ولو اشترى الثمرة التي لم يتناه صلاحها شراء مطلقا من غير شرط الترك وتركها بإذن البائع طاب له الفضل، وإن تركها بغير إذنه تصدق بما زاد في ذاته، بأن يقوَّم قبل الإدراك ويُقوم بعد الإدراك، فيتصدق بما زاد من قيمته إلى وقت الإدراك؛ لحصوله بجهة محظورة، كان تركها بعد ما تناهى صلاحها لم يتصدق بشيء؛ لأن هذا تغيُّر حالة لا تحقق زيادة، وهذا في الثمرة، وأما الزرع إذا اشترط بقاءه إلى الإدراك فالشرط (أ) فاسد باتفاق بين أبي حنيفة وصاحبيه (١)، ويقول محمد: إنه لا تعامل للناس فيه بخلاف الثمار. هكذا فصل الكلام في "شرح القُدوري".
وقوله: والملامسة. هي مس الثوب ولا ينظر إليه، وأخرج البخاري (٢) عن الزهريّ أن الملامسة لمس الرجل الثوب بيده بالليل أو بالنهار، والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه، ويكون بيعهما من غير نظر ولا تراض. ولأبي عوانة (٣) هو أن يتبايع القوم السلع لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها، أو يتنابذ القوم السلع كذلك، فهذا من أبواب القمار.
وفي رواية ابن ماجه (٤) من طريق سفيان عن الزهريّ: المنابذة أن يقول: ألق إلي ما معك وألقي إليك ما معي. وللنسائي (٥) من حديث أبي هريرة:
стр. 2137
الملامسة أن يقول الرجل للرجل: أبيعك (أ) ثوبي بثوبك. ولا ينظر أحد منهما إلى ثوب الآخر، ولكن يلمسه لمسًا، والمنابذة أن يقول: أنبذ ما معي وتنبذ ما معك. فيشتري كل منهما من الآخر، ولا يدري كل واحد منهما كم مع الآخر.
وأخرج أحمد (١) عن عبد الرزاق عن معمر: المنابذة أن يقول: إذا نبذت هذا الثوب فقد وجب البيع، والملامسة أن يلمس الثوب بيده [ولا ينشره] (ب) ولا يقلبه، إذا مسه وجب البيع.
ولمسلم (٢) عن أبي هريرة أن الملامسة أن يلمس كل واحد منهما (جـ ثوب صاحبه بغير تأمل، والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر، لم ينظر كل واحد منهما جـ) إلى ثوب صاحبه. وهذا تفسير أبي هريرة أنسب لبقاء المفاعلة على حقيقتها من الطرفين.
واختلف العلماء في تفسير الملامسة على ثلاث صور، وهي أوجه للشافعية (٣)؛ أصحها أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة فيلمسه المستام، فيقول له صاحب الثوب: بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك،
стр. 2138
ولا خيار لك إذا رأيته. الثاني: أن [يجعلا] (أ) نفس اللمس بيعًا؟ بغير صيغة زائدة. الثالث: أن يجعلا اللمس شرطا في قطع خيار المجلس وغيره. والبيع باطل على التأويلات كلها، وعلة البطلان مختلفة في ذلك. فالأول: العلة فيه عند مَنْ يثبت خيار الرؤية هو أنه شرط يرفع موجب العقد، إذ موجبه ثبوت الخيار، وعند الشافعية أن ذلك في حكم بيع الغائب وهو لا يصح بيعه. والثاني: أن ذلك من باب المعاطاة، فعند من يجيزها في المحقَّرات يقول بأن ذلك النهي في غير المحقَّر. ولهذا قال الرافعي: إن الأئمة أجروا في بيع الملامسة والمنابذة الخلاف [الذي] (ب) في المعاطاة. والثالث: مثل الأول عند من يثبت خيار المجلس، وأما عند من لا يثبته فشرط عدم الخيار إذا كان خيار العيب يبطل عند الهدوية والبيع صحيح إذا لم يكسب العقد جهالة. وعند المؤيد بالله وغيره يصح الشرط، فلعلهم يحملون النهي على الكراهة.
والمنابذة اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال؛ وهي أوجه للشافعية، أصحها أن يجعلا نفس النبذ بيعًا كما تقدم في الملامسة. (جـ يعني مع صيغة البيع جـ).
والثاني: أن يجعلا النبذ بيعًا بغير صيغة. والثالث: أن يجعلا النبذ قاطعًا للخيار، وفيه ما تقدم في الملامسة.
واختلفوا في تفسير النبذ؛ فقيل: هو طرح الثوب. وقيل: هو نبذ الحصاة. والصحيح أنه غيره.
واعلم أنه قد استدل بقوله في تفسير الملامسة، وهو أن يمس الثوب ولا
стр. 2139
ينظر إليه، على بطلان بيع الغائب، وهو قول الشافعي في الجديد، وعن أبي حنيفة والعترة: يصح مطلقًا، ويثبت الخيار إذا رآه. وحكي عن مالك والشافعي أيضًا، وعن مالك: يصح إن وصفه وإلا فلا. وهو قول الشافعي في القديم وأحمد وإسحاق وأبي ثور، واختاره البغوي والروياني من الشافعية وإن اختلفوا في تفاصيله، ويؤيده قوله في رواية أبي عوانة التي تقدمت: لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها. واستدل به على بطلان بيع الأعمى مطلقا، وهو قول معظم الشافعية حتى من أجاز منهم بيع الغائب، لكون الأعمى لا يراه بعد ذلك فيكون كبيع الغائب مع اشتراط نفي الخيار، وقيل: يصح إذا وصف له غيره. وبه قال مالك وأحمد، وقالت الهدوية وغيرهم وأبو حنيفة: إنه يصح مطلقا. والله أعلم.
٦٤٣ - وعن طاوس عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تلقَّوا الركبان، ولا حاضر لباد". قلت لابن عباس: ما قوله: "لا يبع حاضر لباد"؟ قال: لا يكون له سمسارًا. متفق عليه، واللفظ للبخاري (١).
قوله: "لا تلقَّوا الركبان". التلقي يكون ابتداؤه من خارج السوق الذي تباع فيه السلعة. يدل عليه حديث عبد الله بن عمر، أخرجه البخاري (٢)؛ قال: كنا نتلقي الركبان فنشتري منهم الطعام، فنهانا النبي ﷺ أن نبيعه حتى يُبلغَ به سوقُ الطعام.
وهذا اللفظ مبين في حديث آخر عن ابن عمر أن التلقي لا يكون في
стр. 2140
السوق، وهو؛ قال: كانوا يتبايعون الطعام في أعلى السوق فيبيعونه في مكانه، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه. أخرجه البخاري (١). فدل على أن القصد إلى أعلى السوق لا يكون تلقِّيًا، وأن منتهى التلقي ما فوق السوق. وجمع البخاري بين الروايتين في باب منتهى التلقي لينبه على ذلك، وأن الحديث يفسر بعضه بعضًا. وذهب الهدوية والشافعية إلى أن التلقي لا يكون إلا خارج البلد، لأنهم إذا نظروا إلى المعنى المناسب للمنع، وهو تغرير الجالب أنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر وطلب الحظ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك فهو من تقصيرهم، وأما إمكان معرفتهم ذلك قبل دخول البلد فنادر.
والمعروف عند المالكية اعتبار السوق مطلقًا كما هو ظاهر الحديث، وهو قول أحمد وإسحاق. وعن الليث كراهة التلقي ولو في الطريق، ولو على باب البيت حتى تدخل السلعة السوق. وظاهر النهي إطلاق التلقي باعتبار منتهاه، فيتناول طول المسافة وقصرها، وهو ظاهر إطلاق الشافعية والهدوية، وقيد المالكية محل النهي بحد مخصوص ثم اختلفوا فيه؛ فقيل: ميل. وقيل: فرسخان. وقيل: مسافة القصر .. وهو قول الثوري.
والنهي ظاهر في التحريم، ولكنه حيث كان قاصدًا للتلقي عالمًا بالنهي فيه، كان خرج لشغل آخر فرآهم مقبلين فاشترى، ففي إثمه وجهان للشافعية، أظهرهما التحريم؛ والعلة في ذلك هو ما فيه من الخداع للبائع والإضرار بأهل المصر. وقال أبو حنيفة والأوزاعي: يجوز التلقي إذا لم يضر بالناس، فإن أضر كُرِه.
وإذا تلقى واشترى؛ فعند الهدوية والشافعي أن البيع صحيح؛ لأن النهي لم
стр. 2141
يرجع إلى نفس العقد ولا إلى وصف ملازم، فلا يقتضي النهي الفساد، ولكنه يثبت الخيار للبائع عند الشافعي مطلقًا، وحجته حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى عن تلقي الجلب، فإن تلقاه فاشتراه فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق. أخرجه أبو داود والترمذي، وصححه ابن خزيمة، من طريق (أ) أيوب (١). وأخرجه مسلم (٢) من طريق هشام عن ابن سيرين بلفظ: "لا تلقَّوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار". وسيأتي.
ومقتضى أصل الهدوية أنه لا يثبت الخيار إلا مع الغبن، كالمصرّاة. واختاره النووي (٣) قال: فإن كان الشراء بأرخص من سعر البلد أو أكثر فوجهان؛ أصحهما: أنه لا خيار له؛ لعدم الغرر (ب). والثاني: ثبوته؛ لإطلاق الحديث.
والحديث فيه دلالة على أن العلة في النهي هو نفع (جـ) البائع وإزالة الضرر عنه، وقال مالك: العلة هو نفع أهل السوق. وإلى ذلك جنح الكوفيون والأوزاعي، محتجين بحديث ابن عمر (٤): "لا تلقَّوا السلع حتى تهبطوا بها السوق". وذهب جمع من العلماء إلى أن البيع فاسدٌ للنهي، ومستندهم أن
стр. 2142
النهي يقتضي الفساد مطلقا. قال الإمام أبو عبد الله المازري (١): فإن قيل: المنع من بيع الحاضر للبادي سببه الرفق بأهل البلد، واحتمل فيه غبن البادي، والمنع من التلقي ألا يغبن البادي؛ ولهذا قال ﷺ : "فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار". فالجواب: أن الشرع ينظر في مثل هذه السائل إلى مصلحة الناس، والمصلحة تقتضي أن ينظر للجماعة على الواحد لا للواحد على الواحد، فلما كان البادي إذا باع بنفسه انتفع جميع أهل السوق واشتروا رخيصا، فانتفع به جميع سكان البلد، نظر الشرع لأهل البلد على البادي، ولما كان في التلقي إنما ينتفع المتلقي خاصة وهو واحد في قبالة واحدٍ، لم يكن في إباحة التلقي مصلحة، لا سيما وينضاف إلى ذلك علة ثانية، وهو لحوق الضرر بأهل السوق في انفراد المتلقي عنهم في الرخص وقطع الموارد عنهم، وهم أكثر من المتلقي، فنظر الشرع لهم عليه، فلا، [تناقض] (أ) بين المسألتين، بل هما متفقتان في الحكمة والمصلحة. انتهى.
وشرط بعض الشافعية في النهي أن يبتدئ المتلقي فيطلب من الجالب البيع، فلو ابتدأ الجالب بطلب البيع فاشترى منه المتلقي لم يدخل في النهي. وذكر إمام الحرمين في سورة التلقي المحرَّم أن يكذب في سعر البلد ويشتري منهم بأقل من ثمن المثل. وذكر المتولي فيها أن يخبرهم بكثرة المؤنة عليهم في الدخول. وذكر أبو إسحاق الشيرازي أن يخبرهم بكساد ما معهم ليغبنهم. وقد يؤخذ من هذه التقييدات إثبات الخيار لمن وقعت
стр. 2143
له ولو لم يكن هناك تلقٍّ، لكن صرّح الشافعية أن كون إخباره كذبًا ليس شرطًا لثبوت الخيار، وإنما يثبت له الخيار إذا ظهر له الغبن، فهو المعتبر وجودًا وعدما.
وقوله: "لا تلقّوا الركبان". وصف الركبان خرج مخرج الأغلب في أن الجالب يكون عددًا ويكون راكبًا، فلو كان الجالب واحدًا أو مشاة فالحكم واحد.
وقوله: "لا يبع حاضر لباد". فسره ابن عباس بقوله: لا يكون له سمسارا. بسينين مهملتين، هو في الأصل القيم بالأمر والحافظ، ثم استعمل في متولي البيع والشراء لغيره بأجرة، ولذلك بوب البخاري: باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر؟ وباب من كره أن يبيع حاضر لباد بأجر. وذكر حديث ابن عباس في البابين (١).
وفي كتب الحنفية (٢): نهي الحاضر أن يبيع للبادي في زمن الغلاء شيئًا يحتاج إليه أهل البلد. وقال بعضهم: هو أن يجيء البلد غريب بسلعة يريد بيعها بسعر الوقت في الحال، فيأتيه [بلدي] (أ) فيقول له: ضعه عندي لأبيعه لك على التدريج بأغلى من هذا السعر. فجعلوا الحكم منوطًا بالبادي ومن شاركه في معناه. قال: وإنما ذكر البادي في الحديث لكونه الغالب، فألحق به من شاركه في عدم معرفة السعر من الحاضر، وإضرار أهل البلد بالإشارة
стр. 2144
عليه [بألا يبادر بالبيع] (أ). وهذا تفسير الشافعية والحنابلة، وجعل المالكية البداوة قيدًا، وعن مالك: لا يلتحق بالبدوي في ذلك إلا من كان يشبهه. قال: فأما أهل القرى الذين يعرفون أثمان السلع والأسواق فليسوا داخلين في ذلك.
وقال ابن المنذر (١): اختلفوا في هذا النهي؛ فالجمهور على أنه للتحريم بشرط العلم بالنهي، وأن يكون [المتاع] (ب) المجلوب مما تعم الحاجة إليه، وأن يعرض الحضري ذلك على البدوي، فلو عرضه البدوي على الحضري لم يمنع. وزاد بعض الشافعية عموم الحاجة، وأن يكون ذلك المتاع مما تحصل به التوسعة في البلد لا إذا كان حقيرًا. وظاهر الحديث عدم التقييد بشيء من ذلك، ولكن هذه المعاني مستنبطة لتعليل الحكم، وفي تخصيص العموم بها تفصيل؛ فصل ذلك الإمام ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" (٢)؛ قال: واعلم أن أكثر هذه الأحكام تدور بين اعتبار المعنى واتباع اللفظ، ولكن ينبغي أن ينظر في المعنى إلى الظهور والخفاء؛ فحيث يظهر ظهورًا كبيرًا فلا بأس باتباعه وتخصيص النص به أو تعميمه على قواعد القياسيين، وحيث يخفى أو لا يظهر ظهورًا قويًّا فاتباع اللفظ أولى، فأما ما ذكر في اشتراط أن يلتمس البدوي ذلك، فلا يقوى؛ لعدم دلالة اللفظ عليه، وعدم ظهور المعنى فيه، فإن الضرر المذكور الذي علل به النهي لا يفترق الحال فيه بين سؤال البلدي وعدمه ظاهرًا، وأما اشتراط أن يكون الطعام مما تدعو الحاجة إليه فمتوسط في الظهور وعدمه؛ لاحتمال أن يراعي
стр. 2145
دعوى مجرد ربح الناس في هذا الحكم على ما أشعر به التعليل من قوله: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض". وأما اشتراط أن يظهر لذلك المتاع المجلوب سعة في البلد، فكذلك أيضًا أنه متوسط في الظهور؛ لما ذكرناه من احتمال أن يكون المقصود مجرد تفويت الربح والرزق على أهل البلد، وهذه الشروط منها ما يقوم الدليل الشرعي عليه، كشرطنا العلم بالنهي ولا إشكال فيه، ومنها ما يؤخذ باستنباط المعنى فيخرج على قاعدة أصولية (١)؛ وهي أن النص إذا استنبط منه معنى يعود عليه بالتخصيص هل يصح أَوْ لا؟ ويظهر لك هذا باعتبار ما ذكرناه من الشروط. انتهى.
وظاهر أقوال العلماء على أن النهي شامل لمن كان بأجرة وبغيرها؛ لإطلاق سائر الأحاديث الواردة.
والبخاري جعل حديث ابن عباس مقيدًا لما أطلق من الأحاديث، فاعتبر أن يكون بأجرة، وأما بغير أجرة فهو من باب النصيحة والمعاونة، ولذلك بوب: باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر؟ وهل يعينه أو ينصحه؟ وقال النبي ﷺ : "إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له " (٢). ورخص فيه عطاء. وأخرج حديث جرير مرفوعًا، وفي آخره: والنصح لكل مسلم (٣). انتهى.
وظاهر نهي بيع الحاضر للبادي التحريم، وقد ذهب إليه الشافعي والجمهور، وذهب عطاء ومجاهد والهادي وأبو حنيفة إلى أن ذلك جائز مطلقًا ولا يكره. قالوا: كتوكيله، ولحديث النصيحة. قالوا: وحديث النهي منسوخ. والجواب أن ذلك لا يصلح لإطلاقه، وهذا خاص، وغاية ما
стр. 2146
يحتمل من النسخ -لو صح- تأخره عن حديث النهي، على القول بأن الحاظر المتقدم لا يكون مخصِّصًا ولا مقيِّدًا. والصحيح خلافه، ومع عدم معرفة التاريخ، فيُرجّح الحظر إلا عند من يقول: ترجح الإباحة.
وذهب المؤيد بالله وغيره إلى أنه محمول على نهي التنزيه لا التحريم. ورجح الإمام المهدي في "البحر" التحريم حيث كان فيه إضرار.
وعلى القول بتحريم البيع فهو صحيح كما تقدم في التلقي، ولا يفسخ البيع، وهو مذهب الشافعية وجماعة من المالكية. وقال بعض المالكية: يفسخ البيع ما لم يفت.
وكذا يكون حكم الشراء، فلا يشتري حاضر لباد، ولذلك قال البخاري (١): باب لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة. استعمالًا للفظ البيع في البيع والشراء. قال ابن حبيب المالكي (٢): الشراء للبادي مثل البيع، لقوله ﵇: "لا يبع بعضكم على بيع بعض". فإن معناه الشراء، وعن مالك في ذلك روايتان، وكرهه ابن سيرين. أخرج أبو عوانة (٣) في "صحيحه" عن ابن سيرين قال: لقيت أنس بن مالك فقلت: "لا يبع حاضر لباد". أنُهِيتم أن تبيعوا أو تبتاعوا لهم؟ قال: نعم. قال محمد: وصدق، إنها كلمة جامعة. وقد أخرجه أبو داود (٤) عن ابن سيرين عن أنس بلفظ: كان يقال: لا يبع حاضرٌ لبادٍ. وهي كلمة جامعة؛ لا يبيع له شيئًا ولا يبتاع له شيئًا. وقال إبراهيم النخعي: إن العرب تقول: بع لي ثوبًا. أي اشتر. والله أعلم.
стр. 2147
٦٤٤ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تلقَّوا الجلَب، فمن تلقى فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار". رواه مسلم (١).
قوله: "لا تلقَّوا الجلَب". هو بفتح اللام مصدرٌ بمعنى المجلوب، يقال: جلب الشيء. جاء به من بلد إلى بلد للتجارة، وقد تقدم الكلام على حكم ذلك قريبًا.
٦٤٥ - وعنه ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتَكفأ ما في إنائها. متفق عليه (٢). ولمسلم: "لا يسوم المسلم على سوم المسلم" (٣).
تقدم الكلام على بيع الحاضر للبادي.
وقوله: ولا تناجشوا. عطف على قوله: نهى. من حيث المعنى؛ لأن معناه: لا يبيع حاضر لبادٍ ولا تناجشوا. وأتي بصيغة المفاعلة؛ لأن الناجش إذا فعل لصاحبه ذلك كان بصدد أن يُفعل (أ) له مثله. أو (ب) أنه بمعنى: فعل؛ أي: لا تنجشوا.
стр. 2148
وقوله: ولا يبيع الرجل على بيع أخيه. روي برفع المضارع على أن "لا" نافية، وهو إخبار في معنى النهي، ويحتمل الجزم على أنها ناهية، وإثبات الياء كما في قراءة: (إنه من يتقي ويصبر) (١). على أنه عومل المجزوم معاملة غير المجزوم فتركت الياء، ويدل على النهي رواية الكشميهني (٢) بحذفها. وكذا الكلام في: (أولا أ) يخطب، و: لا (ب) يسوم.
وصورة البيع على البيع هو أنه إذا وقع البيع بخيار فيأتي في مدة الخيار، ويقول للمشتري: افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه أو أحسن منه. وكذا الشراء على الشراء وهو أن يقول للبائع في مدة الخيار: افسخ البيع وأنا أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن. ونحوه.
وقوله: لا يسوم المسلم على سوم المسلم. صورته أن يكون قد اتفق مالك السلعة والراغب فيها على البيع ولم يعقدا، فيقول للبائع: أنا أشتريه منك. بعد أن كانا قد اتفقا على الثمن. وقد أجمع العلماء على تحريم ذلك جميعه، وأن فاعله عاصٍ مع التصريح بذلك، وأما إذا لم يصرح ففيه وجهان للشافعية. وليس منه بيع المزايدة وهو البيع ممن يزيد، وقد بوب على ذلك البخاري (٣) وقال: باب بيع المزايدة. وورد في ذلك صريحًا ما أخرجه أحمد
стр. 2149
وأصحاب السنن واللفظ للترمذي (١)، وقال: حسن. عن أنس أنه ﷺ باع حِلسًا وقدحًا، وقال: "مَنْ يشتري هذا الحلس والقدح؟ ". فقال رجل: آخذهما بدرهم. فقال: "من يزيد علي درهم؟ ". فأعطاه رجل درهمين، فباعهما منه. وعلق البخاري (٢) عن عطاء: أدركت الناس لا يرون بأسًا ببيع المغانم ممن يزيد. ووصله ابن أبي شيبة (٣) عن عطاء ومجاهد. وروى هو وسعيد بن منصور (٤) عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: لا بأس ببيع من يزيد، كذلك كانت تباع الأخماس.
وقال الترمذي (٥) عقيب حديث أنس المذكور: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، لم يروا بأسًا ببيع من يزيد في الغنائم والمواريث. وكأنه نظر إلى حديث ابن عمر ﵁: نهى رسول الله ﷺ أن يبيع أحدكم على بيع أحد حتى يذر إلا الغنائم والمواريث (٦). فقيَّد به حديث أنس، وقد أخذ بظاهره الأوزاعي وإسحاق، وجعَلا الجواز مختصًّا بهما.
وأقول: إن حديث ابن عمر ليس في البيع فيمن يزيد، بل ظاهره أنه (أ) ولو بعد الرضا بالسوم، فيعارضه حديث السوم على السوم بعد الرضا،
стр. 2150
ويحتاج إلى النظر في ذلك وسلوك الجمع بين الخاص والعام، ويلزم الشافعي ومن ذهب إلى العمل بالخاص مطلقًا ما ذهب إليه الأوزاعي وإسحاق، ولا يقيد (أ) حديث أنس كما أشار إليه الترمذي، لاختلاف المعنى فيهما، ولذا قال ابن عبد البر (١): إنه لا يحرم البيع فيمن يزيد اتفاقا. وعن إبراهيم النخعي: إنه يكره. وكأنه يحتج بما أخرجه البزار (٢) من حديث سفيان بن وهب: سمعت النبي ﷺ ينهى عن بيع المزايدة. ولكنه في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف.
وأورد البخاري (٣) في هذا الباب حديث جابر، أن رجلا أعتق غلامًا له عن دُبُر؛ فاحتاج، فأخذه النبي ﷺ فقال: "من يشتريه مني؟ ". فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا، فدفعه إليه. واعترضه الإسماعيلي وقال: ليس من بيع المزايدة؛ فإنه أن يعطي واحد ثمنا، ثم يعطي به غيرُه زيادة عليه. وأجاب ابن بطال بأن شاهد الترجمة منه قوله في الحديث: "من يشتريه مني؟ ". قال: فعرضه للزيادة ليستقضي فيه للمفلس الذي باعه عليه، والله أعلم.
وقد فسر الحاجة في رواية ابن خلان بأنها الدَّين، وذكره البخاري (٤) في باب من باع مال الفلس فقسمه بين الغرماء [أو] (ب) أعطاه حتى ينفق على
стр. 2151
نفسه، وفي رواية النسائي (١) أنه باعه بثمانمائة درهم فأعطاه وقال: "اقض دينك". وبيَّن مسلم وأبو داود والنسائي (٢) اسم الرجل بأنه من الأنصار، اسمه [أبو] (أ) مذكور واسم الغلام يعقوب.
وقوله: ولا يخطب على خطبة أخيه. في مسلم زيادة: "إلا أن يأذن له". وفي رواية له: "حتى يذر" (٣). والنهي يدل على تحريم ذلك، وقد أجمعوا على تحريمها إذا كان قد صرح بالإجابة ولم يأذن ولم يترك، فإن تزوج والحال هذه عصى وصح النكاح ولم يفسخ، وهذا مذهب الجمهور. وقال داود (٤): يفسخ النكاح. وعن مالك روايتان، وقال جماعة من أصحاب مالك: يفسخ قبل الدخول لا بعده.
أما إذا عرَّض له بالإجابة ولم يصرح، ففي تحريم الخطبة على خطبته قولان للشافعي؛ أصحهما لا تحرم. وكذا مقيد في كتب الهدوية الرضا بالتصريح. وقال بعض المالكية: لا تحرم حتى يرضوا بالتزوج، ويسمي المهر. واستدل على اشتراط التصريح بالإجابة بحديث فاطمة بنت قيس (٥) فإنها قالت: خطبني أبو جهم ومعاوية. فلم ينكر النبي ﷺ خطبة بعضهم على بعض، بل خطبها مع ذلك لأسامة، وقد يقال: يحتمل أنه لم يعلم
стр. 2152
أحدُهما بخطبة الآخر، وأن النبي ﷺ أشار بأسامة لا أنه خطب له.
وهو خلاف الظاهر، والمعتبر في الرضا إن كانت المرأة بالغة وهو كُفء، فرضاها، وإن كان غير كُفء فرضا الولي مع رضاها، لأن له حقا في المنع، وإن كانت صغيرة فرضا الولي وحده.
وفي قوله: أخيه. يحتمل العمل بالمفهوم، وأنه لو كان غير أخ بأن يكون كافرا فلا تحريم؛ وهو حيث تكون المرأة كتابية وكان يستجيز نكاحها، وبه قال الأوزاعي. وقال جمهور العلماء: تحرم الخطبة على خطبة الكافر أيضًا. ويجيبون بأن التقييد خرج مخرج الغالب فلا يعمل بالمفهوم.
وأما الفاسق فقال الأمير الحسين في "الشفاء" و "الزوائد" على مذهب الناصر وابن القاسم المالكي: إنه يجوز؛ عملًا بالمفهوم. وقول الجمهور على خلف ذلك، وفي التقييد ما عرفتَ، وزاد في "الزوائد" الجواز إذا كان قريبا، قيل: أو علويًّا. والأول على خلاف ذلك، ولا وجه لهذا.
والخِطبة هنا بكسر الخاء، وأما الخُطبة في الجمعة والعيد والحج وغير ذلك وعند عقد النكاح فبضمها.
وقوله: ولا تسأل المرأة. إلى آخره، يروى مرفوعًا أيضًا ومجزوما، وكسر اللام لالتقاء الساكنين، ومعناه نهي المرأة الأجنبية أن تسأل الزوج الطلاق لزوجته، وأن ينكحها ويصير لها من النفقة والمعروف والمعاشرة ونحوها ما كان للمطلقة، فعبر عن ذلك بالإكفاء، لما كان في الصحفة من باب التمثيل، كأن ما ذكر لما كان معدودا للزوجة فهو في حكم ما قد جمعته في الصحفة لتستمع به، فإذا ذهب عنها فكأنها قد كفأت الصحفة وخرج ذلك منها، فعبر عن ذلك المجموع المركب بالمركب المذكور للشبه بينهما.
قال الكسائي: كفأت الإناء كببته، وكفأته وأكفأته أَمَلته. وفي
стр. 2153
"المصباح" (١) كفأته كَفْأً من باب [نفع] (أ)، أي: كببته، أي: قلبته على رأسه، وقد يكون بمعنى أملته. انتهى.
والمراد بأختها غيرُها؛ سواء كانت من النسب أو أختها في الإسلام. ولعله يأتي في التقييد هنا مثل ما مر، والله أعلم.
٦٤٦ - وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ فَرَّق بين والدة وولدها فرَّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة". رواه أحمد وصححه الترمذي والحاكم (٢)، لكن في إسناده مقال، وله شاهد.
الحديث المقال في إسناده من جهة حيي بن عبد الله المعافري مختلف فيه (٣)، وله طريق أخرى عند البيهقي (٤) غير متصلة من طريق العلاء بن كثير الإسكندراني عن أبي أيوب، ولم يدركه، وله طريق أخرى عند الدارمي في "مسنده" (ب) كتاب "السنن (٥) ". وفي الباب
стр. 2154
من حديث عبادة بن الصامت: "لا يفرق بين الأم وولدها". قيل: إلى متى؟ قال: "حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية". أخرجه الدارقطني والحاكم (١)، وفي سنده عندهما عبد الله بن عمرو الواقعي (٢) وهو ضعيف، رماه علي بن المديني بالكذب، وتفرد به عن سعيد بن عبد العزيز. قال الدارقطني (٣).
وفي "صحيح مسلم" (٤) من حديث سلمة بن الأكوع في الحديث الطويل الذي أوله: خرجنا مع أبي بكر فغزونا فزارة. الحديث. وفيه: وفيهم امرأة ومعها ابنة لها من أحسن العرب، فنفلني أبو بكر ابنتها، فطلبها النبي ﷺ مني وأرسل بها إلى مكة ليفادى بها أسارى من المسلمين.
فيستدَل به على جواز التفريق، وبوب عليه أبو داود (٥)، والظاهر أن البنت قد كانت بلغت؛ ولذا احتج به فيما ذكر. وكذا قال في "المنتقى" (٦): هو حجة في جواز التفريق بعد البلوغ.
والحديث فيه دلالة على تحريم التفريق بين الوالدة وولدها، وظاهره عام في الملِك أو في الجهات. والظاهر أنه لم يذهب إلى هذا العموم أحد. ومثله:
стр. 2155
"لا تُوَلَّهُ والدة بولدها" (١). فيحمل ذلك على التفريق في الملك بالبيع كما هو صريح في حديث على الآتي، وهو نصٌّ في البيع (أ)، ويقاس عليه سائر الإنشاءات؛ كالهبة والنذر، وهو ما كان باختيار المفرق. أما التفريق بالقسمة فليس باختياره، فإن سبب المِلك قهري وهو الميراث، ويدل بظاهره على صحة الإخراج عن المِلك؛ لوقوع التفريق المستحق صاحبه للعقوبة، فلو كان لا يصح الإخراج عن المِلك لم يتحقق التفريق، وسيأتي استيفاء الكلام في الذي بعده. وظاهر الحديث [عدم] (ب) التفريق ولو بعد البلوغ. قال في "الغيث" (٢): ولكنه خصه الإجماع في الكبير كما في العتق، ولعل مستند الإجماع إن صحَّ حديث عبادة بن الصامت، وهو متأيد وإن كان ضعيفًا بحديث مسلم المار. وعند المنصور بالله وأحد قولي الناصر حدُّ التحريم إلى سبع سنين، وكأنهما أخذا ذلك من الحضانة، لا وجه له. والنص ورد في الوالدة وولدها والأخوين، ويقاس سائر الأرحام المحارم على ذلك بجامع الرحامة: والعتق.
٦٤٧ - وعن علي ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أبيع غلامين أخوين، فبعتهما ففرَّقت بينهما. فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال:
стр. 2156
"أدركهما فارتجعهما، ولا تبعهما إلا جميعًا". رواه أحمد ورجاله ثقات، وقد صححه ابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان والحاكم والطبراني وابن القطان (١).
الحديث أخرجوه من رواية الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، لكن حكى ابن أبي حاتم عن أبيه في "العلل" (٢) أن الحكم إنما سمعه من ميمون بن أبي شبيب عن علي، وميمون لم يدرك عليًّا. وقال الدارقطني في "العلل" (٣) بعد حكاية الخلاف فيه: لا يمتنع أن يكون الحكم سمعه من عبد الرحمن ومن ميمون، فحدث به مرة عن هذا ومرة عن هذا.
والحديث فيه دلالة على أن هذا البيع باطل أو فاسد، فإن الارتجاع يصح فيهما. وقد ذهب إلى الأول الشافعي في أخير قوليه، والسيد يحيى من مفرعي مذهب الهادي، وذهب الفقيه يحيى من المفرعين أيضًا إلى أنه فاسدٌ، وذهب أبو حنيفة وقول الشافعي القديم (٤) إلى أنه ينعقد مع العصيان. ولعل حجتهم ما أشير إليه في الحديث الأول، والأمر بالارتجاع للغلامين يحتمل أن يكون ذلك بعقد جديد برضا المشتري، والله أعلم.
فائدة: وفي البهيمة وولدها وجهانِ؛ لا يجوز؛ لنهيه ﷺ عن تعذيب
стр. 2157
البهائم. ويجوز كالذبح، وهو الأصح، بخلاف الآدمي للحرمة، والله أعلم.
٦٤٨ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: غلا السعر بالمدينة على عهد رسول الله ﷺ ، فقال الناس: يا رسول الله، غلا السعر فسعِّر لنا. فقال رسول الله ﷺ : "إن الله هو المسعِّر القابض الباسط الرازق، إني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلِمة في دم ولا مال". رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه ابن حبان (١).
وأخرجه ابن ماجه والدارمي والبزار وأبو يعلى من طريق حماد بن سلمة عن ثابت وغيره [عن] (أ) أنس (٢)، وإسناده على شرط مسلم، وصححه الترمذي أيضًا. ولأحمد وأبي داود (٣) من حديث أبي هريرة: جاء رجل فقال: يا رسول الله، سعِّر. فقال: "بل أدعو الله". ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله، سعِّر. فقال: "بل الله يخفض ويرفع". وإسناده حسن. ولابن ماجه والبزار والطبراني في "الأوسط" (٤) من حديث أبي سعيد نحو
стр. 2158
حديث أنس، وإسناده حسن أيضًا، وللبزار (١) من حديث علي نحوه، وعن ابن عباس في "الطبراني الصغير" (٢)، وعن أبي جحيفة في "الكبير" (٣)، وأخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٤) من حديث علي، وقال: إنه حديث لا يصح.
الغلاء [ممدود] (أ): هو ارتفاع الثمن على ما يعتاد. وقوله: "إن الله هو المسعِّر". يعني أن الله سبحانه يفعل ذلك هو وحده بإرادته، فإذا أراد ارتفاع السعر ارتفع، وإذا أراد انحطاطه انحط.
والقابض المقتر، والباسط الموسع. وفي تقديم القابض على الباسط هنا وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ (٥). تأنيس لذي الحاجة لرجاء اليسر بعد العسر الذي هم فيه.
والحديث فيه دلالة على أن التسعير مظلمة؛ لقوله: "وليس أحد منكم يطلبني بمظلِمة". لكون (ب) الجواب عن السؤال الذي سألوه عنه، وهو التسعير.
والظاهر أن ذلك في القوت، وإذا كان مظلِمة فهو غير جائز، وقد ذهب إلى هذا جمهور العلماء. وعن مالك أنه يجوز للإمام التسعير ولو في
стр. 2159
القوتين (١). وقال في "شرح القُدُوري": لا ينبغي للسلطان أن يسعِّر علي الناس، وإذا رفع هذا الأمر إلى القاضي واضطرت الناس، فإنه يأمر المحتكر بالبيع لما فضل عن قوته وقوت أهله، وإذا خاف الإمام على أهل المصر الهلاك أخذ الطعام من المحتكر وفرقه عليهم، فإذا وجدوا ردوا مثله. انتهى.
وعند الهدوية أنه يكلَّف البيع، فإن لم يبع باع عنه الإمام والحاكم. وقال الإمام شرف الدين: إن المحتكر إذا طلب زيادة على قيمة وقته سَعّر عليه، وإلا أدى إلى أن يَقصد الضرار بأن يرسم ثمنه ما لا يَقدر عليه.
وذكر مثل هذا القاضي عبد الله الدواري: وإن جهل ثمن مثله كان إلى نظر الحاكم؛ بأن يقيسه على ما مضى في مثل هذه الشدة، وإن زادت زاد، وإن نقصت نقص. وهذا قريب من قول مالك.
وأما في غير القوتين فقال الإمام المهدي في "الغيث": إنه استصلح الأئمة المتأخرون تقدير سعر ما عدا القوتين في بعض الأحوال؛ كاللحم والسمن، رعاية لمصلحة الناس ودفع الضرر عنهم. والحديث يرد على الجميع.
٦٤٩ - وعن معمر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ قال: "لا يحتكر إلا خاطئ". رواه مسلم (٢).
هو معمر -بفتح الميم وسكون العين وفتح الميم- بن عبد الله، من بني عدي بن كعب، القرشي العدوي، ويقال له: معمر بن أبي معمر. أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، وتأخرت هجرته إلى المدينة، ثم هاجر إليها وسكن فيها، وحديثه في أهل المدينة، روى عنه سعيد بن المسيب وبُشر -
стр. 2160
بضم الباء الموحدة وسكون المهملة- بن سعيد (١). [والحديث] (أ) أخرجه الترمذي (٢) أيضًا.
وفي الباب عن أبي هريرة، أخرجه الحاكم (٣) بلفظ: "من احتكر يريد أن يغالي بها المسلمين فهو خاطئ، وقد برئ منه ذمة الله". ومن حديث ابن عمر: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون". أخرجه ابن ماجه والحاكم وإسحاق والدارمي وأبو يعلى والعقيلي في "الضعفاء" بإسناد ضعيف (٤). ومن حديث ابن عمر: "من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه". أخرجه أحمد والحاكم وابن أبي شيبة والبزار وأبو يعلى (٥)، زاد الحاكم: "وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله". وفي إسناده أصبغ بن زيد اختلف فيه (٦)، وكثير بن مرة (٧) جهله ابن
стр. 2161
حزم وعرفه غيره، وقد وثقه ابن سعد، وروى عنه جماعة، واحتج به النسائي، وأخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" (١). قال المصنف (٢): وقد وهم. و (أ) أبو حاتم قال (ب) (٣): هو منكر. حكاه عنه ابنه.
وغير ذلك من الأحاديث.
والاحتكار هو أن يشتري الشيء ليبيعه في وقت غلائه، وظاهر الحديث يدل على منع الاحتكار مطلقا؛ سواء كان في الأقوات أو في غيرها، وذهب إلى هذا العموم أبو يوسف، فقال: كل ما أضر بالناس حبسُه فهو احتكار، وإن كان ذهبًا أو ثيابًا. وعن محمد أنه لا احتكار في الثياب، وإنما هو في الحنطة والشعير والتمر (جـ) الذي هو قوت الناس. وقريب منه قول أبي حنيفة.
وكذا قوت البهائم، ومذهب الهدوية أنه في قوت بني آدم وقوت البهائم، وكذا في مذهب الشافعية؛ قال أصحاب الشافعي: الاحتكار المحرم هو الاحتكار في الأقوات خاصة؛ وهو أن يشتري الطعام في وقت الغلاء للتجارة ولا يبيعه في الحال، بل يدخره ليغلو ثمنه، فأما إذا اشتراه أو جاءه من قريته في وقت الرخص وادخره، أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه في وقته، فليس باحتكار، ولا تحريم فيه. كذا ذكره النووي (٤).
стр. 2162
واعلم أن الأحاديث الواردة في الباب وردت مطلقة ومقيدة بالطعام، وما كان على هذا المنوال فالواجب عند الجمهور إلَّا يقيَّد المطلق بالمقيَّد؛ لعدم التعارض بينهما، بل يبقى المطلق على إطلاقه، إلا عند أبي ثور، فإنه يحمل المطلق على المقيد، فكان الأَولى العمل بالإطلاق في تحريم الاحتكار، ولا يقيد بالقوتين إلا أن ينظر إلى الحكمة المناسبة للتحريم، وهي دفع الضرر عن عامة الناس، والأغلب في دفع الضرر عن العامة إنما يكون في القوتين، فيقيد الإطلاق بالمناسب. وقد احتيج إلى ذلك في كثير من العمومات والمطلقات، ولعل ذلك هو الحامل للأكثر إلى تقييد الاحتكار في القوتين، ولا يصح أن يكون التقييد وقع بمذهب الصحابي الراوي كما أخرج مسلم (١) عن سعيد بن المسيب أنه كان يحتكر، فقيل له: فإنك تحتكر. فقال: إن معمرًا راوي الحديث كان يحتكر. قال ابن عبد البر وآخرون (٢): كانا يحتكران الزيت. فظاهر جواب سعيد التقييد بمذهب الصحابي، وهو يحتمل أن معمرًا وسعيدًا قيَّداه بالقوتين كمذهب الجمهور.
وقوله: "إلا خاطئ". الخاطئ بالهمز هو العاصي الآثم، وهو صريح في التحريم. والله أعلم.
٦٥٠ - وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا تُصَروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها؛ إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعًا من تمر". متفق عليه (٣).
стр. 2163
ولمسلم (١): "فهو بالخيار ثلاثة أيام". وفي رواية له علقها البخاري (٢): "ورد معها صاعًا من طعام لا سمراء". قال البخاري: والتمر أكثر.
قوله: "لا تُصَروا". هو بضم التاء وفتح الصاد بوزن تُزَكُّوا من صرّى يُصرّي كزُكَّى يُزَكِّي، و"الإبل" مفعوله، وضبطه بعضهم بفتح أوله وضم ثانيه من صَرَّ يَصُر. والأول أصح، أنه من صريت اللبن في الضرع إذا جمعته، وليس من: صررت الشيء إذا ربطته، يدل عليه اسم المفعول، فإنه قيل: مصرَّاة. ولم يُقل: مصرورة. وإن كان المعنيان ثابتين في اللغة. وبعضهم ضبطه بضم أوله وفتح ثانيه بغير واو على البناء للمجهول ورفع الإبل.
والمصراة: التي صُرِّي لبنها وحُقِن فيه وجُمع فلم يحلب أياما. وأصل التصرية حبس الماء؛ يقال منه: صَرَّيتُ الماء. إذا حبستَه، وكذا قال البخاري، وهو قول أبي [عبيد] (أ) وأكثر أهل اللغة (٣). وقال الشافعي (٤): هو ربط أخلاف الناقة أو الشاة وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر، فيظن المشتري أن ذلك عادتها.
وقوله: "الإبل والغنم". لم يذكر البقر، والحكم واحد، ولذلك ترجم البخاري الباب بباب النهي للبائع ألا يحفِّل الإبل والغنم والبقر، ولعله لم يذكر في الحديث لغلبة التصرية عندهم فيهما.
стр. 2164
وقوله: "لا تصروا". ظاهره النهي عن التصرية مطلقًا، وقد جزم به بعض الشافعية، لما فيه من إيذاء الحيوان، وقد ورد تقييد ذلك في رواية النسائي (١): "لا تصروا الإبل والغنم للبيع". وفي رواية له (٢): "إذا باع أحدكم الشاة أو اللقحة فلا يحفِّلها". وهذا هو أرجح عند الجمهور، ويدل عليه التعليل بالغرر والتدليس، وبأن إيذاء الحيوان لا يصلح علة للنهي، لما (أ) فيه من الضرر اليسير الذي لا يستمر فيغتفر لتحصيل المنفعة.
وقوله: "فمن ابتاعها". أي اشتراها.
وقوله: "بخير النظرين". أي الرأيين.
وقوله: "بعد أن يحلبها". كذا في رواية ابن خزيمة والإسماعيلي، و "بعد" ظرف زمان مضاف إلى "أن يحلبها"، وفي رواية بحذف "بعد" و "إن يحلبها" بكسر "إن". على الشرطية وجزم "يحلبها"، وظاهره أن الخيار لا يثبت إلا بعد الحلب، ولو ظهرت التصرية بغير الحلب فالخيار ثابت.
وقوله: "إن شاء أمسك". أي أبقاها على ملكه، وهو يقضي بصحة بيع المصراة وثبوت الخيار.
وقوله: "وإن شاء رَدَّ". في الحديث دلالة على أن الرد بالتصرية فوري؛ لأن الفاء في قوله: "فهو بخير النظرين". تدل على التعقيب من دون تراخٍ، وقد ذهب إلى هذا بعض الشافعية، وذهب البعض منهم والهادي والناصر إلى أن الرد على التراخي، ونقل أبو حامد والرُّوياني على ذلك نص الشافعي (٣) إلى أنه على التراخي، محتجين برواية: "فله الخيار
стр. 2165
ثلاثا" (١). وهي مقدمة علي رواية الإطلاق. وأجاب الأولون بأن هذه الرواية محمولة على ما إذا لم يعلم أنها مصراة إلا في الثلاث، لكون الغالب أنها لا تُعلَم في دون ذلك، لجواز النقصان باختلاف العلف ونحوه.
قال المصنف رحمه الله تعالى (٢): ويؤيده أن في بعض روايات أحمد والطحاوي (٣) من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة: "فهو بأحد النظرين بالخيار إلى أن يحوزها أو يردها".
واختلفوا في ابتداء الثلاثة الأيام، فقالت الحنابلة: هي من بعد بيان التصرية. وعند الشافعية هي من عند العقد، وقيل: من التفرق. ويلزم على هذا أن يكون الفور أوسع من الثلاث في بعض الصور، وهو ما إذا تأخر بيان التصرية إلى آخر الثلاث، ويلزم عليه أن تحسب المدة قبل التمكن من الفسخ، وأن يفوت المقصود من التوسع بالمدة.
وقوله: "وصاعًا من تمرٍ". منصوب عطفا على الضمير المفعول في "ردها"، ولا يصح ذلك ظاهرًا؛ لأن الصاع مغروم ابتداءً لا مردود، فيتخرج على العطف بتقدير ما يصح معه المعنى [لظهوره] (أ)، فيقدر: وأعط صاعًا. مثل قوله (٤):
стр. 2166
* علفتها تبنًا وماءً باردًا *
بتقدير: أسقيت. ويجوز أن يكون مفعولا معه على ما ذهب إليه بعضهم من صحة مصاحبته للمفعول به.
واعلم أن ظاهر الحديث أن الواجب رد صاع واحد ولو تعددت المصراة، وإن اشتراها صفقتين تعدد الصاع، وإن اشتراها صفقة واحدة؛ فنقل ابن قدامة الحنبلي (١) عن الشافعي تعدد الصاع بتعددها، وذهب ابن حزم (٢) إلى عدم التعدد، وقال ابن عبد البر (٣): لا يجب في لبن شياه أو نوق أو بقر عدة إلا الصاع. وإذا كان اللبن باقيًا فذهبت الهدوية إلى أنه يتعين ردُّه، وسيأتي قريبا. وللشافعي وجهان: يجب، لأنه أقرب إلى مستحقه. والثاني: لا، لأن طراوته ذهبت، ولا (أ) يلزم البائع قبوله. واتباع لفظ الحديث أولى.
والحديث يدل على أنه يثبت الخيار بالتصرية فيما ذكر من الإبل والغنم، واختلف العلماء القائلون بالرد، هل يقصر على ذلك أو يلحق به غيره؛ فذهب داود إلى الاقتصار على ذلك، وقالت الحنابلة وبعض الشافعية: يختص ذلك بالنعم. فزادوا البقر، فكأنهم جمعوا في الحكم بينها بالقطع بنفي الفارق، وكأن الوارد بناء على ما كان أغلب في ذلك العصر، وبعضهم عمم الحكم في مأكول اللحم، وأشار إلى ذلك البخاري؛ حيث ترجم الباب بباب النهي للبائع ألا يحفِّل الإبل والغنم والبقر وكل محفّلة.
стр. 2167
والتحفيل بالحاء المهملة والفاء التجميع، تقول: ضرع حافل. أي عظيم، واحتفل القوم؛ إذا كثر (أ) جمعهم، ومنه سمي المَحْفِل، فعطْفُ ذلك من عطف العام على الخاص؛ لإلحاق غير النعم فيه من مأكول اللحم بالنعم. واختلفوا في غير المأكول كالأتان والجارية، فالأصح ثبوت الرد، إذ اللبن مقصود، ولا يرد به عوض، وبه قالت الحنابلة في الأتان دون الجارية.
وقوله: في رواية علقها البخاري. يعني [عن] (ب) ابن سيرين ووصلها مسلم عنه.
وقوله: "صاعًا من طعام لا سمراء". اختلفت الرواية عن ابن سيرين في تفسير السمراء؛ فأخرج الطحاوي (١) من طريق أيوب عن ابن سيرين، أن المراد بالسمراء الحنطة الشامية. وروى ابن أبي شيبة (٢) وأبو عوانة (٣) من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين: "لا سمراء". يعني الحنطة. وروى ابن المنذر (٤) من طريق ابن عون عن ابن سيرين، أنه سمع أبا هريرة يقول: "لا سمراء". أي: ليس بِبُرٍّ.
وقد اختلفت أيضًا الروايات في الحديث؛ فجاء عن ابن سيرين على أربع روايات، ذكر التمر والخيار ثلاثًا، وذكر التمر بدون الثلاث، والطعام مع
стр. 2168
الثلاث وبدونها.
وأخرج البزار (١) من طريق أشعث بن عبد الملك عن ابن سيرين بلفظ: "إن ردّها ردّها ومعها صاع من بُر لا سمراء". وهذه الرواية تعارض التصريح بالتمر معارضة واضحة دون رواية الطعام، لأن الطعام يحتمل أن يراد به التمر. وأتبعه بقوله: "لا سمراء". لئلا يتوهم أن المراد بالطعام القمح، ويراد بالسمراء معنى القمح المطلق لا النوع المخصوص، ولكنه يبعده رواية أحمد (٢) بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من الصحابة نحو حديث البخاري، وفيه: "وإن ردها ردّ معها صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر". فإن العطف بـ: "أو" يقتضي التخيير بين التمر والطعام، ومن لازِمِه أن يكون غيره. إلا أنه يحتمل أن تكون "أو" شكًّا من الراوي لا [تخييرًا] (أ) في الحكم، فيُرجَع إلى الروايات التي لا احتمال فيها، وهي رواية التمر، ولذلك قال البخاري: والتمر أكثر. والكثرة مرجحة، ويندفع بهذا ما قال بعض الحنفية: إن هذا الاختلاف قادح في العمل بالحديث. فإن الكثرة من وجوه الترجيح. وأما ما أخرجه أبو داود (٣) من حديث ابن عمر بلفظ: "إن ردَّها رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحًا". ففي إسناده ضعف. وقال ابن قدامة (٤): إنه متروك الظاهر بالاتفاق.
стр. 2169
والحديث فيه دلالة على أنه يرد بدل اللبن الصاع. وقد ذهب إلى هذا جمهور أهل العلم، وأفتى به ابن مسعود (١) وأبو هريرة (٢)، ولا مخالف من الصحابة. وقال به من التابعين ومن بعدهم [من] (أ) لا يحصى عدده، وسواء كان اللبن قليلا أو كثيرا والتمر قوتا في البلد أو لا. وقال زفر: يتخير بين صاع تمر أو نصف صاع بر. وقال به ابن أبي ليلى وأبو يوسف في رواية، [وقالا] (ب): تصح قيمة الصاع من التمر. وفي رواية (جـ) عن مالك وبعض الشافعية كذلك؛ إلا أنهم قالوا: يتعين قوت البلد قياسًا على زكاة الفطر. وحكى البغوي اتفاق الشافعية أنه يصح التراضي بغير التمر من قوت أو غيره، وأثبت ابن كَجٍّ الخلاف في ذلك، وحكى الماوردي الخلاف فيما إذا عجز عن التمر، هل يلزم قيمته ببلده أو بأقرب البلاد إليه التي فيها التمر؟ وبالثاني قال الحنابلة. وذهبت الهدوية إلى أنه يجب رد اللبن بعينه إن كان باقيا، أو مثله إذا كان تالفا، أو قيمته يوم الرد حيث لم يوجد المثل، وفي مذهب الهدوية خلاف؛ هل اللبن مثلي أو قيمي؟
والخلاف للحنفية في أصل المسألة، وقالوا: لا يرد بعيب التصرية، ولا يجب رد الصاع من التمر، واعتذروا عن حديث المصراة بأعذار شتى؛ فمنهم من طعن في رواية أبي هريرة، وأنه لم يكن كابن مسعود وغيره من
стр. 2170
فقهاء الصحابة، فلا يؤخذ من روايته ما خالف القياس الجلي. وهو كلام بيّن الضعف، ساقط عن الاعتبار، مفصح بخذلان قائله وتنكبه عن سواء الصراط، فإن أبا هريرة هو المتسع (أ) في العلوم النبوية الذي دعا له رسول الله ﷺ وبسط رداءه للعلم، وحفظ وعاءً من العلم، والإقدام على الطعن على مثله من الأعلام بدعة وضلالة، وقد اعتذر أبو هريرة عن انفراده بغرائب العلوم واللطائف حيث قال: إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله ﷺ ، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا (١). مع أنه قد شارك أبا هريرة غيره في هذا الحديث؛ فأخرجه أبو داود (٢) عن ابن عمر، وكذا الطبراني (٣) وأبو يعلى (٤) من حديث أنس، والبيهقي في "الخلافيات" (٥) من حديث عمرو بن عوف المزني، وأحمد (٢) من رواية رجل من الصحابة، وقال ابن عبد البر (٦): هذا الحديث مجمع على صحته وثبوته من حيث النقل.
ومنهم من أعله بالاضطراب، والجواب أن الطرق الصحيحة لا اضطراب فيها، ورواية التمر أكثر، فكان الترجيح لها.
ومنهم من قال: إنه معارض لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ
стр. 2171
مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (١). ويجاب عنه بأن ذلك هو مثل، بالنظر إلى أنه عوض عن المتلف، إلا أنه جُعل على مقياسٍ واحد؛ دفعا للشجار لو لم يكن كذلك، [إذ] (أ) يحصل التشاجر في مقدار الحليب، والاحتياط في قدره لا يكاد يتم، إذ الآخذ (ب) في الأغلب يتلف (جـ) الحليب عقيب حلبه؛ لعدم معرفته للتصرية، وإنما ينكشف من بعد، فضبط بهذا الضابط الذي لا يختلف، ولهذا نظائر في الشرع في أروش الجنايات من غير نظر إلى كيفية الجناية من الكبر والصغر.
ومنهم من قال: هو منسوخ بحديث ابن عمر؛ النهي عن بيع الدين بالدين. أخرجه ابن ماجه وغيره (٢). ووجه الدلالة أن لبن المصراة يصير دينًا في ذمة المشتري، فإذا ألزم بصاع من تمر نسيئة صار دينًا بدين. وهو للطحاوي (٣). وأجيب بأن الحديث ضعيف باتفاق المحدثين، وبأن ذلك ليس مما ذكر؛ فإنه يرده مع المصراة حاضرا وليس بنسيئة، وتعلقه بذمة الراد [قبل الرد] (د) ليس بيعا، إذ لا يكون البيع إلا برضا من له
стр. 2172
الحق (أإذا ألزمه أ) بقبض ذلك عند الحضور.
ومنهم من قال: ناسخه حديث: "الخراج بالضمان". أخرجه أصحاب "السنن" (١) عن عائشة، ووجه الدلالة منه أن اللبن فضلة من فضلات المصراة، ولو هلكت المصراة لكان من ضمان المشتري، فكذلك فضلاتها. والجواب بأن المغروم هو ما كان فيها قبل البيع مُصَرّى، لا الحادث بعد البيع.
ومنهم من قال: ناسخه الأحاديث الواردة في [رفع] (ب) العقوبة بالمال، وقد كانت مشروعة قبل ذلك. وأجيب بأنه لا عقوبة على المشتري، فإن التصرية من البائع.
ومنهم من قال: ناسخه حديث: "البيعان بالخيار ما لم يتفرّقا" (٢). قاله محمد بن شجاع، ووجه الدلالة أن التفرق يقطع الخيار، وظاهر الخيار العموم، فيعم خيار المصراة وغيرها. ويجاب بأن الحنفية لم يقولوا بمضمون هذا الحديث ولم يثبتوا خيار المجلس، فكيف يحكمون بنسخه؟ وبأنهم يثبتون خيار العيب بعد التفرق، ويجاب عن الأول بأنهم إنما تأولوا التفرق بأن المراد به تفرق الأقوال، بأن يتم اللفظان فينبرم العقد، فيراد بالخيار هو الرجوع عن أحد الركنين قبل حصول الآخر، وبه يندفع الثاني أيضًا.
ومنهم من قال: هو خبر واحد يفيد الظن، وهو مخالف لقياس الأصول المقطوع به، وذلك لأنه تقرر وعلم من الأدلة أن ضمان المتلف إن كان مثليًّا
стр. 2173
فبالمثل، وإن كان قيميًّا فبالقيمة، فاللبن إن كان مثليًّا ضمن بمثله، وإن كان قيميًّا قوِّم بأحد النقدين وضمن (أ) بذلك، فكيف يضمن بالتمر أو [البر] (ب)؟ أيضًا فإنه كان الواجب أن يختلف الضمان بتقدير اللبن، ولا يقدَّر الصاع قلّ أو [كثر] (جـ). والجواب عنه بأن رد الخبر لمخالفته لقياس الأصول غير مسلم؛ لأن خبر الواحد هو من جملة الأصول التي تثبت بها الأحكام، وإنما كان يُرد لو خالف نصًّا قطعيًّا، فإنه يطرح لئلا يعمل بالمظنون ويترك المقطوع، وأما مخالفته لقياس الأصول فلا؛ فإن القياس هنا متضمن للعموم في جميع المتلفات، وهذا خاص، والخاص مقدم على العام، على أنه غير مسلم القياس الذي ذكر على عمومه، فإن الدية قد فرضت من الإبل والغنم والبقر وليست من أي المذكورين، وأيضًا فإنه إذا أتلف شاة فيها لبن فإن ضمانها بالتقويم، ولا يضمن اللبن الذي فيها بالمثل، وبأنه إنما سلك في ذلك بتقدير الصاع لقطع التشاجر؛ لعدم الوقوف علي حقيقته، لجواز الاختلاط بالحادث بعد البيع، فقطع الشارع النزاع وقدره بحدٍّ لا يبعد دفعًا للخصومة، وقدره بأقرب شيء إلى اللبن، فإنهما كانا قوتًا في ذلك الزمان، ولهذا نظائر، وهو في ضمان الجنايات كالموضحة، فإن أرشها مقدر مع الاختلاف في الكبر والصغر، والغرة في الجنين مع اختلافه، والحكمة في ذلك جميعه دفع التشاجر.
قالوا: و (د) خالف قياس الأصول من حيث إن اللبن التالف إذا كان
стр. 2174
موجودًا عند العقد فقد نقص جزءٌ من المبيع فيمتنع الرد، وإن كان حادثا عند المشتري فهو غير مضمون، ومن حيث إنه جعل الخيار فيه ثلاثًا مع أن خيار العيب لا يقدر بالثلاث، وكذا خيار المجلس وخيار الرؤية، ومن حيث إنه لو باع شاة بصاع تمر ثم ردها وصاعًا، فقد استحقها البائع وثمنها، ويلزم في هذه الصورة الربا، فإنه لو ردَّ الشاة وصاعًا، والبائع يرد له الصاع، فكأنه باع شاةً وصاعًا بصاع. ومن حيث إنه يلزم منه ضمان الأعيان مع بقائها حيث كان اللبن موجودًا. ومن حيث إنه يلزم [منه] (أ) إثبات الرد بغير عيب؛ لأنه لو كان نقصان اللبن عيبا لثبت به الرد من دون تصرية ولا شرط؛ لأنه لم يشرط الرد.
وأجيب عن الأول بأن النقص إنما يمنع الرد إذا لم يكن لاستعلام العيب، وهو هنا لاستعلام العيب فلا يمنع. وعن الثاني بأن المصراة انفردت بالمدة المذكورة؛ لأنه لا يتبين حكم التصرية في الأغلب إلا بها بخلاف غيرها. وعن الثالث بأنه إنما استحق الصاع عوض اللبن لا عوض الشاة. وعن الرابع بأن الربا إنما يعتبر في العقود لا في الفسخ. وعن الخامس بأنه غير موجود متميز؛ لأنه مختلط باللبن الحادث، فقد تعذر ردّه بعينه بسبب الاختلاط، فيكون مثل ضمان العبد المغصوب الآبق. وعن السادس بأن الخيار يثبت بالتدليس والتغرير للمشتري، وهو أيضًا في حكم خيار الشرط من حيث المعنى، فإن المشتري لما رأى ضرعها مملوءا، فكأن البائع شرط له أن ذلك عادة لها، وقد ثبت لهذا نظائر مثل ما تقدم في تلقي الجلائب.
ومنهم من حمل الحديث على سورة مخصوصة؛ وهو حيث اشترى
стр. 2175
بشرط أنها تحلب قدرًا معلومًا وشرط فيها الخيار فالشرط فاسد. قال: فإن اتفقا على إسقاطه في مدة الخيار صحَّ العقد، وإن لم يتفقا بَطَلَ ووجب رد الصاع من التمر؛ لأنه كان قيمة اللبن يومئذ. وأجيب بأن الحديث فيه تعليق الحكم بالتصرية، وهذا القائل بفساد الشرط سواء وجدت التصرية أم لا، فهو تأويل متعسف غير مقبول.
قال ابن عبد البر (١): هذا الحديث أصل في النهي عن الغش، وفي ثبوت الخيار لمن دلس عليه، وفي أن التدليس لا يفسد أصل العقد، وأن أمد الخيار ثلاثة أيام، وفي تحريم التصرية وثبوت الخيار بها.
وقد روى أحمد وابن ماجه (٢)، عن ابن مسعود مرفوعًا: "بيع المحفّلات خِلابة، ولا تحل الخلابة لمسلم". وفي إسناده ضعف. وقد رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق [موقوفًا] (أ) بإسناد صحيح (٣). وروى ابن أبي شيبة (٤) من طريق قيس بن أبي [حازم] (ب) قال: كان يقال: التصرية خِلابة. وإسناده صحيح.
واختلف القائلون بخيار التصرية لو كان عالما بالتصرية، هل يثبت به الخيار؟ فيه وجه للشافعية، الأرجح أنه لا يثبت، وكذا عند الهدوية لا يثبت إلا إذا جهل قدر التصرية.
ولو صرّي ثم صار ذلك اللبن عادة هل له الرد؟ فيه وجه لهم، وعند