي أن يصد الهجوم على السُّنَّة،

стр. 76

وأن يعيد إلى نصوص الوحي الثاني مكانتها، وشاعت كتبه بين جموع تلاميذه وتلقاها الناس بالقبول، فكانت منها حركة مباركة قوية ظهر بها الحق وانتصرت بها السُّنَّة واستبانت سبيل المنحرفين. أما انتصاره للسُّنَّة في مجال تقويته للمسلك الفقهي الصحيح في الاعتماد على الأخبار والآثار وترك التطرف في استخدام الرأي فيقول عنه الرازي: "إن الناس كانوا قبل الشافعي فريقان: أصحاب الحديث وأصحاب الرأي. أما أصحاب الحديث فكانوا عاجزين عن المناظرة والمجادلة عاجزين عن تزييف طريق أصحاب الرأي، فما كان يحصل بسببهم قوة في الدين ونصرة الكتاب والسُّنَّة. وأما أصحاب الرأي فكان سعيهم وجهدهم مصروفًا إلى تقرير ما استنبطوه برأيهم ورتبوه بفكرهم، وما كان جدّهم واجتهادهم مصروفًا إلى نصرة النصوص. . . . . . وأما الشافعي ﵁ فإنه كان عارفًا بالنصوص من القرآن والأخبار، وكان عارفًا بأصول الفقه وشرائط الاستدلال بتلك النصوص، بل هو الذي جمعها ورتب أصولها ونقح فصولها، وكان أيضًا قويًا في المناظرة والمجادلة. . . ثم إن الشافعي جاء وأظهر ما كان معه في الدلائل والبيان فرجع عن قول أصحاب الرأي أكثر أنصارهم وأتباعهم. . . فوجب القطع بأنه المراد من هذا الخبر؛ يعني: حديث التجديد" (١). فالشافعي أبان التوازن والتوافق بين النصوص والرأي دون شطط ولا تطرف، وأعاد الناس إلى النهج الوسط السليم. وبجهوده في هذا المجال، وجهوده في نصرة السُّنَّة والذب عنها، وبجهوده في تدوين طرائق الاستنباط، قدّم الشافعي نموذجًا للتجديد في مجال الاجتهاد والتشريع، وأحيا وبعث معلمًا هامًا من معالم الدين. تصحيح الانحرافات: ذكرنا أن من مجالات التجديد تصحيح الانحرافات وتنقية الدين من العناصر الدخيلة، وهذا عرض لبعض جهود المجددين في هذا المجال.

стр. 77

والانحراف في الدين نوعان (١): انحراف فكري وانحراف سلوكي. أما الانحراف الفكري فهو خطأ في الإدراك والتصور، بحيث لا يرى المرء الحق، أو يراه على خلاف ما هو عليه، وصاحبه يظن الصواب خطأ، والخطأ صوابًا، ويرى الحسن قبيحًا والقبيح حسنًا. وهذا النوع من الانحراف يؤثر في الاعتقادات والمفاهيم، ويغير ويبدل في أسس الدين ومبادئه. أما الانحراف الثاني فهو انحراف ناشئ عن الشهوات والميل إليها، وهذا النوع من الانحراف هو ضعف في العزيمة والإرادة، يؤثر في الأخلاق والأعمال، مع بقاء المبادئ والمفاهيم صحيحة سليمة. وحسب تعبير السلف يسمى الانحراف الفكري انحراف (بدعة) ناشئ عن (شبهة)، أما الانحراف السلوكي فهو انحراف (معصية) ناشئ عن (شهوة). والنوع الأول من الانحراف أخطر من النوع الثاني؛ لأن انحراف الأفكار والمبادئ يؤدي حتمًا إلى انحراف السلوك والأخلاق، كما أن صاحبها من النادر أن يرجع إلى الحق لأنه يرى أنه على حق. وهذا هو معنى عبارة السلف المشهورة "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها". يقول ابن تيمية شارحًا هذه العبارة (٢): "ومعنى قولهم إن البدعة لا يتاب منها أن المبتدع الذي يتخذ دينًا لم يشرعه الله ولا رسوله، قد زين له سوء عمله فرآه حسنًا، فهو لا يتوب منه مادام يراه حسنًا؛ لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئ ليتوب منه، فمادام يرى فعله حسنًا وهو سيئ في نفس الأمر فإنه لا يتوب. ولكن التوبة منه ممكنة وواقعة، بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق". وقد شملت جهود المجددين تصحيح الانحرافات في المجالين: الفكرية والسلوكية. ولكن سنقصر الحديث هنا على نماذج من جهودهم في تصحيح انحرافات الفكر والمفاهيم.

стр. 78

الأشعري وتصحيح الانحرافات: من المجددين الذين لهم جهود كبيرة في تصحيح الانحرافات، الإمام أبو الحسن الأشعري (٢٧٠ - ٣٢٤ هـ). والعمل الأساسي الذي قام به هو تصديه لتيار الانحرافات الداخلية في المجتمع المسلم في عصره والتي كانت تتمثل في فرقة المعتزلة. وكانت هذه الفرقة قد ظهرت في أواخر أيام الدولة الأموية، ومؤسسها هو واصل بن عطاء (٨٠ - ١٣١ هـ) وزميله عمرو بن عبيد (٨٠ - ١٤٤ هـ). وسبب تسميتهم بهذا الاسم هو مخالفة مؤسس الفرقة لأحد كبار التابعين في عصره وهو الحسن البصري (ت ١١٠ هـ) واعتزاله لمجلسه، ومن ثم اعتزالهم وشذوذهم عن جماعة المسلمين. وقد استوعبت هذه الفرقة كثيرًا من انحرافات الفرق التي سبقتها وتبنتها وكانت من أقواها تيارًا. وتبلورت أفكارهم في خمس نظريات أساسية، صاغوها تحت شعارات براقة، فقد كان من مبادئهم التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشرحوا هذه المبادئ بطريقتهم الخاصة لا كما عرفها المجتمع المسلم منذ عهد الصحابة (١). وبلغت هذه الفرقة أوج قوتها في عهد المأمون (١٧٠ - ٢٤١ هـ) أحد خلفاء صدر الدولة العباسية، الذي كان منتسبًا إليهم وسعى بقوة السلطة لأن يجعل الاعتزال مذهب الدولة (٢). ورغم أن شوكة المعتزلة وسطوتهم السياسية قد انكسرت بفضل تضحيات الإمام أحمد بن حنبل وصموده، وصمود أقرانه من علماء الأمة، في معارضة هذه الفرقة، إلا أنهم مع فقدهم النفوذ السياسي كانت لا تزال رؤوسهم مرفوعة ودعوتهم قوية وأصواتهم عالية بفكرهم وآرائهم. وأبو الحسن الأشعري نفسه كان أحد مفكري المعتزلة الكبار، نشأ في بيت شيخهم في عصره أبي علي الجبائي. وبفضل مواهب الأشعري وحدة ذكائه أصبح ينوب عن أستاذه في مجالس المناظرات وكان قويًا في المجادلات وذا إقدام على الخصوم (٣)، وبجانب المناظرات بدأ يؤلف الكتب دفاعًا عن مذهب

стр. 79

المعتزلة (١)، ويقال أنه أقام على الاعتزال أربعين سنة حتى صار إمامًا لهم (٢). ثم حدث له تحول في أفكاره وتغير في شخصيته، فتخلى عن مذهب الاعتزال وأعلن ذلك في أحد الأيام المشهودة في المسجد الجامع بالبصرة حيث رقي كرسيًا ونادى بأعلى صوته: "من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان كنت أقول بخلق القرآن وأن الله لا تراه الأبصار وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم ومعايبهم" (٣). ومنذ تلك اللحظة انقلب حربًا على المعتزلة، وصار لسانه وقلمه سيفًا مشهورًا في وجوههم حتى أضعف تأثيرهم وصد فكرهم. وهو وإن كان قد واجه المعتزلة بصورة رئيسة إلا أنه كانت له جولات مع كل المنحرفين في عصره. ويصف الإمام البيهقي المهمة الكبيرة التي نهض بها الأشعري والخدمة التي أداها لهذا الدين بهذه الكلمات: "كان إمامًا قام بنصرة دين الله وجاهد بلسانه وبيانه من صد عن سبيل الله، وزاد في التبيين لأهل اليقين أن ما جاء به الكتاب والسُّنَّة وما كان عليه سلف هذه الأمة مستقيم على العقول الصحيحة والآراء" (٤). ويقول البيهقي أيضًا: "لم يُحدث في دين الله حدثًا، ولم يأت فيه ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين، فنصرها بزيادة شرح وتبيين، وأن ما قالوا في الأصول وجاء به الشرع صحيح في العقول، خلاف ما زعم أهل الأهواء من أن بعضه لا يستقيم في الآراء" (٥). حرب المنحرفين بسلاحهم: فالإمام أبو الحسن الأشعري يأتي في قمة ذلك الاتجاه الذي حارب

стр. 80

المنحرفين بسلاحهم، وهو وإن لم يكن أول من ابتدأ هذه الطريقة في الرد على أصحاب الآراء الشاذة بالحجج العقلية؛ لأنهم كانوا يزعمون أن العقل سندهم وحجتهم، إلا أنه كان رائدًا من رواد هذه المدرسة، وهو يُعد أحد مؤسسي علم الكلام السُّنِّي، الذي كانت غايته وهدفه الرئيس إثبات أن الحجج والبراهين التي تستند عليها المذاهب المنحرفة والمبادئ الهدامة حجج واهية. وقد كانت الاعتراضات تثار حول هذا الأسلوب، ولا تزال تثار، وتختلف حوله وجهات النظر، ولا ينال الاستحسان والإعجاب من كل مفكري المسلمين. وقد ألّف أبو الحسن الأشعري نفسه رسالة بعنوان: "استحسان الخوض في الكلام" (١)، يصوب فيها أسلوبه واتجاهه. وعلم الكلام هو علم الجدل الذي نشأ على يد الفرق الضالة للدفاع عن أفكارها وآرائها. ومهما كان الاختلاف في الاشتقاق اللغوي لاسم هذا العلم (٢)، إلا أن من الثابت أنه قد ابتدأ على يد الفرق المنحرفة بدءًا بالخوارج وانتهاءً بالمعتزلة. فهو السلاح الفكري الذي اخترعته هذه الفرق في محاولة لإقامة فكرهم على أسس وقواعد من العقل. ولما كانت العقائد الإسلامية إنما تستند حقائقها والحجج العقلية المثبتة لها على القرآن والسُّنَّة، فقد كره السلف هذه الطريقة الخاطئة التي اتبعها المنحرفون في الجدل عن أمور العقيدة، وعابوا عليهم أنهم تركوا الكتاب والسُّنَّة، واعتمدوا على حجج لا تثبت في ميزان النقد العقلي الصحيح، وإن ادعى أصحابها أنها عقلية. وهناك مقولات كثيرة لأئمة الدين تشن حملة قوية على علم الكلام، نسوق منها على سبيل المثال قول الشافعي وهو أحد المجددين إذ يقول: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسُّنَّة، وأقبل على الكلام" (٣). ويعقب البيهقي على كلام الشافعي هذا قائلًا: "وكانوا في القديم إنما

стр. 81

يعرفون بالكلام أهل الأهواء، فأما أهل السُّنَّة والجماعة فمعولهم فيما يعتمدون الكتاب والسُّنَّة" (١). ثم بدأ أخذ هذا العلم في مرحلة لاحقة يأخذ اتجاهًا جديدًا، تمثل في الرد على الفرق الضالة ودفع شبهاتهم بنفس الحجج العقلية التي كانوا يسندون بها آراءهم مستعملين بذلك نفس سلاحهم. وابتدأ هذا الدور على يد أمثال عبد الله بن سعيد الكلابي وأبو العباس القلانسي والحارث بن أسد المحاسبي (٢)، وجاء في قمة من اتبع هذه الطريقة الإمام أبو الحسن الأشعري، الذي تصدى لتصحيح الانحرافات متبعًا هذا الأسلوب. وأصبح ذلك هو الهدف من علم الكلام في صورته الأخيرة. ويوضح أحد الكُتَّاب هذا الوضع الجديد لعلم الكلام فيقول: "اعلم أنا لا نأخذ الاعتقادات الإسلامية من القواعد الكلامية بل إنما نأخذها من النصوص القرآنية والأخبار النبوية، وليس القصد بالأوضاع الكلامية إلا دفع شبه الخصوم والفرق الضالة عن الطرق الحقيقية، فإنهم طعنوا في بعض منها بأنه غير معقول، فبيِّن لهم بالقواعد الكلامية معقولية ذلك البعض" (٣). المعتزلة والفلسفة: وإذا كان علم الكلام يمثل أحد المنعطفات المنحرفة لتناول مسائل العقيدة، فقد واجهت العقائد منعطفًا آخر كاد يحرفها عن وجهتها الصحيحة، وذلك هو الفلسفة اليونانية الوافدة. ورغم أن نقل الفلسفة اليونانية قد ابتدأ قبل عهد المأمون العباسي، إلا أن هذا النقل قد اتسع جدًا في أيامه (٤). وفي أثناء فورة الحماس لنشر مذهب الاعتزال بكل الوسائل قويت الصلة بين العقلية الإسلامية والفلسفة اليونانية، فاندفعت الفلسفة في اتجاه خاطئ، وأصبحت مباحث الوثنية اليونانية في الإلهيات مصدرًا جديدًا لمباحث العقائد الإسلامية. وطالع شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين نشرت وخلطوا مناهجها بمناهج علم الكلام (٥)،

стр. 82

وأول من مزج علم الكلام بالفلسفة هو أبو الهذيل العلاف (١٣٥ - ٢٣١ هـ) وهو من قادة المعتزلة، وكان يرأس مجالس المناظرات في الأديان والمقالات في عهد المأمون (١)، وهكذا نشأ علم كلام جديد متأثرًا بالفلسفة وممتزجًا بها، واحتاج ذلك الانحراف الجديد لمن يتصدى له، وكان ذلك أحد الآثار السلبية الأولى لانتقال الفكر اليوناني إلى المسلمين. أما الأثر السلبي الثاني فقد كان في نشوء طبقة من المفكرين جردت نفسها للدراسات الفلسفية الخالصة، وعرف هؤلاء باسم الفلاسفة المسلمين. وإذا كان أبو الحسن الأشعري قد تصدى لانحرافات المعتزلة، فإن الغزالي مجدد المائة الخامسة قد تصدى لانحرافات الفلاسفة، كما سنرى ذلك حين يأتي عرض جهوده التصحيحية. وهكذا يمكن أن يعتبر الأشعري نموذجًا للتجديد الذي يواجه انحرافات المجتمع الداخلية، أما الغزالي فهو نموذج التجديد الذي يدفع الانحرافات التي تغزو المجتمع المسلم من خارجه. جهود الأشعري: قد كان للأشعري باع طويل في معرفة الانحرافات الرائجة في عصره، واطلاع واسع على آراء وأفكار الفرق المختلفة. وكتابه "مقالات الإسلاميين" يدل على دراسته العميقة للاتجاهات والتيارات الفكرية المختلفة في عصره، وبذلك أصبح مؤهلًا لتصحيحها والرد على الزائف منها. وقد كانت جهوده التصحيحية وأعماله الإصلاحية تتمثل في ثلاث نواح: الناحية الأولى: عقد المناظرات وإدارة المناقشات، ومن المشهور عنه أنه كان قويًا في المناظرة "وكان يفتح عليه من المباحث والبراهين بما لم يسمعه من شيخ قط ولا اعترضه به خصم ولا رآه في كتاب" (٢). ويصف أحد شهود العيان مجلسًا من تلك المجالس بقوله: "حضرنا مع الشيخ أبي الحسن مجلسًا بالبصرة فناظر المعتزلة وكانوا كثيرًا، فأتى على الكل وهزمهم، كلما انقطع واحد تناول الآخر حتى انقطعوا عن

стр. 83

آخرهم. فعدنا في المجلس الثاني فما عاد منهم أحد" (١). ولم يكن يقتصر على المجالس العلمية المنظمة والاجتماعات المعدة، بل كان نشيطًا يغشى مجالس المعتزلة الخاصة، ويقصدهم بنفسه ويناظرهم، فكان يكلم في ذلك ويقال له: كيف تخالط أهل البدع وتقصدهم بنفسك وقد أمرت بهجرهم؟ فقال: هم أولو رياسة منهم الوالي والقاضي، ولرياستهم لا ينزلون إلي، فإذا كانوا هم لا ينزلون إلي ولا أسير أنا إليهم فكيف يظهر الحق (٢). وبفضل تلك المناظرات كان الناس يتحولون من مذاهبهم الباطلة إلى المذهب الحق. ويحكى عن أحد تلاميذ الأشعري المشاهير وهو أبو الحسن الباهلي، أنه كان من الشيعة الإمامية ورئيسًا مقدمًا فيهم، فانتقل عن مذهبهم بمناظرة جرت له مع الشيخ الأشعري ألزمه فيها الحجة حتى بان له الخطأ (٣). والأسلوب الثاني الذي اتبعه الأشعري في تصحيح الانحرافات هو أسلوب الكتابة والتأليف، وبالرجوع إلى قائمة مصنفاته (٤) نجد أن أكثر مؤلفاته في الرد على المعتزلة، وبعضها في الرد على مذاهب وفرق أخرى. ومنها كتاب كبير في الرد على أصحاب الملل والديانات غير الإسلامية. وله كتاب في التفسير "لم يترك فيه آية يتعلق بها بدعي إلا أبطل تعلقه بها وجعلها حجة لأهل الحق" (٥). ويذكر الأشعري في مقدمة هذا التفسير الدافع له على تأليفه فيقول: "ورأيت الجبائي -من شيوخ المعتزلة- ألف في تفسير القرآن كتابًا أولّه على خلاف ما أنزل الله ، وما روى في كتابه حرفًا واحدًا عن أحد من المفسرين، وإنما اعتمد على ما وسوس به صدره وشيطانه، ولولا أنه استغوى بكتابه كثيرًا من العوام واستنزل به على الحق كثيرًا من الطغام لم يكن لتشاغلي به وجه" (٦). أما عن منهجه في تناول العقائد فقد أوضحه في مقدمة كتابه "الإبانة في

стр. 84

أصول الديانة" وهو من آخر كتبه تأليفًا ونكتفي منه بهذا الاقتباس: "فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي تقولون وديانتكم التي بها تدينون، قيل له: قولنا الذي نقول وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله وسُنَّة نبيه ﷺ ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، وعمن خالف قوله مجانبون؛ لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين، فرحمة الله تعالى عليه من إمام مقدم وجليل معظم وكبير مفهم، ورحمته على جميع أئمة المسلمين" (١)،. . . ثم أورد تفاصيل العقائد التي يدين بها. والناحية الثالثة: من نواحي أعمال الأشعري التصحيحية هي ما خلّفه وراءه من مدرسة نسبت إليه وتسمت باسم الأشعرية، أنجبت تلاميذ أذكياء وشخصيات قوية، حملت الراية من بعده وصارعت المعتزلة صراعًا لم تقم لهم بعده قائمة، واستمرت تؤثر في الفكر الإسلامي قرونًا عديدة، ومن هؤلاء التلاميذ (٢): القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، وأبو إسحق إبراهيم بن محمد الإسفراييني (ت ٤١٨ هـ)، وكلاهما قد رشح لمنصب التجديد في المائة الرابعة. الغزالي وتصحيح الانحرافات: النموذج الثاني من المجددين الذين لهم جهود مرموقة في تصحيح الانحرافات هو الإمام أبو حامد الغزالي (٤٥٠ - ٥٠٥ هـ) الذي يلقب (بحجة الإسلام) شهادة له بالسبق الذي أحرزه في هذا الميدان. والغزالي من نوابغ أعلام الإسلام، وشخصية فذة اجتمعت فيها مواهب عديدة، فقد كان ﵁ شديد الذكاء، سديد النظر، قوي الإدراك، ذا فطنة ثاقبة، وغوص في المعاني (٣). وبجانب ذلك كانت له نفس قلقة مولعة بالاستقلال، تكره الجمود والتقليد، فلم

стр. 85

يقنع بأن يكون تابعًا يسير في ركاب غيره، يحفظ ويردد ما تلقنه من العلوم، بل طلب الحق بنفسه وحقق حتى استطاع أن يكشف مواطن الصواب ومواطن الخطأ في التيارات الفكرية المائجة في عصره. ويترجم الغزالي لهذا الجانب من شخصيته فيقول: "ولم أزل في عنفوان شبابي وريعان عمري، منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين، إلى الآن وقد أناف السن على الخمسين، اقتحم لجة هذا البحر العميق وأخوض غمرته، خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة، وأتهجم على كل مشكلة وأتقحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة، لأميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع" (١). والتيارات الفكرية التي كانت رائجة في عصر الغزالي والتي تناولها بالدراسة والفحص والنقد والتصحيح أربعة تيارات: الفلسفة والكلام والتصوف والباطنية (٢). وفيما يلي توضيح مختصر لموقف الغزالي منها وكشفه لانحرافاتها. نقد الفلسفة: لقد شاعت الفلسفة اليونانية في عصر الغزالي شيوعًا كاد أن يهز الإيمان في النفوس، وأصبح أذكياء الأمة يقبلون على الفلسفة ومباحثها من غير تمييز للنافع منها عن الضار. وكانوا من فرط إعجابهم بفلاسفة اليونان الملحدين أن قلدوهم في كل شيء حتى في إلحادهم وكفرهم. ورغم أن الفلسفة اجتذبت عقولًا نابهة ونوابغ من الأمة الإسلامية، إلا أن دور أولئك الفلاسفة كان في أكثره النقل المحض والتقليد الأعمى. ولم تكتف هذه الطبقة من المفكرين بذلك بل حاولت تدوين عقائد الإيمان والدين على ضوء الفكر اليوناني الوثني الإلحادي، وتقديم تفسيرات جديدة لموضوعات العقائد الإسلامية (٣). وهذا الموقف الانهزامي الذي تردى فيه هؤلاء جعلهم يحاولون إخضاع الدين وحقائقه لنظريات الفلسفة

стр. 86

وفروضها، تحت شعار التوفيق بين الدين والفلسفة، وكان الأحرى بهم أن يخضعوا الفلسفة للدين. ويشابه هذا الموقف الذي واجهه المجتمع المسلم في القرن الخامس الهجري أمام معارف اليونان، الموقف الذي يواجهه المسلمون في هذا العصر أمام الحضارة الغربية وعلومها (١). ويصور الغزالي هذه الحالة بهذه الكلمات: ". . . أما بعد فإني قد رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء بمزيد الفطنة والذكاء، قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات واستحقروا شعائر الدين من وظائف الصلوات والتوقي عن المحظورات، واستهانوا بتعبدات الشرع وحدوده، بل خلعوا بالكلية ربقة الدين. وإنما مصدر كفرهم سماعم أسماء هائلة كسقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس (٢) وأمثالهم، وإطناب طوائف من متبعيهم في وصف عقولهم وحسن أصولهم ودقة علومهم، وحكايتهم عنهم أنهم مع رزانة عقولهم وغزارة علومهم منكرون للشرائع والنحل، وجاحدون لتفاصيل الأديان والملل. فلما قرع ذلك سمعهم ووافق ما حكى من عقائدهم طبعهم، تجملوا باعتقاد الكفر تحيزًا إلى غمار الفضلاء بزعمهم، وانخراطًا في سلكهم وترفعًا عن مسايرة الجماهير والدهماء" (٣). فلما رأى الغزالي هذه الحالة أقبل على دراسة الفلسفة وتمحيصها وحذقها، لينتقدها نقد الخبير المتخصص. وقد كانت ثمرة مطالعات الغزالي وقراءاته في الفلسفة، أن جمع أولًا خلاصة أفكار الفلاسفة وآرائهم، وعرضها عرضًا سهلًا ميسرًا كما هي دون نقد في كتاب عنوانه: "مقاصد الفلاسفة"، وكان ذلك العمل تمهيدًا لمناقشتها ونقدها (٤). ثم بعد ذلك تعرض لمباحثها في موضوع الإلهيات التي تتعارض مع عقائد الدين، فناقشها مسألة مسألة وبيَّن أوجه الخطأ فيها، وضم تلك المباحث في كتاب جعل عنوانه: "تهافت الفلاسفة". والنتائج التي توصل إليها الغزالي من الفلسفة بعد الدراسة والتحقيق يمكن

стр. 87

عرضها في الآتي (١): ١ - أثبت أن بعض مباحث الفلسفة لا يتعلق شيء منها بأمور الدين نفيًا وإثباتًا، مثل المباحث الرياضية وعلوم الحساب والهندسة، ومثل المنطقيات، وكانت الفلسفة بمفهومها القديم تشمل كل هذه العلوم وغيرها. أما آراء الفلاسفة في الأخلاق والسياسة فبيَّن أن هذه الآراء لا تتصادم مع الدين إلا في النادر، بل هو يرى أن أصولها مستمدة من حكمة الأديان. ٢ - أوضح أن أكثر أغاليط الفلاسفة وأخطائهم في مباحث الفلسفة المسماة بالإلهيات، وذلك أن براهينهم فيها غير مستقيمة، وهذا سبب كثرة اختلافهم هم أنفسهم فيها. وقد خصص الغزالي كتابه "تهافت الفلاسفة" لنقد هذا الجانب من الفلسفة، واختار من ذلك عشرين مسألة أوردها بأدلة الفلاسفة عليها ثم أبان خطأها وأدلته على هذا الخطأ. ٣ - هاجم الغزالي موقف المقلدين للفلسفة المعجبين بها الذين نظروا في المباحث الرياضية والمنطقية، فتعجبوا من دقائقها وظهور براهينها فانبهروا بها، وظنوا أن جميع علومهم في الوضوح وقوة البرهان مثل المباحث الرياضية، وحين سمعوا عن إلحاد الفلاسفة وكفرهم، وقع في أنفسهم أن لو كان الدين حقًا لما خفي على هؤلاء مع تدقيقهم في العلم فتبعوهم في إلحادهم تقليدًا وجهلًا، وقد غاب عنهم أنه إذا كانت مباحث الرياضيات لها براهين واضحة، فإن مباحث الإلهيات عند الفلاسفة أوهام وظنون ليس عليها برهان. ٤ - هاجم الغزالي موقف الجامدين من علماء الدين، الذين وقفوا موقف الصديق الجاهل، الذي ظن أن الدين ينبغي أن ينصر بإنكار كل العلوم المنسوبة إلى الفلاسفة، فأنكر جميع علومهم وادعى جهلهم فيها، حتى أنكر قولهم في الخسوف والكسوف وزعم أن ما قالوه خلاف الشرع، وقد كانت تلك مصيبة عظيمة في الدين لأن من رأى قوة براهين الفلاسفة في هذه الأمور، اعتقد أن الإسلام مبني على الجهل وإنكار البرهان القاطع، فازداد للفلسفة حبًا وللإسلام بغضًا. وهكذا استطاع الغزالي أن يفتح أعين المسلمين على حقيقة الفلسفة،

стр. 88

وأصبحوا ينظرون إليها بعيون مبصرة، بعد أن كانوا يقبلون عليها بعيون مغلقة، وزال عن الفلسفة ذلك البريق الذي كان يدفع الناس للانفلات من الدين إعجابًا بها؛ بل تراجعت الفلسفة إلى موقف الدفاع، ويمثل هذا الموقف كتاب ابن رشد (٥٢٠ - ٥٩٥ هـ) "تهافت التهافت"، وأصبح الاتجاه النقدي للفلسفة اتجاهًا مؤثرًا، انجذبت له عقول كبيرة من مثل الإمام ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ هـ)، وخلّف هذا الاتجاه إنتاجًا علميًا قويًا صحح مسيرة التفكير عند المسلمين. نقد علم الكلام: يرى الغزالي أن علم الكلام قد انحرف عن الغاية التي من أجلها نشأ، ويتحدث عن نشأة علم الكلام فيرى أن القرآن والحديث قد اشتملا على العقيدة الحقة، ولكن من الناس من انحرف عن هذه الطريقة، واخترع أمورًا في العقائد مخالفة للسُّنَّة، وكاد هؤلاء أن يشوشوا العقيدة الصحيحة على أهلها، فأنشأ الله طائفة المتكلمين لنصرة السُّنَّة بكلام مرتب وكشف تلبيسات أهل الانحراف. هذه هي غاية علم الكلام في نظر الغزالي. وقد اعتمد علم الكلام في إثبات تناقضات الآراء المنحرفة، على نفس البراهين التي استعملها أصحابها في إثباتها. ثم إن الغزالي يرى أن علم الكلام قد حاد عن هذا الهدف وصار هو بنفسه محاولة لإثبات عقائد الدين بالبراهين التي استمدها من مجادلة المنحرفين، وهذه البراهين تصلح لنقض باطل المنحرفين ولكنها لا تصلح لإثبات عقائد الدين. يقول الغزالي مبيِّنًا هذا الرأي: "لما نشأت صنعة الكلام وكثر الخوض فيه وطالت المدة، تشوف المتكلمون إلى محاولة الذب عن السُّنَّة بالبحث عن حقائق الأمور، وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها، ولكن لما لم يكن ذلك مقصود علمهم، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى، فلم يحصل منه ما يمحق بالكلية ظلمات الحيرة" (١). ولهذا يرى الغزالي أن علم الكلام ينبغي أن يوضع في موضعه ويشتغل بالغاية التي من أجلها نشأ، وهي مجادلة أصحاب الانحرافات والشبهات والرد

стр. 89

عليهم، فينبغي أن يستعمل مع هؤلاء خاصة لأنهم مرضى وعلم الكلام لهم دواء. يقول: ". . . فإن الأدوية تستعمل في حق المرضى وهم الأقلون، وما يعالج به المريض بحكم الضرورة يجب أن يوقى عنه الصحيح، والفطرة الأصيلة الصحيحة معدة لقبول الإيمان دون المجادلة وتحرير حقائق الأدلة، وليس الضرر في استعمال الدواء مع الأصحاء، بأقل من الضرر في إهمال المداواة مع المرضى، فليوضع كل شيء موضعه" (١). ويضع الغزالي في نقده لعلم الكلام إصبعه على أمر في غاية الأهمية، وذلك هو الطريقة الصحيحة لعرض مسائل العقيدة الإسلامية والاستدلال لها. وهذه الطريقة هي طريقة القرآن، ذلك أن القرآن يشتمل على أدلة وحجج عقلية فيها البرهان الكافي للعقائد، فينبغي عرضها وبسطها وتوضيحها والاكتفاء بها في تقرير أمر العقيدة. ويتحدث الغزالي موضحًا هذه الحقيقة مؤكدًا أن حجج القرآن العقلية كافية للعقول السليمة والفطر الصحيحة فيقول: "فأدلة القرآن مثل الغذاء ينتفع به كل إنسان، وأدلة المتكلمين مثل الدواء ينتفع به آحاد الناس ويتضرر به الأكثرون، بل أدلة القرآن كالماء الذي ينتفع به الصبي الرضيع والرجل القوي، وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مرة، ويمرضون بها مرة أخرى" (٢). ويضرب بعض الأمثلة من طريقة القرآن في الاستدلال فيقول: "فمن الجلي أن من قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، وأن التدبير لا ينتظم في دار واحدة بمدبرين فكيف ينتظم في كل العالم إشارة لقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وأن من خلق عَلِمَ كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]، فهذه الأدلة تجري من العوام، مجرى الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي.

стр. 90

نقد الباطنية: الطائفة الثالثة التي حاربها الغزالي هي طائفة الباطنية، والباطنية من الحركات السرية في الإسلام، وقد كان لها آثار خطيرة في التاريخ الإسلامي. وظهر هذا المذهب بأسماء مختلفة على اختلاف العصور والأزمنة. وسبب هذه التسمية أن هذه الطائفة تدعي أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن، وأن الجهال والأغبياء هم الذين يقفون عند ظاهرها، أما العقلاء والأذكياء فالنصوص عندهم رموز وإشارات إلى حقائق خفية. وهذا ينطبق على كل شيء في الدين من تفاصيل العقائد إلى تفاصيل التكاليف الشرعية (١)، ولهم تأويلات لهذه الظواهر لا ضابط لها ولا معيار، والمرجع الوحيد لهذه التأويلات هو الإمام المعصوم. وهم يرون أنه لابد في كل عصر من إمام معصوم، يرجع إليه في تأويل الظواهر وحل الإشكالات في القرآن والأخبار والمعقولات، وهو وحده المتصدي لهذا الأمر. وهذا الإمام جار في نسبهم لا ينقطع أبد الدهر (٢). وقد كانت للباطنية طوائف كثيرة لها أسماء حسب العصر والمكان، ومن أشهر طوائفهم: الإسماعيلية، والقرامطة، والبابكية، والدروز، والنصيرية (٣). وأهم هذه الطوائف من الناحية السياسية طائفة الإسماعيلية، إذ أقاموا الدولة الفاطمية في عام (٢٩٦ هـ) التي بسطت نفوذها على شمال إفريقيا ومصر والشام واليمن وظلت دولتهم قائمة حتى عام (٥٦٤ هـ) (٤). أما ما قام به الغزالي في محاربة هذه الطائفة التي كان أمرها مستفحلًا في عصره، فيتمثل في أنه بعد أن تعمق في دراستها ألف في الرد عليها كتابًا أسماه "فضائح الباطنية". وقد كان تأليف هذا الكتاب بأمر الخليفة العباسي آنذاك المستظهر بالله (٤٨٧ - ٥١٢ هـ)، ولهذا فالكتاب يعرف أيضًا باسم "المستظهري" (٥). وقد ذكر الغزالي أنه ألَّف كتبًا أخرى في الرد على الباطنية (٦).

стр. 91

ويأتي اسم الغزالي ضمن قائمة طويلة من الأسماء التي حاربت الباطنية فكريًا، ولكن مع ذلك لا يزال لهذا المذهب أتباع إلى عصرنا هذا (١). نقد التصوف: التصوف باب من الأبواب التي دخلت منها الانحرافات إلى الدين، حتى أن الناس تنازعوا هل التصوف نفسه من الدين أم لا؟ وهذا ينبني على ماهية التصوف. تعددت الآراء في الاشتقاق اللغوي لكلمة صوفي، والذي تميل إليه هذه الآراء أنها مشتقة من لباس الصوف، وهو قد كان اللباس الغالب على الزهاد والعباد (٢)، ويخطئ من ينسب كلمة صوفي إلى أهل الصفة؛ لأن ذلك الاشتقاق لغة لا يصح، كما أن أهل الصفة لم يكونوا قومًا منقطعين للعبادة كما شاع ذلك خطأ عنهم، بل كانوا قومًا فقراء يهاجرون إلى المدينة وما لهم أهل ولا مال، وكان الأنصار في أول الأمر يؤوون المهاجرين ثم صار المهاجرون يكثرون بعد ذلك شيئًا بعد شيء، فبنيت لهم صفة (مكان مظلل) في مؤخرة مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة ليأووا إليها. ولم يكن جميع أهل الصفة قد اجتمعوا كلهم في وقت واحد في هذا المأوى، بل كان منهم من يتأهل أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسر له، وهكذا يجيء ناس ويذهب ناس، فكانوا تارة يقلون وتارة يكثرون (٣). وعلى هذا فأهل الصفة ليسوا هم متصوفة العهد النبوي كما يظن البعض. وقد ظهر لفظ التصوف في أواخر المائة الثانية (٤)، واشتهر استعمال هذا الاصطلاح عند كثير من أئمة الدين في ذلك العصر، ويروى ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل وأبي سليمان الداراني وسفيان الثوري والحسن البصري (٥).

стр. 92

ومنشأ التصوف كان بالبصرة بالعراق، وكان فيها من يسلك طريق العبادة والزهد وله زيادة اجتهاد في ذلك (١). ثم أصبح التصوف مصطلحًا "لمجاهدة النفس ورياضتها للخروج بها عن الأخلاق الرذيلة والدخولط بها في الأخلاق الحميدة والخصال الحسنة" (٢). وكان أوائل الصوفية يقرون بأن اعتمادهم وتعويلهم على الكتاب والسُّنَّة. ومن أقوال أوائل المتصوفة في ذلك: يقول الجنيد: "مذهبنا هذا مقيَّد بحديث رسول الله ﷺ ". ويقول آخر: "أصل التصوف ملازمة الكتاب والسُّنَّة وترك الأهواء والبدع". ويقول ثالث: "أصولنا ستة أشياء: التمسك بكتاب الله، والاقتداء بسُنَّة رسول الله ﷺ ، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، وأداء الحقوق" (٣). وكثير مما تكلم فيه أوائل المتصوفة في تعريف التصوف وحقائقه، ومقاماته وأحواله وسيرته وأخلاقه، مما له أصول في الكتاب والسُّنَّة فأصل التصوف نوع من الاجتهاد في إحسان العبادة، فمن الخطأ ذم التصوف مطلقًا. ثم إن التصوف بعد ذلك يتشعب ويتنوع، ورويدًا رويدًا دخلته أخطاء وانحرافات، وانتسبت إليه جماعات ضلت باسمه وأضلت. الغزالي والتصوف: يعتبر الغزالي نفسه من كبار المتصوفة في الإسلام، بل إن ابن تيمية يرى أن علم التصوف عند الغزالي "هو أجل علومه وبه نبل" (٤). وإقبال الغزالي على التصوف كان أحد المنعطفات البارزة في حياته. وقد ترجم الغزالي لهذه الفترة من حياته بقلمه (٥)، وبين الظروف والبواعث التي دفعت به إلى التخلي عن مركزه الاجتماعي المرموق والتفرغ لدراسة التصوف وممارسته عمليًا. ودامت هذه العزلة إحدى عشرة سنة، عاد بعدها إلى التدريس والتأليف، وكان من آثارها أن ألَّف الغزالي إنتاجه العلمي الكبير "إحياء علوم الدين".

стр. 93

وكتاب "إحياء علوم الدين" من أكبر مؤلفات الغزالي، وأهمها وأكثرها ذيوعًا وتأثيرًا. ونقتطف هنا بعض ما ذكره الغزالي في المقدمة مما يلقي الضوء على محتويات الكتاب والموضوعات التي بحثها (١): قسم الغزالي كتابه إلى أربعة أقسام، سمى كل قسم منها ربعًا، وهذه الأقسام هي: ربع العبادات، وربع العادات، وربع المهلكات، وربع المنجيات. وتحدث في القسم الأول عن خفايا آداب العبادات ودقائق سننها وأسرار معانيها، وشمل هذا القسم طرفًا من فضائل العلم ومن قواعد العقائد. وتحدث في القسم الثاني عن أسرار المعاملات الجارية بين الخلق وأغوارها، ودقائق سننها وخفايا الورع في مجاريها. وتحدث في القسم الثالث عن الأخلاق المذمومة، التي جاء ذمها في القرآن مبيِّنًا حقيقتها وتعريفها وأسبابها وبواعثها وعلاماتها وطرق علاجها. وتحدث في القسم الرابع عن الأخلاق المحمودة وخصال المؤمنين والصديقين، ذاكرًا في كل خصلة تعريفها وحقيقتها وأسبابها التي بها تنال وثمراتها وفوائدها. ويصف الندوي الكتاب قائلًا: "وقد أصبح كتاب الإحياء بذلك كله كتاب إصلاح وتربية، وكأن المصنف حاول أن يكون هذا الكتاب كمرشد ومرب، مغنيًا عن غيره قائمًا مقام المكتبة الإسلامية، لذلك جعله يحتوي على العقائد والفقه وتزكية النفس وتهذيب الأخلاق" (٢). وقد استمد الغزالي كتاب الإحياء من مصادر التصوف السابقة له (٣)، مع ما زاده من قبل نفسه وفكره، وكتبه بعاطفة صادقة وعبارات قوية، جعلت للكتاب تأثيرًا بيِّنًا على النفوس يحدث فيها تحولًا عجيبًا. وقد أثار هذا الكتاب منذ ظهوره ضجة كبيرة، وتطرف بعض الناس في قبوله والإعجاب بكل ما فيه، وتطرف آخرون في رفضه، حتى وقعت في بلاد المغرب خاصة بسبب هذا الكتاب فتن كثيرة وتعصب، أدى إلى أنهم كادوا يحرقونه، وربما وقع إحراق يسير (٤).

стр. 94

وقد انتقد الكتاب عدد غير قليل من العلماء، ووضعت كتب في نقده وبيان أخطائه (١). ومع الاعتراف بأن في الكتاب خيرًا كثيرًا إلا أن نواحي النقص والضعف في الكتاب التي أشار إليها هؤلاء تنحصر في هذه الجملة من كلام الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) قال: "أما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير لولا ما فيه من أدب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء، (يعني: الفلاسفة) وتبحر في الصوفية" (٢). فهذه ثلاثة مآخذ على كتاب الإحياء: اشتماله على أحاديث ضعيفة بل موضوعة، واشتماله على أقاويل من الفلاسفة، وما فيه من غلو في بعض الموضوعات مما استمده من التصوف المنحرف (٣). وبسبب ثقة الناس في الغزالي راجت هذه الأحاديث الواهية، ودخلت آراء فلسفية وسلوكيات باطلة، في الدين مستترة بثوب التصوف. ويستمر الذهبي ناصحًا بالإقبال على الأصول الكتاب والسُّنَّة قائلًا: "فعليك يا أخي بتدبر كتاب الله وبإدمان النظر في الصحيحين وسنن النسائي ورياض النووي وأذكاره تفلح وتنجح فكل الخير في متابعة الحنيفية السمحة" (٤). ومع أن الغزالي أقبل على التصوف بكليته ومع ما أخذ عليه من مزالق في ذلك، إلا أنه بنفسه قد انتقد بعض المظاهر في التصوف نقدًا مرًا. ومن أمثلة ذلك ما جاء في كتابه "المقصد الأسنى" من بيان أن بعض المتصوفة فهموا أن

стр. 95

القرب من الله تعالى، يعني: الحلول أو الاتحاد أو الوصول (١). وذكر في كتاب الإحياء نفسه طوائف من المتصوفة وعدد انحرافاتهم (٢)، فمن تلك الانحرافات الإغراق في الطقوس والمظاهر الكاذبة والأزياء المتكلفة، ومن تلك الانحرافات التي أشار إليها وقوع بعض الطوائف في الإباحية (زعمًا أنهم مع الشهوات بالظاهر أما قلوبهم فوالهة بحب الله)، ومن تلك الانحرافات ادعاء ارتقاء النفس إلى مرتبة لا تحتاج معها إلى العبادات البدنية، ومن تلك الانحرافات تلك الحلقات المفرغة والكلمات الجوفاء، في شرح بعض أنواع مجاهدات النفس بما لا طائل من ورائه، من مثل القول: "إن هذا في النفس عيب، والغفلة عن كونه عيبًا عيب، والالتفات إلى كونه عيبًا عيب! ". وخلاصة الأمر أن الغزالي خالط المتصوفة فرأي حالتهم الغاية المنشودة واجتذبه ذلك بالمرة (٣)، ولكنه لم يعرف طريقة الزاهدين من أهل السُّنَّة والحديث (٤)، ويعترف الغزالي بنفسه بذلك فيقول: "بضاعتي في الحديث مزجاة" (٥)، ويحكي أنه أقبل في آخر عمره على دراسة الحديث والمطالعة في الصحيحين البخاري ومسلم (٦). ولو قدّر له أن يعيش عمرًا أطول لكان لهذه الدراسة أثر في حياته، وبخاصة أنه قد اتصف بالقدرة على الغوص والتبحر فيما يتفرغ لدراسته. الخاتمة: وهكذا يتضح أن للتجديد مجالات عديدة كلها تسعى لإحياء الدين وبعثه، ولعل من أهمها ما ذكر من إصلاح سياسي، واجتهاد تشريعي، وتصحيح للانحرافات. وقد قام المجددون في الماضي بجهود كبيرة في هذا المجال، قدمت له في هذا الفصل نماذج من إصلاحات عمر بن عبد العزيز والشافعي وأبو

стр. 96

الحسن الأشعري والغزالي. أما مجال إفشاء العلم فقد كان أيضًا من أهم مجالات التجديد ولعله لم يخل مجدد ممن ذكر اسمه في قوائم إحصاء المجددين من جهود في هذا المجال، ولم يفرد هذا المجال بالذكر والتفصيل؛ لأنه أشهر من أن يبين ويوضح، ولعل سيرة حياة كل مجدد ممن نسب إلى التجديد تشهد له بجهود ضخمة في هذا المجال، وكلها مدونة ومفصلة في كتب التاريخ والطبقات والتراجم. ولا شك أن مجالات التجديد في كل عصر تناسب ما أصاب أهله من خلل وبعد. ولكن لعل ما ذكر من أمثلة يشير إلى ما لم يذكر، إذ أن الدين منهج للحياة متكامل والله يأمر في كل عصر ومصر بالدخول فيه كافة إذ يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]. فالآية حسب ما رجح الطبري معناها الدعوة لكل امرئ إلى الدخول في الإسلام كله "والأمر له بالعمل بجميع شرائعه وإقامة جميع أحكامه وحدوده دون تضييع بعضه والعمل ببعضه" (١). فمادام الأمر كذلك فإن التجديد يكون بحسب ما انهدم من الدين وبحسب قدرات المجدد وما يتهيأ له من قدرات.

стр. 97

الباب الثاني مفاهيم التجديد الخاطئة

стр. 98

الفصل الأول مفهوم التجديد عند العصرانية في الغرب

стр. 99

الفصل الأول مفهوم التجديد عند العصرانية في الغرب ما العصرانية ؟ كتب الأستاذ أبو الحسن الندوي في صدر كتابه "الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية في الأقطار الإسلامية" (١). "واجه العالم الإسلامي في منتصف القرن التاسع عشر المسيحي مشكلة في غاية الدقة والتعقد والخطورة، وعلى الموقف الذي يتخذه تجاه هذه المشكلة الحاسمة يتوقف مستقبله كعالم له شخصيته وكيانه، هي مشكلة الحضارة الغربية الفتية الدافقة بالحياة والنشاط والطموح وقوة الانتشار والاستيلاء، وهي من أقوى الحضارات البشرية التي عرفها التاريخ. . . . . . إنني أعتقد أن ذلك أضخم مشكلة للأقطار الإسلامية، وهي مشكلة حقيقية لا صلة لها بالأوهام والأحلام. إن ضعف الأقطار الإسلامية الداخلي، ونفوذ الحضارة الغربية واحتلالها، واستيلاء الأفكار الغربية المادي والسياسي،

стр. 100

يرسم في الأفق علامة استفهام واضحة ضخمة أمام الأقطار الإسلامية، ولا تستطيع أن تتقدم خطوة واحدة بدون أن تجيب عليها جوابًا حاسمًا. أي موقف تتخذه هذه البلاد نحو هذه الحضارة؟ وأي منهج تسير عليه لتوفيق مجتمعها بالحياة العصرية وتحقيق مطالب العصر الحديث؟ وإلى أي مدى تثبت ذكاءها وشجاعتها الخلقية لمواجهة هذه المعضلة؟ إن وضع الجواب على هذا السؤال هو الذي يحدد مكانة هذه الشعوب في خريطة العالم ويعرف به مستقبل الإسلام في هذه البلاد". هذه هي المشكلة التي واجهت العالم الإسلامي، ولكن هذه المشكلة لم تواجه الإسلام وحده، بل قد واجهت الأديان الأخرى، فقد واجهت اليهودية وواجهت المسيحية. هذا ما يقرره أيضًا أستاذ الأديان في جامعة كولومبيا جوزيف بلاو (Joseph L.Blau) في محاضراته التي ألقاها في أكثر من عشر جامعات ومعاهد دينية بأمريكا فقد قال (١): "إن كل الأديان الكبرى قد واجهت أزمة منذ ميلاد الحضارة الحديثة، وكل هذه الأديان قد بذلت بطريقتها الخاصة جهودًا كبيرة لحل هذه الأزمة ولمواجهة الحياة العصرية والعلمانية المصاحبة لها. إن القرن التاسع عشر والقرن العشرين قد شهدا فترة إبداع عظيمة في هذه الأديان، وكان ذلك ببساطة بسبب أن هذه الأديان ينبغي أن تتوافق مع العصر الحديث أو تموت". فكيف سعت هذه الأديان للتوافق مع العصر الحديث؟ أو بعبارة أدق: كيف سعت للملاءمة بينها وبين الحضارة الغربية الحديثة؟ إن ما يعنينا في هذا المجال إحدى المحاولات التي سعت لإيجاد هذه الملاءمة ووضع حل لتلك المعضلة الكبيرة. إنها حركة مراجعة وإعادة تفسير واسعة نشطت في داخل الأديان الكبرى داخل اليهودية وداخل النصرانية وداخل الإسلام أيضًا. إن هذه الحركة للمراجعة عرفت في الفكر الديني الغربي باسم العصرانية (Modernism). وكلمة عصرانية هنا لا تعني مجرد الانتماء إلى هذا العصر ولكنها مصطلح خاص. فما العصرانية؟

стр. 101

إن العصرانية في الدين هي أيّ وجهة نظر في الدين مبنية على الاعتقاد بأن التقدم العلمي والثقافة المعاصرة، يستلزمان إعادة تأويل التعاليم الدينية التقليدية، على ضوء المفاهيم الفلسفية والعلمية السائدة (١). فالعصرانية هي الحركة التي سعت إلى تطويع مبادئ الدين لتتلاءم مع قيم الحضارة الغربية ومفاهيمها، وإخضاعه لتصوراتها ووجهة نظرها في شؤون الحياة. والمصطلح أطلق بصفة خاصة على حركة داخل الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولكنه أيضًا يستخدم لوصف النزعات التحررية المشابهة في البروتستانتية، كما أنه قد نشأت في اليهودية فرقة كانت أفكارها تسير في خطوط متوازية مع ما نشأ داخل النصرانية. ولقد شهد الإسلام منذ القرن الماضي نزعات مشابهة، ويستخدم بعض المسلمين لها كلمة تجديد الدين. وهذا الفصل يبحث في هذا النوع من التجديد في اليهودية والنصرانية، أما الإسلام فسيعقد له فصل آخر -إن شاء الله-. الفرقة المتحررة في اليهودية: في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي بدأت في ألمانيا تظهر نزعات جديدة بين اليهود، تكونت منها فيما بعد فرقة جديدة في الديانة اليهودية، عرفت باسم اليهودية المتحررة (Liberal Judaism) (٢). وتسمى أيضًا اليهودية التجديدية أو الإصلاحية (Reform Judaism) (٣) . وقد كانت نشأة هذه الفرقة من التأثيرات المباشرة للحركة العلمية التي بعثها الزعيم اليهودي مندلسون (Moses Mendelsshon) (٤) (١٧٢٩ - ١٧٨٦ م)، والتي

стр. 102

أشاعت العلوم العصرية بين اليهود، ونقلتهم من حياة العزلة والتشرد التي عاشوا فيها قرونًا طويلة إلى تيار الحضارة الغربية الحديثة. ولد مندلسون في أحد أحياء اليهود الفقيرة بمدينة صغيرة في ألمانيا، وتلقى علوم أجداده الدينية، ثم رحل مع والده إلى برلين وهو لا يزال صبيًا. وهناك أتقن بسرعة اللغة الألمانية ثم بدأ يدرس الفلسفة والرياضيات والعلوم، وبفضل مواهبه وذكائه أصبح في وقت قصير في وسط المحيط العلمي المتنور في برلين، والذي ضم من بين من ضم الفيلسوف الألماني كانط. وهكذا أصبح مندلسون جامعًا بين علوم الدين اليهودي وفلسفة ومعارف القرن الثامن عشر، وأصبحت حياته بعد ذلك رمزًا للجسر الذي أراد أن يقيمه بين تعاليم اليهودية التقليدية وبين عصر التنوير (Enlightenment) في أوروبا. وقد كانت جهوده في هذا المجال تتمثل في إقامة مدرسة تسعى لتعليم الثقافتين اليهودية والعصرية، وإنشاء مجلة تنشر آراءه في سبيل نهضة اليهود للحاق بركب العصر، كما ألف العديد من الكتب. كان هدف مندلسون توسيع أفق اليهود وإشاعة التعليم الحديث بينهم وإيقاظهم ودفعهم للحياة الواسعة، لقد كان شعاره في ذلك "الاستجابة لعادات وأعراف المجتمع العصرية مع المحافظة والإخلاص لدين الآباء". وقد كانت حياته تجسيدًا لهذا الشعار، فقد عاش مخضعًا قلبه لليهودية وعقله لفلسفة وعلوم العصر، ولكنه لم يدرك أنه قد ابتدأ صراعًا بين التقاليد اليهودية وبين الثقافة العصرية، هذا الصراع الذي ازداد في الأجيال التالية حدة ودفع إلى ظهور حركة التجديد الحرة. إن اليهودية الآن تتقاسمها فرق رئيسة: فرق تقليدية، ومحافظة، وأخرى متحررة، بجانب حركة الصهيونية. وكل هذه الفرق قد اتخذت سبلًا في مجال العقائد والأعمال لإقامة التوازن المطلوب بين اليهودية وبين الحياة المعاصرة (١)، ولكن الذي تهتم به هذه الدراسة هو المفهوم الذي قدمته الفرقة المتحررة لتجديد اليهودية. نشأت نزاعات التجديد في ألمانيا في أول الأمر بمحاولات لجعل الصلوات والأناشيد الدينية ذات جاذبية وبخاصة للشباب، لعل ذلك يقلل من

стр. 103

اندفاعهم لترك دين آبائهم. وبدأت هذه التعديلات بتذليل الصعوبات اللغوية وكتابة الصلوات بلغة سهلة، وأدخلت آلة حديثة تعزف مع الصلاة. وبدأ ذلك في المدارس التي أنشأها خلفاء مندلسون بحجة أن العقول الصغيرة ينبغي أن تنال عناية خاصة. ولكن الأمر ما لبث أن استفحل، ووسط معارضة شديدة افتتح أول معبد يهودي على ضوء التعديلات الجديدة، وألف كتاب صلوات حديث باللغة الألمانية، وجاء في خطبة افتتاح المعبد: "إن الدنيا كلها تتغير من حولنا فلماذا نتخلف نحن؟ " (١). وحتى تلك اللحظة كانت الحركة اندفاعًا دون فكر، فقد كانت تفتقد الأسس الفلسفية التي يقوم عليها نقدها لما سمي بالتقاليد القديمة، وقد ولدت تلك الفلسفة في العقد الرابع من ذلك القرن على يد جيل من المفكرين من أحبار اليهود (Rabbis) نقتصر على ذكر ثلاثة من أشهرهم. من هؤلاء إشتاينهايم (Steinhiem) (١٧٩٠ - ١٨٦٦ م) (٢) الذي كان شديد التأثر بفلسفة كانط وقد طبع كتابه عن "الوحي في النظام العقدي اليهودي" في أربعة مجلدات بين عام (١٨٣٥) وعام (١٨٦٥ م)، ومن غير أن نغرق أنفسنا في تفاصيل مذهبه عن طبيعة الوحي، يكفي أن نذكر مبدأ هامًا ساهم به في الفكر التجديدى اليهودي، وهو أنه لا يرى الأخذ بنصوص التوراة حرفيًا، بل يرى الاختيار من بين هذه النصوص. أما كيف يتم هذا الاختيار فهو لا يقترح شيئًا منضبطًا، بل يرى أن ذلك الاختيار يتم وفق ما تمليه "دواعي الإيمان" (The act of faith)، وذلك متروك لكل عصر حسب ظروفه. وبهذا المبدأ وضع إشتاينهايم الأساس النظري لإجراء أي تعديل أو مراجعة للتعليم اليهودي. أما هولدهايم (Holdheim) (١٨٠٦ - ١٨٦٠ م) (٣) فإنه أشاع مبدأ آخر وهو أن الشريعة الإلهية رغم أنها موحى بها من عند الله، فهي موقوتة بظروفها التي جاءت فيها، وليست دائمة، ولهذا فهو يرى أن كثيرًا من تشريعات التوراة والتلمود باطلة الآن ولا يجب الالتزام بها؛ لأنها كانت خاصة بزمن معين ومكان

стр. 104

معين، وينبغي إيجاد تشريعات بديلة ومن كلماته المشهورة في أحد كتبه: "إن التلمود يتحدث متأثرًا بفكر زمانه وهو حق في ذلك الزمان، وأنا أتحدث منطلقًا من فكر متقدم في عصري هذا، وبالنسبة لهذا العصر فأنا محق" وبهذا المبدأ أزاح هولدهايم التلمود من مكانته التشريعية المعهودة عند اليهود. ومن البارزين الذين كانت لهم مساهمة فعالة في هذه الحركة الإصلاحية المتحررة في ألمانيا أبراهام جايجر (Abraham Gieger) (١٨١٠ - ١٨٧٤ م) (١)، وقد يكون من المناسب أن نفصل بعض الشيء المعالم البارزة في حياته. ولد في أسرة تقليدية (Orthodox) وتلقى تعاليم التلمود في طفولته وصباه، ثم درس الفلسفة واللغات الشرقية، ثم واصل تعليمه في جامعة بون، وكانت رسالته للدكتوراه عن تأثير اليهودية في القرآن. وبعد أن تخرج شغل مناصب دينية في مناطق مختلفة في ألمانيا كان في آخرها حاخامًا في برلين. ومنذ أن كان في الثلاثين احتل مكانة بارزة في الحركة التجديدية الحرة، وكان أحد مفكريها وخطبائها وكُتَّابها المشهورين. وأصدر عددًا من الكتب، وأنشأ مجلة، وشارك في مؤتمرات الحركة، وقاد كثيرًا من نشاطاتها. كان يعتبر أن اليهودية دين دائم التطور، أو عملية ثورية مستمرة (Judaism is an ongoing revolutionary process) ترتكز أصولها على تعاليم الأنبياء العبريين، التي طورها الشراح في عصر التلمود الذين لم يعتبروا شريعة الأنبياء شريعة أبدية ملزمة (Eternally Valid) ولكنهم بإبداع كيفوها لحاجاتهم في عصرهم. إلا أن اليهودية ومنذ القرن السادس قبل الميلاد جمدت على أيدي التقليديين، ومهمة الحركة التجديدية الحرة نفض الغبار عن جوهرها وإزالة الزوائد التي علقت بها عبر القرون. وجوهر اليهودية في نظره ليست أشكالها أو مؤسساتها ولا حتى شريعتها ولكن جوهرها هو أخلاقها (Morality). وقدّم جايجر مفهومًا جديدًا عن منزلة الوحي في اليهودية فهو يقول بما أن الواسطة الوحيدة لنقل الوحي الإلهي هم البشر المعرضون للخطأ فإن نقلهم للوحي لا يمكن أن يكون غير متأثر ببشريتهم، ولهذا فإن كل التعاليم التي يزعم أنها مقدسة وأنها وحي إلهي خالص هي في الحقيقة مزيج من "الإلهي"

стр. 105

و"البشري"، (Divine and human) مزيج من الحقائق الإلهية ومن الفهم البشري المحدود لهذه الحقائق والمشوه في أحيان كثيرة. وبما أن البشرية تكتسب معرفة جديدة في كل جيل، وهذه المعرفة نفسها هي كشف من الله ونوع من الوحي يسميه الوحي المتطور (progressive revelation) فإن التوراة والتلمود رغم أنهما وحي، إلا أنهما لم يستوعبا نهائيًا وبصورة كاملة الحكمة الإلهية. وبهذين المفهومين مفهوم التفرقة بين ما هو بشري وإلهي في تعاليم الدين، ومفهوم أن اكتشاف معارف جديدة هو نوع من الوحي ينبغي إعادة النظر في التوراة والتلمود على ضوئه، أراد جايجر لليهودية أن تتطور في أشكالها البدائية إلى منزلة عالية من السمو الروحي والأخلاقي والثقافي. وهكذا أسهم هؤلاء المفكرون في تقديم الأساس النظري والحجج الفلسفية لإجراء التعديلات في اليهودية. وقد شملت التعديلات عمليًا الصلوات في محتواها وفي لغتها وفي طريقة أدائها، فقد سمح بتلاوتها باللغات المحلية، وألفت كتب صلوات جديدة (Prayer books) وحذف منها كثير مما يعتقد بأنه مجاف للروح العصرية، وسمح باستعمال آلة موسيقية حديثة في أثنائها، وشملت التعديلات وضع المرأة في اليهودية، وبخاصة مسألة الزواج بغير اليهودي، ومسألة الطلاق ومسألة الاختلاط حتى لقد أصبحت المرأة تجلس بجانب الرجل في المعابد الحرة في أثناء الصلوات، وخففت التعديلات من المحرمات الصارمة في يوم السبت وأهمل الختان باعتباره ممارسة خرافية (١). ومما لا شك فيه أن هذه الآراء قد أثارت اعتراضات وضجة كبيرة وسط اليهود وقوبلت بالهجوم والنقد من أكثر من مفكر يهودي، ومن أشهر هؤلاء واحد يستحق الذكر هو سامسون رفائيل هرش (Hirsh) (١٨٠٨ - ١٨٨٨ م) (٢)، فقد تزعم الموقف التقليدي وهاجم الحركة الجديدة بفكره وقلمه، وأسس تيارًا فلسفيًا وفكريًا قويًا وترك وراءه خلفاء في نفس الدرب. كان هِرش قد أخذ على عاتقه إيجاد صلة بين التوراة وبين أفكار وقيم القرن التاسع عشر الميلادي، وكان مقتنعًا أن حركة اليهودية المتحررة تسعى لنفس الهدف ولكنها تسلك لتحقيقه طريقًا

стр. 106

خاطئًا؛ لأنها اتخذت العصر وما فيه من قيم متغيرة مقياسًا لحقائق التوراة الثابتة. إنها تجعل العصر هو الحاكم إما أن تتكيف اليهودية معه أو تموت، ولكن هِرش يرى أن موت اليهودية هو في تطويعها لمبادئ العصر المتغيرة. إن الطريقة الصحيحة في نظره هي أن تجعل التوراة وما فيها من حقائق ثابتة معيارًا لما في العصر من خير أو شر؛ لأن التوراة هي في المنزلة العليا فوق متغيرات الحضارة، من غير أن تغمض التوراة عينيها عن كل ما هو نافع في المعرفة الجديدة. ويوجز رأيه في عبارات قليلة في أحد كتبه فيقول: "إن الدين في نظرهم صحيح مادام لا يتعارض مع التطور، وفي نظرنا التطور صحيح مادام لا يتعارض مع الدين" (١). عاصفة التجديد في أمريكا (٢): لم تكن حركة اليهودية الإصلاحية (Reform Judaism) قاصرة على ألمانيا بل تعدتها إلى غيرها من البلاد الغربية، فدخلت للجاليات اليهودية في فرنسا وإنجلترا وأمريكا وغيرها، وذلك في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. وإذا كانت ألمانيا هي مركز الحركة حتى ذلك الوقت، إلا أنه بسبب الظروف غير المستقرة التي كانت تمر بها أوروبا عمومًا، وبسبب هجرة اليهود الواسعة وبخاصة الألمان إلى أمريكا، تحول مركز الحركة وثقلها في النصف الأخير من ذلك القرن إلى الولايات المتحدة الأمريكية. كانت بوادر الحركة في أمريكا قد ظهرت منذ العقود الأولى في ذلك القرن، مقتفية آثار الحركة في ألمانيا ومعتمدة عليها في فكرها وفي نوعية إصلاحاتها، ويؤرخ عادة لهذه البداية بالعام (١٨٢٨ م) حيث تأسست في ولاية كارولينا الجنوبية جمعية صغيرة باسم "جمعية الإسرائيليين التجديدية" (Society of Israelites Reformed) ولكن الحركة استمرت ضعيفة ومتعثرة إلى أن هاجر أحد الأحبار الذين شاركوا في الحركة الألمانية، فكانت لجهوده آثار في إنعاش الحركة في أمريكا، وبفضل نشاطه تكونت في عام (١٨٧٣ م) مؤسستها المعروفة

стр. 107

حتى اليوم "اتحاد الطوائف العبرية الأمريكي" (The Union of American Hebrew congregations) (١) . وقد سارت الحركة في أمريكا في أطوار وظروف مشابهة لما مرت به الحركة في ألمانيا وبغض النظر عن التفاصيل فإن أكبر حدث شهدته الحركة كان عام (١٨٨٥ م)، حيث اجتمع تسعة عشر حبرًا من مفكريها وأصدروا وثيقة هامة ظلت لمدة نصف قرن تعبر عن مبادئ الحركة الأساسية وعقيدتها، وعرفت هذه الوثيقة باسم "خطة بتسبرج" (pittsburgh platform) وقد شملت الوثيقة ثمانية مبادئ (٢) وهذه بعض الفقرات منها: ١ - نحن نشهد أن اليهودية تعبر عن أعلى تصور للفكر الديني الذي بينته كتبنا المقدسة، وطوره وشكل روحه علماء اليهود، ليلائم التقدم الفلسفي والأدبي في عصر كل منهم. ٢ - نحن نشهد أن كتبنا المقدسة هي سجل لما قام به الشعب اليهودي في سبيل خدمة الإله الواحد. "لقد أهمل بتاتًا ذكر طبيعة هذه الكتب وهل هي وحي أم لا؛ لأن المؤتمرين لم يتفقوا على تعريف واحد للوحي". ونحن نشهد أن الاكتشافات العلمية لا تعارض عقائد اليهودية. "كانت نظرية دارون قضية الوقت ولنفي التعارض معها رفض الفهم الحرفي لقصة الخلق كما جاءت في أسفار التوراة". ٣ - لا نقبل الآن من الشريعة الموسوية إلا أحكامها الأخلاقية، ونرفض كل ما لا يتلاءم مع أفكار وقيم وسلوك الحضارة العصرية. ٤ - في المبدأ الرابع رفضت جميع النظم والقوانين الخاصة بطقوس الكهنة وملابسهم، باعتبار أنها تكونت تحت تأثير ظروف غريبة على الذهن المعاصر. ٥ - في المبدأ الخامس فسرت عقيدة ظهور "المسيح" الذي بشرت به كتبهم المقدسة إلى أنها رمز "لإقامة مملكة الحق والعدل والسلام في العالم"،

стр. 108

وصاحب هذا التفسير الجديد رفض اعتبار اليهود "شعبًا وقومية" بل هم "جماعة دينية". ٦ - أعلن أن اليهودية دين متطور يصارع دائمًا ليكون متماشيًا مع العقل، ومن الممكن إقامة صلات تعاون مع المسيحية والإسلام باعتبارهما تولدا من اليهودية. ٧ - مع الاستمرار في الإيمان بخلود النفس إلا أن عقيدة الآخرة المتمثلة في العقاب والثواب الجسدي والجنة والنار رفضت تمامًا "والحجة التي قدمت أنها ليست لها "جذور أصيلة" في اليهودية "وإن كان من الواضح أن السبب الأساسي هو الزعم بأن هذه العقيدة مناقضة للعلم الحديث". ٨ - أعلن أن من واجب اليهودية الآن أن تشارك في الجهود العصرية لتحقيق العدالة الاجتماعية "كان الصراع الطبقي أحد المشاكل التي تجد العناية من المفكرين آنذاك". اليهودية التجديدية في القرن العشرين (١): شهد القرن الحالي تراجعًا في حركة التجديد الحرة اليهودية في مركز ثقلها الأساسي في أمريكا، ويدلل على هذا التراجع في الأفكار نحو تبني ما كان يرفض من قبل ويوسم "بالتقليدية"؛ التعديل الذي طرأ على مبادئ بتسبرج والذي أعلن في عام (١٩٣٧ م) من مجلس الحركة التشريعي، الذي يسمى المؤتمر المركزي لحاخامات أمريكا (the Central Conference of American Rabbis) وقد أعطيت مبادئ ١٩٣٧ م اسم "المبادئ الإرشادية لحركة التجديد اليهودية" (Principles of reform judaism Guiding) وقصد بذلك إسباغ صفة المرونة عليها وأنها ليست مبادئ ملزمة. ولكن الفروق بين المبادئ الجديدة والمبادئ القديمة كانت كبيرة، ويعلق الأستاذ بلاو (Blau) أستاذ الديانات بجامعة كولومبيا على ذلك بقوله: "إن الفروق بين الاثنين واسعة جدًا بحيث يبدو كأن الوثيقتين لم يصدرا من حركة واحدة" (٢).

стр. 109

لقد عادت الحركة لاستعمال اللغة العبرية في الصلوات، وأعيد للصلوات كثير من الطقوس التي رفضت في القرن السابق، وأصبح يحتفل بكثير من الأعياد كالطريقة التقليدية، وعادت ليوم السبت حرمته وعادت لهجة الحديث عن كثير من المسائل أكثر اعتدالًا وأكثر اقترابًا من وجهة النظر التقليدية (١). وليس هذا التراجع في الأفكار والمبادئ فقط بل إن فكر اليهودية المجددة يعتبر فكر أقلية والفرقة التقليدية (Orthodox) لا تزال تضم أغلبية اليهود في أمريكا (٢). وفي دولة اليهود التي أقاموها في فلسطين لا تعترف الدولة بفرقة اليهودية المتحررة وقد يكون ذلك بسبب العداء التاريخي بينها وبين الحركة الصهيونية، والمعابد الحرة القليلة التي أنشئت وسط معارضة كبيرة لا تجد تشجيعًا ولا دعمًا ماديًا من الدولة (٣). ورغم أن الإقبال على الدين نفسه ضعيف وسط اليهود في العالم، إلا أنه في محيط المتدينين القلة، لا يمكن الزعم أن حركة اليهودية الإصلاحية، بعد قرنين من الصراع، قد استطاعت أن تغير الصورة بالقدر الذي كانت تحلم به. التجديد العصراني للنصرانية: وفي نفس الوقت الذي كانت تزدهر فيه تلك الحركة لتجديد اليهودية كانت النصرانية بشقيها الكاثوليكية والبروتستانتية تشهد تطورات مماثلة، تشترك في نفس الهدف وهو إيجاد التآلف بين إيمان الآباء وبين أفكار العالم الحديث. يقول أحد الكُتَّاب الغربيين ممن سجلوا هذه الظاهرة وهو جون راندال في كتابه "تكوين العقل الحديث": ". . . الذين دعوا أنفسهم بالمتدينين الأحرار في كل فرقة دينية، سواء بين البروتستانت أو اليهود أو حتى الكاثوليك قد ذهبوا إلى القول أنه إذا كان للدين أن يشكل حقيقة حية، وإذا كان له أن يظل تعبيرًا دائمًا عن الحاجات الدينية للجنس البشري، فلابد له أن يتمثل الحقيقة والمعرفة الجديدتين، وأن يتآلف مع الشروط المتغيرة في العصر الحديث من فكرية واجتماعية" ويقول هؤلاء إن تعديل

стр. 110

العقائد في ضوء المعرفة السائدة "يجب أن يتم المرة تلو المرة ما دامت معرفة الإنسان تنمو وحياته الاجتماعية تتغير" (١). ولا شك أن هذه الاتجاهات سعت لإحداث تغيير جذري في النصرانية أكبر بكثير مما حاوله الإصلاح الديني السابق على يد لوثر وكالفان. وعمومًا تنسب نشأة حركة التجديد الحديثة في القرنين التاسع عشر والعشرين إلى ثلاثة عوامل رئيسة (٢)، فهناك أولًا: التقدم العلمي الهائل الذي أوجد تصورًا جديدًا للكون يخالف التصور القديم، ولما كان اللاهوت المسيحي قد اشتمل في صلب عقائده على نظريات عفا عليها الزمان فقد نشبت حرب عنيفة بينه وبين العلم الحديث. وهذا التباين والاختلاف بين اللاهوت والعلم الحديث يشتد ويزداد عندما ينشأ تسليم مطلق بقوة العلم الحديث ومنهجه، وافتراضاته والفلسفات الجديدة التي تصاحبه، ومن أجل التوفيق بين المعارف الجديدة وعقائد الدين انبرى رجال الدين أنفسهم لإعادة تأويل هذه العقائد على ضوء العلم والفلسفات الحديثة. والعامل الثاني الفعال الذي دفع بهذه الحركة للظهور هو استخدام منهج النقد التاريخي في نقد التوراة والإنجيل، فقد أخضعا لمقاييس البحث التي أخضعت لها كل الكتابات والمخطوطات التاريخية القديمة، وجرت محاولات لاكتشاف التناقضات في رواياتها والاختلافات في أسلوبها ومن ثم برز السؤال هل هي كتب مقدسة موحاة من الله أم هي من وضع بشر؟ ومن مؤلفوها ومتى ألفت؟ وقد شاركت مجموعة من اللاهوتيين في هذه البحوث وسلموا بنتائجها، واستخدموها في صالح الدعوة إلى تعديل العقائد في ضوء المعرفة الجديدة. العامل الثالث الذي كان له أثره أيضًا هو توسع الدراسات الدينية المقارنة، فقد اتجهت الأبحاث إلى دراسة أديان الإغريق والمصريين، وأديان الهند وأديان المجتمعات البدائية في أفريقيا وآسيا، ونشأت نظريات وفلسفات عن أصل وتطور الدين وقد دعمت هذه الدراسات نقد الكتاب المقدس المسيحي، إذ بدا مماثلًا من جهات كثيرة للآداب المبكرة والكتب المقدسة عند الشعوب الأخرى، وتدعمت أكثر وجهة النظر الداعية إلى إجراء التعديلات على تعاليم الدين.
следующие страницы →