← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (١). ويجاب عنه بأن ذلك هو مثل، بالنظر إلى أنه عوض عن المتلف، إلا أنه جُعل على مقياسٍ واحد؛ دفعا للشجار لو لم يكن كذلك، [إذ] (أ) يحصل التشاجر في مقدار الحليب، والاحتياط في قدره لا يكاد يتم، إذ الآخذ (ب) في الأغلب يتلف (جـ) الحليب عقيب حلبه؛ لعدم معرفته للتصرية، وإنما ينكشف من بعد، فضبط بهذا الضابط الذي لا يختلف، ولهذا نظائر في الشرع في أروش الجنايات من غير نظر إلى كيفية الجناية من الكبر والصغر. ومنهم من قال: هو منسوخ بحديث ابن عمر؛ النهي عن بيع الدين بالدين. أخرجه ابن ماجه وغيره (٢). ووجه الدلالة أن لبن المصراة يصير دينًا في ذمة المشتري، فإذا ألزم بصاع من تمر نسيئة صار دينًا بدين. وهو للطحاوي (٣). وأجيب بأن الحديث ضعيف باتفاق المحدثين، وبأن ذلك ليس مما ذكر؛ فإنه يرده مع المصراة حاضرا وليس بنسيئة، وتعلقه بذمة الراد [قبل الرد] (د) ليس بيعا، إذ لا يكون البيع إلا برضا من له

стр. 2172

الحق (أإذا ألزمه أ) بقبض ذلك عند الحضور. ومنهم من قال: ناسخه حديث: "الخراج بالضمان". أخرجه أصحاب "السنن" (١) عن عائشة، ووجه الدلالة منه أن اللبن فضلة من فضلات المصراة، ولو هلكت المصراة لكان من ضمان المشتري، فكذلك فضلاتها. والجواب بأن المغروم هو ما كان فيها قبل البيع مُصَرّى، لا الحادث بعد البيع. ومنهم من قال: ناسخه الأحاديث الواردة في [رفع] (ب) العقوبة بالمال، وقد كانت مشروعة قبل ذلك. وأجيب بأنه لا عقوبة على المشتري، فإن التصرية من البائع. ومنهم من قال: ناسخه حديث: "البيعان بالخيار ما لم يتفرّقا" (٢). قاله محمد بن شجاع، ووجه الدلالة أن التفرق يقطع الخيار، وظاهر الخيار العموم، فيعم خيار المصراة وغيرها. ويجاب بأن الحنفية لم يقولوا بمضمون هذا الحديث ولم يثبتوا خيار المجلس، فكيف يحكمون بنسخه؟ وبأنهم يثبتون خيار العيب بعد التفرق، ويجاب عن الأول بأنهم إنما تأولوا التفرق بأن المراد به تفرق الأقوال، بأن يتم اللفظان فينبرم العقد، فيراد بالخيار هو الرجوع عن أحد الركنين قبل حصول الآخر، وبه يندفع الثاني أيضًا. ومنهم من قال: هو خبر واحد يفيد الظن، وهو مخالف لقياس الأصول المقطوع به، وذلك لأنه تقرر وعلم من الأدلة أن ضمان المتلف إن كان مثليًّا

стр. 2173

فبالمثل، وإن كان قيميًّا فبالقيمة، فاللبن إن كان مثليًّا ضمن بمثله، وإن كان قيميًّا قوِّم بأحد النقدين وضمن (أ) بذلك، فكيف يضمن بالتمر أو [البر] (ب)؟ أيضًا فإنه كان الواجب أن يختلف الضمان بتقدير اللبن، ولا يقدَّر الصاع قلّ أو [كثر] (جـ). والجواب عنه بأن رد الخبر لمخالفته لقياس الأصول غير مسلم؛ لأن خبر الواحد هو من جملة الأصول التي تثبت بها الأحكام، وإنما كان يُرد لو خالف نصًّا قطعيًّا، فإنه يطرح لئلا يعمل بالمظنون ويترك المقطوع، وأما مخالفته لقياس الأصول فلا؛ فإن القياس هنا متضمن للعموم في جميع المتلفات، وهذا خاص، والخاص مقدم على العام، على أنه غير مسلم القياس الذي ذكر على عمومه، فإن الدية قد فرضت من الإبل والغنم والبقر وليست من أي المذكورين، وأيضًا فإنه إذا أتلف شاة فيها لبن فإن ضمانها بالتقويم، ولا يضمن اللبن الذي فيها بالمثل، وبأنه إنما سلك في ذلك بتقدير الصاع لقطع التشاجر؛ لعدم الوقوف علي حقيقته، لجواز الاختلاط بالحادث بعد البيع، فقطع الشارع النزاع وقدره بحدٍّ لا يبعد دفعًا للخصومة، وقدره بأقرب شيء إلى اللبن، فإنهما كانا قوتًا في ذلك الزمان، ولهذا نظائر، وهو في ضمان الجنايات كالموضحة، فإن أرشها مقدر مع الاختلاف في الكبر والصغر، والغرة في الجنين مع اختلافه، والحكمة في ذلك جميعه دفع التشاجر. قالوا: و (د) خالف قياس الأصول من حيث إن اللبن التالف إذا كان

стр. 2174

موجودًا عند العقد فقد نقص جزءٌ من المبيع فيمتنع الرد، وإن كان حادثا عند المشتري فهو غير مضمون، ومن حيث إنه جعل الخيار فيه ثلاثًا مع أن خيار العيب لا يقدر بالثلاث، وكذا خيار المجلس وخيار الرؤية، ومن حيث إنه لو باع شاة بصاع تمر ثم ردها وصاعًا، فقد استحقها البائع وثمنها، ويلزم في هذه الصورة الربا، فإنه لو ردَّ الشاة وصاعًا، والبائع يرد له الصاع، فكأنه باع شاةً وصاعًا بصاع. ومن حيث إنه يلزم منه ضمان الأعيان مع بقائها حيث كان اللبن موجودًا. ومن حيث إنه يلزم [منه] (أ) إثبات الرد بغير عيب؛ لأنه لو كان نقصان اللبن عيبا لثبت به الرد من دون تصرية ولا شرط؛ لأنه لم يشرط الرد. وأجيب عن الأول بأن النقص إنما يمنع الرد إذا لم يكن لاستعلام العيب، وهو هنا لاستعلام العيب فلا يمنع. وعن الثاني بأن المصراة انفردت بالمدة المذكورة؛ لأنه لا يتبين حكم التصرية في الأغلب إلا بها بخلاف غيرها. وعن الثالث بأنه إنما استحق الصاع عوض اللبن لا عوض الشاة. وعن الرابع بأن الربا إنما يعتبر في العقود لا في الفسخ. وعن الخامس بأنه غير موجود متميز؛ لأنه مختلط باللبن الحادث، فقد تعذر ردّه بعينه بسبب الاختلاط، فيكون مثل ضمان العبد المغصوب الآبق. وعن السادس بأن الخيار يثبت بالتدليس والتغرير للمشتري، وهو أيضًا في حكم خيار الشرط من حيث المعنى، فإن المشتري لما رأى ضرعها مملوءا، فكأن البائع شرط له أن ذلك عادة لها، وقد ثبت لهذا نظائر مثل ما تقدم في تلقي الجلائب. ومنهم من حمل الحديث على سورة مخصوصة؛ وهو حيث اشترى

стр. 2175

بشرط أنها تحلب قدرًا معلومًا وشرط فيها الخيار فالشرط فاسد. قال: فإن اتفقا على إسقاطه في مدة الخيار صحَّ العقد، وإن لم يتفقا بَطَلَ ووجب رد الصاع من التمر؛ لأنه كان قيمة اللبن يومئذ. وأجيب بأن الحديث فيه تعليق الحكم بالتصرية، وهذا القائل بفساد الشرط سواء وجدت التصرية أم لا، فهو تأويل متعسف غير مقبول. قال ابن عبد البر (١): هذا الحديث أصل في النهي عن الغش، وفي ثبوت الخيار لمن دلس عليه، وفي أن التدليس لا يفسد أصل العقد، وأن أمد الخيار ثلاثة أيام، وفي تحريم التصرية وثبوت الخيار بها. وقد روى أحمد وابن ماجه (٢)، عن ابن مسعود مرفوعًا: "بيع المحفّلات خِلابة، ولا تحل الخلابة لمسلم". وفي إسناده ضعف. وقد رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق [موقوفًا] (أ) بإسناد صحيح (٣). وروى ابن أبي شيبة (٤) من طريق قيس بن أبي [حازم] (ب) قال: كان يقال: التصرية خِلابة. وإسناده صحيح. واختلف القائلون بخيار التصرية لو كان عالما بالتصرية، هل يثبت به الخيار؟ فيه وجه للشافعية، الأرجح أنه لا يثبت، وكذا عند الهدوية لا يثبت إلا إذا جهل قدر التصرية. ولو صرّي ثم صار ذلك اللبن عادة هل له الرد؟ فيه وجه لهم، وعند

стр. 2176

الهدوية لا يثبت الرد أيضًا، والحنابلة تخالف في المسألتين. ولو تصرت بنفسها أو صرّاها المالك لنفسه ثم باعها، فيه خلاف؛ مَن نظر إلى المعنى المقتضي أثبته، ومن نظر إلى أن أحكام التصرية خارجة عن القياس خصه بمورده، وكذا لو كان الضرع مملوءا لحما فظنه المشتري لبنا فاشتراها على ذلك، هل يثبت له الخيار؟ فيه وجهان حكاهما بعض المالكية. وأما لو اشترى غير مصراة وبان فيها عيب بعد الحلب؛ فعند الشافعي يردها مجانا، وعند الهدوية يرده إن كان الفسخ بحكم ويضمن التالف، وإن كان بالتراضي فلا رد. وقال البغويُّ (١): يرد صاعًا من تمر. والله أعلم. ٦٥١ - وعن ابن مسعود قال: من اشترى شاة محفلة فردّها، فليردّ معها صاعا. رواه البخاري (٢)، وزاد الإسماعيلي (٣): من تمر. الحديث أخرجه عن ابن مسعود موقوفًا من رواية يزيد بن زريع عن سليمان التيمي. وهكذا أخرجه الأكثرون عن معتمر بن سليمان التيمي موقوفًا، وأخرجه الإسماعيلي من طريق عبيد الله بن معاذ عن معتمر مرفوعًا، وذكر أن رفعه غلط، وخالف الأكثرين أبو خالد الأحمر فأخرجه عن سليمان التيمي بإسناد الأكثرين مرفوعًا، أخرجه عنه الإسماعيلي (٣) وأشار إلى وهمه، وقد اعتمد المصنف ﵀ قول الأكثرين فوقفه على ابن مسعود كما فعله البخاري. وفي قوله: فليرد معها. أي: بعدها. لأن قوله: فردها. بسبب متقدم.

стр. 2177

ويحتمل أن معنى "فردها": فأراد ردّها. فتكون "مع" للمعية. وقد تقدم الكلام في ذلك مستوفى. ٦٥٢ - وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ مرَّ على صُبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟ ". قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني". رواه مسلم (١). الصُّبْرة، بضم الصاد المهملة وسكون الباء الموحدة، وهي الكومة المجموعة من الطعام، سميت صبرة لإفراغ بعضها علي بعض، ومنه قيل للسحاب فوق السحاب: [صبير] (أ). كذا قاله الأزهري (٢). وقوله: أصابته السماء. أي المطر. وقوله: "مَنْ غَشَّ فليس مني". بياء المتكلم. قال النووي (٣): كذا في الأصول وهو صحيح. قال: ومعناه عند أهل العلم: ليس ممن اهتدى بهديي واقتدى بعلمي وعملي وحسن طريقتي. كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله: لست مني. وهكذا في نظائره، مثل قوله: "من حمل علينا السلاح فليس مني". وكان سفيان بن عيينة يكره تفسير مثل هذا ويقول: بئس مثل هذا القول. بل يمسك عن تأويله؛ ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر. انتهى. وفي الحديث دلالة على تحريم الغش، وأن (ب) فاعله ليس من المقتدين

стр. 2178

بالنبي ﷺ . والغش مجمع على تحريمه عند المتَشرعين، مذموم مرتكبه بفطرة العقول. ٦٥٣ - وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه ممن يتخذه خمرا فقد تقحّم النار على بصيرة". رواه الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن (١). هو أبو سهل عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، قاضي مَرْو، تابعيّ من مشاهير التابعين وثقاتهم، سمع أباه وسمرة بن جندب وعمران بن حصين وعبد الله بن مُغَفّل، وروى عنه ابنه سهل وحسين المكَتِّب وعبد الله بن مسلم المروزي الأسلمي، مات بِمَرْوَ، وله عند المَراوِزة حديث كثير. والحديث أيضًا أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢) من حديث بريدة، وهو بزيادة: "حتى يبيعه من يهودي أو نصراني، أو ممن يعلم [أنه] (أ) يتخذه خمرا، فقد تقدم في النار على بصيرة". والزيادة هي أيضًا في رواية الطبراني. قوله: "أيام القطاف". أي الأيام التي يقطف فيها العنب للانتفاع به. وهو يدل على تحريم البيع المذكور؛ لاستحقاق [البائع] (ب) دخول النار، وهو

стр. 2179

مع القصد محرم إجماعًا، والحديث يدل عليه، وأما من دون قصد، فذهب الهادي إلى جوازه مع الكراهة. وتأوله المؤيد بالله بأن ذلك مع الشك في فعله، وأما إذا علم فهو محرم. ويقاس على ذلك ما كان يستعان به في المعصية. وأما ما كان لا يفعل إلا للمعصية؛ وذلك مثل آلات الملاهي كالمزامير والطنابير ونحوهما، فلا يجوز بيعها ولا شراؤها إجماعًا، وكذلك بيع السلاح والكراع من الكفار والبغاة إذا كانوا يستعينون به على حرب المسلمين، فإن ذلك لا يجوز، إذ فيه إعانة لهم، إلا أن يباع بأفضل منه، جاز. وقوله: "اقتحم (أ) النار". أي: دخل النار. "على بصيرة". أي: عِلْم منه بالسبب الموجب لدخوله. والله أعلم. ٦٥٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الخراج بالضمان". رواه الخمسة، وضعفه البخاري وأبو داود، وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان والحاكم وابن القطان (١). الحديث أخرجه الشافعي وأحمد (٢) وأصحاب "السنن" والحاكم من طريق عروة عن عائشة مطولًا، وهو أن رجلًا اشترى غلامًا في زمن

стр. 2180

رسول الله ﷺ ، [فكان] (أ) عنده ما شاء الله، ثم ردّه من عيب وجده فيه، فقضى رسول الله ﷺ برده بالعيب، فقال المقضي عليه: قد استعمله. فقال رسول الله ﷺ : "الخراج بالضمان". وأخرجوه مختصرًا. وأخرجه الشافعي (١) أيضًا من طريق أخرى عن ابن أبي ذئب عن مخلد بن خُفاف، أنه ابتاع غلامًا، فاستغله ثم أصاب به عيبا، فقضى له عمر بن عبد العزيز برده ورد غلته، فأخبره عروة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان، فرد عمر قضاءه، وقضى لمخلد بالخراج. الخراج: الغلة والكراء. ومعناه أن المبيع (ب) إذا كان له دخل وغلة، فإن مالك الرقبة الذي هو ضامن لها يملك خراجها لضمان أصلها، فإذا ابتاع رجل أرضًا فاستغلها، أو ماشية فنُتِجها، أو دابة فركبها، أو عبدًا فاستخدمه، ثم وجد به عيبا، فله أن يرد الرقبة، ولا شيء عليه فيما انتفع به؛ لأنها لو تلفت ما بين مدة الفسخ والعقد لكانت من ضمان المشتري، فوجب أن يكون الخراج له. وقد ذهب إلى هذا الشافعي وقال: ما حدث في ملك المشتري من غلة ونتاج ماشية وولد أمة، أو كراء أو غيره من الفوائد الفرعية والأصلية، فهو سواء، ويرد المبيع ما لم يكن ناقصًا عما أخذه. وذهب أهل الرأي إلى أن المشتري يستحق الفوائد الفرعية كالكراء، وأما

стр. 2181

الفوائد الأصلية كالثمر، فإن كانت باقية ردّها مع الأصل، وإن كانت تالفة امتنع الرد واستحق الأرش. وذهب مالك إلى التفرقة في الفوائد الأصلية فقال: الصوف والشعر يستحقهما المشتري، والولد لا يستحقه، بل يرده مع أمه. ولعله يقول: مع تلفه. مثل قول أهل الرأي. وذهبت الهدوية إلى التفرقة بين الأصلية والفرعية؛ فقالوا: يستحق المشتري الفرعية، وأما الأصلية فتصير في يد المشتري أمانة، فإن ردّ المشتري المبيع بالحكم وجب الرد ويضمن التالف، وإن كان بالتراضي لم يردها. وهذا ما لم تكن متصلة [بالمبيع] (أ) وقت الرد، فإن كانت متصلة وجب الرد لها إجماعًا. هذا تفصيل الأقوال، وظاهر الحديث يقضي بما ذهب إليه الشافعي. واختلف العلماء فيما إذا كان المعيب أمة وقد وطئها المشتري، ثم انكشف فيها العيب؛ فذهب الهدوية والحنفية إلى أنه يمتنع الرد، لأن الوطء جناية. قالوا: وكذلك المقدمات والجناية من حيث إنه لا يحل وطء الأمة لأصل المشتري ولا لفصله، فقد عيبها بذلك، ولكنه يرجع على البائع بأرش العيب. وقال بهذا الثوري وإسحاق بن راهويه. وقال ابن أبي ليلى: يردها ويرد معها مهر مثلها. وقال مالك: إن كانت ثيبًا ردّها ولا يرد معها شيئًا، وإن كانت بكرا فعليه ما نقص من ثمنها. وقال الشافعي: إن كانت ثيبًا ردّها ولا شيء عليه، وإن كانت بكرا لم يكن له ردها، ورجع بما نقص من أصل الثمن. وقاست الحنفية الغصب على البيع؛ من أجل أن ضمانها على

стр. 2182

الغاضب، فلم يجعلوا عليه رد الغلة، واحتجوا بعموم الحديث. وهو إنما ورد في البيع، وهو عقد يكون بين المتعاقدين بالتراضي، وليس الغصب بعقد وعن تراض بين المتعاقدين، فيكون هذا فرقًا بينهما، فلا يصلح أن يكون من باب القياس، وأما إذا قيل: هو من باب العموم. والعموم لا يقصر على سببه، فلا يرد هذا. قال الخطابي (١): والحديث مبهم؛ لأن قوله: "الخراج بالضمان". يختمل أن يكون معناه أنه يملك الخراج بضمان الأصل، ويحتمل أنه في معنى أَن ضمان الخراج [بضمان] (أ) الأصل، واقتضاء العموم [من] (ب) اللفظ المبهم ليس [بالبين الجواز] (جـ)، والحديث في نفسه ليس بالقوي، إلا أن أكثر العلماء قد استعملوه في البيوع، والأحوط أن يتوقف عنه فيما سواه. انتهى. ٦٥٥ - وعن عروة البارقي ﵁ أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري به أضحية أو شاة، فاشترى به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فأتاه بشاة ودينار، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى ترابًا يربح فيه. رواه الخمسة إلا النسائي (٢)، وقد أخرجه البخاري (٣) ضمن حديث ولم

стр. 2183

يسق لفظه، وأورد (أ) له الترمذي (ب) (١) شاهدًا من حديث حكيم بن حزام. الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني (٢)، وفي إسناده سعيد بن زيد (٣) أخو حماد، مختلف فيه، عن أبي لبيد لِمَازة بن زبَّار (جـ) (٤)، وقد قيل: إنه مجهول. لكنه وثقه ابن سعد (٥)، وقال حرب: سمعت أحمد أثنى عليه. قال المنذري و [النووي] (د): إسناده حسن صحيح؛ لمجيئه من وجهين. وقد رواه البخاري (٦) من طريق ابن عيينة عن شبيب بن غرقدة (هـ): سمعت الحي يحدثون عن عروة. ورواه الشافعي (٧) عن ابن عيينة، وقال: إن صح قلت به. وقال في "البويطي" (٨): إن صح حديث عروة فكل من باع أو

стр. 2184

أعتق ملك غيره ثم رضي (أ)، فالبيع والعتق جائز، ونقل المزني عنه أنه ليس بثابت عنده. قال البيهقي (١): إنما ضعفه لأن الحي غير معروفين. وقال في موضع آخر: هو مرسل؛ لأن شبيب بن غرقدة لم يسمعه من عروة، وإنما سمعه من الحي. قال الخطابي (٢): هو غير متصل؛ لأن الحي حدثوه عن عروة. وقال الرافعي في "التذنيب": مرسل. قال المصنف رحمة الله عليه (٣): والصواب أنه متصل، في إسناده مبهم، وفي الشاهد الذي أورده أبو داود من حديث حكيم ضعيف؛ من حيث إن في إسناده عن شيخ من أهل المدينة وهو مجهول. قال البيهقي: ضعف من أجل هذا الشيخ. انتهى. وفيه مخالفة لهذا الحديث؛ لأن فيه أنه أعطاه دينارًا يشتري به أضحية، فاشترى به ثم باعها بدينارين، ثم اشترى بدينار، وأتى النبي ﷺ بدينار وأضحية، فتصدق به النبي ﷺ ، ودعا له أن يبارك له في تجارته. الحديث فيه دلالة على أن عروة شرى ما لم يُوكَّل بشرائه، وباع كذلك؛ لأنه أعطاه دينارًا لشراء أضحية، فلو وقف على الأمر لشرى ببعض الدينار الأضحية ورد البعض، وهذا الذي فعله هو العقد الموقوف الذي ينفذ بالإجازة وقد وقعت، وذهب إلى صحة العقد الموقوف جماعة من السلف؛ منهم علي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر والهادي والمفرعون على

стр. 2185

مذهبه، وذهب الشافعي وأصحابه والناصر إلى القول بعدم صحته، وأن الإجازة لا تصححه؛ محتجين بأنه ﷺ قال: "لا تبع ما ليس عندك". وهو شامل للمعدوم وملك الغير، والحديث تردد الشافعي في صحته، وعلق القول به على صحته، وقد قال به في القديم، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز البيع لا الشراء، [و] (أ) لعله يفرق بينهما بأن البيع إخراج عن ملك المالك، وللمالك حق في [استبقاء] (ب) ملكه، فإذا أجاز فقد أسقط حقه؛ بخلاف الشراء، فإنه إثبات لملك (جـ)، فلا بد من تولِّي المثبت لذلك. وذهب إلى العكس مالك، ولعله للجمع بين الحديثين وهو: "لا تبع ما ليس عندك". أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي (١)، وحديث عروة، فيعمل منه بما لم يعارض. وذهب الجصاص إلى صحته في بعض؛ وهو ما إذا وكل بشراء شيء فشرى بعضه، لا في غير ذلك. ويدل حديث [عروة] (د) على جواز بيع الأضحية وإن تعينت بالشراء لإبدال المثل، وقد ذهب إليه الهدوية، وزيادة الثمن لا تطيب، ولذلك أمره بالتصدق. ويستنبط من هذا أن فوائد الأضحية والهدي يجب التصدق بهما،

стр. 2186

وظاهر هذا أنه يجوز التصدق ولو قبل الذبح، وإن كان الهدوية قالوا: إنه لا يتصدق إلا بعد الذبح. وفي دعاء النبي ﷺ لهما بالبركة دلالة على أنه يُشكَر الصنيع لمن فعل المعروف، ويجازَى ولو بالدعاء. ٦٥٦ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعن بيع ما في ضروعها، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص. رواه ابن ماجه والبزار والدارقطني بإسناد ضعيف (١). وأخرجه أحمد (٢) من حديث شهر بن حوشب. وللترمذي (٣) منه شراء المغانم، وقال: حديث غريب. وكذا أخرجه النسائي (٤) من حديث ابن عباس، وأبو داود وأحمد (٥) من حديث أبي هريرة. وشهر تكلم (أ) فيه جماعة، كالنضر بن شميل والنسائي وابن عدي ويحيى بن سعيد وغيرهم (٦). وقال البخاري (٧): شهر حسن الحديث.

стр. 2187

وقوَّى أمره. وقال يعقوب بن شيبة (١): شهر ثقة طعن فيه بعضهم. وروي عن أحمد أنه قال: ما أحسن حديثه (٢). وهو حمصي. الحديث فيه دلالة على عدم صحة بيع ما ذكر، أما الحمل الذي في بطن الحيوان واللبن في الضرع فهو مجمع على ذلك؛ لما فيه من الغرر، وقد تقدم (٣). وأما العبد الآبق فهو منهي عن بيعه، والعلة تعذر التسليم وإن كان ذاته معلومة متميزة (أ)؛ ولذلك قال الفقهاء: إنه يثبت الخيار للبائع والمشتري ويصح البيع. وأما شراء المغانم قبل القسمة فلعدم الملك، وكذا الصدقات قبل القبض، فإنه لا يصح؛ لأنه لا يستقر ملك المتصدَّق عليه إلا بعد القبض. واستثنى الفقهاء من ذلك بيع المصدق للصدقة قبل القبض بعد التخلية، فإن ذلك يصح؛ لأنهم جعلوا التخلية كالقبض في حقه. وضربة الغائص هو أن يقول: أغوص في البحر غوصة بكذا، فما خرج فهو لك. والعلة في ذلك هو الغرر. ٦٥٧ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر". رواه أحمد (٤)، وأشار إلى أن الصواب وقفه. الحديث فيه دلالة على المنع من شراء السمك وهو في الماء، والعلة في

стр. 2188

ذلك هو لا فيه من الغرر؛ لأنه يتجافي في الماء، ويُرى ما هو حقير عظيما. وظاهر الحديث الإطلاق، وللفقهاء تفصيل في ذلك؛ وهو أنه إن كان في ماء كثير لا يمكن أخذه إلا بتصيد ويجوز عدم الأخذ، فالبيع غير صحيح، وإن كان فيما لا يفوت فيه ويؤخذ بتصيد، فالبيع صحيح، ويثبت فيه خيار [بعد] (أ) التسليم، وإن كان لا يحتاج إلى تصيد، فالبيع صحيح ويثبت فيه خيار الرؤية. وهذا التفصيل يؤخذ من الأدلة، والتعليل المقتضي للإلحاق مخصص للعموم، والله أعلم. ٦٥٨ - وعن ابن عباس ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تباع ثمرة حتى تُطعِم، ولا يباع صوف على ظهر، ولا لبن في ضرع. رواه الطبراني في "الأوسط" والدارقطني، وأخرجه أبو داود في "المراسيل" لعكرمة وهو الراجح، وأخرجه أيضًا موقوفًا على ابن عباس بإسناد قوي، ورجحه البيهقي (١). قوله: أن تباع ثمن حتى تُطعِم. تُطعِم: بضم التاء وكسر العين. أي: يبدو صلاحها ويطيب أكلها، والنسبة إليها (ب) مجاز عقلي، وسيأتي الكلام في ذلك. وقوله: ولا سماع صوف على ظهر. فيه دلالة على عدم صحة ذلك،

стр. 2189

وقد ذهب إلى هذا العترة وأبو حنيفة والشافعي؛ لأنه يقع الاختلاف في موضع القطع من الحي ويؤدي إلى ضرر الحيوان؛ ولذلك إن ذلك إنما هو في الحي دون المذكى. وذهب الثوري ومالك وأبو يوسف إلى صحة البيع، قالوا: لأنه مشاهد يمكن تسليمه فيصح كمِن (أ) المذبوح، والحديث موقوف على ابن عباس. والجواب أنه قد روي وإن كان مرسلًا، ولكنه قد تعاضد المرسل والموقوف فقوي، فصح العمل بذلك، والغرر حاصل فيه، وقد صحَّ النهي عن بيع الغرر (١). وقوله: ولا لبن في ضرع. فيه دلالة كذلك على عدم الصحة في ذلك ولما فيه من الغرر. وذهب سعيد بن جبير إلى صحة ذلك؛ قال: لأنه كالمال في الكيس، ورزمة من الثياب في ظرف (ب)، ولأنه ﷺ سمى الضرع خزانة؛ لقوله فيمن يحلب شاة غيره بغير إذنه: "يعمد أحدكم إلى خزانة أخيه فيأخذ ما فيها" (٢). والجواب كالأول، والحديث ليس التسمية حقيقة، بل هو استعارة، والله أعلم. ٦٥٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ نهى عن بيع المضامين والملاقيح. رواه البزار (٣)، وفي إسناده ضعف. الحديث أخرجه إسحاق بن راهويه والبزار من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وفي إسناده صالح بن أبي الأخضر عن الزهري وهو

стр. 2190

ضعيف (١). وقد رواه مالك في "الموطأ" (٢) عن الزهري عن سعيد مرسلًا، قال الدارقطني في "العلل" (٣): تابعه معمر، ووصله عمر بن قيس عن الزهري، وقول مالك هو الصحيح. وفي الباب عن عمران بن حصين أخرجه ابن أبي عاصم (٤)، وعن ابن عباس أخرجه الطبراني [في "الكبير"] (أ) والبزار (٥)، وعن ابن عمر أخرجه عبد الرزاق (٦) بإسناد قوي. المضامين: المراد بها ما في بطون الإبل. والملاقيح: هو (ب) ما في ظهور الجمال. وهو يدل على عدم صحة بيع ذلك، وهو إجماع، وقد تقدم. ٦٦٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أقال مسلمًا بيعته أقال الله عثرته". رواه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم (٧).

стр. 2191

الحديث صححه الحاكم (١) من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: "من أقال مسلما أقاله الله عثرته يوم القيامة". قال أبو الفتح القشيري (أ): هو على شرطهما. وصححه ابن حزم (٢). وقال ابن حبان (٣): ما رواه عن الأعمش إلا حفص بن غياث (ب)، ولا عن حفص إلا يحيى بن معين، ورواه عن الأعمش أيضًا مالك بن سُعَير (جـ)، تفرد به عنه زياد بن يحيى الحساني. وأخرجه البزار (٤)، ثم أورده من طريق إسحاق الفروي عن مالك عن [سمي] (د) عن أبي صالح بلفظ: "من أقال نادما". وقال: ابن إسحاق تفرد به. وذكره الحاكم في "علوم الحديث" (٥) من طريق معمر عن محمد بن واسع عن أبي صالح، وقال: لم يسمعه معمر من محمد، ولا محمد من

стр. 2192

أبي صالح. وأخرجه عبد الرزاق (١) عن معمر عن يحيى بن أبي كثير مرسلًا بلفظ: "من أقال مسلما بيعته أقال الله نفسه يوم القيامة، ومن وصل صفًّا وصل الله خَطْوَه يوم القيامة". وأخرجه البيهقي (٢) عن أبي هريرة بلفظ: "من أقال نادما أقاله الله يوم القيامة". وأخرجه ابن النجار (٣) بلفظ: "من أقال أخاه المؤمن عثرته في الدنيا أقاله الله عثرته يوم القيامة". الحديث فيه دلالة على ندبية الإقالة. والإقالة في اللغة: الرفع (٤). وفي الشرع: رفع العقد الواقع بين المتعاقدين، وهي مشروعة إجماعًا، ولا بد من اللفظ المفيد (أ) لذلك، وهو لفظ: أقلت. أو: أنت مُقال. أو: أقالك الله، علي ما جرى به العرف. واعلم أن الإقالة لها أحكام وشرائط مفصلة في كتب الفروع؛ فشروطها اللفظ المفيد (أ) لذلك كما عرفته، وأن تكون بين المتعاقدين مالكين أو وَليَّينْ لا وكيلين بالبيع والشراء، ويصح التوكيل بها، وأن تكون في مبيع باق جميعه

стр. 2193

أو بعضه؛ فتصح الإقالة فيما بقي لم يزد زيادة متصلة، وأما المنفصلة فتكون للمشتري، ولا يمنع، وتكون بالثمن الأول، ويلغو (أ) اشتراط خلافه ولو في الصفة (ب)، وأحكامها أن تكون بيعًا في حق الشفيع؛ يعني أن للشفيع أن يشفع بعد الإقالة ولو كانت شفعته قد بطلت من قبلها، وهذا مجمع عليه إلا رواية عن أبي ثور أنها فسخ مطلقًا، وإنما كانت كذلك لأنها في المعنى مبادلة بمالين، وهذا هو معنى البيع، وفي حق غير الشفيع فسخ اعتبارًا باللفظ، وليس لفظها لفظ البيع فاعتبر اللفظ، وإنما لم يعكس؛ لأن اللفظ قائم بالمتعاقدين فاعتبرناه في حقهما، وتعين اعتبار المعنى في حق غير المتعاقدين وهو الشفيع عملًا بالجهتين جميعًا. ومن أحكامها إذا كانت فسخًا أنه لا يعتبر المجلس في الغائب، ولا تلحقها الإجازة، ويصح قبل القبض، ويصح البيع قبله بعد الإقالة، ويصح أن تكون مشروطة بشرط مستقبل، ويصح أن يتولى طرفيها (جـ) واحد ولا يرجع عنها قبل قبولها، وهذا إذا أتى بلفظ الإقالة. وإن أتى بلفظ الفسخ فهي فسخ في حق الشفيع وغيره، فلا تثبت فيه الشفعة. وهذه التفاصيل من الأحكام والشروط لم يدل عليها الحديث ودلالته علي كونها بين المتبايعين لقوله: "بيعته". ولفظ: "أقال" لا يدل على اشتراط هذا اللفظ (د)؛ لأن المقصود إنما هو تحصيل المعنى وهو رفع العقد، وكونه مسلمًا حكم أغلبي، أو لأنه لما كان المقصود الترغيب لإدراك الثواب

стр. 2194

الأخروي، والثواب الكامل إنما هو في حق المسلم، فخص بالذكر لذلك. وقوله: "أقال الله عثرته". مراد به غفران الزلة، وعبّر عنه بالإقالة للمشاكلة، ولأنه يلزم من غفران الزلة رفع تبعتها. والإقالة هي رفع العقد، فهو من باب المجاز المرسل إطلاقًا للازم على الملزوم، والمشاكلة محسنة لذلك. والله أعلم.

стр. 2195

بَابُ الخِيَار الخيار: بكسر الخاء [المعجمة] (أ) اسم من الاختيار أو التخيير، وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه. والمذكور في هذا الباب خيار المجلس وخيار الشرط. ٦٦١ - عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعًا، أو يُخيِّر أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع". متفق عليه واللفظ لمسلم (١). اللفظ في "الصحيحين" جميعًا من حديث الليث عن نافع عن ابن عمر. قوله: "إذا تبايع الرجلان". ظاهره أوقعا العقد بينهما لا تساوما من دون عقد. وقوله: "وكل واحد منهما بالخيار". ظاهر في أن كلا من المتبايعين له

стр. 2196

أن يختار الفسخ (١). وقوله: "مما لم يتفرقا". وقع في هذا اللفظ كذا، ووقع في لفظ للنسائي (أ): "ما لم يفترقا". بتقديم الفاء. ونقل ثعلب عن المفضل (ب) بن سلمة أنه يقال (٢): افترقا بالكلام وتفرقا بالأبدان. ورده ابن العربي بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٣). فإنه ظاهر في التفرق بالكلام؛ لأنه بالاعتقاد، وأجيب بأن المراد به التفرق بالأبدان؛ لأن من خالف في العقيدة كان مفارقًا لمن خالفه ببدنه بحسب الأغلب، والحق أن ما ذكره [المفضل] (جـ) هو في المعنى الحقيقي، ولكنه يخالف إلى المجاز اتساعًا. وقوله: "أو يخير أحدهما". بإسكان الراء عطف على: "يتفرقا"، ويجوز النصب على أنَّ "أو" بمعنى "إلا أن". وقوله: "أو يخير أحدهما الآخر" إلى آخره. اختلف في معنى هذا؛ فذهب الجمهور والشافعي إلى أن المراد به هو أنهما إذا اختارا إمضاء البيع قبل التفرق لزم البيع حينئذٍ، وبطل اعتبار التفرق، وحكى ابن المنذر عن أبي ثور أن المعنى أنه إذا اشترط أحدهما الخيار مدة معينة فإن الخيار لا ينقضي بالتفرق، بل يبقي حتى تمضي مدة الخيار التي شرطاها، وهذا التأويل ظاهر في هذه الرواية، ويرد رواية مالك (٤)

стр. 2197

وهي: "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار". وكذا رواية أيوب عن نافع: "ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر". وربما قال: "أو يكون بيع خيار" (١). إلى هذا التأويل. وإن كان لفظ: "أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر". أقرب إلى التفسير الأول. وقيل في تأويل قوله: "إلا بيع الخيار". أي: إلا أن يكون بيع خيار. أي: هما بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن يتخايرا ولو قبل التفرق، وإلا أن يكون البيع بشرط الخيار ولو بعد التفرق. وهو قول يجمع التأويلين (أ) الأولين. والحديث فيه دلالة على أنه يثبت خيار المجلس للمتبايعين، وأنه يمتد إلى أن يحصل الافتراق بالبدن بينهما. وقد ذهب إلى هذا علي وابن عباس وابن عمر (٢) وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين الشعبي والحسن البصري وعطاء والزهري، ومن الأئمة الصادق وزين العابدين والإمام يحيى والشافعي أحمد وإسحاق وأبو ثور، قالوا: والتفرق المبطل للخيار ما يسمى في العادة تفرقًا؛ ففي المنزل الصغير بخروج أحدهما، وفىِ الكبير التحول من مجلسه إلى آخر بخطوتين أو ثلاث؛ كفعل ابن عمر (٣). فإن قاما جميعًا وذهبا معًا فالخيار باقٍ؛ لقضاء أبي برزة (٤) بذلك مستندًا (ب) إلى قضاء النبي ﷺ ، فإن

стр. 2198

جُعل بينهما حائط أو سترة لم ينقطع، ولا بإمضاء أحدهما من دون الآخر، ولا بإكراههما على التفرق، ولا بجنون أحدهما أو نحوه. قال الإمام يحيى: فإن استمر ناب عنه وليه، وكذا لو خرس ولم تمكنه الإشارة، ويثبت للوكيل، فإن مات انتقل إلى الأصل، وإن تقابضا ثم تبايعا صحَّ الثاني، إذ (أ) العقد الثاني إبطال للخيار، وإن مات المتعاقدان انتقل إلى الوارث وإلا فالحاكم، وييطل بإبطالهما إياه قولًا حال العقد أو بعده لا قبله، أو فعلا كبيع المبيع أو إعتاقه أو نحوه، والقول لمنكر التفرق والفسخ؛ إذ الأصل عدمهما. هذا تفريع قول من قال به. وذهب زيد بن علي والهدوية وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والعنبري والإمامية وغيرهم إلى عدم ثبوت خيار المجلس، وأنه بعد تفرق المتبايعين بالقول لا خيار حينئذٍ إلا بالشرط (ب)، محتجين بقوله تعالى: ﴿إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (١). وقوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢). ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٣). فلم يفصل، وقوله ﷺ : "إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع" (٤). ولم يفصل ولا صرّح في رواية بقدر تفرقة الأبدان. وأخرج ابن أبي شيبة (٥) بإسنادٍ

стр. 2199

صحيح عن إبراهيم النخعي قال: البيع جائز وإن لم يتفرقا. واختلفوا في الجواب عن حديث الباب؛ فقال بعضهم: لا يعمل (أ) به؛ لأنه معارض لما هو أقوى منه. وقال بعضهم: هو منسوخ بحديث: "المسلمون على شروطهم" (١). والخيار بعد لزوم العقد يفسد الشرط، وبحديث التحالف عند اختلاف المتبايعين (٢)؛ وذلك لأن الاحتياج إلي اليمين يستلزم لزوم العقد، لأن ظاهره الإطلاق قبل التفرق [وبعده] (ب) , وبقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. والإشهاد إن وقع بعد التفرق لم يطابق الأمر، وإن (جـ) وقع قبل التفرق لم يصادف محلًّا. وقد أجيب عن المعارضة والنسخ (د) بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الدليلين مهما أمكن لا يصار معه إلى الترجيح، والجمع ممكن هنا بغير تعسف ولا تكلف. وقال بعضهم: هو من رواية مالك، وقد عمل بخلافه. ويجاب عنه بأن مخالفة الراوي لا تبطل العمل به بم لأن ذلك مبني على اجتهاده، ولعله ظهر له دليل أرجح في اجتهاده وهو غير راجح في نفس الأمر. وقال بعضهم: هو معارض بعمل أهل المدينة. ونقل ابن السكن عن أشهب أنه مخالف لعمل أهل مكة أيضًا، وردّ بأنه قد عمل به جماعة من أهل المدينة كابن عمر، ثم سعيد بن المسيب ثم الزهري ثم ابن أبي ذئب، وهؤلاء من أكابر علماء المدينة في أعصارهم، ولا يحفظ خلافه عن أحد من

стр. 2200

علماء المدينة إلا ما روي عن ربيعة. وأما أهل مكة فإنه قد قال به عطاء وطاوس وغيرهما، ولم يعلم مخالف منهم، وقال ابن العربي (١): إنما لم يأخذ به مالك لأن وقت التفرق غير محدود، فأشبه بيع الغرر. ورد عليه بأن مالكا أثبت خيار الشرط وإن لم يحد بوقت معينٍ، فالغرر فيه موجود مع أنه غير مسلم أن في ذلك غررًا؛ لأن كلًّا [منهما] (أ) متمكن من إمضاء البيع أو فسخه بالقول أو [بالفعل] (ب). وقال بعضهم: لا يعمل به لأنه خبر واحد فيما تعم به البلوى. ورد بأن الذي تعم به البلوى إنما هو البيع، وأما الفسخ فلا؛ فإنه بحسب الأغلب أن البيعين [يرضيان] (جـ) بما ابتاعا، وبأن ذلك غير مسلم، فإن المعتمد في قبول الرواية إنما هو عدالة الراوي وضبطه لما روى من غير فرق، وأن ذلك إنما هو إذا كانت العادة تقضي بأن مثل المنقول حقه ألا يخفى [كقتل] (د) خطب على منبر وغيره، وأما الأحكام الجزئية فإن النبي ﷺ كان يبلغها إلى الآحاد والجماعة وهذا منها. وقال بعضهم: هو مخالف للقياس الجلي في إلحاق ما قبل التفرق بما بعده. ورد بأن القياس مع النص لا يعتبر. وقال بعضهم: إنه محمول على الاستحباب تحسينًا للمعاملة. وقال بعضهم: هو محمول على الاحتياط للخروج من الخلاف. وكلاهما خلاف الظاهر. وقالت طائفة: المراد بالتفرق هو التفرق بالقول كما في عقد النكاح

стр. 2201

والإجارة والعتق. ورد بأنه قياس مع الفرق؛ لأن البيع ينقل منه ملك رقبة المبيع [ومنفعته] (أ) بخلاف النكاح ونحوه. وقال بعضهم: المراد بالمتبايعين المتساومان. ورد بأنه مجاز والحمل علي الحقيقة أو ما يقرب منها أولى. وقال الطحاوي (١) (ب): استعمال البائع في المساوم شائع في اللغة. واحتج بآيات وأحاديث، ورد بأن استعماله مجاز عند القرينة لا تقتضي حمله عليه عند عدم القرينة كما في غيره من المجازات. وقال من قال بهذا القول: وقت التفرق في الحديث هو ما بين قول البائع: بعتك هذا بكذا. و [بين] (جـ) قول المشتري: اشتريت. قالوا: فالمشتري بالخيار في قوله: اشتريت. أو تركه، والبائع بالخيار إلى (د) أن يوجب المشتري. وهكذا حكاه الطحاوي عن عيسى بن أبان من الحنفية، وحكاه ابن خويزمنداد عن مالك. قال عيسي بن أبان: وفائدته تظهر فيما لو تفرقا قبل القبول؛ فإن القبول يتعذر. قالوا: لا بد من الرجوع إلى المجاز على المذهبين، أما على القول بالتفرق بالأقوال فلأنه لا يسمى بيعا قبل تمام العقد؛ لأنه مستقبل، واسم الفاعل حقيقة في الحال مجاز في المستقبل، وعلى القول بأن التفرق بالأبدان هو بعد تمام الصيغة قد مضى، فهو مجاز في الماضي. ورد بأنا لا نسلم أنه مجاز في الماضي بل هو حقيقة فيه كما ذهب إليه الجمهور بخلاف المستقبل فمجاز اتفاقًا، وعلى قول من يقول: إنه مجاز في الماضي. فهو

стр. 2202

أقرب المجازين؛ لقربه من الحقيقة، لتحقق قيام الفاعل بالوصف، وفي المستقبل مجاز بعيد، فالحمل على القريب عند تعذر الحقيقة هو الأولى. وقال بعضهم: العمل بظاهر الحديث متعذر فيتعين التأويل؛ وذلك لأن المتبايعين إن اتفقا في الفسخ أو الإمضاء لم يثبت لواحد منهما على الآخر خيار، وإن اختلفا فالجمع بين الفسخ والإمضاء جمع بين النقيضين وهو مستحيل. وأجيب بأن الخيار إنما هو في الفسخ، وأما الإمضاء فلا حاجة إلى اختياره فإنه مقتضى العقد مع السكوت. وقال بعضهم: هذا الحديث معارض بحديث ابن عمرو؛ أخرجه أبو داود مرفوعًا (١): "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله". فإن قوله: "أن يستقيله". يدل على نفوذ البيع وأن تُؤول الاستقالة بالفسخ، فللمعترض أن يتأول قوله: "بالخيار". أي: بالاستقالة. فإذا تعارض التأويلان رجع إلى الترجيح. ويرد عليه بأن الترجيح مع المثبت لخيار المجلس؛ وذلك لأن حمل الاستقالة على الفسخ أوضح من حمل الخيار على الاستقالة؛ لأنه لو كان المراد بها الاستقالة حقيقة لم يكن للمفارقة معنى، فتعين حملها على الفسخ، وعلى ذلك حمله الترمذي وغيره من العلماء؛ فقالوا (٢): معناه: لا يحل له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار فسخ البيع (أ)، فالمراد بالاستقالة فسخ النادم. وحملوا نفي الحل على الكراهة؛ لأنه لا يليق [بالمروءة] (ب) وحسن معاشرة

стр. 2203

المسلم، إلا (أ) أن اختيار الفسخ حرام. قال ابن حزم (١): احتجاجهم بحديث ابن عمرو على أن التفرق بالقول تذهب معه فائدة الحديث؛ لأنه يلزم منه حل التفرق، سواء خشي أن يستقيله أو لا؛ لأن الإقالة تصح قبل التفرق وبعده. قال ابن عبد البر (٢): قد أكثر المالكية والحنفية من الكلام لرد الحديث بما يطول ذكره، وأكثره لا يحصل منه شيء. ٦٦٢ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "البائع والمبتاع بالخيار حتَّى يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله". رواه الخمسة إلا ابن ماجة، والدارقطني وابن خزيمة وابن الجارود (٣). وفي رواية (٤): "حتَّى يتفرقا عن مكانيهما". تقدم الكلام في الحديث قريبًا، روي أن ابن عمر كان إذا بايع رجلًا فإن أراد أن يتم بيعه قام فمشى هنيهة فرجع إليه. وقد ذكره الرافعي أيضًا وهو متفق عليه (٥).

стр. 2204

وللترمذي (١): وكان ابن عمر إذا ابتاع بيعًا وهو قاعد قام ليجب له. وفي البخاري (٢) قصة لابن عمر مع عثمان في ذلك. ولعل ابن عمر لم يبلغه النهي المذكور. ٦٦٣ - وعن ابن عمر قال: ذكر رجل لرسول الله ﷺ أنَّه يُخْدَع في البيوع، فقال: "إذا بايعت فقل: لا خِلابة". متفق عليه (٣). الرجل سماه ابن الجارود في "المنتقى" (٤) من طريق سفيان عن نافع أنَّه حَبَّان بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة، وكذلك في رواية ابن إسحاق، وذُكر في رواية ابن إسحاق أنَّه شكا إلى النبي ﷺ ما يلقى من الغَبْن (٥). وقد أخرجه أحمد وأصحاب "السنن" وابن حبان والحاكم (٦) من حديث أنس بلفظ: أن رجلًا كان يبايع وكان في [عقدته] (أ) - أي إدراكه - ضعف. وقوله: "لا خِلَابة". بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام، أي: لا خديعة. و"لا" لنفي الجنس، أي: لا خديعة في الدين؛ لأن الدين

стр. 2205

النصيحة. زاد ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير وعبد الأعلى (١) عنه: "ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال، فإن رضيت فأمسك، وإن سخطت فاردد". فبقي حتَّى أدرك زمان عثمان وهو ابن مائة وثلاثين سنة، فكثر الناس في زمان عثمان، فكان إذا اشترى شيئًا فقيل له: إنك غبنت فيه. رجع فيشهد له رجل من الصحابة بأن النبي ﷺ قد جعله بالخيار ثلاثا، فيرد له دراهمه. والحديث فيه دلالة على أنَّه يثبت الخيار لمن يُغبن في الشراء والبيع جميعًا إذا حصل الغبن، وقد ذهب إلى هذا أحمد ورواية عن مالك، ولكن إذا كان الغبن فاحشا لمن لم يعرف قيمة السلعة، وذهب إليه المنصور والإمام يحيى، وقيده البغداديون من المالكية بأن يبلغ الغبن ثلث القيمة. وكأن هذا التقييد فهموه لما علم من أنَّه لا يكاد يسلم أحد من مطلق الغبن في كثير من الأحوال، ولأن القليل يُتسامح به في مجرى العادات، وأن من رضي بالغبن بعد معرفته فذلك لا يُسمى غبنًا، وإنما هو من باب المساهلة في البيع وقد أثني على ذلك. وقد روي في "البحر" عن الناصر مثل هذا ولكنه أطلق. وذهب الجمهور من العلماء إلى عدم ثبوت الخيار بذلك؛ لعموم أدلة البيع ونفوذه من غير فرق بين أن يحصل غبن أو لا. وأجابوا عن حديث حَبَّان بأنه ﷺ إنما جعل لي الخيار لضعف عقله؛ لما روي أنَّه رمي بحجر في

стр. 2206

بعض مغازيه مع النبي ﷺ في بعض الحصون، فأصاب رأسَه مأمومةٌ فتغير بها لسانه وعقله، لكن لم يخرج بذلك عن حد التمييز فيكون حكمه حكم الصبي المأذون له، فيثبت له الخيار مع الغبن، ولأنه ﷺ لقنه اشتراط الخيار بقوله: "لا خِلابة". فكأنه قال: الشراء والبيع مشروط بعدم الخديعة. فإذا انتفى الشرط بطل البيع، أو أن النبي ﷺ إنما لقنه ذلك ليقول عند المعامل له لينبهه بأنه ليس من أهل البصيرة، ليَعْمل معامله بما حث عليه النبي ﷺ من نصيحة المتبايعين كما في حديث (أ) حكيم بن حزام: "فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما" الحديث (١). وقال ابن العربي (٢): الخديعة في هذه [القصة] (ب) يحتمل أن تكون في العيب، أو في الكذب، أو في الثمن، أو في الغبن، فلا يحتج بها في الغبن بخصوصه، وهي قضية خاصة لا عموم فيها. قال: وأما ما روي عن عمر أنَّه كلم في البيوع فقال: ما أجد لكم شيئًا أوسع مما جعل رسول الله ﷺ لحبان بن منقذ ثلاثة أيام. فمداره على ابن لهيعة وهو ضعيف. انتهى، وهو كما قال. أخرجه الطبراني والدارقطني وغيرهما (٣) من طريقه. ويرد عليه بأن في الرواية أنَّه كان يغبن في البيوع، فتعين أن العلة الغبن من المحتملات. واستدل بعضهم بالحديث أنَّه إذا قال: لا خِلابة ثبت الخيار وإن لم

стр. 2207

يكن فيه غبن، والجواب عنه بالتقييد في الرواية أنَّه كان يغبن، واستدل به البعض على أن أمد الخيار المشترط ثلاثة أيام من غير زيادة، ولأنه حكم ورد على خلاف الأصل فيقتصر به على أقصى ما ورد فيه مثل المُصَرَّاة. وبعض المالكية قال: إنما قصره على ثلاث لأنه كان معظم بيعه في الرقيق، وكأنه ما يتبين الخديعة في ذلك إلا فيها، وهذا يحتاج إلى ثبت. واعلم أن الهدوية أثبتوا الخيار لمن تصرف عن الغير، وفي الصبي المميز، واحتجوا بهذا الحديث، وهو يستقيم إذا صح أن حَبَّان حصل في عقله نقص حتَّى صار كالصبي المميز الَّذي ينفذ عقده بالإذن أو الإجازة. وروي أن أهله أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، احجر عليه. فدعاه فنهاه، فقال: لا أصبر عليه. فقال: "إذا بايعت فقل: لا خِلابة" (١). وفي هذا احتمال أنَّه طُلب الحجر لضعف التمييز أو للسفه، وفيه دلالة على صحة منع من هذا حاله من التصرف ونفوذه بالإذن إذا لم يغبن. فائدة: روى مسلم تمام الحديث: فكان إذا بايع يقول: لا [خيابة] (أ). بمثناة من تحت بدل اللام، هكذا في جميع نسخ مسلم (٢)، قال القاضي (٣): ورواه بعضهم: "لا خيانة". بالنون بدل الباء الموحدة. قال: وهو تصحيف. قال: ووقع في بعض الروايات في غير مسلم (٤): خذابة. بالذال

стр. 2208

المعجمة، والصواب الأول، وكان الرجل ألثغ لا يفصح باللام. وهذا اللفظ غير متعين عند من أثبت العمل به، فيصح أن يبدل بلفظ: لا خديعة، أو لا غش، أو غير ذلك. وقال ابن حزم (١) من الظاهرية: لا بد أن يأتي بلفظ: لا خلابة. ويرد عليه بما ورد في مسلم من إبداله اللام بالياء كما عرفت، وله أن يفرق دين ما فات فيه جوهر الكلمة جميعه وما فات فيه البعض. والله أعلم. عدة أحاديث الباب ثلاثة.

стр. 2209

باب الربا الربا (١) مقصور، وهو من ربا يربو، فيكتب بالألف، وتثنيته ربوان، وأجاز الكوفيون كتابته وتثنيته بالياء بسبب الكسر في أوله، وغلَّطهم البصريون، قال العلماء ﵏: وقد كتبوه في المصحف بالواو. وقال الفراء: إنما كتبوه بالواو؛ لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة، ولغتهم الربو، فعلموهم الخط على صورة لغتهم. قال: وكذا قرأه أبو سمالٍ العدوي بالواو، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة بسبب كسرة الراء، وقرأ لباقون بالتفخيم لفتحة الباء (٢)، قال: ويجوز كتبه بالألف والواو والياء. قال أهل اللغة: والرماء بالميم والمد هو الربا، وكذا الرُّبية بضم الراء والتخفيف لغة في الربا. وأصل الربا الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو. إذا زاد في نفسه كقوله تعالي: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (٣). أو زاد مقابله كدرهم بدرهمين، يقال: أربي الرجل وأرْمَى. إذا عامل بالزيادة، فقيل: هو حقيقة فيهما. وقيل: حقيقة في الأول مجاز في الثاني. زاد ابن سريج أنَّه في الثاني حقيقة شرعية. ويطلق الربا على كل ﷺ حرام، وقد أجمع المسلمون على تحريم

стр. 2210

الربا في الجملة وإن اختلفوا في ضابطه وتفاريعه، [قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الَرِّبَا﴾] (أ) (١). والأحاديث فيه كثيرة مشهورة، وروى (ب) مالك (٢) عن زيد بن أسلم في تفسير قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (٣). أنه كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل حق إلى أجل، فإذا حلَّ قال: أتقضي أم تربي؟ فإن قضاه أخذ، وإلا زاده في حقه وزاد الآخر في الأجل. ورواه [الطبري] (جـ) (٤) من طريق عطاء ومن طريق مجاهد نحوه، ومن طريق قتادة، أن ربا [أهل] (د) الجاهلية؛ يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاد وأخّر عنه. ٦٦٤ - عن جابر قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: "هم سواء". رواه مسلم (٥).
следующие страницы →