стр. 36
← Секты и опровержения следующие страницы →
Секты и опровержения · id 17744
ردع الإخوان عن محدثات آخر جمعة رمضان
أبو الحسنات اللكنوي
Полный текст (85 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 37
стр. 38
стр. 39
والكَرْخي (١)، وغيرها من المتون والشُّروح والفتاوى المشهورة.
وكذلك كتب الشافعية والمالكيّة والحنبلية خالية عن ذلك.
ومن المعلوم أنَّه لو كان لها أصلٌ، لبادروا إلى ذِكرها، وذكر فَضْلها، كيفَ لا وهذه الصَّلاة على ما زعموا من أفضلِ الصَّلوات حيثُ يكون أداء ركعاتٍ عديدة كفارةً لجميع فوائتِ العمر، بل عن فوائتِ الأجداد والأحفاد، فالغفلةُ عن مثل هذه الصَّلاة غَفلةٌ عظيمة.
وهذا صاحب "جامع الرموز" (٢) جامع كلِّ رَطْب ويابس لم يَتَنَبه له، وصاحب "إحياء العلوم" مع اهتمامه بذكر العبادات الفاضلة، وإنْ كانت رواياتُها ضعيفة لم يتعرَّض له.
وهذا صاحب "خزانة الروايات" (٣) الجامع بين كل غثٍّ وسمين لم
стр. 40
يذكره. وهذا كلُّه دليلٌ على عَدم العِبْرة به.
بقي الكلام فيما استندوا به من العبارات المذكورة والروايات المسطورة.
فأقول: إسنادهم بها مخدوش؛ لوجوه:
أحدها: أنَّ الكتب التي اسْتَندوا بها ليست من الكتب المشهورة المعتَمَدة، وقد ذكر ابن نُجَيْم المصري في بعض رسائله، ونقله عنه الحَمَوي (١) في حواشي "الأشباه والنظائر": أنَّه لا يجوزُ الإِفتاءُ من الكتب غير المشهورة.
وفي "تنقيح الفتاوى الحامديّةَ" (٢) نقلًا عن "الرسائل الزينيّة" (٣):
стр. 41
لا يحلُّ الإِفتاء من الكتب الغريبة (١). انتهى.
وثانيها: أنَّ تجويزَ هذه الصَّلاة بتلك الكيفية لم يُنقل عن أئمتنا أبي حنيفة وأبي يوسُف ومحمد ﵏، ولا عن تلامذتهم، ومن يحذو حَذْوَهم، فلا يجوزُ الإِفتاء بها أخذًا من الكتب غير المتداولة.
قال في "القُنْية" (٢)، نقلًا عن "نوازل أبي الليث" (٣): قيل لأبي نصر: وقعت عندنا أربعة كتب؛ كتاب إبراهيم بن رستم (٤)، و"أدب القاضي" عن الخصَّاف، وكتاب "المجرَّد"، و "النوادر" (٥) من وجه
стр. 42
هشام (١)، هل يجوز لنا أن نفتي منها؟ فقال: ما صحَّ عن أصحابِنا فذلك علمٌ مُجْتَبى، مرغوبٌ فيه، مرضيٌّ، فأمَّا الفتوى فإني لا أَرَى لأحدٍ أن يُفتي بشيءٍ لا يفهمُهُ، ولا يتحمَّل أثقالَ الناس، فإن كانت مسائل قد اشتهرت وظَهَرَتْ عن أصحابنا رَجَوْتُ أن يَسَع الاعتمادُ عليها. انتهى.
وقال علي القاري في "تذكرة الموضوعات": من القواعد المعلومة الكليَّة: أنَّ نقْلَ الأحاديثِ النبويَّة، والمسائلِ الفقهيّة، والتفاسيرِ القرآنية: لا يجوزُ إلَّا من الكتب المتداوَلة؛ لعدمِ الاعتماد على غيرها من وضعِ الزنادقة، وإلحاق الملاحدة، بخلافِ الكتب المحفوظة (٢). انتهى.
стр. 43
وثالثها: أنَّ هذه الكتب التي استندوا بها ليست من المتون المعتَبَرة، ولا من الشروح المعتَمَدة، وإنَّما هي من جنس الفتاوى كالصَّحَارى.
وقد ذكر ابنُ نُجيم في رسالته "رفع الغِشاء عن وقت العصر والعِشاء" نقلًا عن "أنفع الوسائل" (١): أنَّه لا عبرة بنقول الفتاوى إذا عارضتها نقول المذهب، وإنَّما يُستأنس بما في الفتاوى إذا لم يُوجَد ما يخالفُها من كتبِ المذهب. انتهى.
وقد عَرَفتَ أنَّ نُقُولَ هذه الكتب في تجويزها هذه الصلاة بتلك الكيفيَّة مخالِفةٌ لفروعِ المذهب المدوَّنة، وللأصول المقرَّرة، فلا يصحُّ الإِفتاء بها.
ورابعها: أنَّ الإِفتاء بها موقوفٌ على عِلمِ حال مُصنِّفيها، وأنَّهم التزموا فيها نقلَ الأقوال "الصحيحة" وبدون ذلك لا يحلُّ الإِفتاء منها.
قال ابن عابدين في "ردِّ المحتار": في "شرح الأشباه" لشيخنا المحقِّق هبة الله البعلي (٢): قال شيخنا العلَّامة صالح الجنيني (٣): إنه
стр. 44
لا يجوز الإِفتاء من الكتب المختَصَرة: كـ "النَّهر"، و"شرح الكنز" للعيني، و"الدر المختار شرح تنوير الأبصار". أو لعدم الاطِّلاع على حالِ مصنِّفيها كـ "شرح الكنز" لملَّا مسكين، و"شرح النُّقاية" للقُهُسْتاني. أو لنقل الأقوال الضعيفة فيها كـ "القُنية" للزاهدي (١)، فلا يجوز الإِفتاء من هذه إلَّا إذا علم المنقول عنه وأخذه منه (٢). انتهى.
وقال أيضًا في "تنقيح الفتاوى الحامديّة" في بحث لبس الأحمر، بعدما ذكر ما يدلُّ على كراهته: "على أنَّ الذي يجب على المقلِّد اتِّباع مذهب إمامه، والظاهر أنَّ ما نقله هؤلاء الأئمة هو مذهب الإِمام أبي حنيفة، لا ما نقله أبو المكارم، فإنَّه رجلٌ مجهول، وكتابُهُ كذلك، والقُهُستاني كجَارفِ سَيْلٍ، وَحَاطبِ لَيْلٍ، خُصوصًا واستنادُهُ إلى كتب الزاهديِّ المعتزلي" (٣). انتهى.
стр. 45
وقد ذكرتُ ما يتعلَّق بهذا المبحث في رسالتي "النَّافع الكبير لمن يُطالع الجامع الصغير" (١)، وبَسَطْتُ الكلامَ فيها فيما يحلُّ الإِفتاء منه وما لا يحلُّ الإِفتاء منه، فَلْتُطالَع.
وخامسها: أن الاستناد بها موقوفٌ على تحقيقِ حالِ مؤلِّفيها من أنَّهم من أيِّ طبقةٍ من طبقات الفقهاء، وإذْ ليس فليس، وكونهم من أصحاب الأوراد والوظائف، أو من أرباب تصفيةِ اللطائف لا يُجوزُ الإِفتاء، فلكل فنٍّ رجالٌ، ولكلِّ مقامٍ مقالٌ.
قال عليٌّ القاري المكي في رسالته "شمّ العوارض في ذمِّ الروافض": ثمَّ اعلم أنَّه لا بدَّ للمُفتي المقلِّد أن يعلمَ حال من يُفتي بقوله، ومعرفة مرتبته في الرواية، ودرجته في الديانة، ليكون على بصيرةٍ وافيةٍ في التمييز بين القائلَيْن المتخالفَيْن، وقدرةٍ كافيةِ في الترجيح بين القولَيْن المتعارضَيْن، فقد قال ابنُ كمال باشا (٢): إن للفقهاء سبعَ طبقات (٣):
стр. 46
الأولى: طَبَقةُ المجتهدين في الشَّرع: كالأئمة الأربعة، وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهم في تأسيسِ قواعدِ الأصول، واستِنْباط أحكام الفروع عن الأدلة على حسب تلك القواعد من غير تقليدٍ لأحد، لا في الفروع، ولا في الأصول.
والثانية: طَبقةُ المجتهدين في المذهب: كأبي يوسُف ومحمد، وسائر أصحاب أبي حنيفة، القادرين على استخراج الأحكام من الأدلة المذكورة على القواعد التي قررَّها أستاذهم، وهم وإن خالفوه في بعضِ
стр. 47
الفروع، لكن يقلِّدونه في قواعدِ الأصول، وبه يمتازونَ عن المعارضين في المذهب، كالشَّافعي ونظرائِهِ المخالفين لأبي حنيفة في الأحكام، غير مقلِّدين له في الأصول (١).
والثالثة: طبقةُ المجتهدين في المسائل التي لا روايةَ لها عن صاحب المذهب: كالخصَّاف، والطحاوي (٢)، والكَرْخي، وشمس الأئمة الحَلْواني (٣)، وشمس الأئمة السَّرَخْسي، وفخر الإِسلام البَزْدوي، وقَاضِيخَان، وأمثالهم، فإنَهم لا يقدرون على مخالفة الشيخ لا في الأصول ولا في الفروع، لكنَّهم يستَنْبطون الأحكامَ في المسائلِ التي لا نصَّ فيها على حسب أصول قرَّرها.
стр. 48
الرابعة: طبقةُ أصحابِ التخريج من المقلِّدين: كأبي بكر الرازي وأضْرابه، فإنَّهم يقدرون على تفصيل قول مُجْمَل ذي وَجْهَين، وحكمٍ مُحتَمل الأمرَين.
الخامسة: طبقةُ أصحاب الترجيح من المقلِّدين: كالقُدروي، وصاحب "الهداية" وأمثالهما، وشأنهم: تفضيل بعض الروايات على بعض بقولهم: هذا أوْلى، وهذا أصحُّ رواية, وهذا أرفق بالناس.
والسادسة: طبقة المقلِّدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي، والضعيف، وظاهر المذهب، وظاهر الرواية, والرواية النادرة: كأصحاب المتون المعتبَرة من المتأخرين، مثل صاحب "الكنز" (١)، وصاحب "الوقاية" (٢)، وصاحب "المختار" (٣)، وصاحب "المجمع" (٤).
стр. 49
والسابعة: طبقةُ المقلِّدين الذين لا يقدرون على ما ذُكر، ولا يفرِّقون بين الغثِّ والسَّمين، ولا يميِّزون الشمال عن اليمين، بل يجمعون ما يجدون، كحاطب ليل، فالويل لهم ولمن قلَّدهم كل الويل" انتهى.
وسادسها (١): أنَّ الرواياتِ التي ذَكَرها هؤلاء المصنفون لم يذكروا سَنَدها, ولا أسندوها إلى أحدٍ من المخرِّجين، وقَبولُ الحديث الذي لا أصل -أي: لا سند- له: ليس من شأن العاقلين، فإنَّ بين النبيِّ ﷺ وبين هؤلاء الناقلينَ مفاوزَ تنقطعُ فيها مَطَايا السَّائرين، فكيف يجوزُ الاستناد بمجرَّد قولهم: قال رسول الله ﷺ : كذا وكذا؟! فإن الرواية -وصولُها إليهم وإلينا- لا يمكنُ أن يكون بدون الوسائط، فلا بدَّ من تحقيقِ أحوالِ الوسائط وتشخيصِهم، وَكَشْفِ عدالتهم؛ ليكتسبَ الحديث به صفةَ القَبول إن وُجِدَت في رواتِهِ صفاتُ القَبول، أو صفةَ الردِّ إن كانت في رواتها صفاتُ الردِّ، وبدون ذلك فالاستناد به لا يليق بمن له أدنى مُسْكة.
وقال محمَّد بن عبد الباقي الزُّرقاني في "شرح المواهب": قال ابن المبارك: "الإِسناد من الدِّين، ولولا الإِسناد لقالَ مَنْ شاءَ ما شَاء".
وعنه: "مَثَلُ الذي يَطْلُب دينَه بلا إسناد، كَمَثَل الذي يرتقي السَّطحَ بلا سُلَّم".
وقال سفيان الثوري: "الإِسنادُ سِلاحُ المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاحٌ فبأي شيءٍ يقاتل"؟!
стр. 50
وقال الشافعيُّ: "مَثَلُ الذي يطلبُ الحديث بلا إسنادٍ كَمَثَلِ حاطب ليل".
وقال بقيَّة: ذاكرتُ حمَّاد بن زيد بأحاديث، فقال: "ما أجْوَدَها لو كانت لها أجنحة" -يعني إسنادًا- انتهى ملخصًا (١).
وقال عليٌّ القاري المكي في "تذكرة الموضوعات": "قد حكى الحافظ أبو بكر بن خَيْر (٢): اتَّفق العلماء على أنَّه لا يحلُّ لمسلمٍ أن يقول: قال رسول الله ﷺ كذا حتى يكون عنده ذلك القول مرويًّا ولو على أقلِّ وجوهِ الروايات" (٣). انتهى.
فإن قُلتَ: هذه الأحاديث من الأحاديث المشهورة، فلا حاجةَ إلى تحقيق أسانيدها.
قُلتُ: إنْ أُريدَ بكونها مشهورةً شُهرتها بالمعنى المصْطَلح عند الأصوليين (٤)، فهو أيضًا موقوف على ثبوت طُرقها، والاستنادُ بها أيضًا
стр. 51
موقوفٌ على البحثِ عن رواتها.
وإنْ أُرِيدَ به مُطْلق الشُّهرة، ولو على ألسنة المتفقِّهة أو العامَّة فلا ينفعُ ذلك؛ لأنَّ مثل هذه الشهرة ساقطةٌ عن الاعتبار فيما هنالك. فكم من أحاديث اشتهرت على ألسنة العامَّة، أو سُطِّرتْ في كتبِ المتفقِّهة ولا أصْلَ لها في الشَّريعة، بل هي موضوعة أو ضعيفة ساقطة، كحديث: "لولاكَ لما خَلَقْتُ الأفلاك"، وحديث: "علماء أمَّتي كأنبياء بني إسرائيل"، وحديث: "يومُ صومكم يومُ نحركم"، وحديث: "لسانُ أهل الجنة العربية والفارسية الدَّرِيَّة"، إلى غير ذلك، على ما لا يخفى على مَنْ طالَعَ كتبَ نُقَّاد الحديثِ المصنَّفة في هذا الباب، كـ "موضوعات" ابن الجوزي، و"اللآلئ المَصْنُوعة في الأحاديث الموضوعة"، و"الدُّرر المُنْتثرة في الأحاديث المشتهرة" كلاهما للسيوطي، و "المقاصد الحَسَنة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة" للسَّخَاوي، و"تذكرة الموضوعات" لعلي القاري المكي، وغير ذلك.
قال محمَّد بن عبد الرحمن السَّخَاوي في "فتح المغيث بشرح ألفية الحديث" (١): المشهورُ يقعُ على ما يُروى بأكثر من اثنين، وعلى ما اشتَهَرَ على الألسنة، فيشملُ ما لَهُ إسنادٌ واحدٌ فَصَاعدًا، بل ما لا يوجد له إسنادٌ أصلًا، كـ "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"، و "وُلِدْتُ في زمنِ الملكِ
стр. 52
العادل كِسْرى"، وقد يَشْتَهر بين الناس أحاديث هي موضوعة بالكلِّيَّة، وذلك كثيرٌ جدًّا، ومن نَظَر في "الموضوعات" لابنِ الجوزيِّ عَرَفَ الكثيرَ من ذلك. انتهى.
وقال أيضًا: "لا اعتبار إلَّا بما هو مشهور عند أهل الحديث" (١). انتهى.
وبالجملة: الشُّهرة الاصْطلاحية، وهي كونُ رواةِ الحديث في الطبقة الأولى آحادًا معدودين، وكثرتُهُم بعد ذلك على ما ذكره أصحاب أصول الحنفيَّة، أو كون طرقه محصورة بأكثر من اثنين على ما ذكره علماء أصول الحديث، مفقودةٌ في هذه الروايات؛ لكونها خاليةً عن الطُّرق والأسانيد.
وأمَّا الشُّهرة المُطْلَقَة بمعنى كونها مشهورةً على ألسنة العامة فغيرُ مُعْتَبَرة، وإلَّا يلزم قَبول كثيرٍ من الأحاديث الموضوعة.
فإن قال قائلٌ: إنها مشهورةٌ عند الفقهاء.
قلنا: ليس ذلك؛ لخلوِّ أكثر كتب الفقه من المذاهب الأربعة عن ذكرها.
وإن ادَّعَى أنَّها مشهورةٌ عند المحدِّثين.
قلنا: هذا المدَّعي من الكاذبين، فإن أكثر كتب الحديث، بل كلُّها لا أثر لها فيها.
فإن قال قائلٌ: نَقْلُ من نَقَلَ هذه الرواياتِ لجلالةِ قَدْرهم، ونَبَاهَةِ ذكرهم: كافٍ للاستناد به.
стр. 53
قلنا: كلَّا، لا يُقْبل حديثٌ من غير إسْناد، ولو نَقَلَهُ مُعْتَمَدٌ، لا سيَّما إذا لم يكن الناقلُ من نقَّاد الأحاديث. وجَلاَلةُ قدْرِهِ لا يَسْتَوجِبُ قَبُولَ كلِّ ما نَقَل، ألا ترى إلى نقلِ صاحبِ "إحياء العلوم" مع جَلالةِ قدْرِهِ أورد في كتابه أحاديثَ لا أَصْلَ لها، فلم يُعتبر بها، كما يظهر من مطالعة "تخريج أحاديثه" للحافظ العراقيّ، وهذا صاحبُ "الهداية" مع كونه مِن أجِلَّة الحنفيَّة، أورَدَ فيها أخبارًا غريبةً وضعيفةً، فلم يُعتَمَد عليها، كما يظهر من مطالعة "تخريج أحاديثها" للزيلعي، وابن حجر العسقلاني.
وسابعها: أنَّ آثار الوضع على هذه الروايات ظاهرة، وقرائنُ الاخْتِلاق عليها قائمة.
قال الحافظ زين الدين العراقي في "شرح ألفيَّة الحديث": "قال ابن الصَّلاح: وإنما يُعرف كون الحديث موضوعًا بإقرار واضعه، أو ما ينزل منزلةَ إقْراره، قال: وقد يفهمون الوضع من قرينةِ حال الراوي أو المروي، فقد وُضِعَت أحاديث طويلةٌ تشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها" (١). انتهى.
وروِّينا عن الرَّبيع بن خُثَيم قال: إنَّ للحديثِ ضوءًا كضوءِ النَّهار تُعْرَف، وظلمةً كظلمة الليل تُنْكَر (٢).
وقال ابن الجوزي: اعلم أنَّ الحديث المنكر يقشعِرُّ له جِلْدُ الطالب للعلم، وَيَنْفِرُ عنه قلبُه في الغالب" (٣). انتهى.
стр. 54
وقال السَّخَاويُّ في "شرح الألفيّة": وربما يُعرف -أي الوضع- بالرِّكَّة -أي الضَّعف- عن قوَّةِ فَصَاحته ﷺ في اللفظ والمعنى معًا، وكذا في أحدهما. والركة في المعنى: كأن يكون مخالفًا للعقل ضرورةً واستدلالًا، ولا يَقبل تأويلًا بحال، نحو الإِخبار عن الجمع بين الضِّدَّين.
قال ابن الجوزي: كلُّ حديثٍ رأيتَهُ يخالفُ العقول، أو يناقضُ الأصول، فاعلم أنَّه موضوع، فلا تتكلَّف اعتباره، أي: لا تعتبر رُواتَه، ولا تنظر في جرحهم (١).
أو يكون مما يدفعه الحِسُّ والمُشاهَدَة، أو مُبَاينًا لنصّ الكتاب، أو السنَّة المتواترة، أو الإِجماع القطعي، أو يتضمَّن الإِفْراطَ بالوعيد الشديد على الأمر اليسير، أو بالوعد العظيم على الفعل اليسير، وهذا الأخير كثير موجود في حديث القُصَّاص" (٢). انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في "شرح نُخْبة الفكر": "ومنها -أي: قرائن الوضع-: ما يُؤْخذ من حال المرويِّ، كأن يكون مناقضًا لنصِّ القرآن، أو السنَّة المتواترة، أو الإجماع القطعي، أو صريح العقل" (٣). انتهى.
وقال السيوطيُّ في "تَدْريب الراوي بشرح تَقْريب النواوي": "ومن جملة دلائل الوضع: أن يكون مخالفًا للعقل، بحيث لا تقْبل التأويل، أو يكون مما يدفعه الحِسُّ والمُشَاهَدة، وأن يكون منافيًا لأدلة الكتاب
стр. 55
القطعيّة، أو السنَّة المتواترة أو الإِجماع القطعي. وقال ابن الجوزي: ما أحسنَ قول القائل: إذا رأيتَ الحديث يُباينُ المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنَّه موضوع. قال: وأما معنى مناقضته الأصول: أن يكون خارجًا عن دواوين الإِسلام من المسانيد والكتب المشهورة" (١). انتهى ملخصًا، ومثله في "مقدمة ابن الصلاح" (٢)، و"مختصر ابن جماعة" (٣)، و"خلاصة الطيبي" (٤)، وغيرها من كتب أصول الحديث.
وتفصيل هذا المبحث مفوَّض إلى رسالتي "ظَفَر الأماني بشرح المختَصَر المنسوبِ إلى الجُرْجَاني" (٥)، وفَّقني الله لختمِهِ كما وَفَقني لِبَدْئِهِ (٦).
ومن المعلوم أنَّ هذه القرائن التي ذكروها لكون الحديث موضوعًا موجودة في هذه الروايات التي سَطروها، فإنَّها مخالفة للعقول، وَمُبَايِنَةٌ
стр. 56
للأصول، ومناقِضَةٌ لصحيح المنقول، ولا أثَرَ لها في دواوين الحديث المشهورة المعتَبَرَة الكافلة لجمع آثار الرسول ﷺ ، وفيها من رَكَاكةِ الألفاظ ما لا يخفى على المُتَبَحِّر، ووعدٌ كثير مُبَايِنٌ للعقل والنقل على الفعل القليل المُحْتَقَر.
والذي أظنُّه ظنًّا صحيحًا إنْ شاء الله تعالى: أنَّ أمثال هذه الروايات وضَعَها بعض المتعبِّدين الجاهلين، ظنًّا منهم أنَهم يُحسنون، من غير علم أنَّهم في ذلك مُؤَاخَذُون، ونقلَ عنهم جَمْع بعد جمعٍ اعتمادًا عليهم، واغترارًا بحُسْنِ سيرتهم.
ويشهدُ لذلك: أنَّه لا يوجد أمثال هذه الروايات إلَّا في كتبِ أصحابِ الأورادِ والوظائفِ، ورسائل من يقْصدُ جمعَ الغرائب واللطائف من غير تَنْقيد وتَسْديد، ولو كان لها أصلٌ لكان له أثرٌ في كتب الصِّحاح أو السُّنن أو المسانيد وغيرِها من تصانيف المحدِّثين، أو كان له ذكر في كتبِ الفقهاءِ المعْتَبَرين، وإذْ ليسَ فليسَ.
فإن قال قائل: نَقَلَةُ هذه الروايات من الثقات، ويُسْتبعَدُ عنهم نقلُ الخُرافاتِ والمكذوباتِ.
قلنا: كونُهم من المُتَديِّنين لا يُسْتَبْعَدُ به وقوعُ ذلك عنهم، ولا أقول: إنَّهم نَقَلوا ذلك مع علمهم بكذبِ ذلك، بل وقع لهم الاغترارُ بقول غيرهم، فإنَّهم ليسوا من المحدِّثين، ولا أسْندوها إلى أحدٍ من الناقدين. والعبرةُ في هذا البابِ لهم لا لغيرهم.
وقد قال السَّخاوي في "شرح الألفية": وأضرُّهم -أي الوضَّاعين-: قومٌ لزهدٍ وصلاحٍ نُسبوا، كأبي بِشْر أحمد بن محمَّد
стр. 57
المَرْوَزي الفقيه، وأبي داود النَّخَعي، قد وضعوا الأحاديثَ في الفضائل والرغائب للحُسْبة، بمعنى أنهم يحتسبون -بزعمهم الباطل وجهلهم في صنيعهم ذلك- الأجر وطلب الثواب، فقُبِلَت تلك الموضوعات رُكونًا إليهم، وَوُثوقا بهم؛ لما اتَّصفُوا بِهِ من التديُّن" (١). انتهى.
وقال العراقي: وضربٌ يتديَّنون بذلك لترغيبِ النَّاسِ في أفعال الخير بزعمهم، وهم منسوبون إلى الزُّهد، وهم أعظم الأصناف ضَررًا؛ لأنَّهم يحتسبون بذلك، ويرونَهُ قُرْبةً، فلا يمكن تركُهم لذلك، والنَّاسُ يركنون إليهم؛ لما سنُّوا لهم من الزُّهد والصَّلاح، فينقلونُها عنهم. ولهذا قال يحيى بن سعيد القطَّان: ما رأيتُ الصَّالحين أكذب منهم في الحديث، يريد -والله أعلم- بذلك: المنسوبين للصلاح، بغير علم يفرِّقون به بين ما يجوز لهم وما يمتنع عليهم. انتهى.
وقد صَرَّح جمعٌ من المحدِّثين بكونِ أمثال هذه الروايات موضوعة، وبكون هذه الصَّلاةِ بِدْعة باطلة.
قال علي القاري المكي في "تذكرة الموضوعات" (٢): حديث "مَنْ قضى صَلاةً من الفرائض في آخرِ جمعةٍ من رمضان كان ذلك جابرًا لكُلّ صلاة فاتَتْهُ في عمره إلى سبعين سنة" باطلٌ قَطْعًا؛ لأنَّه مناقضٌ للإِجماع، على أنَّ شيئًا من العبادات لا يقومُ مقامَ فائتةِ سَنَوات، ثم لا عِبْرة بنقل صاحب "النهاية" (٣) ولا بقيّة شُرَّاح الهداية؛ لأنَّهم ليسوا من المحدِّثين،
стр. 58
стр. 59
وقال القاضي الشَّوْكاني في "الفوائِد المجموعة في الأحاديث الموضوعة": حديثُ "مَن صَلَّى في آخر جمعة رمضان، الخمس الصلوات المفروضة في اليوم والليلة، قَضَتْ عنه ما أخَلَّ به من صلاة سنة" هذا موضوعٌ بلا شك فيه، ولم أجدْه في شيءٍ من الكتب التي جمع مصنفوها فيها الأحاديث الموضوعة، ولكنه اشتُهِرَ عند جماعةِ من المتفقِّهة بمدينة صَنْعاء في عَصْرنا هذا، وَصَارَ كثيرٌ منهم يفعلونَ ذلك، ولا أدْري مَنْ وَضَعَه لهم، فقبَّح الله الكذَّابين (١). انتهى.
وقال الشَّيخ عبد العزيز الدهلوي (٢) في رسالته "العُجَالة النافعة" (٣) عند ذكر قرائنِ الوضع ما معرَّبه: الخامس: أن يكون مخالفًا لمُقتَضَى العقل، وتكذِّبه القواعد الشرعية، مثل القضاء العُمُري، ونحو ذلك. انتهى.
وفي "شرح المواهب اللدنية" لمحمد بن عبد الباقي الزُّرقاني المالكي نقلًا عن "شرح منهاج النووي" لابن حَجَر المكي الهيْتَمي الشافعي المسمَّى بـ "التُّحفة" بعد ذكر قَبَاحَةِ حفيظةِ رمضان، وسيأتي ذكرها: "وأقْبَحُ من ذلك ما اعتيدَ في بعض البلاد من صَلاةِ الخمس في هذه الجمعة عَقِبَ صلاتها، زاعمينَ أنَّها تكفِّر صَلَواتِ العام أو العُمُر
стр. 60
المتروكة، وذلك حَرَامٌ، لوجوهٍ لا تخفى (١). انتهى.
وَنَقَلَ بعضهم عن "حماية الفقه": لا سبيلَ لقضاءِ الصَّلوات الخمس في آخرِ جمعةِ رمضان كما قيل: مَنْ قضى صلوات خمسة فهي جابرةٌ لسبعين سنة؛ لأن الأحاديثَ المرويَّة فيه موضوعةٌ عند المحدّثين. انتهى.
وَنَقَل أيضًا عن "مواهب المنَّان شرح تُحفة الإخوان" و"التبيين": "وما اعتَادَه بعضُ أهل خُراسان من قَضَاء الفوائتِ المتكثِّرة بقضاءِ صلاةِ يومٍ واحد في الجمعة الأخيرة من رمضان خلفَ الإِمام فليس بشيءٍ؛ لأنَّ فيه مفاسد:
أحدها: أنَّ من شروط الاقتداء: اتِّحاد صلاةِ الإِمام والمأمُوم اتحادًا شخصيًّا، وهذا لا يوجَدُ فيهم يقينًا.
والثاني: أنَّهم يعتقدون أنَّ هذه الصلاة تكفيهم عن جميع الفوائت، وهذا الاعتقاد يَقْلع أصل أحكام الإِسلام.
والثالث: أنَّها إعلانٌ وتشهيرٌ لكبائرِ نفوسِهِم، وهو فسقٌ.
والرابع: أنَّها اختراعٌ بِدْعيٌّ، وضلالة ما أجازَ لهم الشَّارعُ لذلك لا دلالةً ولا إشارةً ولا قياسًا ولا إجماعًا، وما رووه من حديث في ذلك: كذبٌ لا ينبغي للمؤمنِ المحقِّق أن يُصْغيَ إليه كما حقَّقه علي القاري في "التذكرة"، والفاضل الكجراتي (٢) في "مَجْمَع البحار" وغيرهما في غيرهما". انتهى.
стр. 61
وقد بلغني عن بعض النَّاس لما أرسلتُ إليهم عبارةَ القاريِّ الدَّالةَ على الوضع أنه قال: لا اعتبارَ للقاري بحِذاء صَاحبِ "النِّهاية" (١) فالمعتَمَدُ هو نقلُ صاحب "النهاية" لا حكمُ القاري.
وهذا قولٌ أظُنُّ أنَّ من صَدَرَ عنه جاهلٌ لا يعرفُ مراتبَ المحققين، ولا يعلمُ الفرقَ بين الفقهاء والمحدّثين، فإنَّ الله تعالى خَلَقَ لكل فنٍّ رجالًا، وَجَعَلَ لكلِّ مقامٍ مَقَالًا، وَيَلزَمُ علينا أن نُنزِلَهم منازلَهُم، ونَضَعَهُم بمراتبهم.
فأجِلَّهُ الفقهاء إذا كانوا عارين من تنقيدِ الأحاديث: لا نسلِّمُ الرواياتِ التي ذكروها من غير سَنَدٍ ولا مُسْتَنَد إلَّا بتحقيقِ المحدثين.
ونقلةُ الأحاديثِ إذا كانوا عارين عن الفَقَاهة: لا نَقْبلُ كلامهم في الفقه، ككلامِ الفقهاء المعتبَرين (٢).
стр. 62
стр. 63
هذا وخُلاصة المَرام في هذا المقام: أن الرواياتِ في بابِ القضاء العُمُري مكذوبةٌ وموضوعةٌ، والاهتمام به مع اعتقادِ تكفير ما مضى بدعةٌ باطلة، وليس العمل به إلَّا كالعملِ بأحاديثِ صلاةِ الرَّغائب، وصلاةِ شعبان، وغيرها ممَّا صَرَّحوا بوضْعها واخْتلاقها، وقد صرَّحوا بأن العمل بالحديث الموضوع، وكذا ذِكْرُهُ من دون اقترانِ حكم وضعه محرَّم لا يفعله من له أدْنى حُلمٍ.
* * *
ومن الأمور المحَدثَة الباطلة في آخر جمعة رمضان: كتابة حفيظة رمضان قال السَّخَاويُّ في "المَقَاصِدِ الحَسَنة في الأحاديث المُشْتَهرة على الألسنة" (١) حديث: "لا آلاءَ إلَّا آلاؤك يا الله (٢)، إنَّك سميعٌ عليمٌ، محيطٌ به علمك كَعَسْلَهون (٣)، وبالحقِّ أنزلناه وبالحقِّ نزل". هذه ألفاظ اشتهرت ببلاد اليمن ومكة ومصر والمغرب: أنَّها حفيظة رمضان، تحفظُ من الغَرَق
стр. 64
والسَّرَق والحَرَق وسائر الآفات، وتكتب في آخرِ جمعةِ منه، فجُمهورهم يكتبُها والخطيبُ يخطب على المنبر، وبعضهم بعدَ صلاة العصر، وهي بدعةٌ لا أصلَ لها، وإن وَقَعت في كلام بعضهم (١) بورودها في حديث ضعيف. وكان شيخُنا ﵀ ينكرها جدًّا حتى وهو على المنبر في أثناء الخطبة حين يرى من يكتبها كما بيَّنته في "الجواهر والدُّرَر" (٢). ونقله عنه تلميذه القسطلاني في "المواهب اللدنية" (٣)، وأقرَّه.
وقال الزُّرقاني في شرحه نقلًا عن "التحفة": جَزَم أئمتُنَا وغيرُهم بحرمةِ كتابة وقراءةِ الكلماتِ الأعجمية التي لا يُعرف معناها، وقول بعض: (كعسلهون: حيَّةٌ محيطةٌ بالعرش، رأسُها على ذَنبَها)، لا يُعوَّلُ عليه؛ لأنَّ مثل ذلك لا مَدخَل للرأي فيه، فلا يقبل فيه إلَّا ما ثبَتَ عن معصوم، على أنَّها بهذا المعنى لا تُلاَئم ما قبلها في الحفيظة، وهو: "لا آلاء إلَّا آلاؤك"، بل هذا اللفظ في غاية الإِبهام، ومن ثمَّ قيل: إنَها اسمُ صنمٍ أدخلها مُلحِدٌ على جَهَلة العوام. وكأنَ بعضَهم أرادَ دفع ذلك الإِبْهام فزادَ بعد الجلالة: "محيطٌ به علمك كَعَسْلَهون"، أي: كإحاطة تلك الحيّة بالعرش، وهو غفلةٌ عما تقرَّر أنَّ هذا لا يقبل إلَّا ما صَح فيه عن معصوم.
وأَقبح من ذلك ما اعتِيدَ في بعضِ البلاد من صَلاةِ الخمسِ في هذه
стр. 65
الجمعة" (١)، إلى آخر ما مرَّ نقله سابقًا.
وقال ابن الحاج المالكي في "المدخل": وينهى النَّاسَ عن كَتْبِهِمُ الحفائظَ في آخرِ جمعةِ رمضان في حالِ الخُطبة، وذلك يُمنع، لوجوه:
أحدها: لما احتوتْ عليه من اللفظِ العَجَمي، وقد قال مالكٌ لما سُئِلَ عنه: وما يُدريك لعلَّه كفر؟
وثانيها: أنَّ فيه اللغو في حَال الخُطْبة.
الثالث: أنَّه يشتغل بالكتب عن سَماع الخُطْبة.
الرابع: أنه يشتغل ببدعة، ويترك ما اختلفَ فيه الناس من الإِصْغَاء حال الخُطبة: هل هو فرض أو سنَّةٌ مؤكَّدة؟
الخامس: ما أحدثوه من بيعها وشرائعها في المسجد، فَيَنْهى عن ذلك ويَزْجُرَ فاعلَه، وبعضُ الناس يكتُبها بعد صلاة العصر يوم الجمعة، وذلك بِدعة أيضًا، لكنَّها أخف من البدعة المتقدِّم ذكرها، إذ ليس ثَمَّ خُطبة يُشتغل عنها, ولو كَتَبها وأسْقَط عنها اللفظَ العَجَمي، ولم يتَّخذ لكتابتها وقتًا معلومًا لكَانَ ذلك جائزًا (٢). انتهى.
стр. 66
ومن الأمور المحدثة: تسميتهم الجمعة الآخرة من جمعات رمضان بجمعة الوداع
وهذه التسمية وإن لم يرد بها كتابٌ ولا سُنَّةٌ، لكن لا بأسَ بذلك، أخذًا من تسميةِ آخرِ حَجَّات النبي ﷺ في السَّنَةِ العاشرة من الهجرة بحجَّة الوداع، وليس في أمثالِ هذه التسميةِ ابتداءُ غير مشروع واختراع أمرٍ ممنوع.
ومن الأمور المحدثة: ما شاعَ في أكثر بلاد الهند والدَّكَن وغيرهما من قراءة الخطباء في خطبة آخر جمعات رمضان أشعارًا فارسية وهندية، مشتملة على مضامين التحسُّر بذهاب رمضان
وهذا أمرٌ يجبُ على العلماء الزَّجرُ عنه، فإنَّ خَلْطَ الخُطبة بغير العربية، وكذا قراءة كلِّها بغير العربية خلافُ السُّنَّة المتوارَثَة من عصر حَضْره الرسالة والصَّحابة ومَنْ بَعدهم من أربابِ الجلالة، وقد حَقَّقْتُ هذه المسألة مع مالَهَا وما عليها في رسالتي: "آكام النفائس في أداءِ الأذكار بلسانِ الفارس"، فَلْتُطَالع.
стр. 67
ومن الأمور المحدَثة: ما ذاعَ في أكثر بلاد الهند والدكن وغيرهما من تسمية خُطبة الجمعة الأخيرة بخطبة الوداع، وتضمينها جُمَلًا دالّةَ على التحسُّر بذَهاب ذلك الشَّهر
فَيُدْرجونَ جُمَلًا دالَّةً على فَضَائل ذلك الشَّهر، ويقولون بعد جملة أو جملتين: الوداع والوداع، أو الفراقَ والفراقَ لشهر رمضان، أو الوداع والوداع يا شهرَ رمضان، ونحو ذلك من الألفاظ الدَّالة على ذلك. ومنهم من يقرأ خطبة الوداع يوم عيد الفطر.
وهذا المُحدَث لا يُدْرى من أي زمانٍ حَدَثَ، وأينَ حَدَث؟ وكتبُ الفقهِ والحديثِ من المتقدِّمين والمتأخّرين لا يوجَدُ فيها أثرٌ من ذلك.
وقد اختلف أربابُ العلم في عصرنا، وشيء ممَّن قبلنا في ذلك، فمن مُفرط مشدِّد، ومن مُفرط غير مشدِّد.
أما الفرقة الأولى: فشدَّدت في منعها بالكليَّة، وحكمت بكونها ضلالة لوجوه:
الأول: أنَّ مثل هذه الخطبة المشتَمِلة على مثل هذه الكلماتِ الوداعيَّة لم يُنقل عن النبيِّ ﷺ وأصحابِهِ وتابعيهم وتبعهم، وكلُّ ما لم يوجد في القرون الثلاثة فهو بِدعةٌ مُحدَثة، وكلُّ بدعةٍ ضَلالةٌ.
وفيه: أنَّ البدعة في الكُبرى الأولى إنْ أُريد بها البدعة اللغوية (١)،
стр. 68
فإنْ أُريد في كبرى القياس الثاني: البدعة الشرعيَّة، وهي: ما لم يوجد بنفسه ولا بنظيره في القرون الثلاثة، ولم يدلَّ عليه دليلٌ من الأدلة الشرعية فالحدُّ الأوسط غيرُ متكرِّر، وإنْ أُريد بها اللغوية أيضًا، فالكلية ممنوعةٌ، لأنَّ المحكومَ عليه يكون كلِّ فرد منه ضلالة إنَّما هو البدعة الشرعية، وأمَّا اللغوية فَمُنْقَسِمَةٌ إلى أقسامٍ خمسة: مباحة (١)، وواجبة (٢)، ومحرَّمة (٣)، ومكروهة (٤)، ومندوبة (٥).
وإن أُريدَ بالبدعة في الكُبْرى الأولى: البدعةُ الشَّرعية فهي في حيِّز المنع، فلا يفيد القياس النفع.
وقد حقَّقْتُ هذا البحثَ وما يتعلَّقُ به في رسالتي: "إقامة الحُجَّة على أنَّ الإِكثار في التعبُّد ليس بِبِدعة" (٦)، وفي رسالتي: "تحفة الأخيار في إحياءِ سُنَّةِ سيِّد الأبرار" (٧)، وفي رسالتي: "التحقيق العَجيب فيما يتعلَّق بالتثْويب"، وفي رسالتي: "ترويح الجَنَان بتشريح حكم شرب
стр. 69
الدخان" (١) وغيرها، فَلْتُطَالَع.
وأيضًا، لو تمَّ هذا الدليل لم يخصَّ بخطبة الوداع، بل جرى في كلِّ خطبةٍ صنَّفها العلماء، وقرأها الخطباء بعباراتٍ جديدة لم تُنْقَل عن حضرة الرسالة والصَّحابة ومَنْ بَعدهم ممَّن تَبِعَهم.
والحلُّ: أنَّ أصلَ وضعِ الخُطبة لتذكير نِعَم الله، والتخويفِ من عذابِ الله، والمقْصودُ منها إنَّما هو الترغيب والترهيب، وتعليمُ الأحكام، فكل ما اشتَمَل عليه يحصلُ به المَرام، سواءٌ كانت معانيه وألفاظه بعينها مأثورة، أو كانت مُختَرعةً مُحْدَثة، فليسَ الاختراع في مثلِ ذلك موجبًا للضلالة، وإلَّا للزم حَصْرُ الخُطَب في الخطب المنقولة عن أصحابِ القرون الثلاثة، ولم تقُل به أحدٌ من العلماء، فلم يَزل الفُضَلاء يصنِّفون خطبًا مُشْتَملةً على ألفاظٍ جديدة، ومعاني غريبة، ولم يزل الخُطَبَاء يَنحِتون ترغيباتٍ وترهيباتٍ من غير قَصْرٍ على الألفاظِ المأثورة.
نعم يجب ألا يكون اختراع الألفاظ والمعاني مُفَوَّتًا لأصْل مَقْصودِ الخُطْبة، وأن لا يكون مغيِّرًا لوضع الخطبة، كالعبارات الفارسيّة والهنديّة وغيرها التي تُغيِّر وضعَها، فإنَّ وضعها إنَّما هو بالعربية لا غيرها.
الوجه الثاني: ما ذكره بعضُ أفاضلِ عصرنا (٢) في مَنْهيات رسالته
стр. 70
"الموعظة الحسنة بما يُخطَب به في أيام السنة" من أن تضمين معنى الحَسْرة على وداع رمضان غير مشروع؛ لأنَّ إفطار الصوم أحد أسباب الفرحة، بدليل حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه"، أخرجه الشيخان (١)، وقد شُرِعَت صلاة العيد يوم الفطر للاسْتِبْشَار بخَتْم شهر الصِّيام، وحصول تأدية أمرِ الملك العلَّام، فلا وَجْهَ للتحزُّن وإظهَارِ الحُزن على انْقِضَاء شهر رمضان (٢).
وفيه: أنَّ الفَرحةَ بالإِفطار المذكورة في الحديث، إنَّما هي فرحةٌ عادية طبيعية، لا فرحةٌ شرعيّةٌ، فإنَّ النفسَ الإِنسانيّة لمَّا خُلِقَت متألِّفة بالأكل والشُّرب وقضاءِ اللذَّات، وزُيِّن لها حبُّ الشهوات، لا بدَّ أن تحصَل لها الفرحة بمقْتَضى طَبْعها عند الإِفطار، وهذه فرحةٌ عادية دنيوية، والأُخرى تحصل لها عند رؤية ربِّها الغفار، وأمَّا الفرحةُ الشَّرعيّه فإنَّما هي في الصوم لا في فِطْره، ولذلك ترى النفوس القُدْسيّة يحصُل لهم الفرحُ والنشاطُ في حالةِ العبادة ما لا يحصل بانقضائها، وشاهدُهُ قوله ﵊: "حُبِّب إليَّ: النساءُ، والطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّة عيني في الصلاة".
قال السَّخَاويُّ في "المَقَاصد الحَسَنة" (٣): أخرجه الطبراني في
стр. 71
"الأوسط" (١) من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طَلْحة عن أنسِ به مرفوعًا، وكذا هو عنده في "الصغير" (٢)، وكذا للخطيب في "تاريخ بغداد" (٣) من هذا الوجْه، لكن مُقْتصرًا على جملة: "وجُعِلَت" فقط، ورواه النسائي في سننه من حديث سيّار (٤)، عن جعفر عن ثابت، عن أنس بلفظ الترجمة (٥)، وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٦) بدون لفظة: "جُعِلتَ"، وقال: إنَّه صحيحٌ على شرطِ مُسلم، ورواه مُؤَمَّلُ بن إهاب في "جزئه" الشهير (٧)، قال: ثنا سفيان عن جعفر به بلفظ: "وجعل قرَّة" والباقي سواء، وأخرجه ابنُ عديّ في "كامله" (٨) من جهة سَلَّام: أنبأنا ثابت البناني وعليّ بن زيد، كلاهما عن أنس بلفظ الترجمة، وهو عند النسائي (٩) أيضًا من جهة سلَّام أبي المنذر عن ثابت عن أنس بلفظ: "حُبِّب إليَّ من الدنيا: النساءُ، والطيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عيني في الصَّلاة"، وَمِنْ هذا الوجه أخرجه أحمد (١٠)
стр. 72
وأبو يعلى في مسنديهما (١)، وأبو عَوَانة في مستخرجه الصحيح، والطبراني في "الأوْسط" (٢)، والبيهقي في "سننه" (٣)، وآخرون حسبما بَيَّنْتُهُ موضحًا في جُزء أفردتُه لهذا الحديث، وقد عَزَاه الدَّيْلمي بلفظ: "حُبِّب إليَّ كلُّ شيء، وحُبِّب إليَّ النساء ... " للنسائي وغيره ممَّا لم أره فيها" (٤). انتهى ملخَّصًا.
فالحاصل: أنَّ النفوسَ البَرَرة شأنُها الفرحُ بالعِبَادات، مثل الصَّوم والحج وغيرهما، وكذلك ينبغي أن تكون قُرَّةُ العين فيها، وبانقضائِها وَمُضيِّ أيامِها يحصُلُ لهم الحزنُ والألم، ويتكدَّر طبعُهُم بانقضاءِ أيَّام البركة، ويعرضُ لها غمٌّ وأيُّ غمٍ، وأيُّ حزن أعظم للبَرَرَةِ من مُفارَقَةِ أيام رمضان المشْتَمِلَةِ على أنواع الرحمةِ والغُفران.
وقد عَقَدَ الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن رَجَب، من تلامِذَةِ ابنِ القيِّم تلميذِ ابنِ تيمية في كتابه "لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، مجالس فيما يتعلَّق بشهر رمضان، وترجم المجلس السادس بقوله: المجلس السادس في وداع شهر رمضان المعظَّم قدره وحرمته، وأورد فيه أحاديث مشتملة على فضائلِهِ وفضائلِ صيامه وقيامِه، وقال فيه: "كان بعضُ السلف يَظْهَرُ عليه الحُزنُ يومَ عيد
стр. 73
الفطْر، فيقال له: إنَّه يومُ فَرَحٍ وسرورٍ، فيقول: صدقتم، ولكني عبدٌ أمرني مولاي أن أعمل له عملًا، فلا أدري أيقبله أم لا؟ ورأى وُهَيْبُ بن الورد قومًا يضحكون في يومِ عيدٍ، فقال: إن كان هؤلاء تُقُبِّل منهم صيامُهم فما هذا فعلُ الشاكرين، وإن كانوا لم يُتَقَبَّلْ منهم صيامُهم، فما هذا فعل الخائفين.
ورُوي عن عليّ ﵁ أنه كان ينادي في آخِر ليلةٍ من رمضان: يا لَيْتَ شِعري! مَنْ هذا المقبول فنهنِّيه، ومَنْ هذا المحروم فنُعَزِّيه؟.
وعن ابن مسعود أنه قال: مَنْ هذا المقبولُ فنهنِّيه، ومَنْ هذا المحروم فَنُعَزِّيه؟ أيُّها المقْبولُ: هنيئًا لك، وأيُّها المردود: جَبَر الله مُصيبَتَك" (١). انتهى.
وقال أيضًا بعد ذكر قدر من بركاته ومناقبه: "عبادَ الله، إنَّ شهرَ رمضان قد عَزَمَ على الرَّحيل، ولم يَبْقَ منه إلَّا القليل، فَمَنْ كان منكم أحسَنَ فيه فعليه التمام، ومن كان فرَّط فَلْيَخْتمه بالحُسْنَى؛ فالعملُ بالخِتَام.
فاستمتعوا منه فيما بقي من الليالي اليسيرة والأيام، واسْتَودعوه عَمَلًا صالحًا يشهَدُ لكم به عند المَلِكِ العلَّام، وودِّعوه عند فِراقه بأزْكى تحيَّةٍ وسلام.
سَلاَمٌ من الرَّحمن كُلَّ أوان ... على خيرِ شَهْرٍ قد مضَى وزَمَانِ
سَلاَمٌ على شَهرِ الصِّيام فإنَّهُ ... أمانٌ من الرَّحمنِ أيُّ أمانِ
لَئِنْ فَنِيَتْ أيَّامُك الغُرُّ بَغتةً ... فما الحزنُ من قلبي عليك بفانِ
لقد ذَهَبتْ أيَّامُهُ وما أَطَعْتُم، وكُتِبَتْ عليكم آثامُه وما
стр. 74
أضعتم (١)، فكأنَّكم بالمشمِّرين فيه وقد وَصلو وانقطعتم.
قلوبُ المتَّقين إلى هذا الشَّهر تَحِنُّ، ومن ألم فِراقه تَئِنُّ.
دَهَاكَ الفِرَاق فما تَصْنَعُ ... أَتَصْبِرُ للبَيْن أم تَجْزَعُ
إذا كُنْتَ تبكي وهُمْ جيرةٌ ... فكيفَ تكونُ إذا وَدَّعُوا
كيف لا يَجْري للمؤمنِ على فِراقه دموع، وهو لا يدري هل بقي له في عمره إليه رجوع.
تذكَّرْتُ أيّامًا مَضَتْ وَلَيَالِيَا ... خَلَتْ فَجَرَتْ من ذكرِهِنَّ دُمُوعُ
ألا هَلْ لها يومًا من الدَّهْرِ عَوْدَةٌ ... وَهَلْ لي إلى وقتِ الوِصَال رُجُوعُ
وَهَلْ بَعد إعراضِ الحبيبِ تواصُلٌ ... وَهَلْ لبدورٍ قَدْ أَفَلْنَ طُلُوعُ
أَينَ حَرَقُ المجتهدين في نهاره؟ أين قَلَقُ المتهجِّدين في أسحاره؟
وإذا كان هذا جَزَعَ مَنْ رَبِحَ فيه، فما حالُ مَن خَسِر في أيَّامه ولياليه؟
ماذا ينفعُ المفرِّطَ فيه بكاؤه، وقد عَظُمَت فيه مصيبتُهُ وَجَلَّ عزاؤه؟ كم نُصِحَ المسكين (٢) فما قَبِلَ النُّصْحَ؟ كم دُعِيَ إلى المصالحة فما أجابَ إلى الصُّلْح؟ كم شَاهَدَ الواصلين فيه وهو مُتبَاعِد؟
كم مَرَّتْ به زُمَر السَّائرين وهو قاعد؟ حتى إذا ضاقَ به الوقت (٣)، وحاقَ به المقْتُ، ندم على التفريط حين لا ينفع النَّدَم، وطلبَ الاستدراكَ في وقْتِ العَدَم.
أَتَتْركُ من تُحبُّ وأنتَ جارُ ... وتَطْلبُهُم إذا بَعُدَ المَزَارُ
стр. 75
وتبكي بَعْدَ نَأْيِهمُ اشْتِيَاقًا ... وتسألُ في المنازِلِ أينَ سَارُوا
تركتَ سؤالَهم وَهُمُ حُضُورٌ ... وتَرْجُو أن تُخَبِّرَكَ الدِّيارُ
يا شهرَ رمضان ترفَّقْ، دموعُ المحبِّين تَدَفَّقْ، قلوبُهم مِن ألم الفِراق تَشَقَّقْ، عَسى وقفةٌ للوداع تُطفئ من نار الشَّوْق ما أحْرَقْ، عسى ساعةُ توبةٍ وإقْلاعٍ ترفو من الصِّيام كُلَّ ما تَخَرَّقْ، عَسَى مُنْقَطِعٌ عن رَكْبِ المقْبولين يَلحَق، عسى أسيرُ الأَوْزار يُطْلَقْ، عَسَى من اسْتَوْجَبَ النَّار يُعْتَقْ، عسى رحمةُ المولى لها العاصي يوفَّق" (١). انتهى كلامه ملخصًا.
الوَجْهُ الثالث: ما ذكره ذلك الفاضل أيضًا: أنَّ الأركان الخمسة الإِسلامية مُتَساوية الأقْدام، ولا دليلَ على تخصيص الحُزنِ بذهاب رمضان، ولم يَرِد به الشَّرع، ولو كان هذا بالقياس، يلزمُ أن يُظهر مثل هذا الحزن والألم بعد كلِّ ركنٍ من الصَّلاة والحج والزكاة، ولا قائلَ به.
وفيه: أنَّ الزكاة ليس لأدائها وقت مُعيَّن شرعًا, ولا يمكنُ أداؤها في وقتٍ واحدٍ جمعًا؛ لاختلافِ النَّاس في أزمنةِ مِلْك النِّصَاب، وتفاوتهم في شروط الإِيجاب، وليست لأوقاتِ أدائها بركة معهودة شرعًا ولا عُرفًا، فلا يمكن الحزنُ وإظهارُه عند ذلك، ولا يُتصوَّر التحسُّر من ذهاب شيءٍ فيما هنالك، بخلاف صيام رمضان، فإنَّ له وقتًا معلومًا بالنسبة إلى جميع المكلَّفينَ، وله بَرَكَةٌ عظيمةٌ، ومَنْقَبَةٌ جَسيمةٌ للعالَمين، فذهابُه حَسْرَةٌ عظيمةٌ، كيف لا وإدْراكُ رمضان آخر بسببِ امتداد الزمان أمرٌ موهوم، بخلاف الصَّلاة، فإنَّ جميعَ أوقاتِها ليست في عمومِ المغفرةِ مثل تلك الأيَّام، وإدْراك وقتٍ آخر للصلاة أمرٌ غير موهوم.