← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17742

الإنصاف في حكم الإعتكاف

أبو الحسنات اللكنوي

Полный текст (49 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (٦) الإنصاف في حكم الاعتكاف تأليف الإمام أبي الحنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي ولد ١٢٦٤ وتوفي ١٣٠٤ هـ رحمه الله تعالى ومعه الإسعاف بتحشية الإنصاف تأليف الشيخ محمد عبد الغفور الرمضانفوري ولد ١٢٧٠ وتوفي ١٣٤٨ هـ رحمه الله تعالى حققه وخرج نصوصه وعلق عليه مجد بن أحمد مكي دار البشائر الإسلامية

стр. 2

الإنصاف في حُكم الإعتكاف ويليه ردع الإخوان عن محدثات آخر جمعة رمضان

стр. 3

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى في لكنو من الهند سنة ١٣٠٣ الطبعة الثانية في لكنو أيضًا من الهند سنة ١٣٣٧ الطبعة الثالثة وهي المحققة في بيروت سنة ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م دار البشائر الإِسلاميّة للطباعة والنشر والتوزيع هاتف:٧٠٢٨٥٧ - فاكس: ٧٠٤٩٦٣/ ٠٠٩٦١١ بيروت - لبنان ص ب: ٥٩٥٥/ ١٤ e-mail: bashaer@cyberia.net.lb

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المعتني بالكتاب الحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسَّلامُ على خاتم النبيِّين وإمام المرسلين، سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين. أما بعد؛ ففي رحاب البيت العتيق، وفي الليالي العشْرِ الأواخر من شهر رمضان، نجتمعُ في كلِّ عامٍ مع نخبةٍ من أهل العلم والخير والبرّ، ونتدارسُ في مباحث العلم، ويتكرَّرُ هذا اللقاء في كلِّ عام، وَتَتَّسع هذه الحلقة المباركة، وتتوثَّق أواصر الأُخوَّة والأُلْفَةِ والمحبَّة، وتتعمَّق روابط المودَّة والتناصح والتراحم والتعاون. وقد اتَّفق هؤلاء الأصحاب الكرام (١) على إصْدار رسائل علمِية تُقْرأ في تلكَ المجالس المباركة، وينتفع بها الإِخوة الصَّالحون المحبُّون، الذين يفدون إلى المسجد الحرام في العشر الأخير من شهر رمضان، فكانت سُنةً حسنةً، وعملًا مباركًا، وعلمًا نافعًا مفيدًا.

стр. 6

فاخترتُ رسالتين من رسائل الإِمام محمَّد عبد الحي اللكنوي رحمه الله تعالى، لهما ارتباط وثيق بمناسبة هذا الشهر المبارك. وأما الرسالة الأولى فعنوانها: "رَدع الإِخوان عن مُحْدَثات آخرِ جمعةِ رمضان"، وقد انتهيتُ بفضلِ الله وعونه من خدمتها والعنايةِ اللائقةِ بها. وأما الرسالة الثانية، فهذه التي بين يديك، وعنوانها: "الإِنصاف في حكم الاعتكاف"، ومعها: "الإِسعاف بتحشية الإِنصاف" لتلميذ المؤلف الشيخ محمَّد عبد الغفور الرَّمْضانفوري. وأتكلَّم بين يدي هاتين الرسالتين بكلمةٍ موجزة عن الاعتكاف، ثم عن موضوع هاتين الرسالتين، ثم التعريف بصاحب الحاشية، وخدمتي لهما. وأسألُ الله سبحانه التوفيق لِمَحَابِّه، وخدمة كتابِهِ، وسنَّة نبيِّه ﷺ ، إنَّه نعْمَ المولى والنَّصير. حِكمةُ الاعتكاف: قال الإِمام ابن القيِّم رحمه الله تعالى: "لمَّا كان صلاحُ القلب واستقامتُه على طريق سَيْره إلى الله تعالى، متوقِّفًا على جمعيَّتِهِ على الله، ولمِّ شعثه بإقباله بالكليَّة على الله تعالى؛ فإنَّ شَعَثَ القلب لا يَلُمُّه إلَّا الإِقْبالُ على الله تعالى، ولمَّا كان فُضُولُ الطَّعام والشَّراب، وفُضولُ مخالطة الأنام، وفضولُ الكلام، وفضولُ المنام، ممَّا يزيده شَعَثًا، ويُشَتِّتُهُ في كلِّ واد، ويقطعه عن سَيْره إلى الله تعالى، أو يُضعِفُهُ، أو يعوقُه ويوقِفُه: اقْتَضَتْ رحمة العزيز الرحيم بعباده أنْ شَرَعَ لهم من الصَّوم ما

стр. 7

يُذهبُ فضولَ الطعام والشراب، ويستفرغُ من القلبِ أخلاطَ الشَّهوات المعوِّقة له عن سَيْره إلى الله تعالى، وشَرَعَهُ بقدر المصلحة، بحيث ينتفعُ به العبد في دنياه وأُخراه، ولا يضرُّه ولا يقطعُهُ عن مصالحه العاجلة والآجلة. وشَرَعَ لهم الاعتكاف الذي مقصودُه وروحُه عكوفُ القلب على الله تعالى، وجمعيَّتُهُ عليه، والخَلْوةُ به، والانقطاعُ عن الاشتغال بالخلق، والاشتغالُ به وحدَهُ سبحانه، بحيث يصيرُ ذكرُهُ وحبُّه والإِقبالُ عليه في مَحَلِّ هموم القلب وخَطَراته، فيستولي عليه بدلَها، ويصيرُ الهمُّ كلُّه به، والخطراتُ كلُّها بذكره، والتفكُّرُ في تحصيل مراضيه، وما يقرِّب منه، فيصيرُ أُنْسُهُ بالله بدلًا من أُنسِهِ بالخَلْق، فيعدُّه بذلك لأنسه به يوم الوَحْشة في القبور حين لا أنيسَ له، ولا ما يفرحُ به سِواه، فهذا مَقْصود الاعتكاف الأعظم" (١). "فالخَلْوةُ المشروعة لهذه الأُمَّة هي الاعتكاف في المساجد، خصوصًا في شهر رمضان، خصوصًا في العشر الأواخر منه، كما كان النبيُّ ﷺ يفعله. فالمعتكفُ قد حَبَسَ نفسَه على طاعة الله وذكرِهِ، وقطع عن نفسه كلَّ شاغل يشغلُهُ عنه، وعَكَفَ بقلبه وقالَبِهِ على ربِّه وما يقرِّبه منه، فما بقيَ له همٌّ سوى الله وما يرضيه عنه. فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قَطْعُ العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق" (٢).

стр. 8

رسالة اللكنوي "الإِنصاف في حكم الاعتكاف ": حفلت كتب الفقه بالحديث عن أحكام الاعتكاف وأدلة مشروعيته، وشروط صحته، وأركانه، ومُبْطلاته، وما يشرع للمعتكف وما يُباح له وما يُنهى عنه، وأُفردت مؤلَّفات قديمة وحديثة تتحدَّث عن أحكامه بشمول واستيعاب أو عن بعض جزئياته. ومن هذه المؤلَّفات: رسالة الإِمام اللكنوي "الإِنصاف في حكم الاعتكاف" وهي تبحث في موضوع واحد، وهو: حكم الاعتكاف. سببُ تأليف الرسالة وتاريخ كتابتها: والذي دعاه إلى تأليف هذه الرسالة مباحثة علمية جَرَتْ بينه وبين بعضِ الفضلاء سنة ١٢٨٢ - وكان سنُّه آنذاك ١٨ سنة- في حكم الاعتكاف، وتكلَّم كلٌّ منهما بما خطر على خاطره، دون تحقيق المسألة بالرجوع إلى كتب الفقه المعتمدة، فقامَ المؤلِّف رحمه الله تعالى بدراسة المسألة وبحثها، والتفتيش في كتب الفقه وحَرْثِها، وبيَّن باستيعاب حكم الاعتكاف. وكان فراغُهُ من تأليفها في التاسع من شهر رمضان سنة ١٢٨٤، وله من العمر عشرون عامًا رحمه الله تعالى. مباحث الرسالة: بحثَ المؤلِّف رحمه الله تعالى حكم الاعتكاف في ست مقامات: المقام الأول: هل الاعتكاف مستحب أو سنَّة أو مباح أو واجب؟ المقام الثاني: هل هو سنَّة مؤكَّدة، أو غير مؤكَّدة؟ المقام الثالث: هل هو سنَّة مؤكَّدة كفاية أم عينًا؟

стр. 9

المقام الرابع: هل هو سُنَّة كفاية على أهل البلدة، أم على أهل كل محلة؟ المقام الخامس: هل هو سُنَّةٌ مؤكَّدة مُطْلقًا أم في رمضان؟ المقام السادس: هل السُّنَّة استيعاب العَشْر الأواخر من رمضان بالاعتكاف؟ أم الاعتكاف في جُزْءٍ منه؟ وقد أجاب عن كلِّ هذه التساؤلات باستيعابٍ وشمولٍ واستقصاءٍ. وتتجلَّى في هذه الرسالة الصَّغيرة -كسائر رسائل اللكنويّ-: التتبع والدقة والأناة والإِنصاف. فهو في هذه الرسالة يرجع إلى أكثر من عشرين مرجعًا من مراجع الفقه الحنفي، ويناقش فيها الكثيرَ من الأقوال. فقد ناقش عبارة القُدوري بقوله باستحباب الاعتكاف، وأنَّه يُحمل قوله على استحبابه في نفسه، والسُّنيَّةُ في الاعتكاف بالعشر الأواخر. وناقش قولَ مَنْ يرى الوجوب بدليل مواظبة النبيِّ ﷺ ؛ بأنَّ المواظبة مع عدم الإِنكار على مَنْ تَرَكَه دليل السُّنيَّة. وناقش قولَ من يرى أنَّ الاعتكاف له نوع اختصاص بالنبيِّ ﷺ ، وأنَّه مندوب للأمة. وردَّ على من صحَّح القول بأنه سنَّة عين لا سنَّة كفاية. وانتهى إلى أن: الاعتكاف في نفسه مستحبٌّ، ويجبُ بالنذر وغيره، وهو سنَّة مؤكَّدة كفاية في العشر الأواخر من رمضان على سبيل الاستيعاب.

стр. 10

حاشية الرسالة "الاِسعاف" وترجمة مؤلِّفها: قام تلميذ المؤلف الشيخ محمَّد عبد الغفور الرمضانفوري بتحشية رسالة شيخه الإِمام اللكنوي في حياته وسمَّاها: "الإِسعاف بتحشية الإِنصاف"، وكان انتهاؤه من كتابة تعليقاته في ربيع الأول سنة ١٣٠٢. وقد أحال في كثير من تعليقاته إلى كتب المؤلِّف اللكنوي مثل: "تحفة الأخيار في إحياء سُنَّة سيِّد الأبرار"، وتعليقاته عليها: "نُخْبة الأنظار"، و"السِّعاية في كشف ما في شرح الوقاية"، و"عُمْدة الرعاية في حل شرح الوقاية"، و"النافع الكبير لمن يُطالع الجامع الصغير". وترجم للأعلام المذكورين في الرسالة اعتمادًا على كتب اللكنوي في التراجم، وفي مقدمتها: "الفوائد البهيَّة في تراجم الحنفية"، و"التعليقات السنية"، و "طَرَب الأماثل بتراجم الأفاضل"، و"فَرْحة المدرسين بذكر المؤلَّفات والمؤلِّفين". كما أكثر من النقل من "فتح الباري" لابن حجر. وأما ترجمة تلميذ المؤلف الشيخ محمَّد عبد الغفور الرمضانفوري فهي، كما وردت في كتاب "نزهة الخواطر" (١) للعلَّامة المؤرِّخ الشيخ عبد العلي الحسني رحمه الله تعالى: "الشيخ العالم الفقيه عبد الغفور الرَّمْضَانفوري البهاري، أحد العلماء المشهورين، وُلد في سنة سبعين ومائتين وألف بقرية: (رمضان فور) من أعمال (مونكير)، واشتغل أيامًا على المولوي إسماعيل الرَّمْضانفوري، والشيخ محمَّد أحسن الكيلاني (٢).

стр. 11

ثم سافر إلى (لكنو)، وأخذ عن العلامة عبد الحي بن عبد الحليم الأنصاري اللكنوي، ثم سار إلى (سهارنفور) وأخذ الحديث عن الشيخ أحمد علي بن لطف الله السَّهارنفوري (١) المحدِّث، ثم رجع إلى بلاده. وله مصنَّفات منها: "الإِسعاف حاشية الإِنصاف"، و"تسهيل المتأمِّل"، و"شرح التهذيب"، و"عمدة المفاسد"، و"مفيد الأحناف"، في مبحث السلام، ورسالة في سُجود السهو، و"خُلاصة المُفْردات"، وله غير ذلك من الرسائل". انتهى. ولم يذكر وفاته، وجاء ذكر وفاته سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة وألف من الهجرة، في كتاب "الإِمام عبد الحي اللكنوي" (٢) لوليِّ الدين الندوي، عن ثمان وسبعين عامًا رحمه الله تعالى. كلمة عن أصول الرسالتين وعملي فيهما: طُبِعت هذه الرسالة مع حاشيتها في حياة المؤلِّف رحمه الله تعالى بالطباعة الحَجَرية، بحروف دقيقة ناعمة، وحواشٍ كثيرة متداخلة، بالمطبع المُصْطفاني سنة ١٣٠٣ ضمن مجموعة الرسائل الخمسة، في سبع صفحات من ص ٨٦ - ٩٢. والطبعة الثانية التي وقفت عليها طبعة حجرية أيضًا صدرت سنة ١٣٣٧ في المطبع اليوسفي للحاج المفتي محمَّد يوسف في عشر صفحات، ضمن مجموعة الرسائل الخمسة أيضًا من ص ١١٦ - ١٢٥. وعن هاتين الطبعتين أَنْشُرُ هاتين الرسالتين.

стр. 12

وأما عملي فيهما، فهو بين يدي القاريء، فقد فصَّلت مقاطعهما وجملهما، ونسَّقت الحواشي مع الأصل، واعتنيتُ بعلامات الترقيم والضبط، حتى أصبحت سهلة التناول قريبة الفهم. ورجعتُ إلى كثيرٍ من المصادر التي رَجَع إليها المؤلف، ولا سيَّما في حواشي "الإِسعاف"، وصححتُ بعض ما وقع فيها من تحريف. وعلَّقت على مواضع يسيرة من الحاشية، التي استوعَبَتْ ما في الرسالة ولم تترك مبحثًا دون شرحٍ وتفصيل، فعلَّقت على الحاشية بعض التعليقات اليسيرة التي تزيدُها نفعًا وإفادة بعون الله تعالى. ولم أترجم للمؤلِّف رحمه الله تعالى لشهرته وكثرةِ ما كُتب عنه، واقْتَصرت على ترجمة تلميذه محمَّد عبد الغفور الرَّمْضَانْفُوري. ولم أصنع للرسالة فهارس علمية متنوِّعة لِصِغَرِها ويُسْرِ الوصول إلى فوائدها، واكتفيتُ بصنع فهرس عام لمحتوياتها. وفي الختام: أسأل الله أن يتقبَّل جهدي اليسير، في خدمة هاتين الرسالتين، ويرزقَني الإِخلاص في العلم والعمل، وكما أسأله سبحانه أن يرحمنا ويرحمَ والدينا ومشايخَنا وسائرَ المسلمين، ويغفرَ لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان، ويلحقنا بالصالحين، والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه أجمعين. وكتبه مجد بن أحمد مكي الجمعة ٢٣/ جمادى الأولى ١٤٢٠

стр. 13

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لَكَ الحَمْدُ يا مَنْ هو مُسْتَجْمِعٌ لِكمَالِ الأوْصَاف، وأشهدُ أنْ لا إله إلَّا أَنْتَ لا شَريكَ لكَ في أطْرافِ العالَم والأكْناف، وَأُصلِّي وأُسلِّم على حَبيبِكَ محمدٍ المُجْتَبَى، أحمد المُصْطَفى، مُخْرجِ الأمَّةِ عن طريق الاعتِساف، وعلى صحبِهِ وآلهِ الأخيارِ والأشراف. أما بعد؛ فيقول مَنْ لا صِنَاعةَ له إلَّا اكتسابُ الخطيئات، أبو الحَسَنات محمَّد، المدعو بعبد الحيِّ اللكنويِّ وطنًا، الأنْصاريِّ الأيوبيِّ القُطْبيِّ نَسَبًا، الحنفي مذهبًا، تَجَاوَزَ الله عن ذَنبِه الجليِّ والخفيِّ (١):

стр. 14

قد جَرى النِّزاع (١) بيني وبين بعضِ الفُضَلاء سَنة اثنتين وثمانينَ بعد الألف والمائتين من هجرةِ رسول الثَّقَلَيْن صلَّى عليه وعلى آلِهِ رب المَشْرِقَيْن، في أنَّ الاعتكاف (٢): هل هو سُنَّة مُؤَكَّدةٌ على

стр. 15

الكفاية (١)، أو على العَيْن (٢)؟ وعلى التقدير الأول: هل هو سنَّة كفاية على أهل البلدة، كَصَلاةِ الجنازة، أو على أهلِ كلِّ مَحلَّة، كالتراويحِ بالجماعة؟ فتكلَّم كلٌّ منا بما خَطَر في خَاطِره، من دون أن يتجسَّس تحقيقه من كتبِ الفقه، فأردتُ أن أكتبَ فيه ما يَسْلُكُ مَسْلَك السَّداد، ويُثْبِتُ ما هو المقْصُود والمُرَاد، وسميته بِـ: "الإنصاف في حكم الاعتكاف" وأسألُ الله تعالى قَبولَه بالتضرُّع والإِلحاف، فأقول: قد وقع الاختلاف في أنَّ الاعتكاف مُسْتَحَبٌّ (٣) أو سنَّة؟

стр. 16

وعلى الثاني: هل هو سُنَّة مؤكَّدة أو غيرُ مؤكَّدة (١)؟ وعلى الأول: هل هو سُنَّةٌ مُطْلقًا أو في العَشْرِ الأواخرِ من رمضان، وهل هو سُنَّةٌ كفايةً أو عَيْنًا؟ فلنذكر منها ما يرفع الحجاب عن وَجْه هذا الباب، مُستعينًا بحبْلِ المولى الوهَّاب، فههنا مقامات: المقام الأول: هل الاعتكاف مُسْتَحَبٌّ أو سُنَّة أو مباحٌ أو واجبٌ (٢)؟

стр. 17

فَذَهَبَ بعضُ المالكيّة إلى أنَّ الاعتكافَ أمرٌ مباح، وهذا القول ممَّا لا اعتدادَ به. قال أبو بكر المالكي: قولُ أصحابنا أنَّه جائز (١) جهل.

стр. 18

ولم أطَّلع على مَنْ قال بوجوب الاعتكاف مُطْلقًا (١)، بل قد ادَّعى النووي (٢) في "شرح صحيح مسلم" الإِجماعَ على عدم وجوبه (٣). وأما أصحابُنا الحنفيّة فَعُلِمَ من اختلافِ عباراتهم أنَّهم تفرّقوا فيه ثلاث فرق:

стр. 19

فذهب القُدُوري (١) في "مختصره" إلى استحبابه، حيث قال: "ويُسْتَحب"، وغيرُه إلى أنه سُنَّة مُؤَكَّدة. قال المَرْغيناني (٢) في "الهداية": الصحيحُ أنَّه سُنَّةٌ مؤكَّدة؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ واظَبَ عليه في العَشْر الأواخر من رمضان (٣)، والمواظَبَةُ دليلُ

стр. 20

السُّنِّيَّة، وهكذا ذكر في "المحيط" (١) و"البدائع" (٢)

стр. 21

و"التحفة" (١). وقال الزاهديُّ في "المُجْتبى" (٢): "قال أستاذنا: الصحيح أنَّه سُنَّة"، ولم أجد في غير مختصر القُدُوريِّ أنه مُسْتَحبٌ، فالظَّاهرُ أنَّه أرادَ بهِ السُّنَّة، كما أنَّه أرادَ أوَّل الكتاب هذا حيث قال: "ويُسْتَحَبُّ للمتوضيء أن ينوي الطَّهارة، ويَسْتَوعبَ رأسَه بالمسْح"، فسمَّاها مُسْتَحَبةً مع أنها من السُّننَ". انتهى.

стр. 22

وقال النَّسَفي (١) في "المنافع شرح الفقه النافع": ثم قال في "الكتاب": إنَّه مُستحب، والصحيح: أنَّه سُنَّةٌ، لمواظبةِ النبيِّ ﷺ على ذلك، وقضائِهِ في شوال حيث تركه (٢). فهذان قولان.

стр. 23

وههنا قول ثالث، وهو التفصيل: بأنَّه سُنَّة مؤكَّدة في العَشْر الأواخر من رمضان، ويكون واجبًا بالنذر بلسانه (١)، ولا يكفي مجرَّد النيَّة، وبالشُّروع (٢)، وبالتعليق (٣)،

стр. 24

ذكره ابن الكمال (١)، ومُسْتَحَبٌ في غيرِهِ من الأزمنة. وهذا القولُ هو الذي صحَّحَهُ العيني (٢) في "شرح الكَنز" حيث قال:

стр. 25

"قال الشيخ: إنَّه سُنَّةٌ، وقال القُدُوري: إنه مُسْتَحَبٌّ، وقال صاحب "الهداية": الصحيحُ أنَّه سُنَّة مؤكَّدة، قلت: الصحيحُ التفصيل، فإن كان منذورًا: فواجب، وفي العشر الأواخر من رمضان: سُنَّة، وفي غيره: مستحب". انتهى. واختاره الزَّيلعيُّ (١) في "شرح الكَنْز" حيث قال: "الحقُّ الانقسام إلى ثلاثة أقسام: واجبٌ، وهو المنذور، وسُنَّة في العشر الأواخر من رمضان، ومُسْتَحَبٌّ في غيره".

стр. 26

واختاره أيضًا ابن الهُمَام (١) في "فتح القدير"، وجَزَمَ به الشُّرُنْبُلالي (٢) في "نور الإِيضاح"، والتُّمُرْتَاشي (٣) في "تنوير الأبْصار"،

стр. 27

وإليه مَالَ الحَصكَفي (١).

стр. 28

قلت: لا يبعد أن يُحمَل الاستحبابُ في قولِ القُدوري على استحبابه في نفسِهِ، والسُّنيَّة في قولِ صاحب "الهدايةِ" على الاعتكاف في العشر الأواخر بمقْتضى دليله، فلم يَبْق إلَّا قولٌ واحد، وهو الأصح. المقام الثاني: هل هو سُنَّةٌ مؤكَّدة أو غيرُ مؤكَّدة ؟ وعرفتَ من المرغيناني والعيني والزَّيْلعي تصحيح أنَّه سُنَّةٌ مؤكَّدة، واسْتَدلُّوا عليه بأَنَّ النبيَّ ﷺ قد واظَبَ عليه (١). رواه الشيخان.

стр. 29

فإنْ قلتَ: المواظَبةُ دليلُ الوجوبِ. قلتُ: هذا إذا كان مع الإِنكار على التَّرك، وأمَّا المواظَبةُ مع عَلَمِ الإِنكار على مَنْ تَرَكَهُ فهي دليلُ السُّنِّيَّة (١)، ولم يثبتْ إنكارُهُ ﷺ على مَنْ تَركَه من الصَّحابة. فإنْ قلتَ: لو كان سُنَّةً مؤكَّدةً لما تركه الصَّحابة (٢) مع أنه لم يعتكف الخلفاءُ الأربعة. قلتُ: إنَّما تركوا لوجهٍ آخر، وهو ما قاله الإِمام مالك: "لم يبلغني أنَّ أبا بكر وعمر وعثمان وابنَ المسيِّب، ولا أحدًا من سَلَف هذه الأمَّة

стр. 30

اعتكف إلَّا أبو بكر بن عبد الرحمن (١)، وأراهم تركوه لِشَدَّتِهِ (٢)؛ لأنَّ ليلَه ونهارَه سواء". قال السُّيوطي (٣) في "التوشيح شرح صحيح البخاري":

стр. 31

قلت (١): تمامه أن يقال: مع اشتغالهم بالكسب لعيالهم، والعمل في أراضيهم، فيشقُّ عليهم تركُ ذلك، وملازمةُ المسجد. انتهى. قلت: ما يخطُرُ بالبال هو أنَّ الاعتكاف، وإن كان سُنَّة مؤكَّدة، لكنَّه سُنَّةُ كفايةٍ على ما وَرَد، فتركُ الخلفاء في زَمَنهم لا تقْدحُ في شيء؛ لأنَّ أزواج النبي ﷺ كُنَّ يعتكفنَ بعد انتقاله في بيوتهنَّ؛ لما أخرجه البخاري ومسلم والنَّسائي وأبو داود والترمذي عن عائشة: "أنَّ النبيَّ ﷺ كان يعتكفُ العشرَ الأواخر (٢) من رمضان حتى قَبَضَهُ الله تعالى، ثمَّ اعتكفَ أزوَاجُهُ من بعد"، فكفى اعتكافُهُنَّ رَافعًا للإِثم اللازم بِتَركِ السُّنَّة المؤكَّدة، والله أعلم. قلت: ولم أَرَ من صَرَّح من علمائِنا أنَّ الاعتكافَ سُنَّة غيرُ مُؤَكَّدة إلَّا

стр. 32

القُدُوري في "مختصره"، حيث قال: إنه يُستحب. وقد عَرَفْتَ ما له وما عليه، وأطْلَق النَّسَفِيُّ في"الكَنْز"، حيث قال: "سُنَّ لبثٌ في مسجدٍ بصوم ونيّة". ولا يمكن أن يكونَ المرادُ السنَّة الغير المؤكَّدة؛ لأنَه ردَّ هو القول بالاستحباب في "المنافع" كما قد نقلتُه سابقًا. ثم رأيتُ في "رسائل الأركان" لبحر العلوم (١) ما نصُّه: اعلم أنَّه لا شكَّ في مُواظَبةِ النبيّ ﷺ على اعتكافِ العَشْر الأواخرِ من رمضان، لكن قد ثَبَت من الصَّحابة العِظَام تركُ الاعتكاف، ومنهم الخلفاءُ الراشدون، فللاعتكاف نوعُ اختصاصٍ به (٢)، وهو أنَّهُ يَلقَى جبريلَ فيدارسُهُ

стр. 33

القرآن، ومُدَارَسَةُ القرآن كانت مُختصَّةً به، فلذا كان للاعتكافِ اختصاصٌ به، فتاركُ الاعتكافِ من الأئمة لا يلحقُهُم الإِسَاءة؛ ولذا كان النبيُّ ﷺ

стр. 34

لا يؤكِّد في الاعتكافِ تأكيده في غيره من السننِ، ولا يعيبُ أحدًا من الصَّحابة على ترك الاعتكاف، فإنَّ الاعتكاف إمَّا سُنَّةٌ مُخْتَصَّةٌ به غيرُ مُؤَكَّدة على الأمة، بل بقي في حَقِّهم مثل السُّنن الغير المؤكَّدة، أو كان واجبًا عليه مُختَصًّا به فَفَعَلَهُ؛ لامتثال الوجوب، فلا يكون على الأمَّة سُنَّة، بل مندوبًا مُحْضًا، وهذا غير بعيد. انتهى. قلت: هذا التحقيق كله من عند نفسِهِ (١)، والحق عندي هو الذي ذَكَرتُ (٢). المقامُ الثالث: هل هو سنَّة مؤكَّدة كفايةً، أم عينًا ؟ فعامَّتهم على أنَّه سُنَّة (٣) كفاية؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يُنكر على مَنْ تركه من الصحابة، بخلاف السُّنَن المؤكَّدة، فدلَّ ذلك (٤) على أنه سُنَّة كفاية، وبه جَزَم الشُّرُنْبُلالي في "مراقي الفَلاح"، والعلامة

стр. 35

الطَّرابُلُسي (١) في "البرهان في شرح مواهب الرحمن"، وَتَبِعَهُ الحَصكَفيُّ وغيره. قلتُ: ولم أَرَ منْ صَحَّحَ القولَ بكونه سُنَّة العين، ثُمَّ رأيتُ أنه قال القُهُسْتاني (٢) في "شرح خلاصة الكيداني" عند تقسيم السُّنن: قد تنقسم السُّنَّة إلى سُنَّة العين، وسُنَّة الكفاية، كَسَلامٍ واحدٍ من جمع، وقيل: منه الاعتكاف، ورُدَّ بأنَّه روايةٌ شاذة، والحق: أنَّه من سُنَّة العين. انتهى.

стр. 36

لكنه لم يعيِّن الرادَّ حتى يُبْحَث عن حالِهِ، والحقُّ: أنَّ قوله: الحق، ليس بحق (١). ثم رأيتُ الدمْيَاطي (٢) قد نَقَلَ كلام القُهُسْتَاني في حاشيتِهِ "تعاليق الأنوار على الدُّرِّ المختار"، والعَجَب أنَّه سَكَتَ عليه. المقامُ الرابع: الاعتكاف على تقدير كونه سُنَّةُ كفاية كما هو الحق، هل هو سُنَّة كفايةٍ على أهلِ البلدة (٣)، كَصَلاة الجنازة (٤)، أم سُنَّة كفايةٍ على أهلِ كُلِّ مَحلَّةٍ، كصلاةِ التراويح بالجمَاعة (٥)؟

стр. 37

فظاهِرُ عباراتهم يَقْتضي الأول، ففي "مَجْمَع الأَنْهُر شرحُ مُلْتَقَى الأَبْحُر" (١) عند ذكر الأقوال: وقيل: سنَّةٌ على الكفاية، حتى لو تَرَكَ أهل بلدة بأَسْرِهم يلحقهم الإِسَاءَة، وإلَّا فلا، كالتأْذين (٢). انتهى.

стр. 38

وقال الطَّحْطَاويُّ (١) في شرح قول الحَصْكَفي: أي سُنَّة كفاية، إذا قام بها البعض، ولو فردٌ أُسْقِطَتْ عن الباقين. انتهى. ومثلُه في "شرح النُّقَاية" لعليٍّ القاري (٢) وغيره.

стр. 39

المقام الخامس: هل هو سُنَّة مؤكَّدة مُطْلقًا؟ أم في العشر الأواخر من رمضان ؟ قولان نقلهما في "مَجْمَعِ الأنْهُر"، وقد مَال إلياس زادَه في "شرح النُّقاية" (١) إلى الأول، وتفصيل الزَّيْلعي الذي دَارَ عليه مَدَار الحق يقتضي أنَّه سُنَّة مُؤَكَّدةٌ في العَشْرِ الأواخرِ من رمضان، ومُسْتَحَبٌّ في غيره. وقال العلامة الهدّاد الجُونفوري (٢) في "حاشيَة الهداية": لا شَكَّ أنَّ الاعتكافَ في نفسِ الأمر مُسْتَحَب، إنَّما السُّنَّة في العَشْر الأواخر من رمضان. المقام السادس: هل السنَّة اسْتيعابُ العشر الأواخر من رمضان بالاعتكاف ؟ أم

стр. 40

الاعتكاف في جُزْء منه؟ الظاهر هو الأول؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ فعلَ كذلك دائمًا. ثم رأيتُ في حاشية "الهداية" للجُونفوري، قال: الظاهر أنَّ السنَّة هو استيعابُ العَشْرِ الأواخر مِن رمضان بالاعتكاف، لا الاعتكاف في العَشْر، ولو في جُزءٍ منه، روى به الإِمام شِهَاب المِلَّة والدين (١)، نوَّرَ الله مرقَدَه؛ إذ المواظَبَة من النبيِّ ﷺ كانت على سبيلِ الاستيعاب، فيكون سنةً مع وصفِ الاستيعاب، ثم قال: ولقائلٍ أن يقول: إنَّه وإنْ واظَبَ بصفَة الاستيعابِ، فالقولُ بِسُنية استيعابِ العَشْر الأوَاخِرِ من رمضان بالاعتكاف يؤدِّي إلى الحَرَج؛ لظهور أنَّ الرجالَ لو اعتكفُوا في المساجد، والنِّساء في دُورِهنَّ لم يكن مَنْ يقوم بأمر معاشِهِم، وفيه من الحَرَج ما لا يَخْفى، فَلِهَذِهِ الضَّرورة جَعَلنَا السُّنَّةَ وهو اللُّبْثُ في العَشْر، ولو بِجُزْء منه (٢) دونَ الاستيعاب.
следующие страницы →