← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17747

البدر التمام شرح بلوغ المرام ت الزبن

الحسين بن محمد المغربي

Полный текст (4 458 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

بدين. وقال الشافعي (١): أهل الحديث يوهنون هذا الحديث. وقد جزم الدارقطني في "العلل" (٢) بأن موسى بن عبيدة تفرد به. وأخرج الطبراني (٣) من طريق عيسى بن سهل بن رافع بن خديج عن أبيه عن جده: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة، ونهى أن يقول الرجل: أبيع هذا بنقد وأشتريه بنسيئة. حتَّى يبتاعه ويحرزه، ونهى عن كالئ بكالئ، دين بدين. ولكنه من طريق موسى بن عبيدة أيضًا عن عيسى بن سهل. والكالئ من: كلأ الدّين كلئًا فهو كالئ، إذا تأخر، ومنه قولهم: بلغ الله بك أكلأ العمر. أي: أطولَه وأكثره تأخرا. وكلاله إذا أنسأته، وبعض الرواة لا يهمز "الكالئَ" تخفيفا. قال في "النهاية" (٤): وذلك أن يشتري الرجل شيئًا إلى أجل، فإذا حل الأجل لم يجد ما يقضي به، فيقول: بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شيء. فيبيعه ولا يجري بينهما تقابض. وقال الحاكم عن أبي الوليد حسان: هو بيع النسيئة بالنسيئة. كذا نقله أبو عبيد في "الغريب" (٥)، وكذا نقله الدارقطني (٦) عن أهل اللغة. وروى البيهقي (٧) عن نافع: هو بيع الدين بالدين. وقد رواه الشافعي (٨) في باب الخلاف فيما يجب به البيع، بلفظ: نهى عن بيع الدين بالدين. والحديث المذكور في الأصل ظاهره أن التفسير

стр. 2242

مرفوع. والحديث فيه دلالة على أنَّه منهي عن بيع النسيئة بالنسيئة، والبيع إذا وقع على هذا فهو فاسد، والظاهر أن ذلك إجماع، وإن اختلف العلماء هل الفاسد غير الباطل أو هما في معنى واحد؟ والله أعلم. عدة أحاديث الباب ثمانية عشر حديثًا.

стр. 2243

باب الرخصة في العرايا وبيع الأصول والثمار ٦٨١ - عن زيد بن ثابت ﵁، أن رسول الله ﷺ رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلًا. متفق عليه (١). ولمسلم (٢): رخص في العَرِيَّة يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا. قوله: رخص. الترخيص في الأصل بمعنى التسهيل والتيسير، والرخصة في اصطلاح أهل الشرع ما شرع من الأحكام لعذر مع بقاء دليل الإيجاب والتحريم لولا ذلك العذر. وهذا فيه دلالة على أن حكم العرايا مخرج من بين المحرمات مخصوص بالحكم، ويؤخذ منه الرد على من قال من الحنفية: إن دليل تحريم المزابنة عام، وهذا تحليل في شيء آخر. وعلى من قال منهم: إنه منسوخ بالنهي عن بيع الثمر بالتمر. أي الرطب بالتمر؛ لأن المنسوخ لا يكون بعد الناسخ، وهو مصرح باستثنائه في حديث جابر، أخرجه البخاري (٣)، قال: نهى النبي ﷺ عن بيع الثمر حتَّى يطب، ولا يباع شيء منه إلا بالدنانير والدراهم، إلا العرايا. وقوله: في العرايا. أي في بيع [ثمر] (أ) العرايا؛ لأن العرية هي النخلة،

стр. 2244

والعرايا جمع العرية، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. واختلف العلماء في تفسير العرايا؛ فقال مالك: العرية أن يُعرِيَ الرجلُ الرجلَ النخلة، ثم يتأذى المُعْرِي بدخول المعرَى عليه، فرخص له أن يشتريها -أي رطبها- منه بتمر؛ أي يابس. ذكره البخاري عنه معلقا (١). والعرية في الأصل عطية [ثمر] (أ) النخل دون الرقبة، كانت العرب في الجدب يتطوع أهل النخل منهم بذلك على من لا ثمر له كما كانوا يتطوعون بمنيحة الشاة والإبل، واستشهد لذلك بقول حسان بن ثابت أو سويد بن [الصامت] (ب) على اختلاف الروايتين (٢): وليست بسَنهاء ولا رُجَّبية ... ولكن عرايا في السنين الجوائح والسنهاء: التي لا تحمل في سنين الجدب، والرجبية التي تدعم حتَّى لا تميل من الضعف، والعرية فعيلة بمعنى مفعولة أو فاعلة، يقال: عَرَى النخل. بفتح العين والراء، يعروها، إذا أفردها عن غيرها، بأن أعطاها الآخر على سبيل المنحة ليأكل ثمرها. ويقال: عَرِيت النخلة، بفتح العين وكسر الراء، تُعري لأنها عُريت عن حكم أخواتها. ورجح هذا قول مالك بالاشتقاق، وبأن هذا الإطلاق مشهور بين أهل المدينة متداول فيما بينهم، ومالك هو

стр. 2245

أعرف بحال أهل المدينة، وهذا التعليق عن مالك وصله ابن عبد البر (١) من طريق ابن وهب عن مالك. وأخرج الطحاوي (٢) عن مالك أن العرية النخلة للرجل في حائط غيره، وكانت العادة أنهم يخرجون بأهليهم في وقت الثمار إلى البساتين، فيكره صاحب النخل الكثير دخول الآخر عليه، فيقول: أنا أعطيك بخرص نخلتك تمرا. فيرخص له في ذلك. ومن شرط العرية عند مالك أن تكون بهذه المثابة؛ لما يدخل على المالك من الضرر بدخول حائطه، أو لدفع الضرر عن الآخر بقيام صاحب النخل عليها بما يحتاج إليه من السقي وغيره، وأن يكون البيع بعد بدو الصلاح، وأن يكون بتمر (أ) مؤجل. وخالف الشافعي في الأخير فاشترط التقابض. ومثل قول مالك ما أخرجه أبو داود (٣) من حديث ابن إسحاق معلقا، وعلق بعضه البخاري (٤)، قال: العرايا أن يهب الرجلُ للرجل النخلات، فيشق عليه أن يقوم عليها، فيبيعها بمثل خرصها. وقال يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين - أخرجه الإمام أحمد (٥) عنه-: العرايا نخل كانت توهب للمساكين، فلا يستطعون أن ينتظروا بها، فرُخِّص لهم أن يبيعوها بما شاءوا من التمر. وهذا أيضًا إحدى الصورتين

стр. 2246

اللتين في تفسير مالك. وقال الشافعي (١) في تفسير العرايا: هو بيع الرطب على رءوس النخل بقدر كيله من التمر خرصا فيما دون خمسة أوسق. ولا بد من قبض التمر عنده. قال البخاري (٢): وقال ابن إدريس: العرية لا تكون إلا بالكيل من التمر يدًا بيد، لا تكون بالجزاف. والمراد بابن إدريس الشافعي، كما جزم به [المزي] (أ) في "التهذيب" (٣)، والذي في "الأم" للشافعي (٤)، وذكره عنه البيهقي في "المعرفة" (٥) من طريق الربيع عنه قال: العرايا أن يشتري الرجل ثمر النخلة وأكثر بخرصه من التمر (ب)؛ بأن يخرص الرطب، ثم يقدر كم ينقص إذا يبس، ثم يشتري بخرصه تمرا، فإن تفرقا قبل أن يتقابضا فسد البيع. انتهى. وفي مذهب الشافعي وجه أنَّه يختص جواز بيع العرايا بمحاويج الناس، وقد ورد ذلك في حديث زيد بن ثابت أنَّه سمى رجالا محتاجين من الأنصار، شكوا إلى رسول الله ﷺ ولا نقد في أيديهم يبتاعون به رطبا، ويأكلون مع الناس، وعندهم فضول قوتهم من التمر، فرخص لهم أنَّه يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر. أخرجه الشافعي في

стр. 2247

"مختلف الحديث" (١) عن محمود بن لبيد. ففي الحديث الترخيص لمن كان محتاجًا مع حضور التمر، وهو وجه ظاهر لما اشترطه الشافعي. قال الإمام المهدي في "البحر": وما ذكره الشافعي موافق لما ذكرنا، ولا دليل على اشتراط التقابض، وقد عرفت مأخذه من حديث زيد؛ لأن الترخيص إنما وقع في بيع ما ذكر مع عدم تيقن التساوي فقط، وأما التقابض فلم يقع فيه الترخيص، فبقي على الأصل من اعتباره، وأيد الشافعي ما ذهب إليه بأن في قوله: يأكلونها رطبًا. مشعرٌ بأن مشتري العرية يشريها ليأكلها، وأنه ليس له رطب غيرها. وعلى تفسير مالك لصاحب الحائط رطب غيرها، فلم يفتقر إلى أكل العرية. ورد هذا القول ابنُ المنذر وقال (٢): لا أعرف أحدًا ذكره غير الشافعي. قال: ولعل الشافعي أخذه من "سير الواقدي". قال: وعلى تقدير صحته فلا حجة فيه، إذ لم يقع ذلك [في] (أ) كلام الشارع، وإنما ذُكِر في القصة، فيحتمل أن تكون الرخصة وقعت لأجل الحاجة المذكورة، ويحتمل أن يكون للسؤال، فلا يتم الاستدلال مع إطلاق الأحاديث المنصوصة من الشارع. وقد جمع بين الأمرين الحنابلة، فعندهم تجوز العرية لحاجة صاحب الحائط إلى البيع أو لحاجة المشتري إلى الرطب. وقال القرطبي (٢): كأن الشافعي اعتمد في تفسير العرية على قول يحيى

стр. 2248

ابن سعيد، وليس بصحابي حتَّى يعتمد عليه مع معارضة رأي غيره؛ مع أن المتمكن من التمر يمكنه أن يبيعه بدراهم ثم يشتري بذلك رطبا، فالترخيص غير محتاج إليه للضرورة. انتهى. ويظهر وجه الترخيص على قول من لم يشترط التقابض ويجوز النسيئة، بأن الفقير قد لا يكون معه تمر وقت شرائه الرطب، ويرجو حصوله عند الجداد (أ)؛ لما يحصل له من الصدقة، فتظهر حكمة الترخيص من دفع الحاجة. وقال أبو حنيفة: العرايا هو أن يهب الرجل لغيره تمر نخلة من نخلاته ولا يسلم ذلك إليه، ثم يبدو له في ارتجاع تلك الهبة، فرخص له أن يحتبس ذلك ويعطيه بقدر ما وهب له من الرطب بخرصه تمرا. وحمله على هذا تبقية النهي عن بيع التمر (ب) بالتمر على عمومه، ولكنه لم يرد عليه أنَّه يلزم أن يحمل الاستثناء على الانقطاع، وهو خلاف الظاهر. ونسب هذا القول في "البحر" إلى أبي يوسف ومحمد، ونسب إلى أبي حنيفة مثل قول الشافعي إلا في التقابض. ويرد على قول أبي حنيفة أن لفظ الحديث: رخص في العرايا أن تباع. إلى آخره، والرخصة إنما هي بعد منع البيع، والمنع إنما وقع في البيع لا الهبة، وبأن الرخصة قيدت بخمسة أوسق أو ما دونها، على ما سيأتي، والهبة غير مقيدة، وأيضًا فذلك سواء كان على ذي رحم أو غيره، فلو كان من باب الهبة لاحتاج إلى التفصيل، ولا يكون ذلك من باب البدل، بل إعطاء التمر

стр. 2249

بجديد هبة. واعتذر الطحاوي (١) لتصحيح الرخصة، هو أن الإنسان مأمور بإمضاء ما وعد به وإن لم يكن واجبًا عليه، فلما أذن له أن يحبس ما وعد به ويعطي بدله ولا يكون في حكم من أخلف وعده، ظهر بذلك معنى الرخصة. ولا يخفى تعسف هذا الاعتذار. وقوله: بخَرصها. بفتح الخاء المعجمة مصدر، أي بقدر ما فيها، وبكسرها: اسم للشيء المخروص. ٦٨٢ - وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق. متفق عليه (٢). قوله: فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة. بالشك من الراوي، وقد بين مسلم أن الشك فيه من داود بن الحصين، والبخاري كذلك في آخر باب الشرب (٣)، من وجه عن مالك، وقد وقع الاتفاق بين مالك والشافعي في صحة ما دون الخمسة، وامتناع ما زاد على الخمسة، ووقع الخلاف في الخمسة، فللشافعي قولان فيها، والراجح عند المالكية الجواز في الخمسة فما دونها، وعند الشافعية الجواز فيما دون الخمسة ولا يجوز في الخمسة. وهو قول الحنابلة وأهل الظاهر. ونسبه في "البحر" إلى القاسم، وأبي العباس،

стр. 2250

وأبي حنيفة، ومالك. ومنشأ الخلاف أن النهي عن بيع المزابنة هل ورد متقدمًا ثم وقعت الرخصة في العرايا، أو النهي عن بيع المزابنة وقع مقرونًا بالرخصة في بيع العرايا؟ فعلى الأول، لا يجوز في الخمسة للشك في رفع التحريم فيقتصر علي المتيقن، وعلى الثاني، يجوز للشك في قدر التحريم. ويرجح الأول أن سالمًا قال بعد أن ذكر: "ولا تبيعوا الثمر بالتمر" (١). وأخبرني عبد الله عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص في غيره (٢). فأفْهَمَ أن التحريم متقدم والترخيص بعده متأخر. ويُحتج للمالكية بقول سهل بن أبي حثمة: إن العرية تكون ثلاثة أوسق أو أربعة أو خمسة (٣). ولكنه موقوف. وحكى ابن عبد البر (٤) عن قوم تحديد ذلك بالأربعة الأوسق، قال: واحتجوا بحديث جابر. انتهى. وحديث جابر أخرجه الشافعي، وأحمد وصححه، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، من طريق ابن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن عمه واسع بن حَبَّان، عن جابر: سمعت رسول الله ﷺ يقول حين أذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بخرصها يقول: "الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة" (٥). لفظ أحمد، وترجم عليه ابن حبان: الاحتياط [أن] (أ)

стр. 2251

لا يزيد على أربعة أوسق. وهذا الَّذي يتعين المصير إليه، وأما جعله حدا لا يجوز تجاوزه فليس بالواضح. كذا قال المصنف (١) رحمه الله تعالى. وأقول: مع فرض صحة الحديث والقول بمفهوم العدد يتعين المصير إليه، لأن حديث: "فيما دون خمسة أوسق". مجمل في الدون، وهذا مبين للقدر المراد، فهو غير معارض، وحديث سهل لا يعارضه، لأنه موقوف كما عرفت، ولعل الشافعي ومالكًا لم يعملا بهذا لما في ابن إسحاق من المقال، والله أعلم. فلا يلزم الشافعي القول به، وقد وهم (أ [المازري] (ب) فنقل عن ابن المنذر القول بذلك وأنه قال: إن المزني ألزم الشافعي القول به أ). قال المصنف رحمه الله تعالى (٢): وليس في كتب ابن المنذر شيء من ذلك، وإنما فيها ترجيح القول بأن الخمسة لا تجوز وإنما يجوز ما دونها، وهو الَّذي ألزم المزني أن يقول به الشافعي كما هو بين من كلامه. انتهى. وإذا زاد في صفقة علي القدر الذي أبيح، فإن البيع يبطل في الجميع، ولو فرق الصفقة واشترى في صفقتين أكثر من خمسة جاز عند الشافعية، وخرج بعض الشافعية من هذه أنَّه لا يبطل في الصورة الأولى، وهو تخريج بعيد. وقال أحمد وأهل الظاهر: لا تجوز الزيادة ولو في صفقتين. واعلم أن الحديث ورد في الرطب بالتمر على رؤوس الشجر، وأما شراء

стр. 2252

الرطب بعد قطعه (أ) بالتمر، فألحق جوازه كثير من الشافعية، وكذا قال في "المهذب" (١) بجواز العنب بالزبيب. وفي سائر الثمار قولان للشافعي، وهذا الإلحاق فيما زاد على المنصوص من باب القياس، ولكن الأصل المقيس عليه على خلاف القياس، ومن شرط صحة. القياس أن يكون الأصل على سَنن القياس، وذلك لأن القياس في الجنس المتفق تقرر على أنه لا يباع بمثله غير معلوم التساوي، واستثناء العرايا من ذلك في الصورة المخصوصة، والمعنى وإن كان معقولًا لكنه لم يعتبر في أصل آخر، فالواجب الاقتصار على محل النص إلا في الطرف الأول، وهو الرطب بعد قطعه، فإذا ألغي وصف كونه على رءوس النخل، كما بوب بذلك البخاري (٢)، كان محل للرخصة هو الرطب نفسه مطلقا أعم من كونه على رءوس النخل، أو قد قطع فيشمله النص ولا يكون قياسًا، ولا منع من أن تدعو (ب) حكمة الترخيص إلى شراء الرطب الحاصل، فإنه قد يدعو إليه الحاجة في الحال، وقد يكون مع المشتري تمر فيأخذه به، فيندفع ما قاله ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" (٣): إن ذلك لا يجوز وجهًا واحدًا؛ لأن (جـ) أخذ المعاني في الرخصة أن يأكل الرطب على التدريج طريًّا، وهذا المقصود لا يحصل مما على وجه الأرض، والله أعلم. ٦٨٣ - وعن ابن عمر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن

стр. 2253

بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع. متفق عليه (١). وفي رواية: وكان إذا سُئل عن صلاحها قال: "حتى تذهب عاهته" (٢). قوله: الثمار. هو بالثاء المثلثة جمع ثمرة بالتحريك، وهو أعم من الرطب وغيره. وقوله: حتى يبدو صلاحها. بغير همز؛ أي يظهر. واختلف السلف في بدو الصلاح؛ فقيل: المراد به جنس الثمار حتى لو بدا الصلاح في جنس آخر غير المبيع، أو في كل جنس على حدة، أو في كل شجرة على حدة، على أقوال؛ فذهب الليث والمالكية أنه يكفي بدو الصلاح في جنس الثمار بشرط أن يكون الصلاح متلاحقا. والقول الثاني رواية عن أحمد أنه لا بد أن يكون في جنس تلك الثمرة المبيعة. والقول الثالث قول الشافعية، أنه يعتبر الصلاح في الشجرة المبيعة، ويفهم من قوله: يبدو الصلاح. ألا يعتبر بكامله، فيكفي زهو بعض الثمرة وبعض الشجرة مع حصول المعنى المقصود، وهو الأمان من العاهة، وقد منَّ الله سبحانه بجعل الثمار لا تطيب دفعة واحدة لتطول مدة التفكه بها. فائدة خَطِّيَّة: قال النووي في "شرح مسلم" (٣): ومما ينبغي أن ينبه عليه أنه يقع في كتب المحدثين وغيرهم: حتى يبدوا. هكذا بألف في الخط، وهو خطأ، والصواب حذفها في مثل هذا للناصب، وإنما اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصب، مثل: زيد يبدوا. والاختيار حذفها أيضًا، ويقع

стр. 2254

(أأمثله في أ): حتى يزهوا. والصواب حذف الألف. انتهى. والحديث فيه دلالة على أنه منهي عن البيع قبل بدو الصلاح، ولم يظهر كون البيع باطلا أو لا، وفي المسألة خلاف، ولذلك لم يجزم البخاري في التبويب بشيء، وقال (١): باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. والإجماع على أنه لا يصح بيع الثمر قبل خروجه؛ لأنه بيع معدوم، وعلى هذا المعنى (ب) حمل النهي في هذا، وكذا بعد خروجه قبل نفعه، إلا أن الإمام المهدي في "البحر" روى عن المؤيد بالله صحة ذلك بشرط القطع؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢). وقد اعترض عليه في الرواية عنه وأنه روي ذلك في "الغيث"، وفي "الزهور" عن أبي مضر وحده، وكذا بعد نفعه قبل صلاحه بشرط البقاء إجماعًا، وأما من دون شرطه فقال ابن أبي ليلى والثوري، ونسبه في "البحر" إلى أحمد وإسحاق: إنه يبطل البيع. قال المصنف ﵀ (٣): ووهم من نقل الإجماع فيه. وقال الشافعي وأحمد والجمهور: إنه يصح إن شرط القطع. وقال المؤيد والإمام يحيى وأبو حنيفة: إنه يصح وإن لم يشرط. قال أبو حنيفة: ويؤمر بالقطع. كذا رواه في

стр. 2255

"البحر". وقال المصنف في "الفتح" (١): الذي صرح به أصحاب أبي حنيفة أنه صحح البيع حالة الإطلاق قبل بدو الصلاح وبعده، وأبطله بشرط الإبقاء قبله وبعده، وأهل مذهبه أعرف به من غيرهم. وأما بعد صلاحه، فذهب العترة والفقهاء إلى أنه يصح مع شرط القطع إجماعًا، ومع شرط البقاء يفسد إجماعًا وإن جهلت المدة. قال الإمام يحيى: فإن عُلمت صح عند الهدوية؛ إذ لا غرر. وقال المؤيد: لا يصح للنهي عن بيع وشرط، فإن أطلق صح عند الهدوية وأبي حنيفة، إذ ما تردد بين وجهي صحة وفساد، عمل بالصحة إذ هي الظاهر. قال الإمام المهدي: إلا أن يجري عرف بالبقاء مدة مجهولة فسد، ومثله ذكر النووي في "شرح مسلم" (٢). وقوله: نهى البائع والمبتاع. أما البائع فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل، وأما المشتري فلئلا يضيع ماله، وفيه أيضًا قطع التخاصم والنزاع. والعاهة: العيب والآفة، والمراد ما يصيب الثمر، وقد بين ذلك زيد بن ثابت (٣) قال: كان الناس في عهد رسول الله ﷺ يتبايعون (أ) الثمار، فإذا أجذ الناس -بالجيم والذال المعجمة، وهو قطع ثمر النخل- وحضر

стр. 2256

تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الثمر (أ) الدَّمانُ. بفتح الدال وتخفيف الميم، وضبطه الخطابي (١) بضمها، ورُوي فيهما الكسر، وهو فساد الطلع وسواده. وفي رواية يونس: الدمار. بالراء بدل النون، وهو تصحيف كما قال عياض (٢). ووجهه غيره بأنه أراد الهلاك. وقال الأصمعي (٣): الدمال، باللام، العفن. [أصابه] (ب) مراض؛ بكسر أوله. وقال الخطابي (٤): بالضم، وهو داء يقع في الثمرة فتهلك، وهو اسم لجميع الأمراض، يقال: أمرض. إذا وقع في ماله عاهة. زاد الطحاوي في روايته (٥): أصابه عفن. قشام، بضم القاف بعدها شين معجمة مخففة، وهو شيء يصيبه حتى لا يرطب، وقال الأصمعي (٦): هو أن ينقص ثمر النخل قبل أن يصير بلحا. وقشام المائدة: ما ينقص مما بقي على المائدة مما لا خير فيه. عاهات يحتجون بها: أي هذه عاهات أو بدل من المذكورات قبله. فقال رسول الله ﷺ لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: "فإما لا فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر". كالمشورة يشير بها لكثرة خصوماتهم. انتهى. ويفهم من قوله: كالمشورة. أن النهي للتنزيه لا للتحريم، فلا يدل على

стр. 2257

بطلان البيع، وفي حديث زيد بن ثابت أنه كان لا يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر. وقد أخرج أبو داود (١) مرفوعًا عن أبي هريرة قال: "إذا طلع النجم صباحًا رُفعت العاهة عن كل بلد". والنجم هو الثريا، والمراد طلوعها صباحًا، وهو في أول فصل الصيف، وذلك عند اشتداد الحر في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار، وهو المعتبر حقيقة، وطلوع الثريا علامة له. وفي قوله: كان إذا سُئل عن صلاحها. إلخ ما يدل على أن ذلك موقوف على ابن عمر، والله أعلم. ٦٨٤ - وعن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تُزهي. قيل: وما زَهْوها؟ قال: "تحمارُّ وتصفارُّ". متفق عليه واللفظ للبخاري (٢). قوله: تُزهي. يقال: أزهى يُزهي. إذا احمر واصفر، زها النخل يزهو. إذا ظهرت ثمرته. وقيل: هما بمعنى الاحمرار والاصفرار. ومنهم من أنكر يزهو، ومنهم من أنكر يُزهي. كذا في "النهاية" (٣). وقال الخطابي (٤): هذه الرواية هي الصواب ولا يقال في النخل: يزهو. إنما يقال: يُزهي. لا غير. ومنهم من أثبت ما نفاه فقال: زها. إذا طال واكتمل، و: أزهى. إذا احمرَّ واصفرَّ.

стр. 2258

وقوله: قيل: وما زهوها؟. لم يسم السائل في هذه الرواية ولا المسئول أيضًا، وقد رواه النسائي (١) بالتصريح بالمسئول بلفظ قيل: يا رسول الله. وظاهر الرواية التي هنا الرفع، وقد رواه إسماعيل بن جعفر وغيره عن حميد موقوفًا على أنس (٢). وقوله: "تحمارَّ وتصفارَّ". قال الخطابي (٣): لم يُرِدْ بذلك اللون الخالص من الصفرة والحمرة، وإنما أراد حمرة أو صفرة بكمودة، فلذلك قال: "تحمار وتصفار". قال: ولو أراد اللون الخالص لقال: تحمر وتصفر. وبه فسر التشقيح الوارد في الرواية الأخرى، قال ابن التين (٤): أي تغير ألوانها إلى الصفرة والحمرة، فأراد بقوله: "تحمار وتصفار". ظهور أوائل الحمرة والصفرة قبل أن تنضج (أ). قال: وإنما يقال: تفعالّ في اللون المتغير إذا كان يزول ذلك. وأنكر هذا بعض أهل اللغة وقال: لا فرق إلا أنه قد يقال في هذا المحل المراد به ما ذكر، بقرينة قوله: يبدو صلاحها. في الرواية الأخرى وبدو الصلاح بتميز (ب) الألوان، وهو يحصل بما ذكر. والزهو؛ قال الجوهري (٥): بفتح الزاي، وأهل الحجاز يقولونه بالضم،

стр. 2259

وهو البسر الملون، يقال إذا ظهرت الحمرة والصفرة في النخل: قد ظهر فيه الزهو. وقد زها النخل زهوا، [وأزهى] (أ) لغة. انتهى. وهذا في اسم العين (ب)، والمصدر بالفتح كما وقع في الحديث. والله أعلم. ٦٨٥ - وعن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد. رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه ابن حبان والحاكم (١). صححه من حديث حماد عن حميد عن أنس. وقال الترمذي والبيهقي (٢): تفرد به حماد. الكلام في هذا مثل ما تقدم في الثمر. والمراد باسوداد العنب واشتداد الحب بدو صلاحه وأمن الآفة عليه. وفي رواية لمسلم (٣): وعن السنبل حتى يبيض. والمعنى في ذلك اشتداد الحب وهو بدو صلاحه. قال النووي (٤): فيه دليل لمذهب مالك والكوفيين وأكثر العلماء أنه يجوز

стр. 2260

بيع السنبل المشتد، وأما مذهبنا ففيه تفصيل؛ فإن كان السنبل شعيرا أو ذرة أو ما في معناهما مما تُرى حبَّاته خارجة صح بيعه، وإن كان حنطة ونحوها مما تستتر حباته بالقشور التي تزال [بالدياس] (أ) (١) ففيه قولان للشافعي رحمه الله تعالى؛ الجديد أنه لا يصح وهو أصح قوليه، والقديم أنه يصح. وأما قبل الاشتداد فلا يصح بيعه إلا بشرط القطع كما ذكرنا، فإذا باع الزرع قبل الاشتداد مع الأرض بلا شرط صح تبعًا للأرض، وكذا الثمر قبل الصلاح إذا بيع مع الشجر جاز بلا شرط تبعًا، وهكذا حكم [البقول] (ب) في الأرض، لا يجوز بيعها دون [الأرض] (جـ) إلا بشرط القطع، وكذا لا يصح بيع البطيخ ونحوه قبل بدو صلاحه. وفروع المسألة كثيرة، وقد نقحت مقاصدها في "روضة الطالبين" و "شرح المهذب" (٢)، وجمعت فيها جملًا مستكثرةً، وبالله التوفيق. انتهى. ٦٨٦ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو بعت من أخيك ثمرا (د) فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ ". رواه مسلم (٣).

стр. 2261

وفي رواية له (١) أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح. الجائحة هي الآفة التي تصيب الثمرة، من الجَوْح، وهو الاستئصال. الحديث فيه دلالة على أن الثمر الذي على رءوس الشجر إذا باعه المالك وأصابته الجائحة، أن تلفه من مال البائع، وأنه لا يستحق على المشتري في ذلك شيئًا، وظاهر الحديث فيما باعه بيعًا غير منهي عنه وأنه بعد بدو الصلاح؛ لوقوع النهي عن بيعه قبل بدو الصلاح، وإن كان هذا يحتمل وروده قبل النهي، وقد تقدم حديث زيد بن ثابت في بيان ورود أصل النهي وما كان عليه أهل المدينة من الشجار، إلا أنه وقع في رواية حديث زيد بن ثابت من طريق أبي الزناد عن خارجة عن أبيه، أنه قدم رسول الله ﷺ المدينة ونحن نبتاع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فسمع خصومة، فقال: "ما هذا". فذكر الحديث (٢)، فأفاد مع ذكر سبب النهي تاريخ ذلك، فيكون هذا الحديث متأخرًا، فيحمل على البيع بعد بدو الصلاح. وقد ذهب إلى العمل بظاهر الحديث حيث أصابت الجائحة الثمر جميعه أنه يوضع الثمر جميعه، محمد وأبو عبيد، وأن التلف يكون من مال البائع. وقال الشافعي في أصح قوليه وأبو حنيفة والليث بن سعد: إن تلف ذلك يكون من مال المشتري ولا يجب على البائع أن يضع شيئًا، وإنما يستحب له. وهو قول الهدوية؛ لأن التخلية في العقد الصحيح بمنزلة القبض حيث كان العقد صحيحًا، وقد سلمه البائع بالتخلية بينه وبين المشتري،

стр. 2262

فكأنه قد قبضه، واحتجوا على ذلك بما سيأتي [في التفليس] (أ) في حديث أبي سعيد (١) أن النبي ﷺ أمر الناس أن يتصدقوا على الذي أصيب في ثماره. الحديث. فلو كانت توضع لم يفتقر إلى الأمر بالصدقة عليه، وهذا الحديث المذكور محمول على استحباب الوضع أو أنه فيما بيع قبل صلاحه، فالبيع فيه فاسد ولا تكفي التخلية فيه، ولكنه يجاب عن الأول بأن قوله: "فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا". تصريح بالتحريم، وهو أولى بأن يكون قرينة على تأويل حديث أبي سعيد بأن التصدق على الغريم من باب الاستحباب؛ ليكون فيه وفاء بغرضين؛ جبر البائع، وتعريض المشتري لمكارم الأخلاق، ويدل عليه قوله في آخر الحديث لما طلبوا الوفاء: "ليس لكم إلا ذلك". فلو كان لازما لأمرهم بالنَّظِرة إلى ميسرة. وعن الثاني بما عرفت أن النهي عن بيع الثمار قبل بدو الصلاح كان قد تقدم، ومن البعيد أن يحصل من الصحابة ﵃ تعمد مخالفة النهي. وقال مالك: يوضع الثلث. وقول للشافعي: إن كان الذاهب من الثمر دون الثلث لم يجب وضع شيء، وإن كان الثلث فأكثر وجب الوضع وكانت من ضمان البائع. وجنح البخاري إلى مثل تأويل من قال: إن البيع كان قبل بدو الصلاح. وبوب على ذلك، قال: باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ثم أصابته عاهة فهو من البائع. ثم أخرج حديث أنس (٢) أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى

стр. 2263

تُزْهي. فقيل له: وما تزهي؟ قال: "حتى تحمرَّ". فقال رسول الله ﷺ : "أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ ". وهذا بناء من البخاري أن بيع الثمار قبل الصلاح صحيح، ولذلك بوب قبل هذا: باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. وذكر في هذا الباب حديث زيد (١)، وجعل ذلك كالمشورة عليهم، على أن النهي ليس للتحريم. ٦٨٧ - وعن ابن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبَّر، فثمرتها للبائع الذي باعها إلا أن يشترط المبتاع". متفق عليه (٢). "ابتاع" أي اشترى، والنخل اسم جنس يذكر ويؤنث والجمع نخيل. وقوله: "تؤبر". مضارع أُبِرَت بوزن أكلت مخففًا على المشهور، ومشددًا؛ تقول: أبّرته أُؤبره تأبيرًا. بوزن علمته تعليمًا، والتأبير التشقيق والتلقيح (أ)، ومعناه شق طلع النخلة الأنثى ليذر فيها شيء من طلع النخلة الذكر، والحكم مستمر بمجرد التشقيق ولو لم يضع فيه شيئًا، بل ولو تشققت بنفسها فالحكم فيها (ب) هذا.

стр. 2264

والحديث ذهب إلى العمل بظاهره الجمهور أن الثمرة بعد التأبير للبائع، وهذا منطوقه، ودليل الخطاب أنها قبل التأبير للمشتري وهو مفهوم صفة معمول به. وقال أبو حنيفة: هي للبائع قبل التأبير وبعده. فعمل بمنطوق الحديث بعد التأبير، ولم يعمل بمفهومه قبل التأبير بناء على مذهبه من عدم العمل بمفهوم المخالفة. ورُد على أبي حنيفة بأن الظاهر يخالف المستتر في البيع، أي أن الفوائد الظاهرة تخالف المستترة، فإن الأمَة ولدها المنفصل لا يتبعها والحمل يتبعها. وقال ابن أبي ليلى: هي للمشتري قبل التأبير وبعده. وقوله منابذ للسنة، ولعله لم يبلغه الحديث. وقوله: "إلا أن يشترط المبتاع". أي المشتري بأن يقول: اشتريت الشجرة بثمرتها. كانت الثمرة له، وسواء كان الشرط للكل أو للبعض. وقال ابن (أ) القاسم: لا يجوز اشتراط البعض. وقالت الشافعية: لو باع نخلة بعضها مؤبَّر وبعضها غير مؤبَّر فالجميع للبائع، وإن باع نخلتين فكذلك بشرط اتحاد الصفقة، وإن أفرد فلكلٍّ حكمُه، ويشترط كونهما في بستان واحد، وإن تعدد فلكلٍّ حكمُه، ونص أحمد على أن الذي يؤبَّر للبائع والذي لا يؤبَّر للمشتري، ووجه قول الشافعية هو دفع ضرر اختلاف الأيدي وسوء المشاركة، وجعل المالكية الحكم للأغلب، واختلفوا فيما إذا باع نخلة وبقيت ثمرتها له ثم خرج طلع آخر من تلك النخلة؛ فقال ابن أبي هريرة (١): هو للمشتري؛ لأنه ليس للبائع إلا ما وجد دون ما لم يوجد. وهذا

стр. 2265

هو المختار عند الهدوية، فإن التبس فوجهان عندهم؛ يفسد العقد. والثاني: يقسم الثمر. ويبين مدعي الزيادة والفضل وهو المعمول عليه. وقال الجمهور من الشافعية: هو للبائع؛ لكونه من ثمرِه المؤبرة دون غيرها. ويدل الحديث أن الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد لا يفسد البيع فيخُص النهي عن بيع وشرط. وفي الحديث جواز التأبير، ويقاس عليه ما يعتاده أهل الحراثة من الأسباب التي أجرى الله العادة بحصول الثمرة معها، وهذا النص ورد في النخيل، ويقاس سائر الأشجار على ذلك، والله أعلم.

стр. 2266

أبواب السلم والقرض والرهن ٦٨٨ - عن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يُسلِفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: "من أسلف في تمر فلْيُسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم". متفق عليه (١)، وللبخاري: "من أسلف في شيء". قوله: وهم يُسْلفون. السَّلَف بفتحتين هو السلَم وزنًا ومعنى، وذكر الماوردي (٢) أن السلف لغة أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز. وقيل: السلف. لتقديم رأس المال، و: السلم. لتسليمه في المجلس. والسلم شرعًا: بيع موصوف في الذمة ببدل (أ) يعطى عاجلًا. واتفق العلماء على مشروعيته إلا ما حكي عن ابن المسيب، والخلاف في بعض الشروط، والاتفاق على أنه يشترط فيه ما يشترط في البيع وعلى تسليم رأس المال في المجلس، إلا مالكًا فأجاز تأجيل الثمن مدة يسيرة يومًا أو يومين.

стр. 2267

واختلفوا هل هو عقد غرر جوز للحاجة أم لا؟ وقوله: السنة والسنتين. منصوبان (أ) بنزع الخافض أي: إلى السنة والسنتين، أو قائمان (ب) مقام المصدر العددي. وقوله: "من أسلف في تمر". بالتاء المثناة، وقد روي بالمثلثة وهي أعم، ووقع بهذا اللفظ لابن علية. وفي رواية ابن عيينة: "من أسلم في شيء". وهي أعم. وقوله: "في كيل معلوم". إذا كان مما يكال، "أو (جـ) وزن معلوم". إذا كان مما يُوزن، وإن كان من غير ذلك فلا بد من ذكر وزنه عند الهدوية، ولا يكفي العدد إلا حيث علم تساويه كالجوز، كذا ذكره الإمام المهدي في "البحر". قال المصنف رحمه الله تعالى في "الفتح" (١): فإن كان مما لا يكال ولا يوزن فلا بد فيه من عدد معلوم. رواه عن ابن بطال (٢)، وادعى عليه الإجماع. قال المصنف (٣): أو ذرع معلوم، والعدد والذرع ملحق بالكيل والوزن

стр. 2268

للجامع بينهما؛ وهو ارتفاع الجهالة بالقدار، وفي (أ) البخاري إشارة إلى أن ما يوزن لا يُسلَم فيه بالكيل، وبالعكس، وهو أحد وجهين عند الشافعية، والأصح الجواز. واتفقوا على اشتراط تعيين الكيل فيما يُسلَم فيه بالكيل، كصاع الحجاز وقفيز العراق وإردب مصر، وهذه المكاييل مختلفة، فإذا أطلق انصرف إلى الأغلب في الجهة التي كان فيها عقد السَّلَم. وأجمعوا على أنه لا بد من معرفة صفة الشيء المسْلَم فيه صفة تميزه عن غيره، ولم يتعرض له في الحديث؛ لأنهم كانوا يعملون به، فتعرض لما كانوا يهملونه. وقوله: "إلى أجل معلوم". ظاهره كون الأجل شرطا في صحة السَّلَم، فإن كان حالًّا لم يصح، أو كان الأجل مجهولا، وعند الشافعية يصح في الحال، وحملوا هذا بأن المراد أنه إذا أسلم إلى أجل فليكن الأجل معلومًا لا مجهولًا، وأما السَّلَم في الحالِّ فجوازه بطريق الأولى؛ لأنه إذا جازت مع الأجل وفيه غرر جاز في الحالِّ بالأَولى لبعده عن الغرر. ورُد عليهم بعقد الكتابة، وأجيب بالفرق؛ لأن الأجل في الكتابة شرع لعدم قدرة العبد على التأدية غالبا، وذهب ابن عباس إلى اختصاص السلم بالأجل، وأبو سعيد والأسود والحسن، هكذا علق الرواية البخاري (١)، وقد وصل الشافعي (٢) حديث ابن عباس قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه. ثم قرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا

стр. 2269

تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ الآية (١). وقد أخرجه الحاكم (٢) من هذا الوجه وصححه. وروى ابن أبي شيبة (٣) عن ابن عباس: لا سلف إلى العطاء ولا إلى الحصاد، واضرب أجلًا. وأما قول أبي سعيد الخدري، فوصله عبد الرزاق (٤) قال: السلم بما (أ) يقوم به السعر ربا، ولكن السلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم. وأما قول الحسن، فوصله سعيد بن منصور (٥) أنه كان لا يرى بأسا بالسلف في الحيوان إذا كان سِنًّا معلومًا إلى أجل معلوم. ويفهم من قول ابن عباس: لا سلف إلى العطاء. أنه يشترط تعيين وقت الأجل بحد لا يختلف، فإن كان وقت العطاء لا يختلف صح التوقيت به، وقد صرح بذلك المهدي في "البحر"، وقال مالك وأبو ثور: يصح التوقيت بالحصاد ونحوه. واختار ابن خزيمة (٦) من الشافعية التوقيت بالميسرة، واحتج بحديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ بعث إلى يهودي: "ابعث إليَّ ثوبين إلى الميسرة". وأخرجه النسائي (٧)، وسيأتي قريبًا (٨)، وطعن ابن

стр. 2270

المنذر (١) في صحته بما وهم فيه، وقد يجاب عنه بأنه لا يدل على مطلوبه؛ لأنه ليس في الحديث إلا مجرد الاستدعاء، فلا يمتنع أنه إذا وقع العقد قيد بشرطه، فلذلك لم يصف الثوبين. ويجاب عن هذا بأن هذا خلاف الظاهر، وأنه بين له ﷺ الأجل الذي يسلم فيه الثمن ليختبر رضا البائع هل يرضى بذلك فيتم البيع عليه أو يأبى فلا بيع؟ وقال المؤيد: أقل الأجل ثلاثة أيام لاعتبارها في كثير من التأجيلات كتأجيل الشفيع ونحوه. وقال المنصور بالله: بل أربعون يومًا إذ هو أقل ما يحصل فيه ثمرة كالطَّهْف (٢) والجُعْرة (٣). وقال الناصر: بل أقله ساعة إذ يحصل بها (أ) أجل. قال الإمام يحيى: ولا نص للقاسمية، والمختار قول المؤيد. وأقول: الظاهر أنه يحمل التأجيل في الحديث على ما يعد أجلا عرفًا، فالساعة والساعتان لا يُعَدان، والعرف يختلف؛ فكما اعتبر في الكيل والوزن بما يعتاده أهل الجهة فكذلك هذا. وقد زيد على ما ذكر في الحديث تعيين المكان الذي يسلم فيه؛ ذهب إلى ذلك زيد بن علي والهدوية والناصر والثوري وزفر قياسًا على الكيل والوزن والأجل. وذهب الحسن بن صالح وشريك والعنبري وأبو يوسف

стр. 2271

ومحمد إلى أنه لا يشترط اقتصارًا على الوارد. والجواب القياس دليل فيعتبر (أ). وقال أبو حنيفة: إن كان لحمله مؤنة اشترط وإلا فلا، إذ لا فائدة. وقال أصحاب الشافعي: إنْ عَقَدا حيث لا يصلح للتسليم كالطريق اشترط، وإلا فقولان، وعلى القول باعتباره فلا يلزم المسلم قبوله في غير المكان المشروط، ولو بذل المسلَم إليه الأجرة لم يحل أخذها؛ إذ لا يحل أخذ العوض عن المسلَم فيه، فكذا عن موضع تسليمه، فإن عين السوق وبما إليه، وإن قال: إلى البلد. وجب إلى خلف السور إن كان، وإلا فأطرف دارٍ منها. ٦٨٩ - وعن عبد الله بن أبي أوفى وعبد الرحمن بن أبزى ﵄ قالا: كنا نصيب الغنائم مع رسول الله ﷺ وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب -وفي رواية: [والزيت] (ب) إلى أجل مسمى. قيل: أكان لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك. رواه البخاري (١). عبد الرحمن بن أبزى، بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وفتح الزاي، الخزاعي مولى نافع بن عبد الحارث الخزاعي، سكن الكوفة واستعمله علي بن أبي طالب على خراسان، أدرك النبي ﷺ وصلى خلفه، وأكثر روايته عن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب، روى عنه ابناه سعيد وعبد الله، ومحمد

стр. 2272

ابن أبي المجالد، ومات بالكوفة، ولأبزى أيضًا صحبة على المختار (١). قوله: أنباط من أنباط الشام. وفي رواية: نَبِيط أهل الشام. وهم قوم من العرب دخلوا في العجم والروم واختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم، وكان الذين اختلطوا بالعجم منهم ينزلون [البطائح] (أ) بين العراقين، والذين اختلطوا بالروم ينزلون بوادي الشام، ثم استعمل في أخلاط الناس وعوامهم. ويقال لهم: النَّبَط. بفتحتين، والنبيط بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة تحتانية، قيل: سموا بذلك لمعرفتهم بأنباط الماء، أي استخراجه لكثرة معالجتهم الفلاحة. والحديث فيه دلالة على صحة السلف وإن كان المسْلَف فيه معدومًا حال العقد، فإن قولهما: ما كنا نسألهم عن ذلك. يدل على صحته مطلقا؛ لأنه لو كان من شرطه وجوده لاستفصلوهم، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم، وقد جرى على ذلك الشافعي في كثير من المواضع، وقد ذهب إلى هذا العترة والشافعي ومالك، واشترطوا إمكان وجوده عند حلول الأجل ولا يضر انقطاعه قبل حلول الأجل. وقال الناصر وأبو حنيفة: بل يشترط وجوده قبل حلول الأجل، ولا يصح فيما ينقطع قبله؛ إذ ما بعد العقد محل للتسليم، إذ يجب قبول المعجل، [ونقده فيه كنقده] (ب) عند حلول الأجل. والجواب ما عرفت من ترك الاستفصال،

стр. 2273

وأيضًا فإن النبي ﷺ أقر أهل المدينة على إسلام السنة والسنتين، والرطب ينقطع في ذلك، وكون عقيب العقد محلا للتسليم لا يوجبه؛ إذ لا يتضيق بخلاف وقت الحلول، كذا ذكر الإمام في "البحر"، فإن تعذر عند حلول الأجل لم ينفسخ عند الجمهور، وفي وجه للشافعية ينفسخ، ومثله في "البحر"، قال: كما لو قارن، وكتلف المبيع قبل التسليم، فإن انقطع الجنس قبل حلول الأجل وغلب في الظن استمرار انقطاعه ففي انفساخه قبل الحلول تردد. قال الإمام يحيى: الأصح أنه لا ينفسخ إلا بعده. وفي الحديث. دلالة على جواز مبايعة أهل الذمة والسلم إليهم، ورجوع المختلفين عند التنازع إلى السنة، والاحتجاج بتقرير النبي ﷺ ، وأن السنة إذا وردت بتقرير حكم كان أصلًا برأسه، والله أعلم. ٦٩٠ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله". رواه البخاري (١). قوله: "من أخذ أموال الناس". ظاهره العموم لوجوه الأخذ، فيشمل من أخذها بطريق المعاملة أو بطريق الحفظ لها. وقوله: "يريد أداءها". جملة حالية. "أدى الله عنه". هذا جواب الشرط، والمراد بالتأدية هو تيسير قضائها في الدنيا، أو في الآخرة إذا تعذر

стр. 2274

عليه القضاء بالإفلاس أو نحوه، ويدخل فيه مَن فجَأه الموتُ ومعه مال مخبوء وكان نيته وفاء دينه ولم يمكنه الوصية بذلك، خلافًا لابن عبد السلام (١) في هذا، ويدل عليه حديث ميمونة أخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم (٢): "ما من مسلم يَدَّان دَينًا يعلم الله أنه يريد أداءه إلا أداه الله عنه في الدنيا والآخرة". وقوله: "ومن أخذها". أي أموالهم. "يريد إتلافها" على أهلها بإنفاقه لها في أي نفقة. "أتلفه الله". ظاهره أن الله تعالى يتلفه في الدنيا، وهو يشمل إتلاف معاشه بالمحن والمصائب ومحق البركة، وإتلافه في نفسه بالقتل وتسليط الآفات التي يكون بها حتفه، ويحتمل أن يراد الإتلاف في الآخرة بالعذاب. قال ابن بطال (٣): فيه [الحض] (أ) على ترك استئكال أموال الناس والترغيب في حسن التأدية إليهم عند المداينة، وأن الجزاء قد يكون من جنس العمل. وقال الداودي (٣): فيه أن من عليه دين لا يُعتق ولا يتصدق، وإن فعل رُد. وفي المأخذ بُعْدٌ. وقال ابن المنير (٤): إن من اشترى شيئًا بدين وتصرف فيه وأظهر أنه قادر

стр. 2275

على الوفاء ثم تبين الأمر بخلافه، أن البيع لا يرد بل يُنتظر به حلول الأجل؛ لاقتصاره ﷺ على الدعاء عليه، ولم يلزمه رد البيع. وفي الحديث الترغيب في حسن النية والترهيب من ضد ذلك، وأن مدار العمل عليها، وأن المستدين مع نية الوفاء مرغوب في عمله، وقد أخذ بذلك عبد الله بن جعفر فيما رواه ابن ماجه والحاكم (١) من رواية محمد بن على عنه أنه كان يستدين، فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله مع الدائن حتى يقضي دينه". إسناده حسن، لكن اختلف فيه على محمد بن علي، [ورواه] (أ) الحاكم (٢) من طريق القاسم بن المفضل عنه (٥) عن عائشة بلفظ: "ما من عبد كانت له نية في وفاء دينه إلا كان له من الله عون". قالت: فأنا ألتمس ذلك العون. وساق له شاهدًا من وجه آخر عن القاسم عن عائشة. ٦٩١ - وعن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، إن فلانًا قدم له بَزٌّ من الشام، فلو بعثت إليه فأخذت منه ثوبين بنسيئة إلى ميسرة. فأرسل إليه فامتنع. أخرجه الحاكم والبيهقي (٣) ورجاله ثقات. الحديث فيه دلالة على صحة التأجيل بالميسرة، وقد تقدم الكلام فيه

стр. 2276

قريبًا فراجعه (١). ٦٩٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الظهر يُركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدَّرِّ يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يَركب ويشرب النفقة". رواه البخاري (٢). قوله: "الظهر يُركب". بضم أوله على البناء للمفعول، وكذلك "يشرب". وهو محتمل أن يكون الفاعل الراهن أو المرتهن؛ فقد قيل: إنه مجمل غير متعَيَّن المراد. وأجيب عن ذلك بأنه لا إجمال، وأنه متعين أن يكون هو المرتهن؛ لقرينة العوض، وهو الركوب واللبن، والراهن النفقةُ واجبة عليه لأجل ملكه الرقبة. وقد دل على أنه يستحق المرتهن الانتفاع بالرهن في مقابلة المؤنة، وقد ذهب أحمد وإسحاق إلى العمل بظاهر الحديث، وخصوا ذلك بالركوب والدَّرِّ، فقالوا: ينتفع بهما بقدر قيمة النفقة ولا يقاس غيرهما. وذهب الجمهور إلى أن المرتهن لا ينتفع من المرهون بشيء، وتأولوا الحديث لكونه ورد علي خلاف القياس من وجهين؛ أحدهما التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه. والثاني تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة. قال ابن عبد البر (٣): هذا الحديث عند جمهور الفقهاء ترده أصول مجتمعة وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها، ويدل على نسخه حديث ابن عمر: "لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه". أخرجه البخاري في أبواب المظالم (٤).

стр. 2277

انتهى. وقال الشافعي: يشبه أن يكون المراد: من رهن رهنا ذات ظهر ودر لم يمنع الراهن من درها وظهرها، فهي محلوبة ومركوبة له كما كانت قبل الرهن. بجعل الفاعل المحذوف هو الراهن، وهو بعيد. واعترضه الطحاوي (١) بأنه قد صرح بالمراد في رواية هشيم عن زكريا في هذا الحديث ولفظه: "إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها" الحديث. قال: فعين أن المراد المرتهن لا الراهن، ثم أجاب عن الحديث بأنه محمول على أنه كان قبل تحريم الربا، فلما حرم الربا حرم أشكاله؛ من بيع اللبن في الضرع وقرض يجر نفعًا. قال: فارتفع بتحريم الربا ما أبيح في هذا للمرتهن. وتُعقب بأن هذا احتمال للنسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، والتاريخ غير معروف، والجمع بين الأحاديث ممكن، وبأن طريق هشيم المذكورة زعم ابن حزم (٢) أن إسماعيل بن سالم الصائغ تفرد عن هشيم بالزيادة وأنها من تخليطه. وتعقب بأن أحمد رواها في "مسنده" (٣) عن هشيم كذلك، وكذلك أخرجه الدارقطني (٤) من طريق زياد بن أيوب عن هشيم. وذهب الأوزاعي والليث وأبو ثور (٥) إلى حمل الحديث على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على المرهون، فيباح حينئذ للمرتهن الإنفاق على الحيوان حفظا

стр. 2278

لحياته ولإبقاء المالية فيه، وجعل له في مقابلة نفقته الانتفاع بالركوب أو شرب اللبن، بشرط ألا يزيد قدر ذلك أو قيمته على قدر علفه. وهذا تأويل حسن، وبه يتم الجمع بين الأحاديث. وقد أجرى العلماء هذا الحكم في العين الشتركة إذا غاب الشريك واحتاجت إلى المؤن، وكذلك الوديعة والعارية والمؤجرة، وكان الضابط لذلك: كل عين لغيره في يده بإذن الشرع فإنه ينفق عليها بنية الرجوع على المالك، وله أن يؤجرها أو يتصرف في لبنها في قيمة العلف، إلا أنه إذا كان في البلد حاكم ولم يفعل بإذن الحاكم، فلا رجوع له بما أنفق وتلزمه غرامة المنفعة واللبن، وإن لم يكن في البلد حاكم أو كان يتضرر (أ) الحيوان بمدة الرجوع إلى الحاكم فله ولاية في ذلك ويرجع بما أنفق. وعلى ما حكى الإمام المهدي عن أبي حنيفة والشافعي أنه لا يرجع الشريك إلا إذا كان ما فعله (ب) بإذن الحاكم وكذلك غيره. وقال الموفق (جـ) في "المغني" (١): إن نفقة الحيوان واجبة، وللمرتهن فيه حق وقد أمكنه استيفاء حقه من نماء الرهن والنيابة (د) عن المالك فيما غرمه عليه واستفاد ذلك من منافعه، فجاز ذلك كما يجوز للمرأة أخذ مؤنتها من مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه والنيابة في الإنفاق عليها. انتهى. وهذا راجع إلى تأويل الأوزاعي المار، والله أعلم.

стр. 2279

٦٩٣ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَغْلَق الرهنُ من صاحبه الذي رهنه، له غُنْمُه وعليه غُرْمُه". رواه الدارقطني والحاكم (١) ورجاله ثقات، إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله (٢). والبيهقي (٣) أيضًا من طريق زياد بن سعد عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا. وأخرجه ابن ماجه (٤) من طريق إسحاق بن راشد مرفوعًا. وأخرجه الحاكم (٥) من [طرق] (أ) موصولة أيضًا. ورواه الأوزاعي وابن أبي ذئب ويونس عن الزهري عن سعيد مرسلًا. ورواه الشافعي (٦) عن ابن أبي فديك، وابن أبي شيبة (٧) عن وكيع، وعبد الرزاق (٨) عن الثوري، كلهم عن ابن أبي ذئب كذلك. قال الشافعي: غنمه زيادته (ب)، وغرمه هلاكه. وصحح أبو داود والدارقطني إرساله، وأخرجه ابن حزم (٩) من طريق قاسم بن أصبغ موصولًا إلى سعيد بن المسيب و [أبي] (جـ) سلمة بن

стр. 2280

عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغلق الرهن، الرهن (أ) لمن رهنه، له غُنْمُه (ب) وعليه غُرْمُه". قال ابن حزم: هذا إسناد حسن. قال المصنف ﵀ (١): وأخرجه (جـ) الدارقطني (٢) من طريق عبد الله بن نصر الأصم الأنطاكي عن شبابة بالإسناد المذكور، وصححها عبد الحق (٣)، وعبد الله بن نصر له أحاديث منكرة ذكرها ابن عدي (٤)، وقد وقع في إسناد ابن حزم تصحيفه إلى نصر بن عاصم؛ حذف عبد الله وصحف الأصم بعاصم. انتهى. وقوله: "له غُنْمُه وعليه غُرْمُه". اختلف العلماء في رفعها ووقفها على سعيد بن المسيب؛ فرفعها ابن أبي ذئب ومعمر وغيرهما مع كونهم أرسلوا الحديث على اختلاف على ابن أبي ذئب، ووقفها (د) غيرهم، وقد روى ابن وهب هذا الحديث فجوده، وبين أن هذه اللفظة من قول سعيد بن المسيب، وقال أبو داود في "المراسيل": قوله: "له غُنْمُه وعليه غُرْمُه". من كلام سعيد، نقله عنه الزهري.
следующие страницы →