لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (١٠)
الفصيحة العجما في الكلام على حديث «أحبب حبيبك هونا ما»
تأليف
الشيخ أحمد بن عبد اللطيف البربير الحسني البيروتي (١١٦٠ - ١٢٢٦ هـ)
تحقيق
رمزي سعد الدين دمشقية
ساهم بطبعه بعض أهل الخير من الحرمين الشريفين ومحبيهم
دار البشائر الإسلامية
стр. 2
الفَصِيحَةُ العَجْمَا في الكَلامِ على حَدِيثِ «أَحْبِبْ حَبِيْبَكَ هَوْنًا مَا»
стр. 3
جَميعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَةٌ
الطّبْعَةُ الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م
دَارُ البَشَائِر الإسْلَامِيَّة للطباعة والنشر والتوزيع
هاتف: ٧٠٢٨٥٧ - فاكس: ٧٠٤٩٦٣/ ٠٠٩٦١١
بيروت - لبنان ص. ب: ٥٩٥٥/ ١٤
e-mail: bashaer@cyberia.net.lb
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله حَمْدَ معترفٍ له بالفضل والِإنعام، وأفضل الصلاة والسلام على المبعوث رحمة للأنام، محمَّد ﷺ ، وعلى آله وصحبه البرَرَة الكرام.
أما بعد، فإنَّ من البرِّ تعاهدَ آثار الأجيال الماضية، والقيام بنشر أعمالهم الحسنة وما دلُّوا عليه من الخير. وإن أولى من يَبرُّ المرءُ من كان منه قريب الزمان لصيق المكان، لذا أحببت أن تكون مشاركتي لهذا العام الهجري -أعني سنة ١٤٢٠ هـ- في لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام برسالتين لعالمين جليلين من علماء بلدتي بيروت، قيامًا بحقِّهما وتعريفًا للقاصي والداني بفضلهما، وفضل أهل هذا الثغر الذي زخر بالعلماء منذ سكنه المسلمون ورابطوا فيه، وفي مقدمتهم الِإمام المجتهد، الصادع بالحق، والجامع بين العلم والعمل، عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي رحمه الله تعالى وأحسن مثواه.
أما الرسالة الأولى فهي "الفصيحة العجما في الكلام على حديث: "أحبب حبيبكَ هونًا ما ... "" للشيخ الأديب أحمد بن عبد اللطيف البربير المتوفى سنة ١٢٢٦ هـ، بيَّن فيها معاني هذا الأثر النبوي وأظهر فصاحته وبلاغته، جاعلاً جُلَّ شرحه له من أبواب اللغة والنحو والأدب، ولا غرو فهو أحد فرسان هذا الميدان البارعين فيه.
стр. 6
وقد اعتمدت في إخراج هذه الرسالة على نسخة المؤلف بخطه، وهي من مخطوطات المكتبة الظاهرية بدمشق (مكتبة الأسد حاليًا)، ضمن مجموع برقم ١٠٠٤٩، من (ق ١٣٩ - ١٤٢).
أما الرسالة الثانية فهي "تحذير الجمهور من مفاسد شهادة الزور" للشيخ أحمد بن عمر المحمصاني المتوفى سنة ١٣٧٥ هـ، وسيأتي الكلام عليها في أولها.
ومن الله نرجو العون والسداد والتوفيق والِإمداد، وأن يتقبل منَّا ويعاملنا بما هو أهله، إنه سميع قريب مجيب.
وكتبه
حامدًا ربَّ البريَّة
مصلِّيًّا على النبي والذُّريَّة
رَمزي سَعد الدين دمشقية
стр. 7
نصُّ الحديث وتخريجه وشرحه
قال الِإمام الحافظ الحجة أبو عيسى الترمذي في سننه في كتاب البرِّ والصلة، باب ما جاء في الاقتصاد في الحب والبغض ٤/ ٣٦٠ (ح ١٩٩٧):
حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا سُوَيد بن عمرو الكَلْبي عن حمَّاد بن سَلَمةَ، عن أيوبَ، عن محمَّد بن سِيرينَ، عن أبي هريرة أُراه رفعه قال: " أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما عَسَى أنْ يكونَ بَغِيضَكَ يومًا ما، وَأَبْغِضْ بَغِيضكَ هَوْنًا ما عَسَى أنْ يكونَ حَبيبَكَ يومًا ما".
التخريج:
- قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه بهذا الإِسناد إلاَّ من هذا الوجه، وقد رُوِيَ هذا الحديث عن أيوب بإسناد غير هذا رواه الحسن بن أبي جعفر وهو حديث ضعيف أيضًا بإسناد له عن عليّ عن النبي ﷺ ، والصحيح عن علي موقوفٌ قولُهُ.
والحديث رواه عدا الترمذي:
- الحافظ الطبراني في معجمه الأوسط والكبير من حديث ابن
стр. 8
عمر، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٨٨: وفيه جميل بن زيد، وهو ضعيف.
- وفي الأوسط والكبير أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو، قال الهيثمي ٨/ ٨٨: وفيه محمَّد بن كثير الفهري، وهو ضعيف.
- والبخاري في الأدب المفرد ح ١٣٢١، من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بلفظ: هل تدري ما قال الأول؟ أحبب حبيبك ...
- قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه الكافي الشافي بتخريج أحاديث الكشاف ص ١٢٢ (أحاديث سورة الفرقان):
الحديث أخرجه الترمذي من رواية أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، تفرد به سويد بن عمرو عن حماد بن سلمة عن أيوب، قال الترمذي: غريب.
وقال ابن حبان في الضعفاء (١): سويد بن عمرو يضع المتون الواهية على الأسانيد الصحيحة, وليس هذا من حديث أبي هريرة، وإنما هو من قول علي ﵁، وقد رفعه الحسن بن أبي جعفر عن أيوب عن حميد بن عبد الرحمن عن علي، وهو خطأ فاحش.
ورواية الحسن بن أبي جعفر في فوائد تمام (٢).
وأخرجه ابن عدي (٣) من طريق الحسن بن دينار عن ابن سيرين عن أبي هريرة، قال: الحسن بن دينار أجمعوا على ضعفه.
стр. 9
ورواه الطبراني في الأوسط من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، لكن الراوي له عن أبي الزناد متروك، وهو عباد بن كثير.
وفي الباب عن ابن عمر، أخرجه الطبراني، وفيه أبو الصلت الهروي، وهو متروك.
وعن ابن عمرو بن العاص، أخرجه أيضًا من طريق محمَّد بن كثير الفهري عن ابن لهيعة عن أبي قبيل عنه، وهذا إسناد واهٍ جدًّا.
والموقوف عن علي، أخرجه البيهقي في الشعب في الحادي والأربعين من رواية أبي إسحاق عن صبرة بن يزيد ثم عن علي.
وقال الدارقطني: الصحيح عن علي موقوف، اهـ (١).
- قال الشيخ المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير ١/ ١٧٧ بعد أن عرض لروايات الحديث: وبعد أن علمتَ هذه الروايات فاعلم أن أمثلها الأولى -أي رواية الترمذي-، وقد استدرك الحافظ
العراقي على الترمذي دعواه غرابته وضعفه، فقال: قلت: رجاله رجال مسلم، لكن الراوي تردد في رفعه، انتهى. والمصنف -أي السيوطي في الجامع الصغير- رمز لحُسنه.
الشرح:
قوله: (أُراه) هو بضم الهمزة، أي: أظنه، وهي الرؤية الذهنية، فإن أُرِيدَ الرؤية البصرية كانت بفتح الهمزة.
стр. 10
قوله: (أحبب حبيبك هونًا ما)، أي: حبًّا مقتصِدًا لا إفراط فيه.
قوله: (عسى أن يكون بغيضك يومًا ما)، أي: فلربما انقلب هذا الحب بغضًا بتغيُّر الزمان والأحوال فلا تكون قد أسرفتَ في حبه فتندم عليه إذا أبغضته.
قوله: (وأبغض بغيضك هونًا ما)، أي: بغضًا معتدلاً لا إفراط فيه.
قوله: (عسى أن يكون حبيبك يومًا ما)، إذ ربما انقلب هذا البغض حبًّا فلا تكونُ قد أسرفتَ في بغضه فتستحي منه إذا أحببته.
стр. 11
ترجمة المؤلِّف (١)
هو العلَّامة الأديب، والشاعر النَّاثر؛ أديب الفقهاء، وفقيه الأُدباء؛ الشيخ شهاب الدِّين أبو العبّاس أحمد بن عبد اللطيف بن أحمد بن محمَّد البربير الحسني البيروتي الأصل (٢)، الدمياطي المولد، الدِّمشقيّ وفاة.
стр. 12
مولده ونشأته:
وُلِد بدمياط سنة ١١٦٠ هـ (١٧٤٧ م) لأبٍ تاجر، ولمّا نشأ أخذ بطلب العلم، فحفظ القرآن الكريم صغيرًا على الشيخ قاسم بن داود، ثمَّ لمَّا بلغ اثنتي عشرة سنة حفظ ألفية ابن مالك، وحضر شرحها لابن عقيل على الشيخ عبد الحيّ بن فتح الله. وعند الثالثة عشرة تعلق بنظم الشعر، فصار يشبب ويتغزَّل، فاعترض عليه في دعوى الصبابة بعض الأُدباء، فأنشد:
لقد أنكر اللاحيَ شُجوني وصَبوَتي ... لكوني صغيرًا قلتُ لا تُنكروا الفضلا
رآني الهوى طفلاً فمازَحَ مُهجتي ... ومِنْ عادةِ المزَّاحِ أن يألفَ الطفلا
طلبه للعلم وشيوخه:
ثم حضر قراءة المنهج وتفسير البيضاوي على الشيخ محمَّد الدنهيجي، وجمع الجوامع على الشيخ عبد السلام أبي النصر، وتجريد الخطيب وابن قاسم مرارًا على الشيخ عبد الحي، وقرأ عليه أيضًا مختصر
السعد والسُّلَّم للأخضري وغيره، وحضر على الشيخ مصطفى المحلي -الشهير بالسَّقَّا- شرح الهدهدي وشرح اللقَّاني على الجوهرة، والاستعارات لعصام، وحضر على الشيخ أحمد البستاني في العَرُوض والفرائض والأشموني على الألفية.
ومن شيوخه المصريين: الشيخ أحمد الجوهري المتوفى سنة ١٢١٤ هـ، ومن شيوخه بل من أعظمهم مكانة في نفسه وتأثيرًا على سلوكه وثقافته السيد محمَّد مرتضى الزبيدي "شارح القاموس" المتوفى بمصر سنة ١٢٠٥ هـ، فقد أخذ عنه علم الحديث بمصر.
стр. 13
هجرته إلى بيروت:
وفي سنة ١١٨٣ هـ (١٧٦٩ م) هاجر إلى بيروت موطن آبائه وأجداده بعد أن مرَّ بدمشق لفترة وجيزة، وفي بيروت تزوج ثم ما لبث أن طلق زوجته، فانضاف ذلك إلى غربته عن أهله، فأنشد معبرًا عن حاله:
لقد غرَّني إبليسُ قومي بقولِهِ ... تغرَّبْ عن الأوطان في طلبِ المجدِ
كما غرَّ إبليسُ الشياطينِ آدمًا ... وأخرجَهُ بالمكرِ من جنَّة الخُلدِ
تقلُّده القضاء والِإفتاء في بيروت:
وقد طلب منه الأمير يوسف الشهابي أن يتولى الفتوى والقضاء في بيروت، فامتنع الشيخ البربير عن ذلك حتى أقنعه الأمير بالموافقة، غير أنَّ الشيخ وضع شروطًا لقبوله، فإذا أخلَّ الأمير بإحداها اعتزل المنصبين، وكانت الشروط هي:
١ - أن لا يتصدَّى الأمير للدعوى بعد أن يكون هو فصلها بمجلس قضائه، وأن يأمر بتنفيذها دون إبطاء.
٢ - إذا كانت الخصومة بين الأمير وبين أحد المواطنين العاديِّين، وكان الحكم ضد الأمير، فإنَّ على الأمير أن ينقِّذ ما أمر به الشرع الحنيف.
٣ - أن يبعث الأمير من قِبله أحد أتباعه ويجلس في المحكمة لتحصيل ما على الدعوى من الرسوم المقرَّرة بين القضاة.
٤ - أن لا يلتزم الشيخ البربير بارتداء الزيّ المقرَّر للقضاة من لبس العمامة والفَرَجيَّة (١).
стр. 14
وقد نزل الأمير عند رغبة الشيخ وتعهد بالتزام الشروط التي طلبها.
لكن الشيخ كان يتمنى أن يخل الأمير بشرط حتى يتخلص من هذا المنصب الذي قَبِله على مضض، ولم يكن يخفي تبرمه وضيق صدره، فمما نظمه مُعبرًا عن ذلك قوله:
قد عَدَلْنا وما عَدَلْنا بغَيٍّ ... وحكَمْنا بأمرِ ربِّ السماءِ
فشكا الناسُ حُكمَنا ولَعمري ... قلَّ مَن يرتضي بحكمِ القضاءِ
وقوله:
رماني زماني بما يجهدُ ... فمن ذا أرومُ ومن أقصدُ
وأوقفني في القضاءِ القضا ... وما كنتُ أحسبه يوجدُ
وظيفةُ كرْبٍ، لأثقالها ... تراني لموتي الرَّدَى أحمدُ
وحسبي انقلابُ صديقي بها ... عدوًّا، إذا فاته المقصدُ
فباطنها الذُّلّ والابتلا ... وظاهرها العزُّ والسُّؤددُ
وإذ ليس دأبي ولا ديدني ... ولا أرتضيه، ولا أعمدُ
وصعبٌ على المرء تكليفُهُ ... أمورًا خلاف الذي يَعْهَدُ
ولم تلق هذه المنظومات لدى الأمير أذن صاغية، مما اضطر الشيخ أن يوجه للأمير قصيدة مطولة ضمَّنها رجاءه بإلحاح لِإعفائه من هذا المنصب، واصفًا نفسه بالظلم وعدم الأهلية لتولي هذا المنصب، فمما قاله فيها:
стр. 15
تنبَّه أخي فماذا العمى ... وقد بَلَغَ السيلُ أعلى الرُّبى
تواريتَ في جُنح ليل الذنوب ... ولم ترَ إشراق فجر الدُّجى
فكيف رضيتَ ترى قاضيًا ... وفوقكَ بالقهر قاضي السما
وكيف عجزتَ يحمل القميص ... وتقوى على حمل حقِّ الملا
وأصبحتَ بالظلم في غاية ... ومرتبةٍ ما لها منتهى
وقال:
أما في الأُلى سلفوا عبرة ... لمثلكَ دلَّت على ما نأى
فأينَ القضاةُ وأين الملوك ... وأين الحُليُّ وأين الحُلى
وأينَ الأحاديثُ في سردها ... وقد أنبأتكَ بذمِّ القضا
فإن قلتَ إني امرؤٌ عادلٌ ... فلا تنس "من حام حول الحمى"
درءُ المفاسدِ تقديمهُ ... على جلب مصلحةٍ يرتضى
وإن قلتَ إني أمرؤٌ منكرةٌ ... عليها فدونكَ رحب الفضا
وكلُّ مَنْ تخلفُهم للذي ... أحاط بما كان تحت الثرى
فقد رزَقَ الطير في وكرهِ ... وخصَّ الجنينَ بِطيبِ الغِذا
وعشْ باليسير وأكل الشعير ... وترك الحرير ولبس العبا
فذلك أهونُ من بيع دينكَ ... يا غافلاً بدين الدُّنى
فلما أن اطلع الأمير يوسف الشهابي على هذه الأبيات دخلت قلبه خشية الله، فبادر إلى إعفاء الشيخ من القضاء وعيَّن له مرتَّبًا يكفيه، فامتدحه الشيخ البربير بقوله:
أميرُنا أَكرِمْ من حاتمٍ ... له بَنانٌ ضاق عنها الفضا
بحلمهِ أدركتُ ما أشتهي ... وقد كفاني الله شرَّ القضا
стр. 16
وقال أيضًا:
أميرٌ عظيم لهُ رتبةٌ ... على غيره صعبةُ المُرتَقَى
قصرتُ ثنائي على وصفهِ ... وأعطيتُهُ في الورى مَوْثِقا
ولا غروَ في كونِهِ وارثًا ... ثنائيَ دون الورى مطلقا
فقد أعتقَ القلب من كربِهِ ... وصحَّ الولاءُ لمَنْ أعتقَا
وبعد ذلك أنشأ مكتبًا (كُتَّابًا) لتعليم الأولاد قانعًا بما يناله منه من الرِّزق الكفاف، إلاَّ أنه لم يسدّ حاجته، وافتقر.
انتقاله إلى دمشق:
وفي سنة ١١٩٥ هـ تعرضت بيروت لعدوان من قراصنة روس مما حمل أهلها إلى النزوح عنها إلى حيث يجدون الأمن والطمأنينة. فعزم الشيخ على الرحيل إلى دمشق ورغب في سكناها، ورأى أنها خير البلاد.
فلما قصدها نزل ضيفًا على الشيخ محمد بن خليل المرادي (١) مفتي دمشق، فلمَّا دخل عليه مدحه بقصيدة طرب لها ورفع شأنه عنده فأكرمه وشمله برعايته.
ثم سكن الصَّالحية واستقرَّ بها وأُعجب بها غاية الِإعجاب، وذكرها بشعره مادحًا يقول:
قد ظفرنا بعيشةٍ مَرضيَّة ... مُذْ حللْنا في جنَّةِ الصالحيّةْ
ورأينا الزهورَ تبسم لطفًا ... عن ثنايا من الندى لؤلؤيّةْ
وجواري السحاب جلَّلَتِ الأر ... ضَ ببُسْطٍ من غزلها سندسيّةْ
стр. 17
رقص الماءُ من غنا الطير حتى ... نقَّطَتْه أوراقُها الذهبيّةْ
وجهُ روضٍ يريك نجلَ عيونٍ ... وخدودًا من زهره عندميّةْ
وقدودًا من الغصونِ نشاوى ... من طلا الطلِّ بُكرة وعشيّةْ
حبَّذا حبَّذا معاني مغانٍ ... كبروجٍ حَوت نجومًا مُضِيّةْ
وبعد استقراره بدمشق تزوج مرة ثانية، ولكنه لم يُرزق من زواجه هذا بولد، وتوفي ﵀ ولم يترك ذرية.
مقتطفات من شعره:
للشيخ أحمد البربير شعر كثير ضمنه كتبه، وفي رسالتنا التي نقدِّم لها شيء من ذلك. ومن جميل ما قال، قوله في التوحيد:
لقد آمنتُ بالله ... وأصبحتُ به آمِنْ
هو الأولُ والآخِر ... والظاهرُ والباطِنْ
وقوله في كبح الشهوات:
إنَّ الذينَ يجاهدون ... النفسَ شبّانًا وشيبا
مَنَّ الِإله بنصرِهمْ ... وأثابهم فتحًا قريبا
وقال مادحًا أهل دمشق مضمنًا كلامه أسماء بعض كتب الحديث النبوي:
رعى الله في الدنيا أفاضل جِلَّقٍ ... فكم عمَّني منها سرورٌ وإكرامُ
أناسٌ وجدنا من شمائلها الشِّفا ... مصابيحُ هدي عَينُ مشكاتها الشَّامُ (١)
стр. 18
وقال يهجو شاعرًا ويعيره بسوء ظنه:
سمعتُ شِعرَ شاعرٍ ... يُشبهُ صوتَ الجُلجُلةْ
ألفاظُهُ مُهملةٌ ... لكنَّها مُستعملةْ
شيوخه بدمشق:
ومن شيوخه الذين أخذ عنهم بدمشق: المحدِّث الشيخ محمَّد الكزبري (المتوفى ١٢٢١ هـ)، والشيخ أحمد العطار (المتوفى ١٢١٨ هـ)، والشيخ حسين المدرس (المتوفى ١٢٢٥ هـ)، والشيخ مصطفى الصلاحي (المتوفى ١٢٦٥ هـ)، وغيرهم من علماء ذلك العصر في دمشق والوافدين عليها.
تلاميذه:
لقد كان لما بلغه البربير من مكانة رفيعة في العلوم الشرعية واللغة العربية وآدابها الأثر بأن يقصده طلبة العلم لينهلوا من مَعين علومه وغزير أدبه.
فممن تلقى عنه:
- الشيخ عبد اللطيف فتح الله، الذي تسلم الفتوى ببيروت مدة طويلة حتى غلب عليه لقب "المفتي"، وأصبح هذا اللقب عَلَمًا عليه وعلى عائلته من بعده حتى اليوم، توفي ببيروت سنة ١٢٦٥ هـ (١٨٤٤ م).
- الشيخ أحمد الأغرّ، الذي تولى القضاء والِإفتاء ببيروت أيضًا، توفي بها سنة ١٢٧٤ هـ (١٨٥٧ م).
- الشيخ قاسم بن محمَّد تلحوق من عائلات مشايخ الدروز.
стр. 19
- الشيخ قاسم بن بشير جنبلاط من زعماء العائلات الدرزية.
مما قيل فيه:
ترجم له الشيخ عبد الرزاق البيطار في كتابه "حلية البشر" قائلاً:
"سهم الأغراض والأماني، وكنانة البيان والمعاني، ذو الأدب الباهي الباهر، والأرب الزاهي الزاهر، والنفس الزكية، والأخلاق المرضيَّة، مَنْ تستعذب النفوس نثره، وتستطيب نظمه وشعره، ... أقبل على الترقي بهمة قوية إلى أن صار فردًا يشار إليه، وعمدة في المشكلات يُعتمد عليه، وشهد له مشايخه بالفضل، وإنه لما يُثنى عليه به مستحق وأهل ... ".
وقال عنه الشيخ محمَّد جميل الشطي في كتابه "روض البشر":
"العالم الفاضل، الأديب الشاعر، المُجيد المُفلِق، الناظم الناثر، المفنن الأوحد".
وقال عنه الشيخ محمَّد عبد الجواد القاياني في رحلته "نفحة البشام في رحلة الشام": "السيد أحمد البربير عالم فاضل نحرير، من كبار العلماء المشاهير، له مؤلفات جليلة، ومصنفات جميلة، في العلوم العربية، والفنون الأدبية".
وذكره تلميذه مفتي بيروت العلاَّمة عبد اللطيف فتح الله في ديوانه، حيث قال مادحًا جنابَ قُرَّة عين الأُدباء الكرام، وواسطةِ عقد الجهابِذَةِ الفخام، حضرةَ شيخِهِ السيد أحمد البربير، وكان إذ ذاك حضرَ من دمشقَ الشام سنة ١١٩٨ هـ (١):
مؤلفاته:
ترك الشيخ أحمد البربير مؤلفات عدة منها:
١ - تشطير البردة.
٢ - شذور الياقوت والمرجان فيما حواه اسم سليمان من الفضائل الحسان، وهو في تاريخ سليمان باشا الملقب بالعادل والي عكا.
٣ - الفصيحة العجما في الكلام على حديث "أحبب حبيبك هونًا ما"، وهي الرسالة التي بين أيدينا.
٤ - اقتباس آي القرآن في مدح عين الأعيان، وهي اقتباسات شعرية في بعض آي الذكر الحكيم في مدح صديقه السيد عبد الرحمن العمادي المرادي مفتي الأحناف بدمشق.
٥ - دلائل الِإعجاز في الأحاجي والمعمَّى والألغاز، وهي رسالة ألَّفها برسم الأمير حسن الشهابي، وبدأها بالمعمى باسم حسن. النسخة الأصلية منها محفوظة بمكتبة الأسد بدمشق ضمن مجموع رقم ١٠٠٤٩، (١٧٨ أ-١٨١ ب).
٦ - قصيدة بديعية، وهي منظومة شعرية شرحها شيخه الشيخ مصطفى الصلاحي.
٧ - مقامات البربير، توجد منه نسخة بدار الكتب المصرية بالقاهرة.
٨ - تحقيق ظهور المهدي، ألفها سنة ١٢٢٣ هـ.
٩ - سيرة حياته الذاتية بقلمه.
стр. 22
١٠ - زهر الغيضة في ذكر الفيضة، رسالة وصف فيها فيضان نهر بردى الذي أغرق دمشق سنة ١٢٥٦ هـ، طبعها الشيخ محمَّد أحمد دهمان.
١١ - مفاخرة بين الماء والهواء، وهي مقامة طريفة أوردها الشيخ عبد الرزاق البيطار كاملة في "حلية البشر"، وطبعت على حدة عدة طبعات (١).
١٢ - الشرح الجليّ على بيتي الموصليّ، وهو موسوعة ضخمة تناول فيها المؤلف عشرات الموضوعات من العلوم والمعارف في أبواب اللغة وفنون الأدب والشعر والفقه والتفسير وغيرها، وذلك من خلال شرحه لبيتي شعر قالهما الشيخ عبد الرحمن بن إبراهيم الموصلي المتوفى ١١١٨ هـ، وهما:
إنْ مرَّ والمرآة يوماً في يدي ... من خَلْفِه ذو اللُّطف أسمى من سَما
دارت تماثيلُ الزجاج ولم تزلْ ... تقفوه عَدْوًا حيث سَار ويمَّما
وقد ألف البربير هذا الكتاب استجابة لطلب صديقه محمَّد بك العظم
الذي سأله شرحهما وحل رمزهما.
والكتاب طبع سنة ١٣٠٢ هـ بالمطبعة الأدبية ببيروت تولى طبعه الشيخ محمَّد بن عمر البربير، ثم أعاد طبعه مرة ثانية الطبيب نسيب البربير مؤسس مستشفى البربير ببيروت لدى المكتب الإِسلامي.
стр. 23
وفاته ورثاء تلميذه له:
تُوُفِّي الشيخ البربير رحمه الله تعالى بالصالحية بدمشق ليلة الخميس الثامن عشر من ذي الحجة ختام سنة ١٢٢٦ هـ، ودفن بسفح جبل قاسيون في مدافن بني الزكي.
وقد رثاه تلميذه، مفتي بيروت، الشيخ عبد اللطيف فتح الله حيث قال (١):
ما للحمائمِ لا تكادُ تطيرُ؟ ... ما للأراضي بالأنامِ تَمورُ؟
ما للجبالِ الشامخاتِ تَدَكْدَكَتْ، ... وأبو قُبَيسٍ قد هوَى وثبيرُ
ما للنفوسِ تكادُ تُزهَقُ لَوعةً، ... ولها شهيقٌ قد علا وزفيرُ
ما للعيونِ دموعُها مصبوبةٌ ... مثلُ الدماءِ على الخدودِ تسيرُ
فكأنها، حُمرًا وسُودًا، أحرفٌ ... لكنها فوقَ الخدود سطورُ
ما بالُ قلبي قد تلهَّب حُرقةً ... من أينَ فيه جهنَّمٌ وسعيرُ
ما للنجومِ غربْنَ وهي طَوالِعٌ ... جُنحَ الدجى، وخَسَفْنَ وهي بدورُ
ما للشموسِ لبسنَ في رأَدِ الضحى ... ثوبَ الكسوفِ وما لهنَّ ظهورُ
ما للجنانِ تزخرفَتْ ثم اغتدَى ... منها يلوحُ منازِلٌ وقصورُ
وتزيَّنت وِلدانها وتقلَّدتْ ... عِقْدَ الجواهرِ في النحور الحورُ
فعجبتُ من هذا وقلنا حادث ... في الكون بانَ وإنه لكبيرُ
فأُجِبْتُ: لا تذهل، وقيل لِيَ: انتبهْ ... فاليومَ ماتَ العالمُ النحريرُ
شيخُ الجَهَابذِ والأفاضِل مفردًا ... نجمُ العلومِ الجِهبذُ المشهورُ
стр. 24
بدرُ الشريعة والطريقةِ والهُدَى ... شمسُ الحقيقة: أحمدُ البربيرُ
بحرُ المعارف ما له من ساحلٍ ... منه استمدَّتْ في الأنامِ بحورُ
ربُّ الفَطَانَةِ والفُهومِ مع الذكا ... في طَوعه التحقيقُ والتحريرُ
عنه الحديثُ سماعُهُ قد ينبغي ... والفقهُ، والتوحيدُ، والتفسيرُ
وكذا الأصولُ، وكلُّ فنٍّ ينتمي ... للنقل أو للعقل، وهو شهيرُ
كم قلبِ علمٍ سرَّهُ تأليفُ ... وأقرَّ منه طرفه تقريرُ
مولَى القوافي قد تملَّكَ أمرَها ... فأطاعه المنظومُ والمنثورُ
فيها تصرَّفَ كيف شاءَ، وصاغَها ... صَوْغًا على الِإتقان ظَلّ يدورُ
مِن كلِّ معنىً ليس مسبوقًا له، ... كلاّ، ولا بسواه فيه شعورُ
مِن كلِّ مختَرَعٍ يسيلُ بلاغةً ... ويكاد في سحر البيان يطيرُ
ما البحتريُّ لديهِ؟ ما سَحبانُ؟ ما ... نحو الفرزدقِ عندَهُ وجريرُ
فيه أُصِبنا، والمصائبُ جَمَّةٌ، ... منها العظيمُ، كموتِهِ، وحقيرُ
لا بِدْعَ إنْ ذهبَ الكِرامُ فإنما ... عُمرُ الكرامِ من الأنام قصيرُ
يا ليت أعمارَ الكِرامِ مديدةٌ، ... ويكونُ فيها الطولُ والتأخيرُ
يا ويحَ بيروتٍ وقلَّةَ حظِّها، ... هيهاتَ منها مثلُهُ ونظيرُ
لكنْ لها فخرٌ به لا ينتهي ... يفنَى الزمانُ وما له تغييرُ
أرواحُنا، لو كان فيها يُفتَدى، ... جُدْنا بها، وبها الفِداءُ يسيرُ
لكنْ فناءُ الخَلْقِ حُكمٌ نافذٌ ... لم ينجُ منه كبيرُنا وصغيرُ
ما كان في الدنيا خلودٌ لامرئٍ ... ظَنُّ الخلودِ جَهالةٌ وغرورُ
لو كان فيها لم يمتْ فيها امرؤٌ ... بل لم يكن للأنبياءِ قبورُ
فالله يلهمُنا الرضاءَ بحكمِهِ ... والصبرَ عند الرُّزْءِ، فهو قديرُ
والحكم لله العليِّ وإنما ... خيرُ المصابِ مُسَلِّمٌ وصبورُ
стр. 25
في صالحيةِ جلَّقٍ ورياضِها ... أودَى، فراح إلى الجنان يسيرُ
وضريحُه في روضةٍ قد أنورت ... بضريحِ محيي الدين وهو منيرُ
بجواره قد حلَّ وهو ضجيعُهُ ... نِعمَ الجوارُ، وكم له تأثيرُ
فعليه رضوان ورحمةُ ربِّهِ ... ما غرَّدت فوقَ الغصونِ طيورُ
أو ما ابنُ فتح الله أنشدَ راثيًا ... ما للحمائمِ لا تكادُ تطيرُ
* * *
стр. 26
صورة غلاف المخطوط وهي بخط المؤلف
стр. 27
صورة الورقة الأولى من المخطوط
стр. 28
صورة الورقة الأخيرة من المخطوط
стр. 29
لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (١٠)
الفصيحة العجما في الكلام على حديث «أحبب حبيبك هونا ما»
تأليف
الشيخ أحمد بن عبد اللطيف البربير الحسني البيروتي (١١٦٠ - ١٢٢٦ هـ)
تحقيق
رمزي سعد الدين دمشقية
стр. 30
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله الذي تعرَّف للمسيء بالِإحسان بعد ما تنكَّر، وأحاط علمه بكل معلوم فاستوى عنده الظاهر والمُضمر؛ والصلاة والسلام على مَن أرشدنا لِإصلاح المعاش والمعاد، وكان بالمؤمنين رحيمًا أرحمَ بهم من الوالدَيْن بالأولاد، وعلى آله وأصحابه الذين قابلوا شريف أمره بالامتثال، فأفضى بهم ذلك إلى قضاء (١) حقيقة الهدى من مجاز الضلال.
أما بعد، فقد تأمَّلْتُ في حديث: "أحبب حبيبك هونًا ما .. " فوجدته من جوامع الكلم التي قد انتهت معاني بيانها البديع بالِإيجاز إلى حدِّ الِإعجاز، حتى لو سمعه قُسُّ بن ساعدة (٢) أو سَحبان بن وائل (٣)، لأصبح
стр. 31
كلٌّ عند سماع مبانيه ورِقَّة معانيه أعيى من بأقل (١)، ولا بِدَع في ذلك؛ إذ كان مِن كلام مَنْ أُوتي جوامع الكِلَم واختُصِر له الكلام اختصارًا (٢)، وجعل الله تعالى القرآن العظيم كتابه، فتحدَّى بأقصر سورة منه مصاقع البُلَغاء؛ حتى أقرُّوا بالعجز عن الِإتيان بمثله جهارًا، وقالوا من دَهَشِهم من معانيه التي لا تعدُّ ولا تحصر: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤].
وجيء إليه بلغة أبيه إسماعيل بعد اندراسها وهدم قواعدها وأساسها؛ فشيَّد بنيانها، وثبَّت أركانها، وأظهر من سعتها ما تضيق عنه صدور الفحول ولا يحيط به إلاَّ مَلَكٌ مقرَّب أو رسول، حتى كان لا
يخاطب أحدًا إلاَّ بلغة قومه من العُربان، وحسبُك في ذلك ما أتى به من غريب اللغة في حديث زبَّان (٣)؛ لأنه أغرب ما نطق به لسان ووعاه جَنَان.
стр. 32
فصلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه في جميع حال الأوقات ومستقبلها، عَدَد
стр. 33
كلمات اللغة العربية مهملها ومستعملها.
ولمَّا رأيتُ هذا الحديث قد فعل بي ما لا يفعله الشراب القديم، من النشوة والطرب بالنديم، كتبتُ عليه هذه الرسالة متوسِّلاً بها إلى صاحب الوسيلة والرسالة، وسمَّيتها:
الفصيحة العجما في الكلام على حديث "أحبب حبيبك هونًا ما"
والله المسؤول أن يمنَّ عليها بالقبول، فأقول:
اعلم أنَّني قد رأيتُ الشمس المَيداني ذكر هذا الحديث في أمثاله (١).
وقال الخطَّابي: إنه مَثَل مِن أمثال العرب. ولا مناقضة؛ فقد ثبتَ أنه ﷺ تمثَّل كثيراً بأمثال العرب، فمنها ما بقي على معناه كهذا الحديث، ومنها ما أخرجه عن معناه الذي وُضِع له بإرادةِ معنًى آخر، كقوله: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" (٢)، وذلك لأنَّ الجاهلية كانت ترى نُصرة الأخ وإن كان ظالمًا، فاستعمله النبي ﷺ في غير ما أرادت، وأراد بنصرة الأخ الظالم دلالته على الحق وإعلامه أنه ظالم. فإذا فعل الفاعل به ذلك فقد نصره على هوى نفسه وشيطانه وغضبه.
وقوله في الحديث: "أحبب"، أمر إرشاد لا أمر ندب؛ لأنَّ المقصود به نفع المخاطب في الدنيا. قال ابن أبي شريف في حاشيته على جمع الجوامع (٣):
стр. 34
قال التاج السبكي: الفرق بين الندب والِإرشاد، أنَّ الندب مطلوب لثواب الآخرة، والِإرشاد لمنافع الدنيا ولا يتعلق به ثواب البتَّة؛ لأنه فعل متعلق بغرض الفاعل ومصلحته (١). اهـ.
قلتُ: وهذا لا ينافي ترتُّب الثواب لأمر خارج، كالأكل والنوم بقصد التقوِّي على الطاعة وتحصيل النشاط لقيام الليل والتهجُّد فيه، وكالنكاح يريد به كفَّ نفسه وتحصيل ولد يُكثِّر به سواد الأمة.
قال التاج السبكي: والتحقيق أنَّ فاعل ما أُمِرَ به إرشادًا إنْ أتى به لمجرَّد غرضه فلا ثواب له، وإنْ أتى به لمجرد الامتثال غير ناظر إلى مصلحة ولا قاصد غير مجرَّد الانقياد لأمر ربه أُثِيبَ، وإن قصد الأمرين
أُثيبَ على أحدهما دون الآخر، ولكن ثوابًا أنقص من ثواب من لم يقصد غير مجرَّد الامتثال. اهـ.
قلتُ: وهذه المسألة -وهي الجمع بين القصدين- تجري كثيرًا فيمن يقرأ نحو (المواقعة) لأجل حصول الغنى، و (يلس) لغرضٍ من أغراضٍ، ويُدمن الاستغفار لتوسعة الرزق، ويصلِّي على النبي ﷺ لقضاء حاجته. فجزى الله الِإمام السبكي خير جزاء حيث صرَّح بإثابة مَن ابتُلي
بهذا الداء لأنه مما ابتُلي به الجمُّ الغفير والجمع الكثير، وهو مقام العامة.
وأما مقام الخاصة، فهو تنزيه العمل عن شرك الِإشراك وإخلاصه لِمَلِكِ الأملاك، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، فتراهم لا يطلبون في عبادتهم من غير الله مددًا، فلما شغلتهم
стр. 35
عبادته عمَّن سواه أعطى كلاًّ منهم ما تمنَّاه. كما قال تعالى في الحديث القدسي: "مَنْ شغله ذكري عن مسألتي أعطيتُه أفضل ما أعطي السائلين" (١).
ورحم الله من قال: [من مجزوء الرجز]
واعملْ لوجهٍ واحدٍ ... يكفيكَ كُلَّ الأوجهِ
وفي الحديث القدسي أيضاً: "يا دنيا مَنْ خدمني فاخدميه، ومَنْ خَدَمَكِ فاستخدميه" (٢).
وقوله في الحديث: "أحبب" خطاب عام لكل مَن يصلح للمخاطبة، لكن قرينة كونه إرشاديَّا دلَّت على أنَّ المراد بالخطاب المؤمنُ فقط؛ لأنه لو كان الأمر فيه للندب لبقي على عمومه بناءً على أنَّ الكافر مُخاطب بالأحكام الشرعية، وأنه يعاقب على تركها زيادة على عقاب كفره.
وقوله: "حبيبك" من صيغ العموم؛ لأنه مفرد مضاف، لكنه هنا من العام الذي أريد به الخصوص، وذلك لأنه أُريد به كل من تستحيل محبته بغضا بقرينة السياق، فيخرج بذلك محبَّة الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام، وكذا محبَّة الحقِّ تعالى؛ لأنه لا يُخشى في تلك المحبة إذا جاوز الشخص فيها حدَّها ما ذُكِرَ من استحالتها بغضًا، بل الِإفراط فيها مطلوب مشكور، وفاعله ولو تجاوز الحدَّ معذور، ففي الحديث: "اذكر الله حتى يقولوا مجنون" (٣).
стр. 36
ورأيتُ الشيخ الأكبر قُدَّس سرّه ذَكَرَ: أنه رأى رجلاً من أهل المحبة في مجلس، فتكلما فيه رجل على المحبة، فأخذ ذلك المحبُّ يذوب جسمه حتى عاد نطفة، فقام بعض الحاضرين وأخذ تلك النطفة فوضعها في قطنة ووضع القطنة في شق الحائط (١)!!
قلتُ: ولم أرَ من تكلم في الحديث بما ذكرتُه.
واعلم أنَّهم فرَّقوا بين العام المخصوص والذي أُريد به الخصوص بفروق، منها: أنَّ العام المخصوص قرينته لفظية كالشرط والاستثناء وغيرهما، والعام الذي أريد به الخصوص قرينته عقلية. ومنها: أنَّ العام المخصوص مستعمل فيما وضع له فهو حقيقة، والذي أريد به الخصوص مستعمل في غير ما وضع له فهو مجاز، وذلك كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]؛ لأنَّ المراد بالناس الأُولى رجل واحد وهو نُعَيْم بن مسعود الأشجعي (٢)، وكقوله: (أَو
стр. 37
﴿يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ٥٤]؛ لأنه أراد بهم نبينا ﷺ كما ذكره المفسِّرون (١).
وبما تقرَّر عُلِم أنَّ الحديث من الدِّين المفسر بالنصيحة لخاصة المؤمنين وعامَّتهم.
وقوله في الحديث: "هَونًا" بفتح أوله، أي: لينًا سهلاً رفيقًا بسكينة ووقار.
قلت: وذلك لأنَّ المؤمن هيِّن ليِّن، فناسب أن يكون حُبُّه وبغضه مثله في اللين والرقة والسهولة. تقول: هان الشيء يهون، كقال يقول؛ إذا سهل ولسان. وأما الهُون بضم أوله فهو الذلُّ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ [النحل: ٥٩].
وقوله في الحديث: "ما" يصحُّ أن يراد هنا من معانيها العشرة ثلاثة معانٍ، كما استخرجتُ ذلك من كلام القاضي البيضاوي (٢) ومَنْ كَتَب على عبارته كشيخ الإِسلام، والشهاب الخَفَاجي، وشَيْخِي زَادَه، وابن تَمجيد (٣)
стр. 38
وغيرهم، ومن شرح الميداني لأمثاله (١)، ومن إعراب القرآن المبين للسَّمِين (٢)، ومن المُنَاوي والعَلْقَمي والعَزِيزي (٣):
المعنى الأول: أن تكون "ما" زائدة للتأكيد.
المعنى الثاني: أن تكون صفة للنكرة التي قبلها، ويكون المعنى: أيُّ هون. قال البيضاوي (٤): فـ "ما" إبهامية تزيد النكرة إبهامًا، أي: خفاءً. وشِياعًا، أي: عمومًا. قال ابن تمجيد: ويتفرع على الِإبهام
الحقارة، كقولك: أعطِ شيئًا ما، أي: شيئًا حقيرًا. أو الفخامة كقولهم:
стр. 39
لأمر ما يسّود من يسوَّد. وقولهم: لأمر ما جَدَع قصيرٌ أنفه. اهـ.
قلت: لكن المراد في الحديث هنا التحقير؛ لأن المقصود حبًّا قليلاً.
المعنى الثالث: أن تكون "ما" نكرة، كما نقله قطب دائرة الولاية وكنز دُرِّ بحر الهداية والعناية، مَنْ تشرف به العالم المثالي والعالم الحسِّيّ (١)، سيِّدي العارف باللهِ تعالى الشيخ عبد الغني النابلسي قُدَّس سرّه في كتابه "الحاوي على البيضاوي" عن الفرَّاء وثعلب والزجَّاج في تفسير قوله تعالى: (سَلامًا) [هود: ٦٩]، وأنها إذا كانت نكرة كانت بدلاً مما قبلها. اهـ.
والتقدير: أحبب حبيبك حبًّا متوسطًا؛ لأنَّ المبدل منه في نية الطرح فيكون المقصود الأعظم هو التوسُّط في الحب الذي أفادته "ما".
قلت: وقد رأيت في "مجمع البحار" المؤلَّف في تفسير ألفاظ صحيح البخاري، تأليف العلَّامة شمس الدين محمَّد طاهر الهندي الفَتَّني (٢) -بفتح الفاء وتشديد المثناة من فوق وكسر النون وبياء النسبة-
نسبة إلى بلدة فتَّن من بلاد كجرات من قطر الهند: أنَّ "ما" في الحديث للتقليل.
стр. 40
قلت: وهو كالذي قدمناه عن ابن تمجيد أنه يتفرَّع من كونها للِإبهام التحقير والتفخيم، ويصح في آية: (مَثَلًا مَّا) هذه الأوجه الثلاثة، ويزاد على ذلك وجهان في قراءة مَنْ رفع (بَعُوضَةً):
الأول: كونها موصولة حذف صدر صلتها والتقدير: مثلاً الذي بعوضة.
والثاني: أنها استفهام، هي المبتدأ وبعوضة خبرها ويكون الاستفهام في الآية لتقرير عدم الاستحياء.
قال شيخى زاده؛ ويكون المعنى: ما البعوضة فما فوقعها حتى لا يَضرب الله بها المثل، بل له تعالى أن يُمثل بما هو أحقر من ذلك. اهـ.
قلت: وذلك لعدم تفاوت الخلق كما قال تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]،
أي: في إحكام الصنعة؛ لأنَّ البعوضة وإن كانت حقيرة لا تفاوت بينها وبين الفيل في إحكام صنعتها. أو المراد بعدم تفاوت الخلق من حيث دلالة كل من الكبير والصغير والعظيم والحقير على
وجود اللطيف الخبير، وعلى انفراده بالألوهية وبالصفات الكمالية، كما قيل: [من المتقارب]
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ ... تدلُّ على أنَّه واحدُ ورحم الله من قال: [من الكامل]
ورقُ الغصونُ إذا نظرتَ دفاتِرُ ... مشحونةٌ بأدلةِ التوحيدِ
وقوله في الحديث: "أحبب" بهمزة القطع في الرواية، فيكون مما ماضيه رباعي. وفي ماضيه أربع لغات ذكرها في المصباح (١):
هذه أولها: وهي: أَحْبَبَ.